إذا رفع من ناله ضرر من الجريمة دعواه بطلب التعويض إلى المحكمة المدنية ، ثم رفعت الدعوى الجنائية ، جاز له إذا ترك دعواه أمام المحكمة المدنية أن يرفعها إلى المحكمة الجنائية مع الدعوى الجنائية .
موسوعة قانون الإجراءات الجنائية
وتبين المواد 56 و 57 و58 ( اصبحت المواد 263 و 264 و 265 من القانون ) الآثار التي تترتب على ترك المدعي المدني دعواه فلا يكون لهذا الترك أثر إلا بالنسبة الدعوى المدنية وإذا كان صريحاً فلا يجوز رفعها أمام المحاكم المدنية ما لم يكن المدعي المدني قد احتفظ بحقه في ذلك فإذا لم يحتفظ اعتبر انه ترك المقاضاة أمام المحاكم المدنية أيضاً أما الترك الاعتباري فليس له تأثير على حق المدعي المدني في رفع دعواه أمام المحاكم المدنية ( حذف الترك الاعتباري بحذف المادة 55 من المشروع ).
ويترتب بصفة عامة على ترك المدعي بالحقوق المدنية دعواه المدنية أو عدم قبول استبعاد المسئول عن الحقوق المدنية إذا كان دخوله في الدعوى بناء على طلب المدعي بالحقوق المدنية .
وتبين المادة 59 ( أصبحت المادة 264 من القانون ) حالة ما إذا رفع المدعي دعواه أمام محكمة مدنية مختصة وتأثير ذلك على حقه في الالتجاء إلى المحكمة الجنائية فنصت على جواز ذلك بصفة أصلية ما لم تكن الدعوى الجنائية قد رفعت بعد اتخاذ الطريق المدني وقبل أن يصدر حكم في موضوع الدعوى المدنية وعلة ذلك أن الطريق الجنائي لم يكن مفتوحاً أمامه وقت رفع الدعوى المدنية فلم تكن له حرية الاختيار .
وتناولت المادة 60 ( أصبحت م 265 من القانون ) قاعدة " الجنائي يوقف المدني " فنصت على وجوب وقف الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحاكم المدنية حتى يحكم نهائياً في الدعوى الجنائية المقامة قبل رفع الدعوى المدنية أو أثناء السير فيها.
وتتناول المادة 61 بیان تأثير قوة الشئ المحكوم فيه جنائياً على الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحكمة المدنية فنصت على وجوب اتباع المحكمة المدنية ما قضى به الحكم الجنائي بالنسبة لوقوع الجريمة وتعيين مرتكبيها ( هذه المادة حذفت اكتفاء بالمواد 454 إلى 458 ).
وتبين المادة 62 ( أصبحت 262 من القانون ) القانون الذي يجب اتباعه عند الفصل في الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحاكم الجنائية فوضعت لذلك قاعدة عامة وهي وجوب اتباع الإجراءات الجنائية فتراعي المواعيد وطرق الطعن وغير ذلك من الاجراءات المبينة بهذا القانون أما بالنسبة لموضوع الدعوى المدنية كتقدير التعويض وتحديد المسئولية فيتبع بصفة أصلية أحكام القانون المدني وتنص المادة 63 ( أصبحت م 220 من القانون ) على اختصاص المحاكم الجنائية على اختلاف درجاتها بالحكم في الدعوى المدنية مهما بلغت قيمة التعويض المطلوب ما لم ينص القانون على خلاف ذلك .
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني ،
من تقرير لجنة الإجراءات الجنائية لمجلس الشيوخ:
تقضي هذه المادة بأن المدعي بالحقوق المدنية إذا رفع طلبه للمحكمة المدنية فلا يجوز له أن يتنازل عن دعواه المدنية وأين يرفعها إلا في حالة رفع الدعوى الجنائية ولما كان المدعي المدني لا يملك حق تحريك الدعوى الجنائية وكانت دعواه المدنية لا تقبل أمام المحاكم الجنائية إلا تبعاً للدعوى الجنائية فلا يمكنه بطبيعة الحال أن يلتجئ إلى المحاكم الجنائية إلا بعد رفع الدعوى الجنائية من السلطة المختصة قانوناً برفعها ويكون كل المقصود هو أن التجاء المدعي المدني إلى المحاكم المدنية لا يسقط حقه في الإلتجاء إلى المحاكم الجنائية إذا رفعت الدعوى الجنائية ولذلك عدلت المادة لإبراز هذا المعنى.
1 ـ لما كان المستفاد بمفهوم المخالفة من نص المادة 264 من قانون الإجراءات الجنائية أن المضرور من الجريمة لا يملك بعد رفع دعواه أمام القضاء المدني بالمطالبة بالتعويض أن يلجأ إلى الطريق الجنائي إلا إذا كانت الدعوى الجنائية قد رفعت من النيابة العامة فإذا لم تكن قد رفعت منها امتنع على المدعي بالحقوق المدنية رفعها بالطريق المباشر ويشترط لسقوط حق المدعي بالحقوق المدنية فى تحريك الدعوى الجنائية فى هذه الحالة اتحاد الدعويين فى السبب والخصوم والموضوع. لما كان ذلك، وكانت الدعوى التي رفعتها المدعية بالحقوق المدنية أمام القضاء المدني هي دعوى تسليم منقولاتها عينا أما الدعوى المباشرة المماثلة فهي بطلب التعويض عن الضرر الناشئ عن تبديد هذه المنقولات ومن ثم فإنهما يختلفان موضوعا وسببا. فإن الحكم المطعون فيه إذ انتهى فى قضائه إلى صحة الدفع بسقوط حق المدعية بالحقوق المدنية فى اللجوء إلى الطريق الجنائي لسلوكها الطريق المدني وقضى تبعا لذلك بعدم قبول الادعاء المباشر بشقيه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون مما يتعين معه نقضه.
(الطعن رقم 818 لسنة 63 ق - جلسة 2002/04/16 س 53 ص 634 ق 105)
2 ـ المستفاد من نص المادة 264 من قانون الإجراءات الجنائية أنه متى رفع المدعي بالحقوق المدنية دعواه أمام المحكمة المدنية، فإنه لا يجوز له أن يرفعها بعد ذلك إلى المحكمة الجنائية ولو بطريق التبعية إلى الدعوى الجنائية القائمة مادام أنه لم يترك دعواه أمام المحكمة المدنية. لما كان ذلك، وكان الثابت من مطالعة الأوراق أن المدعي بالحقوق المدنية قد أختار الطريق المدني بإقامته دعوى مدنية قبل الطاعن بطلب التعويض الناشئ عن الجريمة، وكان ذلك قبل رفع الدعوى الجنائية الحالية من جانب النيابة العامة، وأنه لم يترك دعواه المدنية وإنما قضى بإيقافها حتى يفصل فى الدعوى الجنائية المماثلة والتي طلب فيها المدعي بالحقوق المدنية الحكم له بتعويض مؤقت عن الجريمة ذاتها، وكان البين من الأوراق إتحاد الدعويين سبباً وخصوماً وموضوعاً، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بقبول دعواه المدنية تبعاً للدعوى الجنائية المقامة يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون بما يتعين معه نقضه نقضاً جزئياً بالنسبة للدعوى المدنية - وتصحيحه بعدم قبولها.
(الطعن رقم 388 لسنة 43 ق - جلسة 1973/11/04 س 24 ع 3 ص 897 ق 185)
3 ـ إن المستفاد بمفهوم المخالفة من نص المادة 264 من قانون الإجراءات الجنائية أن المضرور من الجريمة ، لا يملك بعد رفع دعواه أمام القضاء المدنى للمطالبة بالتعويض ، أن يلجأ إلى الطريق الجنائي ، إلا إذا كانت الدعوى الجنائية قد رفعت من النيابة العامة ، فإذا لم تكن قد رفعت منها ، إمتنع على المدعى بالحقوق المدنية رفعها بالطريق المباشر ، و يشترط لسقوط حق المدعى بالحقوق المدنية فى تحريك الدعوى الجنائية فى هذه الحالة إتحاد الدعويين فى السبب و الخصوم و الموضوع .
(الطعن رقم 429 لسنة 25 ق - جلسة 1955/06/07 س 6 ع 2 ص 1091 ق 320)
إذا كانت الدعوى المدنية رفعت أولاً ثم أقيمت الدعوى الجنائية، فهل يحق للمدعي المدني أن يترك دعواه أمام المحكمة المدنية ويلجأ إلى المحكمة الجنائية؟ لقد تناولت بيان حكم هذه الحالة المادة محل التعليق حين قالت "إذا رفع من ناله ضرر من الجريمة دعواه بطلب التعويض إلى المحكمة المدنية، ثم رفعت الدعوى الجنائية، جاز له إذا ترك دعواه أمام المحكمة المدنية أن يرفعها إلى المحكمة الجنائية مع الدعوى الجنائية".
ويشترط لإعمال حكم هذه المادة أن تكون إقامة الدعوى الجنائية من السلطة التي خولها القانون أساساً تحريكها وهي النيابة العامة، أي أن فائدة القاعدة تتمثل في الأحوال التي لا يستطيع فيها المدعي بالحق المدني تحريك دعواه مباشرة، كما إذا كانت الواقعة جناية.
الدفع ليس متعلقاً بالنظام العام :
هل يعتبر الدفع بعدم قبول الدعوى المدنية لسقوط حق المدعي المدني في اختيار الطريق الجنائي - إن هو التجأ إلى الطريق المدني – متعلقاً بالنظام العام، فيجوز إبداؤه في أية حالة كانت عليها الدعوى وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها أم لا؟ قررت محكمة النقض أن ذلك الدفع لا يعد من النظام العام فلا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ويجب على من يريد التمسك به أن يبديه أمام محكمة الدرجة الأولى قبل التكلم في الموضوع. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة: 771)
يتضح من نص المادة (264) إجراءات ما يلي:
أ) أن المدعي إذ أقام دعواه المدنية أمام القضاء المدني فإنه لا يجوز له أن يتركها ويرفعها من جديد أمام القضاء الجنائي إلا إذا رفعت النيابة العامة الدعوى الجنائية فيما بعد قبل صدور حكم في الدعوى المدنية فيجوز عندئذ للمدعي أن يترك دعواه أمام القضاء المدني وإن يلجأ إلى القاضي الجنائي مدعياً في الدعوى الجنائية التي أقامتها النيابة العامة.
ومعنى ذلك أنه إذا أقام المضرور الدعوى المدنية أمام القضاء المدني سقط حقه في الإدعاء المباشر لأنه بمفهوم النص المشار إليه لا يجوز له عندئذ أن يرفع دعواه المدنية أمام المحكمة الجنائية إلا بعد أن تكون الدعوى الجنائية قد رفعتها النيابة العامة والحكمة من سقوط الحق في الادعاء المباشر هي أن هذا الطريق كان مفتوحاً أمامه فتركه ولجأ إلى الطريق المدني مما يدل على تنازله عن الإدعاء المباشر.
ب) إذا رفعت الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية بعد تحريك الدعوى الجنائية فإن مقتضى النص أنه لا يجوز للمضرور أن يترك دعواه أمام المحكمة المدنية ويلجأ إلى المحكمة الجنائية بالادعاء المدني بالتبعية للدعوى الجنائية لأن النص المشار إليه يشترط صراحة القبول الدعوى المدنية أمام القضاء الجنائي - في هذه الحالة - أن تكون الدعوى الجنائية قد رفعت بعد رفع الدعوى المدنية التي قرر المدعي بتركها أمام القضاء المدني وعلة ذلك أن المضرور کان أمامه كل من الطريقين وكان في مقدوره المفاضلة بينهما الالتجاء إلى القضاء المدني وهو الطريق الأميل لنظر الدعوى المدنية ومن ثم لا يقبل منه ذلك أن يلجأ إلى الطريق الاستثنائي.
سقوط حق المدعي المدني في الالتجاء إلى الطريق الجنائي:
يشترط لسقوط حق المدعي المدني في اللجوء إلى القضاء الجنائي ضرورة توافر الشروط الآتية:
يشترط لسقوط حق المدعي المدني في الاتجاه إلى الطريق الجنائي أن يكون قد رفع دعواه بالفعل أمام المحكمة المدنية وفقاً للإجراءات التي رسمها قانون المرافعات وترفع الدعوى المدنية بورقة من أوراق المرافعات هي صحيفة الدعوى وهذا ما نصت عليه المادة (63/ 1) مرافعات بقولها ترفع الدعوى إلى المحكمة بناء على طلب المدعي بصحيفة تودع قلم كتاب المحكمة ما لم ينص القانون على غير ذلك ويلاحظ أن عبارة المحكمة المدنية تشمل جميع المحاكم غير الجنائية كالقضاء الإداري وقضاء التحكيم واللجان الإدارية التي يخولها القانون اختصاصاً قضائياً فإذا أقام المضرور دعواه بالتعويض أمام إحدى هذه الجهات امتنع إلى الطريق الجنائي.
ويلاحظ أنه إذا شاب إقامة الدعوى المدنية عيب يبطل إجراءات إقامتها فإن صدور حكم بعدم قبول الدعوى المدنية لبطلان صحيفتها لا يمنع المدعي المدني من الإدعاء مدنيا من جديد أمام المحكمة الجنائية، على أن رفع الدعوى إلى محكمة مدنية غير مختصة يحرم المضرور من اللجوء إلى القضاء الجنائي لأن المحكمة المدنية يتعين عليها أن تأمر بإحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة وفقاً للمادة (110) من قانون المرافعات .
2) أن تكون الدعوى الجنائية قد رفعت قبل التجاء المضرور إلى المحكمة المدنية وهذا الشرط مستفاد بمفهوم المخالفة من المادة (264) من قانون الإجراءات وسقوط حق الخيار في هذه الحالة له ما يبرره لأن الطريق الجنائي رخصة منحها القانون للمضرور فله أن يمارسها أو يتنازل عنها و عدول المضرور عن الطريق الجنائي مع انفتاح بابه وقدرته على وجه قاطع في الدلالة على تنازله عنه. فليس له بعد ذلك أن يلجأ إليه لأن حقه قد سقط. أما إذا كان رفع الدعوى المدنية سابقاً على رفع الدعوى الجنائية فإن ذلك لا يفيد معنى النزول عن الطريق الجنائي ولهذا يستطيع المدعي أن يترك دعواه الأولى ويلجأ إلى القضاء الجنائي للمطالبة بحقه في التعويض .
3) وحدة الدعويين في كل من الخصوم والسبب والموضوع فإذا اختلفت الدعويان في أحد هذه العناصر ظل حق المدعي في الالتجاء إلى القضاء الجنائي قائماً. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني ، الصفحة : 917)
متى كان في مكنة المضرور أن يلجأ إلى أي من الطريقين المدني أو الجنائي دون قيد، فإن التجاءه إلى أيهما لا يمنعه من الالتجاء إلى الأخر طالما لم يسقط حقه في الاختيار كما سنرى. فطالما الحق في الاختيار مازال ثابتاً له فالقاعدة هي أنه يجوز له ترك دعواه المرفوعة أمام أي من الجهتين المدنية أو الجنائية والالتجاء إلى الجهة الأخرى. وعلى هذا ، فإذا كان قد رفع دعواه ابتداء إلى المحكمة المدنية ثم رفعت الدعوى الجنائية أمام المحكمة الجنائية، فمنذ لحظة رفعها أمام المحكمة الجنائية يثبت الحق في الاختيار، أما قبل ذلك فلم يكن قد ثبت له ذلك الحق لعدم رفع الدعوى الجنائية. ولذلك تنص المادة 264 إجراءات على أنه إذا رفع من ناله ضرر من الجريمة دعواه بطلب التعويض إلى المحكمة المدنية، ثم رفعت الدعوى الجنائية، جاز له إذا ترك دعواه أمام المحكمة المدنية أن يرفعها إلى المحكمة الجنائية مع الدعوى الجنائية.
إذا رفع من ناله ضرر من الجريمة دعواه بطلب التعويض إلى المحكمة المدنية ، ثم رفعت الدعوى الجنائية ، جاز له إذا ترك دعواه أمام المحكمة المدنية أن يرفعها إلى المحكمة الجنائية مع الدعوى الجنائية. مع ملاحظة ما نصت عليه المادة 260 فقرة ثالثة من أنه إذا حكم بترك الدعوى الجنائية رفعت بطريق الادعاء المباشر، سقوط حق المدعي المدني نفسه في الادعاء مدنياً عن ذات الفصل أمام المحكمة الجنائية.
ومعنى ذلك أنه لا يجوز أن يلجأ إلى القضاء الجنائي إلا إذا كانت الدعوى المدنية قد رفعت إلى القضاء المدني قبل رفع الدعوى الجنائية. فإذا كانت الدعوى قد رفعت بعد رفع الدعوى الجنائية فيترتب على التجائه إلى الطريق المدني هنا سقوط حقه في الالتجاء إلى الطريق الجنائي. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 889)
الأصل أنه متى ترتب على الجريمة ضرر معين جاز للمضرور أن يرفع دعواه المدنية أمام القضاء الجنائي تبعاً لدعواه المرفوعة أمام هذا القضاء.
ويجوز له بدلاً من ذلك أن يرفع الدعوى المدنية أمام القضاء المدني، ولكن حقه في الالتجاء إلى القضائين المدني والجنائي ليس مطلقاً من كل قيد، إذ لا يسمح للمدعي المدني بأن يتنقل بين جهات القضاء وفقاً لمشيئته، ففي ذلك إضاعة الوقت القضاء وتعقيد للإجراءات. ولذلك، تقرر في القانون الروماني أن اختيار أحد الطريقين يمنع العودة إلى الطريق الآخر (Electa una Via).
وقد أخذ القانون المصري بهذه القاعدة منذ قانون سنة 1883، ونص عليها قانون الإجراءات الجنائية الحالي في المادتين 262 و 264 إجراءات. فنصت المادة 262 على أنه إذا ترك المدعي بالحقوق المدنية دعواه المرفوعة أمام المحاكم الجنائية يجوز له أن يرفعها أمام المحاكم المدنية ما لم يكن قد صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى. أما المادة 264 إجراءات فتنص على أنه إذا رفع من ناله ضرر من الجريمة دعواه بطلب التعويض إلى المحكمة المدنية ، ثم رفعت الدعوى الجنائية، جاز له إذا ترك دعواه أمام المحكمة المدنية أن يرفعها إلى المحكمة الجنائية مع الدعوى الجنائية. وقد نص على هذه القاعدة كذلك كل من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي (المادة 5). ولم يعرفها القانون الإنجليزي ومعظم قوانين الولايات المتحدة، فهي لم تفتح للمدعي المدني غير سبيل القضاء المدني وحده.
سقوط الحق في الالتجاء إلى القضاء الجنائي:
القاعدة أنه لا يجوز للمدعي المدني أن يستعمل حقه في الخيار كيفما شاء، وقد لاحظ القانون أن حق المدعي المدني في الالتجاء إلى القضاء المدني هو حق أصيل تفرضه القواعد العامة، فلم يعلق مباشرة هذا الحق على شروط معينة. هذا بخلاف حقه في الالتجاء إلى القضاء الجنائي، فهو حق استثنائي ومن ثم فإنه يجب أن يقدره في الحدود التي يقتضيها هذا الاستثناء. لذلك قرر القانون لمصلحة المتهم سقوط الحق في الالتجاء إلى هذا القضاء إذا اختار المدعي الطريق المدني رغم أن الدعوى الجنائية كانت مرفوعة أمام القضاء الجنائي وقت هذا الاختيار.
والخلاصة إذا، أن السقوط لا يرد إلا على حق الالتجاء للقضاء الجنائي، أما حق الالتجاء للقضاء المدني فلا يسقط أبداً بوصفه حقاً أصيلاً لا استثنائياً، فيجوز له إذا التجأ للطريق الجنائي أولاً أن يتركه ويلجأ للطريق المدني. وسقوط حق الالتجاء للطريق الجنائي هو جزاء إجرائي وليس تنازلاً من قبل المدعي المدني.
شروط سقوط حق المدعي المدني في الالتجاء للقضاء الجنائية
يشترط لسقوط الحق في الالتجاء إلى القضاء الجنائي ما يأتي :
1- أن يكون المضرور من الجريمة قد اختار الطريق المدني.
2- أن تكون الدعوى الجنائية مرفوعة بالفعل أمام القضاء الجنائي قبل اختیار الطريق المدني.
3- وحدة الدعوى المدنية التي يراد رفعها أمام المحكمة الجنائية مع التي رفعت أمام المحكمة المدنية في كل من الخصوم والسبب والموضوع.
أولاً اختيار المضرور الطريق المدني:
يتحقق هذا الاختيار إذا كان المضرور قد رفع دعواه بالفعل أمام المحكمة المدنية. وعن طريق هذا الإجراء وحده تدخل الدعوى في حوزة المحكمة المدنية.
وقد نص قانون المرافعات في المادة 63/ 1 على أن ترفع الدعوى إلى المحكمة بصحيفة تودع قلم كتاب المحكمة ما لم ينص القانون على غير ذلك. وبذلك، أصبح رفع الدعوى المدنية قائماً بمجرد إيداع صحيفة الدعوى بقلم الكتاب. لكنه كما نصت المادة 70 من قانون المرافعات فيجوز الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن إذا لم يتم تكليف المدعى عليه بالحضور في خلال ثلاثة أشهر من تقديم الصحيفة إلى قلم الكتاب.
ويتعين لتوافر هذا الشرط أن يكون رفع الدعوى المدنية قد تم صحيحاً، فإذا كان باطلاً فإنه لا ينتج أثره. وقد نصت المادة 264 إجراءات على أنه إذا رفع من ناله ضرر من الجريمة دعواه بطلب التعويض إلى المحكمة المدنية، ثم رفعت الدعوى الجنائية، جاز له ترك دعواه أمام المحكمة المدنية وأن يرفعها أمام المحكمة الجنائية مع الدعوى الجنائية. ويستخلص من هذا النص أن يتم فتح الطريق الجنائي بعد رفع الدعوى المدنية أمام القضاء المدني، مما يعد تحديدا لقاعدة عامة. ولا يصلح وقف الدعوى المدنية دون تركها مبرراً للالتجاء إلى الطريق الجنائي مع استمرار الدعوى الموقوفة أمام القضاء المدني.
وقد ثار البحث عما إذا كان يشترط أن تكون المحكمة المدنية مختصة بنظر الدعوى أو لا. وقد قضت محكمة النقض أن الحكم بعدم الاختصاص لا يمنع المدعي المدني من الالتجاء إلى الطريق الجنائي. وإذا كانت الدعوى الجنائية قد حرکت بالتحقيق، فيرى جمهور الفقه أنه يكفي لسقوط حق المدعي المدني في الالتجاء إلى الطريق الجنائي أن تكون الدعوى الجنائية قد حركت أمام قضاء التحقيق قبل رفع الدعوى المدنية.
وواقع الأمر أنه وإن كان نص المادة 264 إجراءات الذي قرر مبدأ سقوط حق المدعي المدني في الالتجاء إلى الطريق الجنائي، قد جاء في باب المحاكم، مما يعني تبعا لذلك أن تكون الدعوى الجنائية مرفوعة أمامها. لكنه قياساً على هذا النص نظراً إلى وحدة العلة، فإن حق المدعى سالف الذكر يسقط إذا كانت الدعوى الجنائية قد حركت أمام قضاء التحقيق قبل اختيار الطريق المدني. وقد تم الأخذ بهذا المنطق القانون في نطاق قاعدة أن رفع الدعوى الجنائية يوقف الدعوى المدنية المقامة أمام المحاكم المدنية حق يصدر فيها حكم بات، فقد استقر الراي على أنه يستوي أن تكون الدعوى الجنائية مرفوعة أمام المحكمة أو قد حرکت أمام قضاء التحقيق.
ولكن إذا كانت الدعوى الجنائية لم تحرك بعد، ثم رفع المدعي المدني دعواه إلى المحكمة المدنية، هل يجوز له أن يترك الدعوى المدنية لكي يحرك بنفسه الدعوى الجنائية بالطريق المباشر، وبالتالي يطرح أمام المحكمة الجنائية دعواه المدنية؟ اتجه رأي إلى سقوط حق المدعي المدني في الالتجاء إلى طريق الادعاء المباشر أمام المحكمة الجنائية، لأنه مادام هذا الطريق متاحاً له فإن رفع دعواه أمام المحاكم المدنية يعد تنازلاً منه عن هذا الطريق. وقد أيدته محكمة النقض فقضت أن المضرور من الجريمة لا يملك بعد رفع دعواه أمام القضاء المدني أن يلجأ إلى الطريق الجنائي، إلا إذا كانت الدعوى الجنائية قد رفعت من النيابة العامة، فإذا لم تكن حرکت منها كان للمدعي المدني بمقتضى هذا الحكم كل الحق الذي كان له من قبل في اختيار الطريق الذي يريده لدعواه. وتمشياً مع ذلك نص قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي في المادة الخامسة منه على أن المدعي المدني الذي رفع دعواه أمام المحكمة المدنية المختصة يجوز أن يلجأ إلى المحكمة الجنائية إذا كانت الدعوى الجنائية قد دخلت حوزة هذه المحكمة بواسطة النيابة العامة، وذلك قبل أن تصدر المحكمة المدنية حكما في الموضوع في الدعوى المدنية المقامة أمامها.
ويقتضي هذا الشرط أن تكون الدعوى المدنية قد رفعت أمام محكمة مصرية، وتمشياً مع هذا الأصل القانوني فإن مبدأ «الجنائي يوقف المدني» لا تسري إذا كانت المحكمة الجنائية أجنبية. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 447)
ولكي يكون هذا الدفع مقبولاً يجب أن يثبت أنه كان أمام المضرور حق الخيار بين الطريقين فاختار الطريق المدني، وحتى يمكن القول بعدم قبول الدعوى المدنية لسقوط الحق في اختيار الطريق الجنائي فإنه يجب أن تتاح للمضرور حرية الاختيار بين الطريقين أولاً ثم يحكم بعد ذلك بتوافر الدفع من عدمه. فإذا كان الطريق الجنائي موصداً في وجه المضرور ولم يكن أمامه إلا الطريق المدني فلا مجال للقول بتوافر حرية الاختيار وبالتالي فلا مجال لإعمال الدفع بعدم القبول. ويكون الطريق الجنائي موصداً في عدة حالات ، حيث قد تكون الدعوى الجنائية مرفوعة أمام محكمة لا تقبل الدعوى المدنية أمامها بصفة تبعية، كما لو كانت الدعوى مرفوعة أمام محكمة عسكرية أو أمام محكمة أمن دولة أو محكمة أحداث. كما أن الطريق الجنائي يكون مغلقاً إذا كانت الدعوى لم تستقم بعد أمام القضاء الجنائي، كما لو تعذر رفعها لعدم تقديم الشكوى أو الطلب أو صدور الأذن إذا كانت الدعوى لا يجوز تحريكها بطريقة الادعاء المباشر كما لو كانت جناية. أو لو كان المضرور مضطراً إلي اللجوء إلي القضاء المدني لصدور أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أو انقضت الدعوى بسبب من أسباب الانقضاء حال دون تحريكهما أمام المحكمة کوفاة أو سقوط الجريمة بالتقادم أو التصالح فيها. والأصل أن للمضرور الاختيار بين الطريقين الجنائي والمدني والانتقال بينهما بترك أحدهما والتمسك بالطريق الآخر. فإذا لم تكن الدعوى العمومية قد رفعت فلجأ المضرور إلى الطريق المدني، سقط الحق في ترك الطريق المدني واللجوء إلى الادعاء المدني التبعي أمام القضاء الجنائي (م 264 إجراءات) وفي المقابل للمضرور أن يترك الدعوى المدنية التبعية ويعود للأصل وهو الطرق المدني (م 262 ) ما لم يكن قد صرح بترك حقه في المطالبة بالتعويض المدني بصفة مطلقة. ولكن إذا كان المضرور رغم وجود الدعوى الجنائية أمامه إلا أنه تركها وتوجه إلي القضاء المدني رافعها دعواه بالتعويض فمعني ذلك أنه تنازل عن حق الادعاء المدني التبعي ولجأ إلي الطريق الآخر، وعندئذ يسقط حقه في اختيار الطريق الجنائي ولا يجوز له بعد ذلك أن يترك القضاء المدني ليعود إلي الادعاء المدني التبعي ، ومن ثم تكون دعواه غير مقبولة لسقوط حقه في اختيار الطريق الجنائي .
ولكي يصح التمسك بهذا الدفع من قبل صاحب المصلحة يجب أن تكون الدعوى الجنائية مرفوعة قبل رفع دعوى التعويض أمام القضاء المدني وأن تكون هناك وحدة بين الدعويين المدنية والمدنية التبعية في الخصوم والموضوع والسبب فإذ لم تتحقق هذه الشروط، تعذر قبول الدفع لعدم توافر شروطه.
وتجدر الإشارة إلي أن المشرع في المادة 264 من قانون الإجراءات الجنائية قد قرر "سقوط" حق المدعي المدني في اختيار الطريق الجنائي، كما قرر أيضاً بالمادة 260/ 2 المعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 حق المدعي المدني في الادعاء مدنياً عن ذات الفعل أمام المحكمة الجنائية، وذلك عند الحكم بترك الدعوى الجنائية.
ونحن نرى أن هذا التعبير يفيد عدم الجواز وإن اتحداً في تعبير السقوط. (الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 670)
تفترض هذه الحالة أن المدعي قد أقام دعواه أمام المحكمة المدنية في وقت لم تكن النيابة العامة قد رفعت الدعوى الجنائية الناشئة عن الجريمة التي يطالب بتعويض ضررها، وبعد ذلك رفعت النيابة هذه الدعوى، فيقرر له الشارع عندئذ الحق في أن يترك الطريق المدني، ويقيم دعواه أمام المحكمة الجنائية تابعة للدعوى التي رفعتها النيابة. وحكم هذا النص مرتبط بالشرط السابق، إذ أن رفع الدعوى الجنائية هو بمثابة واقعة جديدة تنفي عنه أنه استعمل خياره عن بينة، فيتعين أن يعود إليه: ذلك أنه حين أقام دعواه أمام المحكمة المدنية كان يعلم أنه يقف وحيداً أمام المتهم، فلما رفعت النيابة العامة الدعوى الجنائية صارت له مصلحة في أن ينضم إليها أمام المحكمة الجنائية كي يستفيد من الأدلة التي تقدمها في إثبات الواقعة المنشئة لحقه في التعويض، ويتعين الاعتراف له بهذه المصلحة وبالإضافة إلى ذلك، فإن دعواه أمام المحكمة المدنية ستوقف برفع الدعوى الجنائية، ومن ثم لن يضار بتركها، ويكون الأوفق له أن يرفعها بعد ذلك أمام القضاء الجنائي.
ويتطلب تطبيق هذا النص توافر شرطين: أن تكون النيابة العامة هي التي رفعت الدعوى الجنائية، ومن ثم لا ينطبق النص إذا كان المدعي نفسه هو الذي حرك الدعوى الجنائية بادعائه المباشر: فمن ناحية، تقوم علة عودة الخيار للمدعي على أنه وجد سنداً له في النيابة العامة التي رفعت الدعوى، ومن ناحية ثانية، فإن السماح للمدعي بترك الطريق المدني الذي اختاره وتحريك الدعوى الجنائية بادعائه المباشر ينطوي على هدم لقاعدة انغلاق الطريق الجنائي باختيار الطريق المدني .
أما الشرط الثاني الذي يتطلبه تطبيق هذا النص، فهو أن يترك المدعي دعواه المدنية أمام المحكمة المدنية، وقد صرح الشارع بهذا الشرط، ومن ثم لا يكفي لعودة الخيار له أن الدعوى المدنية قضي بمجرد إيقافها حتى يفصل في الدعوى الجنائية التي أقامتها النيابة ويلاحظ أن الشارع قد تطلب رفع النيابة الدعوى الجنائية، أي إدخالها في حوزة المحكمة الجنائية المختصة، " ومن ثم لا يكفي أن تكون قد حركتها بإجراء دون ذلك.
- عدم اتصال قاعدة انغلاق الطريق الجنائي باختيار الطريق المدني بالنظام العام: هذه القاعدة لا تتصل بالنظام العام، ذلك أنها في حقيقتها تحمي مصلحة المتهم التي تضار بالسماح للمدعي المدني بأن ينتقل به من قضاء إلى آخر تبعاً لهواه، بالإضافة إلى تعلقها بالدعوى المدنية التي تحمي صوالح خاصة»، فهي قاعدة لا تتعلق بالدعوى الجنائية. ويترتب على عدم اتصالها بالنظام العام نتائج أهمها: أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضي بها من تلقاء نفسها. ولا صفة للنيابة العامة في الاحتجاج بها ، ذلك أنه إذا كان المتهم يقدر أن مصلحته لن تضار بعدول خصمه إلى الطريق الجنائي، فلا حق لأحد أن يملي عليه تقديراً مختلفاً. ويجوز للمتهم أن ينزل عن الاحتجاج بهذه القاعدة صراحة أو ضمناً، ومن أبرز صور النزول الضمني أن يسكت عن الاحتجاج بها حتى تبدأ المحكمة في نظر الموضوع، ويعني ذلك أنه يتعين أن ينفع بها قبل الخوض في الموضوع، وإلا سقط حقه في هذا الدفع ولا يجوز الاحتجاج بهذه القاعدة لأول مرة أمام محكمة النقض. (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة: 340)