لا يجوز إستجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك .
موسوعة قانون الإجراءات الجنائية
وإذا ظهر أثناء المرافعة والمناقشة بعض وقائع ، يُرى لزوم تقدیم إيضاحات عنها من المتهم لظهور الحقيقة ، يُلفته القاضي إليها ويرخص له بتقديم تلك الإيضاحات .
وإذا إمتنع المتهم عن الإجابة ، أو إذا كانت أقواله في الجلسة، مخالفة لأقواله في محضر جمع الاستدلالات أو التحقيق ، جاز للمحكمة أن تأمر تلاوة أقواله الأولى .
كما رؤي النص على عدم جواز استجواب المتهم بصفة عامة فيمنع الاستجواب إلا إذا قبله ولا يشترط أن يكون ذلك بناء على طلب منه وبديهي أنه إذا قبل الاستجواب كان من حق الخصوم في الدعوى أن يشتركوا فيه أما استیضاح المتهم من جانب المحكمة عن بعض وقائع ظهرت أثناء سير الدعوى فغير ممنوع ما دام لا يشترط فيه غير المحكمة .
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث،
كما رؤي النص على عدم جواز إستجواب المتهم بصفة عامة فيمتنع الإستجواب إلا إذا قبله ولا يشترط أن يكون ذلك بناء على طلب منه، وبديهي أنه إذا قبل الإستجواب كان من حق الخصوم في الدعوى أن يشتركوا فيه، أما استيضاح المتهم من جانب الحكم عن بعض وقائع ظهرت أثناء سير الدعوي فغير ممنوع مادام لا يشترك فيه غير المحكمة.
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني،
لا يجوز إستجواب المتهم أمام المحكمة إلا بقبوله :
نصت المادة ( 274/ 1) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه «لا يجوز إستجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك» وهذا النص عام يسري على التحقيق النهائي أياً كانت المحكمة التي تجريه فيستوي أن تكون محكمة الجنايات أو محكمة الجنح والمخالفات، وعلى ذلك فالقاعدة العامة هي أن الإستجواب ممنوع أمام المحكمة إلا إذا قبل المتهم ذلك ولا يشترط أن يكون ذلك بناء على طلب منه كما وأن حظر الإستجواب مقصود به مصلحة المتهم وحده فله أن يتنازل عنه صراحةً أو ضمناً إما بطلبه صراحة من المحكمة أن تستجوبه أو بعدم اعتراضه هو أو المدافعون عنه على الإستجواب وإجابته على الأسئلة التي توجهها إليه المحكمة.
ويلاحظ أنه إذا قبل المتهم الإستجواب كان من حق الخصوم في الدعوى أن يشتركوا فيه، وذلك بالطبع غير استيضاح المتهم من جانب المحكمة عن بعض وقائع ظهرت أثناء سير الدعوى فذلك غير ممنوع مادام لا يشترك فيه غير المحكمة.
1 ـ لما كان البين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن أو المدافع عنه لم يثيرا شيئا بخصوص عدم استجوابه فى التحقيقات ، فإنه لا يحق له من بعد أن يتمسك بذلك لأول مرة أمام محكمة النقض ؛ إذ هو لا يعدو أن يكون تعييباً للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن فى الحكم ، هذا فضلاً عن أن عدم سؤال المتهم فى التحقيق لا يترتب عليه بطلان الإجراءات ؛ إذ لا مانع فى القانون يمنع من رفع الدعوى العمومية بدون استجواب المتهم أو سؤاله ، كما أن البين فى محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن لم يطلب من المحكمة استجوابه فيما أسند إليه ، وهو أمر لا يجوز للمحكمة إجرائه من تلقاء نفسها إلا إذا قبل المتهم هذا ، وذلك عملاً بنص المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية ، فليس له من بعد أن يعيب على المحكمة عدم اتخاذ إجراء لم يطلبه منها ، فإن منعى الطاعن فى هذا الصدد يكون غير مقبول .
(الطعن رقم 51172 لسنة 72 ق - جلسة 2009/12/20)
2 ـ لما كان ذلك ، وكانت المحكمة قد انتهت إلى إدانة الطاعن استناداً إلى اطمئنانها إلى ما اعترف به المتهم الثاني على الطاعن من وقائع تؤدي إلى إدانته دون أن تجيبه إلى طلب سماع أقوال المتهم سالف الذكر كشاهد إثبات ومناقشته ، وكان هذا الطلب يعد طلباً جوهرياً لتعلقه بواقعات الدعوى ، مما كان يتعين معه على المحكمة إجابته لإظهار وجه الحق فيها ، ولا يقبل منها ما أوردته من تعليل لرفض إجابته بدعوى أن هذا الطلب يعد استجواباً غير جائز للمحكمة وقد رفضه المتهم الثاني , ذلك أن الاستجواب المحظور عملاً بالمادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية ، هو الذي يواجه فيه المتهم بأدلة الاتهام التي تُساق عليه دليلاً دليلاً ليقول كلمته فيها تسليماً بها أو دحضاً لها دون ما يعترف به على غيره من المتهمين , وهو ما لا يسري فى حق المتهم الذي اعترف بوقوع الجريمة – فى الدعوى المطروحة – أمام المحكمة وحق له الإعفاء من العقاب قانوناً – على النحو المار ذكره – ومن ثم فإن مناقشته فيما اعترف به من وقائع تؤدي إلى إدانة الطاعن – باعتباره شاهداً يمكن التعويل على شهادته – لا تعد فى نظر القانون استجواباً له ولا يرد عليها الحظر الوارد فى المادة 274 سالفة الذكر ، فلا تحتاج إلى إقرار منه سواء فى قبولها أو الاعتراض على إجرائها , وإنما هي فى حقيقتها شهادة يجوز للمحكمة والدفاع مناقشته فيها ، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر واعتبر هذا الطلب استجواباً للمتهم الذي قضى بإعفائه من العقاب ، فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون فضلاً عن إخلاله بحق الدفاع ، بما يعيبه ويستوجب نقضه والإعادة دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن .
(الطعن رقم 76701 لسنة 75 ق - جلسة 2006/11/26 س 57 ص 913 ق 102)
3 ـ من المقرر أن المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت فى فقرتها الأولى على أنه : " لا يجوز استجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك " فقد أفادت بأن الاستجواب بما يعنيه من مناقشة المتهم على وجه مفصل فى الأدلة القائمة فى الدعوى إثباتاً أو نفياً أثناء نظرها سواء أكان ذلك من المحكمة أو من الخصوم أو المدافعين عنهم لما له من خطورة ظاهرة لا يصح إلا بناء على طلب المتهم نفسه يبديه فى الجلسة بعد تقديره لموقفه وما تقتضيه مصلحته باعتباره صاحب الشأن الأصلى فى الإدلاء بما يريد الإدلاء به لدى المحكمة ، ولما كان من المقرر أن أقوال متهم على متهم آخر لا تعتبر شهادة بالمعنى الدقيق ، إذ إن المتهم لا يحلف اليمين فتنتفي عن أقواله صفة الشهادة القانونية كدليل إثبات ، وإن كان لا ضير على المحكمة إن سمت هذه الأقوال شهادة خروجاً على الأصل باعتبارها دليلاً من أدلة الإدانة فى الدعوى ، وترتيباً على ذلك فإنه لا يجوز سماع أقوال المتهم باعتباره شاهداً إلا إذا انقشع عنه الاتهام نهائياً . لما كان ذلك ، وكان المتهمون الثاني والثالث والرابع والسادس والسابعة المعترفون على الطاعن الأول والمطلوب سماع أقوالهم كشهود إثبات عليه لم يطلبوا من المحكمة استجوابهم إعمالاً لنص المادة 274/1 من قانون الإجراءات الجنائية كما لم ينقشع عنهم الاتهام نهائياً كي تستطيع المحكمة سماعهم كشهود إثبات بعد أداء اليمين عملاً بحكم المادة 283 من القانون سالف الذكر ، فإن المحكمة تكون فى حل من إجابة طلب سماعهم كشهود إثبات ، هذا إلى أن الحكم المطعون فيه اطرح هذا الطلب استناداً إلى أن هؤلاء المتهمين قد أحجموا هم ودفاعهم عن طلب استجوابهم فى إطار ما تسمح به المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعن الأول على الحكم المطعون فيه من إخلال بحق الدفاع فى هذا الخصوص يكون غير سديد .
(الطعن رقم 13196 لسنة 76 ق - جلسة 2006/05/18 س 57 ص 636 ق 69)
4 ـ من المقرر أن نص المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية – المقابلة للمادة 137 من قانون تحقيق الجنايات – صريح فى أن طلب استجواب المتهم أمام المحكمة موكول إليه شخصياً لأنه صاحب الشأن الأول فى الإدلاء بما يريد الإدلاء به لدى المحكمة – أما مهمة الدفاع عنه فهي معاونته فى الدفاع بتقديم الأوجه التي يراها فى مصلحته ما تعلق منها بالموضوع أم بالقانون – فإذا ما أصر المتهم على طلب استجوابه عن أمور رأى أن مصلحته تقتضى الكشف عنها ، كان على المحكمة أن تجيبه إلى طلبه وأن تستمع إلى أقواله وتستجوبه فيما طلب الاستجواب عنه . لما كان ذلك ، وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة ...... التي جرت فيها المرافعة أن الطاعن الأول والمدافع عنه أشارا إلى أنه لم يتم استجوابه بتحقيقات إدارة جهاز " الكسب غير المشروع " وطلبا استجوابه ، بيد أن المحكمة رفضت الاستجواب وطلبت من الدفاع المرافعة ، الأمر الذي أحاط الطاعن ومدافعه بالحرج الذي يجعله معذوراً إن هو ترافع فى الدعوى . ويمثل مصادرة على حق الطاعن فى الدفاع عن نفسه وهو حق أصيل كفله له الدستور والقانون ، بما يعيب الحكم بعيب الإخلال بحق الدفاع الذي يستوجب نقضه والإعادة .
(الطعن رقم 8322 لسنة 75 ق - جلسة 2006/05/16 س 57 )
5 ـ حيث إنه يبين من محاضر جلسات المحاكمة أن المحكمة سألت كلاً من الطاعنين عن التهمة المسندة إليه فأنكرها ، ولم يطلب أى متهم منهما مناقشته فى الاتهام المسند إليه والأدلة القائمة عليه ، وهو إجراء وإن كان يحظر على المحكمة القيام به طبقا للفقرة الأولى من المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية إلا أنه يصح بناء على طلب المتهم نفسه يبديه بالجلسة بعد تقديره لمواقفه ولما تقتضيه مصلحته .
(الطعن رقم 39618 لسنة 72 ق - جلسة 2003/01/16 س 54 ص 112 ق 11)
6 ـ من المقرر أن المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية إذا نصت فى فقرتها الأولى على أنه لايجوز استجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك ، قد أفادت بأن الاستجواب بما يعينه من مناقشة المتهم على وجه مفصل فى الأدلة القائمة فى الدعوى إثباتاً أو نفياً أثناء نظرها سواء أكان ذلك من المحكمة أم من الخصوم أم المدافعين عنهم لما له من خطورة ظاهرة لايصح إلا بناء على طلب المتهم نفسه يبديه فى الجلسة بعد تقديره لمواقفه و ما تقتضيه مصلحة باعتباره صاحب الشأن الأصلى فى الإدلاء بما يريد الإدلاء به لدى المحكمة و إذ كان ذلك ، و كان الطاعن لم يطلب الى المحكمة استجوابه عما نسب إليه بل اقتصر على إنكار التهمة عند سؤاله عنها و هو لايدعى فى طعنه بأن المحكمة منعته من إبداء ما يروم من أقوال أو دفاع فإن ما ينعاه على الحكم من إخلال بحق الدفاع يكون غير سديد .
(الطعن رقم 19120 لسنة 66 جلسة 1998/12/01 س 49 ص 1353 ق 194)
(الطعن رقم 294 لسنة 49 جلسة 1979/06/14 س 30 ع 1 ص 685 ق 146)
7 ـ لما كان يبين من محاضر جلسات المحاكمة أن المحكمة سألت الطاعن عن التهمة المسندة اليه فأنكرها ، ولم يطلب منها مناقشته فى الاتهام المسند اليه والأدلة القائمة عليه وهو ارجاء وإن كان يحظر على المحكمة القيام به طبقاً للفقرة الأولى من المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية ، الا أنه يصح بناء على طلب المتهم نفسه يبديه بالجلسة بعد تقديره لموقفه وما تقتضيه مصلحته .
(الطعن رقم 5732 لسنة 63 ق - جلسة 1995/03/08 س 46 ص 488 ق 75)
8 ـ لما كان ما ينعاه الطاعن على الحكم من بطلان فى الإجراءات بدعوى إستجوابه بغير موافقته مردودا بأن الاستجواب المحظور قانوناً فى طور المحاكمة طبقا لنص الفقرة الأولى من المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية هو مناقشة المتهم على وجه مفصل فى الأدلة القائمة فى الدعوى إثباتا ونفيا فى أثناء نظرها سواءا كان ذلك من المحكمة أم من الخصوم أو من المدافعين عنهم لما له من خطورة ظاهرة وهو لا يصح إلا بناء علي طلب من المتهم نفسه يبديه فى الجلسة بعد تقديره لموقفه وما تقتضيه مصلحته - وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن مناقشة المحكمة للطاعن إقتصرت على سؤاله عن التهمة المسنده إله فأنكرها فليس فيه أى خروج على محارم القانون ولا مساس فيه بحق الدفاع ومع ذلك فإن هذا الحظر إنما قصد به مصلحة المتهم وحده فله أن ينزل عن هذا الحق صراحه أو ضمنا بعدم إعتراضه هو أو المدافع عنه علي الاستجواب وبالاجابة على الأسئلة التي توجه إليه .
(الطعن رقم 17135 لسنة 60 ق - جلسة 1992/02/11 س 43 ع 1 ص 240 ق 28)
9 ـ لما كانت المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت فى فقرتها الأولى على أن " لا يجوز إستجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك " فقد أفادت بأن الإستجواب بما يعنيه من مناقشة المتهم على وجه مفصل فى الأدلة القائمة فى الدعوى إثباتاً أو نفياً أثناء نظرها سواء أكان ذلك من المحكمة أو من الخصوم أو المدافعين عنهم - لما له من خطورة ظاهرة - لا يصح إلا بناء على طلب المتهم نفسه يبديه فى الجلسة بعد تقديره لموقفه و ما تقتضيه مصلحته بإعتباره صاحب الشأن الأصلى فى الإدلاء بما يريد الأدلاء به لدى المحكمة .
(الطعن رقم 3053 لسنة 54 ق - جلسة 1985/03/14 س 36 ص 403 ق 69
10 ـ لما كان من المقرر أن الإستجواب المحظور فى طور المحاكمة طبقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية هو مناقشة المتهم على وجه مفصل فى الأدلة القائمة فى الدعوى إثباتاً و نفياً فى أثناء نظرها سواء أكان ذلك من المحكمة أم من الخصوم أو من المدافعين عنهم لما له من خطورة ظاهرة و هو لا يصح إلا بناء على طلب المتهم نفسه يبديه فى الجلسة بعد تقديره لموقفه و ما تقتضيه مصلحته - و كان البين من محضر جلسة المحاكمة أن مناقشة المحكمة للطاعن إقتصرت على سؤاله عن التهمة المسندة إليه فأنكرها - ثم أدلى هو - الطاعن - من تلقاء نفسه أثناء سماع أقوال المجنى عليهما و دون سؤاله أنه ضرب الأول بالكرباج و أمسك بالفلقة التى شد وثاق الثانى إليها أثناء ضربه بالكرابيج - فإن ما يثيره فى هذا الصدد من قالة الإخلال بحق الدفاع يكون غير مقبول و مع ذلك فإن هذا الحظر إنما قصد به مصلحة المتهم وحده فله أن ينزل عن هذا الحق صراحة أو ضمناً بعدم إعتراضه هو أو المدافع عنه على الإستجواب وبالإجابة على الأسئلة التى توجه إليه . و لما كان يبين من الإطلاع على محضر جلسة المحاكمة أن أياً منهما لم يعترض على هذا الإجراء ، فإن ذلك يدل على أن مصلحة الطاعن - فى تقديره - لم تضار بهذا الذى أسماه إستجواباً و لا يجوز له بعدئذ أن يدعى البطلان فى الإجراءات .
(الطعن رقم 6533 لسنة 52 ق - جلسة 1983/03/24 س 34 ص 432 ق 88)
11 ـ الإستجواب المحظور قانوناً فى طور المحاكمة طبقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية إنما قصد به مصلحة المتهم وحده فله أن ينزل عن هذا الحق صراحة أو ضمناً بعدم إعتراضه هو أو المدافع عنه على الأستجواب و بالإحالة على الأسئلة الموجهة إليه . و لما كان لا يبين من الإطلاع على محاضر جلسات المحاكمة أن أياً من المتهم أو المدافع عنه قد إعترض على هذا الإجراء ، فإن ذلك يدل على أن مصلحة الطاعن - فى تقديره - لم تضار بهذا الأستجواب و لا يجوز له بعدئذ أن يدعى البطلان فى الإجراءات .
(الطعن رقم 1462 لسنة 40 ق - جلسة 1970/12/20 س 21 ع 3 ص 1224 ق 296)
(الطعن رقم 1625 لسنة 31 ق - جلسة 1961/11/28 س 12 ع 3 ص 931 ق 192)
حظر استجواب المتهم
نصت المادة محل التعليق في فقرتها الأولى على أنه " لا يجوز استجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك ". وعلة هذا الحظر هي خشية أن يؤدي الاستجواب إلى ارتباك المتهم واضطرابه في دفاعه، وخاصة في ظروف المحاكمة وما يحيط بها من رهبة، وما تتميز به من علانية وشفوية ومواجهة، فينساق إلى قول ما لم يكن يقوله تلقائياً، والمحظور هو الاستجواب في مدلوله الفني الذي يعني المناقشة التفصيلية الدقيقة في أدلة الدعوى، أما مجرد السؤال أو الاستيضاح فغير محظور.
وقد أردف المشرع حظر الاستجواب بنصه على أنه " إذا ظهر أثناء المرافعة والمناقشة بعض وقائع يرى لزوم تقديم إيضاحات عنها من المتهم لظهور الحقيقة، يلفته القاضي إليها ويرخص له بتقديم تلك الإيضاحات ". وقد أكد المشرع بذلك الدور الإيجابي للقاضي : فعلى الرغم من أنه لا يجوز له استجواب المتهم، مما يعني أن يترك له قول ما يريد، إلا أن من سلطته أن يوجهه إلى المواطن التي يحسن به أن يوضحها كي تتضح الحقيقة للمحكمة.
وحظر استجواب المتهم مقرر لمصلحته، ومن ثم كان له أن يتنازل عنه صراحةً أو ضمنياً ويكون ذلك إما بطلبه صراحة من المحكمة أن تستوجبه أو بعدم اعتراضه هو أو المدافع عنه على الاستجواب وإجابته على الأسئلة التي توجهها إليه المحكمة. ومؤدى ذلك أن استجواب المتهم برضائه صراحةً أو ضمنياً هو إجراء صحيح.
وإذا امتنع المتهم عن الإجابة، أو إذا كانت أقواله في الجلسة مخالفة لأقواله في محضر جمع الاستدلالات أو التحقيق، جاز للمحكمة أن تأمر بتلاوة أقواله الأولى. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة: 41)
ويلاحظ أن إستجواب المتهم المحظور هو المقصود به مناقشة المتهم مناقشة تفصيلية في أمور التهمة وأحوالها وظروفها ومجابهته بما قام عليه من الأدلة ومناقشته في أجوبته مناقشة يراد بها استخلاص الحقيقة التي يكون كاتماً لها، أما مجرد توجيه سؤال على سبيل الاستعلام البسيط كسؤال المتهم مثلاً عن سوابقه القضائية فليس فيه خروج على مبادئ القانون ولا مساس فيه بحق الدفاع.
تراجع أحكام الاستجواب وقواعده الواردة في التعليق على المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية وما بعدها.
ويلاحظ الفرق بين الاستجواب والاستيضاح، فالاستجواب وكما سبق هو مناقشة المتهم على وجه مفصل في الأدلة القائمة في الدعوى إثبات ونفيه في أثناء نظرها، أما الاستيضاح فهو استفسار المحكمة من المتهم عن بعض ما يظهر أثناء سماع أدلة الدعوى والمرافعة فيها وعما يرى تحقيق العدالة سماع كلمته في شأنه قبل الأخذ به عليه أو له، ولهذا يجوز للمحكمة أن تتقدم له فتطلب إلى المتهم أن يبدي لها ملاحظاته في صدده إذا ما أراد. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة: 86 )
ولا يجوز للمحكمة أن تستجوب المتهم وتناقشه تفصيلياً في أدلة الثبوت إلا إذا قبل ذلك، غير أن حظر الاستجواب ليس مفاده أن المحكمة يمتنع عنها أن تستوضح المتهم عن بعض الوقائع التي تظهر أثناء المرافعة أو المناقشة، وفي هذه الأحوال التي ترى فيها المحكمة لزوم ذلك تقوم بلفت نظره إليها وترخص له بتقديم تلك الإيضاحات، وإذا امتنع المتهم عن الإجابة، أو إذا كانت أقواله في الجلسة مخالفة لأقواله في محضر جمع الاستدلالات أو التحقيق ، جاز للمحكمة أن تأمر بتلاوة أقواله الأولى (274 ).
ومع ذلك فإن هناك إجراءين من إجراءات الدعوى قد وضعا حماية لمصلحة جوهرية لحق المتهم في الدفاع ويترتب على مخالفة القواعد الخاصة بها البطلان إذا ما تمسك به المتهم الذي قررت الإجراءات لمصلحته.
الإجراء الأول :
وهو الخاص بحظر الاستجواب، والمقصود هنا مناقشة المتهم على وجه مفصل في الأدلة القائمة في الدعوى، ويستوي أن يكون ذلك من المحكمة أو من الخصوم، ولذلك إذا حدث استجواب المتهم دون اعتراضه فإن هذا يعتبر تنازلاً ضمنياً عن هذا الحق ولا يجوز التمسك بالبطلان، لأن البطلان هنا مقرر لمصلحة المتهم ويصححه تنازله عنه الصريح أو الضمني أو بعدم اعتراض محاميه فيه .
الإجراء الثاني :
وهو الخاص بحق المتهم في الكلام أخر الخصوم. وهذا أيضاً مقرر لمصلحته، ولذلك يكون هناك بطلان إذا منعت المحكمة المتهم من الكلام بعد سماعها لأحد الخصوم. ولذلك إذا سمعت المحكمة أحد الخصوم بعد كلام المتهم ولم يعقب أو طلب سماع كلامه فإن ذلك يعتبر تنازلاً منه عن حقه في أن يكون أخر المتكلمين في الدعوى إذ قد يفسر سكوته على أنه ليس لديه اعتراض على ما أبداه الخصم في الجلسة، ويعتبر السكوت هنا تنازلاً ضمنياً عن الحماية التي قررها المشرع لمصلحته.
إذا كان الاستجواب يمكن أن تعتمد منه بعض العناصر التي تصلح كدليل للحكم إلا أنه ليس دليلاً بالمعنى الدقيق وإنما هو إجراء يمكن أن يصل به المحقق إلى الإقرار بوقائع تعتبر دليلاً للإثبات، كما يمكن أن يؤدي الاستجواب إلى اعتراف بالتهمة، ومن أجل ذلك حظر المشرع على المحكمة أن تلجأ إلى الاستجواب في تحقيقاتها إلا إذا قبل المتهم ذلك (274) باعتبار أن الاستجواب وما ينطوي عليه من مناقشة تفصيلية قد يؤدي إلى أن يدلى المتهم بأقوال ليست في صالحه وهذا يتنافى مع حيدة المحكمة في الموازنة بين أدلة الثبوت وأدلة البراءة.
غير أن الحظر الوارد على المحكمة في الامتناع عن الاستجواب يجد حدوداً له في قبول المتهم ذلك، فمتى قبل الاستجواب جاز للمحكمة أن تباشره وتستخلص منه أدلة تفيده في تكوين عقيدتها، غير أن قبول المتهم للاستجواب لا يكفي أن يكون ضمنياً بل يلزم أن يكون صريحاً وصادراً عن وعي كامل بعدم وجود حق للمحكمة في استجوابه إلا بالقبول ذلك أن الفيصل بين سماع أقوال المتهم من قبل المحكمة وهو إجراء مسموح به وبين الاستجواب هو أمر يحتاج إلى إلهام كاف بالقواعد الإجرائية وهذا قد لا يتيسر للمتهم، ولذلك لا يجب أن يستفاد القبول من قبل المحكمة وهو إجراء مسموح به وبين الاستجواب هو أمر يحتاج إلى إلمام كاف بالقواعد الإجرائية وهذا قد لا يتيسر للمتهم، ولذلك لا يجب أن يستفاد القبول من مجرد الإجابة على أسئلة المحكمة للمتهم، فالمحكمة من حقها أن توجه بعض الأسئلة للمتهم لتستوضحه عن بعض الوقائع اللازمة لظهور الحقيقة (274)، ولذلك فإن استرسال المحكمة في الأسئلة وإجابة المتهم عنها لا يفيد قبول المتهم الحقيقي للاستجواب إذا كانت المحكمة قد وصلت في استيضاحاتها إلى مرحلة الاستجواب المحظور عليها.
أن هناك فرقاً بين الاستجواب وبين سؤال المتهم من قبل المحكمة، فليس كل سؤال يوجه إلى المتهم عن المتهمة يعتبر استجواباً يمتنع عليها القيام به فالمحكمة من واجبها بعد سؤال المتهم عن البيانات المتعلقة بشخصه للتحقق منه، أن تسأله عن التهمة المنسوبة إليه، وهذا الحق مقرر بمقتضى نص المادة 271 التي أوردت في إجراءات التحقيق بالجلسة سؤال المتهم عما إذا كان معترفاً بالتهمة المنسوبة إليه، كما أن للمحكمة إذا أنكر المتهم أن ترخص للمتهم بتقديم الإيضاحات اللازمة إذا ظهر أثناء المناقشة أو المرافعة بعض الوقائع التي ترى لزوم تقديم إيضاحات عنها من المتهم لظهور الحقيقة، فكل هذه الأسئلة التي توجهها المحكمة للاستيضاح لا تعتبر استجواباً، وإنما الاستجواب المحظور هو ذلك الإجراء الذي تباشره المحكمة المتمثل في مناقشة المتهم تفصيلياً في الدعوى، في التهمة المسندة إليه ، وفي الأدلة المساقة ضده ومواجهته بها، فلا يجوز للمحكمة أن تواجه المتهم بأقوال الشهود أو بالأشياء المضبوطة في منزله أو بما انتهى إليه رأى الخبير وتطلب منه تفنيد تلك الأدلة، أما مجرد أستيضاحها من بعض الوقائع غير المتعلقة بأدلة الإثبات فإنها تفيد في كشف الحقيقة، فللمحكمة حق توجيهها إلى المتهم ، وللمتهم من ناحية أخرى حق الامتناع عن الإجابة، إلا أنه في حالة امتناعه عن الإجابة أو إذا كانت أقواله في الجلسة مخالفة لأقواله في محضر جمع الاستدلالات أو تحقيق النيابة، فللمحكمة توجيه الأسئلة بشأنها دون أن ترقى إلى مرتبة الاستجواب سؤال المتهم عن سوابقه أو سؤاله عن الضغائن القائمة بينه وبين أسرة المجنى عليه وللمتهم أن يمتنع عن الإجابة إذا شاء دون أن يعد هذا الامتناع قرينة ضده .
أن حظر الاستجواب على المحكمة هو أمر مقرر لمصلحة المتهم فقط يترتب على ذلك أن مخالفة المحكمة لهذا الحظر القانوني تؤدي إلى بطلان لصالح المتهم الذي كان موجهاً إليه الإجراء الباطل وعليه، فإن البطلان هنا لا يكون متعلقاً بالنظام العام و إنما يتعلق فقط بمصلحة الخصوم، فيجب التمسك به أمام محكمة الموضوع ومن قبل المتهم الذي بوشر بصدده الإجراء، فلا يجوز لغيره من المتهمين الدفع به كما أن عدم الدفع به من المتهم يترتب عليه تصحيحه، كذلك وقوع الإجراء في حضور محام دون اعتراض منه ينبني عليه تصحيح البطلان الذي شاب الإجراء وهذه هي القواعد الخاصة بالدفوع غير المتعلقة بالنظام العام، وإذا كان المشرع قد اعتبر من قبيل تصحيح البطلان وقوع الإجراء دون اعتراض المحامي ، فإن مفاد ذلك أن الإجراء يكون باطلاً في اللحظة السابقة على الاعتراض، ويفيد في الوقت ذاته أن الاستجواب يكون قائماً ويتولى المتهم الرد على أسئلة المحكمة، ومن أجل ذلك رفضنا الأخذ بما ذهب إليه بعض الفقه والقضاء من الاكتفاء بقبول الاستجواب الضمني من المتهم والذي سيستفيد من إجابته على أسئلة المحكمة.
وجدير بالذكر أن الاستجواب المحظور يقع باطلاً سواء أجرته محكمة أول درجة أو المحكمة الاستئنافية.
حق المتهم في طلب الاستجواب :
إذا كان حظر الاستجواب مقرراً لصالح المتهم ، وإذا كان للمتهم أن يحقق دفاعه بأي وسيلة يراها لذلك، فهو متى طلب استجوابه من المحكمة التقصي حقيقة واقعة معينة يرى أن في استجوابه کشفاً لها فلا يجوز للمحكمة أن تمتنع عن استجوابه وإلا تعتبر أنها أخلت بحقه في الدفاع، إذ أن الاستجواب كما رأينا هو وسيلة جمع أدلة ووسيلة دفاع في الوقت ذاته.
الاستجواب باعتباره دليلاً :
متى وقع الاستجواب صحيحاً من المحكمة وفي الأحوال التي يجوز لها الالتجاء إليه فإن للمحكمة أن تستخلص منه الأدلة التي تفيدها في تكوين عقيدتها، أما إذا كانت المحكمة قد أجرته في حدود الحظر الوارد على سلطتها فلا يجوز لها الاستناد عليه كدليل وكذلك لا يجوز لها الاستناد إلى الأدلة الأخرى المترتبة عليه، فإذا قامت المحكمة باستجواب المتهم دون قبوله وأدى ذلك إلى الاعتراف بالتهمة كان الاعتراف باطلاً لتأسيسه على إجراء باطل وهو الاستجواب. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 984)
لا يجوز استجواب المتهم أمام المحكمة إلا بقبوله :
نصت المادة ( 274/ 1) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه «لا يجوز استجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك» وهذا النص عام يسري على التحقيق النهائي أياً كانت المحكمة التي تجريه فيستوي أن تكون محكمة الجنايات أو محكمة الجنح والمخالفات، وعلى ذلك فالقاعدة العامة هي أن الاستجواب ممنوع أمام المحكمة إلا إذا قبل المتهم ذلك ولا يشترط أن يكون ذلك بناء على طلب منه كما وأن حظر الإستجواب مقصود به مصلحة المتهم وحده فله أن يتنازل عنه صراحةً أو ضمناً إما بطلبه صراحة من المحكمة أن تستجوبه أو بعدم اعتراضه هو أو المدافعون عنه على الاستجواب وإجابته على الأسئلة التي توجهها إليه المحكمة.
ويلاحظ أنه إذا قبل المتهم الاستجواب كان من حق الخصوم في الدعوى أن يشتركوا فيه، وذلك بالطبع غير استيضاح المتهم من جانب المحكمة عن بعض وقائع ظهرت أثناء سير الدعوى فذلك غير ممنوع مادام لا يشترك فيه غير المحكمة. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني، )
والاستجواب المحظور في مرحلة المحاكمة هو مناقشة المتهم على وجه مفصل في التهمة الموجهة إليه وظروف ارتكابها وفى الأدلة القائمة في الدعوى إثباتاً ونفياً ، ومناقشته في كل ما يجيب به للوصول منه بناء على ما يصدر على لسانه هو إلى حقيقة ما وقع، سواء أكان ذلك من المحكمة أو من محاميه هو أو من النيابة العامة أو من المدعي بالحقوق المدنية أو من المسئول عن هذه الحقوق وهو – لما له من خطورة ظاهرة - لا يصح إلا بناء على طلب من المتهم نفسه يبديه في الجلسة بعد تقديره لموقفه وما تقتضيه مصلحته باعتباره صاحب الشأن الأصلي في الإدلاء به بما يريد الإدلاء للمحكمة.
وإذا طلب المتهم نفسه استجوابه فيتعين على المحكمة إجابته إلى طلبه و أن تستمع إلى أقواله وتستجوبه فيما طلب الاستجواب عنه، ولو اعترض محاميه على ذلك ، طالما أنه قد أصر على استجوابه رغم معارضة محاميه له أو إسداء النصح إليه. (الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزءالثالث، الصفحة 9)
تعريف الاستجواب: الاستجواب هو مناقشة المتهم تفصيلاً في الأدلة والشبهات القائمة ضده، ومطالبته بالرد عليها، إما بإنكارها وإثبات فسادها، وإما بالتسليم بها، وما يستتبعه ذلك من اعتراف بالجريمة.
ويفترض الاستجواب على هذا النحو المناقشة التفصيلية والأسئلة الدقيقة، وتكشف ما بين إجابات المتهم من تناقض، وذلك بغية استخلاص الصحيح من هذه الإجابات وطرح الفاسد منها، ويستهدف المحقق بالاستجواب استظهار الحقيقة من وجهة نظر المتهم، أي تفسيره للأدلة والشبهات القائمة ضده، وقد يستهدف المحقق بذلك الحصول على اعترافه بالجريمة، أو إتاحة فرصة الدفاع له كي يدحض هذه الأدلة والشبهات .
ويختلف الاستجواب بذلك عن السؤال، إذ الأخير يعني مجرد استیضاح المتهم أمر جريمته، والاستماع إلى إجابته، ومطالبته بجلاء الغموض في أقواله، ولا يتضمن ذلك مناقشة تفصيلية أو مواجهة بأدلة الاتهام.
تعريف المواجهة: المواجهة هي الجمع بين متهم وآخر، أو بين المتهم وشاهد لكي يدلي كل منهما بأقواله في مواجهة الآخر، فإن كان بينها تناقض طولب كل منهما بتفسيره، ويستهدف المحقق بالمواجهة أن يستخلص من مجموع الأقوال التي تصدر عمن يواجه بينهم القدر الذي يرجح صحته، ويهدر ما عداه وبين الاستجواب والمواجهة صلة وثيقة، فيغلب أن يعقب الاستجواب المواجهة التي تكون الوسيلة إلى تحري صحة أقوال المتهم، فهو يدلي بأقواله أثناء استجوابه، فيتبين للمحقق الاختلاف أو التناقض بينها وبين أقوال شاهد إثبات أو متهم آخر، فيريد المحقق أن يعرف جانب الصواب في أقوال المتهم مستعيناً بأقوال المتهم الآخر أو الشاهد، فيواجه بينهما، فقد يرجع المتهم عن بعض أقواله، وقد يرجع المتهم الآخر أو الشاهد عن بعض أقواله، فيحتجز المحقق ما يقدر صحته في أقوال من واجه بينهم، والمواجهة إجراء خطير، فقد يترتب عليها ارتباك المتهم واضطرابه، وقد يشعر بالرهبة أو الخجل ممن يواجهة المحقق به، فيتورط في أقوال لم تكن تصدر عنه بغير هذه المواجهة، ولخطورة المواجهة فقد أحاطها الشارع بذات الضمانات التي أحاط الاستجواب بها. (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول ، الصفحة: 628)
ومن حق المتهم بطبيعة الحال أن يمتنع عن الإجابة، ولا يجوز تضليله ولا الإيقاع به، كما لا يجوز التأثير فيه بوعد ولا بوعيد وإلا كان - الاستجواب باطلاً، بل أن بعض الشرائع يوجب على المحقق أن ينبه المتهم قبل الاستجواب إلى أن من حقه أن يمتنع عن الإجابة، وينص بعضها الآخر صراحةً على أن من حق المتهم أن يقرر بمطلق حريته ما إذا كان يرغب في الإجابة أم لا ، كما أن الاستجواب لمدة تتجاوز المألوف باطل إذا تبين أن المحقق قد قصد به إرهاق المتهم والتأثير بالتالي في إرادته.
وإذا كان الاستجواب في التحقيق الإبتدائي وسيلة مشروعة لجمع الأدلة في التشريع المصري، فهو في التحقيق النهائي وسيلة للدفاع فحسب . لذا نصت المادة 274/ 1 التي وردت في الفصل الخاص بنظر الدعوى وترتب الإجراءات في الجلسة على أنه "لا يجوز استجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك". ولنا عودة إلى هذا الموضوع فيما بعد عندما نعالج حق الدفاع في مرحلة المحاكمة. (الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة 720)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع ، الصفحة / 57
اسْتِفْسَار
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِفْسَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَفْسَرْتُهُ كَذَا إِذَا سَأَلْتُهُ أَنْ يُفَسِّرَهُ لِي.
وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ فِي الْفِقْهِ عَنْهُ فِي اللُّغَةِ.
وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: طَلَبُ ذِكْرِ مَعْنَى اللَّفْظِ، حِينَ تَكُونُ فِيهِ غَرَابَةٌ أَوْ إِجْمَالٌ.
فَالاِسْتِفْسَارُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ أَخَصُّ مِنْهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْفِقْهِ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السُّؤَالُ:
2 - السُّؤَالُ هُوَ: الطَّلَبُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ تَوْضِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِكَ: سَأَلْتُهُ عَنْ كَذَا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. أَمَّا الاِسْتِفْسَارُ فَهُوَ خَاصٌّ بِطَلَبِ التَّوْضِيحِ.
ب - الاِسْتِفْصَالُ:
3 - الاِسْتِفْصَالُ هُوَ طَلَبُ التَّفْصِيلِ (ر: اسْتِفْصَالٌ)، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِفْسَارِ، لأَِنَّ التَّفْسِيرَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ التَّفْصِيلِ، كَمَا فِي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ بِمُرَادِفِهِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
4 - حُكْمُهُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
الاِسْتِفْسَارُ مِنْ آدَابِ الْمُنَاظَرَةِ، فَإِذَا خَفِيَ عَلَى الْمُنَاظِرِ مَفْهُومُ كَلاَمِ الْمُسْتَدِلِّ لإِِجْمَالٍ أَوْ غَرَابَةٍ فِي الاِسْتِعْمَالِ اسْتَفْسَرَهُ، وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُرَادِهِ عِنْدَ الاِسْتِفْسَارِ، حَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ لَبْسٌ وَلاَ إيهَامٌ، وَحَتَّى تَجْرِي الْمُنَاظَرَةُ عَلَى خَيْرِ الْوُجُوهِ.
مِثَالُ الإِْجْمَالِ: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: يَلْزَمُ الْمُطَلَّقَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِالأَْقْرَاءِ، فَيَطْلُبُ الْمُنَاظِرُ تَفْسِيرَ الْقُرْءِ، لأَِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الطُّهْرِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَيْضِ.
وَمِثَالُ الْغَرَابَةِ قَوْلُهُ: لاَ يَحِلُّ السِّيدُ (بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الْيَاءِ) فَيَسْتَفْسِرُ الْمُنَاظِرُ مَعْنَاهُ، فَيُجِيبُهُ بِأَنَّهُ الذِّئْبُ.
هَذَا، وَيَعُدُّ الأُْصُولِيُّونَ الاِسْتِفْسَارَ مِنْ جُمْلَةِ الاِعْتِرَاضَاتِ بِمَعْنَى الْقَوَادِحِ، وَيُرَتِّبُونَهُ فِي أَوَّلِهَا، وَمَوْطِنُ اسْتِيفَائِهِ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
حُكْمُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
5 - عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَفْسِرَ ذَوِي الْعَلاَقَةِ الأُْمُورَ الْغَامِضَةَ، لِيَكُونَ فِي حُكْمِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، كَاسْتِفْسَارِهِ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مُبْهَمٍ، وَاسْتِفْسَارِهِ الشَّاهِدَ السَّبَبَ، كَمَا إِذَا شَهِدَا أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ.
6 - وَقَدْ لاَ يَجِبُ الاِسْتِفْسَارُ لاِعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ، كَاسْتِفْسَارِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يُسْتَفْسَرُ كَيْفِيَّةُ حُصُولِ الإِْكْرَاهِ، دَرْءًا لِلْحُدُودِ مَا أَمْكَنَ، خِلاَفًا لِلأَْذْرَعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ الاِسْتِفْسَارِ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
7 - بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ أَوْرَدُوا الْمَبَادِئَ الْمَنْطِقِيَّةَ، كَمُقَدِّمَةٍ لِعِلْمِ الأُْصُولِ، وَذَكَرُوا الاِسْتِفْسَارَ ضِمْنَهَا، وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُهُ فِي مَبَاحِثِ الْقَوَادِحِ فِي الدَّلِيلِ.
كَمَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الإِْقْرَارِ، حِينَ الْكَلاَمِ عَلَى الإِْقْرَارِ بِمُبْهَمٍ، وَفِي بَحْثِ طَلاَقِ الْمُكْرَهِ مِنْ كِتَابِ الطَّلاَقِ، بِمُنَاسَبَةِ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ، هَلْ يُسْتَفْسَرُ؟ وَفِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَا يَجِبُ فِيهِ ذِكْرُ سَبَبِ الشَّهَادَةِ، وَفِي كِتَابِ الْقَضَاءِ كَذَلِكَ.
اسْتِفْصَال
التَّعْرِيفُ:
1 - يُسْتَفَادُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَاتِ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّ الاِسْتِفْصَالَ: طَلَبُ التَّفْصِيلِ. وَلَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الْمَعَاجِمِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ، وَكَفَى بِهِ حُجَّةً فِي لُغَةِ الْعَرَبِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِفْسَارُ:
2 - الاِسْتِفْسَارُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: طَلَبُ ذِكْرِ مَعْنَى اللَّفْظِ حِينَ تَكُونُ فِيهِ غَرَابَةٌ أَوْ خَفَاءٌ، وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: طَلَبُ التَّفْسِيرِ مُطْلَقًا.
ب - السُّؤَالُ:
3 - السُّؤَالُ: الطَّلَبُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ تَفْصِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ.
. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
حُكْمُهُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
4 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ تَرْكَ الاِسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الْحَالِ، مَعَ قِيَامِ الاِحْتِمَالِ، يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ. وَمِثَالُهُ «أَنَّ غَيْلاَنَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم: أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ كَيْفِيَّةِ وُرُودِ عَقْدِهِ عَلَيْهِنَّ، أَكَانَ مُرَتَّبًا أَمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؟ فَكَانَ إطْلاَقُ الْقَوْلِ، دَالًّا عَلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ.
وَفِي دَلاَلَةِ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَعَدَمِهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
حُكْمُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
5 - يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَفْصِلَ فِي الأُْمُورِ الأَْسَاسِيَّةِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ الصَّحِيحُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أُمُورٍ وَاضِحَةٍ لاَ لَبْسَ فِيهَا وَلاَ غُمُوضَ. كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ إذْ أَقَرَّ بِالزِّنَا، فَلَمْ يَرْجُمْهُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم إلاَّ بَعْدَ أَنِ اسْتَفْصَلَ مِنْهُ فَقَالَ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟ قَالَ: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَنِكْتَهَا لاَ يُكَنِّي قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ».
فَلَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم مَجَالاً لاِحْتِمَالِ التَّجَوُّزِ.
6 - وَهُنَاكَ أُمُورٌ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الأَْهَمِّيَّةِ فَيُنْدَبُ فِيهَا لِلْحَاكِمِ الاِسْتِفْصَالُ وَلاَ يَجِبُ، كَمَا إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ جِهَةَ تَحَمُّلِهَا، وَوَثِقَ الْقَاضِي بِمَعْرِفَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ بِشَرَائِطِ التَّحَمُّلِ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِلْقَاضِي فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَهُ، فَيَسْأَلَهُ: بِأَيِّ سَبَبٍ ثَبَتَ هَذَا الْمَالُ؟ وَهَلْ أَخْبَرَك بِهِ الأَْصْلُ (الشَّاهِدُ الأَْصْلِيُّ) أَوَّلاً وَكَمَا إِذَا شَهِدَ الْمُغَفَّلُ الَّذِي لاَ يَضْبِطُ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، وَبَيَّنَ سَبَبَ الشَّهَادَةِ، كَأَشْهَدُ أَنَّ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفًا قَرْضًا، فَيُنْدَبُ لِلْحَاكِمِ اسْتِفْصَالُهُ فِيهِ.
7 - عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ الاِسْتِفْصَالُ لاِعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ، كَمَا إِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكٌ لَهُ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ أَنَّهُ دُونَ نِصَابٍ، أَوْ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ فِي الأَْخْذِ، لَمْ يُقْطَعْ، وَلاَ يُسْتَفْصَلْ فِي دَعْوَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عُلِمَ كَذِبُهُ، نَظَرًا إلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث عشر، الصفحة / 140
تَقْرِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّقْرِيرُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ قَرَّرَ، يُقَالُ قَرَّرَ الشَّيْءَ فِي الْمَكَانِ: ثَبَّتَهُ، وَقَرَّرَ الشَّيْءَ فِي مَحَلِّهِ: تَرَكَهُ قَارًّا، وَقَرَّرَ فُلاَنًا بِالذَّنْبِ: حَمَلَهُ عَلَى الاِعْتِرَافِ بِهِ، وَقَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ أَوِ الرَّأْيَ وَضَّحَهُ وَحَقَّقَهُ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ - كَمَا ذُكِرَ فِي أَقْسَامِ السُّنَّةِ: سُكُوتُ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم - عَنْ إنْكَارِ قَوْلٍ قِيلَ بَيْن يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَمِلَ بِهِ، أَوْ سُكُوتُهُ عَنْ إنْكَارِ فِعْلٍ حِينَ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْقْرَارُ:
2 - الإِْقْرَارُ لُغَةً: الإِْذْعَانُ لِلْحَقِّ وَالاِعْتِرَافُ بِهِ. يُقَالُ: أَقَرَّ بِالْحَقِّ أَيِ اعْتَرَفَ بِهِ.
وَاصْطِلاَحًا: إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ بِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ أَثَرًا لِلتَّقْرِيرِ.
ب - السُّكُوتُ:
3 - السُّكُوتُ: تَرْكُ الْكَلاَمِ وَالسُّكُوتُ عَنِ الأَْمْرِ عَدَمُ الإِْنْكَارِ، وَالصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّقْرِيرِ هِيَ أَنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَدْ يَكُونُ تَقْرِيرًا وَقَدْ لاَ يَكُونُ.
وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: لاَ يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ، لَكِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ اسْتُثْنِيَ بِهَا مَسَائِلُ عَدِيدَةٌ اعْتُبِرَ السُّكُوتُ فِيهَا تَقْرِيرًا وَمِنْ ذَلِكَ:
سُكُوتُ الْبِكْرِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ.
وَقَبُولُ التَّهْنِئَةِ بِالْمَوْلُودِ وَالسُّكُوتُ عَلَى ذَلِكَ يُعْتَبَرُ إِقْرَارًا بِالنَّسَبِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: السُّكُوتُ بِمُجَرَّدِهِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالنُّطْقِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ، وَلِهَذَا كَانَ تَقْرِيرُهُ صلي الله عليه وسلم مِنْ شَرْعِهِ، وَكَانَ الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ حُجَّةً عِنْدَ كَثِيرِينَ. أَمَّا غَيْرُ الْمَعْصُومِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ إِلاَّ إِذَا قَامَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ.
ج - الإِْجَازَةُ:
4 - مِنْ مَعَانِي الإِْجَازَةِ: الإِْنْفَاذُ، يُقَالُ: أَجَازَ الشَّيْءَ إِذَا أَنْفَذَهُ وَجَوَّزَ لَهُ مَا صَنَعَ وَأَجَازَ لَهُ: أَيْ سَوَّغَ لَهُ ذَلِكَ وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ: جَعَلْتُهُ جَائِزًا نَافِذًا وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى تَكُونُ كَالتَّقْرِيرِ لِلأَْمْرِ الَّذِي حَدَثَ، وَمِنْ ذَلِكَ إِجَازَةُ الْمَالِكِ لِتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
(الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ ):
أَوَّلاً - التَّقْرِيرُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
5 - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ التَّقْرِيرَ بِاعْتِبَارِهِ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَسْكُتَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم عَنْ إِنْكَارِ قَوْلٍ قِيلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ أَوْ سَكَتَ عَنْ إِنْكَارِ فِعْلٍ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ. وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَأَضَافَهُ إِلَى عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم وَكَانَ مِمَّا لاَ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِ.
6 - وَالتَّقْرِيرُ حُجَّةٌ وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ، لَكِنْ ذَلِكَ لاَ بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ قُدْرَةِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم عَلَى الإِْنْكَارِ، وَكَوْنِ الْمُقَرَّرِ مُنْقَادًا لِلشَّرْعِ، وَكَوْنِ الأَْمْرِ الْمُقَرَّرِ ثَابِتًا لَمْ يَسْبِقِ النَّهْيُ عَنْهُ.
لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ التَّقْرِيرَ لاَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لأَِنَّ السُّكُوتَ وَعَدَمَ الإِْنْكَارِ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم سَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ فَلاَ يَكُونُ الْفِعْلُ إِذْ ذَاكَ حَرَامًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَكَتَ عَنْهُ لأَِنَّ الإِْنْكَارَ لَمْ يَنْجَحْ فِيهِ وَعَلِمَ أَنَّ إِنْكَارَهُ ثَانِيًا لاَ يُفِيدُ فَلَمْ يُعَاوِدْهُ، وَبِذَلِكَ لاَ يَصْلُحُ التَّقْرِيرُ دَلِيلاً عَلَى الْجَوَازِ وَالنَّسْخِ.
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
ثَانِيًا - التَّقْرِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
7 - يَأْتِي التَّقْرِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعَانٍ ثَلاَثَةٍ:
الأَْوَّلُ: بِمَعْنَى تَثْبِيتِ حَقِّ الْمُقَرَّرِ فِي شَيْءٍ وَتَأْكِيدِهِ:
أَوْرَدَ الْحَنَفِيَّةُ التَّقْرِيرَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي مَسْأَلَةِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ، إِذْ أَنَّهُمْ يَقْسِمُونَ طَلَبَ الشُّفْعَةِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ، وَطَلَبُ التَّقْرِيرِ، وَطَلَبُ الْخُصُومَةِ وَالْمِلْكِ، فَطَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ هُوَ طَلَبُ الشُّفْعَةِ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ بِهَا، لِبَيَانِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنِ الشُّفْعَةِ وَالإِْشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ.
وَطَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالإِْشْهَادِ هُوَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى طَلَبِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ إِ نْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، أَوْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ سَلَّمَهُ الْمَبِيعَ أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ.
فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ. وَهَذَا الطَّلَبُ يُسَمَّى طَلَبَ التَّقْرِيرِ أَوْ طَلَبَ الإِْشْهَادِ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ قَرَّرَ حَقَّهُ وَأَكَّدَهُ.
وَالشَّفِيعُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ التَّقْرِيرِ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الإِْشْهَادُ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ. أَمَّا إِذَا اسْتَطَاعَ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ الإِْشْهَادَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي أَوِ الْعَقَارِ فَذَلِكَ يَكْفِيهِ وَيَقُومُ مَقَامَ الطَّلَبَيْنِ، وَالإِْشْهَادُ إِنَّمَا هُوَ لإِِثْبَاتِ الْحَقِّ عِنْدَ التَّجَاحُدِ.
هَذَا وَبَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ تَذْكُرُ الإِْشْهَادَ دُونَ لَفْظِ التَّقْرِيرِ، وَفِي اعْتِبَارِ الإِْشْهَادِ شَرْطًا لاِسْتِقْرَارِ الشُّفْعَةِ أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ. يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِشْهَادٌ، وَشُفْعَةٌ) .
الثَّانِي: بِمَعْنَى اسْتِمْرَارِ الأَْمْرِ الْمَوْجُودِ وَإِبْقَائِهِ عَلَى حَالِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا يَأْتِي:
أ - فِي الشَّرِكَةِ:
8 - إِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالتَّرِكَةِ دَيْنٌ وَلاَ دِيَةٌ فَلِلْوَارِثِ الرَّشِيدِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَتَقْرِيرِ الشَّرِكَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ تَقْرِيرُ الشَّرِكَةِ إِلاَّ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ. (ر: شَرِكَةٌ)
ب - فِي الْقِرَاضِ:
9 - إِذَا مَاتَ الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْوَارِثُ الاِسْتِمْرَارَ عَلَى الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاضًّا فَلَهُمَا ذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَأْنِفَا عَقْدًا بِشَرْطِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّرْكِ وَالتَّقْرِيرِ بِأَنْ يَقُولَ الْوَارِثُ: تَرَكْتُكَ أَوْ قَرَّرْتُكَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِفَهْمِ الْمَعْنَى.
وَإِذَا مَاتَ عَامِلُ الْمُضَارَبَةِ وَأَرَادَ الْمَالِكُ تَقْرِيرَ وَارِثِ الْعَامِلِ مَكَانَهُ فَتَقْرِيرُهُ مُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ عَلَى نَقْدٍ مَضْرُوبٍ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُضَارَبَةٍ (قِرَاضٌ).
ج - فِي الْقَضَاءِ:
10 - الأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمٍ سَابِقٍ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا. بَلْ كَانَ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. لَكِنْ هَلْ تَقْرِيرُ الْقَاضِي مَا رُفِعَ إِلَيْهِ يُعْتَبَرُ حُكْمًا لاَ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟
عَقَدَ ابْنُ فَرْحُونَ فِي تَبْصِرَتِهِ فَصْلاً بِعِنْوَانِ تَقْرِيرُ الْحَاكِمِ مَا رُفِعَ إِلَيْهِ. قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ (يَعْنِي الْمَالِكِيَّةَ) هَلْ يَكُونُ تَقْرِيرُ الْحَاكِمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ حُكْمًا بِالْوَاقِعِ فِيهَا أَمْ لاَ؟ كَمَا إِذَا زَوَّجَتِ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى قَاضٍ حَنَفِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَسْخُهُ وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فَلاَ يَعْتَرِضُهُ قَاضٍ آخَرُ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلِغَيْرِهِ فَسْخُهُ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا لَوْ رُفِعَ لَهُ فَقَالَ: لاَ أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِهِ فَهَذِهِ فَتْوَى وَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِمَا يَرَاهُ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (قَضَاءٌ).
الثَّالِثُ - التَّقْرِيرُ بِمَعْنَى طَلَبِ الإِْقْرَارِ مِنَ الْمُتَّهَمِ وَحَمْلُهُ عَلَى الاِعْتِرَافِ
11 - لِلْقَاضِي تَقْرِيرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَطْلُبَ الْقَاضِي مِنْهُ الْجَوَابَ إِمَّا بِالإِْقْرَارِ أَوْ بِالإِْنْكَارِ.
وَإِقْرَارُ الْمُكْرَهِ لاَ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ. لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ جَعَلُوا مِنْ بَابِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُرَاعَاةَ شَوَاهِدِ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمُتَّهَمِ وَقُوَّةَ التُّهْمَةِ فَأَجَازُوا التَّوَصُّلَ إِلَى الإِْقْرَارِ بِالْحَقِّ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ اسْتِنَادًا إِلَى قوله تعالي : ( وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالي عنه لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم هُوَ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فِي أَثَرِ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَمَلَتْ خِطَابَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِي الْكِتَابِ إِخْبَارٌ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَأَدْرَكَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ الْمَرْأَةَ وَاسْتَنْزَلاَهَا وَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا الْكِتَابَ فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ رضي الله تعالي عنه : أَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم وَلاَ كَذَبْنَا، وَلْتُخْرِجِنَّ لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنْهُ اسْتَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا».
لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِلْقَاضِي أَوْ لِوَالِي الْمَظَالِمِ؟
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي وَلِلْوَالِي ضَرْبُ الْمُتَّهَمِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ لأَِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنِ الإِْمَامِ فِي تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ يَكُونُ ذَلِكَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ وَلاَ يَكُونُ لِلْقَاضِي، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا.
12 - قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الدَّعَاوَى قِسْمَانِ: دَعْوَى تُهْمَةٍ وَدَعْوَى غَيْرِ تُهْمَةٍ.
فَدَعْوَى التُّهْمَةِ أَنْ يَدَّعِيَ فِعْلَ مُحَرَّمٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ يُوجِبُ عُقُوبَتَهُ مِثْلَ قَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُدْوَانِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فِي غَالِبِ الأَْحْوَالِ.
وَدَعْوَى غَيْرِ التُّهْمَةِ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَقْدًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَكُلٌّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ قَدْ يَكُونُ حَدًّا مَحْضًا كَالشُّرْبِ وَالزِّنَى، وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا مَحْضًا لآِدَمِيٍّ كَالأَْمْوَالِ، وَقَدْ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلأَْمْرَيْنِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ. فَهَذَا الْقِسْمُ (أَيْ دَعْوَى غَيْرِ التُّهْمَةِ) إِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي حُجَّةً شَرْعِيَّةً وَإِلاَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».
13 - أَمَّا الْقِسْمُ الأَْوَّلُ مِنَ الدَّعَاوَى: وَهُوَ دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأَْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ فَهَذَا يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ. فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الْبُرَآءِ.
قَالَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ رحمها الله: لاَ أَدَبَ عَلَى الْمُدَّعِي إِلاَّ أَنْ يَقْصِدَ أَذِيَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَيْبَهُ وَشَتْمَهُ فَيُؤَدَّبُ. وَقَالَ أَصْبَغُ: يُؤَدَّبُ قَصَدَ أَذِيَّتَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ.
14 - (الْقِسْمُ الثَّانِي): أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ. وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي. هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ مَنْصُوصُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَمُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ: «قَدْ حَبَسَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ. ثُمَّ الْحَاكِمُ قَدْ يَكُونُ مَشْغُولاً عَنْ تَعْجِيلِ الْفَصْلِ وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ حُكُومَاتٌ سَابِقَةٌ فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ مَحْبُوسًا مُعَوَّقًا مِنْ حِينِ يُطْلَبُ إِلَى أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَهَذَا حَبْسٌ بِدُونِ التُّهْمَةِ فَفِي التُّهْمَةِ أَوْلَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي أَدَبِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
15 - (الْقِسْمُ الثَّالِثُ): أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا «أَمَرَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ».
قَالَ شَيْخُنَا: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ؟ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي أَوِ الْقَاضِي هَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَاضِي مِصْرَ فَإِنَّهُ قَالَ:
يُمْتَحَنُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ حَكَاهُ الْقَاضِيَانِ (أَبُو يَعْلَى وَالْمَاوَرْدِيُّ) وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إِثْبَاتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لاَ يُضْرَبُ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ وَكَثِيرٍ مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلاَثَةِ بَلْ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ لَكِنَّ حَبْسَ الْمُتَّهَمِ عِنْدَهُمْ أَبْلَغُ مِنْ حَبْسِ الْمَجْهُولِ.
ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لاَ يُحْبَسُ إِلَى الْمَوْتِ.
وَاَلَّذِينَ جَعَلُوا عُقُوبَتَهُ لِلْوَالِي دُونَ الْقَاضِي قَالُوا: وِلاَيَةُ أَمِيرِ الْحَرْبِ مُعْتَمَدُهَا الْمَنْعُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ وَقَمْعُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ وَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالْعُقُوبَةِ لِلْمُتَّهَمِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالإِْجْرَامِ بِخِلاَفِ وِلاَيَةِ الْحُكْمِ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا إِيصَالُ الْحُقُوقِ إِلَى أَرْبَابِهَا قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُلَّ وَلِيِّ أَمْرٍ يَفْعَلُ مَا فُوِّضَ إِلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ وَلِيَّ الصَّدَقَاتِ يَمْلِكُ مِنَ الْقَبْضِ وَالصَّرْفِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ وَالِي الْخَرَاجِ وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ وَالِي الْحَرْبِ وَوَالِي الْحُكْمِ يَفْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا اقْتَضَتْهُ وِلاَيَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ مَعَ رِعَايَةِ الْعَدْلِ وَالتَّقَيُّدِ بِالشَّرِيعَةِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 226
مَحْضَرٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمَحْضَرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ: بِمَعْنَى الْحُضُورِ وَالشُّهُودِ.
يُقَالُ: كَلَّمْتُهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ فُلاَنٍ، وَبِحَضْرَتِهِ: أَيْ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الَّذِي كَتَبَ الْقَاضِي فِيهِ دَعْوَى الْخَصْمَيْنِ مُفَصَّلاً، وَلَمْ يَحْكُمْ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بَلْ كَتَبَهُ لِلتَّذَكُّرِ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السِّجِلُّ :
- السِّجِلُّ لُغَةً: الْكِتَابُ يُدَوَّنُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ يُقَالُ: سَجَّلَ الْقَاضِي: قَضَى وَحَكَمَ وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي السِّجِلِّ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: السِّجِلُّ: كِتَابُ الْحُكْمِ وَقَدْ سَجَّلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحْضَرِ وَالسِّجِلِّ: أَنَّ الْمَحْضَرَ لاَ يَتَضَمَّنُ النَّصَّ عَلَى الْحُكْمِ وَإِنْفَاذِهِ، أَمَا السِّجِلُّ فَفِيهِ حُكْمُ الْقَاضِي.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :
قَالَ الْفُقَهَاءُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي كِتَابَةُ مَحْضَرٍ فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ الَّتِي تُرْفَعُ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ لأِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَلاَ يُمْكِنُ حِفْظُهَا إِلاَّ بِالْكِتَابَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا، تُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ تَفْصِيلُهَا فِي (قَضَاءٌ ف 43).
وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ كِتَابَةِ الْمَحْضَرِ: إِذَا لَمْ يَطْلُبْ مَنْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَتَهُ، فَإِنْ سَأَلَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْقَاضِيَ كِتَابَةَ مَا جَرَى أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَكَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، كَأَنْ يَتَرَافَعَ خَصْمَانِ إِلَى الْقَاضِي فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِالْمُدَّعَى بِهِ أَوْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ، وَرَدَّ عَلَى الْمُدَّعِي وَحَلَفَ، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَا جَرَى أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، فَالأْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ إِجَابَتُهُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأِنَّهُ وَثِيقَةٌ لَهُ كَالإْشْهَادِ، لأِنَّ الشَّاهِدَيْنِ رُبَّمَا نَسِيَا الشَّهَادَةَ، أَوْ نَسِيَا الْخَصْمَيْنِ فَلاَ يَذْكُرْهُمَا إِلاَّ ذَوِي خَطَّيْهِمَا وَالأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي إِجَابَتُهُ، لأِنَّ الْكِتَابَةَ لاَ تُثْبِتُ حَقًّا.
وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ، وَالأْخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ.
ثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي تُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ :
- ثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي تُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلاَّتُ وَغَيْرُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لأِنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ، أَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ فَعَلَى مَنْ لَهُ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ كِتَابَةَ مَا جَرَى فِي خُصُومَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ.
صِيغَةُ الْمَحْضَرِ
- إِنِ اخْتَارَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ مَحْضَرًا، أَوْ سَأَلَهُ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَتَهُ: ذَكَرَ فِيهِ مَا يَأْتِي: أ - اسْمُ الْقَاضِي الَّذِي جَرَتِ الْخُصُومَةُ أَمَامَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَنَسَبَهُ، وَمَكَانَ وِلاَيَتِهِ، وَتَارِيخَ إِقَامَةِ الدَّعْوَى، وَأَنَّهَا أَقِيمَتْ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ.
ب - اسْمُ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ كَانَ يَعْرِفُهُمَا بِاسْمَيْهِمَا وَنَسَبَيْهِمَا وَيَرْفَعُ نَسَبَيْهِمَا حَتَّى يَتَمَيَّزَا. وَإِنْ كَانَ لاَ يَعْرِفُهُمَا: كَتَبَ: حَضَرَ عِنْدِي فِي مَجْلِسِ حُكْمِي: مُدَّعٍ ذَكَرَ: أَنَّهُ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ: أَنَّهُ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ وَيَرْفَعُ نَسَبَيْهِمَا، وَيَذْكُرُ أَهَمَّ صِفَاتِهِمَا كَالْغَمَمِ، وَالنَّزْعِ، وَلَوْنِ الْعَيْنِ، وَصِفَةِ الأْنْفِ، وَالْفَمِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَاللَّوْنِ، وَالطُّولِ، وَالْقِصَرِ.
ج - الْمُدَّعَى بِهِ، وَنَوْعُهُ وَصِفَتُهُ.
د - أَقْوَالُ الْمُدَّعِي.
هـ - أَقْوَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَإِنْ أَقَرَّ كَتَبَ: أَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بِالْمُدَّعَى بِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ كَتَبَ إِنْكَارَهُ، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ذَكَرَهَا، وَإِنْ كَتَبَ الْمَحْضَرَ بِطَلَبٍ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي كِتَابَتِهِ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ أَنَّهُ كَتَبَهُ اسْتِجَابَةً لِرَغْبَتِهِ وَذَكَرَ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ أُقِيمَتْ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ؛ لأِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ.
و - أَسَمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ.
ز - فَإِنِ اسْتَحْلَفَ الْمُنْكِرَ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ.
ح - فَإِنْ حَلَفَ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا لِئَلاَّ يَحْلِفَ ثَانِيًا أَجَابَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَأَلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَجَابَ طَلَبَهُ.
ط - وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ كَتَبَ: فَعُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ فَنَكَلَ مِنْهَا، هَذِهِ صُورَةُ الْمَحْضَرِ.
وَإِنِ اشْتَمَلَ الْمَحْضَرُ أَسِبَابَ الْحُكْمِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى ثُبُوتِهَا أَمَامَ الْقَاضِي، وَسَأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْقَاضِيَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْمَحْضَرِ، لَزِمَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ وَيُنْفِذَهُ، فَيَقُولُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسِبَابِ الْحُكْمِ بِالْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَحْضَرِ: حَكَمْتُ لَهُ بِهِ، وَأَلْزَمْتُهُ الْحَقَّ.
لأِنَّ الْحُكْمَ مِنْ لَوَازِمِ الثُّبُوتِ.