العبرة فى وصف الحكم بأنه حضورى أو غيابى هى بحقيقة الواقع فى الدعوى لا بما تذكره المحكمة عنه - فإذا كان الثابت من الحكم الاستئنافى - موضوع المعارضة - أن الطاعن لم يحضر الجلسة الأولى ، ولم يعلن بالجلسة التى تأجلت إليها الدعوى وسمعت فيها المرافعة ، وقد جاء الحكم خلوا من أسباب اعتباره حضوريا بالنسبة للطاعن - عملاً بنص المادتين 2/238 ، 240 من قانون الإجراءات الجنائية - فإن الطعن فيه بطريق المعارضة يكون جائزاً ، ولا يغير من هذا النظر ما خاض فيه حكم المعارضة - بشأن علم الطاعن بتاريخ الجلسة الأولى - لأن المعول عليه للقول بوجود خطأ فى تطبيق القانون فى هذا الشأن إنما هى الوقائع التى جاءت فى الحكم المعارض فيه - فلا تملك محكمة المعارضة - وهى بسبيل نظر المعارضة - وبعد أن استنفذت سلطتها بالفصل فى موضوع الاستئناف ، أن تنشئ وضعا جديدا لم ير الحكم المعارض فيه - فى حدود سلطته التقديرية - أن يأخذ به ، فترتب عليه للطاعن حق المعارضة ، ويكون الحكم فى قضائه بعدم قبول المعارضة قد أخطأ فى تطبيق القانون ويتعين نقضه .
(الطعن رقم 1220 لسنة 29 ق - جلسة 1959/11/30 س 10 ع 3 ص 958 ق 196)
توسع المشرع في حالات الحضور الاعتباري بقوة القانون وإلغي الحضور الاعتباري الجوازي للمحكمة. فقد اعتبر المشرع بالتعديل الجديد (1) الحكم حضورياً اعتبارياً في الأحوال الآتية :
1- إذا لم يحضر الخصم المكلف بالحضور حسب القانون في اليوم المبين بورقة التكليف بالحضور ولم يرسل وكيلاً عنه في الأحوال التي يسوغ فيها تلك بشرطين :
الأول : أن تكون ورقة التكليف بالحضور قد سلمت لشخصه.
الثاني : أن تبين المحكمة أنه لا مبرر لعدم حضوره فإذا كانت ورقة التكليف لم تسلم الشخص المتهم أو تبين للمحكمة ما إذا كان هناك مبرر لعدم حضوره من علمه فيجوز لها الحكم في غيبته بعد الإطلاع على الورقة.
كما يجوز لها في الوقت ذاته بدلاً من الحكم غيابياً أن تؤجل الدعوى إلى جلسة تالية وتأمر بإعادة إعلان الخصم في موطنه. (مادة 238 معدلة).
ويلاحظ أنه إذا لم يكن إعلان ورقة التكليف بالحضور قد تم تسليمه للخصم شخصية فلا يجوز للمحكمة اعتبار الحكم حضورياً ، وإنما يكون غيابياً إذا رأت الحكم في غيبته. ويلزم لاعتبار الحكم حضورياً أن تكون ورقة التكليف قد سلمت الشخص المتهم او الخصم. فإذا رفض استلامها فيتخلف الشرط ولا يجوز اعتبار الحكم حضورياً لاحتمال التقصير في الإعلان الشفوي. وإذا كان التكليف بالحضور قد تم بغیر میعاد لكون الجريمة في حالة تلبس فين حضور المتهم الجلسة وطلبه التأجيل ثم تغيبه عن الجلسة المحددة يجل الحكم الصادر حضورياً اعتبارياً بقوة القانون كما سنرى.
2 - إذا تغيب الخصم ولم توافر الحالة السابقة للحضور الاعتبار فيجوز للمحكمة بدلاً من الحكم في غيبته أن تؤجل الدعوى إلى جلسة تالية وتأمر بإعادة إعلان الخصم في موطنه مع تنبيهه إلى أنه إذا تخلف عن الحضور في هذه الجلسة يعتبر الحكم الذي يصدر حضورياً، إذا لم يحضر وتبني للمحكمة أن لا مبرر لعدم حضوره يعتبر الحكم حضورياً (مادة 238 معدلة).
3 - إذا رفعت الدعوى على عدة أشخاص عن واقعة واحدة وحضر بعضهم وتخلف البعض الأخر رغم تكليفهم بالحضور حسب القانون فعلى المحكمة أن تؤجل الدعوى إلى جلسة تالية وتأمر بإعادة إعلان من تخلف في موطنه مع تنبيههم إلى أنهم إذا تخلفوا عن الحضور في هذه الجلسة يعتبر الحكم الذي يصدر حضورياً، فإذا لم يحضروا وتبين للمحكمة أن لا مبرر لعدم حضورهم يعتبر الحكم حضورياً بالنسبة لهم (مادة 240 معدلة).
ويلاحظ بالنسبة لهذه الحالة من حالات الحضور الاعتبار أن المحكمة ملزمة قانوناً بتأجيل نظر الدعوى إلى جلسة تالية إذا حضر الجلسة الأولى بعض المتهمين ولم يحضر البعض الأخر، ولا يجوز لها أن تقضي حضورياً بالنسبة لبعضهم وغيابياً بالنسبة للبعض الأخر، وإنما عليها التأجيل ليكون الحكم حضورياً اعتبارياً بقوة القانون بالنسبة لمن لم يحضره
ويلاحظ أن هذه الحالة تستلزم تعدداً في الأشخاص المرفوعة عليهم الدعوى.
وهذا التعدد يتوافر سواء أكانوا جميعاً متهمين أو كان أحدهم متهماً والأخر مسئولاً عن الحقوق المدنية. كما يلزم وحدة الواقعة المرفوعة عنها الدعوى بالنسبة لهم، كما يلزم لن ينكر بالإعلان الثاني بورقة التكليف بالحضور التنبيه عليهم ويستوي بعد ذلك أن يكون الإعلان لشخص الخصم أو في محل إقامته. ويتعين على المحكمة أن تبين الأسباب التي استندت إليها في اعتبار الحكم حضورياً.
كما يلاحظ أيضاً أن المحكمة غير مخيرة في التنبيه على من لم يحضر إلى أنه إذا تخلف يعتبر الحكم حضورياً وإنما هي ملزمة بذلك التنبيه.
4 - إذا حضر الخصم عند النداء على الدعوى ثم غادر الجلسة قبل المرافعة.
5 - إذا تخلف الخصم عن الحضور في جلسات المرافعة التي تؤجل إليها الدعوى رغم علمه بها بناء على تبيه أو إعلان.
ويشترط الحضور الاعتباري أن يكون التغيب بدون عذر مقبول (م 239). فإذا كان المتهم قد ابدى عذراً قبلته المحكمة أجلت نظر الدعوى إلى جلسة أخرى ولم يحضر الخصم كان الحكم الصادر فيها حضورياً اعتبارياً طالما أن تغيبه للمرة الثانية لم يكن بعذر مقبول. ويلاحظ أن المتهم يعني من أيداء العذر إذا كان التأجيل اليوم صادف عطلة رسمية. ففي هذه الحالة يتعين تأجيل الجلسة إدارياً وتكليف الخصوم بالحضور التاريخ أخر يحدد بورقة التكليف بالحضور ويعلن بها الخصوم فإذا لم يتم الإعلان فالحكم الصادر في الدعوى في غيبة المتهم يكون غيابياً حتى ولو كان المتهم يعلم بالجلسة بوسائله الخاصة ولم يكن هناك عذر لتغيبه، وذلك بالتطبيق للقواعد المتعلقة بالأحكام الغيابية.
الشروط اللازم توافرها لصحة الحكم الحضورى الاعتبارى :
يشترط لكي يكون الحكم الصادر في غيبة المتهم يعتبر حضورياً إذا ما توافرت إحدى حالات اعتبار الحكم حضورياً سواء بقوة القانون أو بقرار من المحكمة ما ياتي :
1- أن تكون الدعوى الصادر فيها الحكم هي جنحة أو مخالفة أما الجنايات فيجب التفرقة بين جنايات الأحداث التي تنظرها محكمة الأحداث والجنايات المنظورة أمام محكمة الجنايات. فبالنسبة لجنايات الأحداث يطبق بشأنها القواعد الخاصة بالجنح وبالتالي يمكن اعتبار الحكم حضورياً وفقاً للحالات السابق بيانها، أما الجنايات المنظورة أمام محكمة الجنايات فالحكم الصادر في غيبة المتهم يعتبر غيابيا مهما كانت الظروف. فالإجراءات أمام محكمة الجنايات فالحكم الصادر في غيبة المتهم يعتبر غيابياً مهما كانت الظروف. فالإجراءات أمام محكمة الجنايات لا تعرف الحضور الاعتبار إذ أن أحكام محكمة الجنايات لا تقبل الطعن بالمعارضة والتي بالنسبة لها تبرز أهمية التفرقة بين الحكم الغيابي و الحضوري الاعتباري. أما الجنح التي تنتظر بمعرفة محكمة الجنايات فيجوز تطبيق نظام الحكم الحضوري الاعتباري بصددها باعتبار أنه يطبق على الجنح المنظورة أمامها الإجراءات الخاصة بمحاكم الجنح.
2 - أن تقوم المحكمة بإجراء التحقيقات اللازمة في الدعوى تماماً كما لو كان الخصوم حاضران فلا يجوز للمحكمة أن تصدر حكمها الحضوري الاعتباري بعد الإطلاع على الأوراق فقط وإنما يلزم تحقيق الدعوى وسماع الشهود وندب الخبراء والمعاينة وغير ذلك من الإجراءات الخاصة بالتحقيق النهائي والتي ترى المحكمة لزوم إجرائها لإمكان الفصل في الدعوى، أما تلك التي تخضع لاطلاقاتها فلا تترتب عليها إذا لم تباشرها وحكمت بعد الاطلاع على الأوراق.
تبدو أهمية التفرقة بين الأنواع الثلاثة من الأحكام من حيث طرق الطعن بالمعارضة. فالأحكام الحضورية بطبيعة الحال لا تقبل الطعن بالمعارضة . أما الأمر بالنسبة للأحكام الحضورية الاعتبارية فيختلف. فهي كقاعدة عامة لا تقبل الطعن بالمعارضة تماماً كالأحكام الحضورية ، ومع ذلك أجاز القانون المعارضة فيها متى توافرت شروط ثلاثة :
الأول : أن يثبت المحكوم عليه لن تخلفه كان بسبب عذر منعه من الحضور، الثاني : أن يثبت المحكوم عليه عدم تمكنه واستطاعته تقديم العذر في الجلسة المحددة لنظر الدعوى أو قبل الحكم فيها، والثالث : أن يكون الحكم الصادر باعتباره حضورياً غير قابل للاستئناف ويترتب على تخلف شرط من الشروط الثلاثة السابقة أن يكون الحكم الحضوري الاعتبار شأنه شأن الحكم الحضوري غير قابل للمعارضة.
أما الحكم الغيابي فهو الوحيد الذي يقبل الطعن بطريق المعارضة دون استلزام شروط معينة تتعلق بالتخلف عن الحضور أو بعدم جواز استئنافه طالما لا يعتبر حضورياً اعتبارياً.
كذلك تبدو أهمية التفرقة بين الأحكام السابقة في أن الحكم الحضوري والمعتبر حضورياً يجب أن يكون مصدراً بناء على تحقيق الدعوى في الجلسة فلا يجوز صدوره باطلاع المحكمة على الأوراق ودون تحقيق، على حين أن الحكم الغيابي يصدر بعد الإطلاع على الأوراق ولا تكون المحكمة ملزمة بالتحقيق.
ويتفق الحكم الغيابي مع الحكم الحضوري الاعتباري في كونهما يسقطان بقوة القانون بمجرد حضور المتهم أو الخصم الذي صدر عليه الحكم في غيبته قبل انتهاء الجلسة الصادر فيها الحكم.(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني، الصفحة : 773)
الأحوال التي يجوز فيها الرجوع إلى قانون المرافعات لسد نقص في قانون الإجراءات الجنائية :
يرجع القاضي الجنائي إلى قانون المرافعات المدنية والتجارية في حالتين:
الحالة الأولى: أن يحيل قانون الإجراءات الجنائية صراحة إلى مواد قانون المرافعات. وتطبيقا لذلك أحال قانون الإجراءات الجنائية إلى قانون المرافعات في المادة 234/ 1 بشأن إعلان ورقة التكليف بالحضور. كما أحال إلى قانون المرافعات في المادتين 240 و 250 بشأن حالات رد القضاء، وإجراءات نظر طلب الرد والحكم فيه. كما أحال إلى قانون المرافعات في المادة 287 بشأن القواعد المقررة لمنع الشاهد من أداء الشهادة أو الإعفاء منها. وأحال في المادة 461/ 2 إلى قانون المرافعات بشأن تنفيذ الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية التبعية.
الحالة الثانية: أن يكون الحكم القانون الوارد في قانون المرافعات مطبقاً لقاعدة إجرائية عامة تتفق مع الخصومة القضائية أياً كانت طبيعتها جنائية أو مدنية، وبشرط ألا تتعارض هذه القاعدة مع أهداف قانون الإجراءات الجنائية والمبادئ الحاكمة التي يقوم عليها. والقاعدة الإجرائية العامة التي تتفق مع الخصومة القضائية أياً كانت طبيعتها قد تحد مصدرها إما في قانون السلطة القضائية أو في قانون المرافعات. وقد قضت محكمة النقض أنه من المقرر أن المحكمة الجنائية لا ترجع إلى قانون المرافعات المدنية والتجارية إلا عند إحالة صريحة على حكم من أحكامه وردت في قانون الإجراءات الجنائية أو عند خلو هذا القانون من نص على قاعدة من القواعد العامة الواردة في قانون المرافعات .
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه يترتب على إغفال الحكم بالمصاريف وجوب الرجوع إلى المحكمة للفصل فيها طبقاً للمادة 193 مرافعات. وأن النطق بالحكم يجب إتمامه بحضور القضاة الذين اشتركوا في المداولة، فإذا حدث مانع لدى أحدهم فيجب توقيعه على مسودة الحكم طبقاً للمادة 170 مرافعات. كما قضت محكمة النقض أن نص المادة 15 من قانون المرافعات بشأن كيفية حساب المواعيد يعبر عن قاعدة عامة.
قضت محكمة النقض أنه لما كان الطاعن سبق وأن قرر بالطعن بطريق النقض في الحكم الصادر ضده وقررت محكمة النقض - في غرفة مشورة - عدم قبول الطعن شكلاً، فقرر المحكوم عليه الطعن في هذا القرار الأخير بالنقض. وأنه لما كان القرار بقانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض قد خلا من حكم لهذه الحالة، فإنه يتعين الرجوع إلى نصوص قانون المرافعات المنظمة لقواعد الطعن بالنقض في المواد المدنية والتجارية بوصفه قانوناً عاماً يرجع إليه لسد ما في القرار بقانون رقم 57 لسنة 1959 من نقص أو للإعانة على إعمال القواعد المنصوص عليها فيه.
وقد أضافت محكمة النقض إلى ما تقدم أنه لما كانت المادة 263 من قانون المرافعات تنص على أنه يعرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة، فإذا رأت أن الطعن غير مقبول لسقوطه أو بطلان إجراءاته أو إقامته على غير الأسباب المبينة في المادتين 248 و 249 أمرت بعدم قبوله. وفي جميع الأحوال لا يجوز الطعن في القرار الصادر من المحكمة بأي طريق. وكانت المادة 272 من ذات القانون تنص على أنه لا يجوز الطعن في أحكام محكمة النقض بأي طريق من طرق الطعن مؤداه وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة أن محكمة النقض هي خاتمة المطاف في مراحل التقاضي وأحكامها باتة لا سبيل إلى الطعن فيها، وأن المشرع اغتني عن النص على منع الطعن في أحكام محكمة النقض بسائر طرق الطعن العادية وغير العادية لعدم إمكان تصور الطعن بها على أحكام هذه المحكمة، ولم يستثن المشرع من ذلك الأصل إلا ما أورده في الفقرة الثانية من المادة 147 من قانون المرافعات من جواز الطعن ببطلان الحكم الصادر من محكمة النقض إذا ما قام بأحد القضاة سبب من أسباب عدم الصلاحية المنصوص عليها في المادة 146 من هذا القانون زيادة في الاحتياط والتحوط لسمعة القضاة (نقض 21 ديسمبر سنة 1997، الطعن رقم 6771 لسنة 63 ق، مجموعة الأحكام، س 48، ص 1460. 5 يولية سنة 1998، الطعن رقم 20460 لسنة 63 ق، س 49، ص 860 ) .
وهنا يلاحظ أن ما جرى التعبير عنه بالقواعد العامة هي القواعد الإجرائية العامة التي تصلح للتطبيق على الإجراءات في الدعويين الجنائية والمدنية. ولا يعني وجود هذه القواعد في قانون المرافعات أو الإجراءات الجنائية أنها لصيقة الصلة بالدور الذي يؤديه هذا القانون دون غيره.
وقد قضت محكمة النقض أنه إذا أغفلت المحكمة الجنائية الفصل في الدعوى المدنية التبعية في ذات الحكم الذي تفصل فيه في الدعوى الجنائية طبقا للمادة 309 إجراءات، يكون للمدعي المدعي المدني أن يرجع إلى ذات المحكمة التي فصلت في الدعوى الجنائية، للفصل فيما أغفله عملا بالمادة 193 من قانون المرافعات المدنية. كما قضى بسريان المادة 268 من قانون المرافعات على الدعوى الجنائية، وذلك بشأن واجب الخبراء في وضع إمضاءاتهم وعلاماتهم على الأوراق المقتضى المضاهاة عليها قبل الشروع في التحقيق.
وفي مجال تطبيق قانون العقوبات أوجبت محكمة النقض لتطبيق المادة 123 منه بشأن عدم تنفيذ الأحكام التحقق من اتباع المادة 281/ 2 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي أوجبت إعلان السند التنفيذي إلى المدين قبل الشروع في التنفيذ أياً كان نوعه وإلا كان باطلاً. وقد أسست محكمة النقض هذا القضاء على أن الغاية من إعلان السند التنفيذي إلى المدين إنما هي إعلانه بوجوده وإخطاره بما هو ملزم بأدائه على وجه اليقين وتحديد إمكانية مراقبة استيفاء السند المنفذ به جميع الشروط الشكلية والموضوعية، وذلك للتحقق من توافر أركان الجريمة باعتبار أن العقوبة شخصية ولا يحكم بما إلا على من ارتكب الجريمة أو شارك فيها.
فإذا كان النص في قانون المرافعات قد ورد على سبيل الاستثناء من هذا القانون أو لعلة متعلقة بطبيعة الخصومة المدنية أو التجارية فلا يطبق في الخصومة الجنائية. مثال ذلك المادة 110 مرافعات التي توجب على المحكمة المدنية عند إصدار حكمها بعدم الاختصاص أن تحيل الدعوى إلى المحكمة المختصة مع إلزام الأخيرة بنظر الدعوى المحالة إليها. وهذا النص لا نظير له في قانون الإجراءات الجنائية، وقد عبرت عن ذلك محكمة النقض بقولها إن اللزوم قائم في نفي الاختصاص لا في اسباغه على الغير.
ولا يكفي أن يستخلص القاضي أن نص قانون المرافعات يعبر عن قاعدة إجرائية عامة، بل يجب ألا تتعارض هذه القاعدة مع المبادئ الحاكمة لقانون الإجراءات الجنائية، والتي تقوم عليها الشرعية الإجرائية الجنائية. ومن أمثلة ذلك كافة حقوق الدفاع المترتبة على أن الأصل في المتهم البراءة، وتعلق قواعد الاختصاص النوعي والمحلي والشخصي بالنظام العام.
إذا رفعت الدعوى على عدة أشخاص عن واقعة واحدة وحضر بعضهم و تخلف البعض الآخر رغم تكليفهم بالحضور حسب القانون - وجب على المحكمة أن تؤجل الدعوى لجلسة مقبلة وتأمر بإعادة إعلان من تخلف في موطنه مع تنبيههم إلى أنهم إذا تخلفوا عن الحضور في هذه الجلسة يعتبر الحكم الذي يصدر حضورياً فإذا لم يحضروا وتبين للمحكمة إلا مبرر لعدم حضورهم يعتبر الحكم حضورياً بالنسبة لهم (المادة 240 إجراءات).(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 32)
الحكم الحضوري الاعتباري: الحكم الحضوري الاعتباري هو حكم غيابي في حقيقته: ولكن الشارع عده حضورياً على سبيل المجاز. وأهم نتيجة رتبها على ذلك هي حظر المعارضة في هذا الحكم إذا توافرت شروط معينة. وعلة «نظرية الأحكام الحضورية الاعتبارية» أن تغيب المتهم (أو الخصم بصفة عامة) قد انطوى على خطأ، فهو لم يبد دفاعه في حين كان يستطيع إبداءه، ومن ثم لا مبرر لتخويله الطعن بالمعارضة لإبداء دفاعه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تغيب المتهم في هذه الحالات قد انطوى على نية المماطلة وعرقلة عمل القضاء، وقد أراد الشارع بحرمانه من المعارضة أن يرد عليه قصده السيئ.
تعدد المدعى عليهم وحضور بعضهم دون بعض: نصت على هذه الحالة المادة 240 من قانون الإجراءات الجنائية في قولها «إذا رفعت الدعوى على عدة أشخاص عن واقعة واحدة وحضر بعضهم و تخلف البعض الآخر رغم تكليفهم بالحضور حسب القانون، فعلى المحكمة أن تؤجل الدعوى إلى جلسة تالية وتأمر بإعلان من تخلف في موطنه مع تنبيههم إلى أنهم إذا تخلفوا عن الحضور في هذه الجلسة يعتبر الحكم الذي يصدر حضورياً. فإذا لم يحضروا وتبين للمحكمة ألا مبرر لعدم حضورهم يعتبر الحكم حضورياً بالنسبة لهم».
وشروط تطبيق هذه الحالة هي: أن يتعدد المدعى عليهم، وأن تكون الواقعة واحدة، وأن يثبت تكليف المدعى عليهم بالحضور تكليفاً صحيحاً، وأن يحضر بعض المدعى عليهم ويتخلف البعض الآخر عن الحضور، وأن تؤجل المحكمة الدعوى وتأمر بإعلان من تخلف عن الحضور في موطنه وتنبه عليهم بأنه إذا تخلفوا عن الحضور في هذه الجلسة الثانية يعتبر الحكم حضورياً، وأن يتخلف المدعى عليه عن الحضور للمرة الثانية، ويثبت أن تخلفه كان بغير عذر مقبول. واعتبار الحكم حضورياً وجوبي على المحكمة.
وعلة اعتبار الحكم حضورياً في هذه الحالة هي حرص الشارع على تفادي التناقض بين الأحكام: ذلك أن حضور بعض المدعى عليهم وتغيب البعض الآخر يعني اعتبار الحكم حضورياً بالنسبة للفريق الأول وغيابياً بالنسبة للفريق الثاني، فيكون الأفراد الفريق الأخير وحدهم حق الطعن بالمعارضة، فإذا استعمل هذا الحق فقد يعدل الحكم بالنسبة لمن طعن في حين يبقى على حاله بالنسبة لمن ليس لهم حق الطعن. وقد أراد الشارع باعتبار الحكم حضورياً بالنسبة لمن تخلفوا أن يكون حضورياً بالنسبة لجميع المدعى عليهم، فيزول احتمال التناقض بين مصائرهم.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني، الصفحة: 1049)
تفترض المادة محل التعليق لأعمالها تعدد الأشخاص المرفوعة عليهم الدعوى، يستوي في هذا أن يكونوا متهمين أو مسؤولين عن حقوق مدنية، وأن يكونوا قد كلفوا بالحضور حسب القانون ولا يشترط في هذه الحالة أن يكون الإعلان قد تم لأشخاصهم حيث لم يتطلبه النص. وأن تكون الدعوى قد رفعت عن واقعة واحدة، ثم يحضر بعض الخصوم ويتخلف البعض الآخر.
وقد دفع المشرع إلى إيراد هذه الحالة سعيه نحو التضييق من نطاق الأحكام الغيابية وبالتالي الطعن بالمعارضة ما أمكن، فضلاً عن حرصه على تجنب تضارب الأحكام وتفادي تقطيع أوصال القضية الواحدة عند تعدد المتهمين ومثول البعض دون البعض الآخر. ويلاحظ هنا أن المشرع جعل تأجيل الدعوى إلى جلسة تالية - في حالة تخلف بعض المتهمين - وجوبياً على المحكمة ولم يجعله جوازياً لها، فإذا لم يحضروا على الرغم من إعادة إعلانهم دون مبرر فإن الحكم يعتبر حضورياً بقوة القانون.
ومن الواضح وجود شبه كبير بين هذه الحالة والحالة المنصوص عليها بالمادة 238/ 2 من قانون الإجراءات الجنائية، ومع ذلك فإن بينهما فارقاً هاماً، هو أن تأجيل الدعوى والأمر بإعادة إعلان المتهم الفرد يكون جوازياً للمحكمة إن شاءت لجأت إليه وإن شاءت حكمت في الدعوى وكان الحكم غيابياً ( المادة 238/ 2 من قانون الإجراءات الجنائية ). أما تأجيل الدعوى في حالة المتهمين وتخلف بعضهم فإنه وجوبي على المحكمة (المادة محل التعليق)، ولذلك فإن المادة 238 / 2 لا تغني عن المادة محل التعليق.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة : 590)
وشروط تطبيق الحالة المنصوص عليها بالمادة (240) إجراءات محل التعليق هو أن يتعدد المدعى عليهم وأن تكون الواقعة واحدة وأن يثبت تكليف المدعي عليهم بالحضور تكليفاً صحيحاً وأن يحضر بعض المدعى عليهم ويتخلف البعض الآخر وأن تؤجل المحكمة الدعوى وتأمر بإعلان من تخلف عن الحضور في موطنه وتنبه عليهم بأنهم إذا تخلفوا عن الحضور في هذه الجلسة الثانية يعتبر الحكم حضورياً وأن يتخلف المدعى عليه عن الحضور للمرة الثانية وأن يثبت أن تخلفه كان بغیر عذر مقبول وإعتبار الحكم حضورياً وجوبي على المحكمة.
وفي ذلك قيل بأن من الواضح وجود شبه كبير بين هذه الحالة والحالة الثانية التي نصت عليها المادة ( 238/ 2 أ.ج) ومع ذلك فإن بينهما فارقاً هاماً هو أن تأجيل الدعوى والأمر بإعادة إعلان المتهم الفرد يكون جوازياً للمحكمة إن شأن لجأت إليه وإن شاءت حكمت في الدعوى وكان الحكم غيابياً (م 238/ 2 أ.ج) أما تأجيل الدعوى في حالة تعدد المتهمين وتخلف بعضهم فإنه وجوبي على المحكمة (م 240 أ.ج المعدلة) ولذلك فإن المادة ( 238/ 2) لا تغني عن المادة (240).(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني ، الصفحة : 695)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع والأربعون ، الصفحة / 201
وَطَن
التَّعْرِيفُ:
الْوَطَنُ- بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالطَّاءِ- فِي اللُّغَةِ: مَنْزِلُ الإْقَامَةِ، أَوْ مَكَانُ الإْنْسَانِ وَمَقَرُّهُ، وَيُقَالُ لِمَرْبِضِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالإِْبِلِ: وَطَنٌ، وَهُوَ مُفْرَدٌ، جَمْعُهُ أَوْطَانٌ، وَمِثْلُ الْوَطَنِ الْمَوْطِنُ، وَجَمْعُهُ مَوَاطِنُ، وَأَوْطَنَ: أَقَامَ، وَأَوْطَنَهُ وَوَطَّنَهُ وَاسْتَوْطَنَهُ: اتَّخَذَهُ وَطَنًا، وَمَوَاطِنُ مَكَّةَ: مَوَاقِفُهَا.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْوَطَنُ: هُوَ مَنْزِلُ إِقَامَةِ الإِْنْسَانِ وَمَقَرُّهُ، وُلِدَ بِهِ أَوْ لَمْ يُولَدْ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْمَحَلَّةُ:
الْمَحَلَّةُ فِي اللُّغَةِ: مَنْزِلُ الْقَوْمِ، وَالْجَمْعُ مَحَالُّ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ مَنْزِلُ قَوْمِ إِنْسَانٍ وَلَوْ تَفَرَّقَتْ بُيُوتُهُمْ حَيْثُ جَمَعَهُمُ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَحَلَّةِ وَالْوَطَنِ أَنَّ الْوَطَنَ أَعَمُّ مِنَ الْمَحَلَّةِ.
أَنْوَاعُ الْوَطَنِ:
يُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ الْوَطَنَ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الأْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: وَطَنٌ أَصْلِيٌّ، وَوَطَنُ إِقَامَةٍ، وَوَطَنُ سُكْنَى، كَمَا يَلِي:
أ- الْوَطَنُ الأْصْلِيُّ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ هُوَ: مَوْطِنُ وِلاَدَةِ الإْنْسَانِ أَوْ تَأَهُّلِهِ أَوْ تَوَطُّنِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: الْوَطَنُ الأْصْلِيُّ، وَيُسَمَّى بِالأْهْلِيِّ، وَوَطَنُ الْفِطْرَةِ، وَالْقَرَارِ، وَمَعْنَى تَأَهُّلِهِ أَيْ تَزَوُّجِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِبَلْدَتَيْنِ فَأَيُّهُمَا دَخَلَهَا صَارَ مُقِيمًا، فَإِنْ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ فِي إِحْدَاهُمَا وَبَقِيَ لَهُ فِيهَا دُورٌ وَعَقَارٌ، قِيلَ: لاَ يَبْقَى وَطَنًا، إِذِ الْمُعْتَبَرُ الأْهْلُ دُونَ الدَّارِ، وَقِيلَ: تَبْقَى، وَمَعْنَى تَوَطُّنِهِ أَيْ عَزْمِهِ عَلَى الْقَرَارِ فِيهِ وَعَدَمِ الاِرْتِحَالِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ فِيهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْوَطَنُ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ الشَّخْصُ لاَ يَرْحَلُ عَنْهُ صَيْفًا وَلاَ شِتَاءً إِلاَّ لِحَاجَةٍ كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ.
وَيَلْحَقُ بِهِ الْقَرْيَةُ الْخَرِبَةُ الَّتِي انْهَدَمَتْ دُورُهَا وَعَزَمَ أَهْلُهَا عَلَى إِصْلاَحِهَا وَالإْقَامَةِ بِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً.
كَمَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ امْرَأَةٌ لَهُ أَوْ تَزَوَّجَ فِيهِ، لِحَدِيثِ عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلاَةَ الْمُقِيمِ».
قَالَ الرُّحَيْبَانِيُّ: وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْوَطَنِ الْبَلَدُ الَّذِي لِلشَّخْصِ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَاشِيَةٌ، وَقِيلَ: أَوْ مَالٌ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الْوَطَنُ هُوَ مَحَلُّ سُكْنَى الشَّخْصِ بِنِيَّةِ التَّأْبِيدِ، وَمَوْضِعُ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ سُكْنَاهُ عِنْدَهَا، فَمَنْ كَانَ لَهُ بِقَرْيَةٍ وَلَدٌ فَقَطْ أَوْ مَالٌ فَإِنَّهَا لاَ تَكُونُ وَطَنًا أَصْلِيًّا لَهُ.
ب- وَطَنُ الإْقَامَةِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَطَنُ الإْقَامَةِ هُوَ مَا خَرَجَ إِلَيْهِ الإْنْسَانُ بِنِيَّةِ إِقَامَةِ مُدَّةٍ قَاطِعَةٍ لِحُكْمِ السَّفَرِ، وَيُسَمَّى بِالْوَطَنِ الْمُسْتَعَارِ أَوْ بِالْوَطَنِ الْحَادِثِ.
وَبَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ يَتَّفِقُونَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمُدَّةِ الْقَاطِعَةِ لِحُكْمِ السَّفَرِ.
ج- وَطَنُ السُّكْنَى:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَطَنُ السُّكْنَى هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقْصِدُ الإْنْسَانُ الْمُقَامَ بِهِ أَقَلَّ مِنَ الْمُدَّةِ الْقَاطِعَةِ لِلسَّفَرِ.
(ر: صَلاَةِ الْمُسَافِرِ ف3 – 8)
شُرُوطُ الْوَطَنِ:
لاَ يُسَمَّى الْمَكَانُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ الإْنْسَانُ وَطَنًا لَهُ تُنَاطُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطَنِ إِلاَّ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ.
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ كَوْنِهِ وَطَنًا أَصْلِيًّا، أَوْ وَطَنَ إِقَامَةٍ، أَوْ وَطَنَ سُكْنَى.
ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الشُّرُوطِ مِمَّا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ وَبَعْضَهَا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
شُرُوطُ الْوَطَنِ الأَْصْلِيِّ:
أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا بِنَاءً مُسْتَقِرًّا بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْبِنَاءِ بِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ حَيْثُ عَرَّفُوا الْوَطَنَ فِي مَعْرِضِ الْكَلاَمِ عَنْ شُرُوطِ إِقَامَةِ صَلاَةِ الْجُمْعَةِ بِأَنَّهَا الْقَرْيَةُ الْمَبْنِيَّةُ بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِبِنَائِهَا بِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ لَبِنٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنْ تَكُونَ مُجْتَمِعَةَ الْبِنَاءِ بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ فِي الْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ يَعْتَبِرُونَ الْمَكَانَ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ الشَّخْصُ أَوْ تَأَهَّلَ فِيهِ أَوْ تَوَطَّنَ فِيهِ وَطَنًا أَصْلِيًّا لَهُ.
شُرُوطُ وَطَنِ الإْقَامَةِ:
تُشْتَرَطُ لاِتِّخَاذِ مَكَانٍ وَطَنًا لِلإْقَامَةِ شُرُوطٌ، مِنْهَا: نِيَّةُ الإْقَامَةِ، وَمُدَّةُ الإْقَامَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَاتِّخَاذُ مَكَانِ الإْقَامَةِ، وَصَلاَحِيَّةُ الْمَكَانِ لِلإْقَامَةِ، وَأَلاَّ يَكُونَ الْمَكَانُ وَطَنًا أَصْلِيًّا لِلْمُقِيمِ.
وَلِلتَّفْصِيلِ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ وَمَعْرِفَةِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا (ر: صَلاَة الْمُسَافِرِ ف26 - 29)
شُرُوطُ وَطَنِ السُّكْنَى:
لَيْسَ لِوَطَنِ السُّكْنَى إِلاَّ شَرْطَانِ، وَهُمَا: عَدَمُ نِيَّةِ الإْقَامَةِ فِيهِ، وَعَدَمُ الإْقَامَةِ فِيهِ فِعْلاً الْمُدَّةَ الْقَاطِعَةَ لِلسَّفَرِ- بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ- وَأَنْ لاَ يَكُونَ وَطَنًا أَصْلِيًّا لِلْمُقِيمِ فِيهِ.
(ر: صَلاَة الْمُسَافِرِ ف8)
مَا يَنْتَقِضُ بِهِ الْوَطَنُ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْوَطَنُ الأْصْلِيُّ لاَ يَنْتَقِضُ إِلاَّ بِالاِنْتِقَالِ مِنْهُ إِلَى مِثْلِهِ، بِشَرْطِ نَقْلِ الأْهْلِ مِنْهُ، وَتَرْكِ السُّكْنَى فِيهِ، فَإِذَا هَجَرَ الإْنْسَانُ وَطَنَهُ الأْصْلِيَّ، وَانْتَقَلَ عَنْهُ بِأَهْلِهِ إِلَى وَطَنٍ أَصْلِيٍّ آخَرَ، بِشُرُوطِهِ لَمْ يَبْقَ الْمَكَانُ الأْوَّلُ وَطَنًا أَصْلِيًّا لَهُ، فَإِذَا دَخَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسَافِرًا، بَقِيَ مُسَافِرًا عَلَى حَالِهِ، مَا لَمْ يَنْوِ فِيهِ الإْقَامَةَ، أَوْ مَا لَمْ يُقِمْ فِيهِ فِعْلاً الْمُدَّةَ الْقَاطِعَةَ لِلسَّفَرِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقِيمًا، وَيَكُونُ الْمَكَانُ لَهُ وَطَنَ إِقَامَةٍ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَطَنَ الأْصْلِيَّ لاَ يَنْتَقِضُ بِاتِّخَاذِ وَطَنٍ أَصْلِيٍّ آخَرَ. قَالَ الرُّحَيْبَانِيُّ: لاَ يَقْصُرُ مَنْ مَرَّ بِوَطَنِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَطَنَهُ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَاضِي، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بِهِ حَاجَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ طَرِيقُهُ إِلَى بَلَدٍ يَطْلُبُهُ.
وَمَنِ اسْتَوْطَنَ وَطَنًا آخَرَ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ وَطَنِهِ الأْوَّلِ، كَأَنْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ مَثَلاً: الأْولَى فِي وَطَنِهِ الأْوَّلِ، وَالثَّانِيَةُ فِي وَطَنٍ آخَرَ جَدِيدٍ، كَانَ الْمَكَانُ الآْخَرُ وَطَنًا لَهُ بِشُرُوطِهِ، وَلَمْ يَنْتَقِضِ الْوَطَنُ الأْوَّلُ بِذَلِكَ، لِعَدَمِ التَّحَوُّلِ عَنْهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ لِلإْنْسَانِ زَوْجَتَانِ فِي بَلَدَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يُعَدَّانِ وَطَنَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ لَهُ، فَأَيُّهُمَا دَخَلَهَا عُدَّ مُقِيمًا فِيهَا مُنْذُ دُخُولِهِ مُطْلَقًا، وَبِهَذَا يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَلاَ يَنْتَقِضُ الْوَطَنُ الأْصْلِيُّ بِوَطَنِ الإْقَامَةِ، وَلاَ بِوَطَنِ السُّكْنَى؛ لأِنَّهُ أَعْلَى مِنْهُمَا، فَلاَ يَنْتَقِضُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ الأْصْلِيِّ مُسَافِرًا إِلَى بَلَدٍ، وَأَقَامَ فِيهَا الْمُدَّةَ الْقَاطِعَةَ لِلسَّفَرِ، أَوْ نَوَى ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ يَنْتَقِضْ بِذَلِكَ وَطَنُهُ الأْصْلِيُّ، فَلَوْ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُدَّ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ إِلَيْهِ مُطْلَقًا.
أَمَّا وَطَنُ الإْقَامَةِ، فَيَنْتَقِضُ بِالْوَطَنِ الأْصْلِيِّ؛ لأِنَّهُ فَوْقَهُ، وَبِوَطَنِ الإْقَامَةِ أَيْضًا؛ لأِنَّهُ مِثْلُهُ، كَمَا يَنْتَقِضُ بِالسَّفَرِ، وَلاَ يَنْتَقِضُ وَطَنُ الإْقَامَةِ بِوَطَنِ السُّكْنَى؛ لأِنَّهُ دُونَهُ.
أَمَّا وَطَنُ السُّكْنَى، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْوَطَنِ الأْصْلِيِّ، وَبِوَطَنِ الإْقَامَةِ، وَبِوَطَنِ السُّكْنَى أَيْضًا، أَمَّا الأْوَّلاَنِ فَلأِنَّهُمَا فَوْقَهُ، وَأَمَّا الآْخِرُ فَلأِنَّهُ مِثْلُهُ، وَالشَّيْءُ يَنْتَقِضُ بِمِثْلِهِ وَبِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ.
