تطليق القاضى لعدم الإنفاق يقع رجعياً وللزوج أن يراجع زوجته إذا ثبت يساره واستعد للإنفاق فى أثناء العدة فإن لم يثبت يساره ولم يستعد للإنفاق لم تصح الرجعة.
تطليق القاضى لعدم الإنفاق يقع رجعياً وللزوج أن يراجع زوجته إذا ثبت يساره واستعد للإنفاق فى أثناء العدة فإن لم يثبت يساره ولم يستعد للإنفاق لم تصح الرجعة.
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ،
المذكرة الإيضاحية
تعليمات وزارة الحقانية القانون رقم 25 لسنة 1920.
1- أن الطلاق الذي توقعه المحكمة لعدم الإنفاق طلاق رجعي يجوز للزوج أن يراجع فيه ما دامت الزوجة في العدة.
۲- أن جواز الرجعة مشروط بشرطين:
(أ) ثبوت يساره بحيث يظن قدرته على إدامة الإنفاق عليها نفقة مثلها.
(ب) استعداده للإنفاق عليها نفقة مثلها فإذا لم يتوافر الشرطان لم تصح الرجعة .
1 ـ مفاد نص المادة الخامسة من القانون رقم 25 لسنة 1929 أن كل طلاق يقع رجعياً مالم يكن مكملاً للثلاث أو قبل الدخول أو على مال أو وقع بائناً بحكم من القاضى طبقاً لأحكام القانونين رقمى 25 لسنة 1920 ، 25 لسنة 1929 .
(الطعن رقم 88 لسنة 63 جلسة 1997/01/28 س 48 ع 1 ص 244 ق 46)
2 ـ المقرر شرعا أنه إذا اختلف الزوجان فى صحة الرجعة فادعى الزوج أنها صحيحة، وأنكرت هي ذلك بدعوى أنها وقعت بعد انقضاء العدة فالقول للزوجة بيمينها إن كانت المدة بين الطلاق وبين الوقت الذي تدعى فيه انقضاء عدتها تحتمل ذلك، وكانت العدة بالحيض، لأن الحيض والطهر لا يعلم إلا من جهتها، وأقل مدة للعدة بالحيض فى الراجح من مذهب أبي حنيفة ستون يوما.
(الطعن رقم 530 لسنة 66 جلسة 2001/05/28 س 52 ع 2 ص 761 ق 153)
3 ـ لما كانت الطاعنة قد أقامت دعواها ضد المطعون عليه طلب تطليقها منه طلقة بائنة للضرر عملاً بحكم المادة السادسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ، و كان ما أضافته الطاعنة أمام محكمة الإستئناف من أن المطعون عليه أمتنع عن الإنفاق عليها بعد أن تزوجها ، يعد طلباً جديداً - يختلف فى موضوعه عن الطلب الأول ، لأن الطلاق بسبب عدم الإنفاق يقع رجعياً ، و له أحكام مختلفة أوردتها المواد 4 ، 5 ، 6 ، من القانون رقم 25 لسنة 1920 ، و بالتالى فلا يجوز قبول هذا الطلب الجديد أمام محكمة الإستئناف ، عملاً بما تقضى به المادة 321 من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية من أنه لا يجوز للخصوم أن يقدموا فى الإستئناف طلبات بدعاوى جديدة غير الدعاوى الأصلية ، إلا بطريق الدفع للدعوى الأصلية ، و هى من المواد التى أبقى عليها القانون رقم 462 لسنة 1955 . لما كان ذلك فإن النعى على الحكم المطعون فيه بأنه لم يرد على طلب التطليق لعدم الإنفاق يكون غير منتج .
(الطعن رقم 16 لسنة 38 جلسة 1974/06/05 س 25 ع 1 ص 979 ق 162)
هذه المادة لم يتم تعديلها بالقانون رقم 100 لسنة 1985 .
هذه المادة مرتبطة بالمادتين 4، 5 من القانون رقم 25 لسنة 1920 المعدل بالقانون رقم ۱۰۰ لسنة 1985 .
نوع الطلاق لعدم الإنفاق (طلاق رجعي).
تضمنت المادة النص على أن التطليق الذي كان يوقعه القاضي على الزوج الممتنع عن الإنفاق إنما يقع طلقة رجعية طالما كان بعد الدخول وغير مسبوق بطلقتين الأمر الذي يكون معه للزوج الحق في مراجعة زوجته من بعده أما لو كان قبل الدخول أو كان قد سبقته طلقتين فإنه يقع بائنا بحكم القانون.
شروط جواز مراجعة المطلقة
اشترط النص لصحة المراجعة التي تتم من جانب الزوج الذي طلقت عليه زوجته بحكم قضائي لعدم الإنفاق توافر شرطين:
أولهما : أن يثبت للقاضي أنه قد أصبح موسرة.
وثانيهما: أن يثبت استعداده للإنفاق خلال فترة العدة وذلك لا يكون إلا بأن يسدد ما تراكم عليه من دين نفقة الزوجة أو أن يعرض مبلغ النفقة على المطلقة عرضا حقيقيا وإيداعه إحدى خزائن المحاكم وعلى أن يصرف لها دون قيد أو شرط كما أن المراجعة الفعلية بالمباشرة الجنسية مما تصح به الرجعة أيضا.
وتخلف أي من الشرطين السابقين لا تجوز معه الرجعة إذا أجراها الزوج رغم تخلف إحداهما.
فإذا خرجت الزوجة من العدة بإقرارها لا يستطيع الزوج مراجعتها حتى لو توافر من جانبه الشرطان لأن العبرة بتوافرهما خلال فترة العدة التي يجوز فيها الزوج مراجعة زوجته المطلقة منه رجعية خلالها ولا يبقى أمامه سوى مراجعتها بعقد ومهر جديدين وبموافقتها.
ويجوز أن تتم مراجعة الزوج لزوجته أمام المحكمة التي تقضي بها.
اختلاف الزوجين في صحة المراجعة بعد طلاق القاضي
ويجدر التنويه على أنه إذا اختلف الزوجين في صحة الرجعة فإن القول يكون الزوجة بيمينها فيما يتعلق ببقاء العدة أو انقضائها .
(موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة : 140).
الامتناع عن الإنفاق لا يجيز طلب التطليق للضرر:
امتناع الزوج عن الإنفاق على زوجته و عدم وجود مال ظاهر له يمكنها التنفيذ عليه بنفقتها، لا يجيز لها طلب التطليق منه بائناً للضرر عملاً بالمادة السادسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ (المعدل)، لأن هذه الحالة وضعت لها نصوص خاصة في القانون رقم 25 لسنة 1920 المواد (4، 5، 6) - وحكم الطلاق الذي يترتب على هذه الحالة أنه طلاق رجعي (م 6)، هذا ولا يتصور أن الامتناع عن الإنفاق ضرر لا يستطاع معه العشرة بين الزوجية بدرجة توجب التطليق البائن.
التطليق لعدم الإنفاق رجعي :
نصت المادة السادسة من القانون على أن تطليق القاضي لعدم الإنفاق يقع رجعياً.
ويكون الطلاق كذلك إذا كان بعد الدخول ولم يكن مكملاً للثلاث أما إذا كان قبل الدخول فإنه يكون بائناً ببينونة صغرى، وإذا كان مكملاً للثلاث فإنه يكون بائناً ببينونة كبرى (م5 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ المعدل).
مراجعة الزوج لزوجته:
نصت المادة السادسة من القانون على أن للزوج بعد تطليق زوجته رجعيا لعدم الإنفاق أن يراجعها إذا ثبت إيساره واستعد للإنفاق في أثناء العدة فإن لم يثبت إيساره ولم يستعد للإنفاق لم تصح الرجعة. وعلى ذلك لا تصح الرجعة في هذه الحالة بالقول أو الفعل كالشأن في أي رجعة أخرى، وإنما يجب توافر شرطين.
1- ثبوت إيساره بحيث يظن قدرته على إدامة الإنفاق. ويشترط في اليسار أن يكون كاملا، بأن يكون قادرا على أداء ما يجب من نفقة لمثلها على مثله.
وقد اختلف في قدر الزمن الذي إذا أيسر بنفقته كان له الرجعة فقيل شهر وقيل نصف شهر وقيل يوم وقد قال ابن عبد السلام ينبغي أن تؤول هذه الأقوال على ما إذا ظن أن يقدر على إدامة النفقة بعد ذلك فإذا تردد بعد الشهر - على الرأي الأول - أو بعد نصفه - على الرأي الثاني - فلا تصح الرجعة.
2ـ استعداده للإنفاق على زوجته أثناء العدة.
وتقدير استعداد الزوج للإنفاق على زوجته أثناء العدة من الأمور الموضوعية التي تخضع لتقدير قاضي الموضوع.
وقد جرى العمل في المحاكم على عدم الاكتفاء باستعداد الزوج للإنفاق في المستقبل، بل تطلبت المحاكم من الزوج عرض النفقة الحاضرة أى نفقة ش هر، بينما لم يكتف بعضها بهذه النفقة إذا رأى أن امتناع الزوج عن الإنفاق كان لفترة كبيرة مما لا تطمئن معه إلى استعداده للإنفاق.
وفي هذا قضت محكمة الإسكندرية الابتدائية الشرعية في الدعوى رقم ۳۱۹ لسنة ۱۹۳۸ شرعی کلی مستأنف بتاريخ 25 / 4 / 1939 بأن :
اليسار لا يثبت بمجرد عرض نفقة شهر بعد الامتناع أشهر، وبعد خصومة وقضاء ودفوع وامتناع وثبوت إعسار، إنما هذا بالهزل أشبه منه بالجد، وإلى الباطل أقرب منه إلى الحق، وفي هذا تعريض القوانين للعبث بما وضعت الدفعه، وتوجيهها إلى أغراض أبعد ما تكون من الغاية في تشريعها، وواجب القاضي حماية القوانين من عبث المتقاضين بها.. وهو الذي يقدر ما إذا كان ما يقدمه الزوج قل أو كثر كافيا لإثبات يساره أو غير كاف وما إذا كان مستعدا حقيقة للإنفاق أو غير مستعد».
(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 257)
رأي الفقه :
لقد اتفق العلماء على أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها واتفقوا أيضا علي أنه إذا أعسر بالنفقة ورضيت المرأة بالمقام معه لا تطليق ولا فسخ مادامت راضية بذلك ، لكنهم اختلفوا فيما إذا أعسر ولم ترض المرأة المقام معه من أجل ذلك علي أقوال : -
أولاً : مذهب الإمام مالك :
للزوجة حق طلب فسخ عقد الزواج بطلقة رجعية إن عجز زوجها على نفقة حاضرة أو ماضية أو مستقبلة ، هذا في حالة ما إذا لم تعلم عند العقد فقره ، فإن علمت بفقره فلا يحق لها طلب الفسخ ، إلا إذا كان مشتهرة بالعطاء ثم ينقطع عنه فهي بالخيار ، وكذلك أيضاً إذا علمت عند العقد أنه من السائلين الطائفين بالأبواب ثم يتركها فلها حق الخيار في طلب الفسخ من عدمه .
والزوج الذي يمتنع عن الإنفاق لا يخلو حاله إما أن يدعي الغنی ويمتنع عن الإنفاق ، وإما ألا يجيب بشئ وإما أن يدعي العجز ، فإن لم يجب بشئ طلق عليه القاضي حالاً ، وإن قال أنه موسر ولكنه لا ينفق فقيل يعجل عليه بالطلاق وقيل بحبسه وإذا حبس ولم ينفق طلق عليه ، هذا كله إذا لم يكن له مال ظاهر وإلا أخذ منه ، أما في حالة ما إذا أدعي العجز ولم يثبته طلق عليه إذا امتنع عن الطلاق والإنفاق .
أما إذا أثبت إعساره ، ندب له القاضي مدة باجتهاده رجاء أن يزول إعساره ، ولا يجدد بيوم أو بيومين أو ثلاثة أو شهر أو شهرين ، والمختار أنه يوكل الأمر في التعجيل والتأجيل ومدته إلى اجتهاد القاضي لأن الضرر يختلف ، فربما يتبين له حصول الضرر الذي لا يحتمل فيعجل ، وربما يتبين له عدم حصوله فيؤجل حتى يغلب على ظنه حصوله .
أما في حالة غياب الزوج فلا يخلو الحال إما أن يكون له مال ظاهر أو لا ، فإن كان له مال ظاهر فرض الحاكم نفقتها في ماله سواء أكانت الزوجة مدخولاً بها أو غير مدخول بها وكذلك تفرض في وديعته وفي دينه ، بشرط أن يقر المودع والمدين بالوديعة والدين وإلا فبإقامتها البينة علي المنكر منهما ، هذا كله بعد حلفها بأنها تستحق على زوجها الغائب النفقة ، وأنه لم يترك لها مالا ولا أقام لها وكيلا" .
فإذا عاد الزوج وأنكر استحقاقها لتلك النفقة فعليه إقامة الحجة علي ذلك ، فإن أقامها رجع عليها بما أخذته من نفقة ، ولا يقتصر في استيفاء نفقتها من الزوج الغائب علي المال الظاهر ، بل تباع داره ، وإن كان محتاجا إليها لسكناه ، إن لم يكن له مال غيرها ويكون ذلك بعد ثبوت ملكه لها وشهادة الشهود بأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم إلي الآن .
أما إذا كان قريب الغيبة ، كثلاثة أيام فإنه يرسل إليه ، أما أن ينفق على زوجته أو يطلقها فإن لم يرسل ما تنفق منه بعد الأعذار طلق عليه وهو يطلق عليه للإعسار ، سواء دخل بها او لم يدخل بها ، وسواء دعي إلي الدخول أم لا.
وهذا الراي أخذ به جمهور العلماء وحكى أصل هذا المذهب عن علي وعمر وأبي هريرة والشافعي وأحمد في ظاهر الرواية عنه أدلة القائلين بالتفريق : أولا : من الكتاب قوله تعالى: {{ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان }} وقوله تعالى : {{ ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا }} ووجه الدلالة في الآية الأولى أن الله أمرنا بالإمساك بالمعروف وهو لا يتأتى مع الإعسار فيجب المصير إلي التسريح بالإحسان ، وذلك بالتفريق ، كما أن الآية الثانية نهت عن الإمساك ضررا وأي ضرر أشد علي المرأة في تركها بلا نفقة ، والمعسر إذا أمسك زوجته كان مضارة معتدية ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فعلى القاضي دفع العدوان بالتفريق بينهما .
ثانياً : في السنة : ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : {{ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول فقيل من أعول يا رسول الله قال امرأتك ممن تعول ، تقول اطعمني وإلا فارقني ، جاريتك تقول أطعمني واستعملني ، ولدك يقول إلي من تتركني }} .
وما روي عن سعيد بن المثيب رضي الله عنه في الرجل لا يجد ما ينفق عليه أهله قال يفرق بينهما قيل لسعيد سنه ، قال سنه ، والظاهر أنه أراد بذلك سنه رسول الله صلي الله عليه وسلم لا سنة عمر كما ذهب إليه البعض .
وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) ولا شك أن المرأة تتضرر ضرراً بليغاً ببقائها مع الزوج وهو معسر .
كما أن عمر رضي الله عنه كتب إلي أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بقية نفقتهن الماضية .
كما أن النفقة أيضا مقابل الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور فإذا لم تجب النفقة سقط الإستمتاع فوجب الخيار للزوجة ، كما أنه بالقياس علي الجب والعنة فقالوا إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء والضرر فيه اقل لأنه فقد لذة يقوم البدن بدونها ، ولأن البدن لا بقاء له بدون النفقة وإن كان يبقى بدون جماع .
ثانياً : مذهب الهادوية والحنفية :
يقولون أنه لا فسخ بالإعسار ، مستدلين بقوله تعالى : {{ وإن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها }} وقوله تعالى : {{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }} قالوا إذا لم يكلفه الله النفقة في هذا الحال فقد ترك ما لا يجب عليه ولا يأثم بتركه فلا يكون سببا للتفريق بينه وبين زوجته كما قال تعالى : {{ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة }}.
وقالوا غاية النفقة أن تكون ديناً في الذمة وقد أعسر بها فكأن المرأة مأموره بالأنظار بالنص .
وقد روي من حديث أبي الزبير عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم لما طلب أزواجه منه النفقة قام أبو بكر وعمر إلي عائشة وحفصة فوجا أعناقهما وكلاهما يقول أتسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده ، قالوا : فهذا أبو بكر وعمر يضربان بنتيهما بحضرته صلي الله عليه وسلم لما سألناه النفقة التي لا يجدوها فلو كان الفسخ لهما وهما طالبتان للحق لم يقر النبي صلي الله عليه وسلم الشيخين علي ما فعلا ، الأمر الذي يدل على أنه لاحق لهما في طلب النفقة حال الإعسار ، وإذا كان طلب النفقة في هذه باطلا فكيف تمكن المرأة من فسخ النكاح .
كما استدلوا : بأن الصحابة كان فيهم المعسر والموسر وكان معسرهم أضعاف أضعاف موسرهم فما مكن النبي صلي الله عليه وسلم امرأة قط من الفسخ بإعسار زوجها ولا أعلمها أن الفسخ حق لها ، كما أن المال غاد ورائح وقد جعل الله عقد النكاح ميثاقا غليظا فكيف يصح أن يوهن من شأنها بجعلها مرتبطة بقاء وزوالا بالغنى والفقر وهما مطيتان للعباد يفتقر الرجل حينا ويستغنى حينة فلو كان كل من افتقر فسخ نكاحه لعم البلاء وتفاقم الشر وفسخت أنكحة كثيرة وكان الفراق بين أكثر النساء ، فمن ذا الذي لم تصبه غسرة وتعوذه النفقة أحيانا .
فإثبات حق الفسخ بالإعسار خروج بهذه الصلة المتينة صلة السكن والمودة والرحمة عن وصفها وانحطاط بها إلي درك الشهوة المادية وقد شرعها الله صلة روحية وهذا يجعلها صلة تجارية لا وفاء فيها ولا مروءة
ما عليه القانون :
لقد ظلت المحاكم الشرعية تعمل بمذهب أبي حنفية حتى صدر القانون رقم 25 لسنة ۲۰ ونص في مواده من الرابعة حتى السادسة الحق للمرأة في طلب التطليق لعدم إنفاق زوجها عليها أو لإعساره وجعل هذا الطلاق الذي يصدر من القاضي طلاق رجعيا وقد ألحقت المادة الخامسة زوجة الغائب والمسجون بزوجة المر في أن لها الحق في طلب التطليق لعدم الاتفاق بشرط أن لا يكون لهما مال ظاهر تستطيع الزوجة أن تنفق منه على نفسها .
ونص المواد من الرابعة حتى السادسة مأخوذ من مذهب الإمام مالك غاية ما هناك أن المادة قد جاءت مطلقة في الإعسار ولكن المذهب قيد التطليق في حالة الإعسار بحالة ما إذا لم تعلم الزوجة عند العقد فقره فإذا علمت بفقر زوجها فلا خيار لها إلا في حالتين وهما إذا كان مشتهرة بالعطاء وانقطع أو كان معروفة بالتسول وأمتنع فيكون لها الخيار حينئذ .
كما أن موضوع نص المادة الخامسة مبني على الإعسار بالنفقة لأن الإعسار كما يتحقق بعجز الزوج عن الإنفاق على زوجته وهو حاضر يتحقق أيضا بغيبته وعدم تركه لزوجته ما تنفق منه وليس له مال ظاهر ، فالمعنى الذي أبيح بسيبه طلب التفرق من المعسر هو ذاته متحقق في الغائب المذكور ، لأن المضارة وعدم الإمساك بالمعروف المنهي عنها قد تواجدا في الغائب الذي له مال ظاهر ، كما في الحاضر الشعر بل إنه في الغائب أشد ضررا لما يصيب المرأة من الوحدة وفقد المؤنس زيادة على عدم وجود مال تنفق منه لذلك فهو أشد بكثير من عدم الإنفاق فحسب .
فمؤدي المادتين الرابعة والخامسة من القانون رقم 25 لسنة ۲۰ أن الأمر لا يخلو من أن يكون للزوج مال ظاهر أم لا فإذا كان الزوج مال ظاهر ، ورفعت الزوجة أمرها للقاضي طالبة الطلاق لعدم الإنفاق ، فإن علي القاضي أن ينفذ الحكم عليه بالنفقة في ماله سواء أكان الزوج حاضرة أم غائبة ، ويقوم مقام مال الزوج مال الكفيل بالنفقة إذا كان المال ظاهرا يمكن تنفيذ حكم النفقة فيه ، ولا محل لطلب التطليق حينئذ لعدم الإنفاق لاندفاع حاجتها وانتفاء الضرر بحصولها على النفقة .
وفي حالة ما إذا لم يكن للزوج مال ظاهر فلا يخلو الحال من أن يكون الزوج حاضرة أم غائبة ، فإذا كان حاضرا وصدر حكم عليه بالنفقة واصر علي عدم الإنفاق ، فلزوجته حق طلب التطليق فإذا رفعت الأمر إلي القاضي فلم يدع الزوج يسار، ولا إعارة أو ادعى الإعسار ولم يثبته بطريق من طرق الإثبات الشرعية طلق عليه القاضي في الحال بدون إمهال .
أما إذا ادعى الإعسار وأثبته بالبينة الشرعية أمهله القاضي مدة لا تزيد علي شهر فإن لم ينفق طلق عليه القاضي بعد ذلك ، أما إذا كان الزوج غائبة ولا مال له وكانت غيبته قريبة بأن كان في مكان يسهل وصول قرار المحكمة إليه ، وثبت لدى المحكمة غيبته و تركها بلا نفقة وعدم وجود مال ظاهر له أعذره القاضي وضرب له أجلا بحسب ما يراه مبینا له أنه سيطلق زوجته إذا لم يرسل لها ما تنفق منه أو لم يحضر للانفاق عليها ، فإذا انتهى الأجل المضروب ولم ينفذ قرار المحكمة طلقها عليه القاضي .
بعد أن يتحقق من وصول الإعلان للغائب ، ويقوم قلم الكتاب بتلك المهمة بإعلان الغائب بصورة من هذا القرار ( الاعذار ) أما إذا كان الزوج غيبته بعيدة لا يسهل الوصول إليه وعدم وجود مال ظاهر له طلقها القاضي عليه دون ضرب أجل وإعذار .
وكذلك الحكم فيما إذا غاب الزوج ولم يدر مكانه أي أنه مجهول المحل ، وأثبتت المدعية للمحكمة ، الزوجية والغيبة وعدم وجود مال ظاهر له وعدم العلم بالمكان طلقت المحكمة عليه دون ضرب أجل واعذار .
ويأخذ حكم ذلك أيضا المفقود الذي لم يترك لزوجته نفقة ولا مال ظاهر له، طلقت عليه دون ضرب أجل ولا إعذار .
أما إذا كان الزوج مسجونا ولا يوجد له مال ظاهر وأثبتت المدعية ذلك طلقت عليه بعد ضرب أجل والإعذار .
ويعتبر الزوج غائبا غيبة قريبة إذا كان بمكان يسهل وصول قرار المحكمة إليه بضرب الأجل في مدة لا تتجاوز التسعة أيام ويعتبر غائبا غيبة بعيدة من ليس كذلك، والطلاق الذي توقعه المحكمة لعدم الإنفاق كما ورد بنص المادة السادسة هو طلاق رجعي يجوز للزوج أن يراجعها فيها مادامت الزوجة في العدة وثبوت يساره . مراجعة الزوج لزوجته وجواز الرجوع مشروط بشرطين :
أولاً : ثبوت يساره بحيث يظن قدرته على استدامة الإنفاق على زوجته نفقة مثلها .
ثانياً :أن يراجعها في فترة العدة فإذا لم يتوافر الشرطان لم تصح الرجعة . ونص هذه المادة مأخوذ من مذهب الإمام مالك بأنه إذا أوقع الزوج الطلاق وحكم به الحاكم كان رجعية .
وقد جرى على أنه لا يكتفي بقول الزوج أنه على استعداد للإنفاق عليها بل لابد من أن يرفع إليها النفقة الحاضرة الواجبة عليه .
(الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 404 ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني والثلاثون ، الصفحة / 107
فُرْقَةٌ
التَّعْرِيفُ:
- الْفُرْقَةُ - بِضَمِّ الْفَاءِ - اسْمٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: الْمُبَايَنَةُ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْفَرْقِ بِمَعْنَى الْفَصْلِ، يُقَالُ: فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَرْقًا وَفُرْقَانًا: فَصَلَ بَيْنَهُمَا، وَافْتَرَقَ الْقَوْمُ فُرْقَةً: ضِدُّ اجْتَمَعُوا. وَالْفِرْقَةُ - بِالْكَسْرِ - جَمَاعَةٌ مُنْفَرِدَةٌ مِنَ النَّاسِ
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا انْحِلاَلَ رَابِطَةِ الزَّوَاجِ، وَالْفَصْلَ وَالْمُبَايَنَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِطَلاَقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ.
الأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الطَّلاَقُ:
- الطَّلاَقُ لُغَةً: الْحَلُّ وَرَفْعُ الْقَيْدِ، يُقَالُ: طَلُقَتِ الْمَرْأَةُ وَأُطْلِقَتْ: سُرِّحَتْ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَالْفُرْقَةِ هِيَ أَنَّ الطَّلاَقَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُرْقَةِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الطَّلاَقِ لأِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فَسْخًا.
ب - الْخُلْعُ:
- الْخَلْعُ - بِالْفَتْحِ - مَصْدَرٌ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: النَّزْعُ وَالإِْزَالَةُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْخُلْعُ - بِالضَّمِّ -: فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ بِلَفْظِ طَلاَقٍ، أَوْ خُلْعٍ.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْخُلْعِ وَبَيْنَ الْفُرْقَةِ هِيَ أَنَّ الْخُلْعَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُرْقَةِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الْخُلْعِ.
ج - الْفَسْخُ:
- الْفَسْخُ لُغَةً: النَّقْضُ وَالإِْزَالَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ حَلُّ رَابِطَةِ الْعَقْدِ، وَبِهِ تَنْهَدِمُ آثَارُ الْعَقْدِ وَأَحْكَامُهُ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفُرْقَةِ وَالْفَسْخِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ مِنْ وَجْهٍ، فَيَجْتَمِعَانِ فِي فَسْخِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الْفَسْخِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا كَمَا فِي الْفُرْقَةِ بِالطَّلاَقِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفُرْقَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَالْفَسْخِ فِي عُقُودِ الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 66
طَلَبُ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ عَدَمِ الإِْنْفَاقِ:
أ- إِذَا كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ حَاضِرًا مُوسِرًا وَلَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَسْتَوْفِيَ حَقَّهَا مِنْهُ وَلَيْسَ لَهَا حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ.
كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ وَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ فَلَهَا أَنْ تَبْقَى مَعَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَرْضَ زَوْجَتُهُ بِالْبَقَاءِ مَعَهُ فِي حَقِّهَا فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْلُ الأَْوَّلُ: لَيْسَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ التَّكَسُّبِ كَيْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرُهُمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِلُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ يَسَارُهُ فَتَدْخُلُ الزَّوْجَةُ فِي عُمُومِ هَذِهِ الآْيَةِ، وَتَكُونُ مَأْمُورَةً بِإِنْظَارِ الزَّوْجِ، وَلاَ يَحِقُّ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالطَّلاَقِ.
وَإِلَى مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لأَِحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأَذِنَ لأَِبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَوَجَدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا. قَالَ فَقَالَ: لأََقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: «هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ»، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلاَهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لاَ نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآْيَةُ: ) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ)، حَتَّى بَلَغَ ) لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا). قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَالَ. «يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لاَ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ» قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!! فَتَلاَ عَلَيْهَا الآْيَةَ قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَشِيرُ أَبَوِيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لاَ تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ. قَالَ: لاَ تَسْأَلْنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا. إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا». فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْأَلَ زَوْجَهَا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَلاَ يَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالطَّلاَقِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
وَلأِنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَلاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِعَجْزِهِ، قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ فَسْخِهِ بِالدَّيْنِ وَعَلَى الإِْعْسَارِ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: لِلْمَرْأَةِ حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِعَجْزِهِ عَنِ الإِْنْفَاقِ، فَإِنِ امْتَنَعَ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهَذَا التَّفْرِيقُ فَسْخٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَطَلاَقٌ رَجْعِيٌّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ.
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ) فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِإِمْسَاكِ الزَّوْجَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ التَّسْرِيحِ بِإِحْسَانٍ، وَعَدَمُ إِنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا تَفْوِيتٌ لِلإِْمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ، فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي وَهُوَ التَّسْرِيحُ بِالإِْحْسَانِ.
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ إِمَّا أَنْ يُفَارِقُوا وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِالنَّفَقَةِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ فَلْيَبْعَثْ بِنَفَقَةِ مَا تَرَكَ.
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ لاَ يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ، قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: قُلْتُ: سَنَةً؟ فَقَالَ: سَنَةً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنَّهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَلأِنَّ هُ إِذَا ثَبَتَ الْفَسْخُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوَطْءِ، وَالضَّرَرُ فِيهِ أَقَلُّ، فَلأََنْ يَثْبُتَ بِالْعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ الَّتِي لاَ يَقُومُ الْبَدَنُ إِلاَّ بِهَا أَوْلَى.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف 82 - 86).
ب- إِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَائِيًّا:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَلَبِ الْمَرْأَةِ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الْغَائِبِ، إِذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا مَالاً لِتُنْفِقَ مِنْهُ وَلَمْ يُوَكِّلْ أَحَدًا بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْلُ الأَْوَّلُ: لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ التَّفْرِيقَ لِذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ تَسْتَطِعِ الاِسْتِدَانَةَ عَلَيْهِ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِذَلِكَ: أَنْ تَثْبُتَ الزَّوْجِيَّةُ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ دَخَلَ بِهَا أَوْ دُعِيَ إِلَى الدُّخُولِ بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ بِحَيْثُ لاَ يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ، أَوْ عُلِمَ وَلَمْ يُمْكِنِ الإِْعْذَارُ إِلَيْهِ، وَأَنْ تَشْهَدَ لَهَا الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهَا لاَ تَعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلاَ كُسْوَةً وَلاَ شَيْئًا مِنْ مُؤْنَتِهَا، وَلاَ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهَا بِشَيْءٍ وَصَلَ إِلَيْهَا فِي عِلْمِهِمْ إِلَى هَذَا الْحِينِ.
ثُمَّ يَضْرِبُ الْقَاضِي لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَجَلاً حَسَبَ مَا يَرَاهُ: شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَقْدَمْ وَلَمْ يَبْعَثْ بِشَيْءٍ وَلاَ ظَهْرَ لَهُ مَالٌ وَدَعَتْ إِلَى النَّظَرِ لَهَا، فَإِنَّهَا تَحْلِفُ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ أَنَّهُ مَا رَجَعَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا الْمَذْكُورُ مِنْ مَغِيبِهِ الثَّابِتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ إِلَى حِينِ حَلِفِهَا وَلاَ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلاَ كُسْوَةً وَلاَ وَضَعَتْ ذَلِكَ عَنْهُ وَلاَ وَصَلَ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنْهُ إِلَى الآْنَ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي حَلِفُهَا طَلَّقَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَبَاحَ لَهَا التَّطْلِيقَ.
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى: مَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ، إِمَّا أَنْ يُفَارِقُوا وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِالنَّفَقَةِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ فَلْيَبْعَثْ بِنَفَقَةِ مَا تَرَكَ.
وَلأِنَّ هُ لَمَّا تَعَذَّرَ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ أَوْ بِالاِسْتِدَانَةِ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ بِالْفَسْخِ كَحَالِ الإِْعْسَارِ.
وَلأِنَّ فِي عَدَمِ الإِْنْفَاقِ ضَرَرًا يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ بِالْفَسْخِ فَكَانَ لَهَا حَقُّ طَلَبِهِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْحَقُّ فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ. لأِنَّ الْفَسْخَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُ الزَّوْجِ لِغَيْبَتِهِ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَالِهِ.
أَمَّا إِذَا ثَبَتَ الإِْعْسَارُ تَوَلَّى الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ يَأْذَنُ لَهُ أَمْرَ التَّفْرِيقِ بِطَلَبِهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ لأِنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ مُجْتَهَدٌ فِيهَا فَافْتَقَرَتْ إِلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ كَالْفَسْخِ بِالْعُنَّةِ.
فَإِذَا حَضَرَ الزَّوْجُ مِنْ سَفَرِهِ وَغَابَ مَالُهُ فَقَدْ فَصَّلَ الشَّافِعِيَّةُ الْقَوْلَ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ غَائِبًا مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ كَانَ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخُ وَلاَ يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ لِلضَّرَرِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا بِنَحْوِ اسْتِدَانَةٍ، وَإِلاَّ فَلاَ فَسْخَ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ لأِنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَضَرِ وَيُؤْمَرُ بِالإِْحْضَارِ عَاجِلاً.
وَإِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ مَدِينٌ غَائِبٌ مُوسِرٌ وَكَانَ لَهُ مَالٌ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَفِي حَقِّ طَلَبِ الْفَسْخِ لَهَا وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا عَدَمُ الْفَسْخِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَدِينٌ حَاضِرٌ وَلَهُ مَالٌ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَ مَالُ الزَّوْجِ غَائِبًا.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِعَجْزِ الزَّوْجِ عَنِ النَّفَقَةِ غَائِبًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا.