من له أربع نسوة بنكاح صحيح فلا يجوز له أن ينكح خامسة حتى يطلق إحدى الأربع ويتربص حتى تنقضى عدتها .
من له أربع نسوة بنكاح صحيح فلا يجوز له أن ينكح خامسة حتى يطلق إحدى الأربع ويتربص حتى تنقضى عدتها .
المحرمات مؤقتاً :ـ
٣ - الجمع بين أكثر من أربع زوجات : يحرم على المسلم أن يجمع في عصمته أكثر من زوجات أربع . فمن في عصمته أربع زوجات وعقد زواجه بخامسة فإن زواجه بهذه الخامسة فاسد لأنها محرمة عليه مادام في عصمته أربع سواها ولا فرق بين أن تكون الأربع في عصمته حقيقة بأن لم يطلق واحدة منهن أو حكما بأن طلق إحداهن ولكنها مازالت في عدته .
والدليل على إباحة التزوج بأربع وتحريم مازاد عليهن قوله تعالى في سورة النساء : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّاتَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ) وقوله صلى الله عليه وسلم لمن أسلم وكانت له عشر نسوة في الجاهلية أسلمن معه : « أمسك أربعا وفارق سواهن ».
والحكمة في إباحة تعدد الزوجات أمور :
منها : أن الرجل قد لا تحصن نفسه واحدة فصونا له من الزنا واتخاذ الخليلات أباح الله له التزوج بأكثر من واحدة ، ولم يبح للمرأة أكثر من زوج لعلا تضيع الأولاد باختلاط الأنساب .
ومنها : أن عدد النساء في الغالب يزيد على عدد الرجال في أكثر الأمم فإذا لم يبح للرجل إلا واحدة بقي عدد من النساء بلا عائل يقوم بشؤونهن ومن غير زوج يحصن نفوسهن فيكن عرضة للسقوط .
ومنها : أن الغرض الأول من الزواج وهو التوالد والتناسل يكون أكثر تحققا بتعدد الزوجات .
ومنها : أن الزوج قد يجد زوجته عقيما ولا يرضى أن يفارقها لعقمها ولا يرضى أن يعيش محروما من نعمة الأبوة فأباح الله له أن يتزوج معها أخرى للخلاص من هذا الحرج .
ومما يعترض على إباحة التعدد أنه يؤدي إلى فساد الأسر لأن العداوة بين الضرائر لا تنقطع ولها أسوأ النتائج في حل الروابط بين أفراد الأسرة . ولأن أولاد الرجل الواحد من أمهات شتى ينشأون متعادين متباغضين . ولأن الرجل في الغالب لا يستطيع العدل بين الزوجات ولا القيام بشؤونهن جميعا فتكثر الخصومات والمنازعات .
ولكن الشارع رأى أن مضار إباحة التعدد أخف من مضار حظره . فاتقى أشد الضررين بإباحة أخفهما وأباح التعدد وقيد هذه الإباحة بالقدرة على العدل بين الزوجات فمن خاف أن لا يعدل بين المتعددات فلا تباح له إلا واحده .
وإن ما أباحه الشارع من التعدد مع تقييد العدد بقصره على أربع واشتراط القدرة على العدل بينهن هو وسط معتدل بين ما كانت عليه الجاهلية من إباحة التعدد إلى غير حد. وما عليه بعض الأمم الآن من حظر التعدد مطلقا فإن لكل من هذين الطرفين أضرارة لا تخفى على من ينظر بعين النصفة ويبتغي وجه الحق .
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 53 ـ 54 )
خامسا - حرمة الجمع بين أكثر من أربع زوجات:
يحرم الجمع بين أكثر من أربع زوجات في عصمة الرجل، فإذا كان متزوجا من أربع وأراد الزواج من خامسة كان عليه أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، و يتريث حتى تنقضي عدتها سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا.
وحرمة الجمع بين أكثر من أربع زوجات ثابتة من القرآن والسنة والإجماع.
فقد قال تعالى في سورة النساء (الآية 3) ( إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ) .
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن عيلان الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي عليه السلام أن يختار منهن أربعا ويفارق البواقي .
وعن قيس بن الحارث أنه أسلم وعنده ثمان نسوة، فقال له الرسول عليه السلام: «اختر منهن أربعا وفارق البواقي».
وعن نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة فقال له الرسول عليه السلام: «أمسك أربعا وفارق الأخرى».
وقد انعقد إجماع المسلمين على إباحة التعدد قولا وعملا في حياة الرسول عليه السلام من بعده حتى الآن من جمع كبار الصحابة بين أكثر من واحدة ومنهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن سفيان ومعاذ بن جبل، وكذا فقهاء التابعين وغيرهم مما لا يعد كثرة، كما أقروا من جمع بالزواج بين أكثر من واحدة في عصمته.
ولا يصح الاستدلال على إباحة الجمع بين أكثر من أربع بتعدد أزواج النبي عليه السلام، فإن الآية السابقة مع الوقائع المروية - تدلان على أن إباحة الزيادة على الأربع كانت خاصة به عليه السلام، فضلا عن أن خوف الجور منه غير موهوم.
والتعدد ليس واجبا ولا مندوبا، والإسلام عندما أباح التعدد لم يجعل هذا أمرا محتما يتقيد به المسلم، وإنما أراد بالتعدد أن يكون رخصة للمسلم.
وقد أباح الإسلام تعدد الزوجات لأسباب ملحة عديدة منها :
1- إشباع غرائز بعض الرجال الذين تأبى غريزتهم الاكتفاء بزوجة واحدة، فلابد من أن يكون في الشريعة من السعة واليسر ما يرضي المعتدل ويرضى المفرط الذي لو سددنا عليه باب التعدد لفتح لنفسه باب الزنا.
2- إتاحة فرصة الإنجاب، إذا كانت الزوجة الأولى لا تنجب لعقم أو مرض، فيستطيع الرجل التزوج بأخرى وهي في عصمته فتتجنب الزوجة الأولى مغبة الطلاق.
3- حل مشكلة تعرض بعض الشعوب إلى نقص في عدد الرجال بسبب الحروب، مما ينتج عنه وجود نساء لا أزواج لهن، فيكون في إباحة التعدد تخليصهن من العزوبة وشرورها.
وإباحة التعدد ليست مطلقة وإنما مقيدة بشرطين أساسيين:
الأول: القدرة على الإنفاق، وهذا الشرط ليس مقصورا على حالة التعدد بل هو شرط أساسي عام لمن يريد أن يتزوج، فمن عجز عن الإنفاق على زوجة واحدة لا يحل له شرعا أن يتزوج بامرأة أخرى.
والثاني: العدل بين الزوجات. فإذا كان الرجل غير قادر على العدل بين زوجاته، فإنه يحرم عليه الزواج بأكثر من واحدة.
وقد قال تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا) أي أقرب ألا تجوروا .
وقال الرسول عليه السلام: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» والعدل المطلوب بين الزوجات يكون في المسائل التي تكون في مقدور الإنسان، كالنفقة والمبيت، أما المسائل التي لا يملكها الإنسان ولا سيطرة له عليها - كالمحبة والمودة والجماع فلا يتطلب فيها العدل.
وكان الرسول عليه السلام يقسم فيعدل ويقول: «الله هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك».
وقد بين الله تعالى أن العدل في الأمور التي لا يملكها الإنسان غير ممكن ولو حرص عليه أشد الحرص، ولكنه دعا إلى عدم الميل المحظور بحيث تكون الزوجة كأنها معلقة لا هي مطلقة ولا هي ذات بعل..
فقد قال تعالى: ( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا).(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 219)
شروط تعدد الزوجات
أولاً : عدم الزيادة على أربع . كما هو مذهب الجمهور وهذا الشرط يعتبر من شروط الصحة بمعنى أنه لو عقد على الخامسة يكون العقد باطلا و و في عدة الرابعة فإباحة التعدد قيدت بعدد محدود عند إرادة الجمع بين الزوجات فاشترط عدم الزيادة على أربع .
ثانيا : العدل بين الزوجات في كل ما هو مادي من غير تفرقة بين غنية وفقيرة وعظيمة وحقيرة وهو شرط لإباحة التعدد يدل على شرطيته قوله تعالى : {{ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً }} والمراد بالخوف غلبة الظن لا مجرد الخوف إذ هو متوفر عند كل شخص تقريبا فلو أريد لأنتج علم الإباحة وهذا بعيد عن روح الآية الكريمة فهي لا ترمي إليه .
أي إن خفتم ألا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع فواحدة ". فندب سبحانه وتعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة ، وهو إنما يخاف على ترك الواجب ، فدل على أن العدل بينهن واجب وإليه أشار في أخر الآية "(ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ) أي تجوروا ، والجور حرام فكان العدل واجب ضرورة ، ولأن العدل مأمور به لقوله عز وجل : {{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}} وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : {{ من كانت له امرأتان فمال إلي إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل }}.
من كل ذلك يتبين أن العدل شرط التعدد والمراد بالعدل المشروط ما نص عليه الفقهاء وهو العدل في البيتوتة والنفقة وما شابه ذلك لا العدل في الميل القلبي لأن الله سبحانه وتعالى نص على عدم إمكان ذلك بقوله : {{ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ...}} فمن يدرك روح الإسلام واتجاهه لا يقول إن التعدد مطلوب لذاته ، مستحب بلا مبرر من ضرورة فطرية أو اجتماعية وبلا دافع إلا التلذذ الحيواني ، وإلا التنقل بين الزوجات كما يتنقل الخليل بني الخليلات ، وإنما ضرورة تواجه ضرورة وحل يواجه مشكلة وهو ليس متروكا للهوى بلا قيد ولا حد في النظام الإسلامي.
والكيفية التي يمكن أن يتحقق من خلالها العدل في القسم تختلف باختلاف المال التي يراد تحقيقه فيها إذ من المعلوم أن علاقة الرجل بزوجة لها جوانب متعددة ، منها ما هو مادي ذو طبيعة مالية وهو يتمثل في المسكن والنفقة من مطعم وملبس وغيرها، ومنها ما هو مادي ذو طبيعة شخصية : وهو ما يمكن للزوج أن يتحكم في تنظيمه كالمبيت عند الزوجة والدخول إلي المنزل في بقية اليوم والسفر وما شابه ذلك مما يدخل في معناه كالخروج إلي التنزه والترفيه المباح ، ومنها ما هو مادي ذو طبيعة شخصية ولكن لا يمكن للزوج التحكم فيه أو تنظيمه كالجماع ومقدماته ومنها ما هو ذو معنى مجرد مستكن في النفس لا يمكن التحكم فيه أو تنظيمه كالميل القلبي وهو ما يعبر عنه بالحب إذ هو ميل القلب إلي شخص معين وتعلقه به وإحساسه المستمر بالحاجة إليه والشعور بالارتياح لقربه .
مظاهر العدل بين الزوجات
أولا : العدل بين الزوجات في الطعام واللباس والكسوة وإحسان المعاملة ولطف العشرة ، فيجب على الزوج العدل بين زوجاته في كل ما يستطيعه ويدخل تحت قدرته من الحقوق ، فيسوى بينهن حتى لا تجنح بإحداهن الغيرة التي تورث الحقد والكراهية بينهن ، لا فرق في ذلك بين غنية وفقيرة ، وعظيمة وحقيرة .، ولا بين البكر والثيب ، أو الجديدة والقديمة ، والشابة والعجوز - والمسلمة وغير العملية ، و الصحيحة والمريضة ، العاقلة والمجنونة ، والبالغة والمراهقة .
فإن كانت الرجل زوجتان فيجب عليه أن يسوى بينهما في النفقة بأنواعها الثلاثة على حسب مقدرته ويمتنع عليه أن يفضل إحداهما على الأخرى بشئ من ذلك .
ثانيا : العدل في المسكن
فيجب على الزوج أن يوفر لكل زوجة مسكنا مستقلا بمرافقة لها ولأولادها ، ولا يخفي أن استقرار كل زوجة في مسكن مستقل بمرافقة يكفي الضرائر شرا كثيرا تتولد شرارته عندما يحدث التخالط بينهن في المسكن فينشب النزاع بسبب الأولاد ، وليس معنى ذلك أن تطالب الزوجة زوجها بدار من بابها أو مسكن يليق بمكان عائلتها ، ذلك أن الزوج لا يكلف بما لا يستطيع وخارج عن مقدرته ، فلو أن للزوج دار مكونة من عدة حجرات وكانت كل حجرة مستقلة ولها غلق بمرافقها لصلحت هذه الحجرات مساكن مستقلة بمرافقها ، لذلك فلا يجوز للزوج أن يسكن زوجته الجديدة مع الزوجة القديمة طالما كانت المرافق مشتركة وإلا عد ذلك ضررا ماديا بالنسبة لها يحق لها طلب الطلاق مادام قد لحقها ضرر من جراء ذلك يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالها وللزوجة الأولي الحق في أن تمتنع من إقامة الزوجة الجديدة في مسكنها هذا في حالة ما إذا كانت المرافق مشتركة ،بل أجيز لها أن تمنعها من دخول المسكن ولو لمجرد الزيارة .
وقد جاء بمضبطة مجلس الشعب
ثالثا : المساواة في البيت
وذلك بأن يسوي الزوج بين زوجاته في المبيت فلا يفضل إحداهما على الأخرى ، والمراد بالبيتوتة تخصيص كل زوجة بليلة يبيت الزوج معها في بيتها الخاص أي من حق كل زوجة أن يبيت زوجها عندها وقتا مساويا للوقت الذي يبيت فيه عند الأخريات .
ولا فرق في هذا بين البكر والثيب والجديدة والقديمة والشابة والعجوز - والصحيحة أو المريضة ، السليمة لعيب من العيوب أو ذات عيوب شرعية كالقرناء والرتقاء وسواء كانت خالية من الموانع الشرعية أم بها مانع شرعي كالحيض والنفاس .
والأمر كذلك بالنسبة للزوج سواء أكان قادرا على الوطء أم لا صحيحا أو مريضا لان القصد من المبيت هو الأنس والاستمتاع وهذا يتحقق مع الوطء أو بدونه ، فإذا حدث وكان الزوج مريضا واحتاج إلي التمريض في بيت إحداهن فيلزم عليه استئذان صاحبة الحق - كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد استأذن نساءه حالة مرضه في أن يكون في بيت عائشة رضي الله عنهما - وبعد شفائه من مرضه عليه أن يقيم في بيت غيرها بقدر ما قام عندها .
والقسم في المبيت لا ينبغي أن يقل عن ليلة كاملة حتى يكون هناك من الوقت الكافي الذي ييأس فيه كل من الزوجين بصاحبه .
ورأي جمهور العلماء أنه لا ينبغي أن تزيد مدة المبيت على سبعة أيام إلا في الحالات الضرورية كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثا ثم قال : ليس بك على أهلك هوان ، إن شئت سبعت لك ، وإن سبعت لك سبعت لنسائي وتعيين مدة المبيت أمر متروك للزوج لأن الواجب عليه التسوية بينهن وللزوج أن يختار الوسيلة التي تحقق هذه المساواة بلا ضرر ولا ضرار وحق الزوجة في المبيت معها في مسكنها بصرف النظر عن الرغبة في الجماع ، حتى وإن لم يتمكن من الجماع معها في ليالي المبيت شرعا أو عادة أو طبعا أو خلقة ، لأنه لا صلة بين القسم في المبيت وبين إمكان الجماع ، لان المقصود من القسم في المبيت هو اكتمال الأنس والمودة والرحمة بين الزوجين ، وانه وإن كان القصد من الزواج الجماع والتناسل إلا أن الرعاية النفسية والاجتماعية هي المقصد و الأساس من الزواج ، هذا إذا كان في حالة حظر ، إما إذا كان في حالة سفر فلا حق لهن في القسم ويسافر الزوج بمن شاء منهن غير أن الأولي أن يقرع بينهن .
يستخلص مما سلف ذكره أن العدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة ، أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس فلا يطالب به احد من بني الإنسان لأنه خارج عن إرادته فلا يجب فيها التسوية مثال ذلك عل الرجل بين زوجاته في المحبة أو أداء واجبه الجنسي معهن فهذه أمور تبني علي اعتبارات نفسية لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيها بقدر متساو في كل الظروف ، لأنه لا يملك ذلك بل القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء لذلك فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ثم يقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في سورة النساء {{ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ}}.
هذه الآية يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلا على تحريم التعدد والأمر ليس كذلك وشريعة الله ليست هازلة حتى تشرع الأمر في آية وتحرمه في آية أخرى فالعدل المطلوب في الآية الأولى : {{ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ .... }} والذي يوجب عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة وسائر الأوضاع الظاهرة بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شئ منها ، ولا يؤثر واحدة دون الأخر بشئ منها فالعدل المنفي هو العدل في المحبة والجماع .
وقد قال محمد بن سیرین سألت عبيدة عن هذه الآية فقال هو الحب والجماع .
وقال أبو بكر العربي وصدق ، فإن ذلك لا يملكه أحد إذ قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء .
وكذلك الجماع ومقدماته ، فقال ابن قدامة لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجب التسوية في الجماع لأنه قد ينشط لإحداهما ما لا ينشط للاخرى ، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه فانه ما لا يستطيعه فلا يتعلق به تكليف .
وإن أمكنه التسوية بينهما في الجماع كان أحسن وأولى حيث أن ذلك أبلغ في العدل .
كما لا تجب التسوية في الاستمتاع بما دون الفرج من التقبيل واللمس وإن أمكنه التسوية بينهما في ذلك فهو أفضل، فالمكروه في الميل هو ميل العشرة الذي يكون معه بخس الحق دون میل القلوب ، بحيث تميل كفة الميزان كل الميل بينما يذر الأخرى كالمعلقة ، أي لا ينبغي أن تدفعه هذه المحبة إلي هجر من لا يحب من زوجاته والتقصير في حق من أي واحدة منهن من الحقوق التي أوجبها الشارع على الزوج أن يؤديها قبل زوجاته بالسوية بينهن.
وللزوجة أن ترفع أمرها إلى القاضي تطالب زوجها بحقها في القسم وذلك في حالة ما إذا ما طالبته بذلك ولكنه لم يمتثل ، وعلى القاضي أن يأمره بأن يستأنف العدل في المستقبل ولا يأمر بالقضاء في الماضي ، فإن جار بعد ذلك أوجعه عقوبة حسبما يراه ، لأن هذه العقوبة من باب التعذير لارتكابه محرما لا عقوبة مقدرة عليه .
وقيل يؤمر بالقضاء في الماضي إذا طلبت لأنه حق آدمي وله قدرة على إيفائه .
و المشرع في المادة 11 مكرر من القانون 25 لسنة 29 والمعدل بالقانون 100 لسنة 85 أوجب على الزوج بمجرد إتمام إجراءات الزواج بالثانية أن يقوم بإخطار الزوجة الأولي ، والإخطار هنا ليس معناه أن يوقف الزواج بالثانية حتى تأتي موافقة الزوجة الأولي ، وإنما الزواج الثاني متى توافرت شروطه وأركانه شرعا أصبح حقيقة واقعية ، فالمشرع لم يتعرض التعدد الزوجات لا من قريب ولا من بعيد فللزوج أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع لا شئ في هذا .
وعلى الزوجة بعد إخطارها أن تسلك أحد الطريقين إما أن تقبل الاستمرار في هذه الحياة الزوجية وهذا حقها ، وإما أن تلجأ إلى القاضي تطلب التفريق بينها وبين زوجها إذا ترتب على هذا الزواج بأخري ضرر مادي ومعنوي وهذا حقها أيضا طبقا للقاعدة العامة .
لذلك فحق الزوجة في طلب التطليق بالزواج بأخرى أن يلحقها ضرر يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما ، وقد لا يلحقها ضرر بأن يقوم الزوج بالعدل بينهما في كل الأمور السابق بيانها تفصيلا وذلك بان يسوى بينهما في النفقة والمسكن والمبيت والفارق بين هذا النص والنص في القرار بقانون الذي الغي ، أن القرار بقانون الملغي كان يعتبر مجرد الزواج باخري قرينة قانونية لصالح الزوجة التي في عصمة زوجها مؤداها أن اقترانه بأخرى بغير رضاها يعتبر إضرارا بها ويعطيها من إثبات هذا الضرر متى طلبت التفريق لأجنه ، بمعنى مجرد إتمام الزواج الثاني أجاز للزوجة الأولي أن تأخذ وثيقة الزواج وتذهب إلى المحكمة وعلى القاضي أن يحكم لها بالطلاق فورا . وكان هذا النص مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية في كل الوجوه ولم يقل به أحد من فقهاء الشريعة الإسلامية .
أما هذا القانون المعمول به الآن لم ينح هذا المنحي وإنما أوجب على الزوجة طالبة التطليق للتضرر من الزواج بأخرى ، أن تقيم الدليل على أنه قد لحقها ضرر من جراء ذلك الزواج ماديا كان أو معنويا ، بمعنى أن الضرر لا يفترض كما كان عليه الحال في القانون 44 لسنة 79 الذي حكم بعدم دستوريته كما أن معيار الضرر معيار شخصي وليس معيارا ماديا .
وقد جاء بمضبطة مجلس الشعب جلسة 96 في 1985 / 6 / 30 بأن السند الفقهي لهذا النص ومفهوم الضرر عند إطلاقه شرعا وطبقا لما استقر عليه القضاء يشمل الضرر بكافة أنواعه ماديا كان أو أدبيا ، ومن ثم فلم تر اللجنة ضرورة لتفصيله في النص ومسلك المشرع في ذلك يتفق مع حكم الشريعة الإسلامية دون المساس بمبدأ تعدد الزوجات حيث يبقى هذا المبدأ علي أصله دون مساس به أو تقييد له ومن الضرر الذي يلحق بالزوجة الأولي إذا ترتب على الزواج باخري عدم الإنفاق عليها أو تخفيض نفقتها عما هو مقرر لها كما يعتبر من الضرر إسكان الزوجة الثانية بمسكن الزوجة الأولي أو نقل الزوجة الأولي من محل إقامتها لإسكان الأخرى إلى مكان أخر لا يعد مسکنا شرعيا وتتضرر منه ، أو ترتب على هذا الزواج هجر منزل الزوجة الأولي أو عدم التسوية بينهما في المبيت كما سلف بيانه تفصيلا كما يعد من الضرر إلحاق الأذى بها من ضرب وسب نتيجة ذلك الزواج لم يكن يحدث قبل زواجه بالثانية.
ولا يعد من قبيل الضرر زواج الرجل على زوجته الأولي بخادمته أو الشغالة ، كما لا يعد من قبيل الضرر أيضا إذا ادعت الزوجة أنه ترتب على هذا الزواج انهيارها نفسيا كما يدعي بعض الزوجات .
فمناط الحكم بالتطليق في الدعوى التي ترفع طبقا للمادة 11 مکرر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 29 هو ثبوت الضرر ماديا أو معنويا يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما وعجز القاضي عن الإصلاح بين الطرفين ، وان البينية في هذه الدعوى - وعلي أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة يجب أن تكون من رجلين أو رجل وامرأتان ، ومحكمة الموضوع هي التي تستقل بتقدير عناصر الضرر وتصويره بما يجعل دوام العشرة متعذرا ما دام استنادها كان على أسباب مقبولة .
وعلى محكمة الموضوع عند التدخل لمحاولة الصلح أن تحاول التوفيق بين الطرفين بان تطلب من الزوج إزالة أسباب الشقاق ، والعدل بين زوجاته والتسوية بينهن في السبب المقام عليه الدعوى ، فإذا عجزت المحكمة عن الإصلاح بين الطرفين فتقضي بالتطليق إذا توافرت باقي الشروط التي تتطلبها المادة 11 مكرر من القانون سالف البيان ويستخلص من ذلك أن شروط دعوى التطليق للزواج بأخرى هي : أولا : أن ترفع الزوجة الدعوى خلال سنة من تاريخ علمها بزواج زوجها من أخري وإلا سقط حقها في طلب التطليق بعد مضي سنة من تاريخ إخطارها بالزواج الثاني .
ثانيا : ألا تكون قد رضيت بذلك الزواج الثاني صراحة أو ضمنا ، فإذا اثبت الزوج أنها رضيت بهذا الزواج فيسقط حقها في طلب التطليق .
ثالثا : أن يكون قد لحقها ضرر مادي أو معنوي يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما ولو لم تكن قد اشترطت عليه في العقد، وعبء الإثبات الضرر يقع على الزوجة . رابعا : عجز المحكمة عن الإصلاح بين الطرفين واستحالة العشرة بينهما.
خامسا : إذا اشترطت الزوجة على زوجها في العقد أن لا يتزوج عليها فلها الحق في التطليق أو فسخه .
ففي حالة توافر تلك الشروط فعلى محكمة الموضوع أن تقضي بالتطليق طلقة بائنة للضرر وبناء علي هذا جاء الحكم المبين في الفقرة الثانية من المادة 11 مكرر التي ترخص للزوجة في طلب التطليق إذا تضررت ماديا أو معنويا من اقتران زوجها بأخرى حتى ولو لم تكن قد اشترطت عليه في عقد زواجها ألا يتزوج عليها ، ومن هذا القبيل إذا أخفى الزوج علي الزوجة الجديدة انه متزوج بغيرها ، فإنه يكون حقا لها أن تطلب التطليق عليه إذا تضررت من ذلك .
كما يتجدد حق الزوجة في طلب التطليق كلما تزوج بأخرى ولحقها ضرر من جراء ذلك الزواج فلا يسقط حقها في طلب التطليق إذا تزوج من زوجة ثالثة ، رغم أنها لم تمانع من الزواج الثاني .
ولم يترك هذا النص الأمر مطلقا تستعمله الزوجة المتضررة حسبما تشاء وفي الوقت الذي تريده بل غاية سنة من تاريخ علمها بقيام السبب الموجب للضرر ما لم تكن قد رضيت بالبقاء على عصمته بعده صراحة أو ضمنا .
وضمانا لعلم الزوجة بقيام هذا السبب اوجب النص في فقرته الأولى على الرجل عند عقد زواجه أن يقدم إقرار كتابيا للموثق يضمنه حالته الاجتماعية ، فإذا كان متزوجا فعليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات التي في عصمته وقت العقد الجديد ومحال إقامتهن وأوجب على الموثق إخطار أولئك الزوجات بكتاب موصي عليه .(الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للإصدارات القانونية ، الصفحة : 450)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 306
انْتِظَارُ الرَّجُلِ مُدَّةَ الْعِدَّةِ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْعِدَّةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ فِرَاقِ زَوْجَتِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا دُونَ انْتِظَارِ مُضِيِّ مُدَّةِ عِدَّتِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَرَادَ الزَّوَاجَ بِعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ أُخْتِهَا أَوْ غَيْرِهَا مِمَّنْ لاَ يَحِلُّ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ طَلَّقَ رَابِعَةً وَيُرِيدُ الزَّوَاجَ بِأُخْرَى، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الاِنْتِظَارُ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ بِالاِتِّفَاقِ، أَوِ الْبَائِنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الاِنْتِظَارُ.
وَمَنْعُ الرَّجُلِ مِنَ الزَّوَاجِ هُنَا لاَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِدَّةٌ، لاَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَلاَ بِالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ، وَإِنْ كَانَ يُحْمَلُ مَعْنَى الْعِدَّةِ، قَالَ النَّفْرَاوِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ حَقِيقَةِ الْعِدَّةِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ لأِنَّ مُدَّةَ مَنْعِ مَنْ طَلَّقَ رَابِعَةً مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهَا لاَ يُقَالُ لَهُ عِدَّةٌ، لاَ لُغَةً، وَلاَ شَرْعًا، لأِنَّهُ لاَ يُمَكَّنُ مِنَ النِّكَاحِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، كَزَمَنِ الإِْحْرَامِ أَوِ الْمَرَضِ وَلاَ يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ مُعْتَدٌّ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 225
الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فِي عِصْمَتِهِ، فَلاَ يَتَزَوَّجُ بِخَامِسَةٍ مَا دَامَتْ فِي عِصْمَتِهِ أَرْبَعٌ سِوَاهَا، إِمَّا حَقِيقَةً بِأَنْ لَمْ يُطَلِّقْ إِحْدَاهُنَّ، وَإِمَّا حُكْمًا، كَمَا إِذَا طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ وَلاَ تَزَالُ فِي عِدَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى أَوْ كُبْرَى، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، فَقَدْ أَجَازُوا التَّزَوُّجَ بِخَامِسَةٍ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ الأَْرْبَعِ فِي الْعِدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ الْبَائِنَ يَقْطَعُ الزَّوْجِيَّةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَلاَ يَكُونُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فِي عِصْمَتِهِ.
وَدَلِيلُ عَدَمِ الْجَمْعِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ قوله تعالى : ) فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ (.
وَقَدْ أَيَّدَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ غَيْلاَنَ الثَّقَفِيَّ رضي الله عنه كَانَ عِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا».
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والثلاثون ، الصفحة / 256
الْمُفَارَقَةُ فِي النِّكَاحِ:
تَقَعُ الْمُفَارَقَةُ فِي النِّكَاحِ لأِسْبَابٍ، مِنْهَا:
أَوَّلاً: الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ.
- لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ أَسْلَمْنَ مَعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ مَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «أَنَّ غَيْلاَنَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا».
وَتَخْتَلِفُ كَيْفِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ مَنْ كَانَ كَافِرًا وَكَانَ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَجْمَعُ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
فَمَنْ كَانَ كَافِرًا وَأَسْلَمَ وَفِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُفَارِقُهُنَّ أَوْ يَخْتَارُهُنَّ تَرَتُّبُ عُقُودِهِنَّ، فَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْ فَارَقَهُنَّ أَوِ اخْتَارَهُنَّ أَوَائِلَ فِي الْعَقْدِ أَوْ أَوَاخِرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالْقَرَافِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ أَنْ يُفَارِقَ مَا زَادَ عَلَى الأْرْبَعِ وَأَطْلَقَ الْحُكْمَ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ كَيْفِيَّةِ نِكَاحِهِنَّ، وَتَرْكُ الاْسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الأْحْوَالِ مَعَ قِيَامِ الاِحْتِمَالِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَلَوْلاَ أَنَّ الْحُكْمَ يَعُمُّ الْحَالَيْنِ لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: «أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا، فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِرٍ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَفَارَقْتُهَا».
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لَوْ تَزَوَّجَ كَافِرٌ بِخَمْسِ نِسْوَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ صَحَّ نِكَاحُ الأْرْبَعِ وَبَطَلَ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ؛ لأِنَّ الْجَمْعَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ جَمِيعًا؛ لأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ وَهُوَ خَوْفُ الْجَوْرِ فِي إِيفَاءِ حُقُوقِهِنَّ.
وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُتَعَرَّضُ لأَِهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ؛ لأِنَّ ذَلِكَ دِيَانَتُهُمْ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُهُودِهِمْ، وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ عَنْ مِثْلِهِ بَعْدَ إِعْطَاءِ الذِّمَّةِ وَلَيْسَ لَنَا التَّعَرُّضُ لأَِهْلِ الْحَرْبِ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، فَلاَ يُمَكَّنُ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْجَمْعِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِذَا كَانَ تَزَوَّجَ الْخَمْسَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ حَصَلَ نِكَاحُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جَمِيعًا؛ إِذْ لَيْسَتْ إِحْدَاهُنَّ بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، وَالْجَمْعُ مُحَرَّمٌ وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ مِنَ التَّعَرُّضِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الاِعْتِرَاضِ بِالتَّفْرِيقِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَنِكَاحُ الأَْرْبَعِ مِنْهُنَّ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لأِنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ لِحُصُولِهِ جَمْعًا، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الإِْسْلاَمِ.
وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ سُبِيَ هُوَ وَسُبِينَ مَعَهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُلِّ سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لأِنَّ نِكَاحَ الأَْرْبَعِ وَقَعَ صَحِيحًا، لأِنَّهُ كَانَ حُرًّا وَقْتَ النِّكَاحِ، وَالْحُرُّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، إِلاَّ أَنَّهُ تَعَذَّرَ الاِسْتِيفَاءُ بَعْدَ الاِسْتِرْقَاقِ لِحُصُولِ الْجَمْعِ مِنَ الْعَبْدِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ لاَ يَمْلِكُ الاِسْتِيفَاءَ فَيَقَعُ جَمْعًا بَيْنَ الْكُلِّ فَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُلِّ وَلاَ يُخَيَّرُ فِيهِ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَ رَضِيعَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ بَطَلَ نِكَاحُهَا وَلاَ يُخَيَّرُ، كَذَا هَذَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُخَيَّرُ فِيهِ فَيَخْتَارُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَمَا يُخَيَّرُ الْحُرُّ فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وَيُفَارِقُ الْبَاقِيَ.
- وَيُوَضِّحُ ابْنُ قُدَامَةَ صِفَةَ الْمُفَارَقَةِ فَيَقُولُ:
إِنْ قَالَ لَمَّا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ: فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ كَانَ اخْتِيَارًا لِلأَْرْبَعِ، وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا؛ لأِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي زَوْجَةٍ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ فَارَقْتُ هَؤُلاَءِ أَوِ اخْتَرْتُ فِرَاقَ هَؤُلاَءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلاَقَ كَانَ اخْتِيَارًا لِغَيْرِهِنَّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِغَيْلاَنَ: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْفِرَاقِ صَرِيحًا فِيهِ كَمَا كَانَ لَفْظُ الطَّلاَقِ صَرِيحًا فِيهِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: «فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً فَفَارَقْتُهَا» وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَخَصُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَجِبُ أَنْ يُتَخَصَّصَ فِيهِ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ كَانَ اخْتِيَارًا لَهُنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِيهِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمُفَارَقَاتِ؛ لأِنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ صَرِيحٌ فِي الطَّلاَقِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ قَدْ دَخَلَ بِهِنَّ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ وَكُنَّ ثَمَانِيًا فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ وَفَارَقَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنَ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ وَاطِئًا لأَِكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِنْ كُنَّ خَمْسًا فَفَارَقَ إِحْدَاهُنَّ فَلَهُ وَطْءُ ثَلاَثٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، وَلاَ يَطَأُ الرَّابِعَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ مَنْ فَارَقَهَا، فَإِنْ كُنَّ سِتًّا فَفَارَقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، فَإِنْ كُنَّ سَبْعًا فَفَارَقَ ثَلاَثًا فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ وَلاَ يَطَأُ الْبَاقِيَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ، فَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ وَمَا سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَافِرِ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
أَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِي عِصْمَتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَمَا إِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعُقُودِ مُتَفَرِّقَةٍ.
فَإِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَلاَ بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ جَمِيعِهِنَّ وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأِنَّ النِّكَاحَ يَبْطُلُ فِي جَمِيعِهِنَّ؛ إِذْ لَيْسَ إِبْطَالُ نِكَاحِ وَاحِدَةٍ بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى فَبَطَلَ الْجَمِيعُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ كَانَتِ الْعُقُودُ مُتَفَرِّقَةً وَجَهِلَ تَرْتِيبَهَا وَلَمْ يَدْرِ أَيُّ وَاحِدَةٍ هِيَ الْخَامِسَةُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْعُقُودُ مُتَرَتِّبَةً فَالأَْخِيرَةُ هِيَ الَّتِي يَجِبُ مُفَارَقَتُهَا وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ كَذَلِكَ.