يشترط لعقد النكاح إتحاد مجلس الإيجاب والقبول إذا كان العاقدان حاضـرين وإن طـال من غـير اشتغال بمـا يـدل عـلى الإعراض وسماع كل منهما كلام الآخر وإن لم يفهما معناه مع علمهما أنه مقصود به عقد النكاح وعدم مخالفة القبول للإيجاب .
يشترط لعقد النكاح إتحاد مجلس الإيجاب والقبول إذا كان العاقدان حاضـرين وإن طـال من غـير اشتغال بمـا يـدل عـلى الإعراض وسماع كل منهما كلام الآخر وإن لم يفهما معناه مع علمهما أنه مقصود به عقد النكاح وعدم مخالفة القبول للإيجاب .
1 ـ الرأى فى المذهب الحنفى أنه إذا زوج المعتوه نفسه أو زوجه وليه الأبعد مع وجود الأقرب ، فإن عقد الزواج يكون موقوفاً على إجازة الولى الأقرب ، فإن أجازه نفذ و إلا بطل ، و الإجازة تثبت بالصريح و بالضرورة و بالدلالة قولاً أو فعلاً ، و لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أن المرحوم ... زوج المعتوه بالمطعون عليها ، و هو من أقاربه البعيدين ، و إعتبر الحكم أن الطاعن ، و هو شقيق المعتوه و ولى النكاح الأقرب ، قد أجاز عقد الزواج دلالة بحضوره مجلس العقد ، و استئجاره مسكناً لشقيقه المذكور بعد الزواج للإقامة فيه مع زوجته ، و تردده عليهما فى ذلك المسكن و استلامه لشقيقه ( المعتوه) من والد زوجته ، و تأخره فى رفع الدعوى ، و لما كانت هذه الأمور لا تدخل فى مفهوم الإجازة دلالة بمعناها الشرعى ، إذ لا تحمل أى معنى مشترك من المعانى التى وضعت لإجازة عقد الزواج ، و ليست شرطاً له و لا ركناً فيه و لا أثراً من آثاره ، و لا يوجد فيها معنى ثابت للإجازة ثبوتاً قطعياً لا يحتمل الشك ، بل تحتمل أكثر من إحتمال ، لأن سكوت ولى النكاح فى مجلس عقد زواج محجوره ، لا يكون رضا إذ يحتمل الرضا و يحتمل السخط ، و لأن تأجير الطاعن مسكناً للمعتوه بعد الزواج و زيارته فيه و إستلامه من والد الزوجة ، أمور يباشرها ولى النفس باعتبار أنها من لوازم ولاية الحفظ و مقتضياتها الواجبة عليه نحو محجوره أو بدافع الشفقة عليه ، و لأن مضى المدة مهما طال أمدها لا يعتبر إجازة للعقد الموقوف ، و هو ما يتعين معه حسب النصوص الفقهية ألا تعتبر هذه الأمور منفردة أو مجتمعة إجازة بطريق الدلالة من الولى الأقرب لعقد زواج المعتوه ، و ذلك ما لم يكن قد جرى عرف مخالف اعتبرها إجازة بالدلالة .
(الطعن رقم 7 لسنة 39 جلسة 1973/02/14 س 24 ع 1 ص 251 ق 44)
2 ـ المجنون فى فقه الشريعة الإسلامية من أصيب بإختلال فى العقل يفقده الإدراك تماماً و تكون حالته حالة إضطراب ، و حكمه أن تصرفاته القولية تكون باطلة بطلاناً كلياً فلا تصح له عبارة أصلاً و لا ينبنى عليها أى حكم من الأحكام .
(الطعن رقم 57 لسنة 49 جلسة 1981/06/23 س 32 ع 2 ص 1907 ق 344)
3 ـ الرأى فى المذهب الحنفى أنه إذ زوج المجنون نفسه فلا ينعقد عقده لأن عبارته ملغاة لا أثر لها و لا إرتباط ينشأ بوجودها ، و إذ كان الثابت فى الأوراق أن زوج الطاعنة سبق الحكم بتوقيع الحجر عليه لجنونه قبل زواجه بها و أنه باشر عقد الزواج بنفسه فإن العقد لا ينعقد بعبارته و لا تترتب عليه آثار الزواج الشرعى و يكون طلاقه لها فى هذه الحالة وارداً على غير محل .
(الطعن رقم 64 لسنة 54 جلسة 1987/04/28 س 38 ع 1 ص 640 ق 139)
أركان الزواج :
أركان كل عقد هي أجزاؤه التي يتركب منها ويتحقق بها وجوده وانعقاده وهي العاقدان . والمعقود عليه . وصيغة العقد المكونة من الإيجاب والقبول . ولما كان وجود الصيغة يستلزم وجود العاقدين والمعقود عليه اقتصر أكثر الفقهاء في بيان أركان الزواج على قولهم أركان الزواج الإيجاب والقبول .
فالإيجاب هو ما صدر أولا من أحد العاقدين تعبيرا عن إرادته في إيجاد الارتباط وإنشائه ، والقبول هو ما صدر ثانيا من الآخر للدلالة على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول . وقد يكون الموجب أي الباديء هو الزوج أو وكيله أو وليه . والقابل هو الزوجة أو وكيلها أو وليها . وقد يكون العكس . وقد يتولى صيغة العقد اثنان وهو الكثير الغالب . وقد يتولاها واحد قائم مقام اثنين كان يكون وليا على الزوجين أو وكيلا عنهما أو أصيلا من جانب ووليا أو وكيلا من الجانب الآخر فعبارة هذا الواحد بمنزلة عبارتين ، وهو تارة ذو صفة واحدة . وتارة ذو صفتين مختلفتين .
ولابد في الإيجاب والقبول من تحقق أمرين : أحدهما من حيث صورتهما اللفظية . والثاني من حيث مادتهما واشتقاقهما.
فأما من حيث صورتهما فلابد أن يكونا بلفظين على صورة الفعل الماضي مثل زوجتك موکلتی . قبلت . أو وهبت لك نفسي . قبلت . لأن الغرض من الصيغة التعبير عن حصول رضا من الطرفين وتوافق بين إرادتهما والذي يدل على حصول هذا فعلا وقت التعاقد هو ما كان على صيغة الماضي وأما ما كان على صيغة الحال أو المستقبل فلا يدل قطعا على حصول الرضا فعلا فلو قال أحدهما تزوجنى موكلتك فقال الآخر : أقبل . فلا تتكون بهذين اللفظين صيغة عقد الزواج لأنهما ما دلا قطعا على حصول رضا وقت التكلم ، لأنه يحتمل أن يراد باللفظ الأول الاستيعاد وبالثاني الوعد. والوعد بالزواج مستقبلا ليس عقدا له في الحال . فمادامت الصيغة تحتمل معنى غير العقد لا ينعقد بها الزواج .
لهذا استعمل الشارع لإنشاء العقود الصيغة التي تدل على تحقق الرضا ووجوده فعلا وهي صيغة الماضي . لأنها قطعية في الدلالة على حصول الرضا من العاقدين ولا تحتمل معنى آخر .
ولو قال الخاطب لمخطوبته زوجینی نفسك فقالت زوجتك نفسي انعقد الزواج مع أن إحدى العبارتين على صيغة المستقبل لا الماضي ولكن ليس في هذا مخالفة لما تقدم لأن الحقيقة هي أن قوله زوجینی نفسك ليس هو الإيجاب وإنما هو توكيل لها في أن تزوجه نفسها فقولها زوجتك نفسي هي عبارة قائمة مقام العبارتين وهي تولت طرفي العقد بالأصالة من جانبها والوكالة عنه وعبارتها على صيغة الماضي . وهذا توجيه قول الفقهاء وينعقد بإيجاب وقبول وضعا للمضي أو وضع أحدهما للمضى والآخر للاستقبال .
. وأما من حيث مادتهما واشتقاقهما فالقبول لا يشترط اشتقاق لفظه من مادة خاصة بل يتحقق بأي لفظ يدل على الموافقة والرضا من أي مادة كانت مثل قبلت . رضيت . وافقت . أجزت . نفذت . أمضيت . وأما الإيجاب فلابد أن يكون بلفظ مشتق من الزواج . أو النكاح أو مشتق مما يدل على تمليك العين في الحال مثل الهبة والتمليك والبيع . وما يرادف ذلك من أي لغة . أما ما لا يدل على التمليك أصلا كالإباحة والإحلال والإيداع . وما يدل على تمليك المنفعة لا العين كالإيجارة والإعارة . وما يدل على تمليك العين لكن لا في الحال كالوصية فلا يتحقق الإيجاب بلفظ منها لأن معانيها تنافي معنى الزواج الشرعي المقصود به ملك المتعة في الحال على سبيل التأييد والدوام .
شروط الانعقاد : شروط انعقاد الزواج هي التي تلزم لتحقق أركانه ويترتب على إخلال بواحد منها اخلال بركن من أركان الزواج فلا ينعقد شرعا ولا تترتب عليه آثار الزواج الشرعي . وهي أربعة :
1- أهلية العاقدين بالتمييز فإذا كان أحد العاقدين فاقد الأهلية للعقد بفقده التمييز بأن كان مجنونا أو صغيرا غير مميز فلا ينعقد الزواج بعبارته .
2- اتحاد مجلس الإيجاب والقبول والمراد باتحاد مجلسهما أنه إذا صدر الإيجاب لا يوجد من العاقدين أو أحدهما ما يدل على الإعراض عنه والاشتغال بغيره حتى يصدر القبول لأنه إن وجد ذلك يعد منهيا للإيجاب فلا يصادف القبول محله - وليس المراد باتحاد مجلسهما الفور وأن يكون القبول أثر الإيجاب فورا لأنه لو طال المجلس وتراخى القبول عن الإيجاب ولم يصدر بينهما ما يدل على الاشتغال والإعراض فمجلسهما متحد. وهذا إذا كان العقد بالمشافهة بين عاقدين حاضرین . أما إذا كان العقد بين غائبين بطريق الكتابة أو الرسول فإن مجلس الإيجاب هو مجلس قراءة الغائب للكتاب أمام الشهود أو إسماعهم رسالة الرسول .
فإذا كتب الرجل إلى امرأة زوجینی نفسك . أو أرسل إليها رسولا بذلك فلما وصل إليها الكتاب أو الرسول أحضرت الشهود وقرأت عليهم الكتاب أو عرفتهم مضمونه أو أبلغتهم رسالة الرسول وأشهدتهم أنها زوجت نفسها منه . انعقد الزواج . فلابد من القبول في مجلس قراءة الكتاب أو بلاغ الرسول بحضرة الشهود ليتحد مجلس الإيجاب والقبول . ولابد أن يسمع الشهود ما في الكتاب أو رسالة الرسول ثم يسمعوا القبول ليكونوا سمعوا شطري العقد وشهدوا الإيجاب والقبول .
3- موافقة القبول للإيجاب ولو ضمنا فإذا خالف القبول الإيجاب كله أو بعضه لا ينعقد الزواج إلا إذا كانت المخالفة إلى خبر للموجب فإنها تكون موافقة ضمنية .
فإذا قال الموجب : زوجتك ابنتي فلانة على مهر قدره ستون جنيها قال القابل : قبلت زواجها على المهر المسمى انعقد الزواج للموافقة الصريحة ، وكذا لو قال : قبلت زواجها على ثمانين للموافقة الضمنية أما لو قبل القابل زواج ابنته الأخرى أو على مهر أقل فلا ينعقد الزواج إلا إذا قبل الموجب الزيادة أو النقص في المجلس حينا تكون المخالفة في المهر .
4 - سماع كل من العاقدين كلام الآخر مع علم القابل أن قصد الموجب بعبارته إنشاء الزواج وإيجابه وعلم الموجب أن قصد القابل الرضا به والموافقة عليه وإن لم يفهم كل واحد منهما معاني المفردات لعبارة الآخر لأن العبرة للمقاصد .
وهذه الشروط الأربعة ترجع عند التحقيق إلى شيء واحد وهو تحقق رضا الطرفين و توافق إرادتهما لأن الشرط الأول وهو تمييز العاقدين إنما شرط لأن الرضا لا يكون إلا من له إرادة وفاقد التمييز لا إرادة له فلا يتصور منه رضا . والشروط الثلاثة الباقية إنما شرطت ليتحقق ارتباط رضا كل من العاقدين برضا الآخر وتتفق إرادتهما على شيء معين دلت عليه عبارتهما .
شروط النفاذ : شروط نفاذ الزواج هي التي تشترط لنفاذه وعدم توقفه على إجازة أحد بعد انعقاده وصحته وهي اثنان :
1- أن يكون كل من العاقدين تام الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية . فإن كان واحد منهما ناقص الأهلية بأن كان معتوها أو صغيرة مميزة أو عبدة فإن عقده الذي يعقده بنفسه إذا استوفي شروط الانعقاد والصحة ينعقد صحيح موقوفا على إجازة الولى أو المالك فإن أجازه نفذ وإلا بطل . والمراد بالولى ولى النفس لا المال .
فلوجود أصل الأهلية بوجود التمييز كان العقد منعقدة ولنقصها بسبب العته أو الصغر أو الرق كان موقوفا . ليتسنى للولى عليهم أن يتدارك منع الضرر عنهم .
2 - وأن يكون كل من العاقدين ذا صفة تخول له أن يتولى العقد وتجعل له الحق في مباشرته بأن يكون أحد الزوجين أو وكيلا عنه أو وليا عليه فلو كان أحد العاقدين فضوليا باشر العقد لا بوكالته عن أحد الزوجين ولا بولاية عليهما . أو كان وكيلا ولكن خالف فيما وكل فيه . أو كان وليا ولكن يوجد ولى أقرب منه مقدم عليه فإن عقد أي واحد من هؤلاء إذا استوفي شروط الانعقاد والصحة ينعقد صحيحا موقوفا على إجازة صاحب الشأن.
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة (22 الى 27 )
صيغة الإيجاب والقبول :
الأصل في جميع العقود أن تكون بالفعل الماضي، لأن الألفاظ الماضية تدل على حصول الحدث قطعا بغير إحتمال قبل الإخبار به. وكان الناس يستعملون هذه الصيغة في عقودهم، فلما جاء الإسلام أقرهم على ذلك، وكان الرسول عليه السلام يستعمله في جميع العقود، ومثل ذلك أن يقول أبو المرأة: زوجتك ابنتي فيقول الرجل: قبلت الزواج.
غير أن هذا لا يمنع من انعقاد العقد بالفعل الحاضر أو المستقبل، ما دامت الحال والقرائن تدل بلا شك على أن المراد به إنشاء العقد وتحققه في الحال، لا طلبا الإنشائه أو الوعد به.
وبالترتيب على ذلك ينعقد الزواج إذا كان أحد اللفظين بصيغة الأمر، والثاني بصيغة الماضي، كأن يقول الرجل لأبي المرأة: زوجني بنتك، فيقول: قد زوجتك.
وينعقد الزواج إذا كان أحد اللفظين مضارعا مبدوءا بالهمزة، والثاني ماضيا، كأن يقول الزوج للمرأة: أتزوجك. فتقول: قبلت. أو تقول هي أزوجك نفسي فيقول: قبلت.
وينعقد الزواج باستعمال الجملة الإسمية، كقول الرجل أنا متزوجا على مهر مقداره كذا .
شروط انعقاد الزواج:
تعريف:
شروط انعقاد الزواج هي تلك الشروط التي لا ينعقد الزواج إلا بها، فيجب أن تتحقق عند إنشائه، فإذا تخلف أحدها فإن العقد لا يكون له وجود شرعي فلا يترتب عليه أي حكم من أحكام العقد.
وهذه الشروط منها ما يجب توافره في العاقدين، ومنها ما يجب توافره في المعقود عليه)، ونعرض لهذه الشروط بالتفصيل على النحو التالي:
أولا : الشروط الواجب توافرها في العاقدين:
الشروط التي يجب توافرها في العاقدين حتى ينعقد العقد أربعة شروط هي :
(أ) أن يكون كل من المتعاقدين مميزا.
(ب) اتحاد مجلس الإيجاب والقبول.
(ج) سماع كل من المتعاقدين كلام الآخر وتفهم إرادته.
(د) موافقة القبول للإيجاب.
ونعرض لهذه الشروط تفصيلا فيما يأتي:
الشرط الأول: أن يكون كل من العاقدين مميزا:
يجب أن يكون كل من العاقدين (الزوجين مميزا أي بلغ السابعة من العمر، فلا ينعقد العقد بعبارة الصبي غير المميز، لأن العقد يعتمد الإرادة والرضا، والصبي غير المميز لا يتحقق منه ذلك.
فالمراد بالأهلية هنا الأهلية الأصلية، وهي محققة في الصبي المميز وإن كانت غير كاملة.
أما الأهلية الكاملة التي تكون بالبلوغ فليست شرطا في انعقاد الزواج ولا في صحته وإنما شرط لنفاذه.
وهذا الشرط من الشروط العامة التي تلزم في إنشاء كل عقد. ويستوي في هذا أن يعقد العاقد لنفسه أو لغيره.
ويقتضى هذا الشرط بیان حكم العقود التي يبرمها بعض الأشخاص، وهو ما نعرض له فيما يلي:
(أ) عقد زواج المجنون :
الجنون هو اختلال في العقل يفقد الإدراك تماما، يصحبه اضطراب وهياج غالبا.
والجنون إما أن يكون أصليا أو طارئا، كما يكون مطبقا أي مستمرا أو غير مطبق أي متقطع.
والرأي المفتى به في المذهب الحنفي أن الجنون يكون مطبقا إذا استمر بصاحبه شهرا فأكثر.
وعقد الزواج لا ينعقد بإرادة المجنون جنونا مطبقا إطلاقا، وينعقد بإرادة المجنون جنونا غير مطبق في فترة إفاقته. فالجنون يجعل العاقد عديم التمييز.
وعلى ذلك يكون عقد الزواج الذي يبرمه المجنون باطلا.
مباشرة المجنون أو المعتوه عقد زواجه بنفسه. أثره. عدم انعقاد العقد فلا تترتب عليه آثار الزواج الشرعي. مؤداه. اعتبار طلاقه واردا على غير محل».
طعن رقم ۳۱۸ لسنة 59 ق «أحوال شخصية» جلسة 2000/11/27
(ب) عقد زواج المعتوه :
العته آفة توجب خللا في العقل فيصير صاحبه مختلط الكلام يشبه بعض كلامه كلام العقلاء وبعضه كلام المجانين - وكذا سائر أموره، فالعته بهذا المعنى لا يذهب العقل بالكلية بل يكون عند صاحبه بقية منه ولذلك ذهب كثير من الفقهاء إلى أن المعتوه يكون دائما مميزا، وبالتالى ينعقد الزواج بإرادته .
والواضح أن محكمة النقض تأخذ بهذا الرأي إذ قضت بتاريخ 1973/2/14 في الطعن رقم 7 لسنة۳۹ق (أحوال شخصية) بأن:
الرأي في المذهب الحنفي أنه إذا زوج المعتوه نفسه أو زوجه وليه الأبعد مع وجود الأقرب فإن عقد الزواج يكون موقوفا على إجازة الولي الأقرب، فإن أجازه نفذ وإلا بطل».
الشرط الثاني :
اتحاد مجلس الإيجاب والقبول :
وهذا الشرط يعني أولا أن ينعقد الزواج في مجلس، وعلى ذلك لا يجوز العقد إذا كان العاقدان يمشيان أو يركبان دابة أو دراجة مثلا - وإنما يجوز على سفينة لأن السفينة في حكم المكان الواحد .
واتحاد مجلس الإيجاب والقبول، يعني بأن يكون مجلس الإيجاب وهو بعينه الذي صدر فيه القبول، وذلك بأن يصدر القبول عقب الإيجاب من غير تراخ، أما إذا تأخر القبول عن الإيجاب، وكان سبب التأخير الانشغال بأمور لا تمت تعقد الزواج بصلة فإنه لا ينعقد لأن ذلك إعراضا عن الإيجاب.
كما يبطل الإيجاب إذا رجع الموجب عنه صراحة أو دلالة بإعراضه عنه، انشغاله بأمر آخر قبل أن يصدر القبول.
راجع عقد زواج الغائب في بند 24.
الشرط الثالث:
سماع كل من العاقدين كلام الآخر وتفهم إرادته :
يجب أن يسمع كل من العاقدين كلام الآخر، ويفهم أن المقصود من الكلام هو إنشاء عقد الزواج، وإن لم يفهم كل منهما معاني مفردات العبارة - لأن العبرة بالمقاصد والنيات، فإذا كان الإيجاب بلغة والقبول بلغة أخرى، وكان كلا المتعاقدين لا يعرف لغة الآخر، ولا يفهم المعنى اللغوي لعبارته، ولكنه يعرف أن المقصود منها إيجاب العقد أو قبوله كان ذلك كافيا في إنشاء الزواج.
ولا يعتبر استثناء من هذا الشرط، انعقاد الزواج بالكتابة، كأن يرسل الرجل لمن يريد الزواج منها خطابا متضمنا الإيجاب فتشهد المرأة شاهدين وتقرأه عليهما أو تعيد مضمونه عليهما وتقبل الزواج، لأن قراءة الخطاب أمام الشاهدين أو علمهما بمضمونه يعتبر بمثابة الإيجاب وكأن الموجب قد صدر منه الإيجاب في هذا المجلس وقبولها الزواج تم في ذات مجلس وبذلك يتوافر اتحاد مجلس الإيجاب والقبول .
الشرط الرابع :
موافقة القبول للإيجاب:
يجب أن يكون القبول موافقا للإيجاب، وذلك لأن التراضي لا يوجد إلا بوجود إرادتين متوافقتين متطابقتين فإذا قال ولى المخطوبة للخاطب زوجتك ابنتي فاطمة فيقول الخاطب قبلت زواج بنتك نفيسه لم ينعقد العقد.
وإذا كان القبول مخالفا للإيجاب فيما يختص بالمهر، فإن العقد ينعقد إذا كان الاختلاف لصالح الموجب، كأن يقول رجل لأمرأه زوجینی نفسك بمائة فتقول قبلت زواجك بخمسين، أما إذا كان العكس أي القبول في غير صالح الموجب لا ينعقد العقد، كأن يقول الرجل للمرأة زوجینی نفسك بمائة جنيه فتقول قبلت زواجك بمائتين. ولا ينال من ذلك ما هو معلوم من أن المهر ليس من أركان العقد ولا من شروط صحته، لأنه إذا اشتملت عبارة الإيجاب على تعيين جنس المهر وقدره فإن ذلك يلتحق بالإيجاب ويعتبر جزءا منه فيجب أن يأتي القبول على وفق هذا الإيجاب حتى ينعقد العقد، أما إذا لم يتعرض في العقد للمهر كان المتعاقدان راضيين بتحكيم مهر المثل فيكون هو الواجب .
وقد يحدث ألا يبقى الموجب أهلا للتعاقد بعد إيجابه، بأن يجن أو يموت قبل قبول الطرف الآخر، في هذه الحالة يبطل إيجابه، فلو قبل الطرف الآخر لا يتم العقد لأن قبوله لم يلق إيجابا قائما.
ثانيا : الشروط الواجب توافرها في المعقود عليه:
المعقود عليه في عقد الزواج هو المرأة، وقد اعتبرت المرأة محل العقد في الزواج ولم يعتبر الرجل محلا له مع أن الزوجية مبناه على الزوجين، لظهور أكثر أحكام الزواج في المرأة.
ويشترط لانعقاد الزواج أن تكون المعقود عليها محل العقد امرأة، فيخرج عن ذلك الجنية وإنسان الماء لاختلاف الجنس فالمقصود من قوله تعالى: و فانکحوا ما طاب لكم ين الياء ، الأنثى من بنات آدم" .
وأن تكون المرأة محققة الأنوثة، فلا ينعقد الزواج بالخنثى المشكل، وهو الذي لا يستبين أمره، فلا هو رجل حتى يلحق بالرجال ولا أنثى فيلحق بالإناث.
كما يشترط ألا تكون المرأة المعقود عليها محرمة على الرجل تحريما قطعيا لا شبهة فيه ولم يخالف فيه أحد من العلماء، ويكاد العلم به يكون من الضروريات عند عامة الناس، سواء كان التحريم مؤبدا، كالأخت والعمة والخالة، أو مؤقتا كزوجة الغير ومعتدته من طلاق رجعي و المسلمة لغير المسلم وغير الكتابية للمسلم.
وهذه الشروط هي ما يعبر عنه بمحلية المرأة للزواج وهي المحلية الأصلية أو العامة والتي تعتبر شرطا لانعقاد الزواج بحيث إذا تخلفت كان العقد باطلا وهي تختلف عن المحلية الفرعية أو الإضافية التي هي شرط لصحة الزواج بحيث إذا تخلفت كان العقد فاسدا.
(أنظر في التفصيل بند 53).
51 مکررا - لا عبرة بعدم توثيق عقد الزواج :
إذا استوفى عقد الزواج أركانه الشرعية فلا عبرة بعدم توثيقه .(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 64 )
أركان الزواج : أركان كل عقد هي أجزاؤه التي يتركب منها ويتحقق بها وجوده وانعقاده وهي العاقدان . والمعقود عليه . وصيغة العقد المكونة من الإيجاب والقبول . ولما كان وجود الصيغة يستلزم وجود العاقدين والمعقود عليه اقتصر أكثر الفقهاء في بيان أركان الزواج على قولهم أركان الزواج الإيجاب والقبول .
فالإيجاب هو ما صدر أولا من أحد العاقدين تعبيرا عن إرادته في إيجاد الارتباط وإنشائه ، والقبول هو ما صدر ثانيا من الآخر للدلالة على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول . وقد يكون الموجب أي الباديء هو الزوج أو وكيله أو وليه . والقابل هو الزوجة أو وكيلها أو وليها . وقد يكون العكس . وقد يتولى صيغة العقد اثنان وهو الكثير الغالب . وقد يتولاها واحد قائم مقام اثنين كان يكون وليا على الزوجين أو وكيلا عنهما أو أصيلا من جانب ووليا أو وكيلا من الجانب الآخر فعبارة هذا الواحد بمنزلة عبارتين ، وهو تارة ذو صفة واحدة . وتارة ذو صفتين مختلفتين .
ولابد في الإيجاب والقبول من تحقق أمرين : أحدهما من حيث صورتهما اللفظية . والثاني من حيث مادتهما واشتقاقهما.
فأما من حيث صورتهما فلابد أن يكونا بلفظين على صورة الفعل الماضي مثل زوجتك موکلتی . قبلت . أو وهبت لك نفسي . قبلت . لأن الغرض من الصيغة التعبير عن حصول رضا من الطرفين وتوافق بين إرادتهما والذي يدل على حصول هذا فعلا وقت التعاقد هو ما كان على صيغة الماضي وأما ما كان على صيغة الحال أو المستقبل فلا يدل قطعا على حصول الرضا فعلا فلو قال أحدهما تزوجنى موكلتك فقال الآخر : أقبل . فلا تتكون بهذين اللفظين صيغة عقد الزواج لأنهما ما دلا قطعا على حصول رضا وقت التكلم ، لأنه يحتمل أن يراد باللفظ الأول الاستيعاد وبالثاني الوعد. والوعد بالزواج مستقبلا ليس عقدا له في الحال . فمادامت الصيغة تحتمل معنى غير العقد لا ينعقد بها الزواج .
لهذا استعمل الشارع لإنشاء العقود الصيغة التي تدل على تحقق الرضا ووجوده فعلا وهي صيغة الماضي . لأنها قطعية في الدلالة على حصول الرضا من العاقدين ولا تحتمل معنى آخر .
ولو قال الخاطب لمخطوبته وجینی نفسك فقالت زوجتك نفسي انعقد الزواج مع أن إحدى العبارتين على صيغة المستقبل لا الماضي ولكن ليس في هذا مخالفة لما تقدم لأن الحقيقة هي أن قوله زوجینی نفسك ليس هو الإيجاب وإنما هو توكيل لها في أن تزوجه نفسها فقولها زوجتك نفسي هي عبارة قائمة مقام العبارتين وهي تولت طرفي العقد بالأصالة من جانبها والوكالة عنه وعبارتها على صيغة الماضي . وهذا توجيه قول الفقهاء وينعقد بإيجاب وقبول وضعا للمضي أو وضع أحدهما للمضى والآخر للاستقبال .
. وأما من حيث مادتهما واشتقاقهما فالقبول لا يشترط اشتقاق لفظه من مادة خاصة بل يتحقق بأي لفظ يدل على الموافقة والرضا من أي مادة كانت مثل قبلت . رضيت . وافقت . أجزت . نفذت . أمضيت . وأما الإيجاب فلابد أن يكون بلفظ مشتق من الزواج . أو النكاح أو مشتق مما يدل على تمليك العين في الحال مثل الهبة والتمليك والبيع . وما يرادف ذلك من أي لغة . أما ما لا يدل على التمليك أصلا كالإباحة والإحلال والإيداع . وما يدل على تمليك المنفعة لا العين كالإيجارة والإعارة . وما يدل على تمليك العين لكن لا في الحال كالوصية فلا يتحقق الإيجاب بلفظ منها لأن معانيها تنافي معنى الزواج الشرعي المقصود به ملك المتعة في الحال على سبيل التأييد والدوام .
وإذا كان العاقدان حاضرين تكون الصيغة منهما بالعبارة لأنها أدل طرق الدلالة فحيث أمكنت لا يعدل عنها إلى غيرها ، وإذا كان أحدهما غائبا عن الآخر تكون الصيغة بالكتابة لتعذر المشافهة . وإذا كان العاقد أخرس فإن كان يحسن الكتابة عقد بها وإن كان لا يكتب عقد بإشارته المعهودة الدالة على قصده . فلا يعقد بالكتابة إلا حيث تعذرت المشافهة بالعبارة . ولا يعقد بالاشارة إلا حيث تعذرت الدلالة على القصد بالكتابة . وفي هذا جمع بين الاحتياط واليسر . قال في الدرر : «لو كتب الحاضر على شيء لامرأة تروجینی نفسك فكتبت المرأة على ذلك الشيء عقبه زوجت نفسي منك لا ينعقد الزواج ».
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 17 ـ 18 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الأول ، الصفحة / 207
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ:
لِلْعُلَمَاءِ فِي ارْتِبَاطِ الإْيجَابِ بِالْقَبُولِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الأْوَّلُ: اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لَمْ يَنْعَقِدْ كَمَا لَوْ أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا فَقَامَ الآْخَرُ أَوِ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَوْرُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا فِي الْمِعْيَارِ عَنِ الْبَاجِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
الثَّانِي: اشْتِرَاطُ الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الإْيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ عَدَا مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْبَاجِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اغْتَفَرُوا فِيهِ الْفَاصِلَ الْيَسِيرَ. وَضَبَطَ الْقَفَّالُ الْفَاصِلَ الْكَثِيرَ بِأَنْ يَكُونَ زَمَنًا لَوْ سَكَتَا فِيهِ لَخَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِهِ جَوَابًا. وَالأْوْلَى ضَبْطُهُ بِالْعُرْفِ.
الثَّالِثُ: صِحَّةُ الْعَقْدِ مَعَ اخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ. وَعَلَيْهَا لاَ يَبْطُلُ النِّكَاحُ مَعَ التَّفَرُّقِ.
وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ الْحَقِيقِيِّ، أَمَّا مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ الْحُكْمِيِّ فَلاَ يَخْتَلِفُ الأَمْرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْفَوْرِيَّةَ فِي الإْيجَابِ حِينَ الْعِلْمِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابَةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَبَلَغَهُ الإْيجَابُ مِنْ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ. وَإِذَا صَحَّحْنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ وَعَلَى الْفَوْرِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس ، الصفحة / 257
إِمْلاَكٌ
التَّعْرِيفُ:
1 - الإْمْلاَكُ هُوَ: التَّزْوِيجُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ
الْحُكْمُ الإْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
2 - الإْمْلاَكُ بِمَعْنَى: عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَهُ مُصْطَلَحٌ خَاصٌّ بِهِ تُذْكَرُ فِيهِ أَحْكَامُهُ.
وَوَلِيمَةُ الإْمْلاَكِ بِمَعْنَى وَلِيمَةِ الْعَقْدِ، فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالإْجَابَةُ إِلَيْهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهَا مُبَاحَةٌ.
وَهَلْ تَتَعَدَّدُ مَعَ وَلِيمَةِ الدُّخُولِ ؟ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ. وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى حُكْمِ وَلِيمَةِ الإْمْلاَكِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ.
وَيَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ الإْمْلاَكِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (وَلِيمَة).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن ، الصفحة / 5
بَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الْبَاءَةُ لُغَةً: النِّكَاحُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الْجِمَاعِ. إِمَّا لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمَنْزِلِ غَالِبًا، أَوْ لأَِنَّ الرَّجُلَ يَتَبَوَّأُ مِنْ أَهْلِهِ - أَيْ يَسْتَمْكِنُ مِنْهَا - كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دَارِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ.وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
وَقَالَ شَارِحُ الْمِنْهَاجِ: الْبَاءَةُ: مُؤَنُ النِّكَاحِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَاهُ: هُوَ الْوَطْءُ.
ب - أُهْبَةُ النِّكَاحِ: الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤَنِهِ مِنْ مَهْرٍ وَغَيْرِهِ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْبَاءَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الْبَاءَةُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مَوْضُوعِهَا (ر: وَطْء).
أَمَّا بِمَعْنَى مُؤَنِ النِّكَاحِ فَإِنَّ مَنْ وَجَدَهَا، وَكَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الْوَطْءِ، وَلاَ يَخْشَى الْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمِ، اسْتُحِبَّ لَهُ النِّكَاحُ.لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ...» الْحَدِيثَ.
فَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّقُ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورِ، فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنِ الْحَرَامِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلأَِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّلُ إِلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
أَمَّا إِنْ وَجَدَ الأُْهْبَةَ، وَكَانَ بِهِ مَرَضٌ كَهَرَمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ كَرِهَ لَهُ النِّكَاحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ لإِِضْرَارِهِ بِالْمَرْأَةِ.
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَجَدَ الْبَاءَةَ، وَلَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ لِلْوَطْءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ أَفْضَلُ.وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ،
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي عشر ، الصفحة / 154
حُكْمُ تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنِ الإْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ ارْتِبَاطِ الْقَبُولِ بِالإْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، حَتَّى إِنَّ النَّوَوِيَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَبُولَ فِي الْمَجْلِسِ لاَ يَكْفِي، بَلْ يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ. إِلاَّ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّأْخِيرُ الْيَسِيرُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنِ الإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنِ الْمَجْلِسِ أَوْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا؛ لأِنَّ الْمَجْلِسَ لَهُ حُكْمٌ حَالَةَ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ.وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٍ).
تَرْجَمَةُ صِيغَةِ النِّكَاحِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ يَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِلِسَانِهِ؛ لأِنَّهُ عَاجِزٌ عَمَّا سِوَاهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ كَالأْخْرَسِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ بِحَيْثُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا كَانَتِ الْعَرَبِيَّةُ شَرْطًا فِيهِ كَالتَّكْبِيرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَقْدِرُ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِهَا؛ لأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ، فَانْعَقَدَ بِهِ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ. وَلأِنَّ اللُّغَةَ الْعَجَمِيَّةَ تَصْدُرُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِهَا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُهَا.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ وَإِلاَّ فَلاَ.وَقَالَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي النِّكَاحِ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الآْخَرِ أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ - مِنْ إِيجَابٍ أَوْ قَبُولٍ - بِالْعَرَبِيَّةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَالْعَاقِدُ الآْخَرُ يَأْتِي بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ بِلُغَتِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا لاَ يُحْسِنُ لِسَانَ الآْخَرِ تَرْجَمَ بَيْنَهُمَا ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع عشر ، الصفحة / 193
فِي النِّكَاحِ:
يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَتَوَلَّى شَخْصٌ طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ، عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَاحِدٌ بِإِيجَابٍ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبُولِ فِي خَمْسِ صُوَرٍ، كَأَنْ كَانَ وَلِيًّا، أَوْ وَكِيلاً مِنَ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ أَصِيلاً مِنْ جَانِبٍ وَوَكِيلاً، أَوْ وَلِيًّا مِنْ آخَرَ، أَوْ وَلِيًّا مِنْ جَانِبٍ وَكِيلاً مِنْ آخَرَ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لاِبْنِ عَمِّ الْمَرْأَةِ إِذَا وَكَّلَتْهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا، وَعَيَّنَ نَفْسَهُ لِمُ وَكِّلَتِهِ وَرَضِيَتْ بِهِ، أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَزَوَّجْتُك بِكَذَا مِنَ الْمَهْرِ وَلاَ يَحْتَاجُ لِقَبُولٍ بَعْدَ هَذَا؛ لِتَوَلِّي ابْنِ الْعَمِّ الإْيجَابَ وَالْقَبُولَ، عَلَى أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَةُ بِالْمَهْرِ الَّذِي سَمَّاهُ وَيَشْهَدُ عَدْلاَنِ عَلَى تَزْوِيجِهَا لِنَفْسِهِ، وَمِثْلُ ابْنِ الْعَمِّ الْحَاكِمُ وَالْوَصِيُّ وَالْكَافِلُ وَوَلِيُّ الإْسْلاَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَدِّ تَوَلِّي طَرَفَيْ عَقْدِ تَزْوِيجِ بِنْتِ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الآْخَرِ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الأْصَحِّ لِقُوَّةِ وِلاَيَةِ الْجَدِّ، وَالثَّانِي: لاَ يَصِحُّ لأِنَّ خِطَابَ الإْنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ لاَ يَنْتَظِمُ.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنَ الأْوْلِيَاءِ غَيْرِ الْجَدِّ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلاَ يُزَوِّجُ وَاحِدٌ مِنَ الأْوْلِيَاءِ مَوْلِيَتَهُ لِنَفْسِهِ بِتَوَلِّيهِ الطَّرَفَيْنِ بَلْ يُزَوِّجُهُ بِهَا نَظِيرُهُ فِي دَرَجَتِهِ وَيَقْبَلُ هُوَ لِنَفْسِهِ فَلاَ وِلاَيَةَ بِهِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ زَوَّجَهَا لَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا وَهُوَ ابْنُ الْعَمِّ، أَوِ الْمَوْلَى، أَوِ الْحَاكِمُ، أَوِ السُّلْطَانُ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ ذَلِكَ، وَفِي تَوَلِّيهِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ لأِمِّ حَكِيمٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَك إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُك وَلأِنَّهُ يَمْلِكُ الإْيجَابَ وَالْقَبُولَ فَجَازَ أَنْ يَتَوَلاَّهُمَا.
الثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ وَلَكِنْ يُوَكِّلُ رَجُلاً يُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا بِإِذْنِهَا؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَمَرَ رَجُلاً زَوَّجَهُ امْرَأَةً الْمُغِيرَةُ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ؛ وَلَِنَّهُ عَقْدٌ مَلَكَهُ بِالإْذْنِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ كَالْبَيْعِ.
انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَمُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَبِكُلِّ لَفْظٍ وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فِي الْحَالِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» حَيْثُ وَرَدَ فِي النِّكَاحِ؛ وَلأَِنَّ التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ فَأُطْلِقَ عَلَى النِّكَاحِ، وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ عَدَمَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» قَالُوا: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ التَّزْوِيجُ أَوِ الإِْنْكَاحُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ سِوَاهُمَا فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُمَا تَعَبُّدًا وَاحْتِيَاطًا، لأَِنَّ النِّكَاحَ يَنْزِعُ إِلَى الْعِبَادَاتِ لِوُرُودِ النَّدْبِ فِيهِ، وَالأَْذْكَارُ فِي الْعِبَادَاتِ تُتَلَقَّى مِنَ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظَيِ التَّزْوِيجِ وَالإِْنْكَاحِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع عشر ، الصفحة / 162
الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ :
يَرَى فَرِيقٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ، وَالتَّصْحِيفُ أَنْ يَقْرَأَ الشَّيْءَ عَلَى خِلاَفِ مَا أَرَادَهُ كَاتِبُهُ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، كَتَجَوَّزْتُ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الزَّاي؛ لأَِنَّهُ صَادِرٌ لاَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، بَلْ عَنْ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ فَلاَ يَكُونُ حَقِيقَةً وَلاَ مَجَازًا لِعَدَمِ الْعَلاَقَةِ، بَلْ غَلَطًا فَلاَ اعْتِبَارَ بِهِ أَصْلاً بِخِلاَفِ مَا لَوِ اتَّفَقَ قَوْمٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ وَصَدَرَتْ عَنْ قَصْدٍ صَحَّ، لأَِنَّ ذَلِكَ وَضْعٌ جَدِيدٌ وَبِهِ أَفْتَى أَبُو السُّعُودِ.
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْعَقْدُ بِلَفْظِ جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ إِذَا نَطَقَ بِهِ الْعَامِّيُّ قَاصِدًا بِهِ مَعْنَى النِّكَاحِ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ لَفْظَ جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ لاَ يَفْهَمُ مِنْهُ الْعَاقِدَانِ وَالشُّهُودُ إِلاَّ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّزْوِيجِ وَلاَ يُقْصَدُ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُحْمَلُ كَلاَمُ كُلِّ عَاقِدٍ وَحَالِفٍ وَوَاقِفٍ عَلَى عَرَفَةَ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ إِذَا لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (نِكَاحٌ).
ثَانِيًا - الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ :
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَأَشَارَ إِلَيْهَا، فَلاَ يَضُرُّ؛ لأَِنَّ تَعْرِيفَ الإِْشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ أَقْوَى مِنَ التَّسْمِيَةِ، لِمَا فِي التَّسْمِيَةِ مِنَ الاِشْتِرَاكِ لِعَارِضٍ فَتَلْغُو التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الإِْشَارَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: اقْتَدَيْتُ بِزَيْدٍ هَذَا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو فَإِنَّهُ يَصِحُّ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ وَأَرَادَ تَزْوِيجَ الْكُبْرَى فَغَلِطَ فَسَمَّاهَا بِاسْمِ الصُّغْرَى صَحَّ لِلصُّغْرَى بِأَنْ كَانَ اسْمُ الْكُبْرَى عَائِشَةَ وَالصُّغْرَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَقَبِلَ، انْعَقَدَ عَلَى فَاطِمَةَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَصِفْهَا بِالْكُبْرَى، فَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي الْكُبْرَى فَاطِمَةَ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ لاَ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ عَلَى إِحْدَاهُمَا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنَةٌ كُبْرَى بِهَذَا الاِسْمِ، وَلاَ تَنْفَعُ النِّيَّةُ هُنَا وَلاَ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ بَعْدَ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنِ الْمُرَادِ.
وَقَالَ شَمْسُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ قَالَ أَبُو بَنَاتٍ: زَوَّجْتُكَ إِحْدَاهُنَّ أَوْ بِنْتِي أَوْ فَاطِمَةَ وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً وَلَوْ غَيْرَ الْمُسَمَّاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، قَالَ الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ اخْتَلَفَتُ الزَّوْجَةُ مَعَ الزَّوْجِ فَقَالَتْ: لَسْتُ الْمُسَمَّاةَ فِي الْعَقْدِ، وَقَالَ الشُّهُودُ: بَلْ أَنْتِ الْمَقْصُودَةُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ سَمَّى غَيْرَكَ فِي الْعَقْدِ غَلَطًا وَوَافَقَهُمَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِهَا لأَِنَّ الأَْصْلَ عَدَمُ النِّكَاحِ، أَوِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِ الشُّهُودِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالأَْقْرَبُ الأَْوَّلُ، لأَِنَّ الأَْصْلَ عَدَمُ الْغَلَطِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَوْ سَمَّاهَا الْوَلِيُّ بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا صَحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إِنَّمَا جَاءَ مِنَ التَّعَدُّدِ وَلاَ تَعَدُّدَ هُنَا، وَكَذَا لَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَأَشَارَ إِلَيْهَا، بِأَنْ قَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةُ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لأَِنَّ الإِْشَارَةَ أَقْوَى، وَلَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَائِشَةُ فَقَبِلَ الزَّوْجُ، وَنَوَيَا فِي الْبَاطِنِ فَاطِمَةَ فَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَعَيَّنُ بِهِ، فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لاَ يُمَيِّزُهَا بَلْ يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا، وَلأَِنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ عَائِشَةُ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إِذَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِي مَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 132
مَجْلِسٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمَجْلِسُ (بِكَسْرِ اللاَّمِ) مَوْضِعُ الْجُلُوسِ وَبِفَتْحِهَا: مَصْدَرٌ وَالْجُلُوسُ: الْقُعُودُ وَهُوَ نَقِيضُ الْقِيَامِ.
وَالْجِلْسَةُ: الْحَالُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْجَالِسُ.
وَالْجَلِيسُ: مَنْ يُجَالِسُكَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.
وَجَمْعُ الْمَجْلِسِ: مَجَالِسُ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الْمَجْلِسُ عَلَى أَهْلِهِ مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلْحَالِ بِاسْمِ الْمَحِلِّ فَيُقَالُ: اتَّفَقَ الْمَجْلِسُ.
وَتُسْتَعْمَلُ الْمَجَالِسُ بِمَعْنَى الْجُلُوسِ كَمَا فِي حَدِيثِ: «فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الْمَجَالِسِ...» .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
الْحَلْقَةُ :
الْحَلْقَةُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مُسْتَدِيرُونَ كَحَلْقَةِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا.
وَالتَّحَلُّقُ: عَلَى وَزْنِ تَفَعُّلٍ وَهُوَ تَعَمُّدُ الْجُلُوسِ مُسْتَدِيرِينَ كَالْحَلْقَةِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَالصِّلَةُ أَنَّ الْمَجْلِسَ قَدْ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَلْقَةِ.
مَجْلِسُ الْعَقْدِ
التَّعْرِيفُ :
مَجْلِسُ الْعَقْدِ مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ مِنْ لَفْظَيْنِ هُمَا: مَجْلِسٌ وَالْعَقْدُ.
وَالْمَجْلِسُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَوْضِعُ الْجُلُوسِ، أَمَّا الْعَقْدُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ: نَقِيضُ الْحَلِّ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْعَقْدُ هُوَ رَبْطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ.
وَمَجْلِسُ الْعَقْدِ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ الاِجْتِمَاعُ لِلْعَقْدِ، جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: جِنْسُ الْبَيْعِ هُوَ الاِجْتِمَاعُ الْوَاقِعُ لِعَقْدِ الْبَيْعِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
مَجْلِسُ الْحُكْمِ :
مَجْلِسُ الْحُكْمِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقْعُدُ فِيهِ الْقَاضِي (الْحَاكِمُ) لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَإِصْدَارِ الْحُكْمِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ :
يَتَعَلَّقُ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أ - اتِّحَادُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، بِأَنْ يَقَعَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ بِأَنْ أَوْجَبَ أَحَدَهُمَا فَقَامَ الآْخَرُ مِنَ الْمَجْلِسِ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوِ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ يُوجِبُ اخْتِلاَفَ الْمَجْلِسِ ثُمَّ قَبِلَ لَمْ يَنْعَقِدْ وَبَطَلَ الإِْيجَابُ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عَقْدٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الأربعون ، الصفحة / 308
التَّحْكِيمُ عِنْدَ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَدَّ خِلاَفُ الزَّوْجَيْنِ، وَأَشْكَلَ أَمْرُهُمَا، وَلَمْ يُدْرَ مِمَّنِ الإْسَاءَةُ مِنْهُمَا، وَخِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا إِلَى حَدٍّ يُؤَدِّي إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالظُّلْمِ، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ بَيْنَهُمَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا).
وَمَشْرُوعِيَّةُ التَّحْكِيمِ فِي الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَالَ بِهَا الْفُقَهَاءُ، اتِّبَاعًا لِلْحُكْمِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الآْيَةُ السَّابِقَةُ، وَعَمَلاً بِهِ.
وَقَدْ بَسَطَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّحْكِيمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي مَسَائِلَ، مِنْهَا:
أ- الْحَالُ الَّتِي يُبْعَثُ عِنْدَهَا الْحَكَمَانِ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِنْ نَشَزَتْ وَلَمْ يُجْدِ فِي تَأْدِيبِهَا وَكَفِّهَا عَنِ النُّشُوزِ الضَّرْبُ أَوْ مَا يَسْبِقُهُ مِنْ وَسَائِلِ التَّأْدِيبِ وَالرَّدْعِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْفَعُ أَمْرَهَا إِلَى الْقَاضِي لِيُوَجِّهَ إِلَيْهِمَا الْحَكَمَيْنِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا أَشْكَلَ الأَْمْرُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يُدْرَ مِمَّنِ الإِْسَاءَةُ مِنْهُمَا، وَاسْتَمَرَّ الإِْشْكَالُ بَعْدَ إِسْكَانِهَا بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحِينَ، أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمُ ابْتِدَاءً، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ السُّكْنَى بَيْنَهُمْ، أَوْ إِذَا اشْتَدَّ الْخِلاَفُ وَالشِّقَاقُ وَالْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمَا، وَدَامَ التَّسَابُّ وَالتَّضَارُبُ وَفَحُشَ ذَلِكَ، وَتَمَادَى الشَّرُّ بَيْنَهُمَا وَخَشَى أَنْ يُخْرِجَهُمَا إِلَى الْعِصْيَانِ بَعَثَ الْقَاضِي الْحَكَمَيْنِ.
ب- الْخِطَابُ بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ وَحُكْمُهُ:
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخِطَابَ بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) لِلْحُكَّامِ وَالأُْمَرَاءِ، لأِنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَيَمْنَعُونَ مِنَ التَّعَدِّي وَالظُّلْمِ.
وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلأَْوْلِيَاءِ، وَقِيلَ: لِلزَّوْجَيْنِ، فَيَكُونُ لِلأَْوْلِيَاءِ وَلِلزَّوْجَيْنِ إِقَامَةُ حَكَمَيْنِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُمَا كَحُكْمِ مَنْ عَيَّنَهُمَا الْقَاضِي لِذَلِكَ.
وَنَصَّ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ بَعْثَ الْحَكَمَيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْحَاكِمِ أَوِ الْقَاضِي؛ لأِنَّ آيَةَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، فَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبٌ، وَلأِنَّهُ مِنْ بَابِ دَفْعِ الظِّلاَمَاتِ، وَهُوَ مِنَ الْفُرُوضِ الْعَامَّةِ عَلَى الْقَاضِي، قَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: صَحَّحَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَالَ الأَْذْرُعِيُّ: ظَاهِرُ نَصِّ الأُْمِّ الْوُجُوبُ.
وَنَصُّ الأُْمِّ هُوَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا ارْتَفَعَ الزَّوْجَانِ الْمَخُوفُ شِقَاقُهُمَا إِلَى الْحَاكِمِ فَحَقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا.
ج- كَوْنُ الْحَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ:
- ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ كَوْنَ الْحَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ، لَكِنَّهُ الأَْوْلَى لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) وَلأِنَّهُمَا أَشْفَقُ وَأَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِمَا، لأِنَّ الْقَرَابَةَ لاَ تُشْتَرَطُ فِي الْحَاكِمِ وَلاَ فِي الْوَكِيلِ، فَكَانَ الأْمْرُ بِذَلِكَ إِرْشَادًا وَاسْتِحْبَابًا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ الْحَكَمَانِ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ- حَكَمٌ مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمٌ مِنْ أَهْلِهَا- إِنْ أَمْكَنَ، لأِنَّ الأْقَارِبَ أَعْرَفُ بِبَوَاطِنِ الأْمُورِ، وَأَقْعَدُ بِأَحْوَالِ الزَّوْجَيْنِ، وَأَطْيَبُ لِلإِصْلاَحِ، وَنُفُوسُ الزَّوْجَيْنِ أَسْكَنُ إِلَيْهِمَا، فَيُبْرِزَانِ لَهُمَا مَا فِي ضَمَائِرِهِمَا مِنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَإِرَادَةِ الْفُرْقَةِ أَوِ الصُّحْبَةِ، وَلاَ يَجُوزُ بَعْثُ أَجْنَبِيَّيْنِ مَعَ إِمْكَانِ الأْهْلَيْنِ، فَإِنْ بَعَثَهُمَا مَعَ الإِمْكَانِ فَالظَّاهِرُ نَقْضُ حُكْمِهِمَا، لأِنَّ ظَاهِرَ الآْيَةِ أَنَّ كَوْنَهُمَا مِنْ أَهْلِهِمَا مَعَ الْوِجْدَانِ وَاجِبٌ شَرْطٌ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُمَا مَعًا مِنَ الأْهْلِ، بَلْ وَاحِدٌ فَقَطْ مِنْ أَهْلِ أَحَدِهِمَا وَالآْخَرُ أَجْنَبِيٌّ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُضَمُّ لأِهْلِ أَحَدِهِمَا أَجْنَبِيٌّ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُمَا أَجْنَبِيَّيْنِ وَتَرْكُ الْقَرِيبِ لأِحَدِهِمَا، قَالَ الدُّسُوقِيُّ: لِئَلاَّ يَمِيلَ الْقَرِيبُ لِقَرِيبِهِ.
وَنَدَبَ كَوْنَهُمَا جَارَيْنِ فِي بَعْثِ الأْهْلَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ وَالأْجْنَبِيَّيْنِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ أَهْلِهِمَا مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَيُرْسِلُ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَقَالَ الْجَصَّاصُ: إِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِهَا وَالآْخِرُ مِنْ أَهْلِهِ لِئَلاَّ تَسْبِقَ الظِّنَّةُ إِذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ بِالْمَيْلِ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ قِبَلِهِ وَالآْخَرُ مَنْ قِبَلِهَا زَالَتِ الظِّنَّةُ، وَتَكَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّنْ هُوَ مِنْ قِبَلِهِ.
د- شُرُوطُ الْحَكَمَيْنِ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْحَكَمَيْنِ الْعَدَالَةُ وَالْفِقْهُ بِأَحْكَامِ النُّشُوزِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ:
قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: شَرْطُ الْحَكَمَيْنِ الذُّكُورَةُ وَالرُّشْدُ وَالْعَدَالَةُ وَالْفِقْهُ بِمَا حَكَمَا فِيهِ، وَبَطَلَ حُكْمُ غَيْرِ الْعَدْلِ- وَهُوَ الْفَاسِقُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ - بِإِبْقَاءٍ أَوْ بِطَلاَقٍ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ بِمَالٍ فِي خُلْعٍ، وَبَطَلَ حُكْمُ سَفِيهٍ- وَهُوَ الْمُبَذِّرُ فِي الشَّهَوَاتِ وَلَوْ مُبَاحَةً عَلَى الْمَذْهَبِ- وَحُكْمُ امْرَأَةٍ، وَحُكْمُ غَيْرِ فَقِيهٍ بِأَحْكَامِ النُّشُوزِ مَا لَمْ يُشَاوِرِ الْعُلَمَاءَ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِمَا أَشَارُوا بِهِ عَلَيْهِ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْحَكَمَيْنِ التَّكْلِيفُ وَالإِْسْلاَمُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَدَالَةُ وَالاِهْتِدَاءُ إِلَى الْمَقْصُودِ بِمَا بُعِثَا لَهُ، وَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ:
الأَْظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّهُمَا وَكِيلاَنِ، وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ أَنَّهُمَا حَاكِمَانِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ فِيهِمَا ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا وَكِيلاَنِ لِتَعَلُّقِ وَكَالَتِهِمَا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ كَمَا فِي أَمِينِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الذُّكُورَةُ عَلَى الأَْظْهَرِ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ: وَتُنْدَبُ وَتُشْتَرَطُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْحَكَمَانِ لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، لأِنَّ هَذِهِ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا هُمَا حَاكِمَانِ أَوْ وَكِيلاَنِ، لأِنَّ الْوَكِيلَ إِذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ عَدْلاً كَمَا لَوْ نُصِّبَ وَكِيلاً لِصَبِيٍّ أَوْ مُفْلِسٍ، وَيَكُونَانِ ذَكَرَيْنِ لأِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ، قَالَ الْقَاضِي: وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا حُرَّيْنِ لأِنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَتَكُونُ الْحُرِّيَّةُ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ لَمْ تُعْتَبَرِ الْحُرِّيَّةُ لأِنَّ تَوْكِيلَ الْعَبْدِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَا حَكَمَيْنِ اعْتُبِرَتِ الْحُرِّيَّةُ لأِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِالْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ لأِنَّهُمَا يَتَصَرَّفَانِ فِي ذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ عِلْمُهُمَا بِهِ.
هـ - صِفَةُ الْحَكَمَيْنِ وَصَلاَحِيَّتُهُمَا:
- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ وَكِيلاَنِ عَنِ الزَّوْجَيْنِ، لاَ يُبْعَثَانِ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا وَتَوْكِيلِهِمَا وَلاَ يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِلُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّهُمَا حَاكِمَانِ يَفْعَلاَنِ مَا يَرَيَانِ أَنَّهُ الْمَصْلَحَةُ، وَكَّلَهُمَا الزَّوْجَانِ أَوْ لَمْ يُوكِّلاَهُمَا.
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلٌ:
- قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْحَكَمَانِ وَكِيلاَنِ لِلزَّوْجَيْنِ، أَحَدُهُمَا وَكَيْلُ الْمَرْأَةِ وَالآْخَرُ وَكِيلُ الزَّوْجِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه، فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ بَيْنَهُمَا شِقَاقٌ إِلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا أَنْ تَجْمَعَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا أَنْ تُفَرِّقَا، قَالَتِ الْمَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ، قَالَ الرَّجُلَ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلاَ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لاَ يَنْقَلِبُ حَتَّى يُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ، فَأَخْبَرَ عَلِيٌّ رضي الله تعالى عنه أَنَّ قَوْلَ الْحَكَمَيْنِ إِنَّمَا يَكُونُ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ.
وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُفَرِّقَا إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الزَّوْجَانِ، وَذَلِكَ لأِنَّهُ لاَ خِلاَفَ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَقَرَّ بِالإِْسَاءَةِ إِلَيْهَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى طَلاَقِهَا قَبْلَ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ بِالنُّشُوزِ لَمْ يُجْبِرْهَا الْحَاكِمُ عَلَى خُلْعٍ وَلاَ عَلَى رَدِّ مَهْرِهَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُهُمَا قَبْلَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ بَعْثِهِمَا لاَ يَجُوزُ إِيقَاعُ الطَّلاَقِ مِنْ جِهَتِهِمَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ وَتَوْكِيلِهِ وَلاَ إِخْرَاجِ الْمَهْرِ عَنْ مِلْكِهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا، فَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ خُلْعُهُمَا إِلاَّ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ، وَلأِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَمْلِكُ التَّفْرِيقَ فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ الْحَكَمَانِ، وَإِنَّمَا هُمَا وَكِيلاَنِ لَهُمَا فِي الْخُلْعِ أَوْ فِي التَّفْرِيقِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْحَكَمَيْنِ لاَ يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ بِالتَّوْكِيلِ، وَلاَ يَكُونَانِ حَكَمَيْنِ إِلاَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ مَا حَكَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يَخْلَعَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَيُخْرِجَا الْمَالَ عَنْ مِلْكِهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) وَقَالَ تَعَالَى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فَمَنَعَ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ مَالَ غَيْرِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْحَاكِمَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ أَخْذَ مَالِ أَحَدٍ وَدَفْعَهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَمْلِكُ أَخْذَ مَالِهَا وَدَفْعَهُ إِلَى زَوْجِهَا، وَلاَ يَمْلِكُ إِقَاعَ طَلاَقٍ عَلَى الزَّوْجِ بِغَيْرِ تَوْكِيلِهِ وَلاَ رِضَاهُ
- وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لِلْحَكَمَيْنِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَتَفْرِيقُهُمَا جَائِزٌ عَلَى الزَّوْجَيْنِ، وَكَّلَهُمَا الزَّوْجَانِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُوَكِّلاَهُمَا، وَيَكُونُ طَلاَقًا بَائِنًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خُلْعًا بِأَنْ كَانَ بِلاَ عِوَضٍ، وَيُنَفَّذُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ بِهِ بَعْدَ إِيقَاعِهِ- وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلِلزَّوْجَيْنِ الَّذَيْنِ أَقَامَا الْحَكَمَيْنِ بِدُونِ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ الرُّجُوعُ- وَيُنَفَّذُ حُكْمُ الْحَاكِمَيْنِ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْحَاكِمُ، أَوْ خَالَفَ حُكْمَ قَاضِي الْبَلَدِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَا مُقَامَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ أَمْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ، لأِنَّ طَرِيقَهُمَا الْحُكْمُ لاَ الشَّهَادَةُ وَلاَ الْوَكَالَةُ، لأِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ( فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) وَهَذَا نَصٌّ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُمَا قَاضِيَانِ لاَ وَكِيلاَنِ وَلاَ شَاهِدَانِ، وَلِلْوَكِيلِ اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى، وَلِلْحَكَمِ اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى، فَإِذَا بَيَّنَ اللَّهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَكَّبَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ - الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي اسْتِدْلاَلِ الْحَنَفِيَّةِ- أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: «أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا» فَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ أَوْ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَقُلْ لَهُمَا: أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُ: أَتَدْرِيَانِ بِمَا وُكِّلْتُمَا؟.
وَلاَ يَلْزَمُ طَلاَقٌ أَوْقَعَهُ الْحَكَمَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُمَا إِيقَاعُ الأَْكْثَرِ ابْتِدَاءً لأِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَعْنَى الإِْصْلاَحِ الَّذِي بُعِثَا لَهُ فَلِلزَّوْجِ رَدُّ الزَّائِدِ، قَالَ الآْبِيُّ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلاَ يُفَرِّقَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَهِيَ بَائِنَةٌ فَإِنْ حَكَمَا بِهِ سَقَطَ.
وَإِنْ طَلَّقَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ وَاحِدَةً وَطَلَّقَ الآْخَرُ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا لَزِمَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لاِتِّفَاقِ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْوَاحِدِ.
وَإِنْ طَلَّقَ الْحَكَمَانِ، وَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِ الطَّلاَقِ بِالْمَالِ لِلزَّوْجِ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ كَوْنِهِ بِلاَ مَالٍ، بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: طَلَّقْتُهَا بِمَالٍ، وَقَالَ الآْخَرُ: طَلَّقْتُهَا بِلاَ مَالٍ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: طَلَّقْنَاهَا مَعًا بِمَالٍ وَقَالَ الآْخَرُ: بِلاَ مَالٍ، فَإِنْ لَمْ تَلْتَزِمِ الزَّوْجَةُ الْمَالَ فَلاَ طَلاَقَ يَلْزَمُ الزَّوْجَ، وَيَعُودُ الْحَالُ كَمَا كَانَ، وَإِنِ الْتَزَمَتْهُ وَقَعَ وَبَانَتْ مِنْهُ.
وَيَجِبُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ- كَمَا قَالَ الدُّسُوقِيُّ - أَنْ يَأْتِيَا لِلْحَاكِمِ الَّذِي أَرْسَلَهُمَا فَيُخْبِرَاهُ بِمَا فَعَلاَهُ لِيَحْتَاطَ عِلْمُهُ بِالْقَضِيَّةِ، فَإِذَا أَخْبَرَاهُ وَجَبَ إِمْضَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَعَقُّبٍ وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ، بِأَنْ يَقُولَ: حَكَمْتُ بِمَا حَكَمْتُمَا بِهِ.
وَإِذَا أَقَامَ الزَّوْجَانِ حَكَمَيْنِ بِدُونِ رَفْعٍ إِلَى الْحَاكِمِ، جَازَ لِلزَّوْجَيْنِ أَنْ يَرْجِعَا عَنِ التَّحْكِيمِ وَيَعْزِلاَ الْحَكَمَيْنِ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا الْكَشْفَ عَنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ وَيَعْزِمَا عَلَى الْحُكْمِ بِالطَّلاَقِ، أَمَّا إِنِ اسْتَوْعَبَاهُ وَعَزَمَا عَلَى ذَلِكَ فَلاَ عِبْرَةَ بِرُجُوعِ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمَا عَنِ التَّحْكِيمِ، وَيَلْزَمُهُمَا مَا حَكَمَا بِهِ، سَوَاءٌ رَجَعَ أَحَدُهُمَا أَوْ رَجَعَا مَعًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَا بِالْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يَنْبَغِي إِذَا رَضِيَا مَعًا بِالْبَقَاءِ أَنْ لاَ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الدَّرْدِيرُ: مَفْهُومُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مُوَجَّهَيْنِ مِنَ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ- أَيْ لِلزَّوْجَيْنِ- الإِْقْلاَعُ عَنِ التَّحْكِيمِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْعِبِ الْحَكَمَانِ الْكَشْفَ عَنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ.
- وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: الْحَكَمَانِ وَكِيلاَنِ عَنِ الزَّوْجَيْنِ فِي الأَْظْهَرِ لأِنَّ الْحَالَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْفِرَاقِ، وَالْبُضْعُ حَقُّ الزَّوْجِ وَالْمَالُ حَقُّ الزَّوْجَةِ، وَهُمَا رَشِيدَانِ فَلاَ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي حَقِّهِمَا، وَلأِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْوِلاَيَةِ إِلاَّ فِي الْمَوْلَى وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ، وَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ رِضَا الزَّوْجَيْنِ بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ، فَيُوَكِّلُ الزَّوْجُ إِنْ شَاءَ حَكَمَهُ بِطَلاَقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ الزَّوْجَةُ إِنْ شَاءَتْ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ لِلْخُلْعِ وَقَبُولِ طَلاَقٍ بِهِ، وَيُفَرِّقُ الْحَكَمَانِ بَيْنَهُمَا إِنْ رَأَيَاهُ صَوَابًا.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَكِيلٍ فِي طَلاَقٍ أَنْ يُخَالِعَ، لأِنَّ ذَلِكَ إِنْ أَفَادَهُ مَالاً فَوَّتَ عَلَيْهِ الرُّجْعَةَ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِوَكِيلٍ فِي خُلْعٍ أَنْ يُطَلِّقَ مَجَّانًا.
وَإِنِ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْحَكَمَيْنِ بَعَثَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ غَيْرَهُمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ عَجِزَا أَيْضًا أَدَّبَ الْقَاضِي الظَّالِمَ مِنْهُمَا وَأَخَذَ حَقَّ الآْخَرِ مِنْهُ.
وَمُقَابِلُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ حَاكِمَانِ مُوَلَّيَانِ مِنَ الْحَاكِمِ قَالَ الْخَطِيبُ: وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، لأِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُمَا فِي الآْيَةِ حَكَمَيْنِ، وَالْوَكِيلُ مَأْذُونٌ لَيْسَ بِحَكَمٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الزَّوْجَيْنِ بِبَعْثِهِمَا، وَيَحْكُمَانِ بِمَا يَرَيَاهُ مَصْلَحَةً مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ، وَإِذَا رَأَى حَكَمُ الزَّوْجِ الطَّلاَقَ اسْتَقَلَّ بِهِ وَلاَ يَزِيدُ عَلَى طَلْقَةٍ، وَإِنْ رَأَى الْخُلْعَ وَوَافَقَهُ حَكَمُهَا تَخَالَعَا وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ.
- وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَكَمَيْنِ:
فَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُمَا وَكِيلاَنِ لِلزَّوْجَيْنِ، لاَ يُرْسَلاَنِ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا وَتَوْكِيلِهِمَا، وَلاَ يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا، لأِنَّ الْبُضْعَ حَقُّهُ وَالْمَالَ حَقُّهَا، وَهُمَا رَشِيدَانِ فَلاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ إِلاَّ بِوَكَالَةٍ مِنْهُمَا أَوْ وِلاَيَةٍ عَلَيْهِمَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ الْمُرْدَاوِيُّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُمَا حَاكِمَانِ، وَلَهُمَا أَنْ يَفْعَلاَ مَا يَرَيَانِ مِنْ جَمْعٍ وَتَفْرِيقٍ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلاَ يَحْتَاجَانِ إِلَى تَوْكِيلِ الزَّوْجَيْنِ وَلاَ رِضَاهُمَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) فَسَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَا الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ( إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا) فَخَاطَبَ الْحَكَمَيْنِ بِذَلِكَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ قُلْنَا: هُمَا وَكِيلاَنِ فَلاَ يَفْعَلاَنِ شَيْئًا حَتَّى يَأْذَنَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ صُلْحٍ، وَتَأْذَنُ الْمَرْأَةُ لِوَكِيلِهَا فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَلاَ يَصْلُحُ الإِْبْرَاءُ مِنَ الْحَكَمَيْنِ لأِنَّهُمَا لَمْ يُوَكَّلاَ فِيهِ إِلاَّ فِي الْخُلْعِ خَاصَّةً مِنْ وَكِيلِ الْمَرْأَةِ فَقَطْ فَتَصِحُّ بَرَاءَتُهُ عَنْهَا، لأِنَّ الْخُلْعَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِعِوَضٍ، فَتَوْكِيلُهَا فِيهِ إِذْنٌ فِي الْمُعَاوَضَةِ وَمِنْهَا الإِْبْرَاءُ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمَا حَاكِمَانِ فَإِنَّهُمَا يُمْضِيَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ طَلاَقٍ وَخُلْعٍ، فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا رَضِيَاهُ أَوْ أَبَيَاهُ.
و- إِقَامَةُ حَكَمٍ وَاحِدٍ:
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِقَامَةِ حَكَمٍ وَاحِدٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي حَالِ الشِّقَاقِ:
فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لِلزَّوْجَيْنِ إِقَامَةُ حَكَمٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ يَكُونُ عَدْلاً رَشِيدًا ذَكَرًا فَقِيهًا بِمَا بُعِثَ لَهُ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَكَمُ مَا يَفْعَلُهُ الْحَكَمَانِ مِنَ الإِْصْلاَحِ أَوِ التَّطْلِيقِ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ بِمَالٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ إِقَامَةِ الْوَلِيَّيْنِ عَلَى الزَّوْجَيْنِ الْمَحْجُورَيْنِ حَكَمًا وَاحِدًا عَلَى الصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنَ الْعَدَالَةِ وَالرُّشْدِ وَالذُّكُورَةِ وَالْفِقْهِ، وَيَكُونُ أَجْنَبِيًّا مِنْهُمَا، فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لاَ يَجُوزُ، وَالأَْظْهَرُ- كَمَا قَالَ الدُّسُوقِيُّ - الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ إِقَامَةِ حَكَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَوْ أُقِيمَ وَحَكَمَ بِشَيْءٍ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ الرَّمْلِيُّ: لاَ يَكْفِي حَكَمٌ وَاحِدٌ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ يَنْظُرَانِ فِي أَمْرِهِمَا بَعْدَ اخْتِلاَءِ حَكَمِ كُلٍّ بِهِ وَمَعْرِفَةِ مَا عِنْدَهُ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ: اقْتَضَى كَلاَمُ الْمُصَنِّفِ- النَّوَوِيِّ - عَدَمَ الاِكْتِفَاءِ بِحَكَمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الأَْصَحُّ، لِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَلأِنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَتَّهِمُهُ وَلاَ يُفْشِي إِلَيْهِ سِرَّهُ.
ز- مَا يَنْبَغِي لِلْحَكَمَيْنِ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ عَلَى الْحَكَمَيْنِ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَا اسْتَطَاعَا، فَإِنْ أَعْيَاهُمَا الصُّلْحُ رَفَعَا الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ فَرَّقَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُبْعَثُ الْحَكَمَانِ إِلَى الزَّوْجَيْنِ لِلصُّلْحِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ أَعْيَاهُمَا الصُّلْحُ وَعَظَا الظَّالِمَ مِنْهُمَا، وَأَنْكَرَا عَلَيْهِ ظُلْمَهُ، وَأَعْلَمَا الْحَاكِمَ بِذَلِكَ لِيَأْخُذَ عَلَى يَدِهِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ فِي أَوَّلِ الأَْمْرِ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِكُلِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُمَا لأَِجْلِ الأُْلْفَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَرِيبِهِ وَيَسْأَلَهُ عَمَّا كَرِهَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَيَقُولَ لَهُ: إِنْ كَانَ لَكَ حَاجَةٌ فِي صَاحِبِكَ رَدَدْنَاهُ لِمَا تَخْتَارُ مَعَهُ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ الإِْصْلاَحُ نَظَرَ الْحَكَمَانِ: فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الإِْسَاءَةَ مِنَ الزَّوْجِ طَلَّقَا عَلَيْهِ بِلاَ خُلْعٍ، أَيْ بِلاَ مَالٍ يَأْخُذَانِهُ مِنْهَا لَهُ لِظُلْمِهِ.
وَإِنْ كَانَتِ الإِْسَاءَةُ مِنْهَا ائْتَمَنَاهُ عَلَيْهَا وَأَقَرَّاهَا عِنْدَهُ- إِنْ رَأَيَاهُ صَلاَحًا- وَأَمَرَاهُ بِالصَّبْرِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، أَوْ خَالَعَا لَهُ بِنَظَرِهِمَا فِي قَدْرِ الْمُخَالَعِ بِهِ وَلَوْ زَادَ عَلَى الصَّدَاقِ، إِنْ أَحَبَّ الزَّوْجُ الْفِرَاقَ أَوْ عَلِمَا أَنَّهَا لاَ تَسْتَقِيمُ مَعَهُ.
وَإِنْ كَانَتِ الإِْسَاءَةُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الإِْصْلاَحِ الطَّلاَقُ بِلاَ خُلْعٍ إِنْ لَمْ تَرْضَ الزَّوْجَةُ بِالْمَقَامِ مَعَهُ، أَوْ لَهُمَا أَنْ يُخَالِعَا بِالنَّظَرِ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْهَا لَهُ؟ قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَيْهِ الأَْكْثَرُ- أَيْ عَلَى الْخُلْعِ بِالنَّظَرِ وَعَلَيْهِ الأَْكْثَرُ مِنْ شُرَّاحِ الْمُدَوَّنَةِ - وَقَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ: إِنَّ الأَْوَّلَ- وَهُوَ الطَّلاَقُ بِلاَ خُلْعٍ- هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الأَْكْثَرُ.
وَقَالَ الآْبِيُّ نَقْلاً عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ: فِي كَيْفِيَّةِ التَّفْرِقَةِ عِبَارَاتٌ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِنْ كَانَتِ الإِْسَاءَةُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فَرَّقَ الْحَكَمَانِ عَلَى بَعْضِ الصَّدَاقِ فَلاَ يَسْتَوْعِبَاهُ لَهُ، وَعَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ مَعْنَى قوله تعالى : ( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) وَقَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ: إِنْ لَمْ يَقْدِرَا عَلَى الصُّلْحِ فَرَّقَا بِشَيْءٍ مِنَ الزَّوْجَةِ لَهُ، أَوْ إِسْقَاطِهِ عَنْهُ، أَوْ عَلَى الْمُتَارَكَةِ دُونَ أَخْذٍ وَإِسْقَاطٍ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ لَهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَتَبِعَهُ الْمُتَيْطِيُّ.
وَعَلَى الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَأْتِيَا الْحَاكِمَ فَيُخْبِرَاهُ بِمَا حَكَمَا بِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَنْظُرُ الْحَكَمَانِ فِي أَمْرِ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ اخْتِلاَءِ حَكَمِهِ بِهِ وَحَكَمِهَا بِهَا وَمَعْرِفَةِ مَا عِنْدَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلاَ يُخْفِي حَكَمٌ عَنْ حَكَمٍ شَيْئًا إِذَا اجْتَمَعَا، وَيُصْلِحَانِ بَيْنَهُمَا أَوْ يُفَرِّقَانِ بِطَلْقَةٍ إِنْ عَسُرَ الإِْصْلاَحُ، وَيَلْزَمُ كُلًّا مِنَ الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَحْتَاطَ، فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِوَكِيلِهِ: خُذْ مَالِي مِنْهَا وَطَلِّقْهَا، أَوْ طَلِّقْهَا عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مَالِي مِنْهَا اشْتَرَطَ تَقْدِيمَ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى الطَّلاَقِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: خُذْ مَالِي مِنْهَا وَطَلِّقْهَا- كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ تَصْحِيحِ الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّهُ- لأِنَّ الْوَكِيلَ يَلْزَمُهُ الاِحْتِيَاطُ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ، فَإِنْ قَالَ: طَلِّقْهَا ثُمَّ خُذْ مَالِي مِنْهَا جَازَ تَقْدِيمُ أَخْذِ الْمَالِ لأِنَّهُ زِيَادَةُ خَيْرٍ، قَالَ الأَْذْرَعِيُّ: وَكَالتَّوْكِيلِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فِيمَا ذُكِرَ التَّوْكِيلُ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجَةِ، كَأَنْ قَالَتْ: خُذْ مَالِي مِنْهُ ثُمَّ اخْتَلِعْنِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَنْبَغِي لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يَنْوِيَا الإِْصْلاَحَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) وَأَنْ يُلَطِّفَا الْقَوْلَ، وَأَنْ يُنْصِفَا، وَيُرَغِّبَا، وَيُخَوِّفَا، وَلاَ يَخُصَّا بِذَلِكَ أَحَدَهُمَا دُونَ الآْخَرِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا.
ح- غِيَابُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ جُنُونُهُ:
- ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ التَّحْكِيمِ لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ، وَلَوْ جُنَّ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا انْقَطَعَ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ:
قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: عَلَى الْقَوْلِ الأَْظْهَرِ بِأَنَّ الْحَكَمَيْنِ وَكِيلاَنِ إِنْ أُغْمِيَ عَلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ جُنَّ وَلَوْ بَعْدَ اسْتِعْلاَمِ الْحَكَمَيْنِ رَأْيَهُ لَمْ يُنَفَّذْ أَمْرُهُمَا، لأِنَّ الْوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بِالإِْغْمَاءِ وَالْجُنُونِ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ جُنَّ قَبْلَ الْبَعْثِ لَمْ يَجُزْ بَعْثُ الْحَكَمَيْنِ، وَإِنْ غَابَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ نُفِّذَ أَمْرُهُمَا كَمَا فِي سَائِرِ الْوُكَلاَءِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَوْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْولَى- بِاعْتِبَارِهِمَا وَكِيلَيْنِ، وَهِيَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ- وَيَنْقَطِعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَعْتَبِرُهُمَا حَاكِمَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ يَنْقَطِعُ نَظَرُهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِاعْتِبَارِهِمَا حَاكِمَيْنِ.
وَلَوْ جُنَّ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْولَى، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الثَّانِيَةِ، لأِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ عَلَى الْمَجْنُونِ، قَالَ الْمُرْدَاوِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ، وَأَضَافَ قَوْلَهُ: وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي بِأَنَّ نَظَرَهُمَا يَنْقَطِعُ أَيْضًا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لأِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ مَعَهُ بَقَاءُ الشِّقَاقِ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ جَازَ لِلْحَكَمَيْنِ إِمْضَاءُ رَأْيِهِمَا إِنْ قُلْنَا إِنَّهُمَا وَكِيلاَنِ لأِنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِالْغَيْبَةِ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُمَا حَاكِمَانِ لَمْ يَجُزْ لَهُمَا إِمْضَاءُ الْحُكْمِ لأِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَحْكُومٌ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَالْقَضَاءُ لِلْغَائِبِ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَا قَدْ وَكَّلاَهُمَا فَيَفْعَلاَنِ ذَلِكَ بِحُكْمِ التَّوْكِيلِ لاَ بِالْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ وَكَّلَ جَازَ لِوَكِيلِهِ فِعْلَ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ مَعَ غَيْبَتِهِ.
وَإِنْ جُنَّ أَحَدُهُمَا بَطَلَ حُكْمُ وَكِيلِهِ، لأِنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِجُنُونِ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَ حَاكِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ، لأِنَّ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ بَقَاءَ الشِّقَاقِ وَحُضُورَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مَعَ الْجُنُونِ.
ط- امْتِنَاعُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ تَوْكِيلِ الْحَكَمَيْنِ:
- ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ وَكِيلاَنِ عَنِ الزَّوْجَيْنِ، فَلاَ يُرْسَلُ الْحَكَمَانِ إِلاَّ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ وَتَوْكِيلِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ بِبَعْثِهِمَا أَوِ امْتَنَعَا مِنْ تَوْكِيلِهِمَا لَمْ يُجْبَرَا عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ لاَ يَزَالُ الْحَاكِمُ يَبْحَثُ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مَنِ الظَّالِمُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فَيَرْدَعُهُ وَيُسْتَوْفِي مِنْهُ الْحَقَّ لِلْمَظْلُومِ إِقَامَةً لِلْعَدْلِ وَالإِْنْصَافِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 238
دَلاَلَةُ الصِّيغَةِ عَلَى الزَّمَانِ وَأَثَرُهَا فِي الْعَقْدِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي، كَقَوْلِ الْوَلِيِّ لِلزَّوْجِ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي أَوْ أَنَكَحْتُكَ، فَيَقُولُ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا، أَوْ رَضِيْتُ، لأِنَّ الْمَاضِيَ أَدَلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالتَّحْقِيقِ دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ.
إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ فَقَطْ، أَوْ رَضِيتُ فَقَطْ، بَلْ لاَ بُدَّ أَنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا، أَوْ رَضِيتُ نِكَاحَهَا، فَإِذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدِ النِّكَاحُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ- الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ.
وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالإِْيجَابِ بِصِيغَةِ الأَْمْرِ، كَقَوْلِ الْوَلِيِّ لِلزَّوْجِ: تَزَوَّجِ ابْنَتِي فَيَقُولُ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُهَا.
أَمَّا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِلْوَلِيِّ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، فَإِنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلٍ وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ، سَوَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ لِلْوَلِيِّ زَوِّجْنِي هُوَ تَوْكِيلٌ ضِمْنِيٌّ بِالنِّكَاحِ وَلَيْسَ إِيجَابًا، أَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إِيجَابٌ، وَرُجِّحَ هَذَا فِي الْبَحْرِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ فَلاَ يَنْعَقِدُ هَذَا النِّكَاحُ لأِنَّ الأَْصْلَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ الإِْيجَابُ عَلَى الْقَبُولِ فَإِذَا تَقَدَّمَ الْقَبُولُ فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ، وَالإِْيجَابُ عِنْدَهُمْ يَكُونُ مِنْ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ وَلَيْسَ مِنَ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا كَلاَمُ الزَّوْجِ يُعْتَبَرُ قَبُولاً.
أَمَّا لَوْ كَانَتِ الصِّيغَةُ بِالْمُضَارِعِ فَقَدْ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْمُضَارِعُ الْمَبْدُوءُ بِهَمْزَةٍ كَقَوْلِ الزَّوْجَةِ: أَتَزَوَّجُكَ - بِفَتْحِ الْكَافِ - أَوْ أَتَزَوَّجُكِ - بِكَسْرِ الْكَافِ - وَالْمُضَارِعُ الْمَبْدُوءُ بِالنُّونِ كَقَوْلِ وَلِيِّ الزَّوْجِ: نُزَوِّجُكِ مِنَ ابْنِي وَالْمُضَارِعُ الْمَبْدُوءُ بِتَاءٍ كَقَوْلِ: تُزَوِّجِينِي
نَفْسَكِ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِهَذِهِ الصِّيَغِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَقْصِدَ فِي الْمُضَارِعِ الْمَبْدُوءِ بِالتَّاءِ الاِسْتِقْبَالَ أَيْ طَلَبَ الْوَعْدِ.
وَقَالَ الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ: الْمُضَارِعُ كَالْمَاضِي فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ اللَّقَّانِيُّ بِأَنَّ الْعُقُودَ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالْمَاضِي دُونَ الْمُضَارِعِ، لأِنَّ الأَْصْلَ فِي الْمُضَارِعِ الْوَعْدُ وَفِي الْمَاضِي اللُّزُومُ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، قَالَ الْحَنَفِيَّةَ: كَ ـ أَنَّا مُتَزَوِّجُكِ، أَوْ قَالَ: جِئْتُكِ خَاطِبًا، وَنَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتْحِ: لَوْ قَالَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ: جِئْتُكَ خَاطِبًا، فَقَالَ الأَْبُ: زَوَّجْتُكَ فَالنِّكَاحُ لاَزِمٌ وَلَيْسَ لِلْخَاطِبِ أَنْ لاَ يَقْبَلَ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْمُسَاوَمَةِ فِيهِ.
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِبِ: لَوْ أَتَى بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، كَ ـ أَنَا مُزَوِّجُكَ، فَالْقِيَاسُ الصِّحَّةُ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنَا بَائِعُكَ دَارِي بِكَذَا
وَأَمَّا صِيغَةُ الاِسْتِفْهَامِ فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ صَرَّحَ بِالاِسْتِفْهَامِ اعْتُبِرَ فَهْمُ الْحَالِ، قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ قَالَ: هَلْ أَعْطَيْتَنِيهَا؟ فَقَالَ: أَعْطَيْتُ. إِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ لِلْوَعْدِ فَوَعْدٌ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَقْدِ فَنِكَاحٌ، قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: فَعَلِمْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِمَا لاَ لِنِيَّتِهِمَا، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مَعَ الْهَزْلِ، وَالْهَازِلُ لَمْ يَنْوِ النِّكَاحَ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: تَتَزَوَّجُ ابْنَتِي لاَ يُجْزِئُ لأِنَّهُ اسْتِفْهَامٌ لَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: أَتُزَوِّجُنِي ابْنَتَكَ فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ لَمْ يَنْعَقِدْ إِلاَّ أَنْ يَقُولَ الْخَاطِبُ بَعْدَهُ: تَزَوَّجْتُ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَ الإِْيجَابُ بِلَفْظِ الاِسْتِفْهَامِ فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ.
انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّ مَنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ يَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِلِسَانِهِ لأِنَّهُ عَاجِزٌ عَمَّا سِوَاهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ كَالأَْخْرَسِ وَيَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ بِحَيْثُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَنْ يَقْدِرُ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِهَا، لأِنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ فَانْعَقَدَ بِهِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهَا.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَرْجَمَة ف 13).