للمتهم أن يُطالب المدعي بالحقوق المدنية أمام المحاكم الجنائية بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إن كان لذلك وجه ، وله كذلك أن يقيم عليه لذات السبب الدعوى المباشرة أمام ذات المحكمة بتهمة البلاغ الكاذب إن كان لذلك وجه ، وذلك بتكليفه مباشرة بالحضور أمامها ، ويجوز الإستغناء عن هذا التكليف إذا حضر مدعي بالحقوق المدنية الجلسة ووجه إليه المتهم التهمة وقبل المحاكمة .
موسوعة قانون الإجراءات الجنائية
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني ،
من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 174 لسنة 1998:
وضماناً لملاحقة المدعي بالحقوق المدنية - ملاحقة ميسرة وسريعة - بجريمة البلاغ الكاذب إذا قام الدليل على توافر الدليل على توافر أركانها من خلال ثبوت بهتان الأفعال التي نسبها إليه المدعي المدني بسوء قصد وزيفها - ولموازنة حق الادعاء حق الادعاء المباشر بحق المتهم في صون حريته والدفاع عنها وتأمين سمعته من عائلة العدوان عليها - حرص المشرع في المادتين (267 ، 309) أن يمكن هذا المتهم من تقديم ادعاء مقابل مباشرة إلى المحكمة ذاتها لتفصل بحكمها في الدعوى المدنية التي حركها المدني المدني ضده وفي جريمة البلاغ الكاذب التي نسبها هو إلى المدعي بسبب ادعائه المدني ونشأ بسببها عن الجريمة التي نسبها إليه. وفي هذا حسم للدعاوى المباشرة المتقابلة بحكم واحد. وتقويم لاستعمال حق الالتجاء إلى القضاء بدفع الكيد ومضاره الغيرية.
1 ـ لما كان مناط التعويض وفق المادة 267 إجراءات جنائية أن يلحق الطاعنين ضرر بسبب رفع الدعوى المدنية عليهما أمام القاضى الجنائي وكان الحكم الابتدائى المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد رفض تعويض الطاعنين لما ارتآه من أنه لم يلحق بهما ضرر من الادعاء المباشر عليهما فإنه لا يقبل منهما المنازعة فى ثبوت الضرر المتمثل فى إجراءات تحقيق النيابة معهما ولا الضرر الناتج عن هدم بناء لهما _ لأن أى الضررين المشار إليهما بفرض ثبوتهما ليس بسبب رفع الدعوى المدنية عليهما _ هذا إلى أن تقريرهما بالطعن قد انصب على الحكم الصادر لصالحهما بعدم جواز نظر الدعوى وعدم قبول الدعوى المدنية المقامة من المطعون ضده عليهما دون الحكم الصادر برفض دعواهما طبقاً للمادة 267 إجراءات جنائية ومن ثم يكون طعنهما غير مقبول.
(الطعن رقم 19092 لسنة 60 ق - جلسة 1998/04/21 س 49 ص 593 ق 76)
2 ـ من المقرر أن حق الإلتجاء إلى القضاء و إن كان من الحقوق العامة التى تثبت للكافة إلا أنه لا يسوغ لمن يباشر هذا الحق الإنحراف به عما شرع له و إستعماله إستعمالاً كيدياً إبتغاء مضارة الغير ، فإذا ما تبين أن المدعى كان مبطلاً فى دعواه و لم يقصد إلا مضارة خصمة . و النكاية به فإنه لا يكون قد باشر حقاً مقرراً فى القانون بل يكون عمله خطأ و تحق مساءلته عن تعويض الأضرار التى تلحق الغير بسبب إساءة إستعمال هذا الحق .
(الطعن رقم 670 لسنة 42 ق - جلسة 1972/06/26 س 23 ع 2 ص 953 ق 213)
تنص المادة محل التعليق في فقرتها الأولى على أنه "للمتهم أن يطالب المدعي المدني أمام المحكمة الجنائية بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إذا کان لذلك وجه. سواء أكان ذلك عن جناية أو جنحة أو مخالفة.
ويشترط أن يقيم المتهم دعواه المدنية بالتعويض في حضور المدعي المدني، أما إذا كانت المحكمة الجنائية قد فصلت في دعوى المدعي المدني مع الدعوى الجنائية فإنها تصبح لا ولاية لها للفصل في دعوى التعويض من جانب المتهم ولا يمنع ترك المدعي المدني لدعواه المدنية من القضاء للمتهم بالتعويض عما أصابه من ضرر وتستند المحكمة الجنائية إلى قواعد القانون المدني عند تقديرها لأحقية المتهم في التعويض، ولا يكفي أن تقضي برفض التعويضات للمدعي المدني لكي تجيب المتهم إلى طلب التعويض، وإنما يتعين أن يثبت أن المدعي المدني كان سيئ النية عند رفع دعواه المدنية ضد المتهم أو على الأقل بغير تبصر أو تروٍ. ويعتبر هذا استثناء من قاعدة تبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية، ووجه الاستثناء في هذا الحال ليس ناشئاً عن جريمة. وبالتالي لا وجود لدعوى جنائية تتبعها الدعوى المدنية المرفوعة، أي أن الدعوى المدنية المرفوعة في هذه الحالة لا تتبع دعوى جنائية عند نظرها أمام المحكمة الجنائية على خلاف القاعدة العامة.
أما إذا وجه المتهم إلى المدعي بالحق المدني تهمة البلاغ الكاذب وطلب الحكم له بتعويض عما أصابه من ضرر مترتب عليها فهنا تكون هذه الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية الخاصة بجريمة البلاغ الكاذب (الفقرة الثانية من المادة محل التعليق). (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة: 15)
ويجيز المشرع بناء على هذه المادة للمتهم أن يطالب المدعي المدني بالتعويض أمام المحكمة الجنائية عما لحقه من ضرر من رفع دعواه وواضح أن الإستثناء من قاعدة التبعية هنا مرجعه أن دعوى التعويض التي يقدمها المتهم لا تستند إلى الضرر الناشئ عن الجريمة وإنما إلى الضرر الناجم عن مطالبة المدعي المدني بالتعويض ويبرر هذا الإستثناء أن المحكمة الجنائية بعد أن نظرت الدعويين الجنائية والمدنية تكون أقدر وأسرع في الفصل في طلب المتهم فأراد المشرع أن ييسر السبيل أمامه لاسيما وقد تثبتت براءته ويشترط الفقه للحكم بتعويض المتهم أن يكون قد طلبه في أثناء قيام دعوى المدعي المدني فإذا كانت المحكمة قد فصلت فيها أو إعتمدت ترکها فلا يقبل طلب التعويض من المتهم إذا لم يعد لمن يطلب التعويض في مواجهته صفة في الدعوى.
شروط استحقاق التعويض:
دعوى المتهم أساسها المسئولية التقصيرية إذ هو يطلب تعويضاً عن عمل غير مشروع وهذا يقتضي منه إثبات خطأ المدعي المدني والضرر الذي أصابه وعلاقة السببية بين كل من الخطأ والضرر ويلاحظ أنه لا يكفي لاستحقاق المتهم للتعويض أن تحكم المحكمة برفض دعوى المدعي المدني لأن اللجوء إلى القضاء في ذاته لا خطأ فيه ولو أخفق المدعي في دعواه ذلك أن التقاضي حق أكده الدستور وكفله الناس جميعاً (م 68) واستعمال الحق بمجرده لا يوجب التعويض ولو أصاب الغير منه ضرر، وإنما يستحق التعويض إذا أساء صاحب الحق استعمال حقه. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني ، الصفحة : 938)
ومع ذلك فقد أجازت المادة 267 إجراءات المعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 للمتهم أن يرفع الدعوى المباشرة على المدعي المدني أمام ذات المحكمة بتهمة البلاغ الكاذب أن كان لذلك وجه، وذلك بتكليفه مباشرة بالحضور أمامها. ويجوز الاستغناء عن هذا التكليف إذا حضر المدعى بالحقوق المدنية الجلسة ووجه إليه المتهم التهمة وقبل المحاكمة. ويلاحظ أن هذا الاستثناء يقتصر فقط على حالة حضور المدعى بالحق المدني بشخصه ولا يكفي حضوره بوكيل، حتى ولو قبل الوكيل ذلك.
ويلاحظ أن التكليف بالحضور لابد أن يكون الحضور أمام المحكمة، فلا يجوز الادعاء المباشر أمام النيابة ولا أمام قاضي التحقيق. لأن الادعاء المباشر يترتب عليه رفع الدعوى الجنائية أمام المحكمة. ولذلك فإبلاغ النيابة ينبأ بالجريمة من قبل المضرور لا يخرج عن كونه بلاغاً عادياً لا يقيد النيابة بشيء، ولها مطلق الحرية في تحريك ورفع الدعوى الجنائية أو عدم رفعها.
استثنى المشرع اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعاوى المدنية من الشروط السابقة وذلك بالنسبة للدعوى المدنية التي يقيمها المتهم قبل المدعي المدني يطالبه فيه بالتعويض عما أصابه من ضرر نتيجة رفع دعواه المدنية. وقد أعطى المشرع في قانون الإجراءات الجنائية للمتهم هذا الحق في المادة 267 حيث ورد بها للمتهم أن يطالب المدعى بالحقوق المدنية أمام المحكمة الجنائية بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إذا كان لذلك وجه». فهنا تختص المحكمة الجنائية بنظر دعوى مدنية قد لا تجد سبباً لها في الجريمة المرتكبة كما أن الضرر الذي أصاب المدعي ليس ناشئاً عن الجريمة مباشرة وإنما كان بمناسبة محاكمته عنها. وهذا الاستثناء له ما يبرره نظراً لأن المحكمة الجنائية هي التي فصلت في الدعوى المدنية المرفوعة على المتهم ولذلك فهي أقدر من المحكمة المدنية على الحكم فيها فضلاً عما في ذلك من رد الاعتبار المتهم وخاصة في حالات الادعاء المباشر الكيدي.
إذا كانت القاعدة هي أن الدعوى المدنية لا ترفع إلى المحكمة الجنائية إلا تبعاً لدعوى جنائية ، فإن المشرع خرج على هذه القاعدة وأورد استثناء بمقتضاه تختص المحكمة الجنائية بالفصل في طلب المتهم بتعويض الضرر الذي لحقه من الادعاء المدني عليه. فقط نصت المادة 267 إجراءات على أن المتهم أن يطالب المدعي المدني بالحقوق المدنية أمام المحكمة الجنائية بتعويض الضرر الذي لجنه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إذا كان لذلك وجه».
فهذه المطالبة بالتعويض ليست بسبب ضرر ناشئ عن جريمة. فالادعاء المدني على المتهم لا يشكل جريمة بل أنه حق خوله المشرع للمضرور. ومع ذلك فقد أجاز المشرع للمتهم أن يطلب من المحكمة الجنائية لن تحكم له بتعويض عن الضرر الذي لحقه من إساءة المدعي المدني لاستعماله لهذا الحق. ولا يكفي أن تحكم المحكمة برفض الدعوى المدنية حتى يكون هناك مبرر لتعويض المتهم وإنما يلزم أن يكون هناك مبرر لتعويض المتهم أي يلزم أن يكون هناك خطأ من قبل المدعي المدني يستوجب التعويض وفقاً لقواعد المسئولية المدنية فإذا تبين للمحكمة أن رفع الدعوى كان بسبب خطأ من المدعي المدني وجب عليها أن تقضي عليه بالتعويض للمتهم إذا ما طلب الأخير ذلك. ويشترط الحكم بتعويض المتهم الآتي :
أولاً : أن تنتهي المحكمة في الدعوى المدنية إلى الرفض . فلا يكفي الحكم بعدم قبول الدعوى المدنية أو بعدم الاختصاص أو بالإحالة إلى المحكمة المختصة بمعنى أنه يلزم بأن يكون الحكم فاصلاً في موضوع الدعوى وبالرفض. كذلك لا يجوز تعويض المتهم إذا كان الحكم صادراً بقبول الدعوى وتعويض المدعى عليه وهذا بطبيعة الحال.
ثانياً : أن يثبت للمحكمة أن ضرراً أصاب المتهم ومرتبطاً بخطأ من جانب المدعي بإقامة الدعوى المدنية ويكون ذلك مثلاً في حالات رفعها بسوء قصد او بغير تبصر وتري. فإذا كانت قد رفعت بحسن نية وبناءاً على شبهات قوية تصلح سنداً لبناء عقيدته على أسباب معقولة فلن تكون دعوى المتهم قبله بالتعويض مقبولة.
ثالثاً : لن تكون مطالبة المتهم للمدعي المدني بالتعويض قد تمت في مواجهة المدعي المدني وقبل أن تفصل المحكمة في الدعوى المدنية. فصدور حكم في الدعوى المدنية يحول دون إمكان مطالبة المدعي المدني بتعويض المتهم وإنما يكون على الأخير الالتجاء إلى الطريق المدني. ذلك أن صدور حكم في الدعوى المدنية تنهي به ولاية المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية ولا تستطيع المحكمة بذلك أن تفصل في طلب المتهم في مواجهة شخص لم تصبح له صفة في الدعوى۔ ولذلك إذا قبل ترك المدعي المدني لدعواه أو فصلت المحكمة في الدعوى المدنية فلا يجوز للمتهم بعد ذلك مطالبتها بالحكم له بالتعويض.
وغني عن البيان أن الادعاء المدني إذا شكل أركان جريمة البلاغ الكاذب بالنسبة للمدعي المدني جاز رفع الدعوى بطريق الادعاء المباشر وفقاً للقواعد العامة.
أجاز للمتهم في المادة (267 إجراءات) أن يطالب المدعى بالحقوق المدنية أمام المحكمة الجنائية بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إذا كان لذلك وجه، ويجب على المحكمة في حكمها الصادر في موضوع الدعوى الجنائية أن تفصل في هذه الطلبات، غير أنه يشترط لذلك الأتي :
أولاً : أن تنتهي المحكمة في موضوع الدعوى الجنائية إلى البراءة المبينة على أحد أمرين :
(1) عدم صحة الواقعة.
(ب) عدم كفاية نسبتها إلى المتهم.
ثانياً: أن تخلص المحكمة في موضوع الدعوى المدنية إلى الحكم بالرفض، فلا يجوز الحكم للمتهم بالتعويض إذا كانت المحكمة قد قضت في الدعوى المدنية بعدم الاختصاص أو بعدم القبول، لو صدر قرار من المحكمة بإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية.
ثالثاً : ألا يكون المتهم قد قبل ترك الدعوى المدنية من قبل المدعي، ذلك أنه متی اعتمدت المحكمة الترك زالت ولايتها بنظر الدعوى المدنية الأصلية والدعوي الفرعية التي يقيمها المتهم.
رابعاً : لن يثبت خطأ في جانب المدعي المدني يستوجب الحكم بالتعويض وفقاً لقواعد المسئولية المدنية،بأن كان سيئ النية مثلاً.
والمحكمة تفصل في طلب المتهم سواء أكان الإدعاء المدني قد تم بطريق الادعاء المباشر أم كان المدعي المدني قد رفع دعواه بناء على رفع الدعوى الجنائية من النيابة العامة.
وعلى ذلك يطبق بصدد هذه الدعوى الفرعية ما يطبق على الدعوى المدنية الأصلية من حيث جواز إحالتها إلى المحكمة المدنية إذا رأى القاضي الجنائي أن الفصل فيها يترتب عليه تأخير الفصل في الدعوى الجنائية وبالشروط السابق بيانها بخصوص صحة ذلك القرار.
ويلاحظ أن إغفال المحكمة الفصل في طلب المتهم الحكم له بالتعويض يجب أن نفرق فيه بين فرضين :
الأول : هو حيث يصدر الحكم في الدعوى الجنائية ويغفل الفصل في الدعوى المدنية الأصلية والفرعية، وهنا لا يكون أمام أصحاب الحقوق المدنية إلا الالتجاء إلى القضاء المدني لزوال ولاية المحكمة الجنائية في الفصل في الدعاوى المدنية بإصدارها الحكم في الدعوى الجنائية.
الثاني : أن تفصل المحكمة في موضوع الدعوى الجنائية والدعوى المدنية المقامة من المدعي المدني وتغفل الفصل في الدعوى الفرعية المقامة من المتهم.
وفي هذا الفرض نری إمكان تطبيق المادة 193 مرافعات من حيث إمكان عرض الموضوع على المحكمة الجنائية للفصل فيه باعتبار أن طلب المتهم بالتعويض باعتباره دعوى فرعية يمكن طرحه على المحكمة التي أصدرت الحكم في الدعوى المدنية الأصلية لمعرفة رأيها في الطلب العارض المتمثل في التعويض، وذلك طبقاً لرأينا الذي انتهينا إليه في حالة إغفال الفصل في الدعوى المدنية.(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 754)
استثناء خاص بتعويض المتهم بسبب رفع الدعوى المدنية عليه
استثناء من مبدأ اشتراط أن يكون الضرر مترتباً مباشرة عن الجريمة أجاز القانون للمتهم أن يطالب المدعى بالحقوق المدنية أمام المحكمة الجنائية بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إذا كان لذلك وجه (المادة 267 إجراءات).
ولا يحول دون توافر هذا الحق ثبوت أن خطأ المجنى عليه قد ساهم مع خطأ المتهم في وقوع الضرر، لأن المسئولية المدنية للمتهم لا تنتفي مادام خطأ المضرور قد استغرق خطأ المتهم.
وهنا يلاحظ أن الضرر الذي يصيب المتهم ليس ناشئاً عن الجريمة وإنما من فعل المدعي بالحقوق المدنية ولو لم يعد جريمة. وقد سمح القانون بهذا الاستثناء حتى يحول دون تعسف المدعي المدني في استعمال حقه في الادعاء المدني والتحايل على اختصاص المحاكم الجنائية وهو ما يبدو بصورة بالغة الوضوح إذا رفع المدعي المدني الدعوى الجنائية بالطريق المباشر، وذلك بحسب أن الدعوى المباشرة تفترض رفع الدعوى المدنية التبعية. وعلى أية حال، فإن حق الالتجاء إلى القضاء هو من الحقوق العامة التي تثبت للكافة، ولا يترتب عليه المساءلة بالتعويض إلا إذا ثبت أن من باشر هذا الحق قد تعسف في استعماله، كما إذا استعمله استعمالاً كيدياً ابتغاء إلحاق الضرر بالمتهم بغض النظر عن الباعث على ذلك، أو كان يستحق تحقيق غاية غير مشروعة. وقد قضت محكمة النقض أنه لا يسوغ لمن يباشر حق الالتجاء إلى القضاء الانحراف به عما شرع له واستعماله استعمالاً كيدياً ابتغاء مضارة الغير، فإذا ما تبين أن المدعي كان مبطلاً في دعواه ولم يقصد إلا مضارة خصمه والنكاية به فإنه لا يكون قد باشر حقاً مقرراً في القانون، بل يكون عمله خطأ وتحق مساءلته عن تعويض الأضرار التي تلحق الغير بسبب إساءة استعمال هذا الحق.
ويجوز للمتهم فضلاً عن ذلك أن يقيم لذات السبب الدعوى المباشرة ضد المدعي المدني أمام ذات المحكمة بتهمة البلاغ الكاذب إن كان لذلك وجه، وذلك بتكليفه مباشرة بالحضور أمامها. وقد أجاز القانون في المادة 267 إجراءات الاستغناء عن هذا التكليف إذا حضر المدعي المدني الجلسة ووجه إليه المتهم التهمة وقبل المحاكمة. وقد جاء هذا الأسلوب الأخير (توجيه التهمة في الجلسة) استثناء من القواعد العامة، بحسب أن هذا الأسلوب تملكه النيابة العامة وحدها وفقاً للمادة 232/ 2 إجراءات. ويشترط لاستخدام هذا الأسلوب أن يحضر كل من المدعي المدني والمتهم شخصياً الجلسة، فلا يكفي حضور وكيل عن أي منهما.
ويشترط لاستعمال هذا الحق أن يطلب المتهم التعويض أثناء مباشرة الدعوى المدنية التبعية عليه قبل ترك المدعي المدني هذه الدعوى، ففي هذه الحالة يزول عن هذه الدعوى بالترك اختصاص المحكمة الجنائية بطلب التعويض المقدم من المتهم. لكن إذا كان المتهم قد رفع دعوى التعويض على المدعي المدني أثناء مباشرة الدعوى المدنية التبعية، فيظل اختصاص المحكمة الجنائية بنظرها قائماً ولو انقضت تلك الدعوى بعد ذلك.
ترفع الدعوى المباشرة بطريق التكليف بالحضور من قبل المدعي المدني (المادة 232 إجراءات)، وبدون إعلان هذا التكليف لا تدخل الدعوى في حوزة المحكمة. هذا دون إخلال بحكم المادة 267 إجراءات التي أجازت للمتهم أن يقيم الدعوى المباشرة على المدعي المدني بتهمة البلاغ الكاذب، وذلك بالاستغناء عن التكليف بالحضور أمام المحكمة إذا حضر المدعي المدني الجلسة ووجه المتهم التهمة إليه وقبل المحاكمة.
ويجب أن يعلن هذا التكليف قبل انعقاد الجلسة بيوم كامل في المخالفات وبثلاثة أيام كاملة على الأقل في الجنح، غير مواعيد مسافة الطريق. ويجوز في حالة التلبس أن يكون بغير ميعاد. ويستوي المدعي المدني في هذا التكليف جميع البيانات الواجب توافرها في التكليف بالحضور إذا ما حرکت الدعوى بواسطة النيابة العامة. ولا مجال لتطبيق المادة 70 من قانون المرافعات بشأن وجوب الإعلان خلال ثلاثة أشهر من تقديم الصحيفة إلى قلم الكتاب، لأن بحال ذلك الدعاوى المدنية البحتة لا الدعوى الجنائية ولا الدعوى المدنية التبعية.
ويجب أن يتضمن التكليف بالحضور الادعاء بالحقوق المدنية، فلا يجوز إرسال تكليفين بالحضور أحدهما للدعوى الجنائية والأخر للدعوى المدنية.
ويتبع في إعلان المتهم القواعد المقررة لإعلان الخصوم والمنصوص عليها في المادة 234 إجراءات وما بعدها.
ولا يستعاض عن التكليف بالحضور بأي إجراء آخر، فلا يجوز للمدعي المدني أن يوجه التهمة في الجلسة، ولو قبل المتهم ذلك.
آثار تحريك الدعوى المباشرة :
متى حرك المدعي المدني الدعوى المباشرة وفقاً للإجراءات السابقة، ترتب على ذلك ما يأتي:
1- انعقاد الخصومة الجنائية قانوناً أمام المحكمة عن طريق تكليف المتهم بالحضور تكليفاً صحيحاً. ویستتبع ذلك اتصال سلطة المحكمة بالدعوى.
2- تدخل النيابة العامة بقوة القانون بوصفها ممثلة للاتهام.
وهنا يلاحظ أن تحريك الدعوى المباشرة من قبل المدعي المدني لا يجعله ممثلاً للامام. فما زالت النيابة العامة تؤدي دورها خصماً إجرائياً، فلها أن تقدم ما شاءت من طلبات ولو كانت في صالح المتهم، متى كان ذلك متفقاً مع الصالح العام. ولا يجوز للنيابة العامة أن تعدل في التهمة الواردة في التكليف بالحضور، وكل ما لها هو أن تطلب ذلك من المحكمة، وهو أمر خاضع لتقدير المحكمة. كل هذا دون إخلال باعتبار الوقائع الواردة في التكليف بالحضور أساساً للدعوى الجنائية المطروحة أمام المحكمة.
ولما كان التزام النيابة العامة بتمثيل الاتهام لا يتم إلا في حدود القانون، فإنه لا يحول دون واجبها في المطالبة بعدم قبول الدعوى المباشرة إذا لم تتوافر شروط تحريكها على الوجه الصحيح.
و للنيابة العامة بعد صدور الحكم في الدعوى الجنائية أن تطعن فيه بكافة الطرق الجائزة قانوناً سواء ضد المتهم أو لصالحه حسبما تراه متفقاً مع الصالح العام وطبقا للقانون.
3- متى حركت الدعوى الجنائية بالطريق المباشر اقتصر حق المدعي المدني على دعواه المدنية فحسب.
فليس له أن يطالب في الجلسة بعقوبة معينة، كما يمتنع عليه التنازل عن الدعوى الجنائية، فهو أمر غير جائز قانوناً للنيابة العامة مادامت الدعوى قد دخلت حوزة القضاء. وليس للمدعي المدني أن يطعن في الحكم الجنائي، وكل ما له من حقوق لا ترد إلا على الحكم الصادر في الدعوى المدنية.
ومن ناحية أخرى، فإن حق المدعي المدني أمام المحكمة الجنائية لا يتأثر بانقضاء الدعوى الجنائية لسبب طارئ بعد تحريكها، كالوفاة ومضي المدة والتنازل عن الشكوى، فإنه لا يؤثر في بقاء الدعوى المدنية التبعية وواجب المحكمة الجنائية في الفصل فيها.
4- إذا ترك المدعى دعواه المدنية، لا يؤثر ذلك على الدعوى الجنائية (المادة 260 إجراءات) ولو كان مرفوعة بالطريق المباشر.
وقد ذهب البعض إلى أنه إذا كانت الدعوى الجنائية يعلق القانون تحريكها على تقديم شكوى من المجني عليه، فإن ترك الدعوى المدنية يتضمن التنازل عن الشكوى بناء على أن هذا الترك يؤدي إلى إلغاء صحيفة الدعوى، مما مقتضاه إلغاء الشكوى التي تضمنتها. والواقع من الأمر أن التنازل عن الشكوى لا يفترض، فما لم يثبت من إرادة المدعي المدني أنه عندما ترك الدعوى المدني كان يهدف أيضاً إلى التنازل عن شكواه - فلا محل للقول بأن الترك يعين التنازل عن الشكوى. فإلغاء صحيفة الدعوى كأثر للترك هو محض أثر قانوني يقتصر على ما يرد في الصحيفة بشأن الدعوى المدنية دون غيرها، أما الشكوى فهي إجراء جنائي له ذاتيته الخاصة.
إساءة استعمال الحق في الدعوى المباشرة :
إذا أساء المدعي المدني استعمال حقه في تحريك الدعوى المباشرة، يجوز للمتهم أن يطالب المدعي المدني بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب ذلك، وهو أمر ينبني على القواعد العامة بشأن التعسف في استعمال الحق. وكان المفروض أن يرفع دعوى التعويض من المتهم أمام المحكمة المدنية على هذا الأساس، لكن القانون أجاز للمتهم بنص صريح أن يرفع هذه الدعوى على المدعي المدني أمام المحكمة الجنائية في أثناء نظر الدعوى المباشرة المرفوعة منه ضده ، فإذا قبلت المحكمة الجنائية الدعوى المدنية المرفوعة من المتهم ضد المدعي المدني وتحققت من تعسف المدعي المدني في رفع الدعوى المباشرة عليه، فإنها تقضي ببراءته أو بعدم قبول الدعوى المباشرة - عليها أن تقضي في ذات الحكم بالتعويض على المدعي المدني. وإذا ترك المدعي المدني الدعوى المدنية فإن ذلك لا يحول دون الحكم بالتعويض للمتهم من تعسف المدعي في رفع الدعوى المباشرة.
والحكم الصادر في الادعاء المديني المرفوع من المتهم قابل للاستئناف سواء منه أو من المدعي المدني وفقاً للقواعد العامة.
وإذا أضاع المتهم فرصة الادعاء أمام المحكمة الجنائية في أثناء رفع الدعوى المباشرة عليه، لم يكن أمامه سوى باب المحكمة المدنية بعد الحكم ببراءته في الدعوى المباشرة. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 415)
وأهمية هذا النص أنه يخول المحكمة الجنائية الحكم بهذا التعويض على الرغم من أنه قد لا يكون ناشئاً بالضرورة عن جريمة، وهو بذلك يوفر علي المتهم مشقة الالتجاء إلي المحكمة المدنية للمطالبة بهذا التعويض، ويسأل المدعي المدني جنائياً إذا توافرت بادعائه أركان جريمة البلاغ الكاذب .
فإذا قبلت المحكمة الجنائية الدعوى المدنية المرفوعة من المتهم ضد المدعي المدني وتحققت من تعسف المدعي المدني في رفع الدعوى المباشرة عليه فإنها إذ تقضي ببراءته فإن عليها أن تقضي في ذات الحكم بالتعويض على المدعي المدني، وإذا ترك المدعي المدني الدعوى المدنية فإن ذلك لا يحول دون الحكم بالتعويض للمتهم عن تعسف المدعي المدني في رفع الدعوى المباشرة، والحكم الصادر في الادعاء المرفوع من المتهم قابل للاستئناف سواء منه أو من المدعي المدني وفقاً للقواعد العامة .
وكل ما سبق لأن المدعى بالحقوق المدنية قد يسيء استعمال الحق الذي أتاحه له المشرع لتحريك الدعوى الجنائية برفع الدعوى المباشرة أمام القضاء الجنائي. حيث يتخذ هذا الحق وسيلة لتحقيق أهداف عديدة كثيراً ما تبعد عن الغاية التي تغياها المشرع من تقرير هذا الحق، کما لو استخدم للإفادة من الإجراءات السريعة التي تتميز بها الإجراءات الجنائية أو للإفادة من سهولة الأساليب المتاحة لجمع الأدلة التي يستند إليها التعويض أو من أجل تأخير الحكم في دعوى مدنية مرفوعة أمام القضاء المدني وذلك عبر قاعدة الجنائي يوقف المدني، حيث يقرر المشرع في المادة 265/ 1 من قانون الإجراءات .
ومن أمثلة هذا الوضع أن يرفع الدائن دعوى ضد مدينه لمطالبته برد مبلغ اقترضه منه، فيلجأ المدعى عليه إلى القضاء الجنائي يرفع أمامه دعوى مباشرة على الدائن مطالباً إياه بالتعويض عما لحقه من ضرر من جريمة نصب يتهمه بارتكابها ضده، لمجرد الرغبة في تأخير الفصل في الدعوى المدنية المنظورة أمام القضاء المدني، ومضايقة الدائن. كذلك قد يتعمد المدعى بالحقوق المدنية - عن طريق ادعائه المباشر - الإساءة إلى سمعة المتهم البريء والإضرار به .
وقد قضت محكمة النقض بأن حق الالتجاء للقضاء من الحقوق العامة لا يسوغ لمن يباشره الانحراف به واستعماله استعمالاً كيدياً للإضرار بالغير وثبوت أن قصد المدعى كان الإضرار بخصمه والنكاية به يجعل عمله خطأ يستوجب التعويض عن الضرر بسبب إساءة استعمال الحق .
نقض 26/ 6/ 1972 أحكام النقض ، س 23، ص 953 .
ولقد تم تقرير مبدأ إساءة الحق في استخدام الادعاء المباشر عملاً بالمادة 265/ 1 إجراءات جنائية وذلك حتى لا يعمد المدعي المدني إلي الإساءة إلى سمعة المتهم البريء والتشهير به والإضرار به وأيضاً من أجل عدم تأجير الفصل في دعوى مدنية مرفوعة أمام القضاء الجنائي وذلك استخدامة خاطئاً لقاعدة أن الجنائي يوقف المدني. ولما كانت الدعاوی المباشرة هي دعاوی دخيلة على القضاء الجنائي فإنها تنظر على سبيل الاستثناء، وإذا أساء المدعي المدني استعمال حق الادعاء المباشر فإنه توقع عليه عقوبة البلاغ الكاذب. فضلاً عن أن المتهم أن يطالب المدعي المدني أمام المحاكم الجنائية عملاً بالمادة 267 إجراءات جنائية بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إذا كان لذلك وجه، فضلاً عن حقه في مطالبة المتهم بالتعويض أمام المحكمة الجنائية .
ولعلاج سوء استعمال الحق في الادعاء المباشر اقترح جانب من الفقه عدة مقترحات تتمثل في الاقتراحات التالية :
1- إلغاء نظام الادعاء المباشر .
2- عدم إلزام المتهم بالحضور .
3- إلزام المدعي المدني بإيداع كفالة .
4- رفع دعوى البلاغ الكاذب أمام نفس المحكمة .
5- توقيع عقوبة الغرامة على المدعى المدني .
عدم قبول الدعوى لانتفاء علاقة السببية بين الجريمة والضرر :
يتعين أن يثبت توافر علاقة السببية بين الفعل الذي قامت به الجريمة، وبين الضرر الذي يطالب المدعي بالتعويض عنه. ونفس هذه العلاقة هي الواجب قيامها بين الخطأ والضرر لانعقاد المسئولية المدنية. وإذا لم يثبت توافر علاقة السببية بين الضرر الذي يتذرع به المدعي وبين الفعل الإجرامي، وإنما ثبت توافرها بين هذا الفعل وبين ضرر أخف منه وسابق عليه في التسلسل السببي، فإن الدعوى المدنية لا تقبل إلا عن تعويض الضرر الأخف .
ولقد نصت المادة 267 من قانون الإجراءات الجنائية علي أن: " للمتهم أن يطالب المدعى بالحقوق المدنية أمام المحكمة الجنائية بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إذا كان لذلك وجه .. وقضي تطبيقاً لذلك بأن الأصل أن حق الالتجاء إلي القضاء هو من الحقوق العامة التي تثبت للكافة وأنه لا يترتب عليه المساءلة بالتعويض إلا إذا أثبت أن من باشر هذا الحق قد انحرف به عما وضع له واستعماله استعمالاً كيدياً وابتغاء المضرة سواء اقترن هذا القصد بنية جلب المنفعة لنفسه أو لم تقترن به تلك النية طالما أنه كان يستهدف بدعواه مضارة خصمه .
23/ 12/ 1976 أحكام النقض ، س 27 ، ق 55 ، ص 276، 8/ 4/ 1968، س 19 ، ق 76 ، ص 402
ولكن بعد العمل بالقانون رقم 174 لسنة 1998 يجوز لهذا المتهم بالسرقة أن يرفع جنحة البلاغ الكاذب أمام ذات المحكمة، فضلاً عن جواز توجيه التهمة بالبلاغ الكاذب ضد المدعي بالحق المدني في الجلسة وذلك عملاً بالمادة 267 من القانون الجديد. وبالتالي فإن الفرض الوحيد لإثارة هذا الدفع مستقبلاً هو إذا لم يرفع المتهم الجنحة المباشرة أمام محكمة الدرجة الأولي وانتظر حتى نظر الدعوى الأصلية أمام المحكمة الاستئنافية ثم قام هو بعد ذلك برفع الجنحة المباشرة بالبلاغ الكاذب أمام محكمة أول درجة، فهنا يتعين وقف دعوى البلاغ الكاذب لحين الفصل في الدعوى الأصلية .
وعملاً بالمادة 267 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 والتي تبيح للمتهم أن يرفع الجنحة المباشرة أمام ذات المحكمة مع جواز الاستغناء عن التكليف بالحضور، إذا حضر المدعى بالحقوق المدنية ووجه إليه المتهم التهمة وقبل المحاكمة. فإنه سوف تثار الفروض الآتية:
الفرض الأول : إذا رفعت الدعويان أمام ذات المحكمة، فلا مشكلة فالمحكمة سوف تحكم في الدعويين معاً.
الفرض الثاني: إذا لم يرفع المتهم دعوى البلاغ الكاذب، فإنه ينتظر حتى الفصل في الدعوى الأصلية، وإذا حكم ببراءته، فله بعد ذلك أن يرفع دعوى البلاغ الكاذب أمام المحكمة الجزئية .
الفرض الثالث: في المرحلة اللاحقة لصدور القانون الجديد، إذا كانت الدعوى الأصلية منظورة أمام المحكمة الاستئنافية، فإنه لا يجوز للمتهم أن يرفع الجنحة المباشرة أمام المحكمة الاستئنافية، ولكن إذا لم ينتظر حتى صدور الحكم فإن له أن يرفع دعوى البلاغ الكاذب أمام المحكمة الجزئية حيث يتم الحكم بوقف دعوى البلاغ الكاذب حتى الفصل في الدعوى الأصلية .
الفرض الرابع: في أية مرحلة بعد ذلك، يستطيع المتهم أن يرفع دعوى البلاغ الكاذب، ولكن إذا كانت دعوى البلاغ الكاذب أمام المحكمة الجزئية و الدعوى الأصلية أمام المحكمة الاستئنافية فإنه توقف دعوى البلاغ الكاذب لحين الفصل في الدعوى الأصلية أمام المحكمة الاستئنافية، وهذا يعتبر جزاء له حيث كان له إن أراد أن يرفع الجنحة المباشرة المضادة أمام المحكمة الجزئية في حين أنه لم يفعل .
وقد نصت على المسائل الفرعية الجنائية المادة 222 من قانون الإجراءات الجنائية سالفة الذكر. ومثال المسألة الفرعية الجنائية أن يتهم شخص آخر بجريمة بلاغ كاذب بأن أسند إليه ارتكاب جريمة نصب مثلاً، وتكون الدعوى الجنائية قد رفعت ضد المجني عليه بتهمة النصب، في هذه الحالة يتوقف الفصل في الاتهام بالبلاغ الكاذب على نتيجة الفصل في الاتهام بالنصب، فإذا حكم بصحة ارتكاب المجني عليه النصب كان معني ذلك أن البلاغ صحيح، فينتفي عن جريمة البلاغ الكاذب أحد أركانها، ويتعين تبرئة المتهم منها، في هذه الحالة يجب على المحكمة التي تنظر في جريمة البلاغ الكاذب أن توقف النظر فيها حتى تصدر المحكمة التي تنظر في الاتهام بالنصب حكمها، فتتقيد به، وبالتالي تشير المسألة الفرعية البحث في "كذب البلاغ" وهو أحد أركان جريمة البلاغ الكاذب .
وهذه قاعدة عادلة ومنطقية، فمادام الحكم في الدعوى المطروحة على المحكمة الجنائية غير ممكن إلا بتعرف حكم القانون في دعوى جنائية أخرى مطروحة على القضاء، فلا سبيل إلا التريث حتى يفصل في الدعوى الثانية، إذ قد يبني حكم الإدانة على اقتراض صحة واقعة ما ثم يصدر حكم من القضاء فيها بعكس ذلك. كما إذا رفعت دعوى باستعمال سند مزور وكانت هناك دعوى أخرى مرفوعة عن تزوير ذلك السند، فإنه حتی يقضي في جريمة الاستعمال يجب أولاً معرفة حكم القضاء فيما إذا كان السند مزوراً أم غير مزور .
ويلاحظ أن المادة 222 إجراءات جنائية وإن أوجبت وقف الدعوى الجنائية إذا كان الحكم فيها يتوقف على نتيجة الفصل في دعوى جنائية أخرى إلا أنها لم تقيد حق المحكمة في تقدير جدية الدفع بالإيقاف وما إذا كان يستوجب وقف الدعوى أو أنه دفع لا يؤيده الظاهر قصد به عرقلة السير في الدعوى وتأخير الفصل فيها.
وغني عن البيان أن إيجاب وقف الدعوى الجنائية حتى يفصل في المسألة الجنائية العارضة من المحكمة المختصة المطروحة عليها يستتبع بالضرورة أن يكون للحكم البات الصادر في المسألة العارضة قوة الشيء المحكوم به أمام المحكمة الجنائية التي أمرت بالوقف وإلا أهدرت الحكمة من وقف الدعوى. فمثلاً يتعين على المحكمة التي تنظر دعوى البلاغ الكاذب أن تقصي بالبراءة إذا قضت المحكمة التي تفصل في الواقعة موضوع البلاغ بصحتها، وبالتالي يكون حكمها مخالفة للقانون إذا قضت المحكمة الأخيرة بعدم صحة الواقعة، فتقضي هي بالبراءة على اعتبار أن الواقعة صحيحة.
ويتعين أن يثير المتهم الدفع بالمسألة الفرعية، فلا يجوز أن تثيرها النيابة العامة أو المحكمة من تلقاء نفسها، إذ الدفع ( وسيلة دفاع )، فلا يبديه إلا صاحب الصفة و المصلحة فيه.
ويتعين أن يكون الدفع بالمسألة الفرعية جدية، أي أن يكون الظاهر مؤيدا له ، وفي تعبير آخر أن يتبين للمحكمة أن ثمة احتمالا يؤيد حصول الواقعة التي يدعيها المتهم ويجعل منها أساس المسألة الفرعية. أما إذا تبين أن الدفع ظاهر البطلان وأن القصد منه مجرد عرقلة سير الدعوى وتأخير الفصل فيها فإن المحكمة ترفض الدفع وتمضي في نظر الدعوى، ومحكمة الموضوع هي المختصة بتقدير مدى جدية الدفع، ولا رقابة لمحكمة النقض عليها في ذلك .
فإذا كانت المسألة الفرعية جنائية، فالمحكمة تلتزم بإيقاف الدعوى التي تنظر فيها.
نقض 29 مارس سنة 1921 المجموعة الرسمية ، س 23 ، رقم 26 ، ص 42.
ولكن شرط نشوء هذا الالتزام أن تكون المسألة الفرعية موضوع دعوى قائمة بالفعل، فتوقف المحكمة الدعوى الأصلية انتظاراً لنتيجة الفصل في الدعوى التي تنظر فيها المسألة الفرعية. أما إذا كانت المسألة الفرعية لم تقم في شأنها الدعوى فإن المحكمة تلتزم بالإيقاف، وإنما يكون لها - بل يتعين عليها - أن تفصل في المسألة الجنائية الفرعية بنفسها، فإن لم تفعل كانت مخطئة . وتطبيقاً لذلك فإنه إذا دفع المتهم بالبلاغ الكاذب بصحة بلاغة وبأن الفعل الذي أسنده إلى المجنى عليه قد حصل حقيقة، ولم تكن قد رفعت دعوى في شأن هذا الفعل، فإن المحكمة تفصل في هذا الدفع، فإن قدرت صحته قضت ببراءة المتهم. ويترتب على وقف الدعوى امتناع السير في إجراءاتها إلى الأجل الذي حددته المحكمة، ولكنه لا يحول دون اتخاذ الإجراءات أو التحقيقات الضرورية أو المستعجلة ( المادة 223 الفقرة الثانية )، كما إذا كان أحد الشهود في الدعوى مريضة وخيف أن يموت قبل أن ينقضي الأجل، فلا يتاح بذلك سماع شهادته. (الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 663)
وأهمية هذا النص أنه يخول المحكمة الجنائية الحكم بهذا التعويض على الرغم من أنه قد لا يكون ناشئاً بالضرورة عن جريمة، وهو بذلك يوفر على المتهم مشقة الالتجاء إلى المحكمة المدنية للمطالبة بهذا التعويض.
ويسأل المدعي المدني جنائياً إذا توافرت بادعائه أركان جريمة البلاغ الكاذب. (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة: 210)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس عشر ، الصفحة / 313
حَبْسُ صَاحِبِ الدَّعْوَى الْكَيْدِيَّةِ :
- ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ قَامَ بِشَكْوَى بِغَيْرِ حَقٍّ وَانْكَشَفَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْحَبْسُ لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العشرون ، الصفحة / 270
دَعْوَى
التَّعْرِيفُ:
الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الاِدِّعَاءِ، مَصْدَرُ ادَّعَى، وَتُجْمَعُ عَلَى دَعَاوَى بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا.
وَلَهَا فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: الطَّلَبُ وَالتَّمَنِّي، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ) وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ، كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَمِنْهَا: الزَّعْمُ. وَلاَ تُطْلَقُ الدَّعْوَى عَلَى الْقَوْلِ الْمُؤَيَّدِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا، وَصَاحِبُهُ مُحِقًّا لاَ مُدَّعِيًا، فَلاَ تُطْلَقُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لأِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُ مَقْرُونٌ بِالْحُجَّةِ السَّاطِعَةِ، وَهِيَ الْمُعْجِزَةُ. وَكَانُوا يُسَمُّونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ.
وَالدَّعْوَى فِي الاِصْطِلاَحِ: قَوْلٌ يَطْلُبُ بِهِ
الإْنْسَانُ إِثْبَاتَ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
لَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَى فِي حَقِيقَتِهَا إِخْبَارًا يُقْصَدُ بِهِ طَلَبُ حَقٍّ أَمَامَ الْقَضَاءِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَمِنَ الْبَدَهِيِّ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً إِذَا كَانَتْ دَعْوَى كَاذِبَةً، وَكَانَ الْمُدَّعِي يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَوْ يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي دَعْوَاهُ، فَهِيَ عِنْدَئِذٍ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ، فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَقْصِدُ بِهَا الضِّرَارَ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً، كَمَا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ غَرِيمَهُ لاَ يُنْكِرُ حَقَّهُ، وَأَنَّهُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِتَوْفِيَتِهِ إِيَّاهُ، فَيَرْفَعُ الدَّعْوَى لِلتَّشْهِيرِ بِهِ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً.