الفصل السابع فى النباتات الممنوع زراعتها
الفصل السابع
فى النباتات الممنوع زراعتها
لا يجوز زراعة النباتات المبينة بالجدول رقم (5) .
جدول رقم (5)
الملحق بالقانون رقم 182 لسنة 1960
في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المرفق بقرار وزير الصحة والسكان رقم (44) لسنة 2026
الجدول رقم (5) - النباتات الممنوع زراعتها
م
النبات
1
قنب (Cannabis) بجميع أصنافه ومسمياته ذكرًا كان أو أنثى
2
خشخاش (بابافير سومنيفيرم - Papaver Somniferum) بجميع أصنافه ومسمياته
3
جميع أنواع جنس البابافير All Papaver Species)
4
كوكا (إيروثروكسيلوم كوكا - Erythroxylum Coca) بجميع أصنافه ومسمياته
5
قات (Khab) بجميع أصنافه ومسمياته
1 ـ لما كان الحكم قد أورد مضمون تقرير المعمل الكيماوى في قوله :" وحيث ثبت من تقرير المعمل الكيماوى أن الأشجار النباتية المضبوطة هى لنبات الحشيش القنب الهندى المخدر ". وكان ما أورده الحكم يكفى لبيان مؤدى تقرير معمل التحليل والنتيجة التى انتهى إليها ، ومن ثم ينحسر عنه قالة القصور في بيان مؤدى هذا الدليل من أدلة الإثبات ، إضافة إلى أن المشرع حظر في المادة 28 من قانون المخدرات رقم 182 لسنة 1960 زراعة النباتات التى أدرجها بالجدول رقم 5 الذى ألحقه بالقانون والتى اعتبرها من النباتات المخدرة ومنها النباتات محل الضبط ومعاقب عليها في حالة زراعتها بغير قصد الاتجار أو التعاطى أو الاستعمال الشخصي بمقتضى نص الفقرة الأولى من المادة 38 من القانون المذكور والمعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989 ، وزراعة النباتات المخدرة تعد جريمة تامة بمجرد إتيان فعل الزراعة أياً كانت النتيجة المترتبة على ذلك وسواء تحقق للجانى حصاد محصوله من النبات المخدر أم لا فزراعة تلك النباتات مؤثمة في أى طور من أطوار نموها ، ومن ثم فلا محل للبحث في مدى احتواء النبات المخدر على مادته الفعالة ووروده باسم آخر .
( الطعن رقم 7054 لسنة 78 ق - جلسة 3/ 12/ 2008 )
2 ـ لما كان الثابت من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه قد دان الطاعن بالجرائم الثلاث المنصوص عليها في المواد 1 و 2 و 25 و 28 و 34 / أ ب و 37 / 1 و 42 من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المعدل بالقانونين رقمي 206 لسنة 1960 و 40 لسنة 1966 ، والجدولين رقمي 1 و 5 الملحقين بالقانون وكانت العقوبة التي أنزلها الحكم على الطاعن - مع تطبيق المادتين 32 / 2 و 17 من قانون العقوبات تدخل في نطاق العقوبة المقررة لأشد الجرائم التي دانه عنها وهي الجريمة المنصوص عليها في المادة 34 ، وكان البين من الوصف الذي أسبغته النيابة على الاتهام ومن بيان الحكم للجرائم الثلاث التي انتهى إلى إدانة الطاعن بها أن قصد الاتجار وارد على جريمة حيازته الجوهر المخدر المعاقب عليها بالمادة 34 / أ من القرار بقانون سالف الذكر دون جريمتي زراعته القنب الهندي وصنعه الجوهر المخدر المعاقب عليهما بالمادة 37 / أ منه ، فإن منعى الطاعن على الحكم بقالة التناقض في التسبيب للجمع بين هاتين المادتين يكون غير سديد كما أن منعاه في هذا الخصوص بدعوى الإخلال بحق الدفاع لا يكون له أساس. لما كان ذلك، وكان لا يلزم أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضي فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت - كما هي الحال في الدعوى الماثلة - وكان من المقرر أن المحكمة ليست ملزمة في أخذها باعتراف المتهم أن تلتزم نصه وظاهره بل لها أن تستنبط منه ومن غيره من العناصر الأخرى التي أوردتها الحقيقة كما كشفت عنها بطريق الاستنتاج وكافة الممكنات العقلية ما دام استنتاجها سليماً متفقاً مع حكم العقل والمنطق. لما كان ذلك، وكان الطاعن لا ينازع في صحة ما نقله الحكم من أقوال له في التحقيقات مؤداها أنه الزارع للنباتات المضبوطة على أنها نبات لتصنيع العطارة دون أن يعلم أنه محظور زراعتها وأنه المالك للمضبوطات التي عثر عليها بمنزله وبقيامه بتصنيعها، وكان لا يقدح في سلامة الحكم تسمية هذه الأقوال اعترافا طالما أن المحكمة لم ترتب على هذه الأقوال وحدها الأثر القانوني للاعتراف وهو الاكتفاء به والحكم على الطاعن بغير سماع شهود، وكان لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق، وكانت الصورة التي استخلصتها المحكمة من أقوال شهود الإثبات ومن أقوال الطاعن في التحقيقات ومن تقريري التحليل لا تخرج عن الاقتضاء العقلي والمنطقي فإن نعي الطاعن على الحكم بشأن أقوال الطاعن التي أسماها اعترافا يكون في غير محله إذ هو في حقيقته لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الأدلة واستخلاص ما تؤدي إليه مما تستقل به محكمة الموضوع بغير معقب طالما كان استخلاصها سائغاً - كما هي الحال في واقعة الدعوى - فلا يجوز منازعتها في شأنه أمام محكمة النقض .
( الطعن رقم 10 لسنة 48 ق - جلسة 9/ 4/ 1978 )
3 ـ من المقرر أن المشرع حظر في المادة 28 من قانون المخدرات رقم 182 لسنة 1960 - زراعة النباتات التي أدرجها بالجدول رقم 5 الذي ألحقه بالقانون والتي اعتبرها من النباتات المخدرة ومنها النباتات محل الضبط، ومعاقب عليها في حالة زراعتها بغير قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي بمقتضى نص الفقرة الأولى من المادة 38 من القانون المذكور والمعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989، وزراعة النباتات المخدرة تعد جريمة تامة بمجرد إتيان فعل الزراعة أياً كانت النتيجة المترتبة على ذلك وسواء تحقق للجاني حصاد محصوله من النبات المخدر أم لا، فزراعة تلك النباتات مؤثمة في أي طور من أطوار نموها، ومن ثم فلا محل للبحث في مدى احتواء النبات المخدر على مادته الفعالة.
( الطعن رقم 28209 لسنة 64 ق - جلسة 12/ 1/ 1997 )
4 ـ لما كان الحكم المطعون فيه قد نقل عن تقرير المعامل الكيماوية أن المضبوطات عبارة عن شجيرات وأجزاء نباتية خضراء بها سيقان وأوراق وقمم زهرية مثمرة، وثبت أنها جميعا لنبات الحشيش، وكان المشرع قد أثم زراعة نبات القنب الهندى بجميع أصنافه ومسمياته ومنها الحشيش في أى طور من أطوار نموها بمقتضى المادة 28 من القرار بقانون رقم 182 لسنة1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم إستعمالها والإتجار فيها المعدل والبند١من جدول رقم٥الملحقومن ثم فإن ما يقوله الطاعن من أن تقرير التحليل لم يثبت وجود المادة المخدرة في المضبوطات يكون غير سديد وإذا إنتهى الحكم إلى إدانته بجريمتى زراعة وحيازة نبات القنب الهندى__فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون.
( الطعن رقم 23136 لسنة 61 ق - جلسة 16/ 11/ 1993 )
5 ـ إدانة الطاعن بجريمة حيازة جواهر مخدرة بقصد الاتجار المعاقب عليها بالمادة 34 من القانون 182 لسنة 1960 المعدل وبجريمتى زراعة نبات القنب الهندى الممنوع زراعته وصناعة جواهر مخدرة بقصد التعاطى المعاقب عليها بالمادة 37/ 1 من ذات القانون ومعاقبته بالعقوبة المقررة للجريمة الأولى بحسبانها الأشد بعد اعمال حكم المادتين 17 و 2 / 32 عقوبات . لا تناقض .الأدلة في المواد الجنائية ضمائم متساندة . اشتراط ورود الدليل على كل جزئية من عناصر الدعوى غير لازم عدم التزام المحكمة نص اعتراف المتهم عند الأخذ به لها أن تستنبط منه ومن غيره من الأدلة الحقيقية بطريق الاستنتاج وكافة الممكنات العقلية خطأ المحكمة في تسمية أقوال المتهم اعترافا . لا يعيبه طالما لم يرتب عليها وحدها الأثر القانوني للاعتراف .
( الطعن رقم 10 لسنة 48 ق - جلسة 9/ 4/ 1985 )
6- ولئن كان الأفيون هو المادة التى يفرزها نبات الخشخاش ويتحصل عليها عادة بطريقة تخديش ثماره ، إلا أن زراعة نباتات الخشخاش بجميع أصنافه ومسمياته في أى طور من أطوار نموها مؤثمة بمقتضى المادة 28 من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم إستعمالها والإتجار فيها المعدل والبند " 2 " من الجدول رقم " 5 " الملحق ، معاقب عليها - في حالة توافر الإتجار - بمقتضى المادتين 34 " ب " و 42 / 1 من هذا القانون ، ومن ثم فإن ما يقوله الطاعنان من أن زراعة نباتات الخشخاش غير مؤثمة إلا إذا إستخرج منها الأفيون بعد خدش ثمارها يكون غير سديد ، وإذ إنتهى الحكم إلى إدانتها بوصف أنهما زرعا نبات الخشخاش بقصد الإتجار فإنه يكون قد طبق القانون تطبيقاُ صحيحاً .
( الطعن رقم 3269 لسنة 54 ق - جلسة 7 / 1 / 1985 )
7 ـ ان القصد الجنائى فى جريمة زراعة نبات من النباتات الممنوع زراعتها هو علم الزارع بأن النبات الذى يزرعه هو من النباتات الممنوع زراعتها ، كما ان القصد الجنائى فى جريمة حيازة المواد المخدرة انما هو علم الحائز بان المادة التى يحوزها هى من المواد المخدرة ، وكانت المحكمة غير مكلفة فى الأصل بالتحدث استقلالا عن ركن العلم بحقيقة النبات أو المادة المضبوطة اذا كان ما أوردته فى حكمها كافيا فى الدلالة على أن المتهم كان يعلم بأن ما يزرعه ممنوع زراعته أو بأن ما يحوزه مخدر . لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لما دفع به الطاعن من نفى علمه بكنه النبات المضبوط ورد عليه بقوله : كما أنه زعم ان المتهمين الثانى والثالث ـ المحكوم عليهما غيابيا ـ اوهماه ان النبات لكراوية افرنجى ولقد ثبت من أقوال المختصين بالزراعة أنه يوجد خلاف كبير بين نبات الأفيون ونبات الكراوية وأنه لا يوجد فى الزراعة شىء يسمى كراوية افرنجى مما يقطع بعلم المتهم بأن النبات المنزرع هو نبات الخشخاش المنتج للأفيون وخاصة أنه قام بزراعته وسط الأرض المملوكة له والواضع يده عليها وأحاطها من الخارج بزراعة الفول ثم زراعة البرسيم . واذا كان ما أورده الحكم ردا على دفاع الطاعن يسوغ اطراحه له ويكفى فى الدلالة على علم الطاعن بكنه . النباتات المضبوطة ، فان منعى الطاعن فى هذا الخصوص يكون غير سديد.
(الطعن رقم 2323 لسنة 54 ق - جلسة 14 /1 /1985)
8 ـ لما كان من المقرر ان زراعة نبات مخدر بقصد الاتجار واقعة مادية يستقل قاضى الموضوع بالفصل فيها مادام استخلاصه سائغا تؤدى اليه ظروف الواقعة وأدلتها وقرائن الاحوال منها ، وكان ما اورده الحكم فى تحصيله للواقعة وسرده لؤدى اقوال شاهدى الاثبات مستخلصا من ذلك ومرتبا عليه القول : - ان قصد الاتجار ثابت لدى المحكمة من سعة المساحة المزروعة بالنباتات المخدرة ( الخشخاش والقنب الهندى ) وضخامة عدد النباتات المزروعة بهذه المساحة - . فإن ما اورده الحكم فى ذلك يكون كاف لاثبات هذا القصد وفى اظهار اقتناع المحكمة بثبوته من ظروف الواقعة التى أوردتها وادلتها التى عولت عليها ومن ثم فإن النعى على الحكم بالقصور فى التسبيب لا يكون له محل .
(الطعن رقم 3039 لسنة 63 ق - جلسة 9 /02 /1995)
9 ـ من المقرر أن زراعة نبات الخشخاش بقصد الاتجار واقعة مادية يستقل قاضى الموضوع بالفصل فيها مادام استخلاصه سائغاً تؤدى إليه ظروف الواقعة وأدلتها وقرائن الأحوال فيها .
( الطعن رقم 19739 لسنة 61 ق - جلسة 3 /10 /1993)
10 ـ لما كان مدلول الزراعة المنهي عنها يشمل وضع البذور في الأرض وما يتخذ نحو البذر من أعمال التعهد المختلفة اللازمة للزرع الي حين نضحه وقلعه . وكان القانون رقم 180 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها قد خلا من النص علي مسئولية مفترضة بالنسبة لمالك الأرض التي تزرع فيها النباتات الممنوعة ، مما مفاده أنه يتعين لعقابه بالتطبيق لأحكام ذلك القانون أن يثبت ارتكابه الفعل . المؤثم وهو مباشرة زراعة النبات واذ كان الحكم ـ علي السياق المتقدم ـ قدعول في ادانة الطاعن علي مجرد كون نبات الخشخاش مزروعا في أرضه ، وهو ما لا يجزيء عن ضرورة بيان مدي مباشرة الطاعن زراعته ، فان ما قاله في هذا الشأن يكون غير مؤد الي ما رتب عليه من ثبوت عناصر الجريمة من ناحية مباشرة زرع الخشخاش مع العلم بحقية أمره ، ويكون بذلك معيبا بالقصور الذي . يبطله ويوجب نقضه.
(الطعن رقم 643 لسنة 58 ق - جلسة 11 /5 /1988)
11 ـ لما كان ذلك ، وكان القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989 قد جعل جريمة زراعة النباتات المخدرة الواردة فى الجدول رقم " 5 " المرفق بالقانون المذكور من الجرائم ذات القصود الخاصة حين اختط عند الكلام على العقوبات خطة تهدف إلى التدرج فيها ، ووازن بين ماهية كل من القصود التي يتطلبها القانون فى الصور المختلفة لجريمة زراعة هذه النباتات وقدر لكل منها العقوبة التي تناسبها ، ولما كان لازم ذلك وجوب استظهار القصد الخاص في هذه الجريمة لدى المتهم حيث لا يكفي مجرد القول بتوافر الزراعة وعلم الجاني فإن ما زرعه من النباتات المخدرة ، وكانت المحكمة قد دانت الطاعن بجريمة زراعة نبات البانجو المخدر بقصد الاتجار فى غير الأحوال المصرح بها قانوناً المؤثمة بالمادة 33 / ج من القانون رقم 182 لسنة 1960 المشار إليه من غير أن تستظهر توافر القصد الخاص وهو قصد الاتجار لدى الطاعن فإن حكمها يكون مشوباً بالقصور ويتعين نقضه والإعادة دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن .
(الطعن رقم 15448 لسنة 86 ق - جلسة 5 /5 /2018)
الزراعة
نصوص القانون :
تنص المادة 28 من قانون المخدرات على أنه : «لا يجوز زراعة النباتات المبينة بالجدول رقم (5)»، وتنص المادة 30/ 1 على أن :
«للوزير المختص الترخيص للمصالح الحكومية والمعاهد العلمية بزراعة أي نبات من النباتات الممنوعة زراعتها، وذلك للأغراض أو البحوث العلمية بالشروط التي يضعها لذلك». ويقرر المشرع الزراعة النبات المخدر عقوبات تختلف شدتها باختلاف قصد الجاني من الزراعة . فالمادة 33 (جـ) تقرر العقاب لكل من زرع نباتاً من النباتات الواردة في الجدول رقم (5) إذا كان ذلك بقصد الاتجار، وتقرر المادة 37 العقاب على زراعة هذه النباتات إذا كان ذلك بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، بينما تقرر المادة 38 العقاب عن هذا الفعل إذا كان بغير قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي وفي غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
مفهوم الزراعة:
أراد المشرع أن يسد أي منفذ يمكن أن يؤدي - ولو بعد حين – إلى إنتاج المادة المخدرة، ولذلك لم يكتف بتجريم إنتاج المخدر لأنه يقتصر على المرحلة من الزراعة التي ينضج فيها النبات أو ثماره ويكتسب خاصية التخدير، أو يصبح صالحاً لإنتاج المخدر، ولا يمتد إلى ما قبل ذلك من مراحل نمو النبات فلا يصدق عليها مفهوم الإنتاج كذلك فإن قواعد الشروع لا تسعف في تجريم الزراعة إذ تعد الزراعة من قبيل الأعمال التحضيرية نظراً لأنها قد تستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تقع عملية الإنتاج، ولذلك لا تصلح بدءاً في تنفيذ. إنتاج المخدر، ذلك أن البدء في التنفيذ الذي يقوم عليه الشروع في الجريمة وفقاً للمذهب الشخصي الذي يتبناه الفقه والقضاء في مصر هو الفعل الذي يؤدي حالاً ومباشرة إلى ارتكاب الجريمة، وليس هذا شأن أفعال الزراعة من هذا المنطلق رأي المشرع تجريم فعل الزراعة"، وفي ضوء دافع المشرع إلى هذا التجريم نستطيع أن نحدد مفهوم فعل الزراعة موضع التجريم بأنه لا يقتصر على بذر بذور النبات المخدر أو غرس شتلات هذا النبات في الأرض، وإنما هو - على حد تعبير محكمة النقض - كل ما يتخذ نحو البذور من أعمال التعهد المختلفة اللازمة للزرع إلى حين نضجه وقلعه، لأن وضع البذور إن هو إلا عمل بدائي لا يؤتى ثمرته إلا بدوام رعايته حتى ينبت ويتم سواؤه، وليس من المقبول أن يكون الشارع قصد المعاقبة على حيازة الشجيرات المقلوعة وترك الحائز للشجيرات القائمة على الأرض بلا عقاب مع أن حيازة هذا أسوأ حالاً وأوجب عقاباً.
قد يعترض على هذا التوسع في مفهوم الزراعة على النحو الذي ذهبت إليه محكمة النقض بأن القاعدة في تفسير نصوص التجريم هي الالتزام بالتفسير الضيق وهو يقتضى قصر معنى الزراعة على وضع البذور أو الشتلات في الأرض . ولكن يرد على ذلك بأن ما ذهبت إليه محكمة النقض من تحديد لمعنى الزراعة لا مخالفة فيه لقواعد التفسير وإنما هو تفسير سايغ للنص في ضوء قصد المشرع من التجريم . فلو أن المشرع أراد أن يقتصر على عملية وضع بذور النبات أو شتلاته في الأرض لاكتفي بالنص الذي يجرم حيازة أو إحراز النبات أو البذور (م 33 من قانون المخدرات)، لأن هذا الفعل يدخل في معنى الحيازة أو الإحراز . لذلك فإن حرص المشرع على النص على تجريم الزراعة استقلالاً عن الحيازة لا يمكن أن يفسره إلا رغبة المشرع في تجريم كل فعل يدخل في نطاق الزراعة في المعنى الواسع، ابتداء من بذور البذور في الأرض ومروراً بتعهد النبات بالرى والتسميد والرعاية حتى تمام نضجه وقلعه .
وتقع الجريمة تامة بمجرد وقوع فعل الزراعة، سواء نبت الزرع أو لم ينبت، وسواء أخضرت شجيراته أم جفت، وسواء تحقق انتاج المخدر منه أو لم يتحقق . وما دامت الجريمة تقع وتتم بمجرد إلقاء البذور في الأرض فإنه لا يجدي الجاني أن يكون قد عدل باختياره عن الاستمرار في رعاية النبات، ذلك أن العدول الاختياري لا ينتج أثره في عدم قيام الجريمة إلا قبل أن تكتمل أركان الشروع فيها، أما بعد اكتمالها فلا قيمة لهذا العدول. ( شرح قانون مكافحة المخدرات، الدكتورة / فوزية عبد الستار – الطبعة الثالثة 2017 – دار النهضة العربية – الصفحة 30 )
صور القصد الخاص في جنايات المخدرات :
يتطلب قانون مكافحة المخدرات توافر القصد الخاص في عدة جنايات، فيتطلب قصد الإتجار في المخدر في جنايات الجلب والتصدير، كذلك يتطلبه في جنايات إنتاج واستخراج وفصل وصنع المادة المخدرة، وزراعة نبات مخدر وتصديره وجلبه وحيازته وإحرازه وشراؤه وبيعه وتسليمه ونقله أياً كان طور نموه، وكذلك بذوره وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً ، كما يتطلب ذات القصد - قصد الإتجار - في جنايات إحراز وحيازة وشراء وبيع وتسليم ونقل المخدر وتقديمه للتعاطي وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، كذلك يتطلب المشرع قصد التعاطي والاستعمال الشخصي في جرائم الاتصال بالمخدر أو بالنبات المخدر إذا كان ذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، ونستخلص من ذلك أن صور القصد الخاص في جنايات المخدرات تنحصر في اثنين : قصد الإتجار، وقصد التعاطي والاستعمال الشخصي .
قصد الاتجار :
يتوافر قصد الإتجار إذا كان الجاني قد اتجهت إرادته وقت ارتكاب الفعل المادي المكون للجريمة إلى الاتجار في المادة المخدرة ولو لم يتجر فيها فعلاً، وقد تقدم القول بأن الإتجار يعني قيام الجاني لحسابه الخاص بعمليات بيع متعددة للمخدر منتویاً جعلها حرفة معتادة له.
وبناء على هذا التحديد لقصد الإتجار فإنه لا يكفي لقيامه مجرد اتجاه إرادة الجاني إلى الربح أو إلى الحصول على منفعة، لأن الاتجاه إلى الربح يتوافر في كل عمليات التعامل في المخدر، فإذا أخذنا بهذا المعنى لكانت كل حالات التعامل في المخدر بمقابل حيازة أو إحرازاً بقصد الاتجار الأمر الذي يتعارض مع قصد المشرع . ولذلك يجب على القاضي للقول بتوافر قصد الاتجار أن يثبت اتجاه إرادة المتهم إلى اتخاذ الفعل حرفة معتادة له، فلا يكفي إثبات استهداف الكسب المادي.
ويتطلب المشرع توافر قصد الاتجار في عدة جرائم، فقد تقدم القول بأن كلاً من جريمة الجلب التي تتمثل في استيراد المخدر أي إدخاله إلى مصر عبر حدود الدولة ، وجريمة تصدير المخدر التي تتمثل في إخراج المخدر إلى خارج الدولة عبر حدودها تقوم بكل منهما جريمة الحيازة أو الأحراز، وأنه لا يفسر تشديد عقاب الجلب والتصدير عن عقوبة الحيازة أو الأحراز مجرد تجاوز الحدود الجمركية، وإنما التفسير المنطقي يتمثل في أن كلاً من جريمتي الجلب والتصدير تتطلب قصداً خاصاً هو طرح المخدر وتداوله بين الناس، بحيث لا تقوم الجريمة إذا كان الجلب أو التصدير بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي، ولذلك ذهبت محكمة النقض إلى أن المراد بجلب المخدر استيراده بالذات أو بالواسطة ملحوظاً في ذلك طرحه وتداوله بين الناس، سواء كان الجالب قد استورده لحساب نفسه أو لحساب غيره متى تجاوز بفعله الخط الجمركي قصداً من الشارع القضاء على انتشار المخدرات في المجتمع الدولي.
وهذا المعنى يلابس الفعل المادي المكون للجريمة ولا يحتاج في تقريره إلى بيان ولا يلزم الحكم أن يتحدث عنه على استقلال إلا إذا كان الجوهر المجلوب لا يفيض عن حاجة الشخص أو استعماله الشخصي، أو دفع المتهم بقيام قصد التعاطي لديه أو لدي من نقل المخدر لحسابه وكان ظاهر الحال من ظروف الدعوى وملابساتها يشهد له، يدل على ذلك فوق دلالة المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظ الجلب أن المشرع نفسه لم يحفل في نصه على الجلب بالإشارة إلى القصد منه، بعكس ما استنته في الحيازة أو الأحراز.
كذلك قضى بأنه : «لا محل للنعي على الحكم بعدم استظهار قصد الاتجار، إذ الجلب بطبيعته لا يقبل تفاوت القصود، فلا يلزم الحكم أن يتحدث عن القصد إلا إذا كان الجوهر المخدر لا يفيض عن حاجة الشخص أو استعماله الشخصي، أو دفع المتهم بقيام قصد التعاطي لديه أو لدى من نقل المخدر لحسابه، وكان ظاهر الحال من ظروف الدعوى وملابساتها يشهد له بذلك.
كذلك قضى فيما يتعلق بجريمة التصدير أن المشرع لم يقرن نصه على التصدير بالإشارة إلى القصد منه بعكس ما استنته في الحيازة أو الإحراز لأن ذلك يكون تزويداً للمعنى المتضمن في الفعل مما يتنزه عنه الشارع إذ التصدير بطبيعته لا يقبل تفاوت القصود ولا كذلك حيازة المخدر أو إحرازه.
كذلك يتطلب المشرع توافر قصد الاتجار في جرائم إنتاج واستخراج وفصل وصنع المادة المخدرة لتوقيع العقوبة المشددة المنصوص عليها في (المادة 33 (ب))، كما يتطلبه بالنسبة لمجموعة الجرائم التي يمثل كل منها الاتصال بالنبات المخدر (المادة 33 (ج)) وهي زراعته وتصديره وجلبه وحيازته وإحرازه وشراؤه وبيعه وتسليمه ونقله وكذلك بذوره إذا كان ذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، كما يتطلب قصد الإتجار في جرائم التعامل في المخدر (المادة 34 (أ)) وهي حيازة أو إحراز أو شراء أو بيع أو تسليم أو نقل مادة مخدرة أو تقديمها للتعاطي وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
وتوافر قصد الاتجار من الأمور الموضوعية التي يستقل بالفصل فيها قاضي الموضوع، ولا يشترط إلا أن يكون استخلاص الحكم سائغاً تؤدى إليه ظروف الواقعة وأدلتها وقرائن الأحوال فيها، فإذا كان البين حسب تقديرات الحكم أن شهادة ضابط قسم مكافحة المخدرات قد دلت على أن المطعون ضده يتجر بالمخدرات وقد ضبطه وهو في الطريق العام أمام منزله والجوهر المخدر والسكين الملوث به والميزان والصنج والورق السلوفان أمامه على منضدة، مما كان من مقتضاه أن تقدر محكمة الموضوع هذه الظروف وتمحصها وتتحدث عنها بما تراه فيما إذا كانت تصلح دليلاً على توافر قصد الاتجار أو لا تصلح لا أن تقيم قضاء على مجرد قول مرسل بغیر دلیل تستند إليه، أما وهي لم تفعل فإن حكمها يكون معيباً، وكانت محكمة الموضوع قد استبعدت قصد الاتجار دون مناقشة الظروف السابقة، كذلك قضي بأنه لما كان الحكم قد استظهر قصد الاتجار لدى الطاعن من حمله للزجاجة المحتوية على سائل الأمفيتامين المخدر وإحرازه للحقن والإبرة التي تستعمل في الحقن بالمخدر، فضلاً عما جاء بالتحريات من أن الطاعن يتجر في هذا المخدر بحقن عملائه به، فإنه يكون قد دلل على هذا القصد تدليلاً سائغاً، كما قضى بأنه لما كان الطاعن لا ينازع في أن ما عثر لديه هو میزان ملوث بآثار الأفيون فلا على المحكمة إن هي اتخذت من هذه الواقعة دليلاً من أدلة ثبوت قصد الإتجار في واقعة إحراز وحيازة المخدر التي رفعت بها الدعوى ما دام أن لهذا الدليل أصله الثابت في الأوراق. ( شرح قانون مكافحة المخدرات، الدكتورة / فوزية عبد الستار – الطبعة الثالثة 2017 – دار النهضة العربية – الصفحة 67)
النباتات الممنوع زراعتها :
تنص المادة 28 من القانون محل التعلق على أنه لا يجوز زراعة النباتات المبينة بالجدول رقم (5) وقد نص الجدول رقم (5) الملحق بقانون المخدرات على هذه النباتات وهي:
1) القنب الهندي (كانابيس ساتيفا) ذكراً كان أو أنثي بجميع مسمياته مثل الحشيش أو الكمنجة أو البانجو أو غير ذلك من الأسماء التي قد تطلق عليه.
2) الخشخاش (باباقيرسو منيفيرم) بجميع أصنافه ومسمياته مثل الأفيون أو أبو النوم أو غير ذلك من الأسماء التي قد تطلق عليه.
3) جميع أنواع جنس الياباقير.
4) الكاكا "ایروثروکسیلوم کوکا" بجميع أصنافه ومسمياته.
المقصود بالزراعة:
الزراعة صورة من صور الإنتاج بمعناه الواسع ولكن الشارع عنى بالنص عليها استقلالاً مراعياً أن الإنتاج المعاقب عليه قانوناً لا يتحقق في حالة الزراعة أي بنضج الثمار وزهور المواد المخدرة فإذا لم ينص المشرع صراحة على الزراعة أدى ذلك إلى إفلات أفعال الزراعة السابقة على إنتاج هذه المواد ومن ناحية أخرى فإنه يتعذر اعتبار زراعة هذه النباتات شروعاً في إنتاج المواد المخدرة إذ هي تؤدی حالاً ومباشرة إلى إنتاج هذه المواد وتظهر أهمية النص على حظر الزراعة وصيانته.
وقيل في ذلك بأن المشرع حظر زراعة النباتات التي تنتج جواهر مخدرة والحظر ليس قاصراً على مجرد وضع بذور النباتات في الأرض بل يتناول أيضاً كل ما يتميز نحو البذور من أعمال التعهد المختلفة اللازمة للزرع إلى حين نضجه وقلعه لأن وضع البذور إن هو إلا عمل بدائي لا يؤتى ثمرته إلا بدوام رعايته حتى ينبت ويتم سواؤه ممن يعمل على رعاية شجيرات النباتات المخدرة سواء كان هو الذي وضع تلك البذور أم كان غيره هو الذي وضعها يخضع للتجريم.
ولكن يتعين علم الشخص بأن النبات الذي يزرعه من النباتات المحظور قانوناً زراعتها. واستخلاص هذا القصد من اطلاقات محكمة الموضوع تستنتجه من ظروف الدعوى وعناصرها المطروحة على بساط البحث وجدير بالذكر أن جريمة الزراعة مرتبطة بجريمة حيازة المخدر الناتج عن تلك الزراعة بقصد الاتجار ارتباطاً لا يقبل التجزئة بما يوجب إعمال نص المادة 32 من قانون العقوبات والعقوبة المقررة لكلتيهما هي عقوبة متماثلة في القانون.
وتقع الجريمة تامة بمجرد وقوع فعل الزراعة سواء نبت الزرع أو جفت شجيراته وسواء تحقق إنتاج المادة المخدرة أو لم يتحقق ذلك لأي سبب من الأسباب ولو كان بفعل إرادي من جانب الزارع نفسه. ( موسوعة هرجه الجنائية التعليق على قانون المخدرات ، المستشار/ مصطفى مجدى هرجه – طبعة 2021ـ 2022 – دار محمود – المجلد الأول – الصفحة 96 )
النباتات المحرم زراعتها والواردة بالجدول رقم (5) الملحق بالقانون هي:
1- القنب الهندي (كانابيس ساتيفا) ذكراً كان أو أنثى بجميع مسمياته مثل الحشيش أو الكمنجة أو البانجو أو غير ذلك من الأسماء التي قد تطلق عليه.
2- الخشخاش بجميع أصنافه ومسمياته مثل الأفيون أو أبو النوم أو غير ذلك من الأسماء التي قد تطلق عليه.
3- جميع أنواع جنس البابا فير.
4- الكوكا (وهو يستخرج منه الكوكايين بجميع أصنافه ومسمياته).
5- القات بجميع أصنافه ومسمياته.
وفعل الزراعة للنباتات السالف ذكرها في حد ذاته محل تأثيم، وبه تقع الجريمة كاملة، سواء نبت الزرع أو جفت شجيراته وتقع الجريمة - من باب أولى - سواء تحقق انتاج الجوهر المخدر أو لم يتحقق ذلك لأي سبب، ولو بفعل إرادي من جانب الزارع نفس. ( موسوعة قضاء المخدرات ، المستشار/ السيد خلف محمد – طبعة 2017 – المركز القومى للإصدارات القانونية – المجلد الأول – الصفحة 99 )
الشريعة الإسلامية تحرم إنتاج المخدرات وزراعتها وتهريبها والاتجار فيها والتعامل فيها على أي وجه كان :
إن المخدرات بكافة أنواعها وأسمائها محرمة قطعاً بدخولها في اسم المخدر والمسكر، فهل إنتاجها بكافة وسائله والاتجار فيها وتهريبها والتعامل فيها كذلك يكون محرماً؟
يتضح حكم هذا: إذا علمنا أن الشريعة الإسلامية إذا حرمت شيئاً علي المسلم حرمت عليه فعل الوسائل المفضية إليه، وهذه القاعدة مستفادة من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ففي القرآن تحريم الميتة والدم والخمر والخنزير وفي بيع هذه المحرمات يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الجماعة عن جابر رضي الله عنه "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" وحين حرم الله الزنا حرم دواعية من النظر واللمس والخلوة بالمرأة الأجنبية في مكان خاص لأن كل هذا وسيلة إلى الوقوع في المحرم، وهو المخالطة غير المشروعة وفي آيات سورة النور الخاصة بالاستئذان قبل دخول بيوت الغير، والأمر للرجال وللنساء بغض البصر عن النظر لغير المحارم، وإخفاء زينة النساء وستر أجسادهن، كل ذلك بعداً بالمسلمين عن الوقوع فيما لا يحل وحماية لحرمة المنازل والمساكن، ومن هنا تكون تلك النصوص دليلاً صحيحاً مستقيماً علي أن تحريم الإسلام لأمر تحريم لجميع وسائله، ومع هذا فقد أفصح الرسول عن هذا الحكم في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه كما رواه غيره عن ابن عباس رضي الله عنه " إن من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمراً فقد يقحم في النار " وقوله و المروي عن أربعة من أصحابه منهم ابن عمر رضي الله عنه "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه" صریح كذلك في تحريم كل وسيلة مفضية إلي شرب الخمر، ومن هنا تكون كل الوسائل المؤدية إلي ترويج المخدرات محرمة سواء كانت زراعة أو إنتاجاً أو تهريباً أو اتجاراً فالتعامل فيها على أي وجه مندرج قطعاً في المحرمات باعتباره وسيلة إلي المحرم، بل إن الحديثين الشريفين سالفي الذكر نصان قاطعان في تحريم هذه الوسائل المؤدية إلي إشاعة هذا المنكر بين الناس، باعتبار أن اسم الخمر بالمعني السالف «ما خامر العقل كما فسرها سيدنا عمر بن الخطاب» شامل للمخدرات بكافة أسمائها وأنواعها، ولأن في هذه الوسائل إعانة على المعصية، والله سبحانه نهي عن التعاون في المعاصي كقاعدة عامة في قوله سبحانه " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ " وفي إنتاج المخدرات والاتجار فيها وتهريبها وزراعة أشجارها إعانة علي تعاطيها، والرضا بالمعاصي معصية محرمة شرعاً قطعاً، سيما وأن هذه الوسائل مؤداها ومقصودها تهيئة هذه السموم المخدرة للتداول والانتشار بين الناس فهي حرام حرمة ذات المخدرات، لأن الأمور بمقاصدها.
ما حكم الربح الناتج عن التعامل في المواد المخدرة ؟
من الأصول الشرعية في تحريم بعض الأموال قول الله تعالى " يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُواأَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ" أي لا يحل لأحدكم أخذ وتناول مال غيره بوجه باطل، كما لا يحل كسب المال من طريق باطل أي محرم. وأخذ المال أو كسبه بالباطل علي وجهين: الأول أخذه علي وجه غير مشروع كالسرقة والغصب والخيانة، والآخر أخذه وكسبه بطرق حظرها الشرع كالقمار أو العقود المحرمة كما في الربا، وبيع ما حرم الله الانتفاع به كالميتة والدم والخمر المتناولة للمخدرات بوصفها العنواني علي ما سلف بيانه فإن هذا كله حرام.
وترتيباً علي هذا : يكون الربح والكسب من أي عمل محرم حرام. وبهذا جاءت الأحاديث الكثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، منها قوله: «إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه، وفي هذا أيضاً قال العلامة ابن القيم (قال جمهور الفقهاء إذا بيع العنب لمن يعصره خمراً حرم أكل ثمنه، بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما حرم أكل ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو في سبيل الله فثمنه من الطيبات) وإذا كانت الأعيان التي يحل الانتفاع بها إذا بيعت لمن يستعملها في معصية الله. رأي جمهور الفقهاء - وهو الحق - تحريم ثمنها، بدلالة ما ذكرنا من الأدلة وغيرها، وعليه كان ثمن العين التي لا يحل الانتفاع بها كالمخدرات حراما من باب أولي.
وبهذه النصوص نقطع بأن الإتجار في المخدرات محرم وبيعها محرم وثمنها محرم وربحها حرام، لا يحل للمسلم تناوله، يدل لذلك قطعاً بأن الرسول عندما نزلت آية تحريم الخمر " إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ " أمر أصحابه بإراقة ما عندهم من خمور ومنعهم من بيعها حتي لغير المسلمين بل إن أحد أصحابه قال إن عندي خمراً لأيتام فقال له " أهرقها " فلو جاز بيعها أو حل الانتفاع بثمنها لأجاز لهذا الصحابي بيع الخمر التي يملكها الأيتام لإنفاق ثمنها عليهم.
ما حكم التصدق بالأموال الناتجة عن التعامل في المواد المخدرة ؟
في القرآن الكريم قول الله تعالي " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ". وفي الحديث الشريف الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : " يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا " وقال : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده الي السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب له" وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده في النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن أن الخبيث لا يمحو الخبيث" وفي الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من کسب مالاً حراماً فتصدق به لم يكن له أجره، وكان أجره (يعني إثمه وعقوبته) عليه، وفي حديث آخر أنه قال: " من أصاب مالاً من مأثم فوصل به رحمه او تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك جمعاً ثم قذف به في نار جهنم " والحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز (ركاب من جلد) فتنادي لبيك اللهم لبيك ناد مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة (أي المال الحرام فوضع رجله في الفرز، فنادي لبيك، ناد مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام وحجك مأزور غير مبرور.
فهذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة قاطعة في أنه لقبول الأعمال الصالحة عند الله من صدقة وحج وعمرة وبناء المساجد وغير هذا من أنواع القريات لابد وأن يكون ما ينفق فيها حلالاً خالصاً لا شبهة فيه، وإذ كانت الأدلة المتقدمة قد أثبتت أن ثمن المحرمات وكسوبها خرام فلا يحل أكلها ولا التصدق بها ولا الحج منها ولا إنفاقها في أي نوع من أنواع البر، لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب، بمعنى أن منفق المال الحرام في أي وجه من وجوه البر لا ثواب له فيما أنفق، لأن الثواب جزاء القبول عند الله، والقبول مشروط بأن يكون المال طيباً كما جاء في تلك النصوص.
رأي فضيلة مفتي جمهورية مصر العربية في إنزال عقوبة الإعدام علي المتهم الذي يجلب جواهر مخدرة
إن الشريعة الإسلامية قد جاءت رحمة للناس واتجهت في أحكامها إلى إقامة مجتمع فاضل تسوده المحبة والمودة والعدالة والمثل العليا في الأخلاق والتعامل بين أفراد المجتمع. ومن أجل هذا كانت غايتها الأولي تهذيب الفرد وتربيته ليكون مصدر خير للجماعة، فشرعت العبادات سعياً إلى تحقيق هذه الغاية وإلى توثيق العلاقات الإجتماعية، كل ذلك لصالح الأمة وخير المجموع والمصلحة التي إبتغاها الإسلام وتضافرت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تهدف إلى المحافظة علي أمور خمسة يسميها فقهاء الشريعة الإسلامية الضرورات الخمس وهي: الدين والنفس والمال والعقل والنسل، والمحافظة على العقل من الضرورات التي حرص الإسلام علي تأكيدها في تشريعه. وحفظ العقل من أن يناله آفة تجعل فاقده مصدر شر وأذى للناس وعبئاً علي المجتمع ومن أجل هذا حرم الإسلام وعاقب من يشرب الخمور وغيرها مما يتلف العقل ويخرج الإنسان عن إنسانيته، وكما قال الإمام الغزالي (إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الحق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم لكنا نعني بالمصلحة المحافظة علي مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة. وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعها مصلحة).
وإذا كانت المخدرات كالحشيش والأفيون والكوكايين والهيروين وغيرها من المواد الطبيعية المخدرة وكذلك المواد المخلقة المخدرة تحدث آثار الخمر في الجسم والعقل بل أشد، والقاعدة الشرعية التي تعتبر من أهم القواعد التشريعية في الإسلام، وهي دفع المضار وسد ذرائع الفساد. ومع هذا فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ".
والمفتر كما قال العلماء كل ما يورث الفتور والخور في أعضاء الجسم، وقد نقل العلماء إجماع فقهاء المذاهب علي حرمة تعاطي الحشيش وأمثاله من المخدرات الطبيعية والمخلقة لأنها جميعاً تؤدي بالعقل وتفسده وتضر بالجسم والمال وتحط من قدر متعاطيها في المجتمع.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب حد متعاطي المخدرات کشارب الخمر تماما لأنها تفعل فعلها وأكثر منها، بل قال ابن تيمية (أن فيها المخدرات من المفاسد، ما ليس في الخمر فهي أولى بالتحريم، ومن استحلها وزعم أنها حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتداً، لا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.
ونخلص مما تقدم أن المخدرات بكافة أنواعها وأسمائها طبيعية أو - مخلقة مسكرة، وأن كل مسكر من أي مادة حرام، وهذا الحكم مستفاد نصاً من القرآن الكريم ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبذلك يحرم تعاطيها بأي وجه من وجوه التعاطي من أكل أو شرب أو شم أو حقن لأنها مفسدة. ودرء المفاسد من المقاصد الضرورية للشريعة الاسلامية حماية للعقل والنفس ولأن الشرع الإسلامي اعتني بالمنهيات، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه.
إذا كان ذلك كذلك تكون كل الوسائل المؤدية إلى ترويج المخدرات محرمة سواء كانت زراعة أو انتاجاً أو تهريباً أو اتجاراً. فالتعامل فيها علي أي وجه مندرج قطعا في المحرمات باعتباره وسيلة إلي المحرم. ولما كان من مقاصد التشريع الإسلامي ما سماه الفقهاء الضرورات الخمس وقد جرت عبارتهم بأنها حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ النسل وحفظ المال وحفظ العقل، وقالوا أنه بالاستقرار وجد أن هذه الضرورات الخمس مراعاة في كل ملة.
وفي سبيل حفظ هذه الضرورات شرعت العقوبات. وهي كما جاءت في استنباط الفقهاء من مصادر الشريعة تتنوع إلى ما يأتي :
أولاً : الحدود.
ثانياً : جرائم الجناية على النفس وما دون النفس وما يتبعها من الدية والأرث.
ثالثاً : جرائم التعازير.
ولما كان حد عقوبة معينة أو عقوبات لا محيص من توقيعها علي الجاني ففي التعزير مجموعة من العقوبات تبدأ من النصح وتنتهي بالجلد والحبس. وقد تصل للقتل في الجرائم الخطيرة ويترك للقاضي أن يختار من بين هذه المجموعة العقوبة الملائمة للجريمة ولحال المجرم ونفسيته وسوابقه، ولم تنص الشريعة علي كل جرائم التعازير، ولم تحددها - بشكل لا يقبل الزيادة والنقصان - كما فعلت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية وإنما نصت علي ما تراه في هذه الجرائم ضاراً بصفة دائمة بمصلحة الأفراد والجماعة والنظام العام وتركت لأولي الأمر في الأمة أن يجرموا ما يرون بحسب الظروف أنه ضار بصالح الجماعة أو أمنها أو نظامها. وأن يضعوا قواعد لتنظيم الجماعة وتوجيهها ويعاقبوا على مخالفتها.
والأصل في الشريعة الاسلامية أن التعزير للتأديب وأنه يجوز من التعزير ما آمنت عاقبته غالباً، فينبغي ألا تكون عقوبة التعزير مهلكة ومن ثم فلا يجوز في التعزير قتل ولا قطع لكن الكثيرين من الفقهاء أجازوا استشاء من هذه القاعدة العامة أن يعاقب بالقتل تعزيراً إذا اقتضت المصلحة العامة تقرير عقوبة القتل، أو كاد فساد المجرم لا يزول إلا بقتله، كقتل الجاسوس والداعية إلى البدعة ومعتاد الجرائم الخطيرة.
وإذا كان القتل تعزيراً قد جاء استثناء من القاعدة فإنه لا يتوسع فيه ولا يترك أمره للقاضي لكل العقوبات التعزيرية، بل يجب أن يعين ولي الأمر الجرائم التي يجوز فيها الحكم بالقتل، وقد اجتهد الفقهاء في تعيين هذه الجرائم وتحديدها ولم يبيحوا القتل إلا إذا اقتضت الضرورة بأن كان المجرم قد تكررت جرائمه ويئس من اصلاحه أو كان استئصال المجرم ضرورياً لدفع فساده وحماية الجماعة منه.
ويبيح الحنفيون عامة القتل تعزيراً ويسمونه القتل سياسة، ويرى بعض الحنابلة هذا الرأي وعلى الأخص ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ويأخذ بهذا الرأي قليل من المالكية. ولما كان البين من مطالعة أوراق هذه الدعوى كما سطرتها التحقيقات أن المتهم / ....... قد قام بجلب جواهر مخدرة (هيروين) بقصد ترويجها والإتجار فيها في جمهورية مصر العربية دون ترخيص كتابي من الجهة المختصة حسبما هو ثابت بتحقيقات النيابة وبأقوال الشهود وما ادعاه من عدم ملكيته للحقيبة وما تحتويه من مخدرات بعد اعترافه بحيازته لها لا ينهض دليلاً علي درء التهمة عنه.
ولما كان جلب المخدرات وترويجها والاتجار فيها لم يرد بشأنها عقوبة مقدرة شرعاً يستوجب انزالها علي المتهم كحد شرب الخمر وحد الزنا وحد قطع الطريق. فإنه لا مناص من إدخالها في باب التعازير التي قد تصل العقوبة في بعض الجرائم الخطيرة فيها إلى القتل حسبما يقدره ولي الأمر ويرى أن الخطر الداهم الذي يحيق بالأفراد والجماعة من جراء جلب هذه المخدرات وترويجها لا يمكن ذرؤه إلا بالقتل لأن درء المفاسد من المقاصد الضرورية للشريعة حماية للعقل والنفس.
ولا شك أن تأثير المخدرات بأنواعها علي عقل الإنسان أمر أثبتته البحوث والدراسات، فتعاطي الهيروين والعقاقير المخدرة يؤدي عند الانقطاع أو الفشل في الحصول علي جرعة إلي الاصابة بتشنجات يعقبها اضطراب عقلي ربما يؤدي إلى الوفاة فالمخدر لعنة تصيب الفرد وكارثة تحل بالأسرة وخسارة محققة تلحق بالوطن، لما كان ذلك فإذا اطمأن وجدان المحكمة إلي أن المتهم قد قام بجلب المخدر المشار إليه قاصداً ترويجه وتوزيعة بمعرفة أعوان في جمهورية مصر العربية، الأمر الذي يترتب عليه اتلاف الأموال والأبدان والعقول، فإنه حينئذ يجوز أن تنزل به عقوبة التعزير حتى القتل وفقاً لما تقتضيه مصلحة الأمة والجماعة ... والله سبحانه وتعالى أعلم. ( موسوعة قضاء المخدرات ، المستشار/ السيد خلف محمد – طبعة 2017 – المركز القومى للإصدارات القانونية – المجلد الأول – الصفحة 160)
حظر المشرع في المادة 28 من القانون زراعة نباتات معينة هي مصدر المواد المخدرة وكان هذا المنع من جانبه أمراً بديهياً لأنه وقد حظر في المادة الثانية جلب المواد المخدرة من الخارج، فكان عليه أن يمنع الحصول على المخدر محلية وذلك بمنع زراعته حتى لا يؤدي ذلك إلى تداوله سراً، وعندما حظر المشرع زراعة الأفيون لأول مرة بالمرسوم بقانون رقم 21 لسنة 1926 الصادر في 21 من مارس جاء في ديباجته «ولما كان قد تحقق أن الأفيون الخام الناتج من الزراعة المحلية بدل أن يصدر إلى الخارج أو يستعمل في المستحضرات الأقرباذينية طبقاً لأحكام المرسوم بالقانون الصادر في 21 مارس سنة 1925 ... إنما تباع سراً داخل القطر كما يتعاطاه الناس للتخدير وذلك يؤدي إلى ضرر بليغ بالصحة العامة لما كان تلافي هذا الضرر يستلزم منع زراعة الخشخاش منعاً باتاً في جميع أنحاء القطر المصرى، وعلى ذلك فحتى تتم الفائدة من حظر الجلب كان لابد من منع زراعته، والمنع في ظل التشريع الحالي والسابق شمل كل النباتات التي تنتج المواد المخدرة وقد خصها بجدول مستقل هو الجدول رقم (5) وهذه النباتات هي: القنب (كانابيس ساتيفا) ذكراً كان أو أنثى وبجميع مسمياته وهذا النبات هو الذي ينتج الحشيش والنبات الثاني هو الخشخاش «باباقيرسو منيفيرم، بجميع أصنافه ومسمياته مثل الأفيون أو أبو النوم وهذا النبات هو الذي ينتج منه الأفيون والنبات الثالث هو البابافير - Papaver بجميع أنواع جنسه وهو نبات من فصيلة نبات الخشخاش والنبات الخامس هو القات بجميع أصنافه ومسمياته وقد عرفت الإتفاقية الدولية التي انتهى إليها مؤتمر الأفيون الذي انعقد في مدينة جنيف هو والرؤوس المجففة المزهرة أو المثمرة من السيقان الإناث لنبات الكنابيس ساتيفا Cannabis Sativa) الذي لم يستخرج منه مادته الصمغية أياً كان الاسم الذي يعرف به في التجارة، وهذا المعنى هو الذي كان ملحوظا لدى الشارع المصري عند وضعه قانون المخدرات رقم 21 لسنة 1928 إذ أنه قد وضعه بعد إبرام الإتفاقية المذكورة وبعد قبول حكومة مصر العمل بأحكامها، ومع ذلك لم يشأ أن يعرف هذه المادة بغير هذا المعنى، وإذن فإذا كانت شجيرات القنب المضبوطة لا تزال في دور التزهير الذي تكون في خلاله مادة الحشيش فلا عقاب بمقتضى قانون المخدرات المذكور على إحرازها، وإنما يصبح العقاب عليها بمقتضى قانون زراعة الحشيش ويستوي أن تكون شجيرات الحشيش للأنثى أم للذكر.
وزراعة النبات تشمل أي طور من أطوار نموه، فتشمل وضع البذور في الأرض ومن ثم فلا محل للبحث في مدى احتواء النبات المخدر على مادته الفعالة.
وما يتخذ نحو البذر من أعمال التعهد المختلفة اللازمة للزرع إلى حين نضجه وقلعه، لأن وضع البذور كما ذهبت إلى ذلك محكمة النقض وإن هو إلا عمل بدائي لا يؤتي ثمرته إلا بدوام رعايته حتى ينبت ويتم سواؤه .
فلا يعاقب على وضع بذور الحشيش في الأرض فقط بل يعاقب أيضاً على كل ما يتخذ نحو البذر من أعمال التعهد المختلفة اللازمة للزرع إلى حين نضجه وقلعه، وإذ ذلك كله يدخل في مدلول الزراعة، التي نهى عنها فزراعة النباتات المخدرة تعد جريمة تامة بمجرد إتيان فعل الزراعة وأياً كانت النتيجة المترتبة على ذلك وسواء تحقق للجاني حصاد محصوله من النبات المخدر أم لا.
واستثنى المشرع من هذه النباتات بعض أجزاء من تلك النباتات أوردها على سبيل الحصر في الجدول رقم (6) وهي ألياف سيقان القنب وبذوره المحموسة حمساً يكفل عدم إنباتها وكذلك بذور الخشخاش المحموسة حمسة يكفل عدم إنباتها ورؤوس الخشخاش المرجوحة الخالية من البذور. ( جرائم المخدرات بين الشريعة والقانون ، المستشار/ عبدالحميد المنشاوى ، القاضى/ مصطفى المنشاوى – طبعة 2017 – منشاة المعارف – الصفحة 91 )
تحظر المادة (28) زراعة النباتات التي أدرجها المشرع بالجدول رقم (5) والذي ألحقه بالقانون، والتي اعتبرها المشرع من النباتات المخدرة، وهذه النباتات هي:
القنب "كانابيس ساتيفا" ذكراً كان أو أنثي بجميع مسمياته مثل الحشيش أو الكمنجة أو البانجو أو غير ذلك من الأسماء التي قد تطلق عليه. الخشخاش "بابافيرمونيفيرم" بجميع أوصافه ومسمياته مثل الأفيون أو أبو النوم أو غير ذلك من الأسماء التي قد تطلق عليه.
جميع أنواع جنس البابافير.
الكوكا "إيروثروکسیلوم کوكا" بجميع أصنافه ومسمياته.
القات بجميع أصنافه ومسمياته. وجرم المشرع بالمادة ( 33/ج) كل زراعة لأحد تلك النباتات أو أي فعل متصل بها سواء كانت مكتملة النضج أم لا، وعبر الشارع عن ذلك بعبارة في أي طور من أطوار نموها وكذا بذورها. غير أن المشرع قد استثنى بعض النباتات من التجريم قام بإدراجها بالجدول رقم (6) الملحق بالقانون. كما أعطت المادة 30 السلطة للوزير المختص في الترخيص للمصالح الحكومية والمعاهد العلمية في القيام بزراعة أياً من النباتات الواردة بالجدول رقم (5) متى كان ذلك بغرض البحث والعلم وبشروط يحددها الترخيص بذلك.
قدمنا فيما سبق أن الإنتاج هو خلق للجوهر المخدر وإبرازه إلى حيز الوجود، ونلاحظ هنا أن زراعة النباتات المخدرة تندرج تحت وصف الإنتاج بمعناه الشامل وكان يغني تجريم الإنتاج الشارع عناء النص عليه بنص خاص ، غير أنه حرصاً منه على إيراد أهمية تجريم زراعة النباتات المخدرة ومنعاً لثمة لبس في ذلك ، لأن المشرع ما لم يجرم الزراعة بنص خاص لإخرج أفعال متصلة بزراعة المواد المخدرة من دائرة التجريم كبذر البذور ورعاية النباتات المخدرة قبل نموها، ذلك أن معنى الإنتاج لا يتحقق إلا بتمام نضج النبات المخدر وبروزه إلي حيز الوجود المادي والإفادة منه، ولكن بالنص عليه هنا فقد جرم زراعة النباتات المخدرة وكافة الأفعال المتصلة بذلك بداية من بذر البذور وحتي جني المحصول.
ونلاحظ أن جريمة زراعة النباتات المخدرة تعد تامة بمجرد إتيان فعل الزراعة أياً ما كانت النتيجة المترتبة علي ذلك وسواء تحقق للجاني حصاد محصوله من النباتات المخدرة أم لا كما وان هذه الجريمة تعد من الجرائم المستمرة وبذلك لا تخضع لأحكام التقادم وحجية الأمر المقضي إلا من تاریخ ضبط الواقعة وليس من تاريخ زراعتها.
وقد توسعت محكمة النقض في مدلول الزراعة فأسبغت الوصف ليس فقط علي بذر بذور النبات المخدر بالأرض أو غرس شتلاته، وإنما يمتد إلي كل فعل يقوم به الزارع من تعهد لهذا النبات، سواء كان ينصب هذا التعهد بالرعاية علي النبات ذاته من تسميد وتقليم، أو علي الأرض المنزرع بها كریها وعزل ما بها من حشائش ضارة بالنبات مع علم الجاني بذلك. (الموسوعة الشاملة للإجراءات فى قانون مكافحة المخدرات، إعداد محمد محمود عيد العوضي المحامي بالنقض، دار المحامي للإصدارات القانونية، الطبعة الأولى 2021، الكتاب الأول، الصفحة : 74)
القصد في زراعة النبات المخدر
جريمة زراعة النباتات المخدرة من القصود الخاصة :
لما كان القانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والإتجار فيها والذي يحكم واقعة الدعوى قد جعل جريمة زراعة النباتات المخدرة الواردة في الجدول رقم 5 المرافق للقانون المذكور من الجرائم ذات القصود الخاصة حين اختط عند الكلام على العقوبات خطة تهدف إلى التدرج فيها ووازن بين ماهية كل من القصود التي يتطلبها القانون في الصور المختلفة لجريمة زراعة هذه النباتات وقدر لكل منها العقوبة التي تناسبها ولما كان لازم ذلك وجوب استظهار القصد الخاص في هذه الجريمة لدى المتهم حيث لا يكفي مجرد القول بتوافر الزراعة وعلم الجاني بأن ما زرعه من النباتات المخدرة وكانت المحكمة قد دانت الطاعن بجريمة زراعة نبات الخشخاش المخدر بقصد الإتجار في غير الأحوال المصرح بها قانوناً وطبقت المادة 34/ب من القانون رقم 182 لسنة 1960 من غير أن تستظهر توافر القصد الخاص وهو قصد الإتجار لدى الطاعن فإن حكمها يكون مشوباً بالقصور ويتعين نقضه والإعادة. (الطعن رقم 2291 لسنة 51 ق جلسة 1981/12/30 س 32 ص 1226).
استظهار القصد من الزراعة من كثرة عدد الشجيرات والمساحة سائغ :
إذا كانت المحكمة بما لها من سلطة التقدير قد استخلصت من الأدلة التي بينتها في حكمها أن الطاعن وهو الزارع للنبات قد أحرز المادة المخدرة التي استخرجها منه بعد نضجه دفعات وتعرضت لما دافع به من نفي قيامه بالتجريح واستخراج المادة المخدرة وإسناده ذلك إلى غيره من المارة بالزراعة وردت على ذلك بما يفنده كما استظهرت من المساحة المزروعة وكثرة عدد الشجيرات وانتشارها وما شهد به رئيس فرع إدارة مكافحة المخدرات الذي صدقته وعولت على ما شهد به من أن عددها يبلغ الآلاف أن زراعة نبات الخشخاش وحيازته كان بقصد إنتاجه وبيعه كما أن إحراز ما أنتجه من مادة الأفيون لم يكن بقصد الاستعمال الشخصي فإن ما استخلصته المحكمة على هذا النحو يكون سائغاً سليماً في المنطق والقانون.
(الطعن رقم 610 لسنة 24 ق جلسة 1954/6/7 س 5 ص 729).
يستوي خدش ثمار الخشخاش أو مجرد نموها :
ولئن كان الأفيون هو المادة التي يفرزها نبات الخشخاش ويتحصل عليها عادة بطريقة تخديش ثماره إلا أن زراعة نباتات الخشخاش بجميع أصنافه ومسمياته في أي طور من أطوار نموها مؤثمة بمقتضى المادة 28 من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والإتجار فيها المعدل والبند (2) من الجدول رقم (5) الملحق معاقب عليها في حالة توافر قصد الإتجار بمقتضى المادتين 34 (ب) و 1/42 من هذا القانون ومن ثم فإن ما يقوله الطاعنان من أن زراعة نباتات الخشخاش غير مؤثمة إلا إذا استخرج منها الأفيون بعد خدش ثمارها يكون غير سديد وإذ انتهى الحكم إلى إدانتهما بوصف أنهما زرعا نبات الخشخاش بقصد الإتجار فإنه يكون قد طبق القانون تطبيقاً صحيحاً (الطعن رقم 3269 لسنة 54 ق جلسة 1985/1/7 س 36 ص 58 ).(موسوعة المخدرات، المستشار بهاء المري، مركز الأهرام للإصدارات القانونية، الطبعة الثالثة 2021، الجزء : الثاني، الصفحة : 440 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن ، الصفحة / 49
الْبَذْرُ
لُغَةً: إِلْقَاءُ الْحَبِّ فِي الأْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَصْدَرُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُبْذَرُ، فَيَكُونُ مِنْ إِطْلاَقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَالُ الْفِقْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإْجْمَالِيُّ:
2 - الأْصْلُ فِي إِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الأْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ الإْبَاحَةُ فِيمَا هُوَ مُبَاحَةٌ زِرَاعَتُهُ، لقوله تعالى (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)
فَالآْيَةُ تَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الزَّرْعِ مِنْ جِهَةِ الاِمْتِنَانِ بِهِ. وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِقَصْدِ التَّصَدُّقِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» وَقَدْ يَكُونُ، وَاجِبًا إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ إِلْقَاءُ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْبُذُورِ حَرَامًا، مِثْلَ إِلْقَاءِ حَبٍّ لِزَرْعٍ يَضُرُّ بِالنَّاسِ، كَالْحَشِيشَةِ وَالأْفْيُونِ؛ لأِنَّ هَذَا وَمَا يُمَاثِلُهُ يُؤَدِّي إِلَى الضَّرَرِ وَفِعْلِ الْحَرَامِ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْحَرَامِ فَهُوَ حَرَامٌ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن ، الصفحة / 217
بَنْجٌ
التَّعْرِيفُ:
1 - الْبَنْجُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ: نَبَاتٌ مُخَدِّرٌ، غَيْرُ الْحَشِيشِ، مُسَكِّنٌ لِلأْوْجَاعِ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأْفْيُونُ:
2 - الأْفْيُونُ: عُصَارَةٌ لَيِّنَةٌ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْخَشْخَاشِ، وَيَحْتَوِي عَلَى ثَلاَثِ مَوَادَّ مُنَوِّمَةٍ مِنْهَا الْمُورْفِينُ.
ب - الْحَشِيشَةُ:
3 - الْحَشِيشَةُ: نَوْعٌ مِنْ وَرَقِ الْقُنَّبِ الْهِنْدِيِّ يُسْكِرُ جِدًّا إِذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ قَدْرَ دِرْهَمٍ هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِي ّوَابْنُ عَابِدِينَ. لَكِنْ قَالَ الْقَرَافِيُّ - بَعْدَ بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُفْسِدِ (أَيِ الْمُخَدِّرِ) - وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك أَنَّ الْحَشِيشَةَ مُفْسِدَةٌ وَلَيْسَتْ مُسْكِرَةً، ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِكَلاَمٍ نَفِيسٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْفُرُوقِ.
الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي تَنَاوُلِهِ:
4 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلِ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ، وَيُعَزَّرُ بِالسُّكْرِ مِنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍوَيَجُوزُ عِنْدَهُمُ التَّدَاوِي بِهِ وَاسْتِعْمَالُهُ لإِزَالَةِ الْعَقْلِ لِقَطْعِ عُضْوٍ مُتَآكِلٍ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ فِي حُكْمِ تَنَاوُلِ الْبَنْجِ لِغَيْرِ التَّدَاوِي وَوُجُوبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّكْرَانِ مِنْهُ.
عُقُوبَةُ تَنَاوُلِهِ:
5 - يُعَرِّفُ الْفُقَهَاءُ مَا يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَعَاطِيهِ الْحَدُّ بِأَنَّهُ: كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ. وَبِنَاءً عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ
إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّكْرَانِ مِنَ الْبَنْجِ وَنَظَائِرِهِ مِنَ الْجَامِدَاتِ، وَإِنْ كَانَ مُذَابًا وَقْتَ التَّعَاطِي، وَلَكِنَّهُ يُعَاقَبُ عُقُوبَةً تَعْزِيرِيَّةً.
حُكْمُ طَهَارَتِهِ:
6 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَنْجَ طَاهِرٌ؛ لأَِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ لِنَجَاسَةِ الْمُسْكِرِ أَنْ يَكُونَ مَائِعًا.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
7 - يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الأَْشْرِبَةِ وَالنَّجَاسَاتِ وَالطَّلاَقِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس والعشرون ، الصفحة / 93
الْمُسْكِرَاتُ الأْخْرَى غَيْرُ الْخَمْرِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الشُّرْبِ مِنَ الأْنْبِذَةِ الأْخْرَى الْمُسْكِرَةِ - غَيْرِ الْخَمْرِ -
الْقَوْلُ الأْوَّلُ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْخَمْرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْعِنَبِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الأْنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِ، فَيُسَمَّى جَمِيعُ ذَلِكَ خَمْرًا وَيَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهَا سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ.
وَقَدْ رُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ - رضي الله عنهم - وَبِهِ قَالَ
عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَقَتَادَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِسْحَاقُ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ).
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِتْعِ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».
وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ، مِنَ الشَّعِيرِ، وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ مِنَ الْعَسَلِ، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
الْقَوْلُ الثَّانِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَ سِوَى الْخَمْرِ مِنَ الأْشْرِبَةِ الْمَعْهُودَةِ الْمُسْكِرَةِ إِلاَّ إِذَا سَكِرَ مِنْ شُرْبِهَا، كَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَالْمَطْبُوخِ أَدْنَى طَبْخَةٍ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْمُثَلَّثِ، وَالأْشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالدَّخَنِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَالتِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حُرِّمَتِ الْخَمْرَةُ بِعَيْنِهَا، قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ.
حُكْمُ تَنَاوُلِ الْبَنْجِ وَالأْفْيُونِ وَالْحَشِيشَةِ:
يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْبَنْجِ وَالأْفْيُونِ وَالْحَشِيشَةِ، وَلاَ يُحَدُّ شَارِبُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بَلْ يُعَزَّرُ.
وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ: يُحَدُّ بِالسُّكْرِ مِنَ الْبَنْجِ فِي زَمَانِنَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: يَجِبُ الْحَدُّ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، وَمَنِ اسْتَحَلَّ السُّكْرَ مِنْهَا وَزَعَمَ أَنَّهُ حَلاَلٌ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ.
خَلْطُ الْخَمْرِ بِغَيْرِهَا
إِنْ ثَرَدَ فِي الْخَمْرِ أَوِ اصْطَبَغَ بِهِ (أَيِ ائْتَدَمَ) أَوْ طَبَخَ بِهِ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأِنَّ عَيْنَ الْخَمْرِ مَوْجُودَةٌ. وَكَذَلِكَ إِنْ لَتَّ بِهِ سَوِيقًا فَأَكَلَهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَإِنْ عَجَنَ بِهِ دَقِيقًا ثُمَّ خَبَزَهُ فَأَكَلَهُ لَمْ يُحَدَّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأِنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَثَرُهُ.
وَإِنِ احْتَقَنَ بِالْخَمْرِ لَمْ يُحَدَّ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِشُرْبٍ وَلاَ أَكْلٍ وَلأِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَى مَنِ احْتَقَنَ بِهِ الْحَدَّ، لأِنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَى جَوْفِهِ، وَالأْوَّلُ أَوْلَى عِنْدَهُمْ كَمَا يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ، وَرَجَّحَ الْمُتَأَخِّرُونَ الثَّانِيَ.
وَإِنِ اسْتَعَطَ بِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ؛ لأِنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَى بَاطِنِهِ مِنْ حَلْقِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اكْتَحَلَ بِهَا أَوِ اقْتَطَرَهَا فِي أُذُنِهِ أَوْ دَاوَى بِهَا جَائِفَةً أَوْ آمَّةً فَوَصَلَ إِلَى دِمَاغِهِ، لأِنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ يَعْتَمِدُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَهُوَ بِهَذِهِ الأْفْعَالِ لاَ يَصِيرُ شَارِبًا، وَلَيْسَ فِي طَبْعِهِ مَا يَدْعُوهُ إِلَى هَذِهِ الأْفْعَالِ لِتَقَعَ الْحَاجَةُ إِلَى شَرْعِ الزَّجْرِ عَنْهُ.
وَلَوْ خُلِطَتْ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ غَالِبَةً حُدَّ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا لاَ يُحَدُّ إِلاَّ إِذَا سَكِرَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ.
وَكَذَلِكَ يُحَدُّ إِذَا كَانَا سَوَاءً نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَوْ خَلَطَ الْمُسْكِرَ بِمَاءٍ فَاسْتُهْلِكَ الْمُسْكِرُ فِيهِ فَشَرِبَهُ لَمْ يُحَدَّ.
وَقَالُوا: إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لِعَطَشٍ وَكَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ أُبِيحَتْ لِدَفْعِ الْعَطَشِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَإِنْ شَرِبَهَا مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لاَ يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ لَمْ تُبَحْ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَلَوْ عَجَنَ دَوَاءً بِخَمْرٍ أَوْ لَتَّهُ أَوْ جَعَلَهَا أَحَدَ أَخْلاَطِ الدَّوَاءِ ثُمَّ شَرِبَهَا وَالدَّوَاءُ هُوَ الْغَالِبُ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ هِيَ الْغَالِبَةَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
لأِنَّ الْمَغْلُوبَ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِالْغَالِبِ إِذَا كَانَ مِنْ خِلاَفِ جِنْسِهِ وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ.
قَدْرُ حَدِّ السُّكْرِ وَحَدِّ الشُّرْبِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ مُطْلَقًا؛ أَيْ سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهَا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَا شَرِبَهُ مِنْهَا قَلِيلاً أَمْ كَثِيرًا.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْلُ الأْوَّلُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ،، وَهُوَ مُقَابِلُ الأْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لاَ فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأْنْثَى، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمَشُورَةِ: إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانِينَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، إِلَى أَنَّ قَدْرَ الْحَدِّ أَرْبَعُونَ فَقَطْ، وَلَوْ رَأَى الإْمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِينَ جَازَ فِي الأْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الأْرْبَعِينَ تَكُونُ تَعْزِيرَاتٍ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ ثُمَّ قَالَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ»، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ «نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ»، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ.
قَالُوا: وَفِعْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حُجَّةٌ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَلاَ يَنْعَقِدُ الإْجْمَاعُ عَلَى مَا خَالَفَ فِعْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهم، فَتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا إِذَا رَأَى الإْمَامُ ذَلِكَ.
شُرْبُ الْمُسْكِرِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ:
إِذَا شَرِبَ إِنْسَانٌ مُسْكِرًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يُحَدُّ لِلشُّرْبِ وَيُعَزَّرُ بِعِشْرِينَ سَوْطًا لإِفْطَارِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَذَلِكَ لأِنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ مُلْزِمٌ لِلْحَدِّ، وَهَتْكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ وَالصَّوْمِ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ وَلَكِنَّ الْحَدَّ أَقْوَى مِنَ التَّعْزِيرِ فَيُبْتَدَأُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ثُمَّ لاَ يُوَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعْزِيرِ لِكَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إِلَى الإِتْلاَفِ.
وَالأْصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الْحَارِثِيِّ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَحَدَّهُ ثُمَّ حَبَسَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَخْرَجَهُ فَضَرَبَهُ عِشْرِينَ سَوْطًا وَقَالَ: هَذَا لِجَرَاءَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَإِفْطَارِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَدِّ:
يُشْتَرَطُ لإِيجَابِ الْحَدِّ مَا يَلِي:
أَوَّلاً: التَّكْلِيفُ وَهُوَ هُنَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ، فَلاَ حَدَّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ بِاتِّفَاقٍ؛ لأِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لاَ يُوصَفُ بِالْجِنَايَةِ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا.
وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يُؤَدَّبُ لِلزَّجْرِ.
ثَانِيًا: الإْسْلاَمُ، فَلاَ حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِالشُّرْبِ وَلاَ بِالسُّكْرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: وَشُرْبُ الْخَمْرِ مُبَاحٌ لأِهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا فَلاَ يَكُونُ جِنَايَةً، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لَكِنَّنَا نُهِينَا عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ تَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لأِنَّنَا نَمْنَعُهُمْ مِنَ الشُّرْبِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُمْ إِذَا شَرِبُوا وَسَكِرُوا يُحَدُّونَ لأِجْلِ السُّكْرِ لاَ لأِجْلِ الشُّرْبِ لأِنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي الأْدْيَانِ كُلِّهَا. قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ حَسَنٌ.
وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: «إِنْ سَكِرَ الذِّمِّيُّ مِنَ الْحَرَامِ حُدَّ فِي الأْصَحِّ لِحُرْمَةِ السُّكْرِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ» وَجَاءَ بِهَا أَيْضًا قَوْلُهُ: حُدَّ فِي الأْصَحِّ أَفْتَى بِهِ الْحَسَنُ وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلاَ يُحَدُّ الذِّمِّيُّ بِشُرْبِهِ وَإِنْ سَكِرَ، وَعَنْهُ: يُحَدُّ، وَعِنْدِي: إِنْ سَكِرَ حُدَّ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ يُؤَدَّبُ بِالشُّرْبِ إِنْ أَظْهَرَهُ.
ثَالِثًا: عَدَمُ الضَّرُورَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، بِأَنْ يَشْرَبَهَا مُخْتَارًا لِشُرْبِهَا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. فَلاَ حَدَّ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا وَذَلِكَ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، وَلأِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَالشُّرْبُ بِالإْكْرَاهِ حَلاَلٌ فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً فَلاَ حَدَّ وَلاَ إِثْمَ.
وَسَوَاءٌ أُكْرِهَ بِالْوَعِيدِ وَالضَّرْبِ أَوْ أُلْجِئَ إِلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُفْتَحَ فُوهُ وَتُصَبُّ فِيهِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَكُونُ بِالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالضَّرْبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ أَوْ بِإِتْلاَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ بِالضَّرْبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ؛ أَيْ بِقَيْدٍ أَوْ سَجْنٍ شَدِيدَيْنِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لِسَحْنُونٍ.
وَكَذَلِكَ لاَ حَدَّ عَلَى مَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا لِدَفْعِ غُصَّةٍ بِهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا سِوَاهَا، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَعَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ).
وَلأِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَالشُّرْبُ لِضَرُورَةِ الْغُصَّةِ حَلاَلٌ فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَإِنْ شَرِبَهَا لِعَطَشٍ فَالْحَنَابِلَةُ، يَقُولُونَ: إِنْ كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ أُبِيحَتْ لِدَفْعِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَكَإِبَاحَتِهَا لِدَفْعِ الْغُصَّةِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ أَنَّهُ أَسَرَهُ الرُّومُ، فَحَبَسَهُ طَاغِيَتُهُمْ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَاءٌ مَمْزُوجٌ بِخَمْرٍ، وَلَحْمُ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٌّ لِيَأْكُلَهُ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَتَرَكَهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ حِينَ خَشُوا مَوْتَهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي فَإِنِّي مُضْطَرٌّ وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لأِشْمِتَكُمْ بِدِينِ الإْسْلاَمِ.
وَإِنْ شَرِبَهَا صِرْفًا أَوْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لاَ يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، يَحِلُّ شُرْبُهَا لِلْعَطَشِ لقوله تعالى : ( إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، الأْصَحُّ تَحْرِيمُهَا لِعَطَشٍ وَجُوعٍ وَلَكِنْ لاَ يُحَدُّ وَقَالُوا: إِنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاَكِ مِنْ عَطَشٍ جَازَ لَهُ شُرْبُهَا.
شُرْبُ الْمُسْكِرِ لِلتَّدَاوِي:
إِنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لِلتَّدَاوِي (لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُحَدُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ إِبَاحَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي بِحَدِيثِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَنَّ «طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ».
وَلأِنَّ الْمُسْكِرَ مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ فَلَمْ يُبَحْ لِلتَّدَاوِي كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ إِلَى جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْقَدْرِ الَّذِي لاَ يُسْكِرُ كَبَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ وَهَذَا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، أَمَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ دَوَاءً آخَرَ فَفِي جَوَازِهِ خِلاَفٌ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي (تَدَاوِي).
رَابِعًا: مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَدِّ أَيْضًا بَقَاءُ اسْمِ الْخَمْرِ لِلْمَشْرُوبِ وَقْتَ الشُّرْبِ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ. لأِنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ تَعَلَّقَ بِهِ حَتَّى لَوْ خُلِطَ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ ثُمَّ شَرِبَ نُظِرَ فِيهِ: إِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ - لأِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ يَزُولُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْخَمْرِ أَوْ كَانَا سَوَاءً يُحَدُّ؛ لأِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ.
وَيُحَدُّ مَنْ شَرِبَ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لأِنَّهُ خَمْرٌ بِلاَ شَكٍّ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ؛ لأِنَّ الدُّرْدِيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ صَافِيهِ، وَالاِنْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ حَرَامٌ فَكَذَلِكَ بِدُرْدِيِّهِ، وَهَذَا لأِنَّ فِي الدُّرْدِيِّ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ وَلَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ خَمْرٍ فِي مَاءٍ لَمْ يَجُزْ شُرْبُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ، فَالدُّرْدِيُّ أَوْلَى.
خَامِسًا: وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا الْعِلْمُ بِأَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ، فَالْحَدُّ إِنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ شَرِبَهَا عَالِمًا بِأَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ إِلاَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ مَا شَرِبَهُ مُسْكِرًا.
وَذَلِكَ لأِنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا وَلاَ قَاصِدٍ إِلَى ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ بِهَا فَأَشْبَهَ مَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ، وَلاَ حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا أَيْضًا - لأِنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم قَالاَ: لاَ حَدَّ إِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ - وَلأِنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا خَمْرٌ، وَإِذَا ادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِهَا نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ نَاشِئًا بِبَلَدِ الإْسْلاَمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ لأِنَّ هَذَا لاَ يَكَادُ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَلاَ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالإْسْلاَمِ أَوْ نَاشِئًا بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْبُلْدَانِ قُبِلَ مِنْهُ، لأِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
سَادِسًا: اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ النُّطْقَ فَلاَ يُحَدُّ الأْخْرَسُ لِلشُّبْهَةِ، لأِنَّهُ لَوْ كَانَ نَاطِقًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لاَ يُحَدُّ بِهِ كَإِكْرَاهٍ أَوْ غَصٍّ بِلُقْمَةٍ.
وَلاَ تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ وَلاَ الْحُرِّيَّةُ فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى كُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ وَالأْنْثَى وَالرَّقِيقِ إِلاَّ أَنَّ حَدَّ الرَّقِيقِ يَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ.
وُجُودُ رَائِحَةِ الْخَمْرِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ تُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ:
الْقَوْلُ الأْوَّلُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ تُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ. وَذَلِكَ لأِنَّ وُجُودَ رَائِحَةِ الْخَمْرِ لاَ يَدُلُّ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ لِجَوَازِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا وَلَمْ يَشْرَبْهَا، أَوْ شَرِبَهَا عَنْ إِكْرَاهٍ أَوْ غُصَّةٍ خَافَ مِنْهَا الْهَلاَكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ لأِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَلَدَ رَجُلاً وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ الشَّرَابِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلاَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي سَائِلٌ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ.
وَلأِنَّ الرَّائِحَةَ تَدُلُّ عَلَى شُرْبِهِ فَجَرَى مَجْرَى الإْقْرَارِ.
تَقَيُّؤُ الْخَمْرِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِتَقَيُّؤِ الْخَمْرِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ:
الْقَوْلُ الأْوَّلُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ. إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ؛ لاِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا تُسْكِرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ بِذَلِكَ، لأِنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ شُرْبِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِشُرْبِهَا.
وَلِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ قُدَامَةَ مَا كَانَ جَاءَ عَلْقَمَةُ الْخَصِيُّ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَتَقَيَّؤُهَا، فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ قَاءَهَا فَقَدْ شَرِبَهَا، فَضَرَبَهُ الْحَدَّ.
وَلِخَبَرِ عُثْمَانَ حِينَ أُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَآهُ شَرِبَهَا وَشَهِدَ الآْخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَضَرَبَهُ،، وَهَذَا بِمَحْضَرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَسَادَتِهِمْ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَلأِنَّهُ يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَلاَ يَتَقَيَّؤُهَا أَوْ لاَ يَسْكَرُ مِنْهَا حَتَّى يَشْرَبَهَا،
إِثْبَاتُ الْحَدِّ:
لاَ يَجِبُ الْحَدُّ حَتَّى يَثْبُتَ الشُّرْبُ أَوِ السُّكْرُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ: الإْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ.
الْبَيِّنَةُ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ - وَكَذَلِكَ السُّكْرُ - يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ - أَيْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ - وَهِيَ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا مَا يَلِي:
(1) أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ.
(2) الذُّكُورَةُ، فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
(3) الأْصَالَةُ فَلاَ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلاَ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا؛ لِتَمَكُّنِ زِيَادَةِ شُبْهَةٍ فِيهَا وَالْحُدُودُ لاَ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ.
(4) عَدَمُ التَّقَادُمِ (انْظُرْ شَهَادَة) (وَحُدُود) (وَتَقَادُم) ف 13
(5) وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ الإْمَامُ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ مَاهِيَّةِ الْخَمْرِ وَكَيْفَ شَرِبَ؛ لاِحْتِمَالِ الإْكْرَاهِ، وَمَتَى شَرِبَ لاِحْتِمَالِ التَّقَادُمِ، وَأَيْنَ شَرِبَ لاِحْتِمَالِ شُرْبِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِذَا بَيَّنُوا ذَلِكَ حَبَسَهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ وَلاَ يَقْضِي بِظَاهِرِهَا.
(6) قِيَامُ الرَّائِحَةِ وَقْتَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عَدْلاَنِ بِشُرْبِهِ الْخَمْرَ، وَخَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنَ الْعُدُولِ بِأَنْ قَالاَ: لَيْسَ رَائِحَتُهُ رَائِحَةَ خَمْرٍ بَلْ خَلٍّ مَثَلاً، فَلاَ تُعْتَبَرُ الْمُخَالَفَةُ وَيُحَدُّ؛ لأِنَّ الْمُثْبِتَ يُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي.
الإْقْرَارُ:
يَثْبُتُ الشُّرْبُ أَيْضًا بِإِقْرَارِ الشَّارِبِ نَفْسِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَانْظُرْ (حُدُود)، إِثْبَاتٌ.
شُرُوطُ إقَامَةِ الْحَدِّ:
يُشْتَرَطُ لإِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ وَالسُّكْرِ شُرُوطٌ، مِنْهَا:
(1) الإْمَامَةُ. اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ هُوَ الإْمَامُ أَوْ مَنْ وَلاَّهُ الإِْمَامُ، انْظُرْ (حُدُود).
(2) أَهْلِيَّةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِلشُّهُودِ عِنْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ، انْظُرْ (حُدُود)
(3) أَنْ لاَ يَكُونَ فِي تَنْفِيذِ حَدِّ الشُّرْبِ خَوْفُ الْهَلاَكِ لأَِنَّ هَذَا الْحَدَّ شُرِعَ زَاجِرًا لاَ مُهْلِكًا، انْظُرْ مُصْطَلَحَ جَلْد وَحُدُود وَزِنًى وَقَذْف.
كَيْفِيَّةُ الضَّرْبِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ:
لِلضَّرْبِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ كَيْفِيَّةٌ خَاصَّةٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (جَلْد وَحُدُود)
سُقُوطُ الْحَدِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ:
يَسْقُطُ حَدُّ الشُّرْبِ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِأُمُورٍ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حُدُود) (وَسُقُوط).