البالغ الثييب إذا استأذنها الولي بعيداً كان أو قريباً فسكتت فلا يكون سكوتها رضا بل لا بد أن تعرب عن نفسها مفصحة برضاها أو يقع منها ما يدل عليه .
البالغ الثييب إذا استأذنها الولي بعيداً كان أو قريباً فسكتت فلا يكون سكوتها رضا بل لا بد أن تعرب عن نفسها مفصحة برضاها أو يقع منها ما يدل عليه .
الإقرار شرعاً هو إخبار الإنسان عند ثبوت حق لغيره على نفسه ، و السكوت فى بعض المواقع يجعل الساكت مقراً بالحق بسكوته عنه كما يجعل المتكلم مقراً بالحق بكلامه و إن خالف القاعدة الفقهية القائلة لا ينسب لساكت قول ، و من بينها لو هنأ الناس الزوج بزواجه فسكت لزمه الزواج و ليس له نفيه بعد أن أقر به لما كان ذلك فإن ما خلص إليه الحكم من إقرار ضمنى صدر من المتوفى بحصول زواجه من المطعون عليها السادسة فى سنة 1976 إستقاء من مصاحبته لها إلى مجمع البحوث الإسلامية و تقريرها ذلك فى مواجهته و قبوله له ليس فيه ما يعاب .
(الطعن رقم 27 لسنة 45 جلسة 1978/03/01 س 29 ع 1 ص 651 ق 128)
ومن الرضا دلالة سكوت البكر عن اختيار نفسها عند بلوغها عالمة بالزواج أو عند علمها به . وأما سكوت الثيب في هذه الحال فلا يعد رضا دلالة فلا أن ترضى بقول أو عمل كأن تقول رضيت أو تطلب النفقة أو المهر ، ومثل الثيب في هذا الغلام ، وكذلك إذا استؤذنت البكر من أقرب أقاربها في أن يزوجها فسكتت مختارة اعتبر سكوتها إذنا ، ولا كذلك الثيب.
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 64 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني ، الصفحة / 376
إِذْنٌ
التَّعْرِيفُ:
مِنْ مَعَانِي الإِْذْنِ فِي اللُّغَةِ: إِطْلاَقُ الْفِعْلِ وَالإِْبَاحَةُ.
وَلَمْ يَخْرُجِ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ لِلإِْذْنِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبَاحَةُ:
الإِْبَاحَةُ هِيَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ دُونَ تَرَتُّبِ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ. وَيَذْكُرُهَا الأُْصُولِيُّونَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ بِاعْتِبَارِهَا مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ حَيْثُ تَقْسِيمُ الإِْبَاحَةِ، وَتَقْسِيمُ مُتَعَلِّقِهَا وَهُوَ الْمُبَاحُ (انْظُرِ: الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ).
وَالْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ يُفَسِّرُونَ الإِْبَاحَةَ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الأُْصُولِيُّونَ.
وَأَيْضًا يَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ الإِْذْنَ وَالإِْبَاحَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا يُفِيدُ إِطْلاَقَ التَّصَرُّفِ فَقَدْ قَالَ الْجُرْجَانِيُّالإِْبَاحَةُ هِيَ الإِْذْنُ بِالإِْتْيَانِ بِالْفِعْلِ كَيْفَ شَاءَ الْفَاعِلُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَمَنْ نَثَرَ عَلَى النَّاسِ نِثَارًا كَانَ إِذْنًا فِي الْتِقَاطِهِ وَأُبِيحَ أَخْذُهُ، وَفَسَّرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: الْمُبَاحَ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَ الإِْذْنُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الإِْبَاحَةِ فَلأَِنَّ الإِْبَاحَةَ مَرْجِعُهَا الإِْذْنُ. فَالإِْذْنُ هُوَ أَصْلُ الإِْبَاحَةِ. وَلَوْلاَ صُدُورُ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْذْنِ لَمَا كَانَ الْفِعْلُ جَائِزَ الْوُقُوعِ، فَالإِْبَاحَةُ الشَّرْعِيَّةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ، وَيَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الشَّرْعِ.
وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِْبَاحَةَ تَكُونُ بِمُقْتَضَى الإِْذْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَرِيحًا أَمْ ضِمْنًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الشَّارِعِ أَمْ مِنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
ب - الإِْجَازَةُ:
الإِْجَازَةُ مَعْنَاهَا الإِْمْضَاءُ يُقَالُ: أَجَازَ أَمْرَهُ إِذَا أَمْضَاهُ وَجَعَلَهُ جَائِزًا، وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ جَعَلْتُهُ جَائِزًا وَنَافِذًا. وَالإِْذْنُ هُوَ إِجَازَةُ الإِْتْيَانِ بِالْفِعْلِ.
فَالإِْجَازَةُ وَالإِْذْنُ كِلاَهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْفِعْلِ إِلاَّ أَنَّ الإِْذْنَ يَكُونُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَالإِْجَازَةَ تَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِهِ.
ج - الأَْمْرُ:
الأَْمْرُ مِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً: الطَّلَبُ، وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الاِسْتِعْلاَءِ. فَكُلُّ أَمْرٍ يَتَضَمَّنُ إِذْنًا بِالأَْوْلَوِيَّةِ.
إِذْنُ الْوَلِيِّ:
الْوَلِيُّ هُوَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ عَلَى غَيْرِهِ، فِي النَّفْسِ أَوْ فِي الْمَالِ؛ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ رِقٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيَظَلُّ الْحَجْرُ قَائِمًا إِلَى أَنْ يَزُولَ سَبَبُهُ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَعُودُ تَصَرُّفُهُمْ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، أَوْ عَلَى السَّيِّدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ، كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ نَظَرِ الْوَلِيِّ وَإِذْنِهِ مَنْعًا لِلضَّرَرِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ وَالْمُمَيِّزِ وَالْعَبْدِ فِي الْمَالِ وَالنِّكَاحِ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ إِذْنِ الْوَلِيِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ حَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي رَأْيٍ لِلْحَنَابِلَةِ، لاَ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ وَلَوْ بِالإِْذْنِ؛ لأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ لِصِحَّةِ عَقْدَيِ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ السَّفِيهُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي رَأْيٍ لِلْحَنَابِلَةِ لاَ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى لأَِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِتَبْذِيرِهِ وَسُوءِ تَصَرُّفِهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فَقَدْ أَذِنَ فِيمَا لاَ مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَقِيلَ يَصِحُّ بِالإِْذْنِ، أَمَّا نِكَاحُهُ فَيَصِحُّ.
أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ فَلاَ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا وَلَوْ بِالإِْذْنِ،
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ إِذَا تَصَرَّفَ الْمُمَيِّزُ وَالسَّفِيهُ وَالْعَبْدُ بِدُونِ إِذْنِ الْوَلِيِّ بَيْنَ الإِْجَازَةِ وَالرَّدِّ وَالْبُطْلاَنِ.
وَالْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَتْ رَشِيدَةً لاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِ الْوَلِيِّ عِنْدَ نِكَاحِهَا - بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا - عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِدُونِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ».
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ - يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ بِرِضَاهَا وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَلِيٌّ - بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا؛ لأَِنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا، وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِكَوْنِهَا عَاقِلَةً مُمَيِّزَةً، وَلَهَا اخْتِيَارُ الأَْزْوَاجِ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الْوَلِيُّ بِالتَّزْوِيجِ كَيْ لاَ تُنْسَبَ إِلَى الْوَقَاحَةِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن ، الصفحة / 5
بَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الْبَاءَةُ لُغَةً: النِّكَاحُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الْجِمَاعِ. إِمَّا لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمَنْزِلِ غَالِبًا، أَوْ لأَِنَّ الرَّجُلَ يَتَبَوَّأُ مِنْ أَهْلِهِ - أَيْ يَسْتَمْكِنُ مِنْهَا - كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دَارِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ.وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
وَقَالَ شَارِحُ الْمِنْهَاجِ: الْبَاءَةُ: مُؤَنُ النِّكَاحِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَاهُ: هُوَ الْوَطْءُ.
ب - أُهْبَةُ النِّكَاحِ: الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤَنِهِ مِنْ مَهْرٍ وَغَيْرِهِ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْبَاءَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الْبَاءَةُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مَوْضُوعِهَا (ر: وَطْء).
أَمَّا بِمَعْنَى مُؤَنِ النِّكَاحِ فَإِنَّ مَنْ وَجَدَهَا، وَكَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الْوَطْءِ، وَلاَ يَخْشَى الْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمِ، اسْتُحِبَّ لَهُ النِّكَاحُ.لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ...» الْحَدِيثَ.
فَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّقُ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورِ، فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنِ الْحَرَامِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلأَِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّلُ إِلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
أَمَّا إِنْ وَجَدَ الأُْهْبَةَ، وَكَانَ بِهِ مَرَضٌ كَهَرَمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ كَرِهَ لَهُ النِّكَاحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ لإِِضْرَارِهِ بِالْمَرْأَةِ.
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَجَدَ الْبَاءَةَ، وَلَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ لِلْوَطْءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ أَفْضَلُ.وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ،
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني عشر ، الصفحة / 218
التَّعْبِيرُ بِالسُّكُوتِ :
اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ سُكُوتَ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ تَعْبِيرًا عَنْ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ، لِمَا «رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي. قَالَ: رِضَاهَا صُمَاتُهَا» وَأَخْرَجَ الإْمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: «الأْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا»
وَأَلْحَقُوا بِالسُّكُوتِ الضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ صَمَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا» وَلأِنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالاِمْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِهَا لِلاِسْتِئْذَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِذْنًا مِنْهَا.
وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الْبُكَاءَ إِنْ كَانَ مَعَ الصِّيَاحِ وَالصَّوْتِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الرِّضَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ عُلِمَ مِنْ بُكَائِهَا أَنَّهُ مَنْعٌ لَمْ تُزَوَّجْ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الضَّحِكِ إِنْ كَانَ بِاسْتِهْزَاءٍ؛ لأِنَّ الضَّحِكَ إِنَّمَا جُعِلَ إِذْنًا لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا، فَإِِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الرِّضَا لَمْ يَكُنْ إِذْنًا.
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْفَتْحِ: وَالْمُعَوَّلُ اعْتِبَارُ قَرَائِنِ الأْحْوَالِ فِي الْبُكَاءِ وَالضَّحِكِ، فَإِنْ تَعَارَضَتْ أَوْ أَشْكَلَ احْتِيطَ.
وَثَمَّةَ تَفْصِيلاَتٌ وَاسْتِثْنَاءَاتٌ تَفْصِيلُهَا فِي (النِّكَاحِ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 275
وِلاَيَةُ الْمُشَارَكَةِ أَوْ وِلاَيَةُ النَّدْبِ وَالاِسْتِحْبَابِ:
هَذِهِ الْوِلاَيَةُ تُفِيدُ أَنَّ نِكَاحَ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ أَخْذِ إِذْنِهَا نَدْبًا وَاسْتِحْبَابًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، أَوْ وِلاَيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالْمُوَلَّى عَلَيْهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، أَيْ لاَ يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْوَلِيِّ إِلاَّ بَعْدَ أَخْذِ إِذْنِ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا كَمَا نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رَأْيِهِ الأَْوَّلِ أَنَّهُ لاَ إِجْبَارَ عَلَى الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَلَوْ صَغِيرَيْنِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «الثِّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا» «وَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي فَتَسْكُتُ. قَالَ: سُكَاتُهَا إِذْنُهَا».
وَلأِنَّ وِلاَيَةَ الْحَتْمِ وَالإِْيجَابِ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنِ الصَّغِيرَةِ لِعَجْزِهَا عَنِ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ بِنَفْسِهَا، وَبِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ زَالَ الْعَجْزُ وَثَبَتَتِ الْقُدْرَةُ حَقِيقَةً، وَلِهَذَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، إِلاَّ أَنَّهَا مَعَ قُدْرَتِهَا حَقِيقَةً عَاجِزَةٌ عَنْ مُبَاشَرَةِ النِّكَاحِ عَجْزَ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ، لأِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى مَحَافِلِ الرِّجَالِ، وَالْمَرْأَةُ مُخَدَّرَةٌ مَسْتُورَةٌ، وَالْخُرُوجُ إِلَى مَحْفَلِ الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ عَيْبٌ فِي الْعَادَةِ، فَكَانَ عَجْزُهَا عَجْزَ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ لاَ حَقِيقَةٍ، فَثَبَتَتِ الْوِلاَيَةُ عَلَيْهَا عَلَى حَسَبِ الْعَجْزِ، وَهِيَ وِلاَيَةُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ لاَ وِلاَيَةَ حَتْمٍ وَإِيجَابٍ إِثْبَاتًا لِلْحُكْمِ عَلَى قَدْرِ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا طَرِيقُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وِلاَيَةُ الشَّرِكَةِ لاَ وِلاَيَةُ الاِسْتِبْدَادِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الرِّضَا كَمَا فِي الثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ.
وَإِذَا كَانَ الرِّضَا فِي نِكَاحِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ شَرْطَ الْجَوَازِ فَإِنَّهَا إِذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهَا تَوَقَّفَ التَّزْوِيجُ عَلَى رِضَاهَا، فَإِنْ رَضِيَتْ جَازَ، وَإِنْ رَدَّتْ بَطَلَ.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ - كَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ - بَيْنَ مَا يُعْرَفُ بِهِ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ مِنَ الثَّيِّبِ، وَمَا يُعْرَفُ بِهِ مِنَ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي يُرَادُ تَزْوِيجُهَا ثَيِّبًا فَرِضَاهَا يُعْرَفُ بِالْقَوْلِ تَارَةً وَبِالْفِعْلِ أُخْرَى، أَمَّا الْقَوْلُ فَهُوَ التَّنْصِيصُ عَلَى الرِّضَا وَمَا يَجْرِى مَجْرَاهُ، وَالأَْصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «الثَّيِّبُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا» وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا» وَأَمَّا الْفِعْلُ نَحْوَ التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهَا، وَالْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأِنَّ هَذَا دَلِيلُ الرِّضَا، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالنَّصِّ مَرَّةً وَبِالدَّلِيلِ أُخْرَى، وَالأَْصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِبَرِيرَةَ رضي الله تعالى عنها: إِنْ وَطَأَكِ فَلاَ خِيَارَ لَكِ».
وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا فَيُعْرَفُ رِضَاهَا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ، وَبِثَالِثٍ وَهُوَ السُّكُوتُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَكُونَ سُكُوتُهَا رِضًا.
وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ مَا وَرَدَ «عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها: فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي فَتَسْكُتُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «سُكَاتُهَا إِذْنُهَا» وَرُوِيَ: «سُكُوتُهَا رِضَاهَا» وَرُوِيَ: سُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا وَكُلُّ ذَلِكَ نَصٌّ فِي الْبَابِ، وَلأِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي عَنِ النُّطْقِ بِالإِْذْنِ فِي النِّكَاحِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ رَغْبَتِهَا فِي الرِّجَالِ فَتُنْسَبُ إِلَى الْوَقَاحَةِ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ سُكُوتَهَا إِذْنًا وَرِضًا بِالنِّكَاحِ دَلاَلَةً، وَشَرَطَ اسْتِنْطَاقَهَا وَهِيَ لاَ تَنْطِقُ عَادَةً، لَفَاتَتْ عَلَيْهَا مَصَالِحُ النِّكَاحِ مَعَ حَاجَتِهَا إِلَى ذَلِكَ، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ، وَتَرَجَّحَ جَانِبُ الرِّضَا عَلَى جَانِبِ السُّخْطِ فِي سُكُوتِ الْبِكْرِ لأِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَاضِيَةً لَرَدَّتْ، لأِنَّهَا إِنْ كَانَتْ تَسْتَحِي عَنِ الإِْذْنِ فَلاَ تَسْتَحِي عَنِ الرَّدِّ، فَلَمَّا سَكَتَتْ وَلَمْ تَرُدَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا رَاضِيَةٌ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا زَوَّجَهَا أَجْنَبِيٌّ أَوْ وَلِيٌّ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ، لأِنَّ احْتِمَالَ السُّخْطِ - فِي حَالَةِ السُّكُوتِ - ازْدَادَ، فَقَدْ يَكُونُ سُكُوتُهَا عَنْ جَوَابِهِ مَعَ أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى الرَّدِّ تَحْقِيرًا لَهُ وَعَدَمَ مُبَالاَةٍ بِكَلاَمِهِ، فَبَطَلَ رُجْحَانُ دَلِيلِ الرِّضَا، وَلأِنَّ هَا إِنَّمَا تَسْتَحِي مِنَ الأَْوْلِيَاءِ مِنَ الأَْجَانِبِ، وَالأَْبْعَدُ عِنْدَ قِيَامِ الأَْقْرَبِ وَحُضُورِهِ أَجْنَبِيٌّ، فَكَانَتْ فِي حَقِّ الأَْجَانِبِ كَالثَّيِّبِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَلأِنَّ الْمُزَوِّجَ إِذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ كَانَ الْوَلِيُّ الأَْبْعَدُ كَانَ النِّكَاحُ مِنْ طَرِيقِ الْوَكَالَةِ لاَ مِنْ طَرِيقِ الْوِلاَيَةِ لاِنْعِدَامِهَا، وَالْوَكَالَةُ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالْقَوْلِ، وَإِذَا كَانَ وَلِيًّا فَالْجَوَازُ بِطَرِيقِ الْوِلاَيَةِ فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَوْلِ.
وَوَجْهُ الْقِيَاسِ الَّذِي لاَ يَعْتَبِرُ سُكُوتَ الْمَرْأَةِ رِضًا أَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ الرِّضَا وَيَحْتَمِلُ السُّخْطَ، فَلاَ يَصْلُحُ دَلِيلُ الرِّضَا مَعَ الشَّكِّ وَالاِحْتِمَالِ، وَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلْ دَلِيلاً إِذَا كَانَ الْمُزَوِّجُ أَجْنَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ.
وَالسُّنَّةُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَسْتَأْمِرَ الْبِكْرَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَيَذْكُرَ لَهَا الزَّوْجَ، فَيَقُولَ: إِنَّ فُلاَنًا يَخْطُبُكِ أَوْ يَذْكُرُكِ، فَإِذَا سَكَتَتْ فَقَدْ رَضِيَتْ، لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا، فَإِذَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَارٍ فَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ، زَادَ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْمُحِيطِ: وَتُوقَفُ عَلَى رِضَاهَا، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنهما دَنَا إِلَى خِدْرِهَا فَقَالَ: إِنَّ عَلِيًّا يَذْكُرُكِ فَسَكَتَتْ فَزَوَّجَهَا».
وَلَوِ اسْتَأْذَنَ الْوَلِيُّ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ الْعَاقِلَةَ فِي النِّكَاحِ فَضَحِكَتْ غَيْرَ مُسْتَهْزِئَةٍ، أَوْ تَبَسَّمَتْ، أَوْ بَكَتْ بِلاَ صَوْتٍ فَهُوَ إِذْنٌ - فِي الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى - لأِنَّهُ حُزْنٌ عَلَى مُفَارَقَةِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الإِْجَازَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْبُكَاءِ أَنَّهُ رِضًا لأِنَّهُ لِشِدَّةِ الْحَيَاءِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَدٌّ لأِنَّ وَضْعَهُ لإِِظْهَارِ الْكَرَاهَةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ بَعْدَمَا سَبَقَ: وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ قَرَائِنِ الأَْحْوَالِ فِي الْبُكَاءِ وَالضَّحِكِ، فَإِنْ تَعَارَضَتْ أَوْ أُشْكِلَ احْتِيطَ.
وَلَوِ اسْتَأْذَنَهَا الْوَلِيُّ فَبَكَتْ بِصَوْتٍ لَمْ يَكُنْ إِذْنًا وَلاَ رَدًّا، حَتَّى لَوْ رَضِيَتْ بَعْدَهُ انْعَقَدَ كَمَا قَالَ الْحَصْكَفِيُّ نَقْلاً عَنِ الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ.
وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ لَوِ اسْتَأْذَنَهَا الْوَلِيُّ بِوَاسِطَةِ وَكِيلِهِ أَوْ رَسُولِهِ، أَوْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا وَأَخْبَرَهَا رَسُولُهُ أَوْ فُضُولِيٌّ عَدْلٌ.
وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْبِكْرِ: أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلاَنًا، فَقَالَتْ: غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ لَمْ يَكُنْ إِذْنًا، وَلَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ أَخْبَرَهَا فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ كَانَ إِجَازَةً، لأِنَّ قَوْلَهَا فِي الأَْوَّلِ إِظْهَارُ عَدَمِ الرِّضَا بِالتَّزْوِيجِ مِنْ فُلاَنٍ، وَقَوْلَهَا فِي الثَّانِي قَبُولٌ أَوْ سُكُوتٌ عَنِ الرَّدِّ، وَسُكُوتُ الْبِكْرِ عَنِ الرَّدِّ يَكُونُ رِضًا.
وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْبِكْرِ: أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكِ مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ فَسَكَتَتْ لَمْ يَكُنْ رِضًا كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، لأِنَّ الرِّضَا بِالشَّيْءِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ لاَ يَتَحَقَّقُ.
وَلَوْ قَالَ: أُزَوِّجُكَ فُلاَنًا أَوْ فُلاَنًا حَتَّى عَدَّ جَمَاعَةً فَسَكَتَتْ، فَمِنْ أَيِّهِمْ زَوَّجَهَا جَازَ.
وَلَوْ سَمَّى لَهَا الْجَمَاعَةَ مُجْمَلاً بِأَنْ قَالَ:
أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكِ مِنْ جِيرَانِي أَوْ مِنْ بَنِي عَمِّي فَسَكَتَتْ، فَإِنْ كَانُوا يُحْصَوْنَ فَهُو رِضًا، وَإِنْ كَانُوا لاَ يُحْصَوْنَ لَمْ يَكُنْ رِضًا، لأِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ يُعْلَمُونَ فَيَتَعَلَّقُ الرِّضَا بِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يُحْصَوْا لَمْ يُعْلَمُوا فَلاَ يُتَصَوَّرُ الرِّضَا، لأِنَّ الرِّضَا بِغَيْرِ الْمَعْلُومِ مُحَالٌ.
وَلَوْ سَمَّى الْوَلِيُّ لَهَا الزَّوْجَ وَلَمْ يُسَمِّ الْمَهْرَ فَسَكَتَتْ فَسُكُوتُهَا رِضًا عَلَى مَا صَحَّحَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَالْمِرْغِينَانِيُّ وَشُرَّاحُ كِتَابَيْهِمَا تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ وَالْهِدَايَةِ وَجُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ، لأِنَّ لِلْنِكَاحِ صِحَّةٌ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ قَدْرِ الصَّدَاقِ مَعَ تَسْمِيَةِ الزَّوْجِ، لاِخْتِلاَفِ الرَّغْبَةِ بِاخْتِلاَفِ الصَّدَاقَةِ قِلَّةً وَكَثْرَةً، وَتَمَامُ الرِّضَا لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِذِكْرِ الزَّوْجِ وَالْمَهْرِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْحَصْكَفِيُّ عَنِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَنَقَلَهُ الْكَاسَانِيُّ عَنِ الْفَتَاوِي.
وَلَوِ اسْتَأْذَنَ الْمَرْأَةَ غَيْرُ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ، كَأَجْنَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ بَعِيدٍ، فَلاَ عِبْرَةَ لِسُكُوتِهَا بَلْ لاَ بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا كَطَلَبِ مَهْرِهَا وَنَفَقَتِهَا، وَتَمْكِينِهَا مِنَ الْوَطْءِ، وَدُخُولِهِ بِهَا بِرِضَاهَا، وَقَبُولِ التَّهْنِئَةِ وَالضَّحِكِ سُرُورًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأِنَّ السُّكُوتَ إِنَّمَا جُعِلَ رِضًا عِنْدَ الْحَاجَةِ أَيْ عِنْدَ اسْتِئْمَارِ الْوَلِيِّ وَعَجْزِهَا عَنِ الْمُبَاشَرَةِ، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْحَاجَةِ وَهُوَ مَنْ لاَ يَمْلِكُ الْعَقْدَ وَلاَ الْتِفَاتَ إِلَى كَلاَمِهِ.
وَقَالُوا: مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِوَثْبَةٍ - أَيْ نَطَّةٍ - مِنْ فَوْقٍ إِلَى أَسْفَلَ، أَوْ طَفْرَةٍ وَهِيَ عَكْسُ النَّطَّةِ، أَوْ دُرُورِ حَيْضٍ، أَوْ حُصُولِ جِرَاحَةٍ، أَوْ تَعْنِيسٍ فَهِيَ بِكْرٌ حَقِيقَةً، لأِنَّ الْبِكْرَ عِنْدَهُمُ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ تُجَامَعْ بِنِكَاحٍ وَلاَ غَيْرِهِ، كَمَا نَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الظُّهَيْرِيَّةِ، فَهِيَ وَإِنْ زَالَتْ مِنْهَا الْعُذْرَةُ - أَيِ الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى الْمَحَلِّ - فَإِنَّ بَكَارَتَهَا لَمْ تَزُلْ لأِنَّهَا لَمْ تُجَامَعْ، فَهِيَ بِكْرٌ حَقِيقَةً، وَهِيَ كَذَلِكَ بِكْرٌ حُكْمًا تُزَوَّجُ كَمَا تُزَوَّجُ الأَْبْكَارُ، وَتَأْخُذُ فِي الرِّضَا وَغَيْرِهَا حُكْمَ الأَْبْكَارِ حَتَّى تَدْخُلَ - كَمَا قَالَ ابْنُ مَوْدُودٍ الْمَوْصِلِيُّ - تَحْتَ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ بِالإِْجْمَاعِ.
وَمَنْ زَالَتْ عُذْرَتُهَا بِوَطْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ، وَهُوَ الْوَطْءُ بِعَقْدٍ جَائِزٍ أَوْ فَاسِدٍ أَوْ شُبْهَةِ عَقْدٍ تُزَوَّجُ كَمَا تُزَوَّجُ الثَّيِّبُ، وَلاَ يَكْفِي فِي رِضَاهَا السُّكُوتُ.
وَإِذَا زَالَتْ عُذْرَتُهَا بِالزِّنَا فَإِنَّهَا تُزَوَّجُ كَمَا تُزَوَّجُ الأَْبْكَارُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، لأِنَّهُ عِلَّةُ إِقَامَةِ السُّكُوتِ مَقَامَ النُّطْقِ فِي الْبِكْرِ الْحَيَاءُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا حَقِيقَةً، لأِنَّ زَوَالَ بَكَارَتِهَا لَمْ يَظْهَرْ لِلنَّاسِ فَيَسْتَقْبِحُونَ مِنْهَا الإِْذْنَ بِالنِّكَاحِ صَرِيحًا وَيَعُدُّونَهُ مِنْ بَابِ الْوَقَاحَةِ، وَلاَ يَزُولُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُوجَدِ النِّكَاحُ أَوْ يَشْتَهِرِ الزِّنَا، وَلَوِ اشْتَرَطَ نُطْقَهَا فَإِنْ لَمْ تَنْطِقْ تَفُوتُهَا مَصْلَحَةُ النِّكَاحِ، وَإِنْ نَطَقَتْ وَالنَّاسُ يَعْرِفُونَهَا بِكْرًا تَتَضَرَّرُ بِاشْتِهَارِ الزِّنَا عَنْهَا، فَوَجَبَ أَنْ لاَ يَشْتَرِطُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تُزَوَّجُ كَمَا تُزَوَّجُ الثَّيِّبُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَالثَّيِّبُ تُشَاوَرُ» وَهَذِهِ ثَيِّبٌ حَقِيقَةً، لأِنَّ الثَّيِّبَ حَقِيقَةً مَنْ زَالَتْ عُذْرَتُهَا وَهَذِهِ كَذَلِكَ، فَيَجْرِى عَلَيْهَا أَحْكَامُ الثَّيِّبِ، وَمِنْ أَحْكَامِهَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا نَصًّا فَلاَ يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا.
وَلَوْ كَانَتْ مُشْتَهِرَةً بِالزِّنَا، بِأَنْ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، أَوِ اعْتَادَتْهُ وَتَكَرَّرَ مِنْهَا، أَوْ قَضَى عَلَيْهَا بِالْعِدَّةِ، تُسْتَنْطَقُ بِالإِْجْمَاعِ لِزَوَالِ الْحَيَاءِ وَعَدَمِ التَّضَرُّرِ بِالنُّطْقِ.
وَلَوْ مَاتَ زَوْجُ الْبِكْرِ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ تُزَوَّجُ كَالأَْبْكَارِ، لِبَقَاءِ الْبَكَارَةِ وَالْحَيَاءِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْوَلِيَّ غَيْرُ الْمُجْبِرِ هُوَ مَنْ عَدَا الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ فِي وِلاَيَةِ الإِْجْبَارِ، وَهُمُ الأَْبُ وَالْوَصِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْمَالِكُ، وَعَلَيْهِ لاَ تُزَوَّجُ بَالِغٌ إِلاَّ بِإِذْنِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، وَالإِْذْنُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مُخْتَلِفٌ:
فَإِذْنُ الْبِكْرِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ صَمْتُهَا، أَيْ إِذَا سُئِلَتْ، هَلْ تَرْضَيْنَ بِأَنْ نُزَوِّجَكِ مِنْ فُلاَنٍ عَلَى مَهْرٍ قَدْرُهُ كَذَا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى الْعَقْدَ فُلاَنٌ؟ فَلاَ تُكَلَّفُ النُّطْقَ، وَنُدِبَ إِعْلاَمُهَا بِأَنَّ سُكُوتَهَا إِذْنٌ وَرِضًا، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ وَادَّعَتِ الْجَهْلَ فَلاَ تُقْبَلُ دَعْوَاهَا وَتَمَّ النِّكَاحُ عِنْدَ الأَْكْثَرِ.
وَلاَ تُزَوَّجُ الْبِكْرُ إِنْ مَنَعَتْ، بِأَنْ قَالَتْ: لاَ أَتَزَوَّجُ أَوْ لاَ أَرْضَى أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَا إِنْ نَفَرَتْ، لأِنَّ النُّفُورَ دَلِيلُ عَدَمِ الرِّضَا، لاَ إِنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ فَتُزَوَّجُ، لأِنَّ بُكَاءَهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِفَقْدِ أَبِيهَا الَّذِي يَتَوَلَّى عَقْدَهَا.
وَالثَّيِّبُ - وَلَوْ سَفِيهَةً - تُعْرِبُ عَنِ الرِّضَا أَوِ الْمَنْعِ، وَلاَ يُكْتَفَى مِنْهَا بِالصَّمْتِ وَيُشَارِكُ الثَّيِّبَ فِي عَدَمِ الاِكْتِفَاءِ بِالصَّمْتِ سِتُّ أَبْكَارٍ:
الأُْولَى: الْبِكْرُ الَّتِي رَشَّدَهَا أَبُوهَا بِأَنْ أَطْلَقَ الْحَجْرَ عَنْهَا فِي التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ وَهِيَ بَالِغٌ فَلاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِهَا بِالْقَوْلِ.
الثَّانِيَةُ: الْبِكْرُ الَّتِي عُضِلَتْ فَرَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ فَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِهَا بِالْقَوْلِ، فَإِنْ أَمَرَ الْحَاكِمُ أَبَاهَا بِالْعَقْدِ، فَأَجَابَ وَزَوَّجَهَا لَمْ يَحْتَجْ لإِِذْنٍ، لأِنَّهُ مُجْبِرٌ.
الثَّالِثَةُ: الْبِكْرُ الْمُهْمَلَةُ الَّتِي لاَ أَبَ لَهَا وَلاَ وَصِيَّ وَزُوِّجَتْ بِعَرَضٍ، وَهِيَ مِنْ قَوْمٍ لاَ يُزَوِّجُونَ بِالْعُرُوضِ، أَوْ يُزَوِّجُونَ بِعَرَضٍ مَعْلُومٍ فَزَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِغَيْرِهِ لاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِأَنْ تَقُولَ: رَضِيتُ بِهِ، وَلاَ تَكْفِي الإِْشَارَةُ.
الرَّابِعَةُ: الْبِكْرُ وَلَوْ مُجْبَرَةً الَّتِي زُوِّجَتْ بِرَقِيقٍ - أَيِ الَّتِي أَرَادَ وَلِيُّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا لِرَقِيقٍ - لاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِهَا بِالْقَوْلِ، لأِنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْحُرَّةِ.
الْخَامِسَةُ: الْبِكْرُ الَّتِي زُوِّجَتْ لِذِي عَيْبٍ - كَجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَجُنُونٍ وَخِصَاءٍ - فَلاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِأَنْ تَقُولَ: رَضِيتُ بِهِ مَثَلاً.
السَّادِسَةُ: غَيْرُ الْمُجْبَرَةِ الَّتِي افْتِيتَ عَلَيْهَا، أَيْ تَعَدَّى عَلَيْهَا وَلِيُّهَا غَيْرُ الْمُجْبِرِ فَعَقَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا ثُمَّ أَنْهَى إِلَيْهَا الْخَبَرَ فَرَضِيَتْ، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ رِضَاهَا بِالْقَوْلِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَصِحُّ عَقْدُ الْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا إِذَا رَضِيَتْ بِعَقْدِ وَلِيِّهَا عَلَيْهَا افْتِيَاتًا بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ:
الأَْوَّلُ: أَنْ يَقْرُبَ رِضَاهَا، بِأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بِالسُّوقِ أَوْ بِالْمَسْجِدِ مَثَلاً وُيُسَارُّ إِلَيْهَا بِالْخَبَرِ مِنْ وَقْتِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الرِّضَا بِالْقَوْلِ، فَلاَ يَكْفِي الصَّمْتُ.
الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَقَعَ مِنْهَا رَدٌّ لِلنِّكَاحِ قَبْلَ الرِّضَا بِهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ مَنِ افْتِيتَ عَلَيْهَا بِالْبَلَدِ حَالَ الاِفْتِيَاتِ وَالرِّضَا، فَإِنْ كَانَتْ بِآخَرَ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ قَرُبَ الْبَلَدَانِ وَأَنْهَى إِلَيْهَا الْخَبَرَ مِنْ وَقْتِهِ.
الْخَامِسُ: أَنْ لاَ يُقِرَّ الْوَلِيُّ بِالاِفْتِيَاتِ حَالَ الْعَقْدِ، بِأَنْ سَكَتَ أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَصِحَّ.
السَّادِسُ: أَنْ لاَ يَكُونَ الاِفْتِيَاتُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ مَعًا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا مَعًا لَمْ يَصِحَّ وَلاَ بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ.
وَالاِفْتِيَاتُ عَلَى الزَّوْجِ كَالاِفْتِيَاتِ عَلَى الزَّوْجَةِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ، أَيْ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ إِنْ رَضِيَ بِهِ نُطْقًا، مَعَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ تَزْوِيجُ ثَيِّبٍ بَالِغَةٍ وَإِنْ عَادَتْ بَكَارَتُهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا، لِخَبَرِ: «لاَ تَنْكِحُوا الأَْيَامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ» وَلأِنَّ هَا عَرَفَتْ مَقْصُودَ النِّكَاحِ فَلاَ تُجْبَرُ بِخِلاَفِ الْبِكْرِ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الثَّيِّبُ صَغِيرَةً غَيْرَ مَجْنُونَةٍ وَغَيْرَ أَمَةٍ لَمْ تُزَوَّجْ، سَوَاءٌ احْتَمَلَتِ الْوَطْءَ أَمْ لاَ، حَتَّى تَبْلُغَ، لأِنَّ إِذْنَ الصَّغِيرَةِ لَيْسَ مُعْتَبَرًا فَامْتَنَعَ تَزْوِيجُهَا إِلَى الْبُلُوغِ، أَمَّا الْمَجْنُونَةُ فَيُزَوِّجُهَا الأَْبُ وَالْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِهِ قَبْلَ بُلُوغِهَا لِلْمَصْلَحَةِ، وَأَمَّا الأَْمَةُ فَلِسَيِّدِهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا.
وَقَالُوا: وَسَوَاءٌ فِي حُصُولِ الثُّيُوبَةِ وَاعْتِبَارِ إِذْنِهَا زَوَالُ الْبَكَارَةِ بِوَطْءٍ فِي قُبُلِهَا حَلاَلٍ كَالنِّكَاحِ أَوْ حَرَامٍ كَالزِّنَا أَوْ بِوَطْءٍ لاَ يُوصَفُ بِهِمَا كَشُبْهَةٍ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ، وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ لاَ أَثَرَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأِنَّهَا لَمْ تُمَارِسِ الرِّجَالَ بِالْوَطْءِ فِي مَحَلِّ الْبَكَارَةِ.
وَلاَ أَثَرَ لِزَوَالِ الْبَكَارَةِ بِلاَ وَطْءٍ فِي الْقُبُلِ، كَسَقْطَةٍ وَحِدَّةِ طَمْثٍ وَطُولِ تَعْنِيسٍ - وَهُوَ الْكِبَرُ - أَوْ بِأُصْبُعٍ وَنَحْوِهِ فِي الأَْصَحِّ كَمَا فِي مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ، أَوِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ بَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الأَْبْكَارِ لأِنَّهَا لَمْ تُمَارِسِ الرِّجَالَ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا وَحَيَائِهَا، وَالثَّانِي أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ لِزَوَالِ الْعُذْرَةِ، وَلَوْ خُلِقَتْ بِلاَ بَكَارَةٍ فَهِيَ بِكْرٌ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الأَْبِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ تَزْوِيجُ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ بَالِغَةٍ - ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا - إِلاَّ بِإِذْنِهَا، لِحَدِيثِ: «لاَ تُنْكَحُ الأَْيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» إِلاَّ الْمَجْنُونَةَ فَلِسَائِرِ الأَْوْلِيَاءِ تَزْوِيجُهَا إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمَيْلُ لِلرِّجَالِ، لأِنَّ لَهَا حَاجَةً إِلَى النِّكَاحِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْهَا، وَصِيَانِتِهَا عَنِ الْفُجُورِ، وَتَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ الْعَفَافِ وَصِيَانَةِ الْعِرْضِ، وَلاَ سَبِيلَ إِلَى إِذْنِهَا فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا، كَالْبِنْتِ مَعَ أَبِيهَا، وَيُعْرَفُ مَيْلُهَا إِلَى الرِّجَالِ مِنْ كَلاَمِهَا وَتَتَبُّعِهَا الرِّجَالَ وَمَيْلِهَا إِلَيْهِمْ وَنَحْوِهِ مِنْ قَرَائِنِ الأَْحْوَالِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ إِنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ وَإِلاَّ فَاثْنَانِ: إِنَّ عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا، فَلِكُلِّ وَلِيٍّ تَزْوِيجُهَا لأِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهَا كَالْمُدَاوَاةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنُونَةِ ذَاتِ الشَّهْوَةِ وَنَحْوِهَا وَلِيٌّ إِلاَّ الْحَاكِمُ زَوَّجَهَا.
وَلَيْسَ لِمَنْ عَدَا الأَْبِ وَوَصِيِّهِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ تَزْوِيجُ صَغِيرَةٍ لَهَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ بِحَالٍ، وَلَهُمْ تَزْوِيجُ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ بِإِذْنِهَا، وَلَهَا إِذْنٌ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ نَصًّا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أَنَّهَا قَالَتْ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما وَمَعْنَاهُ: فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ، وَلأِنَّ هَا تَصْلُحُ بِذَلِكَ لِلنِّكَاحِ وَتَحْتَاجُ إِلَيْهِ، أَشْبَهَتِ الْبَالِغَةَ.
وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلاَمُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا» وَهِيَ مَنْ وُطِئَتْ فِي الْقُبُلِ بِآلَةِ الرِّجَالِ وَلَوْ بِزِنًا، وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِالثُّيُوبَةِ وَعَادَتِ الْبَكَارَةُ لَمْ يَزُلْ حُكْمُ الثُّيُوبَةِ، لأِنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي اقْتَضَتِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبِكْرِ مُبَاضَعَةُ الرِّجَالِ وَهَذَا مَوْجُودٌ مَعَ عَوْدِ الْبَكَارَةِ.
وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ وَلَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُ الأَْبِ لِمَا سَبَقَ، وَإِنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ فَذَلِكَ كَسُكُوتِهَا، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ»وَلأِنَّ هَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالاِمْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِهَا لِلاِسْتِئْذَانِ فَكَانَ ذَلِكَ إِذْنًا مِنْهَا، وَنُطْقُ الْبِكْرِ أَبْلَغُ مِنْ سُكُوتِهَا وَضَحِكِهَا وَبُكَائِهَا لأِنَّهُ الأَْصْلُ فِي الإِْذْنِ وَإِنَّمَا اكْتُفِيَ مِنْهَا بِالصُّمَاتِ لِلاِسْتِحْيَاءِ، فَإِنْ أَذِنَتْ نُطْقًا فَقَدْ تَمَّ الإِْذْنُ، وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ نُطْقًا اسْتُحِبَّ أَنْ لاَ يُجْبِرَهَا عَلَى النُّطْقِ، وَاكْتُفِيَ بِسُكُوتِهَا إِنْ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ.
وَزَوَالُ الْبَكَارَةِ بِأُصْبُعٍ أَوْ وَثْبَةٍ أَوْ شِدَّةِ حَيْضَةٍ وَنَحْوِهِ كَسُقُوطٍ مِنْ شَاهِقٍ لاَ يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِْذْنِ، فَلَهَا حُكْمُ الْبِكْرِ فِي الإِْذْنِ، لأِنَّهَا لَمْ تَخْبُرِ الْمَقْصُودَ وَلاَ وُجِدَ وَطْؤُهَا فِي الْقُبُلِ فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ تَزُلْ عُذْرَتُهَا، وَكَذَا وَطْءٌ فِي الدُّبُرِ وَمُبَاشَرَةٌ دُونَ الْفَرْجِ لأِنَّهَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الْقُبُلِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي الاِسْتِئْذَانِ تَسْمِيَةُ الزَّوْجِ عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ مَعْرِفَةُ الْمَرْأَةِ بِهِ، بِأَنْ يَذْكُرَ لَهَا نَسَبَهُ وَمَنْصِبَهُ وَنَحْوَهُ لِتَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ إِذْنِهَا فِي تَزْوِيجِهِ لَهَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الاِسْتِئْذَانِ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ لأِنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ وَلاَ مَقْصُودًا مِنْهُ، قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَلاَ يُشْتَرَطُ أَيْضًا اقْتِرَانُهُ بِالْعَقْدِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِْشْهَادُ عَلَى إِذْنِهَا لِوَلِّيِهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلَوْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ، وَالاِحْتِيَاطُ الإِْشْهَادُ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 349
مُرْسَلٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمُرْسَلُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَرْسَلَ، وَمُجَرَّدُهُ رَسْلٌ، وَالرَّسَلُ - بِفَتْحَتَيْنِ - الْقَطِيعُ مِنَ الإِْبِلِ، وَالْجَمْعُ أَرْسَالٌ. وَأَرْسَلْتُ رَسُولاً: بَعَثْتُهُ بِرِسَالَةٍ يُؤَدِّيهَا، وَأَرْسَلْتُ الطَّائِرَ مِنْ يَدِي: أَطْلَقْتُهُ، وَتَرَاسَلَ الْقَوْمُ: أَرْسَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ رَسُولاً أَوْ رِسَالَةً.
وَالْمُرْسَلُ: يَقْتَضِي إِطْلاَقَ غَيْرِهِ لَهُ، وَالرَّسُولُ: يَقْتَضِي إِطْلاَقَ لِسَانِهِ بِالرِّسَالَةِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْمُرْسَلُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ كَمَا جَاءَ فِي مُسَلَّمِ الثَّبُوتِ هُوَ قَوْلُ الْعَدْلِ: قَالَ كَذَا، وَقَالَ صَاحِبُ فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ: هَذَا اصْطِلاَحُ الأُْصُولِ، وَالأَْوْلَى أَنْ يُقَالَ: مَا رَوَاهُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ لِيَشْمَلَ الْمُنْقَطِعَ.
وَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَالْمُرْسَلُ قَوْلُ التَّابِعِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ كَذَا. وَالْمُعْضَلُ مَا سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ اثْنَانِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَالْمُنْقَطِعُ مَا سَقَطَ وَاحِدٌ مِنْهَا. وَالْمُعَلَّقُ مَا رَوَاهُ مِنْ دُونِ التَّابِعِيِّ مِنْ غَيْرِ سَنَدٍ. وَالْكُلُّ دَاخِلٌ فِي الْمُرْسَلِ عِنْدَ أَهْلِ الأُْصُولِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْمُرْسَلِ وَيُرَادُ بِهِ: الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
الْوَكِيلُ
مِنْ مَعَانِي الْوَكِيلِ فِي اللُّغَةِ: الَّذِي يَقُومُ بِالأَْمْرِ، يُقَالُ: وَكِيلُ الرَّجُلِ الَّذِي يَقُومُ بِأَمْرِهِ، سُمِّيَ وَكِيلاً لأَِنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ وَكَّلَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ وَالْوَكِيلُ عَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَيْ حَافِظٌ، وَمِنْهُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَالْوَكِيلُ اصْطِلاَحًا: الْقَائِمُ بِمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ فِيمَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُرْسَلِ أَنَّ الْوَكِيلَ قَدْ يَكُونُ أَعَمَّ مِنَ الْمُرْسَلِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُرْسَلِ فَقَالَ: قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْمِعْرَاجِ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالْوَكِيلِ أَنَّ الْوَكِيلَ لاَ يُضِيفُ الْعَقْدَ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَالرَّسُولُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُرْسِلِ.
وَفِي الْفَوَائِدِ: صُورَةُ التَّوْكِيلِ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِغَيْرِهِ: كُنْ وَكِيلاً فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ، أَوْ وَكَّلْتُكَ بِقَبْضِهِ، وَصُورَةُ الرَّسُولِ: أَنْ يَقُولَ: كُنْ رَسُولاً عَنِّي فِي قَبْضِهِ أَوْ أَرْسَلْتُكَ لِتَقْبِضَهُ، أَوْ قُلْ لِفُلاَنٍ: أَنْ يَدْفَعَ الْمَبِيعَ إِلَيْكَ، وَقِيلَ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالْوَكِيلِ فِي فَصْلِ الأَْمْرِ بِأَنْ قَالَ: اقْبِضِ الْمَبِيعَ فَلاَ يَسْقُطُ الْخِيَارُ.
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الرَّسُولَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ إِضَافَةِ الْعَقْدِ إِلَى مُرْسِلِهِ لأَِنَّهُ مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ، بِخِلاَفِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ لاَ يُضِيفُ الْعَقْدَ إِلَى الْمُوَكِّلِ إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ.
وَجَاءَ فِي الْمَبْسُوطِ: الرَّسُولُ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ، فَأَمَّا إِتْمَامُ مَا أُرْسِلَ بِهِ لَيْسَ إِلَيْهِ كَالرَّسُولِ بِالْعَقْدِ لَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ شَيْءٌ. وَلَمْ يُفَرِّقِ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْمُرْسَلِ وَالْوَكِيلِ الْمَخْصُوصِ، وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُرْسَلِ وَالْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ.