الولى شرط لصحة نكاح الصغير والصغيرة ومن يلحق بهما من الكبار وغير المكلفين وليس الولى شرطاً لصحة نكاح الحر والحرة العاقلين البالغين بل ينفذ نكاحهما بلا ولى .
الولى شرط لصحة نكاح الصغير والصغيرة ومن يلحق بهما من الكبار وغير المكلفين وليس الولى شرطاً لصحة نكاح الحر والحرة العاقلين البالغين بل ينفذ نكاحهما بلا ولى .
1 ـ إن الراجح فى المذهب الحنفى وفقاً لرأى أبى حنيفة وأبى يوسف أنه إذا تزوجت المرأة البالغة العاقلة بدون إذن وليها فإن العقد يكون صحيحاً سواء كانت بكراً أم ثيباً ، ويكون نافذاً ولازماً متى تزوجت بكفء على صداق مثلها أو أكثر ، رضى الولى أو لم يرضى ، وإذا تزوجت من غير كفء بمهر المثل أو من كفء على مهر أقل من مهر مثلها ، ولم يكن وليها قد رضى بذلك فالعقد غير لازم بالنسبة لوليها فله حق الاعتراض على الزواج ، وطلب فسخه أمام القضاء ، فإذا أثبت ذلك فإنه يقضى بفسخ العقد مراعاة لحق الولى العاصب إلا إذا رضى بالزواج أو لم يعترض عليه .
(الطعن رقم 463 لسنة 73 جلسة 2005/04/23 س 56 ص 400 ق 71)
2 ـ الراجح فى المذهب الحنفي وفقا لرأى أبى حنيفة وأبى يوسف أنه إذا تزوجت المرأة البالغة العاقلة بدون إذن وليها فإن العقد يكون صحيحاً سواء كانت بكرا أم ثيبا، و يكون نافذا ولازما متى تزوجت بكفء على صداق مثلها أو أكثر، رضي الولي أو لم يرض، وإذا تزوجت من غير كفء بمهر المثل أو من كفء على مهر أقل من مهر مثلها ولم يكن وليها قد رضي بذلك، فالعقد غير لازم بالنسبة لوليها، فله حق الاعتراض على الزواج وطلب فسخه أمام القضاء، فإذا أثبت أن زوجها غير كفء لها فيما تعتبر فيه الكفاءة فى الزواج من حيث النسب والدين والحرية والمال والحرفة، أو أثبت الولي أن مهرها ينقص عن مهر مثلها بما لا يتغابن فيه الناس، فإنه يقضى بفسخ العقد مراعاة لحق الولي العاصب إلا إذا رضي بالزواج أو لم يعترض عليه حتى ظهر الحمل على الزوجة أو ولدت ، فعندئذ يسقط حقه فى الاعتراض لأجل المحافظة على الولد حتى لا يضيع بالتفريق بين والديه، ولا يكون له حق الاعتراض إذا أكمل الزوج الكفء المهر إلى مهر المثل بعد العقد.
(الطعن رقم 194 لسنة 64 جلسة 1998/10/19 س 49 ع 2 ص 611 ق 149) .
الولاية على الزواج
من تثبت عليه هذه الولاية : قدمنا في شروط الزواج أن فاقد الأهلية وهو الصغير غير المميز والمجنون لا ينعقد زواجه بنفسه وإنما الذي يزوجه وليه ، وأن ناقص الأهلية وهو الصغير المميز والمعتوه والرقيق المملوك لا ينفذ. زواجه بنفسه وإنما يتوقف على إذن وليه أو إجازته .
فمن هذا يؤخذ أن فاقد الأهلية وناقصها تثبت لغيرهما عليهما ولاية التزويج وهي التي تسمى الولاية على النفس ، فلمن له الولاية عليهما أن يزوجهما وينفذ عليهما تزويجه جبرا عنهما ولذا عرف الفقهاء الولاية بأنها تنفيذ القول على الغير جبرا عنه . ولیس لواحد منهما الولاية على نفسه، لأن فقد أهليته أو نقصها سلبه ولايته على نفسه .
والحكمة في هذا أن الزواج عقد له خطره وشأنه لما يترتب عليه من حقوق و آثار، ووجه المصلحة فيه لا يدركها أصلا فاقد الأهلية، ولا يستقل بفهمها ناقصها، وقد تدعو الحاجة إلى زواج واحد منهما لجلب منفعة أو دفع مضرة فدفعا لما قد يطرأ من هذه الحاجات ، وتلافية لما قد يلحق فاقد الأهلية أو ناقصها من مباشرته بنفسه زوجية لا مصلحة لهما فيها جعلت ولاية تزويجهما للولى عليهما اليقدر برأيه ونظره وشفقته ما فيه المصلحة ويباشر ما يراه خيرا لهما وتقوم إرادته ورضاه مقام إرادة المولى عليه ورضاه . وبهذا يجمع بين دفع الحاجة وتلافي الضرر كما جعلت الولاية على مالهما للولى المالى تحقيقا لهذه الحكمة .
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 59 )
شروط لزوم الزواج
تعريف:
المقصود بلزوم الزواج، دوامه واستقراره دون أن يكون لأحد - سواء من المتعاقدين أو غيرهما -حق الاعتراض عليه وفسخه.
وعقد الزواج في أصله عقد لازم، لأن المقاصد الشرعية التي نيطت به لا يمكن تحققها إلا بلزومه، ولكن عقد الزواج عند إنشائه قد لا تتوافر فيه كل عناصر الرضا الصحيح، فيكون للعاقد الذي لم يكن رضاه على أساس صحيح حق فسخ العقد - كما قد يثبت هذا الحق للولي وليس للعاقد.
فالعقد هنا قد ينشأ صحيحا وتترتب آثاره، ومع ذلك يكون غير لازم لثبوت الحق في فسخه.
وأسباب الفسخ جميعها ترجع إلى وجود عيب من عيوب الرضا.
وتجب التفرقة بين الطلاق والفسخ. فالطلاق إنهاء الأحكام العقد، أما الفسخ فهو نوعان: أحدهما: ما كان سبب الفسخ فيه أمرا يتصل بإنشاء العقد كالفسخ بخيار البلوغ أو خيار الإفاقة أو لعدم الكفاءة على رأي. وهذا النوع ينقض العقد من أساسه فيعتبر كأن لم يكن. وثانيهما: ما كان لعارض يمنع بقاء الزواج كالفسخ بردة أحد الزوجين أو إباء الزوج عن الإسلام بعد إسلام الزوجة. والطلاق ليس فسخا بالمعنى الأول لأنه ينهى العقد ولا يرفعه من أساسه.
شروط اللزوم :
شروط لزوم عقد الزواج في المذهب الحنفي هي:
1- ألا يكون الولى الذي زوج فاقد الأهلية أو ناقصها غير الأب والجد والابن، سواء كان التزويج بالكفء، ومهر المثل أم لا، إذ يجوز لفاقد الأهلية أو ناقصها ذكرا أو أنثى فسخ العقد بخيار البلوغ أو بخيار الإفاقة بحسب الأحوال، إذا كان الولي الذي تولى التزویج غير الأب والجد والابن.
2- ألا تزوج المرأة العاقلة البالغة نفسها من غير رضا وليها، وكان الزواج من كفء، ولكن بأقل من مهر المثل، فإنه عند أبي حنيفة خلافا لأبي يوسف، يكون العقد غير لازم وللولى العاصب حق طلب الفسخ إلى أن يرفع المهر إلى مهر المثل.
3- ألا يشوب العقد تغرير فيما يتعلق بالكفاءة، فإذا انتسب الزوج إلى غير نسبه فتزوجته المرأة بناء على ذلك، ثم تبين حقيقة نسبه وأنه دونها نسبا وليس كفئا لها من جهة النسب فالعقد غير لازم ولها حق الفسخ، كما يثبت هذا الحق لأوليائه لأنه يتعيرون بأن ينتسب إليهم بالمصاهرة من لا يساويهم نسبا.
وإذا كان التغرير في النسب لا يؤدي إلى نقص الكفاءة ولكنها لا ترضاه بهذا النسب فلها الفسخ لأن الرضا لم يكن على أساس صحيح.
الولاية في الزواج
المقصود بالولاية:
الولاية هي القدرة على إنشاء العقود والتصرفات نافذة من غير توقف على إجازة أحد.
والولاية قسمان:
ولاية على النفس، وهي في الزواج، القدرة على إنشاء عقد الزواج نافذا من غیر توقف على إجازة أحد.
وولاية على المال، وهي القدرة على إنشاء العقود والتصرفات المتعلقة بالأموال، نافذة من غير توقف على إجازة أحد.
والولاية على النفس تنقسم إلى نوعين :
ولاية قاصرة، وولاية متعدية.
والولاية القاصرة هي قدرة الإنسان على إنشاء العقد لنفسه وتنفيذ أحكامه.
والولاية المتعدية هي قدرة الإنسان على إنشاء العقد لغيره.
والولاية المتعدية تنقسم إلى قسمين:
ولاية إجبار: وهي الولاية على الصغير والصغيرة بكرا أو ثيبا ومن يلحق بهما من الكبار غير كامل الأهلية.
وولاية ندب أو أستحباب أو اختيار عند جمهور الحنفية - أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف في ظاهر الرواية – وهي الولاية على البالغة العاقلة بكرا أو ثيبا.
وولاية مشاركة عند جمهور الفقهاء وهي الولاية على الثيب العاقلة البالغة، وولاية إجبار عند الشافعية والمالكية وأحمد في رواية على البكر البالغة العاقلة.
وتتولى دراسة الولاية في الزواج بالتفصيل على النحو الآتي:
الولاية القاصرة على النفس :
الولاية القاصرة على النفس - كما ذكرنا سلفا - هي قدرة الإنسان على إنشاء العقد لنفسه وتنفيذ أحكامه. ولا خلاف بين الفقهاء في ثبوت الولاية على النفس للرجل البالغ العاقل، فله أن يزوج نفسه من يشاء، وزواجه نافذ، وليس لأحد أن يعترض عليه.
أما المرأة البالغة العاقلة، فقد أختلف في ولايتها في تزويج نفسها.
فذهب جمهور الأحناف - أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف في ظاهر الرواية - إلى ثبوت الولاية لها في تزويج نفسها - سواء كانت بكرا أو ثيبا ويكون عقدها صحيحا، إلا أنه يستحب أن يقوم وليها بمباشرة العقد نيابة عنها، صونا لها عن التبذل إذا هي تولت العقد بمجلس الرجال، فذلك ما يخالف التقاليد المرعية ويعرض تصرف المرأة للاستتکار.
وليس لوليها العاصب الاعتراض على زواجها إلا في حالات معينة - سيرد ذكرها في موضعها من الكتاب - وهذه الولاية تسمي ولاية ندب أو ولاية استحباب أو ولاية اختيار.
وهذه الولاية في حقيقتها توكيل من المرأة للولى في عقد زواجها لأن الولى يباشر عقد زواج المرأة كاملة الأهلية باعتباره وكيلا عنها وإنما سمي وليا لما له من القرابة.
وقد استدل جمهور الحنفية على رأيهم بما يأتي:
1- دليل عقلي: وهو أن المرأة البالغة العاقلة إذا زوجت نفسها بنفسها فإنها تكون قد تصرفت في خالص حقها، وهي من أهل التصرف. وقد اتفق الفقهاء على أن لها حق التصرف في مالها، أما حق وليها العاصب في المهر فيكفله اشتراط أن يكون مهرها مهر المثل حتى يكون العقد لازما، وحقه في الكفاءة، يكفله اشتراط أن تكون قد زوجت نفسها من كفء لها، وإلا كان العقد أيضا عقد لازم.
2- الكتاب والسنة: فقد استدلوا على أن هناك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما أسند فيها عقد الزواج إلى المرأة، والأصل في إسناد الشيء وإضافته إلى شخص، أن يكون مختصا به ومالكا له، إلا أن يقوم الدليل على خلافه.
ومن هذه الآيات القرآنية: قوله تعالى:
1- (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ)، فإن المفهوم من الآية النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن يفعله دون أوليائهن، وليس هنا شيء يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح.
۲-(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ).
٣- (حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ).
ومن الأحاديث النبوية قول النبي عليه السلام: «الأيم أحق بنفسها من وليها»
والأيم المرأة التي لا زوج لها، بكرا أو ثيبا.
ونشير إلى ما ذكرناه سلفا من أن بلوغ الفتى يتحقق بالاحتلام مع الإنزال أو الإحبال أو الإنزال لأي سبب، وبلوغ الفتاة يتحقق بالحيض أو الاحتلام مع الإنزال أو الحبل.
والحد الأدنى للبلوغ اثنتا عشر سنة الفتى وتسع سنين للبنت طبقا لرأي الصاحبين المفتي به. وتحسب السن طبقا للتقويم الهجري.
الولاية المتعدية :
الولاية المتعدية هي قدرة الإنسان على إنشاء عقد الزواج نافذا لغيره.
وتنقسم هذه الولاية عند جمهور الحنفية إلى قسمين:
ولاية إجبار وولاية ندب أو استحباب أو اختيار.
وولاية الإجبار: هي التي يكون للولي الحق في أن يزوج من له الولاية عليه بمن يختاره الولى - سواء رضى المولى عليه بذلك أو لم يرض، فالولی هنا يستبد بعقد الزواج، وهذه الولاية تعتبر ولاية كاملة.
وولاية الندب أو الاستحباب أو الاختيار: هي التي يكون فيها للمرأة البالغة العاقلة أن تعقد زواجها بنفسها وبناء على اختيارها. وإنما يندب أو يستحب أن تترك لوليها عقد الزواج نيابة عنها.
أما عند جمهور الفقهاء فهي ولاية مشاركة على الثيب البالغة العاقلة، وولاية إجبار - عند الشافعية والمالكية وأحمد في رواية - على البكر البالغة العاقلة.
وقد سبق أن تناولنا بالشرح النوع الأخير من الولاية، ونتناول فيما يلي النوع الأول وهو ولاية الإجبار.
من تثبت عليه ولاية الإجبار؟
تثبت ولاية الإجبار عند الحنفية ومعهم جمهور الفقهاء على الصغير والصغيرة والمجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة.
وهذه الولاية، ولاية إجبار فالولى هو الذي يتولى تزويج هؤلاء دون إشراك المولى عليه في ذلك. وقد قدمنا أن عقد زواج عديم الأهلية باطل و عقد زواج ناقص الأهلية موقوف حتى يجيزه الولي.
وعلة ثبوت الولاية - عند الحنفية - على الصغير والصغيرة هي الصغر، إذ الصغر هو سبب العجز عن اختيار الزوج الملائم، وبناء على ذلك لا تثبت هذه الولاية على البكر العاقلة البالغة، ومن باب أولى لا تثبت على الثيب البالغة، ولكن تثبت على الثيب الصغيرة لوجود العلة وهي الصغر - ولا شأن للبكارة والثيوبة في هذا.
أما الشافعي ومالك وأحمد في رواية، فمذهبهم أن العلة في ثبوت الولاية على الصغير هي الصغر، أما بالنسبة للصغيرة فالعلة في ثبوتها هي البكارة فطالما بقيت البكارة استمرت الولاية ولو بلغت المرأة، وإذا زالت البكارة ولو قبل بلوغها زالت الولاية، وذلك لأن البكر لا تعرف مصالح النكاح ولا تدرك التفاوت بين الأزواج، وفهم الرجال، وقد انبني على هذا الرأي، أن الصغيرة إذا زوجت، ثم طلقت أو مات عنها زوجها قبل أن تبلغ، امتنع تزويجها حتى تبلغ وتستشار في نفسها.
أما بالنسبة للولاية على المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة، فعلتها - باتفاق - هو ضعف العقل الذي هو سبب العجز عن تولى عقد الزواج وإدراك المصلحة المرجوة منه.
وقد أصبحت مسألة الولاية في الزواج في مصر قليلة الأهمية، بعد أن نصت المادة ۳۱ مكررا من القانون رقم 143 لسنة 1994 في شأن الأحوال المدنية المضافة بالقانون رقم 126 لسنة 2008 في فقرتها الأولى على أنه لا يجوز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة. إذ أصبحت الولاية في الزواج لا تثور إلا في حالة زواج المجانين والمعتوهين لأن الولى هو الذي يتولى زواجهم، أو حالة زواج الصغار زواجا عرفيا سواء كان شفهيا أو ثابتا بمحرر عرفي.
رضا المرأة بالزواج
إذا كانت المرأة صغيرة، بكرا أو ثيبا فإنه لا يلزم - كما سلف بيانه - رضاها بالزواج، لثبوت ولاية الإجبار عليها.
أما إذا كانت المرأة بالغة بكرا أو ثيبا، فهي التي تتولى عقد زواجها بنفسها- عند الأحناف - إلا أنه يستحب أن يتولى الولي تزويجها.
وقد أفتت دار الإفتاء بتاريخ 3 / 4 / 1989 بأن:
«... لما كان ذلك وكان عقد الزواج الذي تباشره المرأة بنفسها أصيلة عن نفسها أو وكيلة عن غيرها صحيحا شرعا متى كانت هذه المرأة بالغة عاقلة طبقا الأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة الذي عليه العمل بالمحاكم الشرعية، وهو لازم على الأولياء متى كان الزوج كفئا وكان المهر مهر المثل أما بالنسبة للنص الوارد في الحديث الشريف لا نکاح إلا بولي وشاهدي عدل الذي رواه أبو داود وغيره، فالمراد به نفي الكمال لا نفى الصحة، وتحمل الولاية في الحديث على الندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب، أي يستحب للمرأة تفويض أمرها إلى وليها كيلا تنسب إلى الوقاحة، وهي في الحقيقة ولاية وكالة، والله سبحانه وتعالى أعلم».
وعلى ذلك يجب رضا المرأة البالغة بكرا أو ثيبا بالزواج ل والتعبير عن الرضا يختلف فيما إذا كانت المرأة بكرا أو ثيبا.
والمقصود بالبكر، المرأة التي لم توطأ أي لم يدخل بها سواء أتزوجت وفارقت الزوج قبل الدخول، أم لم تتزوج. وسواء أبقيت عذريتها أم زالت بغير الوطء كوثبة أو حيض أو جراحة أو تعنيس، أم لم تكن لها عذرة بأصل الخلقة وهذا نادر .
والبكر التي زالت بكارتها بالزنا إذا لم تحد أو لم يتكرر منها الزنا فهي عند أبي حنيفة بكر حكما، فتزوج كما يزوج الأبكار سترا عليها.
أما المقصود بالثيب فهي من زالت بكارتها بدخول في زواج صحيح أو فاسد أو بشبهة، وكذلك من زالت بكارتها بالزنا وحدت أو تكرر منها الزنا عند أبي حنيفة.
ورضا البكر بالزواج لا يلزم أن يكون صريحا، لأن البكر يغلب عليها الحياء وتستحي عادة من التصريح بموافقتها على الزواج. فيعتبر سكوتها عند أخذ رأيها في الزواج رضا به لقول الرسول عليه السلام: «الثيب أحق من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» وفي رواية: «والبكر يستأمرها أبوها»، وفي رواية «الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها».
كما يعتبر رضا منها بالزواج تبسمها، أو بكاؤها بلا صوت لأن ذلك تعبير عن حزنها لمفارقة أهلها، أما إذا ضحكت استهزاء أو بكت بصياح كان ذلك رفضا.
ومحل اعتبار السكوت وما يشابهه رضا أن يكون الولي الذي استأمرها هو وليها الأقرب الذي له الولاية الفعلية عليها بنفسه أو بواسطة رسول منه، أما لو استأذنها ولی بعید مع وجود من هو أقرب منه لم يدل سكوتها أو ما يشابهه على الرضا بالزواج ولا يكتفي به، ولابد حينئذ من التصريح بالرضا، لأنه يحتمل أن يكون سكوتها مثلا لعدم التعويل على استئذان ذلك الولى البعيد الذي غيره أحق منه بالاستئذان.
أما الثيب فلا يعرف رضاها بالزواج إلا بالموافقة الصريحة إما بالقول كقولها: (نعم) أو (رضيت) أو (بارك الله لنا) أو (أحسنت) أو بالدلالة، كأن تطلب المهر أو النفقة أو تقبل التهنئة والعلة في ذلك أن الثيب قد مارست الرجال وقل حياؤها بهذه الممارسة، فلا تخجل في إبداء رغبتها صراحة في الزواج.
ورضا المرأة بالزواج كما يكون قبل العقد، يكون أيضا بعده، فإذا لم يستأذن الولى المرأة في زواجها قبل العقد، ثم أجازته المرأة بعد العقد نفذ الزواج. (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 121)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي عشر ، الصفحة / 252
مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الْحُرَّ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ الرَّشِيدَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يُبَاشِرَ عَقْدَ النِّكَاحِ دُونَ إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ؛ لِمَا لَهُ مِنْ حُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ. كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي تَزْوِيجِهِ، وَأَنْ يُزَوِّجَ غَيْرَهُ بِالْوِلاَيَةِ أَوِ الْوَكَالَةِ.
أَمَّا الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ فَلاَ وِلاَيَةَ لَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُهُمَا الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا، أَوِ الْوَصِيُّ عَلَيْهِمَا. وَلاَ يَجُوزُ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ النِّكَاحِ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا.
وَالسَّفِيهُ لاَ يَصِحُّ لَهُ الزَّوَاجُ بِدُونِ إِذْنِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلاَ إِذْنِ وَلِيِّهِ، وَأَنْ يُبَاشِرَ الْعَقْدَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأِنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَالِيٍّ فَصَحَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْمَالُ، فَحُصُولُهُ بِطَرِيقِ الضِّمْنِ، فَلاَ يَمْنَعُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْدِ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي تَزْوِيجِ الْقَيِّمِ لِلسَّفِيهِ: إِنْ تَزَوَّجَ صَحَّ النِّكَاحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لاَ يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ.
وَالْوِلاَيَةُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وِلاَيَةُ إِجْبَارٍ، فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهُمَا، بِدُونِ إِذْنِهِمَا، إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ. وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ.
لَكِنِ الاِخْتِلاَفُ فِيمَنْ لَهُ وِلاَيَةُ الإْجْبَارِ، هَلِ الأْبُ فَقَطْ أَوِ الأْبُ وَالْجَدُّ، أَوِ الأْبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ أَوْ غَيْرُهُمَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (وِلاَيَةٌ).
تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا:
الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ الْحُرَّةُ الرَّشِيدَةُ لاَ يَجُوزُ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهَا لاَ تُبَاشِرُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا يُبَاشِرُهُ الْوَلِيُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِحَدِيثِ «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ»وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لاَ تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلاَ تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا».
وَلاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ غَيْرَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا. وَقَالُوا: الْبِكْرُ يُجْبِرُهَا الْوَلِيُّ عَلَى النِّكَاحِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِذْنُهَا. أَمَّا الثَّيِّبُ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا حَتَّى تَبْلُغَ، وَتُسْتَأْذَنَ. وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ بَطَّةَ وَالْقَاضِي. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ لأَِبِيهَا تَزْوِيجَهَا، وَلاَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَأْمِرَهَا، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ. وَالْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الصِّغَرُ، وَلِذَلِكَ لَهُ وِلاَيَةُ إِجْبَارِهَا.
أَمَّا الثَّيِّبُ الْكَبِيرَةُ - فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَلِي عَقْدَ نِكَاحِهَا بِنَفْسِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ - إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِدُونِ إِذْنِهَا وَرِضَاهَا لِمَا «رَوَتْ الْخَنْسَاءُ بِنْتُ خِذَامٍ الأْنْصَارِيَّةُ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَدَّ نِكَاحَهُ».وَلِحَدِيثِ «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِجْبَارُ الْبَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ بِكْرًا كَانَتْ أَمْ ثَيِّبًا،وَلَهَا أَنْ تَعْقِدَ النِّكَاحَ بِنَفْسِهَا. فَفِي الْهِدَايَةِ: يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ بِرِضَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَلِيٌّ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا. وَوَجْهُ الْجَوَازِ: أَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِكَوْنِهَا عَاقِلَةً بَالِغَةً مُمَيِّزَةً، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الْوَلِيُّ بِالتَّزْوِيجِ كَيْ لاَ تُنْسَبَ إِلَى الْوَقَاحَةِ.
وَالثَّيِّبُ مِنْ بَابِ أَوْلَى إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً، فَإِنَّهَا تَعْقِدُ عَلَى نَفْسِهَا. أَمَّا الصَّغِيرَةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا فَلِوَلِيِّهَا إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ؛ لأِنَّ وِلاَيَةَ الإْجْبَارِ تَدُورُ مَعَ الصِّغَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ فَلِلْوَلِيِّ إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ مُطْلَقًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ.
وَفِي كُلِّ مَا مَرَّ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (نِكَاحٌ - وِلاَيَةٌ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والثلاثون ، الصفحة / 321
غَيْبَةُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ:
لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ بِرِضَاهَا - وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَلِيٌّ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَيُرَاعَى فِي النِّكَاحِ وِلاَيَةُ الأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا غَابَ الأَْقْرَبُ.
فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا زُفَرَ - وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الأَْقْرَبُ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً جَازَ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ أَنْ يُزَوِّجَ دُونَ السُّلْطَانِ. لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ» وَهَذِهِ لَهَا وَلِيٌّ، كَمَا قَالَ الْبُهُوتِيُّ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ وِلاَيَةٌ نَظَرِيَّةٌ. وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ التَّفْوِيضُ إِلَى مَنْ لاَ يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ؛ لأَِنَّ التَّفْوِيضَ إِلَى الأَْقْرَبِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ أَقْرَب، بَلْ لأَِنَّ فِي الأَْقْرَبِيَّةِ زِيَادَةَ مَظِنَّةٍ لِلْحِكْمَةِ، وَهِيَ الشَّفَقَةُ الْبَاعِثَةُ عَلَى زِيَادَةِ إِتْقَانِ الرَّأْيِ لِلْمُوَلِّيَةِ. فَحَيْثُ لاَ يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ أَصْلاً سُلِبَتْ إِلَى الأَْبْعَدِ كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، فَإِذَا غَابَ الأَْبُ مَثَلاً زَوَّجَهَا الْجَدُّ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ، كَمَا إِذَا مَاتَ الأَْقْرَبُ.
وَقَالَ زُفَرُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الأَْبْعَدُ فِي غِيَابِ الأَْقْرَبِ؛ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْقْرَبِ قَائِمَةٌ؛ لأَِنَّهَا ثَبَتَتْ حَقًّا لَهُ صِيَانَةً لِلْقَرَابَةِ، فَلاَ تَبْطُلُ بِغَيْبَتِهِ.
وَحَدُّ الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لاَ تَصِلُ إِلَيْهَا الْقَوَافِلُ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ، وَقِيلَ: أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ؛ لأَِنَّهُ لاَ نِهَايَةَ لأَِقْصَاهُ، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ بِحَالٍ يَفُوتُ الْخَاطِبُ الْكُفْءُ بِاسْتِطْلاَعِ رَأْيِ الْوَلِيِّ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْغَيْبَةَ الْمُنْقَطِعَةَ هِيَ مَا لاَ تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، قَالَ الْبُهُوتِيُّ نَقْلاً عَنِ الْمُوَفَّقِ: وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ. فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ وَلاَ تَوْقِيفَ، وَتَكُونُ الْغَيْبَةُ الْمُنْقَطِعَةُ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لأَِنَّ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ.
وَقَالُوا: إِنْ كَانَ الأَْقْرَبُ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ لاَ يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ أَوْ تَتَعَذَّرُ فَزَوَّجَ الأَْبْعَدُ صَحَّ، لأَِنَّهُ صَارَ كَالْبَعِيدِ، كَمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الأَْقْرَبُ غَائِبًا لاَ يُعْلَمُ مَحَلُّهُ أَقَرِيبٌ هُوَ أَمْ بَعِيدٌ؟ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُجْبِرَ الأَْقْرَبَ إِذَا كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً زَوَّجَ الْحَاكِمُ ابْنَةَ الْغَائِبِ الْمُجْبَرَةِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا فِي غَيْبَةٍ قَرِيبَةٍ، لاَ لِلْحَاكِمِ وَلاَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ وَبِدُونِ تَفْوِيضِهِ، حَتَّى إِنَّهُمْ قَالُوا: يُفْسَخُ النِّكَاحُ أَبَدًا إِذَا زَوَّجَ الْحَاكِمُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، وَلَوْ أَجَازَهُ الْمُجْبِرُ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَلَوْ وَلَدَتِ الأَْوْلاَدَ.
وَهَذَا - أَيْ تَحَتُّمُ الْفَسْخِ - إِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ جَارِيَةً عَلَيْهَا. وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا الْفَسَادَ، وَكَانَتِ الطَّرِيقُ مَأْمُونَةً، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ إِضْرَارُهُ بِهَا بِغَيْبَتِهِ بِأَنْ قَصَدَ تَرْكَهَا مِنْ غَيْرِ زَوَاجٍ، فَإِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ كَتَبَ لَهُ الْحَاكِمُ: إِمَّا أَنْ تَحْضُرَ تَزَوُّجَهَا أَوْ تُوَكِّلَ وَكِيلاً يُزَوِّجُهَا، وَإِلاَّ زَوَّجْنَاهَا عَلَيْك، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَلاَ فَسْخَ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَالِغَةً أَوْ لاَ.
وَحَدُّ الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَسَافَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ذَهَابًا، وَحَدُّ الْبَعِيدَةِ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ عَلَى اخْتِلاَفِ الْقَوْلَيْنِ.
أَمَّا الْغَيْبَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدَّيْنِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمُهُ كَمَا قَالَ الدُّسُوقِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَبْقَى الْكَلاَمُ فِي النِّصْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ، وَيُلْحَقُ بِالْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ فَيُفْسَخُ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي غِيَابِ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ. أَمَّا غَيْبَةُ الْوَلِيِّ غَيْرِ الْمُجْبِرِ الأَْقْرَبِ، فَحَدُّهَا الثَّلاَثُ فَمَا فَوْقَهَا، فَإِذَا غَابَ غَيْبَةً مَسَافَتُهَا مِنْ بَلَدِ الْمَرْأَةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا، وَدَعَتْ لِكُفْءٍ. وَأَثْبَتَتْ مَا تَدَّعِيهِ مِنَ الْغَيْبَةِ وَالْمَسَافَةِ وَالْكَفَاءَةِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُهَا لاَ الأَْبْعَدُ، فَلَوْ زَوَّجَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْبْعَدُ صَحَّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ غَابَ الْوَلِيُّ الأَْقْرَبُ نَسَبًا أَوْ وَلاَءً إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ وَلاَ وَكِيلَ لَهُ بِالْبَلَدِ، أَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، زَوَّجَ سُلْطَانُ بَلَدِ الزَّوْجَةِ أَوْ نَائِبُهُ، لاَ سُلْطَانُ غَيْرِ بَلَدِهَا، وَلاَ الأَْبْعَدُ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْغَائِبَ وَلِيٌّ، وَالتَّزْوِيجُ حَقٌّ لَهُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ نَابَ عَنْهُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: يُزَوِّجُ الأَْبْعَدُ كَالْجُنُونِ. قَالَ الشَّيْخَانِ: وَالأَْوْلَى لِلْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ لِلأَْبْعَدِ أَنْ يُزَوِّجَ، أَوْ يَسْتَأْذِنَهُ فَيُزَوِّجَ الْقَاضِي لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ. أَمَّا فِيمَا دُونَ الْمَرْحَلَتَيْنِ فَلاَ يُزَوِّجُ إِلاَّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ فِي الأَْصَحِّ؛ لِقِصَرِ الْمَسَافَةِ، فَيُرَاجَعُ لِيَحْضُرَ أَوْ يُوَكِّلَ كَمَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا، وَمُقَابِلُ الأَْصَحِّ: يُزَوِّجُ؛ لِئَلاَّ تَتَضَرَّرَ بِفَوَاتِ الْكُفْءِ الرَّاغِبِ كَالْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الأَْوَّلِ لَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ لِفِتْنَةٍ أَوْ خَوْفٍ جَازَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُزَوِّجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لِغَيْبَةِ وَلِيِّهَا ثُمَّ قَدِمَ وَقَالَ: كُنْتُ زَوَّجْتُهَا فِي الْغَيْبَةِ، قُدِّمَ نِكَاحُ الْحَاكِمِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 246
انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِالنِّيَابَةِ:
الْمُرَادُ بِانْعِقَادِ النِّكَاحِ بِالنِّيَابَةِ هُوَ التَّوْكِيلُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ إِذْ أَنَّ النِّيَابَةَ وَالْوِكَالَةَ مُتَسَاوِيَانِ وَقِيلَ: إِنَّ النِّيَابَةَ أَعَمُّ لاِنْفِرَادِهَا فِيمَا إِذَا وَلَّى الْحَاكِمُ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا فَهُوَ نَائِبٌ عَمَّنْ وَلاَّهُ وَلَيْسَ وَكِيلاً.
وَقَالَ الْكَاسَانِيُّ: النِّكَاحُ كَمَا يَنْعَقِدُ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ يَنْعَقِدُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ بِالْوَكَالَةِ وَالرِّسَالَةِ لأِنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ كَتَصَرُّفِ الْمُوَكِّلِ.
وَحُكْمُ التَّوْكِيلِ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا وَرَدَ عَنْ «أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ ابْنِ جَحْشٍ فَهَلَكَ عَنْهَا، وَكَانَ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - وَهِيَ عِنْدَهُمْ-» فَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ وَكِيلُهُ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَقَدْ أَجَازَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَقْدَهُ وَالإِْجَازَةُ اللاَّحِقَةُ كَالْوِكَالَةِ السَّابِقَةِ.
كَذَلِكَ وَرَدَ عَنِ «النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ وَكَّلَ صلى الله عليه وسلم أَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ» «وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي قَبُولِ نِكَاحِ أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله تعالى عنهما» وَلأِنَّ هُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْبَيْعِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَلِيِّ الْمَرْأَةِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكَّلَ فِي إِنْكَاحِهَا هَلْ هُوَ الْمُجْبِرُ فَقَطْ أَوْ هُوَ كُلُّ وَلِيٍّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْبِرًا.
كَمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ أَنْ تَتَوَلَّى الْمَرْأَةُ عَقْدَ النِّكَاحِ بِالْوَكَالَةِ أَمْ لاَ يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (ف 66 - 71).
ثَانِيًا: الْوَلِيُّ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الْوَلِيِّ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ أَوْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ أَوْ شَرْطًا فِي جَوَازِهِ وَنَفَاذِهِ.
فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: الْوَلِيُّ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِدُونِ وَلِيٍّ بِشُرُوطِهِ، لأِنَّهُ مِنْ أَرْكَانِ الْعَقْدِ الَّتِي لاَ يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ إِلاَّ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ مِنْ لَهُ وِلاَيَةٌ وَلَوْ تَوَلَّى الْعَقْدَ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ.
وَلاَ يَصِحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ تَوَلِّي عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ أُنْثَى.
فَلاَ تَصِحُّ عِبَارَةُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ إِيجَابًا وَقَبُولاً، فَلاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَلاَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلاَ غَيْرَهَا لاَ بِوِلاَيَةٍ وَلاَ بِوِكَالَةِ، وَلاَ تَقْبَلُ النِّكَاحَ لاَ بِوِلاَيَةٍ وَلاَ بِوِكَالَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ عُدِمَ الْوَلِيُّ وَالْحَاكِمُ فَوَلَّتْ مَعَ خَاطِبِهَا أَمْرَهَا رَجُلاً مُجْتَهِدًا لِيُزَوِّجَهَا مِنْهُ صَحَّ لأِنَّهُ مُحَكَّمٌ، وَالْمُحَكَّمُ كَالْحَاكِمِ، وَكَذَا لَوْ وَلَّتْ مَعَهُ عَدْلاً صَحَّ عَلَى الْمُخْتَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَلاَ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِفَقْدِ الْحَاكِمِ بَلْ يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ سَفَرًا وَحَضَرًا بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ فِي جَوَازِ التَّحْكِيمِ، قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: وَمُرَادُ الْمُهِمَّاتِ مَا إِذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ صَالِحًا لِلْقَضَاءِ، وَأَمَّا الَّذِي اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَكْفِي الْعَدَالَةُ وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْقَضَاءِ فَشَرْطُهُ السَّفَرُ وَفَقْدُ الْقَاضِي.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْوِلاَيَةُ شَرْطٌ فِي الرُّكْنِ وَهِيَ مِنْ شُرُوطِ الْجَوَازِ وَالنَّفَاذِ، فَلاَ يَنْعَقِدُ إِنْكَاحُ مَنْ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ، وَالْوَلِيُّ: الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الْوَارِثُ، فَخَرَجَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ وَالْعَبْدُ وَالْكَافِرُ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ فُقَهَائِهِمْ، وَقَالَ الرَّمْلِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ: التَّعْرِيفُ خَاصٌّ بِالْوَلِيِّ مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ، إِذِ الْحَاكِمُ وَلِيٌ وَلَيْسَ بِوَارِثٍ وَكَذَا سَيِّدُ الْعَبْدِ.
وَالْوِلاَيَةُ فِي النِّكَاحِ نَوْعَانِ:
الأَْوَّلُ: وِلاَيَةُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ، وَهُوَ الْوِلاَيَةُ عَلَى الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا.
وَالثَّانِي: وِلاَيَةُ إِجْبَارٍ، وَهُوَ الْوِلاَيَةُ عَلَى الصَّغِيرَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَكَذَا الْكَبِيرَةُ الْمَعْتُوهَةُ وَالْمَرْقُوقَةُ.
وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْوِلاَيَةِ عَلَى الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ أَقْوَالٌ لَخَّصَهَا الْكَمَالُ فَقَالَ: وَحَاصِلُ مَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ سَبْعُ رِوَايَاتٍ:
رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ:
الأُْولَى: تَجُوزُ مُبَاشَرَةُ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ عَقْدَ نِكَاحِهَا وَنِكَاحِ غَيْرِهَا مُطْلَقًا - أَيْ مِنْ كُفْءٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ - إِلاَّ أَنَّهُ خِلاَفُ الْمُسْتَحَبِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَلأَِبِي حَنِيفَةَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ وَالسَّنَةُ وَالاِسْتِدْلاَلُ:
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ) وَامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) فَالآْيَةُ الشَّرِيفَةُ نَصٌّ عَلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِعِبَارَتِهَا فَكَانَتْ حُجَّةً عَلَى الْمُخَالِفِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) أَضَافَ النِّكَاحَ فِي قَوْلِهِ ) حَتَّى تَنْكِحَ) إِلَيْهَا فَيَقْتَضِي تَصَوُّرَ النِّكَاحِ مِنْهَا، وَأَضَافَهُ إِلَى الزَّوْجَيْنِ فِي قَوْلِهِ ) أَنْ يَتَرَاجَعَا)، أَيْ يَتَنَاكَحَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَلِيِّ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) وَالاِسْتِدْلاَلُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَضَافَ النِّكَاحَ إِلَيْهِنَّ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِعِبَارَتِهِنَّ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْوَلِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَهَى الأَْوْلِيَاءَ عَنِ الْمَنْعِ عَنْ نِكَاحِهِنَّ أَنْفُسَهُنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ إِذَا تَرَاضَى الزَّوْجَانِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» وَهَذَا قَطْعُ وِلاَيَةِ الْوَلِيِّ عَنْهَا، وَوَرَدَ عَنْهُ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» وَالأَْيِّمُ اسْمٌ لاِمْرَأَةٍ لاَ زَوْجَ لَهَا. وَأَمَّا الاِسْتِدْلاَلُ فَهُوَ أَنَّهَا لَمَّا بَلَغَتْ عَنْ عَقْلٍ وَحُرِّيَّةٍ صَارَتْ وَلِيَّةَ نَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ فَلاَ تَبْقَى مُوَلَّيًا عَلَيْهَا كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إِذَا بَلَغَ، وَالْجَامِعُ أَنَّ وِلاَيَةَ الإِْنْكَاحِ إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِلأَْبِ عَلَى الصَّغِيرَةِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْهَا شَرْعًا، لِكَوْنِ النِّكَاحِ تَصَرُّفًا نَافِعًا مُتَضَمِّنًا مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَحَاجَتُهَا إِلَيْهِ حَالاً وَمَآلاً، وَكَوْنِهَا عَاجِزَةً عَنْ إِحْرَازِ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا وَكَوْنِ الأَْبِ
قَادِرًا عَلَيْهِ، وَبِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ زَالَ الْعَجْزُ حَقِيقَةً وَقَدَرَتْ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهَا حَقِيقَةً، فَتَزُولُ وِلاَيَةُ الْغَيْرِ عَنْهَا وَثَبَتَتِ الْوِلاَيَةُ لَهَا، لأِنَّ النِّيَابَةَ الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ نَظَرًا فَتَزُولُ بِزَوَالِ الضَّرُورَةِ، وَإِذَا صَارَتْ وَلِيَّ نَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ لاَ تَبْقَى مُوَلَّيًا عَلَيْهَا بِالضَّرُورَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الاِسْتِحَالَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّهُ إِنْ عَقَدَتْ مَعَ كُفْءٍ جَازَ وَمَعَ غَيْرِهِ لاَ يَصِحُّ، وَاخْتِيرَتْ لِلْفَتْوَى، لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ كَمٌّ وَاقِعٌ لاَ يُرْفَعُ، وَلَيْسَ كُلُّ وَلِيٍّ يُحْسِنُ الْمُرَافَعَةَ وَالْخُصُومَةَ، وَلاَ كُلُّ قَاضٍ يَعْدِلُ، وَلَوْ أَحْسَنَ الْوَلِيُّ وَعَدَلَ الْقَاضِي فَقَدْ يُتْرَكُ أَنَفَةً لِلتَّرَدُّدِ عَلَى أَبْوَابِ الْحُكَّامِ، وَاسْتِثْقَالاً لِنَفْسِ الْخُصُومَاتِ، فَيَتَقَرَّرُ الضَّرَرُ، فَكَانَ مَنْعُهُ دَفْعًا لَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ عَدَمُ الصِّحَّةِ الْمُفْتَى بِهِ بِمَا إِذَا كَانَ لَهَا أَوْلِيَاءُ أَحْيَاءُ، لأِنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَا وُجِّهَتْ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ دَفْعًا لِضَرَرِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَقَرَّرُ لِمَا ذَكَرْنَا، أَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى حَقِّهَا فَقَدْ سَقَطَ بِرِضَاهَا بِغَيْرِ الْكُفْءِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ: لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا إِذَا كَانَ لَهَا وَلِيٌّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ مِنَ الْكُفْءِ لاَ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا مِنَ الْكُفْءِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْكَمَالُ:
وَتَرْتِيبُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هُوَ مَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: انْعِقَادُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ، إِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ وَإِلاَّ بَطَلَ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ كُفْءٍ وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ يُجَدِّدُ الْقَاضِي الْعَقْدَ وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَرِوَايَةُ رُجُوعِهِ إِلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْوَلِيُّ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، فَلاَ يَصِحُّ نِكَاحٌ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، قَالَ الْمِرْدَاوِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الأَْصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لاَ يَخْتَلِفُ الأَْصْحَابُ فِي ذَلِكَ، وَعَنْ أَحْمَدَ لَيْسَ الْوَلِيُّ بِشَرْطٍ مُطْلَقًا، وَخَصَّهَا ابْنُ قُدَامَةَ صَاحِبُ الْمُقْنِعِ وَجَمَاعَةٌ بِالْعُذْرِ لِعَدَمِ الْوَلِيِّ وَالسُّلْطَانِ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ لَوْ زَوَّجَتِ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا، أَوْ زَوَّجَتْ غَيْرَهَا كَبِنْتِهَا وَأُخْتِهَا، أَوْ وَكَّلَتْ غَيْرَ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ فِي الصُّوَرِ الثَّلاَثِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ» وَهُوَ لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِدَلِيلِ مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ» وَلاَ يُقَالُ يُمْكِنُ حَمْلُ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ» عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ، لأِنَّ كَلاَمَ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، أَيْ لاَ نِكَاحَ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِ إِلاَّ بِوَلِيٍّ.
وَقَالُوا: إِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَصِحُّ بِدُونِ وَلِيٍّ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَلأِنَّ الْمَرْأَةَ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ عَلَى الْبُضْعِ لِنَقْصِ عَقْلِهَا وَسُرْعَةِ انْخِدَاعِهَا فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيضُهُ إِلَيْهَا كَالْمُبَذِّرِ فِي الْمَالِ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ تُوَكِّلَ فِيهِ وَلاَ أَنْ تَتَوَكَّلَ فِيهِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهم.
وَقَالُوا: إِنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ بِدُونِ وَلِيٍّ حَاكِمٌ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ، أَوْ كَانَ مُتَوَلِّي الْعَقْدِ حَاكِمًا يَرَاهُ لَمْ يُنْقَضْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَْنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ إِذَا حَكَمَ بِهَا مَنْ يَرَاهَا لَمْ يُنْقَضْ لأِنَّهُ يُسَوَّغُ فِيهَا الاِجْتِهَادُ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ بِهَا.
نِكَاحُ السِّرِّ:
أ - حَقِيقَةُ نِكَاحِ السِّرِّ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ نِكَاحِ السِّرِّ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ السِّرِّ هُوَ مَا لَمْ يَحْضُرْهُ الشُّهُودُ، أَمَّا مَا حَضَرَهُ شَاهِدَانِ فَهُوَ نِكَاحُ عَلاَنِيَةٍ لاَ نِكَاحَ السِّرِّ، إِذِ السِّرُّ إِذَا جَاوَزَ اثْنَيْنِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ سِرًّا، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّتِهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بَوْلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» مَفْهُومُهُ انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الإِْظْهَارُ، وَلأِنَّ هُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يُشْتَرَطْ إِظْهَارُهُ كَالْبَيْعِ.
وَأَخْبَارُ الإِْعْلاَنِ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ مِثْلَ: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» يُرَادُ بِهَا الاِسْتِحْبَابُ، بِدَلِيلِ أَمْرِهِ فِيهَا بِالضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالصَّوْتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَهُوَ الإِْعْلاَنُ. أَوْ يُحْمَلُ الأَْمْرُ بِالإِْعْلاَنِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَنْ يَكُونَ إِعْلاَنُهُ بِالشَّهَادَةِ، وَكَيْفَ يَكُونُ مَكْتُومًا مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودٌ، أَمْ كَيْفَ يَكُونُ مُعْلَنًا مَا خَلاَ مِنْ بَيِّنَةٍ وَشُهُودٍ؟
وَلأِنَّ إِعْلاَنَ النِّكَاحِ وَالضَّرْبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لاَعْتُبِرَ حَالَةَ الْعَقْدِ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.
وَأَمَّا نَهْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ فَالْمُرَادُ بِهِ النِّكَاحُ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْهُ الشُّهُودُ بِدَلِيلِ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رضي الله عنه أُتِيَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إِلاَّ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَقَالَ: هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ، وَلاَ أُجِيزُهُ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَهُمْ فِي حَقِيقَةِ نِكَاحِ السِّرِّ طَرِيقَتَانِ:
الأُْولَى: طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَهِيَ اسْتِكْتَامُ غَيْرِ الشُّهُودِ كَمَا لَوْ تَوَاصَى الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ عَلَى كَتْمِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى الشُّهُودَ بِذَلِكَ أَمْ لاَ.
الثَّانِيَةُ: طَرِيقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ وَهِيَ مَا أَوْصَى الشُّهُودَ عَلَى كَتْمِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى غَيْرَهُمْ عَلَى كَتْمِهِ أَمْ لاَ.
وَلاَ بُدَّ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي هُوَ الزَّوْجَ سَوَاءٌ انْضَمَّ لَهُ غَيْرُهُ كَالزَّوْجَةِ أَمْ لاَ.
وَهَذَا بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْكِتْمَانُ بِسَبَبِ خَوْفٍ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ خَوْفٍ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ نَحْوِهِ كَأَنْ يَأْخُذَ الظَّالِمُ مَثَلاً مَالاً أَوْ غَيْرَهُ فَالْوَصِيَّةُ عَلَى كَتْمِهِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ لاَ يَضُرُّ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ نِكَاحَ سِرٍّ أَيْضًا إِذَا كَانَ الإِْيصَاءُ بِكَتْمِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
ب - حُكْمُ نِكَاحِ السِّرِّ:
25 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِنَاءً عَلَى حَقِيقَةِ نِكَاحِ السِّرِّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لِعَدَمِ الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ لِخَبَرِ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ».
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاحِ ف 16).
وَأَمَّا نِكَاحُ السِّرِّ حَسَبَ حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَحُكْمُهُ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا يُفْسَخُ أَيْضًا إِذَا دَخَلَ وَلَمْ يُطِلْ، فَإِنْ دَخَلَ وَطَالَ لَمْ يُفْسَخْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلاَفًا لاِبْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ: يُفْسَخُ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالطُّولِ، وَالطُّولُ فِي وَقْتِ نِكَاحِ السِّرِّ يَعُودُ إِلَى الْعُرْفِ، لاَ بِوِلاَدَةِ الأَْوْلاَدِ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ فِيهِ الظُّهُورُ وَالاِشْتِهَارُ عَادَةً.
وَالْفَسْخُ فِيهِ بِطَلاَقٍ لأِنَّهُ مِنَ الأَْنْكِحَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَيُعَاقَبُ الزَّوْجَانِ فِي نِكَاحِ السِّرِّ إِنْ دَخَلاَ وَلَمْ يُعْذَرَا بِجَهْلٍ وَلَمْ يَكُونَا مَجْبُورَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلاَ أَوْ دَخَلاَ وَلَكِنْ عُذِرَا بِالْجَهْلِ فَلاَ عِقَابَ عَلَيْهِمَا، وَلاَ عِقَابَ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ إِذَا كَانَا مَجْبُورَيْنِ وَحِينَئِذٍ الْعِقَابُ عَلَى وَلِيِّهِمَا.
وَيُعَاقَبُ كَذَلِكَ الشُّهُودُ إِنْ حَصَلَ دُخُولٌ وَلَمْ يُعْذَرُوا بِجَهْلٍ وَلَمْ يَكُونُوا مَجْبُورِينَ عَلَى الْكِتْمَانِ.
وَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ يُونُسَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ نَكَحَ سِرًّا وَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: إِنْ مَسَّهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَاعْتَدَّتْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَعُوقِبَ الشَّاهِدَانِ بِمَا كَتَمَا مِنْ ذَلِكَ، وَلِلْمَرْأَةِ مَهْرُهَا، ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا حِينَ تَنْقَضِي عَدَّتُهَا نَكَحَهَا عَلاَنِيَةً... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسَّهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلاَ صَدَاقَ لَهَا وَنَرَى أَنْ يُنَكِّلَهُمَا الإِْمَامُ بِعُقُوبَةٍ وَالشَّاهِدَيْنِ بِعُقُوبَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ نِكَاحُ السِّرِّ وَنِكَاحُ السِّرِّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَعَ صِحَّتِهِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ عُقِدَ النِّكَاحُ بَوْلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ فَأَسَرُّوهُ أَوْ تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ كُرِهَ ذَلِكَ وَصَحَّ النِّكَاحُ. وَمِمَّنْ كَرِهَ نِكَاحَ السِّرِّ الْمُوصَى فِيهِ بِالْكِتْمَانِ عُمَرُ رضي الله عنه وَعُرْوَةُ رضي الله عنهما وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ. وَبِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ. وَإِلَى عَدَمِ صِحَّةِ نِكَاحِ السِّرِّ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ الشُّهُودَ بِكِتْمَانِهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس والأربعون ، الصفحة / 173
وِلاَيَةُ الْمَرْأَةِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وِلاَيَةِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ الْعَامِلَةِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّلُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، وَلاَ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلاَ غَيْرِهَا، وَلاَ تَوْكِيلَ غَيْرِ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا، فَإِنْ فَعَلَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ.
الثَّانِي: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا بِنَفْسِهَا، وَأَنَّ تُوَكِّلَ بِهِ مَنْ تَشَاءُ إِذَا كَانَ حُرًّا عَاقِلاً بَالِغًا، وَهُوَ صَحِيحٌ نَافِذٌ بِلاَ وَلِيٍّ.
الثَّالِثُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذَنِ الْوَلِيِّ، فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَتِهِ. (ر. نِكَاح ف 71 ) .