الفصل السابع فى الشهود والأدلة الأخرى
موسوعة قانون الإجراءات الجنائية
فى الشهود والأدلة الأخرى
يكلف الشهود بالحضور بناء على طلب الخصوم بواسطة أحد المحضرين أو رجال الضبط قبل الجلسة بأربع وعشرين ساعة غير مواعيد المسافة ، ويعلن لشخصه أو في محل إقامته بالطرق المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية ، إلا في حالة التلبس بالجريمة ، فإنه يجوز تكليفهم بالحضور في أي وقت ولو شفهياً بواسطة أحد مأموري الضبط القضائي أو أحد رجال الضبط ، ويجوز أن يحضر الشاهد في الجلسة بغير إعلان بناء على طلب الخصوم .
ومع عدم الإخلال بأحكام الفقرة الأولي من هذه المادة ، يحدد الخصوم أسماء الشهود وبياناتهم ووجه الاستدلال بهم ، وتقرر المحكمة من تري لزوم سماع شهادته ، وإذا قررت المحكمة عدم لزوم سماع شهادة أي منهم وجب عليها أن تسبب ذلك في حكمها .
وللمحكمة أثناء نظر الدعوى أن تستدعي وتسمع أقوال أي شخص ولو بإصدار أمر بالضبط والإحضار ، إذا دعت الضرورة لذلك ، ولها أن تأمر بتكليفه بالحضور في جلسة أخرى .
وللمحكمة أن تسمع شهادة أي شخص يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى .
1- البيِّن من مطالعة مدونات الحكم المطعون فيه في مقام اطراح المحكمة لطلب الطاعن في مناقشة مجري التحريات ، أنها قد استعملت حقها المقرر في نص المادة 277 من قانون الإجراءات الجنائية والمعدلة في نص المادة الأولى من القانون رقم 11 لسنة 2017 والمعمول به اعتبارًا من الأول من مايو من نفس السنة وفق ما جاء بالمادة التاسعة منه - والذي جرت إجراءات المحاكمة في ظل سريان أحكامه - والذي يخول للمحكمة تقدير من لا ترى لزوم لسماع شهادته، وقد انتهت بأسباب سائغة إلى رفض طلب الدفاع في هذا الصدد وذلك بما يتفق وحقها المقرر في القانون، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه من دعوى الإخلال بحق الدفاع يكون غير سديد .
( الطعن رقم 14149 لسنة 92 ق - جلسة 25 / 2 / 2024 )
2- لما كان القانون حين رسم الطريق الذى يتبعه المتهم فى إعلان الشهود الذين يرى مصلحته فى سماعهم أمام محكمة الجنايات لم يقصد بذلك إلى الإخلال بالأسس الجوهرية للمحاكمات الجنائية والتى تقوم على التحقيق الشفوى الذى تجريه المحكمة بجلسة المحاكمة فى مواجهة المتهم وتسمع فيه الشهود سواء لإثبات التهمة أو لنفيها ما دام سماعهم ممكناً ثم تجمع بين ما تستخلصه من شهادتهم وبين عناصر الإستدلال الأخرى فى الدعوى المطروحة على بساط البحث لتكون من هذا المجموع عقيدتها فى الدعوى ، فقد كان يتعين إجابة الدفاع إلى طلبه سماع شهود الواقعة ولو لم يرد لهم ذكر فى قائمة شهود الإثبات أو يقم المتهم بإعلانهم لأنهم لا يعتبرون شهود نفى بمعنى الكلمة حتى يلتزم بإعلانهم ، ولأن المحكمة هى الملاذ الأخير الذى يتعين أن ينفسخ لتحقيق الواقعة وتقصيها على الوجه الصحيح أغير مقيدة فى ذلك يتصرف النيابة العامة فيما تبينه فى قائمة شهود الإثبات أو تقسطه من أسماء الشهود الذين عاينوا الواقعة أو يمكن أن يكونوا عاينوها وإلا إنتفت الجدية فى المحاكمة وإنغلق باب الدفاع فى وجه طارقه بغير حق ، وهو ما تأباه العدالة أشد الإباء ، لما كان ذلك وكانت الواقعة التى طلب الطاعن سماع الشهود عنها متصلة بواقعة الدعوى ظاهرة التعليق بموضوعها ، وكان سماعهم لازماً للفصل فيها ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بإدانة الطاعن دون الإستجابة إلى طلب سماع المزارعين الذين نسب إليهم تزوير توقيعاتهم يكون قد أخل بحق الطاعن فى الدفاع .
( الطعن رقم 1517 لسنة 53 ق - جلسة 1983/11/23 - س 34 ص 979 ق 197 )
3- مفاد نص المادة 272 من قانون الإجراءات الجنائية أنه يجوز للمحاكم ومحكمة الجنايات من بينها أن تسمع أثناء نظر الدعوى - فى سبيل استكمال إقتناعها والسعى وراء الوصول إلى الحقيقة - شهوداً ممن لم ترد أسماؤهم فى القائمة ولم يعلنهم الخصوم سواء أكان ذلك من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم أو بناء على حضور الشاهد من تلقاء نفسه بغير إعلان وأن تستدعى أى شخص ترى أن هناك فائدة من سماع أقواله ، كما أن لها وفقاً للمادة 293 من ذات القانون من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم أن تأمر بإعلان الخبراء ليقدموا إيضاحات بالجلسة عن التقارير المقدمة منهم فى التحقيق الابتدائى أو أمام المحكمة .
( الطعن رقم 1404 لسنة 50 ق - جلسة 1981/04/30 - س 32 ص 422 ق 75 )
4- لما كانت المحكمة إذا رفضت سماع شهود النفي الذين لم يعلنهم الطاعن وفقاً للمادتين 186 و187 من قانون الإجراءات الجنائية قد خاضت فى الموضوع المراد الاستشهاد بهم عليه وعللت رفض الطلب بما قالته من كذب الشاهدة الأولى ... ... ... ... والتي سبق سماع شهادتها أمام هيئة سابقة، وعدم الجدوى من سماع الشاهدين الآخرين ... ... ... ... والشرطي ... ... ... على افتراض أنهم سوف يقولون إذا ما سئلوا أقوالاً معينة أو أنها سوف تنتهي على كل حال إلى حقيقة معينة بعض النظر عن الأقوال التي يدلون بها أمامها، فإن المحكمة فى هذه الحالة إنما تبني حكمها على افتراضات تفترضها وقد يكون الواقع على غير ما افترضت فيدلي الشود بشهادتهم أمامها بالجلسة بأقوال من شأنها أن تغير النظر الذي بدا لها قبل أن تسمعهم، كما أن تقدير المحكمة لشهادة الشاهد لا يقتصر على الحكم على أقواله المجردة بل وبالمناقشات التي تدور حول شهادته أثناء الإدلاء بها وكيفية أداء الشهادة. فحق الدفاع فى سماع الشاهد لا يتعلق بما أبداه فى التحقيقات الأولى بما يطابق أو يخالف غيره من الشهود بل بما يبديه فى جلسة المحاكمة ويسمع الدفاع مناقشته إظهاراً لوجه الحقيقة، فالقانون يوجب سؤال الشاهد أولا وبعدئذ يحق للمحكمة أن تبدي ما تراه فى شهادته وذلك لاحتمال أن تجئ هذه الشهادة التي يسمعها ويتاح للدفاع مناقشتها بما يقنعها بحقيقة قد يتغير بها وجه الرأي فى الدعوى .
( الطعن رقم 1198 لسنة 46 ق - جلسة 1977/02/14 - س 28 ع 1 ص 264 ق 58 )
5- متى كانت المحكمة قد إتخذت من جانبها كافة الوسائل الممكنة لإستدعاء الشاهد لسماع شهادته وأفسحت المجال للنيابة العامة وللدفاع عن المتهم لإعلانه والإرشاد عنه ، و لكنهما عجزا عن الإهتداء إليه ، فصار سماعه غير ممكن ، فإنه لا تثريب على المحكمة إذا هى فصلت فى الدعوى دون أن تسمع شهادته ، ولا تكون قد أخطأت فى الإجراءات أو أخلت بحق الدفاع .
( الطعن رقم 1657 لسنة 40 ق - جلسة 1971/03/07 - س 22 ع 1 ص 190 ق 46 )
6- الفقرة الثانية من المادة 277 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم 11 لسنة 2017 قد جرى نصها بالآتي: " ومع عدم الإخلال بأحكام الفقرة الأولى من هذه المادة ، يحدد الخصوم أسماء الشهود وبياناتهم ووجه الاستدلال بهم ، وتقرر المحكمة من ترى لزوم سماع شهادته ، وإذا قررت المحكمة عدم لزوم سماع شهادة أي منهم وجب عليها أن تسبب ذلك في حكمها " ، فإن هذا النص صريحًا في وجوب قيام المتهم بتحديد أسماء الشهود الذي رغب في سماع شهادتهم أمام المحكمة وبياناتهم ووجه استدلاله بهم ، وإذ كان ذلك ، وكان الطاعن لم يسلك الطريق الذي رسمه القانون في النص سالف الذكر بالنسبة للشهود الذي طلب من محكمة الجنايات سماع شهادتهم ، فلا تثريب على المحكمة إن هي لم تستجب إلى طلب سماعهم ، ويضحى تعييب الحكم المطعون فيه بالقصور والإخلال بحق الدفاع غير سديد .
( الطعن رقم 15309 لسنة 93 ق - جلسة 28 / 5 / 2024 )
7 ـ من المقرر أن القاضي الذي يفصل فى الدعوى يجب أن يكون قد اشترك فى تحقيقها بنفسه وسمع أوجه دفاع الخصوم فيها، وهو مبدأ مستقر عليه فى أصول المحاكمات، وقد نص عليه صراحة فى المادة 339 من قانون المرافعات المدنية والتجارية، وهذه المادة تقرر مبدأ عاماً يسري أيضاً فى المواد الجنائية، وإذا تعذر تحقيق دليل أمام المحكمة فقد تكفلت المادة 294 من قانون الإجراءات الجنائية بالنص على أنه يجوز فى هذه الحال أن تندب المحكمة أحد أعضائها أو قاضياً آخر لتحقيقه، وليس لها أن تحيل الدعوى على سلطة التحقيق بعد أن دخلت فى حوزتها، لأنه بإحالة الدعوى من سلطة التحقيق على قضاة الحكم تكون ولاية السلطة المذكورة قد زالت وفرغ اختصاصها، ومن ثم يكون الدليل المستمد من التحقيق التكميلي الذي تقوم به النيابة العامة بناء على ندب المحكمة إياها فى أثناء سير المحاكمة باطلاً، وهو بطلان متعلق بالنظام العام لمساسه بقواعد التنظيم القضائي التي تحدد نظام التقاضي وواجب المحكمة فى مباشرة جميع إجراءات الدعوى بنفسها، أو بندب أحد أعضائها أو قاضياً آخر فى حالة تعذر تحقيق الدليل أمامها، ومن ثم فلا يصح هذا البطلان رضاء المتهم أو المدافع عنه بهذا الإجراء المخالف للقانون.
( الطعن رقم 293 لسنة 31 ق - جلسة 1961/05/16 - س 12 ع 2 ص 581 ق 110 )
8 ـ إذا كان الثابت أن المحكمة تولت بنفسها سؤال وكيل النيابة الذى قام بإجراء المعاينة نظراً إلى فقد محضرها ، فان المحكمة بذلك تكون قد استكملت النقض الذى نشأ عن فقد المحضر المذكور على الوجه الذى ارتأته أخذاً بما يجرى به نص المادة 558 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 1466 لسنة 30 ق - جلسة 1960/12/26 - س 11 ع 3 ص 947 ق 185 )
9 ـ إذا كانت المحكمة قد أوردت فى أسباب الحكم من أقوال شهود النفى الذين إستشهد بهم فى التحقيقات ما يفيد أنها لم تكن قد أتمت تكوين عقيدتها فى الدعوى ، وأن الواقعة لم تكن قد وضحت لديها وضوحاً كافياً ، بل كانت فى حاجة إلى أن تستزيد من الأدلة حتى تقول كلمتها فيها ، وأنه لم يمنعها من ذلك سوى أن المتهم لم يقم بإعلان شهود النفى حتى تتمكن من المناقشة التى تطمئن إليها ، ومع ذلك أدانت المتهم فإنها تكون قد خالفت القانون ، إذا للقاضى الجنائي بمقتضى المادة 46 من قانون تشكيل محاكم الجنايات أن يستدعى و يسمع قول أى شخص يرى لزوماً لسماع أقواله ليكشف وجه الحق فى الدعوى ، بقطع النظر عن إعلانه بمعرفة من يرى المصلحة فى حضوره أو عدم إعلانه ، وبقطع النظر عن التمسك بطلبه أو عدم التمسك به . ولا يؤثر فى ذلك النظر ما يكون قد إستطردت إليه المحكمة من الحكم على الشهادة كما هى واردة بالتحقيقات ما دامت هى قد أوردت فى حكمها عن مناقشة شهود النفى ما ذكرته عن تبين الحقيقة والإطمئنان إليها مما قد يفيد احتمال تغيير رأيها فى حالة سماعها إياهم .
( الطعن رقم 345 لسنة 20 ق - جلسة 1950/04/24 - س 1ص 536 ق 175 )
سماع الشهود :
المبدأ : طبقاً لمبدأ شفوية المرافعة يجب على المحكمة أن تستمع بنفسها إلى شهادة الشهود وأن تسمح بمناقشتها شفوياً، وذلك استصحابات على أن الأصل هو بناء الأحكام الجنائية على التحقيق الذي تجريه المحكمة في الجلسة. ويتطلب ذلك بطبيعة الحال أن يدلي الشاهد بشهادته تلقائياً، فلا يكتفي بقراءة مذكرة مكتوبة، إلا إذا احتاج إلى التحقق من بيان مكتوب أو أرقام أو إحصائيات يستعصي على الذاكرة حفظها، وذلك بعد موافقة المحكمة. فعلى المحكمة أن تتخذ ما تراه من وسائل لسماع الشهود ولو كان ذلك بالأمر بضبطهم وإحضارهم عملاً بنص المادة 277 من قانون الإجراءات الجنائية .
ويرتبط سماع المحكمة للشهود بحرية القاضي في تكوين عقيدته من التحقيق الشفوي الذي يجريه ويسمع فيه الشهود مادام سماعهم ممكناً، محصلاً هذه العقيدة من الثقة التي توحي بها أقوال الشاهد أو لا توحي، ومن التأثير الذي تحدثه هذه الأقوال في نفسه وهو ينصت إليها وفي هذا الشأن قالت محكمة النقض إن التفرس في حالة الشاهد النفسية وقت أداء الشهادة، واستقامته وصراحته، أو مراوغته واضطرابه هي من الأمور التي تعين القاضي على تقدير أقواله حق قدرها .
كما قضت محكمة النقض بما مؤداه أن سلطة المحكمة في الأخذ بأقوال منقولة عن آخر حتى ولو كان مجهولاً ليست رهينة فقط باطمئنانها إليها بل أيضاً برؤيتها أنها صدرت حقيقة عنه وتمثل الواقع في الدعوى .
ومن حق المتهم سماع شهود الواقعة سواء أكانوا في قائمة شهود الإثبات أم لم يكونوا، ولا يجوز معاملتهم كأنهم شهود نفي، فلا يلتزم المتهم بإعلانهم لأنهم لا يعدون شهود نفي معنى الكلمة .
فالمحكمة هي الملاذ الأخير الذي يتعين أن ينفسح لتحقيق الواقعة وتقصيها على الوجه الصحيح، غير مقيدة في ذلك بتصرف النيابة العامة فيما تبينه في قائمة شهود الإثبات أو تسقطه من أسماء الشهود الذين شهدوا الواقعة أو يمكن أن يكون شهدوها وإلا انتفت الجدية في المحكمة وانغلق باب الدفاع في وجه طارقه بغير حق، وهو ما تأباه العدالة أشد الإباء .
ولا يؤثر في ذلك أن تكون المحكمة قد أسقطت في حكمها من عناصر الإثبات شهادة أحد شهود الواقعة الذي تمسك الدفاع بسماعه ولم تعول عليه في إدانة المتهم لاحتمال أن تجيء شهادة الشاهد التي تسمعها ويباح للدفاع مناقشتها بما يقنعها بغير ما اقتنعت به من الأدلة الأخرى التي عولت عليها. فضلاً عن أن الدفاع لا يستطيع أن يتنبأ سلفاً بما قد يدور في وجدان قاضيه عندما يخلو إلى مداولته، لأن حق الدفاع سابق في وجوده ومباشرته على مداولة القاضي وحكمه . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 1272 )
سماع شهود الإثبات بمعرفة المحكمة
حكمته
قد يقال أن الأمر في سماع شهود الإثبات يرجع أولاً وأخيراً إلى تقدير المحكمة ما دام تقدير الدليل يدخل في مطلق سلطاتها الذي لا يخضع لإشراف محكمة النقض، لكن هذا القول بعيد عن الصواب لجملة أسباب أهمها :
أولاً : أن تقدير الدليل لا يكون إلا بعد الإستماع إليه أولاً، أما التعرض لقيمته بغير تحقيقه فهو ليس من وظيفة القضاء، ولا هو السبيل للوصول إلى وجه الحق في الدعوى . وكثيراً ما نقضت أحكام لمجرد تعرضها للقيمة المحتملة لأقوال شاهد يطلب أحد الخصوم سماعه، للتشكيك في جدوى الاستماع إليه بمثل القول بأن أقواله لا يمكن أن تنال من شهادات الشهود الذي سمعوا في الدعوى فعلاً .
ثانياً : لأن المحاكمة تمثل للخصوم الفرصة الأخيرة لتمحيص الأدلة وتدارك ما يكون قد فات أمره على سلطة التحقيق الابتدائي من قصور فيه أو إهمال وإذا كان تقيد محكمة الموضوع بأن تجري تحقيق الدعوى من جديد مبدأ مهماً في البلاد التي تعرف نظام قاضي التحقيق، فهو فى بلادنا ألزم للعدالة وأوجب، إذ تجرى التحقيق الابتدائي فيه نفس سلطة الاتهام وهي النيابة العامة . وعلى حد تعبير لجنة قانون الإجراءات الحالي بمجلس الشيوخ أن " توجيه الاتهام يجعل النيابة خصماً، والخصم لا يمكن أن يكون محققاً عادلاً ". أو على حد تعبير لجنة الشئون التشريعية بمجلس النواب عن نفس القانون أنه "مهما تنزه نائب المجتمع فلن يتحرر من الحرص عند التحقيق على إبراز جهده في الاتهام، وأن يتجرد عن روج التعزير عند تأديبه لنسك العدالة المطلقة وفرائضها ".
فإذا كانت المحكمة لا تتدارك قصور التحقيق الإبتدائي - أو عدم ومتى؟ .. وكيف يتكشف هذا أو ذاك إذا لم تجر المحكمة التحقيق من حياده . إذا وقع فيه هذا أو ذاك، فمن هو إذن ذلك الذي يتداركه جديد بنفسها؟
ثالثاً : لأن الدفاع قلما يعين في مرحلة التحقيق الابتدائي بإبراز كل جهده في عرض وجهة نظره، اعتماداً على مرحلة المحاكمة أو قد لا يتسع له الوقت لمناقشة الأداء أو لطلب تحقيق أدلة معينة، أو قد لا تظهر الحاجة إليها إلا فيما بعد والمحاكمة هي الفرصة الوحيدة لكل ذلك، سواء في الجنايات حيث تجري المحاكمة على درجة واحدة أم في الجنح حيث لا تتقيد المحكمة الاستئنافية . بحسب الأصل . بإجراء أي تحقيق، بل تحكم على مقتضى الأوراق .
رابعاً : لأن إقتناع المحكمة أو عدم اقتناعها ينبغي أن يكون مستمداً من الثقة التي توحي بها أقوال الشاهد أو لا توحي، ومن التأثير الذي تحدثه هذه الأقوال في نفوس القضاة، وهم ينصتون إليها بأنفسهم، ثم أن سماع الشاهد في جلسة علنية حضورية من جديد إذا كان قد سبق سماعه تأمر كثيراً ما ينبهه إلى خطورة أقواله ويدفعه إلى الإصرار عليها إن كانت صادقة أو العدول عنها إن كانت كاذبة ولهذا كان من المبادئ المقررة أن للشاهد أن يعدل عن أقواله إلى حين إقفال باب المرافعة في الدعوى دون أن يؤخذ بأحكام شهادة الزور، أما الكذب في التحقيق الابتدائي فلا يخضع لها .
خامساً : لأنه ليس للتحقيق الابتدائي كله أية حجية في الإثبات " فمحاضر التحقيق التي يجريها البوليس أو النيابة وما تحويه من اعترافات المتهمين ومعاينات المحققين وأقوال الشهود، هي عناصر إثبات تحتمل الجدل والمناقشة كسائر الأدلة وللخصوم أن يفندوها دون أن يكونوا ملزمين بسلوك سبيل الطعن بالتزوير. وللمحكمة حسبما ترى أن تأخذ بها أو تطرحها إذا لم تطمئن إليها مهما كان نوعها ".
فإذا كان الأمر كذلك فإن إجراء التحقيق من جديد بمعرفة محكمة الموضوع يصبح واجباً بديهياً لإمكان البحث والمناقشة وعناصر التحقيق الابتدائي، وبالتالي لتتمكن المحكمة من أداء وظيفتها في الموازنة بين هذه العناصر .
سادساً : لأنه في الأحوال القليلة التي أسبغ فيها القانون على بعض المحاضر الابتدائية حجية في الإثبات أجاز نفي ما ورد فيها بكافة الطرق ( راجع مثلاً م 301 إجراءات بالنسبة لمحاضر المخالفات و م 420 فقرة أخيرة بالنسبة لحجية محضر الجلسة ) . وهذا النفي لا يتأتى إلا عن طريق التحقيق الذي تجريه المحكمة بنفسها .
سابعاً : لأن مناقشة الشهود في حضور الخصوم وبين سمع المحكمة وبصرها أمر يعد جزءاً لا يتجزأ من دفاع الخصوم، ووسيلة ميسرة عملية لإتصال المحكمة بالدعوى اتصالاً كافياً للفصل فيها بقضاء مستنير بكافة ظروفها وملابساتها . أما الحكم بمجرد الإطلاع على الأوراق فمغامرة خطيرة كثيراً ما أدت في الماضي في ظل نظام التنقيب والتحري إلى اقتناع خاطئ بأدلة أملتها شهوات الخصوم وأحقادهم .
وهذه الإعتبارات الهامة كان لها أثرها على الدوام في قضاء النقض الذي أعطى نصوص التشريع القوة والفاعلية المطلوبين لكفالة حق الدفاع، وإقامة بنيان قضائي على ضمانات حقيقية للأفراد، لا على مجرد إجراءات شكلية قد لا تغني فتيلاً في التوصل إلى قضاء صحيح في الدعوى .
عدم توقفه على إرادة الخصوم
وتقيد المحكمة الجنائية بمبدأ تحقيق الدعوى بسماع شهودها من جديد ليس متوقفاً على رغبة المتهم أو النيابة أو غيرهما وهذا هو ما يفرقه عن مبدأ تقيد المحكمة الجنائية بإجابة طلبات التحقيق المتصلة بموضوع الدعوى أو بدفوعها القانونية والتي قد يقدمها أحد الخصوم فيها، فحيث تلتزم المحكمة هنا بمبدأ التحقيق بدون توقف على طلب من أحد إذ بها لا تلتزم هناك بالتحقيق إلا إذا تقدم الطلب به من أحد الخصوم وكان مستوفياً شرائطه المطلوبة، على النحو الذى ستبينه فيما بعد .
كما تلتزم المحكمة تطبيقاً لشفهية المرافعة بالإستماع إلى كافة شهود الدعوى الذين تلزم أقوالهم لتكوين اقتناعها فيها : من سمع منهم الإستدلال أو التحقيق الابتدائي ومن لم يسمع، من أعلن منهم بالجلسة ومن لم يعلن، ومن وردت أسماؤهم في قائمة الشهود التي تحررها جهة الإحالة ومن لم يرد، ما دام يبين أن المحكمة أدخلت أقوالهم في الإعتبار عند حكمها بالإدانة أو بالبراءة، وإلا كان حكمها معيباً لإخلاله بشفهية المرافعة .
صدى ذلك في القضاء
ومن صدي هذا القضاء مثلاً ما يلي :
الأصل في التحقيق في دور المحاكمة أن يكون شفوياً ليتسنى للمحكمة وللخصوم في الدعوى مناقشة الشهود استجلاء للحقيقة فلا يجوز للمحكمة أن تستند إلى دليل ورد بالتحقيق الابتدائي وتعتمد عليه إلا إذا كان غير ميسور لها تحقيقها بنفسها . وإذن فالحكم الذي يجعل عمادة في إدانة المتهم أقوال شاهدين في التحقيق دون أن تسمعها المحكمة يكون قد أخل بحقوق الدفاع ويتعين نقضه .
إذا كان قوام الحكم بإدانة المتهم أقوال واحد ممن سئلوا في التحقيقات ولم تتل بالجلسة، ولم تشر المحكمة إليها أثناء المحاكمة ولم تتعرض لها النيابة ولا الدفاع، فإنه يكون قد أسس على دليل إثبات لم يكن مطروحاً على بساط البحث بالجلسة ولم تتح للدفاع فرصة مناقشة أثناء المحاكمة وإبداء ما يعن له من ملاحظات عليه، ويتعين إذن نقضه .
إن تحقيق الإدانة ليس رهناً بمشيئة المتهمين فإذا امتنعت المحكمة عن تحقيق الدليل (تقرير خبير) بحجة أن المتهمين لم يصروا على تحقيقه، دون أن تبين الأسباب التي تدل على أن الدعوى في ذاتها أصبحت غير مفتقرة إلى ذلك، فإن حكمها يكون باطلاً متعيناً نقضه .
يجب على المحكمة أن تعمل على إتمام التحقيق الذي بدأت فيه للتوصل إلى الحقيقة ، فإذا هي لم تتهمه، ولم تبين السبب الذي دعاها إلى العدول عنه، فإن حكمها يكون معيباً .
ولذا قضى بأنه إذا كان الحكم المطعون فيه قد رفض سماع أقوال شاهد الإثبات بمقولة " أنه قد ثبت مرضه وتغيبه في لندن للعلاج لمدة ثلاثة شهور، وأنه لا وجه لتعطيل نظر الدعوى خلال هذه المدة" فإنه يكون قد أخل بحق الدفاع، إذ أن غياب الشاهد للعلاج للمدة التي ذكرها الحكم لا يمنع من إمكان سماعه وأنه إذا تأجلت الدعوى كطلب الدفاع لاستدعاء الطبيب الشرعى لمناقشته ثم نظرت المحكمة الدعوى وأصدرت حكمها دون إجابة الدفاع إلى طلبه، ودون أن تعرض في حكمها لهذا الطلب أو تبدي سبب عدولها عن تنفيذه، فإنها تكون قد أخلت بحق الطاعن في الدفاع مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
وأنه إذا التفتت المحكمة كلية في حكمها عن التعرض لدفاع الطاعن وموقفه من التهمة التي وجهت إليه بما يكشف عن أن المحكمة قد أطرحت هذا الدفاع وهي على بينة من أمره . فإن حكمها يكون قاصر البيان متعيناً نقضه .
وأنه إذا بررت محكمة الجنح رفض سماع الشاهد بعدم إعلان الطاعن له كان في ذلك إخلال بحق الدفاع لأن تحقيق أدلة الإدانة في المواد الجنائية لا يصح أن يكون رهناً بمشيئة المتهمين .
كما قضى بأن حق الدفاع في سماع الشاهد لا يتعلق بما أبداه في التحقيقات الأولى، مما يطابق أو يخالف غيره من الشهود، بل بما قد يبديه في جلسة المحاكمة ويسع الدفاع مناقشته إظهاراً لوجه الحقيقة، ولا تصح مصادرته في ذلك بدعوى أن المحكمة قد أسقطت في حكمها شهادته من عناصر الإثبات ( لتغيبه في خارج البلاد ) وذلك لأن الدفاع لا يستطيع أن يتنبأ سلفاَ بما قد يدور في وجدان قاضية عندما يخلو إلى مداولته، ولأن حق الدفاع سابق في وجوده وترتيبه وأثره على مداولة القاضي وحكمه، ولأن وجدان القاضي قد يتأثر في غير رقابة من نفسه بما يبدو له أن أطرحه في تقديره عند الموازنة بين الأدلة إثباتاً ونفياً .
وقضى بأنه إذا تمسك الدفاع بسماع شهادة الغائب من شهود الإثبات، ولكن قضت المحكمة بإدانة المتهم وكونا إلى أقوال هؤلاء الشهود دون سماعهم كان ذلك إخلالاً بحق الدفاع، ولا يغير منه أن تكون المحكمة قد ركنت في الإدانة إلى أدلة أخرى ما دامت قد أدخلت في اعتبارها أقوال الشهود الغائبين الذين لم تسمعهم .
وكثيراً ما تلخص محكمة النقض مبدأ سماع الشهود من جديد بمثل قولها أن " الأحكام الجنائية يجب أن تبنى بصفة أصلية على التحقيق الشفاهي الذي تجريه المحكمة بنفسها في الجلسة ، وتسمع فيه الشهود في مواجهة المتهم ما دام سماعهم ممكناً فإذا كانت محكمة أول درجة قد حكمت بإدانة المتهم دون أن تجري أي تحقيق أو تسمع شهوداً، وكانت المحكمة الاستئنافية هي الأخرى قد فعلت ذلك، فإن إجراءات المحاكمة تكون باطلة" وأحكامها في هذا المعنى كثيرة جداً، فما أكثر ما نقضت أحكاماً لهذا السبب وحده .
ويكون سماع الشهود وجوبياً كلما اتصل الأمر بوجه هام من أوجه إظهار الحق في الدعوى ظاهر التعلق بموضوعها، لازم للفصل فيه على نحو صحيح . فإذا أغفلت المحكمة سماع بعض الشهود، وكان سماعهم ممكناً وبغير عذر مقبول بطلت المحاكمة بل قضى بأن المحاكمة تبطل إذا لم تسمع المحكمة الشهود لعدم الإستدلال عليهم ثم تبين أن أحدهم فقط لم يعلن وكان يمكن سماعه بالتالي .
كما قضى بأنه متى كان الحكم قد استند في القضاء بإدانة المتهم إلى إقراره في محضر ضبط الواقعة دون أن تسمع هذا الاعتراف، أو تحقق شفوية المرافعة بسماع شاهد الإثبات في الدعوى فإن الحكم يكون مشوباً ببطلان في الإجراءات .
وللمتهم أن يتمسك في النقض ببطلان المحاكمة بسبب عدم سماع بعض الشهود أو أحدهم أمام درجتي التقاضي ما دام لم يحضر معه محام - يمكن أن يعترض بالجلسة .
سماع شهود النفى :
هذا الذي قلناه في شأن إيجاب سماع شهود الإثبات يصدق - بنفس المستوى على شهود النفي . فإن على محكمة الموضوع أيضاً تحقيق أدلة النفي بمعرفتها سواء أكان قد شملها التحقيق الابتدائي أم لم يشملها وذلك كما إذا أثارها الدفاع لأول مرة في مرحلة المحاكمة، أو من باب أولى إذا كان قد سبق أن أثارها في مرحلة التحقيق الابتدائي فامتنعت السلطة المختصة عن تحقيقها لغير سبب مقبول فعلى محكمة الموضوع تدارك هذا القصور وتحقيق أدلة النفي متى كانت متصلة بموضوع الدعوى، وكان التحقيق منتجاً ومؤثراً في ظهور وجه الحق فيها .
وقد عبرت محكمة النقض عن خطورة كفالة حق الدفاع في هذا الشأن ووضحت حدوده عندما قالت : " أن القانون كما اهتم بحقوق الاتهام فإنه قدس حقوق الدفاع ورتب للمتهمين ضمانات لا يجوز الإخلال بها أولاها أنه أوجب سماع ما يبديه المتهم من أوجه الدفاع وتحقيقها، وهذه الضمانة قاعدة أساسية عامة مستفادة من حق الدفاع ذاته تلازمه في كل مواطن إستعماله .
وهذه القاعدة لا يحد منها إلا أحد أمرين : الأول أن يكون موجه الدفاع الذي يبديه المتهم ويطلب تحقيقه غير متعلق بالموضوع ولا جائز القبول . والثاني أن يكون القاضي قد وضحت لديه الواقعة المبحوث فيها وضوحاً كافياً .
ففي هاتين الحالتين يجوز للقاضي ألا يستمع لوجه الدفاع وألا يحققه . غير أنه إذا كان للقاضي ألا يستمع لوجه الدفاع وألا يحققه في هاتين الصورتين فإن من واجبه أن يبين لماذا هو يرفض الطلب وعلة ذلك أن طلب التحقيق حق للمتهم، وكل مطالبه بحق يرفضها القاضي لابد من بيان سبب رفضه إياها".
توقفه على إرادة صاحب الشأن
كما قضت محكمة النقض مراراً تطبيقاً لهذه القاعدة بأنه على محكمة الدرجة الأولى أن تسمع شهود النفي الذين يطلب المتهم سماعهم ثم تقدر شهادتهم كما ترى فإذا هي وجدت أن لا محل لسماع أولئك الشهود فيجب عليها أن تبين سبب ذلك في حكمها، وإلا فإنها تكون قد أخلت بحق المتهم في الدفاع . فإذا كان المتهم قد طلب سماع شهود فلم تجبه المحكمة إلى هذا الطلب ولم تبين السبب في ذلك، ثم كرر طلبه إلى المحكمة الاستئنافية دون أن تشير هي الأخرى بشئ إلى ما طلبه فإن حكمها يكون معيباً .
وقضى أيضاً بأنه متى كانت المحكمة قد صرحت للمتهمة بإعلان شهود نفي فأعلنت أثنين منهم ، ولكنهما لم يحضرا وتمسك الدفاع بسماعهما مبدياً في مرافعته أهمية أقوالهما بالنسبة لمركز موكلته في الدعوى، فإن المحكمة إذا لم تجبه لطلبه تكون قد أخلت بحق المتهمة في الدفاع، ولا يغير من هذا النظر أن تكون المحكمة غير ملزمة أصلاً بإجابة المتهمة إلى طلب سماع شاهديها، لأنها لم تتقدم لها به في الميعاد القانوني، ما دام أن المحكمة قد صرحت لها بإعلانهما وقامت فعلاً بذلك .
ومحكمة الموضوع عليها أن تجيب المتهم إلى ما يطلبه من سماع شهود نفي متى كان لشهادتهم أثر محتمل في مصير الدعوى وإظهار وجه الحق فيها. أي متى كانت الأقوال التي يراد الاستشهاد بهم عليها متصلة بالوقائع المطروحة سواء أكانت من شأنها التأثير في ثبوت الواقعة. أم في خضوعها لنص معين في القانون دون آخر، أم في تقدير العقوبة، لأن من مصلحة المتهم والعدالة أيضاً أن تكون العقوبة المحكوم بها متناسبة مع جسامة الفعل الثابت في حقه .
صدى ذلك في القضاء
ولا يجوز الحكم على ما قد يتمسك به المتهم من وجوه الدفاع بأنها غير صادقة قبل سماعها وتمحيصها، فإن سماعها قد يكون له رأي المحكمة من الأثر ما يغير وجهة نظرها في تلك الأدلة لذا فإنه إذا عللت المحكمة رفض طلب سماع شهود النفي بما قالته من كذب هؤلاء الشهود، على افتراض أنهم سوف يرددون نفس ما قالوه في التحقيق، فإنها تكون قد أخلت بحق الدفاع مما يعيب حكمها ويستوجب نقضه .
كما قضى أيضاً بأنه إذا كانت المحكمة قد رفضت ما طلبه المدافع عن المتهم من سماع أقوال شاهدين عينهما تأسيساً على أنها لا ترى محلاً لسماعهما لكفاية أدلة الإثبات قبل المتهمين فإن ذلك يكون منها غير سائغ وفيه إخلال بحق الدفاع، إذ أن القانون إنما يوجب سؤال الشاهد أولاً، ثم بعد ذلك يحق للمحكمة أن تبدي ما تراه في شهادته، لاحتمال أن تكون هذه الشهادة، التي تسمعها ويباح للدفاع مناقشتها بما يقنعها بحقيقة قد يتغير بها وجه الرأي في الدعوي .
أما إذا تبين للمحكمة أن طلب التأجيل لإعلان شهود نفي قصد به مجرد المطلب والمراوغة لانتفاء الصلة بين ما يرى المتهم الاستشهاد بهم عليه من الوقائع، وبين الواقعة المطروحة في الدعوى فمن حقها أن ترفض إجابة هذا الطلب، لكن عليها أن تذكر الأسباب، التي بنى عليها هذا الرفض، وتراقب محكمة النقض هذه الأسباب من حيث كونها سائغة مستمدة من ظروف الواقعة، أم ليست كذلك، في نطاق الحدود العامة التي تراقب فيها المسائل الموضوعية .
والمتهم في شأن طلب سماع شهود نفيه هو الأصيل وليس محاميه فإذا تعارضت وجهة نظره مع وجهة نظر محاميه فالعبرة بوجهة نظره هو دون محاميه لذا قضى بأنه إذا تمسك المتهم بسماع شهوده، وطلب محاميه سماع أقوال شاهدين ثم عاد فقال أنه متنازل عن طلبه .. فإن المحكمة إذا حكمت بإدانة المتهم دون أن تسمع شهوده تكون قد أخطأت وبنت قضاءها على إجراءات باطلة .. ثم ذهب نفس هذا الحكم، وهو الأمر الجديد الذي يهمنا هنا إلى القول بأنه: "لا يهم ما جاء على لسان المحامي من التنازل عن الشهود، إذ أن المتهم هو صاحب الشأن الأول في الدعوى المقامة متى أبدي بلسانه طلباً من الطلبات المتعلقة بالدعوى فيجب الفصل فيه، بغض النظر عن مسلك المدافع عنه بشأن هذا الطلب .
إعلان الشهود في الجنايات .
يعلن الشهود في الجنايات طبقاً لنص المادتين 187، 186 إجراءات ذلك أن المادة 185 معدلة بالقانون رقم 107 لسنة 1962 أوجبت على مستشار الإحالة عندما يصدر أمراً بالإحالة إلى محكمة الجنايات أن يضع قائمة نهائية بالشهود الذين يطلب الخصوم أن تسمع شهاداتهم أمام المحكمة مع بيان أسمائهم، ومحل إقامتهم، والوقائع التي يطلب من كل منهم أداء الشهادة عنها.
ثم عاد الشارع في المادة 186 فأوجب أن يعلن كل من الخصوم شهوده الذين لم يدرجوا في القائمة السابقة بالحضور على يد محضر على نفقته مع إيداع مصاريف انتقالهم قلم الكتاب كما أوجب في المادة 187 على النيابة العامة وباقي الخصوم أن يعلن كل منهم الآخر قبل انعقاد الجلسة بثلاثة أيام على الأقل بأسماء الشهود المعلنين من قبله ولم تدرج مع أسماؤهم في القائمة المذكورة مع بيان موضوع شهادة كل منهم . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 800 )
شهادة الشهود
هي التعبير عن مضمون الإدراك الحسي للشاهد بالنسبة للواقعة التي لا يشهد عليها. ولذلك فالشهادة قد تكون رؤيا أو شهادة سمعية أو حسية تبعاً لإدراك الشاهد .
وشهادة الشهود من الأدلة الهامة أمام المحكمة من حيث الواقع العملي وإن كانت من حيث التأثير على عقيدة المحكمة وتكوين اقتناعها قد تأتي في مرتبة تالية لكثير من الأدلة. ولكن نظراً لأن شهادة الشهود في كثير من الأحيان قد تكون هي الدليل الوحيد القائم في الدعوى، ونظراً لأن الشهادة الصادقة الدقيقة قد تكون خير معين للمحكمة في تكوين عقيدتها وحكمها، فقد نظم المشرع إجراءاتها وقواعدها في الفصل السابع من الكتاب الثاني تحت عنوان " في الشهود والأدلة الأخرى".
حضور الشهود أمام المحكمة والإجراءات الخاصة بذلك :
القاعدة هي أن الشهود يتم حضورهم أمام المحكمة بناءاً على تكليف بالحضور يعلن إليهم بواسطة أحد المحضرين أو أحد رجال الضبط القضائي. ويكون التكليف بالحضور من النيابة العامة بالنسبة لشهود الإثبات أما شهود النفي فيكون إعلانهم بناءاً على طلب المتهم أو المسئول عن الحقوق المدنية. ويجوز إعلان الشهود أيضاً بناءاً على طلب المجني عليه أو المدعي المدني وذلك إذا لم تكن النيابة العامة قد قامت بإعلانهم. وقد عبر المشرع عن ذلك في المادة محل التعليق بأن " يكلف الشهود بالحضور بناء على طلب الخصوم". ويكون التكليف قبل الجلسة بأربع وعشرين ساعة مع مراعاة مواعيد المسافة. غير أنه يجوز الاستغناء عن هذا الميعاد في حالة التلبس بالجريمة إذ يجوز تكليفهم بالحضور في أي وقت بدون إعلان وإنما يكتفي بالتنبيه الشفوي بواسطة أحد مأموري الضبط القضائي أو أحد رجال الضبط. ويجوز أيضاً حضور الشهود في الجلسة بناءاً على طلب الخصوم وبغير إعلان سابق . ( الفقرة الأولى من المادة محل التعليق ) .
سلطة المحكمة في استدعاء الشهود :
إذا رأت المحكمة أثناء نظر الدعوى ضرورة سماع أقوال شخص معين لم يعلن کشاهد أو كان الخصم قد تنازل عن طلب سماعه إلا أن المحكمة رأت ضرورة لذلك، فلها أن تستدعيه وتسمع أقواله، ولها أن تلجأ في ذلك إلى إصدار أمر بالضبط والإحضار إذا امتنع عن الحضور رغم التنبيه عليه. كما لها أن تأمر بضبطه وإحضاره إذا دعت الضرورة لذلك حتى رغم عدم الإعلان السابق، كما أن لها أن تأمر بتكليفه بالحضور في جلسة أخرى. والمشرع قد خول المحكمة هذا الحق إذا رأت ضرورة سماع محرر المحضر أو أحد من رجال الضبط القضائي. كما يجوز للمحكمة أن تسمع لضابط وقضاة التحقيق وأعضاء النيابة كشهود في القضايا التي حققت أو ضبطت بمعرفتهم. غير أن استدعاءهم لا يكون إلا حيث ترى المحكمة ذلك، فلا يجوز استدعاءهم بتكليفهم بالحضور من الخصوم. ويجوز للمحكمة أن تستدعي شخصاً تصادف وجوده بالجلسة . (الفقرة الثانية من المادة محل التعليق) .
وللمحكمة من ناحية أخرى أن تسمع شهادة أي إنسان يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى . (الفقرة الأخيرة من المادة محل التعليق) .
سلطة المحكمة في تقدير الشهادة :
إن تقدير الشهادة التي يدلي بها الشهود أمام المحكمة وفي التحقيقات الأولية تخضع للسلطة المطلقة لمحكمة الموضوع. فالمحكمة لها أن تأخذ بشهادة شاهد وتطرح شهادة الآخرين. كما لها أن تأخذ بالشهادة التي أدلى بها في التحقيقات الأولية وتطرح ما ورد على لسان الشاهد بالمحكمة. وبالنسبة للشهادة الواحدة يمكن أن تجزئها فتأخذ منها ما تطمئن إليه وتطرح الباقي. ويجوز للمحكمة أن تطمئن إلى شهادة المجني عليه، كما أن وجود عداوة بين الشاهد والمتهم لا تدعو لإهدار شهادته بل للمحكمة أن تستند إليها في حكمها. وللمحكمة أن تعول على شهادة الشاهد السمعية حتى ولو كان ما نقلت عنه الرواية قد كذب الشاهد في روايته. كما يجوز الاستناد إلى الشهادة السمعية القائمة على تعرف الشاهد لصوت من يشهد عليه حتى ولو لم يره أثناء ارتكاب الجريمة، ولا يلزم أن تكون الشهادة منصبة على الفعل الإجرامي إذ يكفي أن تكون على واقعة تفيد في كشف هذه الحقيقة. ولا يلزم أن تكون الشهادة مطابقة لمضمون الدليل الفني، إذ يكفي أن تكون غير متناقضة معه. ومثال الاختلاف الذي لا يصل إلى مرتبة التناقض فيما يتعلق بتقدير المسافات التي أطلقت منها الأعيرة النارية على المجني عليه، باعتبار أن تقدير الأشخاص المسافات هو تقريبي، أما تقدير الخبير لها فيرجع إلى أصول فنية. ويثير تقدير الشهادة المسائل الآتية :
الأولى : هي أقوال المتهم على متهم آخر :
لا شك أن أقوال متهم على متهم آخر لا تعتبر شهادة بالمعنى الدقيق إذ أن المتهم لا يحلف اليمين فضلاً عن أن شهادة المتهم على آخرين تؤخذ دائماً بالريبة والشك. ورغم ذلك فيجوز للمحكمة أن تستند في حكمها على أقوال أحد المتهمين على المتهمين الآخرين وتحكم بإدانتهم استناداً على تلك الأقوال متى اطمأنت إليها. غير أنه يراعى أن أقوال المتهم على المتهمين الآخرين ليست دليلاً بالمعنى الدقيق وإنما هي من قبيل الاستدلالات التي يجوز للمحكمة أن تستند إليها لتعزيز دليل قائم. ومعنى ذلك أنه لا يجوز الاستناد على تلك الأقوال وحدها في إدانة المتهم وإنما يلزم توافر دليل آخر يؤيد هذا القول أو قرائن أخرى تعززه .
الثانية : الشهادة على سبيل الاستدلال :
قد تسمع المحكمة أشخاصاً دون أن يحلفوا اليمين القانونية قبل الإدلاء بأقوالهم إما لكونهم دون سن الرابعة عشر وإما لكونهم قد فقدوا الأهلية القانونية بصدور حكم جنائي وفقاً لنصوص قانون العقوبات. ولا شك أن عدم تحليف الشاهد اليمين ينفي عن أقواله صفة الشهادة القانونية كدليل إثبات ليجعلها في مصاف الاستدلالات التي تعزز الأدلة القائمة في الدعوى دون أن يكون من الجائز الاستناد إليها وحدها في الحكم وإنما يلزم تعزيزها بأدلة أخرى أو قرائن قضائية، ولذلك ففي جميع الأحوال التي لا يحلف فيها الشاهد اليمين أو لا تتوافر لديه أهلية الشهادة لسبب شخصي يتعلق به يمكن للمحكمة أن تقدر هذه الأقوال ولها أن تأخذ بها إذا اطمأنت إليها. وكل ذلك مشروط بوجود أدلة أخرى تساندها وتعززها. فإذا لم يوجد دليل واحد بالأوراق أو قرائن أخرى فلا يجوز الاستناد إلى تلك الأقوال وحدها للحكم بالإدانة. حقاً إن سلطان القاضي مطلق في تقدير العناصر التي يطمئن إليها في حكمه إلا أن ذلك مشروط بألا يخرج هذا التقدير عن الحدود التي رسمها القانون حتى لا تكون في محيط التحكم. وإذا كان القانون لم يورد الأدلة على سبيل الحصر إلا أنه طالما استلزم في الدليل شروطاً شكلية معينة فمعنى ذلك أن الدليل يفقد صفته هذه إذا ما تخلفت هذه الشروط كلها أو بعضها .
ولا شك أن سلطة المحكمة في سماع الشهود على سبيل الاستدلال له أهميته بالنسبة للشهادة الزور. ذلك أن الشهادة الزور لا تكون إلا بالنسبة للشاهد الذي يحلف اليمين ويدلي بأقوال كاذبة بعد حلفه اليمين أمام المحكمة. أما الشاهد على سبيل الاستدلال فلا يمكن أن يرتكب جريمة الشهادة الزور .
الثالثة : سلطة المحكمة في الحكم على الشاهد الزور :
إذا رأت المحكمة أن شهادة الشاهد لا تطمئن إليها فهي تطرحها ولا تأخذ بها، أما إذا تبينت المحكمة كذب الشاهد في شهادته بعد أن يكون قد حلف اليمين القانونية فهو بذلك يعتبر مرتكباً لجريمة الشهادة الزور، غير أنه لا يجوز تحريك الدعوى العمومية ضده إلا بعد إقفال باب المرافعة دون أن يعدل الشاهد عن شهادته الزور، فإذا عدل عنها وأدلي بالشهادة الصحيحة أفاده هذا العدول في عدم رفع الدعوى العمومية عليه حتى ولو كانت المحكمة قد وجهت إليه الاتهام أو أمرت بالقبض عليه تمهيداً لإحالته إلى النيابة العامة، إذ أن قفل باب المرافعة دون عدول الشاهد يعتبر شرطاً لرفع الدعوى .
وإذا أصر الشاهد على أقواله الكاذبة حتى قفل باب المرافعة فيجوز للمحكمة أن توجه إليه الاتهام وتحكم عليه بعد سماع أقوال النيابة العامة إذا كانت الشهادة الزور لها وصف الجنحة. والمحكمة هنا تختص برفع الدعوى والحكم فيها بوصفها من جرائم الجلسات. أما إذا كانت الشهادة الزور لها وصف الجناية فتحيلها المحكمة إلى النيابة العامة مع المتهم مقبوضاً عليه . (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة: 103)
وللمحكمة أثناء الدعوى أن تستدعي وتسمع أقوال أي شخص أو بإصدار أمر بالضبط والإحضار إذا دعت الضرورة لذلك ولها أن تأمر بتكليفه بالحضور في جلسة أخرى وللمحكمة أن تسمع شهادة أي إنسان يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى (م 277) من قانون الإجراءات الجنائية. ومفاد ذلك النص أن تكليف شهود الإثبات بالحضور منوط بالنيابة العامة ولا شأن للمتهم به كما وأن من حق المحكمة أن تستدعي وتسمع أقوال أي شخص لم يكن قد سبق إعلانه قبل الجلسة بالحضور أمامها ولا جناح عليها إن هي أخذت بأقواله واستندت إليها في قضائها كما وأن لها أن تسمع شهوداً من الحاضرين بالجلسة ويلاحظ أن لمحكمة الموضوع ألا تسمع شهود النفي إذا رأت أن شهادتهم غير متعلقة بموضوع الدعوى المطلوب سماعهم فيها. ذلك أن من المقرر أن تقدير ضرورة سماع شاهد النفي أمر تستقل به محكمة الموضوع إذا هو يتعلق بسلطتها في تقدير الدليل ومن جهة أخرى فإن المحكمة أيضاً غير ملزمة بالمرة بسماع شهادة شهود النفي الذين تنازل الدفاع عنهم- وليس في القانون ما يمنع من استدعاء ضابط الشرطة وقضاة التحقيق وأعضاء النيابة شهوداً في القضايا التي لهم عمل فيها وذلك إذا رأت المحكمة التي تؤدي الشهادة أمامها محلاً لذلك مع ملاحظة أن هناك أشخاصاً لا يجوز إكراههم على الحضور أمام القضاء لأداء الشهادة مثل رجال السلك السياسي وزوجاتهم وأولادهم وأقاربهم الأقربين الذين يعيشون معهم في معيشة واحدة لما يتمتعون به من حصانة وعموماً كل من لا يخضع بحسب قواعد القانون الدولي العام للقضاء الوطني ويستوي في ذلك أن تكون الواقعة جنائية أو مدنية .
لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة في تقدير الشهادة لها أن تقول بكذبها ولها أن تأخذ بشهادة الشاهد في التحقيق الإبتدائي دون شهادته في الجلسة أو العكس ولها أن تعتمد على شهادة شاهد بالرغم مما وجه إليه من مطاعن لا تدل بذاتها على كذبه فلها أن تأخذ بأقوال الشاهد ولو كان قريباً للمجني عليه أو كان هو المجني عليه نفسه متى اطمأنت إلى أن القرابة لم تحمله على تغيير الحقيقة ولها أن تأخذ بأقوال شاهد ولو كانت مخالفة لأقوال شاهد آخر، ولها أن تأخذ بالأقوال التي ينقلها شخص عن آخر ولو أنكرها هذا الأخر متى رأت هي تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة .
وللمحكمة أن تجزئ أقوال الشاهد فتأخذ ببعضها دون البعض الآخر فتأخذ بأقواله بشأن واقعة معينة ولا تأخذ بها بشأن واقعة أخرى. واقتناع أو عدم اقتناع المحكمة بأقوال الشاهد مسألة موضوعية لا شأن لمحكمة النقض بها وليست المحكمة ملزمة ببيان سبب اقتناعها لأن السبب معروف في القانون وهو اطمئنانها إلى ما أخذت به وعدم اطمئنانها إلى ما طرحته. ولكن إذا أفصحت المحكمة عن الأسباب التي من أجلها لم تعول على أقوال الشاهد فإن لمحكمة النقض أن تراقب ما إذا كان من شأن هذه الأسباب أن تؤدي إلى النتيجة التي خلصت إليها أم لا . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 110 )
شهادة الشهود
التعريف بها :
هي التعبير عن مضمون الإدراك الحسي للشاهد للواقعة التي يشهد عليها، ولذلك فالشهادة قد تكون شهادة رؤيا أو شهادة سمعية أو حسية تبعاً لإدراك الشاهد .
وشهادة الشهود من الأدلة الهامة أمام المحكمة من حيث الواقع العملي وإن كانت من حيث التأثير على عقيدة المحكمة وتكوين اقتناعها قد تأتي في مرتبة تالية لكثير من الأدلة ولكن نظراً لأن شهادة الشهود في كثير من الأحيان قد تكون هي الدليل الوحيد القائم في الدعوى، ونظراً لأن الشهادة الصادقة الحقيقة قد تكون خير معين للمحكمة في تكوين عقيدتها وحكمها .
القاعدة هي أن الشهود يتم حضورهم أمام المحكمة بناء على تكليف بالحضور يعلن إليهم بواسطة أحد المحضرين أو أحد رجال الضبط .
ويكون التكليف بالحضور من النيابة العامة بالنسبة لشهود الإثبات أما شهود النفي فيكون إعلانهم بناء على طلب المتهم أو المسئول عن الحقوق المدنية. ويجوز إعلان الشهود أيضاً بناء على طلب المجني عليه أو المدعي المدني وذلك إذا لم تكن النيابة العامة قد قامت بإعلانهم. وقد عبر المشرع عن ذلك في المادة 277 بأن «يكلف الشهود بالحضور بناء على طلب الخصوم».
ويكون التكليف بالحضور قبل الجلسة بأربع وعشرين ساعة مع مراعاة مواعيد المسافة. غير أنه يجوز الاستغناء عن هذا الميعاد في حالة التلبس بالجريمة إذ يجوز تكليفهم بالحضور في أي وقت بدون إعلان وإنما يكتفي بالتنبيه الشفوي بواسطة أحد مأموري الضبط القضائي أو أحد رجال الضبط (م 277) . ويجوز أيضاً حضور الشهود في الجلسة بناء على طلب الخصوم وبغير إعلان سابق .
سلطة المحكمة في استدعاء الشهود :
إذا رأت المحكمة أثناء نظر الدعوى ضرورة سماع أقوال شخص معين لم يعلن كشاهد أو كان الخصم قد تنازل عن طلب سماعه إلا أن المحكمة رأت ضرورة ذلك فلها أن تستدعيه وتسمع أقواله، ولها أن تلجأ في ذلك إلى إصدار أمر بالضبط والإحضار إذا امتنع عن الحضور رغم التنبيه عليه. كما لها أن تأمر بضبطه وإحضاره إذا دعت الضرورة لذلك حتي رغم عدم الإعلان السابق، كما أن لها أن تأمر بتكليفه بالحضور في جلسة أخرى (277)، والمشرع قد خول المحكمة هذا الحق إذا رأت ضرورة سماع محرر المحضر أو أحد من رجال الضبط القضائي. كما يجوز للمحكمة أن تسمع للضباط وقضاة التحقيق وأعضاء النيابة كشهود في القضايا التي حققت أو ضبطت بمعرفتهم غير أن استدعاءهم لا يكون إلا حيث ترى المحكمة ذلك فلا يجوز استدعاؤهم بتكليفهم بالحضور من الخصوم. ويجوز للمحكمة لن تستدعي شخصاً تصادف وجوده بالجلسة. وللمحكمة من ناحية أخرى أن تسمع شهادة أي إنسان يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى (277).
وليس للمحكمة أن تستبعد من تلقاء نفسها سماع الشهود المعلنين . ولا يغني عن ذلك أن يكون الشاهد سوف يشهد عن واقعة شهد بها غيره وتناولتها شهادته طالما أن سماعه كان ممكناً. كما لا يجوز للمحكمة أن ترفض سماع الشاهد تأسيساً على أنها ترى أن أدلة الثبوت في الدعوى كافية. فالمشرع لم يعط المحكمة هذا الحق إلا حينما يكون هناك اعتراف من المتهم في الجلسة بالتهمة المسندة إليه (271). وإذا تمسك بضرورة سماع شاهد فليس للمحكمة أن ترفض هذا الطلب اللهم إلا إذا استحال سماعه لسبب أخر أو رأت المحكمة أن الواقعة التي يشهد عليها ليست جوهرية من حيث تكوين عقيدتها في الحكم في الدعوى كما سنرى في حالات الاستغناء عن سماع الشهود. كذلك لا يجوز للمتهم التمسك بشهود نفي إذا كان لم يتقدم بقائمته عندما تم تكليفه بذلك في قرار الإحالة ، ولذلك إذا رفضت المحكمة طلبه فلا جناح عليها . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 1053 )
المحكمة غير ملزمة - كقاعدة أصلية - ببيان سبب اطراحها لأقوال الشاهد . ولكن إذا أفصحت عن الأسباب التي من أجلها أطرحت أقواله فإنه يجب أن تؤدي هذه الأسباب إلى النتيجة التي خلصت إليها وإلا كان الحكم مشوياً بالفساد في الاستدلال .
وتتقيد المحكمة في تقدير قيمة الشهادة بفهم أقوال الشاهد على حقيقتها . ومن ثم فيحظر على المحكمة ما يلي :
1- أن تتدخل في رواية الشاهد وتأخذها على وجه يخالف صريح عبارتها .
2- أن تقيم قضاءها على فروض أو تطرحها إن لم تثق بها .
3- أن تفهم أقوال الشاهد على غير ما يؤدي إليها محصلها .
4- أن تستخلص منها ما لا تؤدى إليه وتعتبره دليلاً على الإدانة .
ويلاحظ أن أخذت المحكمة بأقوال الشاهد يفيد اطراحها جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها . ( الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزءالثالث، الصفحة : 87 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 229
مُحْضِرٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمُحْضِرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَنْ يُحْضِرُ الْخَصْمَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :
لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ مُحْضِرًا لِيُحْضِرَ الْخَصْمَ بَعْدَ الإْعْذَارِ إِلَيْهِ، وَلَوْ جَبْرًا بِطَلَبِ الْمُدَّعِي
وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (دَعْوَى ف 59، وَ 60 وَ 61).
أُجْرَةُ الْمُحْضِرِ :
- مُؤْنَةُ الْمُحْضِرِ عَلَى الطَّالِبِ بِالإْحْضَارِ ابْتِدَاءً، فَإِنِ امْتَنَعَ وَأَحْضَرَهُ الْمُحْضِرُ جَبْرًا فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ بِامْتِنَاعِهِ عَنِ الْحُضُورِ.
وَمَحَلُّ وُجُوبِ مُؤْنَةِ الْمُحْضِرِ عَلَى الطَّالِبِ أَوِ الْمَطْلُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ فِيهِ فَلاَ تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.