أسباب التحريم قسمان : مؤبدة ومؤقتة . فالمؤبدة هى القرابة والمصاهرة والرضاع . والمؤقتة هى الجمع بين محرمين والجمع بين الأجنبيات زيادة على أربع وعدم الدين السماوى والتطليق ثلاثاً وتعلق حق الغير بنكاح أو عدة .
أسباب التحريم قسمان : مؤبدة ومؤقتة . فالمؤبدة هى القرابة والمصاهرة والرضاع . والمؤقتة هى الجمع بين محرمين والجمع بين الأجنبيات زيادة على أربع وعدم الدين السماوى والتطليق ثلاثاً وتعلق حق الغير بنكاح أو عدة .
من شروط صحة الزواج محلية المرأة وأن لا يقوم بها سبب من أسباب التحريم ومنها الجمع بين الأختين, والمحققون من الحنفية على إنه إذا تزوج أحداهما بعد الأخرى جاز زواج الأولى وفسد زواج الثانية وعليه أن يفارقها أو يفرق القاضى بينهما ، فإن فارقها قبل الدخول فلا مهر ولا عدة ولا تثبت بينهما حرمة المصاهرة و لا النسب و لا يتوارثان ، و إن فارقها بعد الدخول فلها المهر وعليها العدة ويثبت النسب ويعتزل من إمرأته حتى تنقضى عدة أختها - وإذ كان الحكم المطعون فيه قد جرى فى قضائه على إعتبار عقد زواج الثانية باطلاً ولا يثبت به نسب فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه .
(الطعن رقم 2 لسنة 33 جلسة 1965/04/28 س 16 ع 2 ص 515 ق 84)
المحرمات من النساء
قدمنا أن من شروط صحة الزواج أن تكون المعقود عليها غير محرمة على من يريد الزواج بها بأي سبب من أسباب التحريم .
وهذا تفصيل المحرمات من النساء مؤيدا والمحرمات منهن مؤقتا .
من النساء من يحرم على المسلم أن يتزوج بواحدة منهن حرمة مؤبدة دائمة على معنى أنها لا تحل أن تكون زوجة له في وقت من الأوقات . وهن النساء اللاتي تربطه بهن رابطة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع . ومنهن من يحرم عليه أن يتزوج بواحدة منهن حرمة مؤقتة على معنى أنها لا تحل أن تكون زوجة له مادامت على حال خاصة قائمة بها فإن تغيرت الحال وزال سبب التحريم الوقتی صارت حلالا له أن يتزوجها ، وهن من تعلق حق غيره بها بزواج أو عدة . ومطلقته ثلاثا قبل أن تنکح زوجا غيره ، ومن يكون في عصمته محرم لها . ومن يكون في عصمته أربع سواها ، ومن لا تدين بدين سماوي ، والأمة إذا كانت في عصمته حرة .
ومن عدا ذلك من النساء يحل للمسلم أن يتزوج منهن لأن الله سبحانه بعد أن بين المحرمات قال عز شأنه : (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ) .
الحكمة في تحريم من حرم من النساء :
أما تحريم من حرم من النساء مؤبدا بسبب القرابة أو المصاهرة أو الرضا فحكمته عدة أمور :
الأول : أن كل إنسان في هذه الحياة محتاج إلى الارتباط بأفراد نوعه وإلى عدة وسائل لهذا الارتباط بهم حتى يتبادل معهم الحاجات ويتعاونوا على ما تتطلبه معيشتهم وفي صلة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع ما يكفل إيجاد هذا الارتباط ويحقق تعاون المرتبطين بها . لهذا جعل الله الزواج وسيلة لإيجاد رابطة أخرى تربط الزوج بمن تكون أجنبية عنه لا تربطه بها صلة قرابة أو مصاهرة أو رضاع حتى تكون الزوجية وصلة بين الأجانب ، وكم أسر متباعدة صارت بالتزواج أسرة واحدة .
الثاني : أن الإنسان كما أنه في حاجة إلى اكتساب رابطة تربطه بالأجانب عنه في حاجة إلى الاحتفاظ بصلات تربطه بهم من رابطة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع ، وفي إباحة الزواج بمن تربطه بهم إحدى هذه الروابط تعريض الوصلة بهم إلى القطيعة لأن تبادل الحقوق والواجبات بين الزوجين قد يؤدي إلى الخلف . والخصومة فتتحول القرابة إلى عداوة ويفقد المرء آثار الارتباط بمن تربطه بهم تلك الصلات .
الثالث : أن للقرابة حقوقا وللزوجية حقوقا وقد تتنافى هذه الحقوق وتتعارض فتكون من تجب لها الطاعة واجبة عليها الطاعة ومن له الرياسة مرءوسا .
الرابع : ما قرره الأطباء من أن الزواج بالأقارب ينتج النسل الضعيف وأن مصلحة الطفل في أن يتولد من أبوين من أسرتين لأن هذا يهيء له ما قد يكون فيه نماؤه وقوته على المقاومة. وسلامته من الأمراض .
وأما تحريم من حرم من النساء لأسباب وقتية فكل سبب من أسباب هذا التحريم الوقتي يشعر بحكمته وهي ترجع إلى منع الإنسان من الاعتداء على غيره.
والخروج عن حدود دينه . وقطعه الرحم بين القريبات . واتخاذه زوجة لا تأتلف به غالبا وليس من شأنها أن تتبادل معه ما تقتضية الزوجية من مودة ورحمة وغير ذلك مما سيتبين في تفصيل المحرمات .
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة( 43 ـ 44 )
المحرمات من النساء تعداد :
أوضحنا بالتفصيل السابق أنه يشترط لصحة عقد الزواج أن تكون المرأة غیر محرمة على الرجل، تحريما مؤبدا أو مؤقتا، وقد بين الله تعالى المحرمات في قوله: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ).
ويستخلص من هذه الآية أن المحرمات من النساء قسمان رئيسيان.
القسم الأول: المحرمات مؤبدا، وهؤلاء لا يحل الزواج بهن أبدا لأن سبب تحريمهن وصف غير قابل للزوال في أي حال من الأحوال.
والمحرمات مؤبدا ثلاثة أنواع:
1- محرمات بسبب النسب (القرابة) أي سبب التحريم القرابة القريبة ويعبر عن صاحبها بذي الرحم المحرم.
2- محرمات بسبب المصاهرة ويكون التحريم في هذا النوع بسبب العلاقة الزوجية وما يلحق بها.
3- محرمات بسبب الرضاع.
القسم الثاني: المحرمات مؤقتا - وسبب تحریم هؤلاء أمر قابل للزوال، فيكون التحريم ما بقى هذا الأمر، فإذا زال انتهى التحريم.
ونعرض للمحرمات من النساء تفصيلا على النحو الآتي:
القسم الأول : المحرمات مؤبدا
أولا : المحرمات بسبب النسب :
تنقسم المحرمات نسبا إلى ثلاث طوائف، نعرض لها فيما يأتي:
(أ) الأصول من النساء وإن علون:
فيشمل هؤلاء الأم، والجدات لأب، والجدات لأم، مهما علون.
(ب) الفروع من النساء وإن نزلن:
فيشمل هؤلاء البنت وبنت الابن وبنت البنت، وهكذا كل فرع يعتبر جزءا منه أو جزءا ممن يتصل به ذلك الاتصال.
(ج) فروع الأبوين وإن نزلن:
ويشمل هؤلاء الأخوات مطلقا شقيقات أو غير شقيقات، وفروع الأخوة والأخوات كبنت الأخ وبنت الأخت وفروعهن مهما نزلن درجة.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 10 / 9 / 1955 بأن :
«.. كما يحرم على الأخ التزوج ببنت أخيه الشقيق أو لأب أو الأم يحرم عليه التزوج من بنتها وبنت بنتها وإن نزلت لقوله تعالى في آية التحريم:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) لأن اسم البنت يشمل بنت البنت وإن نزلت.
فقد جاء في شرح فتح القدير في بيان المحرمات من النسب ما نصه فتحريم بنات الإخوة والأخوات وبنات أولاد الأخوة والأخوات وإن نزلن». وعلى هذا لا يحل لهذا الرجل أن يتزوج من بنت بنت بنت أخيه لأب. وبهذا علم الجواب على السؤال والله أعلم».
إنما يحل للرجل شرعا التزوج بالأخت لأب لأخيه لأمه، كما يحل له التزوج بالأخت لأم لأخيه لأبيه لأن أخت الأخ من النسب تحل شرعا.
وبهذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 13 / 10 / 1955 وجاء بفتواها : يحل للرجل شرعا التزوج بالأخت لأب لأخيه لأمه، كما يحل للرجل شرعا التزوج؛ بالأخت لأم لأخيه لأبيه لأن أخت الأخ من النسب تحل شرعا. قال صاحب الهداية «يجوز أن يتزوج بأخت أخيه من النسب وذلك مثل الأخ من الأب إذا كانت له أخت من أمه جاز لأخيه من أبيه أن يتزوجها» فإذا تزوج الرجل بواحدة ممن جاء ذكرهم في السؤال كان زواجه صحيحا وكان ما تناسل له من ذلك نسلا من نكاح صحيح وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله أعلم».
(د) فروع الأجداد والجدات إن انفصلن بدرجة واحدة :
مهما تكن درجة الجد والجدة.
فالعمات والخالات محرمات، وكذلك عمات وخالات الأب وعمات وخالات الجد.
أما بنات العمات والخالات فحلال لعدم ذكرهن في المحرمات، ولدخولهن بسبب هذا في قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ) ولقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ)، وما يحل للرسول يكون حلالا لأمته ما لم يدل دليل على اختصاصه بالحل.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 15 / 12 / 1966 في الطلب رقم 634 لسنة 1999بأن :
«المنصوص عليه شرعا أنه لا يحل للرجل الجمع بين امرأتين كلتاهما محرم الأخرى بحيث لو فرضت أية واحدة منهما رجلا لم يحل له الزواج بتلك المرأة - وتحريم الجمع ورد به الكتاب والسنة. وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها وردت به السنة. ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها» وكما يمتنع الجمع بين المحرمين إذا كانت الزوجية قائمة يمتنع أيضا إذا كان قد طلق زوجته ولا تزال في العدة سواء أكان الطلاق رجعيا أم بائنا، لأن للعدة حكم الزواج القائم من بعض الوجوه - وعلى ذلك فلا يحل للرجل أن يتزوج من بنت أخت مطلقته ما دامت مطلقته في العدة، رجعيا كان الطلاق أم بائنا. هذا وعدة المطلقة تنقضي برؤية المطلقة الحيض ثلاث مرات كوامل إذا كانت من ذوات الحيض. أو بانقضاء ثلاثة أشهر من وقت الطلاق إذا لم تكن من ذوات الحيض بأن كانت يائسة مثلا وبوضع الحمل إن كانت حاملا - وأقل مدة تصدق فيها المرأة بانقضاء عدتها بالحيض هي ستون يوما. والمقرر فقها أنه إذا طلق الرجل امرأته ثم ادعى أن عدتها قد انقضت وكانت المدة تحتمل ذلك. ولكن المرأة تكذبه في دعواه فالحكم أنه يعامل كل منهما بحسب قوله فتستمر نفقة العدة للمرأة ويجوز للرجل أن يتزوج بأختها أو بإحدى محارمها. جاء في فتح القدير ج۳ ص ۲۸۸ وإذا قال الزوج أن الزوجة قد انقضت عدتها والمدة تحتمله فكذبته لم تسقط نفقتها وله أن يتزوج بأختها لأنه أمر ديني يقبل قوله فيه» وبما أن السائل يقرر أن طلاق زوجة ابنه كان بتاريخ 6 / 3 / 1965 والمدة تحتمل انقضاء المدة شرعا لمضي أكثر من تسعة عشر شهرا من وقت الطلاق فإذا قرر الزوج أن عدة مطلقته المذكورة قد انقضت حل له التزوج ببنت أختها لما سبق بيانه. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال والله أعلم».
سند التحريم:
سند التحريم قوله تعالى في سورة النساء:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ).
فهناك سبع من المحرمات سالفي الذكر ورد تحريمهن بنص الآية هن:
1- الأم.
2-البنات الصلبيات.
3- العمات، وكل من تنفصل عن الجد بدرجة واحدة يطلق عليها عمة مهما تعلون ومهما يكون الجد الذي تنتمون إليه.
4- الخالات، وكل من تنفصل عن الجد بدرجة واحدة يطلق عليها خالة مهما تعلون ومهما يكون الجد الذي تنتمون إليه.
5- الأخوات.
6- بنات الأخ.
7- بنات الأخت.
أما تحريم الجدات، لأن كلمة الأمهات في الآية تتناول الجدات لغة، فإن الأم تطلق في اللغة على (الأصل)، ومن ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ).
فقد جعلت الآيات المحكمات، أما الكتاب أي أصلا وأساسا يرجع إليه في تأويل المتشابهات وبيان المراد منها، وقوله تعالى:(وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).
وقد انعقد الاجتماع على تحريم الجدات استنادا إلى هذه الآية.
وبدلالة النص أو قياس الأولى، أو القياس الجلي، وهي دلالة الكلام على مسكوت عنه هو أولى بالحكم المنطوق به، كدلالة قوله تعالى في شأن الوالدين: (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ)، على حرمة شتمهما أو ضربهما، وقد حرم الله العمات والخالات بالنص، وهن أولاد الجدات فتثبت حرمة الجدات من باب أولى - لأنهن أقرب أما فروع البنات والأبناء فسنده ما يأتي:
1- إجماع العلماء على أن المراد بالبنت كل فرع مؤنث لأن كلمة البنت قد تطلق لغة على الفرع فالآية تتناول بنات الأولاد مهما نزلن.
۲- دلالة النص ذلك أن الله تعالى حرم بنات الأخ وبنات الأخت، ولا شك في أن بنات البنات وبنات الأبناء وإن نزلن أقوى قرابة من بنات الإخوة وبنات الأخوات.
وبنات بنات الأخ وبنات الأخت ثبت تحريمهن بالإجماع ودلالة النص على نحو ما سلف.
هل يثبت التحريم ولو كانت علاقة القرابة من الزنى:
اختلف العلماء فيما إذا كان التحريم ثابتا ولو كان سبب القرابة هو الزنا، كالبنت من الزنا، كأن يزني الرجل بامرأة فتلد منه بنتا، فيتزوجها الرجل.
فذهب الأحناف وأحمد بن حنبل ومالك، فيما رواه عنه ابن القاسم - إلى أن حرمة الزواج تثبت للقرابة من الزنى، لأنها ابنته حقيقة إذ هي مخلوقة من مائه، ثم هي لغة أيضا، والخطاب في الآية باللغة العربية أيضا.
بينما ذهب الشافعي إلى عدم حرمتها عليه، لأن البنوة التي تبنى عليها الأحكام هي البنوة الشرعية لا الحقيقية، وهي منتفية هنا لقوله عليه السلام، «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، ولا خلاف في هذا، ولا ولاية له عليها، ولا نفقة له عليها، ولا توارث بينهما.
ويقاس على ما تقدم سائر القريبات من الزنا، كالأخت وبنت الأخ وبنت الأخت من الزنا .
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 18 / 10 / 1989 بأن:
«إن زنا الرجل المكلف العاقل المختار بأجنبية من أفحش الكبائر التي نهى الله ورسوله عن ارتكابها وتوعد المقترفين لها بالعذاب الشديد قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الآية رقم ۳۲ من سورة الإسراء، وزنا الرجل بإحدى محارمه كبيرة شنعاء أفظع في الإثم وأبلغ في العقاب ويجب على المسلم أن يبادر بالتوبة والإقلاع عنها وأن يعقد عزمه على عدم العودة إليها.
لما كان ذلك فإن ما اقترفه السائل مع حماته لهو كبيرة وفاحشة عظيمة ولا نجاة من عقاب هذه الفاحشة إلا التوبة النصوح والندم على ما فعل. ، أما عن موقفه من زوجته وأولاده فقد ذهب فقهاء الحنفية إلى أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة من أصول المزني بها وفروعها وبين أصول وفروع من زنی بها ولا يوجب تحريمها على الزاني نفسه وتحرم على الزاني أم المزنی بها وبنتها لأن الوطء سببه الجزئية بواسطة الولد حتى يضاف إلى كل واحد منهما كاملا فتصير أصولها وفروعها كأصوله وفروعه وعليه تكون زوجة السائل محرمة عليه بهذا الزنا بمقتضى أحكام هذا المذهب.
وذهب الشافعية ومن وافقهم إلى أن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة أصلا، لأنها نعمة فلا تنال المحظور.
وبناء على مذهب الشافعي ومن وافقه لا تحرم زوجة هذا الزاني عليه ويثبت نسب جميع أولادها منه لبقاء الزوجية على أصلها وهذا هو ما نختاره للفتوى، ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم».
هل تأخذ بنت الملاعنة حكم البنت في التحريم:
تأخذ بنت الملاعنة حكم البنت في التحريم، فإذا نفى الزوج نسب ابنته من زوجته، و تلاعن الزوجان أمام القاضي، فحكم بنفي نسبها منه وبإلحاقها بالأم، فهي محرمة على الزوج بسبب النسب والقرابة مع أن النسب والقرابة انتفيا بحكم القاضي. والعلة في ذلك أنه يجوز للزوج أن يكذب نفسه بعد ذلك ويدعيها فيثبت نسبها منه.
ومن جهة أخرى، هي بنت زوجته المدخول بها، فتحرم عليه بسبب المصاهرة.
(انظر في المقصود بالملاعنة بند 115).
حكمة التحريم:
ترجع حكمة تحريم المحرمات نسبا إلى ما يأتي:
1- ما تأباه الفطرة الإنسانية من أن يتصل ذوو القرابة القريبة من الرجال والنساء، كالأبناء مع الأمهات والبنات مع الآباء اتصال شهوة ومتعة جنسية، ولذلك تجد أكثر المحرمات في الإسلام كانت محرمة في الجاهلية.
2- أن الزواج من المحرمات وهن قريبات جدا إلى الرجل مما يفسك الروابط الوشيجة والعواطف النبيلة التي تجمع بينهما بحكم الفطرة، والتي أساسها الشفقة والمحبة البريئة وعمادها الاحترام والمودة الخالصة، ذلك أن أساس العلاقة الزوجية المتعة وهي تقتضي الابتذال والامتهان ويرتفع فيها الوقار والاحتشام، كما تؤدي إلى المغاضبة و المخاشنة فخصائص كل من العلاقتين تتنافى مع الأخرى فيكون الفصل بينهما خير وأجدى من الجمع.
3- أنه لو أبيح الزواج بالمحرمات، لأدى ذلك إلى منع التلاقي بينهن وبين أقاربهن، فيمتنع لقاء الولد بأمه والأخ بأخته أو بعمته أو خالته وذلك درءا للطمع وخشية الحرج وتلافيا للمفسدة، فكان التحريم لمنع الحرج والضيق والحفاظ على الروابط العائلية.
4 - ما ثبت علميا من أن الزواج من القرابة القريبة ينتج نسلا ضعيفا، فيكون في هذا التحريم درءا لضعف النسل.
ومصداق ذلك ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه لآل السائب:
«اغتربوا لا تضووا» أي تزوجوا الغرائب لئلا تجئ أولادكم نحافا ضعافا.
وعلل الغزالى ذلك بقوله:
«إن الشهوة تبعث بقوة الإحساس بالنظر أو اللمس وإنما يقوي الإحساس بالأمر الغريب الجديد.
فأما المعهود الذي دام النظر إليه، فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشهوة»..
وقد قيل: «بنات العم أصبر، والغرائب أنجب».
5- إن الزواج من غير الأقارب بصفة عامة من شأنه إنشاء علاقات جديدة بين الأسر، فتكون أساسا لتعاون مستمر بينها.
وهذا التحريم مطلق، ولم يستثن الله تعالى منه حالات الضرورة والاضطرار كما استثناها في مسائل أخرى.
ثانيا : المحرمات بسبب المصاهرة :
تعداد الطوائف المحرمة:
يحرم بسبب المصاهرة أربع طوائف هي:
١- زوجة الأصل وإن علا، سواء كان من العصبات كأبي الأب، أو كان من ذوي الأرحام كأبي الأم - سواء دخل بها الرجل أو لم يدخل.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 8 / 4 / 1980 في الطلب رقم 96 لسنة 1980 بأن:
قال الله تعالى: (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) والآية ۲۲ من سورة النساء .
وبمقتضى هذا النص القرآني الكريم القطعي الثبوت والدلالة يحرم على الابن الزواج بمن كانت زوجة أبيه مادام عقد هذا الأخير قد تم صحيحا شرعا، وسواء أدخل بها الأب أم لم يدخل بها لما كان ذلك. فإنه يحرم في هذا الواقعة زواج الابن من مطلقة أبيه لأن زوجة الأب من المحرمات حرمة دائمة مستمرة، حتى ولو طلقت من الأب أو مات عنها. وهذا دون التفاف لما أثاره السائل من اعتبارات في سبب تزوج الأب بهذه المرأة أو طلاقه إياها ولا في سبق اتهام ابنه بها. (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا) والله سبحانه وتعالى أعلم».
ولكن يجوز للرجل أن يتزوج أم زوجة أبيه، ما لم يكن هناك مانع آخر.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 4 يناير سنة 1945 وقد جاء بفتواها :
«اطلعنا على هذا السؤال ونفيد أن مجرد زواج والد المسئول عنه ببنت المرأة التي يريد التزوج بها لا يحرمها عليه فقد نص الفقهاء على أن للرجل أن يتزوج أم زوجة أبيه فيحل له التزوج بها ما لم يكن هناك شيء آخر يمنع من هذا الزواج وبهذا علم الجواب عن السؤال حيث كان الحال كما ذكر والله أعلم».
2- زوجة الفرع وإن نزل، سواء كان من العصبات كابن الابن أو من ذوي الأرحام كإبن البنت وسواء دخل بها الرجل أو لم يدخل.
3- أصول من كانت زوجته وإن علون كأمها وأم أمها، وأم أبيها، سواء دخل بالزوجة أو لم يدخل.
4- فروع من كانت زوجته وإن نزلن، كالبنت وبنت البنت أو بنت الابن، بشرط الدخول بزوجته.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 12 / 6 / 1940 بأن:
«اطلعنا على هذا السؤال والمفهوم منه أن السائل يريد الإجابة عما إذا كان يحل للزوج الثاني أن يتزوج بواحدة من بنتى زوجته المتوفاة المرزوقة بهما من زوجها الأول أم لا فإذا كان الأمر كذلك وكان الحال كما ذكر بالسؤال لم يحل لهذا الزوج أن يتزوج بواحدة من البنتين المذكورتين لأنهما ربيبتاه من زوجته التي دخل بها وبهذا علم الجواب عن السؤال والله أعلم».
كما أفتت بتاريخ 25 / 3 / 1964 في الطلب رقم 176 لسنة 1964 بأن:
«يقرر السائل أن عقدا شرعيا صحيحا تم وإن كان عرفيا لم يوثق بصفة رسمية، وأن هذه الزوجة لا تزال في عصمته، وقد عقد على ابنتها التي في حجره ولم يدخل بها حتى طلقها وتزوجت بآخر، ويريد أن يعقد على زوجته التي في عصمته عقدا رسميا - والمقرر شرعا أن العقد على المرأة والدخول بها يحرم بنتها على زوجها وأن العقد الصحيح على المرأة يحرم أمها علی العاقد ولو لم يدخل بها - وهذا السائل قد عقد على بنت امرأته بعد أن تزوج بهذه المرأة. ودخل بها فوقع عقده على البنت غير صحيح. شرعا، وإذا فلا يترتب عليه تحريم أمها على السائل وتبقى زوجيته بها قائمة صحيحة، وبالتالي لا يكون هناك محل للعقد عليها مرة أخرى - أما إذا كل غرض السائل مجرد توثيق عقد زواجه بها رسميا لدى المأذون فإن سبيله إلى ذلك هو عمل تصادق على الزواج بها مستندا إلى تاريخ العقد العرفي الذي أجراه عليها أول الأمر في ۲۳ يوليه سنة 1959. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم».
سند التحريم:
ثبت تحريم الطوائف الأربع السالفة بأدلة من الكتاب أو من السنة أو بإجماع فقهاء الإسلام الذي لابد أن يستند إلى دليل.
فالطائفة الأولى: دلیل تحریمها قوله تعالى: (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) .
فدلت الآية على أنه يحرم على الرجل أن يتزوج بمن كانت زوجة أبيه، وذلك يشمل زوجة الجد وأبي الجد مهما علا، لأن اسم الأب يطلق في اللغة على الأصول كما يطلق على الأب المباشر.
وقد دل الإجماع أيضا على حرمة زوجات الأجداد مهما علوا.
والطائفة الثانية: فقد ثبت تحريم زوجة الابن بالنص من عبارة: (وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ) فالحليلة هي الزوجة. أما زوجات ما عدا ذلك من الفروع، فدليله أن اسم الأبناء يطلق على الفروع الذكور مباشرة أو بالواسطة فيشمل أبناء وأبناء الأبناء، وفضلا عن ذلك فإن الإجماع انعقد على تحريم زوجة الفرع. وزوجة الفرع محرمة ولو لم يدخل بها لأن الله تعالى قال: «وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم» والحليلة من تحل سواء أحصل دخول أم لم يحصل.
والمقصود بزوجة الابن، زوجة الابن نسبا، فيخرج من دائرة التحريم زوجة الابن بالتبني، فالإسلام لا يعترف بالنسب بالتبني، وذلك واضح من تقييد الآية بعبارة «الذين من أصلابكم».
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 9 / 2 / 1970 بأن :
«أولا: عن حل زوجة الابن لوالده: فالمقرر شرعا أنه يحرم على الأب أن يتزوج بامرأة ابنه سواء كان الابن قد دخل بزوجته أو لم يكن قد دخل بها - لإطلاق قوله تعالى:(وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ). ثانيا...الخ).
والطائفة الثالثة: فقد ثبت تحريم أم الزوجة من النص لقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) . أما باقي الأصول، فتحريمها ثابت بدلالة النص أو بدلالة الأولى، فالمراد من الأمهات الأصول.
وقد انعقد الإجماع على تحريم كل أصول الزوجة.
والطائفة الرابعة: فقد ثبت تحریمها بقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ )، وذلك عطف على قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ).
والربائب جمع ربيبة، وربيب الرجل ولد امرأته من غيره، وسمى ربيبا، لأنه يربيه كما يربي ولده (أي يسوسه).
والرأي عند جمهور الفقهاء التحريم سواء كانت في الحجر. أو لم تكن، أما قوله تعالى: واللاتي في حجوركم فهو وصف لبيان الشأن الغالب في الربيبة، وهو أن تكون في حجر زوج أمها، وليس قيد.
وهذا المعنى يدل عليه أن الآية نفسها قد أشارت بعد ذلك إلى عدم اعتبار هذا الوصف قيدا في التحريم كما اعتبر قيدا للدخول بالأمهات إذ قالت: ( فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) فاقتصرت في بيان الحكم المقابل للأول على حالة تخلف الدخول ولم تتعرض لما يقابل ذلك الوصف من كون الربائب في غير الحجور.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقوم في التحريم مقام الوطء، لنظر إلى الفرج بشهوة أو لمسه بشهوة) ويجب لكي يثبت التحريم أن تكون الشهوة وقت النظر أو اللمس، فإذا تم النظر أو اللمس دون شهوة ثم أتت الشهوة بعدهما لم يثبت التحريم .
هل يوجب الزنا بالمرأة التحريم؟
اختلف الفقهاء فيما إذا كان الزنا بالمرأة يوجب التحريم كما يوجب الوطء أو ما دونه - بالتفصيل السابق - في نكاح صحيح أو بشبهة أي الوطء الذي يدرأ فيه الحد.
فيذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أن الزنا يحرم ما يحرمه النكاح.
بينما ذهب الشافعي إلى أن الزنا بالمرأة لا يحرم ما يحرمه النكاح.
ونحيل في تفصيل ذلك إلى فتوى دار الإفتاء المصرية بتاريخ 20 / 6 / 1981في الطلب رقم 192 / 1981 التي جاء بها :
تقضي المادة ۲۸۰ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالمرسوم بقانون رقم۷۸ لسنة ۱۹۳۱ والمادة السادسة من القانون رقم 492 لسنة 1955 بأن تصدر الأحكام طبقا لأرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة ما عدا الأحوال التي ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة، فيجب فيها أن تصدر الأحكام طبقا لتك القواعد، وقد نص فقهاء المذهب الحنفي على أن: من زنی بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها وجدتها، وتحرم المرأة المزني بها على آباء الزاني وأجداده، وإن علوا، وعلى أبنائه وبناته وإن نزلوا (الهداية وشروحها ص 365 وما بعدها ج۲ وبدائع الصنائع ج۲ ص 259) وبهذا أثبت فقه الحنفيين الزنا حرمة المصاهرة كالزواج، وهذا الرأي منقول عن عمر وابن عباس وابن مسعود وعمران بن الحصين وجابر وأبي وعائشة والحسن البصري والسقبي والنخعي والأوزاعي وطاووس وعطاء ومجاهد وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والثوري وإسحاق بن راهوية، وهو مذهب أحمد بن حنبل فقد نص الخرقي على أن: «وطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة» - وقال ابن قدامه في المغني شرحا لهذا: يعني أنه يثبت به تحريم المصاهرة، فإذا زنى بامرأة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وابنتها (ج 7 ـ مع الشرح الكبير ص 482 وما بعدها).
وفي بداية المجتهد لابن رشد المالكي جـ۲ ص ۲۸ في المسألة الرابعة من مسائل حرمة المصاهرة قال: اختلفوا في الزنا، هل يوجب من التحريم في هؤلاء، ما يوجب الوطء في نكاح صحيح أو شبهة، أعني الذي يدرأ فيه الحد، فقال الشافعي: الزنا بالمرأة لا يحرم نکاح أمها ولا ابنتها ولا نكاح أبي الزاني لها ولا ابنه، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي يحرم الزنا ما يحرم النكاح، وأما مالك في الموطأ عنه مثل قول الشافعي أنه لا يحرم وروى ابن القاسم مثل قول أبي حنيفة أنه يحرم، وقال سحنون وأصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها ويذهبون إلى ما في الموطأ.
وقال ابن جزي المالكي في القوانين الفقهية ص ۲۳۱: يعتبر في التحريم بالصهر النكاح الحلال أو الذي فيه شبهة أو اختلف فيه، فإن كان زنا محضا لم تقع به حرمة المصاهرة. فمن زنى بامرأة فإنه لا يحرم تزويجها على أولاده فالمشهور وفقا للشافعي خلافا لأبي حنيفة، إلا أن في المدونة: من زنى بأم امرأته فارقها، خلافا لما في الموطأ.
وذهب الفقه الشافعي قولا واحدا إلى أنه لا حرمة لماء الزنا، بدليل انتفاء سائر أحكام النسب من إرث وغيره. ولكن يكره نكاحها خروجا من خلاف من حرمها ( ص 356 جـ3 من الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع مع حاشيته تحفة الحبيب في المحرمات في النكاح). .
ونقل ابن قدامة في المغني (ج7 ص 15 مع الشرح الكبير) قال: وإذا زنت امرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين: أحدهما: انقضاء عدتها، فإن حملت من الزنا، فقضاء عدتها بوضعه ولا يحل نكاحها قبل وضعه وبهذا قال مالك وأبو يوسف وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وفي الأخرى قال: يحل نكاحها ويصح، وهو مذهب الشافعي، لأنه وطء لا يلحق به النسب فلم يحرم النكاح، كما لو لم تحمل.. والشرط الثاني أن تتوب من الزنا، وقال أبو خنيفة ومالك والشافعي لا يشترط ذلك.
لما كان ذلك: وكان العقد المسئول عنه صحيحا وفقا لفقه مذهب الإمام الشافعي والمشهور عن مالك، باعتبار أنه يحل لوالد الزاني تزوج هذه الفتاة التي زنی بها ابنه، ولو كانت حاملا منه. ويقع العقد باطلا في فقه مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد ورواية عن مالك، ومن قال بذلك من الصحابة والتابعين على نحو ما سبق بيانه.
ومتى صح العقد كما يقول الشافعيون والمشهور عن مالك، كان الولد للفراش وإن كان الذي عليه القضاء هو فقه الحنفيين كما سبق.
ومن هنا.. يتعين الاحتياط بأخذ التعهد عليه بقبوله الزواج منها وفاقا لمذهب الشافعي، وأن الأحوط والأولى تزويجها لمن زنی بها. والله سبحانه وتعالى أعلم).
أيضا الفتوى الصادرة بتاريخ 10 / 2 / 1981 في الطلب رقم ۲۸ لسنة 1980 - والفتوى الصادرة بتاريخ 3 / 1 / 1980 في الطلب رقم ۳۰۱ لسنة ۱۹۷۸)
(راجع أيضا بند ۹۲).
حكمة التحريم:
الحكمة من التحريم بالمصاهرة، أن رابطة المصاهرة كرابطة القرابة، وقد جاء بحديث الرسول عليه السلام: (إن المصاهرة لحمة كلحمة النسب)، فالمرأة إذا تزوجت من الرجل صارت قطعة من نفسه، وصار هو قطعة منها ومصداقا لذلك قوله تعالى: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ)، ومن ثم فإن منطق الزواج أن تكون أم الزوجة كأم الرجل من النسب - وبنت زوجته كبنته من النسب وهكذا.
ومن ثم تحرم أمها عليه كما تحرم أمه، وتحرم بنتها كما تحرم ابنته وهكذا.
بل إن الشرائع السماوية قد اتفقت مع الشريعة الإسلامية في التحريم بسبب المصاهرة، لأن ذلك التحريم مشتق من الفطرة.
ولولا الحرمة بالمصاهرة لأبيح للرجل أن يتزوج أم زوجته وابنتها وأبيح للزوجة أن تتزوج أباه وابنه، وأدى ذلك إلى حرج شديد في العلاقات الأسرية، وتباعد الابن عن أبيه أو والدة زوجته أو خالتها، وهذا ما يؤدي إلى تقطيع أوصال الأسر، وهو ما يتنافى مع الطبع البشري وما تدعو إليه الشريعة الغراء من المودة والرحمة والترابط .
ثالثا : المحرمات بسبب الرضاعة
طوائف المحرمات بسبب الرضاعة:
(أ) الأصول من الرضاعة وإن علون :
فتشمل هذه الطائفة الأم التي أرضعت الرجل وجدته رضاعا لأب أو الأم، كأم من أرضعته وأم أبي من أرضعته وأم أبيه رضاعة، والأب الرضاعي هو زوج المرضعة التي رضع من ثديها.
(ب) الفروع من الرضاعة وإن نزلن:
وتشمل هذه الطائفة بنات الرجل من الرضاعة، وهن من رضعن من لبن زوجته، وابنة بنته من الرضاعة، وهي التي رضعت من لبن ابنته الصلبية أو ابنته رضاعا.
(ج) فروع الأبوين من الرضاعة وإن نزلن:
وتشمل هذه الطائفة أخوات الرجل من الرضاعة، وهن من رضعن من لبن أمه، وكذلك بنات أخواته وبنات أخوته من الرضاعة.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
1- «أطلعنا على هذا السؤال. ونفيد: أنه إذا كان اللبن الذي أرضعت به سدينة عبد الجليل من زوجها بأن كان هذا اللبن نزل منها بسبب ولادتها من الزوج المذكور، وكان اللبن الذي أرضعت به كاملة ابن أخيها من هذا الزوج بالصفة المذكورة، وكان رضاع عبد الجليل من سدينة ورضاع ابن أخ كاملة منها وهما في سن الرضاع وهى سنتان على مذهب الصاحبين والأصح المفتي به. كان عبد الجليل وابن أخ كاملة الذي أرضعته أخوين من الأب رضاعا فلا يجوز أن يتزوج ابن أخ كاملة هذا من بنت عبد الجليل لأنها أبنة أخيه من الأب رضاعا. وهذا على إطلاقه مذهب الحنفية القائلين بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم. وبهذا علم الجواب عن السؤال والله أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 11 / 7 / 1939 )
2- «اطلعنا على هذا السؤال ونفيد: أنه إذا كان رضاع سيدة أخت مصطفی من سعدة زوجة عمها من لبن نزل من سعدة بسبب ولادتها من ذلك العم وكان رضاع سيدة من سعدة وهي في سن الرضاع وهى سنتان على قول الصاحبين وهو الأصح المفتى به كانت سيدة هذه أختا من الأب لابن عمها الذي رزق به من زوجة أخرى. فإذا كان رضاع مصطفى من أخته سيدة وهو في سن الرضاع التي بيناها لم يجز لولد العم هذا أن يتزوج من ابنة مصطفى لأنها بنت ابن أخته من الأب رضاعا. وهذا على إطلاقه مذهب الحنفية القائلين بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم. وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله أعلم».
(فتوی صادرة بتاريخ 11 / 7 1939)
3- «إنه برضاع السائل وابن خالته الأكبر من جدتها لأمهما خمس رضعات فأكثر في سن الرضاع وهو سنتان منذ ولادة الطفل على المفتى به صارت جدتهما أما لهما من الرضاع وصار أولادها (أخوال وخالات السائل) إخوة وأخوات للسائل وابن خالته رضاعا.
وبناء على ذلك فإنه لا يحل شرعا للسائل ولا لابن خالته الذين قد رضعا من جدتهما لأمهما أن يتزوجا من بنات أخوالهما إن وجدن ولا من بنات خالاتهما لأنهن جميعا صرن بناتا لإخوتهما وأخواتهما رضاعا. لأن كما لا يحل للرجل أن يتزوج بنت أخيه أو بنته نسبا فلا يحل ذلك من الرضاع لقوله صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» أما ابن خالة السائل الذي لم يرضع من جدته لأمه ويريد الزواج من بنت خالته من جدتهم قد جعل بنت خالته التي يريد الزواج منها أختا لأخي أخيه من الرضاع وبنتا لأخت أخيه من الرضاع لأنه كما يحل للرجل أن يتزوج من أخت أخي أخيه وبنت أخت أخيه نسبا يحل له الزواج من أخت أخي أخيه وبنت أخت أخيه رضاعا والله سبحانه وتعالى أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 29 / 1 / 1989)
(د) فروع الأجداد من الرضاعة إذا انفصلن بدرجة واحدة :
وتشمل هذه الطائفة العمات والخالات رضاعا.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
۱- «برضاع نعمات بنت علی ابن الحاج رزيقة من زوجة جدها الأخرى بلبنه مارت بنتا لجدها رزيقة ولزوجته الأخرى من الرضاع. وحينئذ فهي أخت من الرضاع لأبيها على وعمته زنوبة. فيكون محمد خليل بن زنوبة بن أخت نعمات رضاعا. فلا يحل له التزوج بخالته رضاعا لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. ومعلوم أن الخالة من النسب تحرم على ابن أختها منه والله أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 6 / 12 / 1925)
«اطلعنا على هذا السؤال ونفيد: أنه متى كانت والدة السائل قد رضعت من والدة الفتاة، وهي - أي والدته - في سن الرضاع وهي سنتان على قول الصاحبين وهو الأصح المفتي به كانت والدته بنتا لمن أرضعتها وكانت بنات من أرضعتها أخوات لها رضاعا وخالات رضاعا لجميع أولادها فلا يحل لولد من أولاد من رضعت أن يتزوج بأية بنت من بنات من أرضعتها لأنها خالته رضاعا. ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب كما جاء في الحديث الشريف. وحينئذ متى كان الحال كما ذكر لم يحل للسائل أن يتزوج بأية بنت من بنات من أرضعت أمه.
وهذا على إطلاقه مذهب الحنفية القائلين بأن قليل من الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم وبهذا علم الجواب عن السؤال حيث كان الحال كما ذكر والله أعلم». (فتوى صادرة بتاريخ 23 / 4 / 1938)
(هـ) أصول الزوجة من الرضاعة وإن علون :
فتشمل هذه الطائفة أم الزوجة رضاعا أي الأم التي أرضعتها زوجته، وكذا جدتها من الرضاعة مهما علت، ومن أية جهة كانت الجدة سواء أدخل بزوجته أو لم يدخل.
(و) فروع الزوجة من الرضاعة وإن نزلن :
فتشمل هذه الطائفة بنت الزوجة وبنت بنتها وبنت ابنها من الرضاعة مهما نزلن.
ويشترط للتحريم في هذه الطائفة أن يكون الزوج قد دخل بزوجته.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
«المقرر شرعا أن العقد على المرأة والدخول بها يحرم بنتها على زوجها، وبما أن السائل قرر في طلبه أن... قد تزوج بفوزية زواجا شرعيا ثم قام بالزواج من بنتها حنان وأنجب منها ولدا فإن زواجه من حنان أحمد عبد العليم بنت زوجته غير صحيح شرعا لأنها من المحرمات عليه تحريما مؤيدا لقوله تعالی:(وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) ويجب على الزوجين أن يتفرقا اختيارا وإلا فعلى من يهمه الأمر أن يرفع الأمر إلى القضاء ليفرق بينهما جبرا، ولما كان زواج الشخص ببنت زوجته يعتبر زواجا فاسدا، إلا أنه ترتب عليه بعض آثار النكاح الصحيح ومنها ثبوت نسب الأولاد إلى أبيهم، ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 20 / 2 / 1989)
(ز) زوجات الأصول من الرضاعة وإن علوا:
وتشمل هذه الطائفة زوجة الأب أو الجد رضاعة مهما علت درجته. ولا يشترط للتحريم دخول الزوج بزوجته.
(ط) زوجات الفروع من الرضاعة وإن نزلوا:
وتشمل هذه الطائفة زوجة الابن وزوجة ابن الابن، وزوجة ابن البنت رضاعا مهما نزلن.
ولا يشترط للتحريم دخول الزوج بزوجته.
ويبين من ذلك أن الطوائف الأربعة الأولى هي المحرمة بسبب النسب، والطوائف الأربعة الأخيرة هي المحرمة بالمصاهرة.
كيف تعرف قرابة الرضاع المحرمة؟ .
تعرف قرابة الرضاعة المحرمة كلها، بأن يفرض انتزاع الرضيع من أسرته النسبية، ويوضع في أسرته الرضاعية باعتباره ابنا لمن أرضعته ولزوجها الذي در لبنها بسببه، ثم يلحق به بعد ذلك كل فروعه، فكل صلة تقرر له أو لفروعه بهذا الوضع الجديد فهي التي تجعل أساسا للتحريم أو التحليل بالرضاع.
أما صلة هذه الأسرة الرضاعية بأسرة الرضيع النسبية بسبب رضاعه، فلا أثر لها في تحريم أو تحليل. ولهذا لا تثبت لأقاربة النسبيين غير فروعه مثل ما يثبت له هو وفروعه بهذا الرضاع.
فالعلة في التحريم بالإرضاع وهي الاشتراك في الجزئية بالإرضاع غير متوافر بالنسبة لأقارب الرضيع النسبيين.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
«المنصوص عليه فقها أن كل من أرضعت طفلا ذكرا كان أو أنثى في مدة الحولين ثبتت أمومتها له وبنوته للرجل الذي نزل اللبن بوطئه سواء وطئها بنكاح صحيح أو فاسد أو بشبهة وثبتت أخوته لأولاد المرضعة الذين ولدتهم من هذا الرجل أو من غيره وأرضعتهم قبل رضاعه أو بعده، ولأولاد الرجل المولودين من صلبه من غير هذه المرضعة ولأولاده من الرضاعة، ومن ذلك يعلم أنه متى أرضعت زوجة والد السائل إبن عمته صار إين هذه العمة إبنا لهذه المرضعة وإينا لزوجها الذي كان نزول اللبن بسببه وصار جميع أولادها وأولاد زوجها من غيرها إخوة وأخوات له رضاعا وصارت بنات إبن هذه العمة بنات إخوته من الرضاع، والمقرر شرعا أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وعلى ذلك لا يجوز للسائل أو إخوته أن يتزوج من بنات إبن عمته لأنهن صرن بنات أخيهم من الرضاع، ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 11 / 3 / 1990)
وينبني على ذلك عدم ثبوت التحريم بسبب الرضاعة بالنسبة لكل من:
1- أم الأخ أو الأخت رضاعا
2- أخت الابن من الرضاعة.
3- أخت الأخ رضاعا.
وفي هذه الصورة قد لا توجد العلة التي من أجلها وجد التحريم أيضا بالنسب، فيجوز للشخص أن يتزوج أخت أخيه من النسب، كما إذا كان له أخ الأب نسبا، ولهذا الأخ أخت نسبا من الأم فإنه يجوز لأخيه لأب نسبا أن يتزوجها لأنها أجنبية بالنسبة له، فلا تحرم عليه لعدم وجود سبب التحريم وهو القرابة النسبية مع أنها أخت أخيه من النسب.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 28 / 10 فى الطلب رقم 353 / 1981 بأن :
«.. وغاية ما كان من تداول الإرضاع بين زوجة السائل وبين أخته لغير هذين الولدين أن يتزوج كل من هذين بأخ الأخ أو الأخت رضاعا، وذلك جائز، لأنه يحل في حكم الشرع أن يتزوج أخت أخته نسبا، وتبعا لذلك يحل له تزوج أخت الأخ رضاعا. وهذا ما لم يقم بهما مانع شرعى آخر والله سبحانه وتعالى أعلم» .
4- جدة الابن أو البنت رضاعا.
5- عمه الابن رضاعا.
6- أخت لخال رضاعا
سند التحريم:
ثبت التحريم بالرضاع بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فمن قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ)
فهذا نص في التحريم بالنسبة للأصول والأخوات، فقد سبق أن أوضحنا أن المقصود بالأمهات (الأصول).
ويفهم من الآية تحريم الباقي بطريق الدلالة، لأن الله تعالى لما سمی المرضع أما وابنة المرضع أختا فقد نبه بذلك إلى أنه أجرى الرضاع مجری النسب، فيشير النص على الأمهات وعلى الأخوات إلى الباقي، لأن المحرمات بسبب النسب قسمان: قسم ولادة، وهو محصور في عمود النسب، وقسم حواشی وهو ما كان غير ذلك من أخ وعم وهكذا، وذكر الأخت من القسم الثاني فيه تنبيه إلى الحكم على الباقي بالتحريم .
أما في السنة، فقد روي عن الرسول عليه السلام أنه لما طلب إليه أن يتزوج ابنة حمزة قال: «لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» .
وروى أن عائشة كانت قد رضعت من امرأة أبي القعيس من ولادة منسوبة إليه، فجاء أفلح أخوه يستأذن عليها، فلم تأخذ له، وقالت: إنما أرضعتني امرأة أخيه، فلا آذن له، حتى استأذن رسول الله عليه السلام، فلما ذكرت ذلك لرسول الله عليه السلام قال: ایذنی له، فإنه عمك تربت يداك.
وقد انعقد إجماع الفقهاء على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والمصاهرة.
ثبوت التحريم من الرضاعة لزوج المرضعة :
يرى جمهور الفقهاء والصحابة والتابعين أنه إذا أرضعت امرأة بنتا، فإن هذه البنت تحرم على زوج المرضعة الذي كان سببا في حملها ووضعها وإدرار لبنها الذي رضعته البنت، إذ يصبح الزوج أبا لها فلا تحل له ولا لأولاده أو أخوته أو آبائه أو أعمامه.
وينبني على ذلك أنه إذا كان لرجل زوجتان: فأرضعت إحداهما طفلا والأخرى طفلة فهما أخوان من الإرضاع لأن زوج المرضعة أب لهما من الرضاعة فلا يحل لهذا الطفل أن يتزوج بهذه الطفلة لأنها أخته من من الرضاع لأب.
وتسمى هذه المسألة (بمسألة لبن الفحل).
وحجة الجمهور في التحريم حديث عائشة الذي ذكرناه في البند السابق، وما رواه البخاري عن بن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل له امرأتان، فأرضعت هذه غلاما، وهذه جارية، هل يصح للغلام أن يتزوج الجارية، فقال: «لا، اللقاح واحد» فكان بين الولد والبنت علاقة أخوة بسبب هذا اللقاح. وحديث رسول الله عليه السلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
۱- «المنصوص عليه شرعا أن عامة العلماء ومنهم الشافعي في أحد قوليه ذهبوا إلى أن لبن الرجل يتعلق به التحريم وخالف نفر يسير منهم الشافعي في أحد قوليه - فقد جاء في الهداية «ولبن الفحل يتعلق به التحريم وهو أن ترضع امرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه وأبنائه ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أبا للمرضعة وفي أحد قولي الشافعي لبن الفحل لا يحرم» وعلق صاحب الفتح على هذه العبارة بقوله «يعنى اللبن الذي نزل من المرأة بسبب ولادتها من زوج يتعلق به التحريم بين من أرضعته وبين ذلك الرجل، بأن يكون أبا للرضيع فلا تحل له إن كانت صبية لأنه أبوها ولا لأخوته لأنهم أعمامها، ولا لآبائه لأنهم أجدادها ولا لأعمامه لأنهم أعمام الأب ولا الأولاده وإن كانوا من غير المرضعة لأنهم أخوتها لأبيها» إلخ، وقال صاحب مجمع الأنهر ضاربا المثل للتحريم بلبن المرأة «وصورته: أن ترضع المرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها صاحب اللبن وعلى آبائه وأبنائه كما في النسب، حتى لو كان الرجل امرأتان وولدتا منه فأرضعت كل واحدة منهما صغيرا صار ا أخوين لأب فإن كان أحدهما أنثى لا يحل مناكحته الآخر وإن كانا أنثيين لا يحل الجمع بينهما»، فهذه النصوص تدل على أن الراضع من إحدى الزوجتين لرجل ما - ذكرا كان الراضع أو أنثى - يصبح بالرضاع أبنا الزوجهما رضاعا وأخا لجميع أولاده من الزوجتين من الرضاع. فإذا كان رضاع عبد الرحيم من زوجة جده لأب - زكية - في سن الرضاع وهي سنتان على قول الصاحبين والشافعي - الأصح المفتى به يصبح برضاعه منها ابنا لها ولزوجها من الرضاع وأخا لجميع أولاد زوجها رضاعا سواء من كان منهم من زوجته زكية ومن كان من زوجته الأخرى ومنهم حسن بن سليم عم عبد الرحيم الشقيق.
وبذا لا يحل لعبد الرحيم أن يتزوج من بنت عمه الشقيق حسن لأنها بنت أخيه رضاعا وهي محرمة عليه حرمة بنت أخيه نسبا. وهذا على إطلاقه مذهب الحنفية والمالكية القائلين بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم وهو أيضا رواية عن الإمام أحمد، أما على مذهب الشافعية في قوله بالتحريم بلبن الفحل والرواية الأخرى عن الإمام أحمد فإن الرضاع المحرم ما كان خمس رضعات متفرقات مشبعات في مدة الرضاع السابقة فإذا كان رضاع عبد الرحيم من زكية بلغ خمس مرات فأكثر على الوجه السابق كانت بنت عمه حسن محرمة عليه أيضا على هذا المذهب، لأنها بنت أخيه رضاعا، أما إذا كانت رضاعته من زكية أقل من خمس رضعات أو كانت بعد تجاوز سن العامين فإنه لا يتعلق بها التحريم بناء على هذا المذهب الأخير الذي اخترناه الفتوى في هذا الأمر الذي عمت فيه البلوى بين الناس والله أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 12 / 9 / 1959 في الطلب رقم 2459- أيضا: الفتوى الصادرة بتاريخ 5 / 5 / 1916 والفتوى الصادرة بتاريخ 7 / 10 / 1917)
حكمة التحريم بسبب الرضاعة :
يرجع تحريم الزواج بسبب الرضاعة إلى ما يأتي:
1- أنه بالرضاعة ينبت اللحم وينشز العظم، فالمرضع تغذى الرضيع بجزء من جسمها، لأن اللبن الذي تغذيه به إنما هو ناتج من دمها، فالأم الحقيقية تغذى الجنين بالدم وهو في بطنها والمرضعة تغذيه بدمها بعد أن يولد، فإذا كانت الأم الحقيقية محرمة على ابنها حرمة مؤبدة لأنه جزوها فكذلك التي أرضعته.
2- أن الرضاعة حنو وعطف، وتنظر المرضع إلى من ترضعه من ثديها وكأنه بمنزلة ولدها، فالطفل يندمج في أسرة مرضعته، كما تندمج المرضعة في أسرة الطفل، فيكون هناك تشابك في العلاقة، وإذا كانت العلاقة التي تكون من هذا النوع في النسب موجبة التحريم في كثير من الأحوال، فينبغي أن تكون كذلك في الرضاعة.
3- أن التحريم بسبب الرضاعة يشجع على الرضاعة، فتتحقق مصلحة الأطفال الذين لا أمهات لهم، أو لهم أمهات عاجزات عن الرضاعة، طالما أن الإسلام جعل للمرضع قداسة الأم وكرامتها فأنزلها منزلتها.
المقصود بالرضاعة:
الرضاع والرضاعة في اللغة: مص اللبن من الثدي. وشرعا: مص الرضيع اللبن من ثدي المرأة في وقت مخصوص وهو مدة الرضاع.
والرضاع يتحقق أيضا بشرب اللبن من المرأة في المدة آنفة الذكر، وإنما اقتصر الفقهاء على تعريف الرضاع شرعا بأنه المص لأن هذا هو الغالب.
والإرضاع المحرم هو الذي يدخل فيه اللبن إلى الجوف من الفم أو الأنف إذ بهذا يصل إلى المعدة فيغذي الجسم، بعكس اللبن الذي يقطر في الأذن فإنه لا يصل إلى المعدة ولا يكون محرما.
والحقن باللبن لا يوجب الحرمة.
وصف المرضعة :
المرضعة التي يثبت بلبنها التحريم، هي كل امرأة در اللبن من ثديها.
والمرضعة التي يثبت بلبنها التحريم هي التي لا تقل سنها عن تسع سنين.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 20 / 6 / 1949 بأن:
والجواب - أن المنصوص عليه عند الحنفية أن اللبن المحرم هو لبن بنت تسع سنين فأكثر. ففي الدر المختار.. ولبن البكر بنت تسع سنين فأكثر محرم وإلا لا.»
ويستوي أن تكون المرضعة يائسة من المحيض أم غير ذلك.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 17 / 8 / 1939 بأن:
«.. ومع هذا فمذهب الحنفية في الحادثة أن الرضاع متى كان في مدة السنتين محرم ولو بعد الفطام والاستغناء بالطعام لو كانت المرضعة آيسة على ما هو ظاهر المذهب وعلى ذلك الفتوى وهو المعتمد... الخ».
وسواء أكان نزول اللبن نتيجة وطء أم من غير ذلك، وسواء أكانت حاملا أم غير حامل.
ويثبت التحريم - كما يذهب الأحناف والمالكية - باللبن النازل المرضعة عن طريق الزنا. وإذا طلق الرجل زوجته أو توفي عنها ولها لبن فتزوجت آخر، وولدت منه، فإن لبها يكون للزوج الثاني، وتثبت الحرمة بينه وبين من رضعه ويستوي في ذلك أن يكون اللبن قد زاد أو لم يزد، انقطع أو اتصل، لأن لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني، فإن حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره.
أما إذا كانت قد حملت من الزوج الثاني ولكن بقى اللبن بحاله، لم يزد ولم ينقطع، فإن اللبن يكون للزوج الأول حتى تلد، لأنه لم يحدث فيه تغيير يجعله للثاني فإذا كان لبن الزوج الأول مازال باقيا ولكنه زاد بالحمل من الثاني، فإن اللبن يكون من الزوج الأول ما لم تلد من الزوج الثاني.
ولبن الميتة يثبت به التحريم، سواء حلب قبل موتها فشربه الصبی بعد موتها أو حلب بعد موتها لأن المقصود من اللبن التغذى والموت لا يمنع منه.
مقدار الرضاع المحرم:
يذهب الأحناف - المعمول برأيهم - والمالكية ورواية عن أحمد ابن حنبل، والثوري، والأوزاعي، وحماد، وبعض الصحابة والتابعين، إلى أنه ليس للرضاع المحرم قدر معين، وأنه لا فرق بين قليل الرضاع وكثيره، فيتحقق التحريم ولو من مصة واحدة، ولو كانت غير مشبعة.
وسندهم في ذلك: أن النصوص الواردة بالتحريم جاعت مطلقة ولم تقيده بقدر معين فقد قال تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، وقال عليه السلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فالشارع جعل الرضاع سببا في التحريم ولم يقيد ذلك بعدد معين من الرضعات ولا بكمية معينة، فحيث وجد اسمه وجد حكمه، ولأنه فعل يتعلق به التحريم فيستوي قليله وكثيره كالوطء الموجب للرجم، ولأن انتشار العظم وإثبات اللحم يحصل بقليله وكثيره.
واستدلوا أيضا بما روي عن عقبة بن الحارث أنه قال: (تزوجت أم يحيى بنت أهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: «قد أرضعتكما»، فأتيت النبي عليه السلام فذكرت له ذلك، فقال: «وكيف، وقد قيل؟.. دعها عنك» فترك الرسول عليه السلام السؤال عن عدد الرضعات وأمره بتركها دليل على أنه لا اعتبار إلا بالإرضاع.
وقد جاء بفتوى دار الإفتاء المصرية بتاريخ 11 / 7 / 1939 أن :
«اطلعنا على السؤال. ونفيد: أن مذهب الحنفية أن قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم متى كان الرضاع في مدته وهي سنتان على مذهب الصاحبين وهو الأصح المفتى به. ومذهب الإمام الشافعي رحمه الله أن المحرم من الرضاع ما كان خمس رضعات عرفا في مدته وهي سنتان.
ولابد من تيقن کون الرضعات لا تقل عن خمس. فلو شك في كونها خمسا أو أقل فلا تحريم لأن الأصل عدم كونها خمسا. إلا أنه جاء في تحفة المحتاج لابن حجر ما معناه أنه وإن كان لا تحريم عند الشك فيما ذكر فالزواج في هذه الحالة مكروه تورعا. يراجع كتاب الرضاع من تحفة المحتاج لابن حجر. وبذلك علم الجواب عن السؤال علی مذهب الإمام أبي حنيفة ومذهب الإمام الشافعي رحمهما الله والله أعلم».
ولا يشترط أن يحصل الإرضاع في زمن واحد، فيتحقق التحريم لو حصل الإرضاع في أزمان متباعدة، فمن رضع من امرأة صار أخا لأولادها ولو كانوا مولودين قبله أو مولودين بعده.
وإذا أدخلت المرأة حلمة ثديها في فم الرضيع دون أن تدري أدخل اللبن في حلقه أم لا، لا يحرم النكاح لأن في المانع شكا ولا تبني الأحكام على الشك وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 20 يناير سنة 1981 في الطلب رقم 363 لسنة 1980 بأن :
نقل زين الدين بن نجيم المصري الحنفي في كتابه الأشباه والنظائر في قاعدة: أن الأصل في الإرضاع التحريم: أنه لو أدخلت المرأة حلمة ثديها في فم رضيعه، ووقع الشك في وصول اللبن إلى جوفها لم تحرم، لأن في المانع شكا، كما في الولوالجية ، وفي القنية: امرأة كانت تعطي ثديها صبية واشتهر ذلك فيما بينهم، ثم تقول لم يكن في ثديي لبن حين ألقمتها ثديي، ولم يعلم ذلك إلا من جهتها جاز لابنها أن يتزوج بهذه الصبية. ونقل هذا أيضا في الدر المختار وحاشيته رد المحتار في الرضاع... الخ».
لبن المرضعة المخلوط بغيره:
إذا اختلط لبن المرضعة بسائل، كالماء أو الدواء أو لبن ماشية، وتناوله الرضيع، فإن كان الغالب لبن المرأة حرم، وإن لم يكن غالبا فلا يثبت به التحريم)، لأن المغلوب في مقابلة الغالب غير موجود حكما.
وهذا مذهب الأحناف والمزني وأبي ثور.
وإذا اختلط اللبن بالطعام فيتعين التفرقة بين أمرين:
الأول: إذا كان الطعام قد طبخ باللبن، ففي هذه الصورة لا يتعلق باللبن التحريم باتفاق الفقهاء.
الثاني: إذا كان اللبن قد اختلط بالطعام دون طبخ.
فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن اللبن لا يحرم في هذه الحالة لأن الطعام أصل واللبن تابع له في حق المقصود فصار كالمغلوب فلا تحریم، ولو تقاطر اللبن من الطعام لأن التغذى بالطعام في الأصل.
وإذا اختلط لبن امرأتين، فإن التحريم يثبت بلبن المرأتين بدون اعتبار الأكثر أو الأقل لأن الجنس لا يغلب الجنس لأن الشيء لا يصير مستهلكا في جنسه.
وهذا عند محمد وزفر وفي رواية عن أبي حنيفة، وهو الراجح في المذهب الحنفي.
وإذا تحول اللبن جبنا ثم أطعمه الصغير في مدة الرضاعة، أو انتزع منه الزبد، أو حول إلى سمن، ثم أطعم الصغير بالزبد أو السمن المنزوع منه، فإنه لا يثبت به التحريم لزوال الاسم عنه، عند الحنفية.
وقت الرضاعة المحرمة:
اتفق جمهور الفقهاء على أن وقت الرضاعة المحرمة هو الصغر وحجتهم ما في ذلك أن الرسول عليه السلام قال: «إنما الرضاعة من المجاعة» أي أن الرضاع المحرم هو الذي يدفع إليه الجوع، وهذا لا يكون إلا في الصغر.
وقوله عليه السلام: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم».
وقوله عليه السلام: «الرضاع ما فتق الأمعاء»، وتفتق الأمعاء لا يكون إلا في الصغر ذلك أن أمعاء الكبير متفقة ولا تحتاج إلى لبن يفتحها، كما أن إنبات اللحم وانشاز العظم الذي يجعل الطفل جزءا ممن أرضعه إنما يكون في الصغر.
وقد حدد الصاحبان والشافعي وأحمد بن حنبل وجمهور أهل الظاهر، مدة الرضاعة المحرمة بالحولين الأولين من حياة الرضيع، وقد استندوا في ذلك إلى ما يأتي :
1- قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) فقد جعل الله تمام الرضاعة بالحولين. ولا مزيد على التمام، وبقوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، وقوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) ، ومدة الحمل أدناها ستة أشهر فيبقى للفصال حولان.
2- بما روي عن الرسول عليه السلام أنه: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأثبت اللحم»، وذلك لمن هو في سن الحولين ينمو باللبن عظمه وينبت عليه لحمه.
3- ما قاله ابن عباس من أنه: «لا رضاع إلا في الحولين».
وإذا حصل الرضاع في هذه المدة، ولو بعد فطام الصغير، تعلق به التحريم، ولا عبرة بالرضاع الذي يحصل بعدها.
وقد حدد أبو حنيفة مدة الرضاع بسنتين ونصف، أي بثلاثين شهرا واستدل في ذلك بقوله تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ).
ووجه استدلاله بهذه الآية أن الله تعالى ذكر شيئين: الحمل والفصال، وضرب لهما مدة فكانت لكل واحد منهما بكمالها كالأجل المضروب لدينين على شخصين، بأن قال الدائن أجلت الدين الذي لى على فلان والدين الذي لى على فلان سنة، فيفهم منه أن السنة بكمالها لكل. إلا أن الدليل قام على أن مدة الحمل أقل من ثلاثين شهرا ولم يقم الدليل على أن مدة الفصال أقل من ذلك فبقيت كاملة، وأنه لابد من تغير الغذاء لينقطع الغذاء باللبن، وذلك بزيادة مدة يتعود الصبي فيها غيره فقدرت بأدني مدة الحمل لأنها قصيره فإن غذاء الجنين يغایر غذاء الرضيع كما يغاير غذاء الفطيم. وأما قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)، فالمراد به أن المدة التي تستحق المرضعة الأجرة على الإرضاع فيها هي سنتان والمراد بالوالدات المطلقات. ومعنى الآية: أن المطلقات يرضعن أولادهن حولين لمن أراد من الآباء أن يتم الرضاعة بالأجرة وهذا لا يقتضي انتهاء مدة الرضاعة بالحولين.
وإذا استغني المولود بالغذاء قبل الحولين وفطم ثم أرضعته امرأة فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الحرمة تثبت أما إذا تم الرضاع بعد مدة الرضاعة فلا تثبت الحرمة ورأى الصاحبين هو الراجح في المذهب الحنفي والمعمول به.
وبهذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 10 / 9 / 1917 بأن :
«اطلعنا على هذا السؤال. ونفيد: أولا أن الجدة المذكورة على فرض أنها أرضعته من لبنها فقد أرضعته بعد انتهاء مدة الرضاعة. لأنها إما حولان على قول الصاحبين الذي هو الأصح المفتى به أو حولان ونصف على قول الإمام أبي حنيفة، وإذن تكون مدة الرضاع قد انتهت باتفاق.... الخ». .
(راجع أيضا الفتاوى الصادرة بتاريخ 7 / 8 / 1934 في الطلب رقم 353 / 1981 ، 5 / 11 / 1980 في الطلب رقم 283 / 1980).
(أ) الإقرار
يتعين التفرقة بين إقرار الرجل وإقرار المرأة.
فإذا أقر الرجل بأن امرأة معينة بنته أو أخته من الرضاعة مثلا، وأصر على إقراره ثبت ما أقر به، فإذا كان الإقرار قبل الزواج فلا يحل له الزواج من هذه المرأة.
أما إذا كان الإقرار بعد الزواج كان العقد باطلا، ووجب عليهما الافتراق من تلقاء نفسيهما، وإلا فرق القاضي بينهما معاملة له بإقراره، لأنه غير متهم فيه، لأنه أقر ببطلان الزواج، وهو يملك رفعه وإزالته بالطلاق.
ويستوي في ذلك أن تصدقه المرأة أو تكذبه في إقراره. غير أنها إذا صدقته فلا شيء لها إذا حصلت الفرقة قبل الدخول، وإن حصلت الفرقة بينهما بعد الدخول فلها الأقل من المهر المسمى ومهر المثل ولا تجب لها نفقة العدة والسكنى. وإن كذبته في إقراره، فلها نصف المهر المسمى قبل الدخول ولها كله بعده وتجب لها النفقة والسكنى في العدة، لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره إلا إذا صدقه ذلك الغير أو قامت البينة على صحة الإقرار فيتعامل المقر بإقراره في حق نفسه فقط، ولا يسرى الإقرار على المرأة بإيطال حقها في النفقة والسكنى في فترة العدة.
وإذا لم يصر الزوج على إقراره بأن رجع فيه بأن قال: «أخطأت»، قبل رجوعه فلا يعتد بإقراره. ولا يفرق بينه وبين زوجته، لأن الرضاع مما يخفى فلا يضره التناقض إذ مبناه على السماع من الغير، فيجوز أنه لما تبين له كذب من أخبره بالرضاع رجع عن إقراره.
ويقبل منه العدول ولو كان هذا الإقرار قد تكرر منه.
إنما لا يجوز الرجوع في الإقرار إذا كان قد أشهد على نفسه بذلك أو قال «هو حق» أو «كما قلت» أو ما في معناه كقوله «هو صدق أو صواب أو صحيح أو لاشك عندي».
أما إذا أقرت الزوجة بالرضاع.
فالأمر لا يخلو من فرضين :
الفرض الأول: أن يصدقها الزوج في الإقرار، وفي هذا الفرض تعامل الزوجة بإقرارها والزوج بتصديقه، ويجب عليهما أن يفترضا وإلا فرق القاضي بينهما.
الفرض الثاني: أن يكذبها الزوج في الإقرار، فإذا كان الإقرار قبل العقد فلا يحل لهذه المرأة أن تتزوج بهذا الرجل. أما هو فيحل له أن يتزوج بها إذا وقع في قلبه أنها كاذبة في هذا الإقرار وقد جرت الفتوى على هذا لأن الحرمة لم يجعلها الله تعالى موكولة إليها وهي متهمة في هذا الإقرار لاحتمال أن يكون هناك غرض آخر لها لا تريد أن تفصح به فتدعي هذا الإدعاء.
وإن كان الإقرار بعد الزواج فهي حلال لزوجها، لأنها متهمة في إقرارها الاحتمال أنها أقرت بالإرضاع كذبا للتخلص من زوجها وهي لا تملك التخلص من الزواج بالطلاق، فلا تأثير لهذا الإقرار ولا يعول عليه.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بصدد الإقرار بما يأتي:
۱- «اطلعنا على هذا السؤال. ونفيد: أولا أن الجدة المذكورة على فرض أنها أرضعته من لبنها فقد أرضعته بعد انتهاء مدة الرضاعة. لأنها أما حولان على قول الصاحبين الذي هو الأصح المفتى به أو حولان ونصف على قول الإمام أبي حنيفة، وإذن تكون مدة الرضاع قد انتهت باتفاق. والرضاع بعد انتهائها لا يحرم وثانيا أن خبرها على حسب المذكور بالسؤال لا يفيد أنها أرضعته من لبنها بل يفيد أنها كانت ترضعه من لبن حليب البقر. وثالثا أن الزوج لم يصدق الأخ في دعوى التحريم. وحينئذ لا تحرم الزوجة المذكورة على زوجها المذكور بإخبار الجدة المذكورة ولا بمجرد دعوى أخى الزوجة المذكورة لأن الزوج نفسه لو قال لزوجته هذه رضيعتي ثم رجع عن قوله صدق شرعا ولا تحرم عليه. وكذا لو أقر الزوج والزوجة بذلك ثم كذبا أنفسهما وقالا جميعا أخطأنا ثم تزوجها جاز زواجه بها. كما يؤخذ كل ذلك من متن التنوير وشرحه في باب الرضاع».
(فتوى صادرة بتاريخ 10 / 9 / 1917).
۲-«قال في متن التنویر وشرح الدر المختار ما نصه: «قال لزوجته هذه رضيعتي ثم رجع عن قوله صدق لأن الرضاع مما يخفي فلا يمنع التناقض فيه ولو ثبت عليه بأن قال بعده هو حق كما قلت ونحوه فرق بينهما» أمه. ومن ذلك يعلم أنه حيث أقر الرجل المذكور بأنه رضع هو وهذه البنت من أمها وثبت على ذلك ولم يرجع فرق بينهما لأنهما أخوان من الرضاع والله أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 6 يناير سنة 1925)
۳- «اطلعنا على السؤال المتضمن أن السائل قد أقر كتابيا برضاعه من خضرة الدسوقي أبو زيد التي يريد التزوج بابنتها فاطمة محمد إبراهيم أبو زيد ثم قرر أن هذا الإقرار غير صحيح وإنما قصد به إرضاء زوجته الأولى حيث غضبت حين علمت أنه يريد التزوج بفاطمة المذكورة. والدليل على عدم صحته أنه من مواليد فبراير سنة 1910 وخضرة الدسوقي من مواليد شهر مايو سنة 1906 كما تدل عليه شهادتا الميلاد الرسميتان المقدمتان مع السؤال ولا يعقل أن يكون لها لبن يرضعه وهي في هذه السن وطلب إفتاءه بالحكم الشرعي في حل زواجه بها أو حرمته. والجواب - أن المنصوص عليه عند الحنفية أن اللبن المحرم هو لبن بنت تسع سنين فأكثر. ففي الدر المختار ولبن البكر بنت تسع سنين فأكثر محرم وإلا لا» والرضاع أنها يحرم إذا كان في مدته وهي سنتان على الأكثر في الأصح المفتى به. ولا يعقل أن يكون لخضرة المذكورة لبن وهي دون السابعة من عمرها حيث يكون السائل قد تجاوز سن الرضاع شرعا وعلی فرض وجوده فلا تأثير له في التحريم لما ذكرنا. ولا يعول على هذا الإقرار لأن الشارع قد كذبه فيه. فيحل للسائل التزوج من بنت خضرة الدسوقي المذكورة المدعوة فاطمة محمد إبراهيم أبو زيد إذا كان الحال كما ذكر بالسؤال. والله تعالى أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 20 / 6 / 1949)
(ب) البينة:
نصاب الشهادة على الرضاع عند الأحناف، هو نصاب الشهادة في الأموال أي شهادة رجلين عدلين أو رجل عدل وعدلتين.
ولا تقبل عندهم شهادة النساء وحدهن على الإرضاع، لأن إثبات الحرمة بالرضاع يستتبع وبطريق اللزوم زوال ملك الزوج لزوجته وزوال الملك لا تقبل فيه شهادة النساء منفردات.
وقد رد الأحناف على من يقول بأن الرضاع من المسائل التي لا يطلع عليها الرجال بأن المحارم من الرجال يحل لهم النظر إلى ثدى المرأة.
ويجوز أن يكون من بين العدلتين المرضعة، ولا يغير كون شهادتها على فعل نفسها لأنه لا تهمة في ذلك كشهادة القاسم والوزان والكيال، ولئن جاء ببعض الشروح (شرح الوهبانية) أنه لا تقبل شهادة المرضعة عند أبي حنيفة وأصحابه، فإن الظاهر أن المراد إذا كانت وحدها احترازا عن قول مالك.
ومع هذا فهم يرون أنه إذا شهدت امرأة عدلة بالرضاع، فإنه يجب التنزه، وأن يفارق الرجل المرأة إن كان قد عقد عليها وألا يقدم على زوجها إذا لم يكن قد عقد عليها.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
۱- «... وخلاصة ما ذكرنا من النصوص أن المعتمد عليه أنه لا تثبت الحرمة قبل النكاح بشهادة النساء وحدهن بل لابد من شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين عدول. ويؤيد هذا ما أفتى به في تنقيح الحامدية حيث سئل في شهادة النساء وحدهن على الرضاع هل تقبل (فأجاب بقوله حجة الرضاع حجة المال وهي شهادة عدلين أو عدل وعدلتين ولا يثبت بشهادة النساء وحدهن. لكن إن وقع في قلبه صدق المخبر ترکه قبل العقد أو بعده كما في البزازية. قال ابن عابدين في التنقيح أقول - أي ترکه احتياطيا... الخ. عن البحر مما أسلفنا بعضه - بناء على ذلك لا تثبت الحرمة في هذه الحادثة بشهادة المرأتين المذكورتين على ما قال صاحب البحر أنه المعتمد بل ولا تثبت الحزمة أيضا على ما اختاره صاحب البزازية إذا لم تكن هناك المرأتان متصفتين بالعدالة. ويحل لأحد أبناء الرجل من المرأة الأولى الذي لم يصادق امرأة أبيه وأختها على رضاع البنت المذكورة من امرأة أبيه أن يتزوج البنت المذكورة وهذا حيث كان الحال كما ذكر في السؤال والله أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ أول نوفمبر سنة ۱۹۲۸)
۲- «اطلعنا على هذا السؤال. ونفيد: بأنه قد نص الفقهاء على أن الرضاع يثبت بما يثبت به المال - فيثبت بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين كذلك. فمتى ثبت أن المرأة الثانية أرضعت الأولى في مدته بهذه الحجة فرق بينه وبين كل منهما لحرمتها عليه. أما الأولى فلدخوله بالثانية التي هي أمها رضاعا. وأما الثانية فلأنها أم امرأته رضاعا، ولا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي لما نص عليه صاحب البحر من قوله: ثم أعلم أن الرضاع إذا شهد به رجلان عدلان لا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي لما في المحيط ولو شهد رجل وامرأتان فالتفريق للقاضى لأن هذه فرقة وحرمة تتضمن إبطال حق العقد فلا يتعلق هذا الحكم بالشهادة إلا بانضمام القضاء عليها أ. ه. وظاهر أن هذا النص كما يجري في الرضاع الطارئ جار أيضا في غير الطارئ لا كما استظهره صاحب البحر قبل عبارته السابقة من أن ذلك خاص بالرضاع الطارئ أما غيره فلا يحتاج إلى تفريق القاضي بل يرتفع النكاح بالكلية بدون تفريق. وهذا حيث كان الحال ما ذكر بالسؤال. والله أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 8 يناير سنة ۱۹۲۹)
۳- «اطلعنا على هذا السؤال ونفيد: أنه إذا كان كل من الزوجين المذكورين قد رضع من نفيسة المذكورة في مدة الرضاع وهي سنتان على ما هو الأصح المفتى به لم يحل له التزوج بها شرعا لأنها أخته رضاعا - لكن لا يثبت الرضاع على مذهب الحنفية إلا بإقرار الزوج. أو بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين عدول فإذا ثبت الرضاع بالإقرار المذكور أو بهذه الشهادة تبين أن عقد الزواج عقد فاسد فيجب عليهما المباركة بالقول. فإن لم تحصل هذه المباركة وثبت هذا الرضاع عند القاضي بما ذكر وجب أن يفرق بينهما.
وبهذا علم الجواب عن السؤال حيث كان الحال كما ذكر.
والله تعالى أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 2 / 7 / 1942)
4- «إن الرضاع قضاء لا يثبت عند الحنفية إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين كذلك ولا يقبل على الرضاع أقل من ذلك كما لا يقبل في إثباته شهادة النساء بإنفرادهن واحدة أو أكثر فإذا شهد به رجل واحد أو امرأة واحدة أو رجل وامرأة لم يثبت الرضاع بإحدى هذه الشهادات إلا بتصديق الراضع فإن صدق ثبت التحريم بتصديقه لأن تصديقه بمثابة إقراره به وإقراره به مع الإصرار عليه مثبت للحرمة وكذلك يثبت التحريم إذا لم يصدق وكان الخبر معروفا بالصدق والعدالة فإنه حينئذ لا يجوز النكاح... الخ».
(فتوى صادرة بتاريخ 3 / 2 / 1958). (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 164).
شروط تعدد الزوجات
أولا : عدم الزيادة على أربع . كما هو مذهب الجمهور وهذا الشرط يعتبر من شروط الصحة بمعنى أنه لو عقد علي الخامسة يكون العقد باطلا و و في عدة الرابعة فإباحة التعدد قيدت بعدد محدود عند إرادة الجمع بين الزوجات فاشترط عدم الزيادة على أربع .
ثانيا : العدل بين الزوجات في كل ما هو مادي من غير تفرقة بين غنية وفقيرة وعظيمة وحقيرة وهو شرط لإباحة التعدد يدل علي شرطيته قوله تعالى : {{ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة }} والمراد بالخوف غلبة الظن لا مجرد الخوف إذ هو متوفر عند كل شخص تقريبا فلو أريد لأنتج علم الإباحة وهذا بعيد عن روح الآية الكريمة فهي لا ترمي إليه .
أي إن خفتم ألا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع فواحدة ". فندب سبحانه وتعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة ، وهو إنما يخاف على ترك الواجب ، فدل على أن العدل بينهن واجب وإليه أشار في أخر الآية " ذلك أدنى ألا تعولوا ) أي تجوروا ، والجور حرام فكان العدل واجب ضرورة ، ولأن العدل مأمور به لقوله عز وجل : {{ أن الله يأمر بالعدل والإحسان }}
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : {{ من كانت له امرأتان فمال إلي إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل }}.
من كل ذلك يتبين أن العدل شرط التعدد والمراد بالعدل المشروط ما نص عليه الفقهاء وهو العدل في البيتوتة والنفقة وما شابه ذلك لا العدل في الميل القلبي لان الله سبحانه وتعالى نص على عدم إمكان ذلك بقوله : {{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ...}}
فمن يدرك روح الإسلام واتجاهه لا يقول إن التعدد مطلوب لذاته ، مستحب بلا مبرر من ضرورة فطرية أو اجتماعية وبلا دافع إلا التلذذ الحيواني ، وإلا التنقل بين الزوجات كما يتنقل الخليل بني الخليلات ، وإنما ضرورة تواجه ضرورة وحل يواجه مشكلة وهو ليس متروكا للهوى بلا قيد ولا حد في النظام الإسلامي.
والكيفية التي يمكن أن يتحقق من خلالها العدل في القسم تختلف باختلاف المال التي يراد تحقيقه فيها إذ من المعلوم أن علاقة الرجل بزوجة لها جوانب متعددة ، منها ما هو مادي ذو طبيعة مالية وهو يتمثل في المسكن والنفقة من مطعم وملبس وغيرها، ومنها ما هو مادي ذو طبيعة شخصية : وهو ما يمكن للزوج أن يتحكم في تنظيمه كالمبيت عند الزوجة والدخول إلي المنزل في بقية اليوم والسفر وما شابه ذلك مما يدخل في معناه كالخروج إلي التنزه والترفيه المباح ، ومنها ما هو مادي ذو طبيعة شخصية ولكن لا يمكن للزوج التحكم فيه أو تنظيمه كالجماع ومقدماته ومنها ما هو ذو معنى مجرد مستكن في النفس لا يمكن التحكم فيه أو تنظيمه كالميل القلبي وهو ما يعبر عنه بالحب إذ هو ميل القلب إلي شخص معين وتعلقه به وإحساسه المستمر بالحاجة إليه والشعور بالارتياح لقربه .
مظاهر العدل بين الزوجات
أولا : العدل بين الزوجات في الطعام واللباس والكسوة وإحسان المعاملة ولطف
العشرة ، فيجب على الزوج العدل بين زوجاته في كل ما يستطيعه ويدخل تحت قدرته من الحقوق ، فيسوى بينهن حتى لا تجنح بإحداهن الغيرة التي تورث الحقد والكراهية بينهن ، لا فرق في ذلك بين غنية وفقيرة ، وعظيمة وحقيرة .، ولا بين البكر والثيب ، أو الجديدة والقديمة ، والشابة والعجوز - والمسلمة وغير العملية ، و الصحيحة والمريضة ، العاقلة والمجنونة ، والبالغة والمراهقة .
فإن كانت الرجل زوجتان فيجب عليه أن يسوى بينهما في النفقة بأنواعها الثلاثة على حسب مقدرته ويمتنع عليه أن يفضل إحداهما علي الأخرى بشئ من ذلك
ثانيا : العدل في المسكن
فيجب على الزوج أن يوفر لكل زوجة مسكنا مستقلا بمرافقة لها ولأولادها ، ولا يخفي أن استقرار كل زوجة في مسكن مستقل بمرافقة يكفي الضرائر شرا كثيرا تتولد شرارته عندما يحدث التخالط بينهن في المسكن فينشب النزاع بسبب الأولاد ، وليس معنى ذلك أن تطالب الزوجة زوجها بدار من بابها أو مسكن يليق بمكان عائلتها ، ذلك أن الزوج لا يكلف بما لا يستطيع وخارج عن مقدرته ، فلو أن للزوج دار مكونة من عدة حجرات وكانت كل حجرة مستقلة ولها غلق بمرافقها لصلحت هذه الحجرات مساكن مستقلة بمرافقها ، لذلك فلا يجوز للزوج أن يسكن زوجته الجديدة مع الزوجة القديمة طالما كانت المرافق مشتركة وإلا عد ذلك ضررا ماديا بالنسبة لها يحق لها طلب الطلاق مادام قد لحقها ضرر من جراء ذلك يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالها وللزوجة الأولي الحق في أن تمتنع من إقامة الزوجة الجديدة في مسكنها هذا في حالة ما إذا كانت المرافق مشتركة ،بل أجيز لها أن تمنعها من دخول المسكن ولو لمجرد الزيارة .
وقد جاء بمضبطة مجلس الشعب
ثالثا : المساواة في البيت
وذلك بأن يسوي الزوج بين زوجاته في المبيت فلا يفضل إحداهما على الأخرى ، والمراد بالبيتوتة تخصيص كل زوجة بليلة يبيت الزوج معها في بيتها الخاص أي من حق كل زوجة أن يبيت زوجها عندها وقتا مساويا للوقت الذي يبيت فيه عند الأخريات .
ولا فرق في هذا بين البكر والثيب والجديدة والقديمة والشابة والعجوز - والصحيحة أو المريضة ، السليمة لعيب من العيوب أو ذات عيوب شرعية كالقرناء والرتقاء وسواء كانت خالية من الموانع الشرعية أم بها مانع شرعي كالحيض والنفاس .
والأمر كذلك بالنسبة للزوج سواء أكان قادرا على الوطء أم لا صحيحا أو مريضا لان القصد من المبيت هو الأنس والاستمتاع وهذا يتحقق مع الوطء أو بدونه ، فإذا حدث وكان الزوج مريضا واحتاج إلي التمريض في بيت إحداهن فيلزم عليه استئذان صاحبة الحق - كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد استأذن نساءه حالة مرضه في أن يكون في بيت عائشة رضي الله عنهما - وبعد شفائه من مرضه عليه أن يقيم في بيت غيرها بقدر ما قام عندها .
والقسم في المبيت لا ينبغي أن يقل عن ليلة كاملة حتى يكون هناك من الوقت الكافي الذي ييأس فيه كل من الزوجين بصاحبه .
ورأي جمهور العلماء أنه لا ينبغي أن تزيد مدة المبيت على سبعة أيام إلا في الحالات الضرورية كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثا ثم قال : ليس بك على أهلك هوان ، إن شئت سبعت لك ، وإن سبعت لك سبعت لنسائي وتعيين مدة المبيت أمر متروك للزوج لان الواجب عليه التسوية بينهن وللزوج أن يختار الوسيلة التي تحقق هذه المساواة بلا ضرر ولا ضرار وحق الزوجة في المبيت معها في مسكنها بصرف النظر عن الرغبة في الجماع ، حتى وإن لم يتمكن من الجماع معها في ليالي المبيت شرعا أو عادة أو طبعا أو خلقة ، لأنه لا صلة بين القسم في المبيت وبين إمكان الجماع ، لان المقصود من القسم في المبيت هو اكتمال الأنس والمودة والرحمة بين الزوجين ، وانه وإن كان القصد من الزواج الجماع والتناسل إلا أن الرعاية النفسية والاجتماعية هي المقصد و الأساس من الزواج ، هذا إذا كان في حالة حظر ، إما إذا كان في حالة سفر فلا حق لهن في القسم ويسافر الزوج بمن شاء منهن غير أن الأولي أن يقرع بينهن .
يستخلص مما سلف ذكره أن العدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة ، أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس فلا يطالب به احد من بني الإنسان لأنه خارج عن إرادته فلا يجب فيها التسوية مثال ذلك عل الرجل بين زوجاته في المحبة أو أداء واجبه الجنسي معهن فهذه أمور تبني علي اعتبارات نفسية لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيها بقدر متساو في كل الظروف ، لأنه لا يملك ذلك بل القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء لذلك فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ثم يقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في سورة النساء {{ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ }}.
هذه الآية يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلا على تحريم التعدد والأمر ليس كذلك وشريعة الله ليست هازلة حتى تشرع الأمر في آية وتحرمه في آية أخرى فالعدل المطلوب في الآية الأولى : {{ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ .... }}
والذي يوجب عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة وسائر الأوضاع الظاهرة بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شئ منها ، ولا يؤثر واحدة دون الأخر بشئ منها فالعدل المنفي هو العدل في المحبة والجماع .
وقد قال محمد بن سیرین سألت عبيدة عن هذه الآية فقال هو الحب والجماع .
وقال أبو بكر العربي وصدق ، فإن ذلك لا يملكه أحد إذ قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء .
وكذلك الجماع ومقدماته ، فقال ابن قدامة لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجب التسوية في الجماع لأنه قد ينشط لإحداهما ما لا ينشط للاخرى ، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه فانه ما لا يستطيعه فلا يتعلق به تكليف .
وإن أمكنه التسوية بينهما في الجماع كان أحسن وأولى حيث أن ذلك أبلغ في العدل .
كما لا تجب التسوية في الاستمتاع بما دون الفرج من التقبيل واللمس وإن أمكنه التسوية بينهما في ذلك فهو أفضل، فالمكروه في الميل هو ميل العشرة الذي يكون معه بخس الحق دون میل القلوب ، بحيث تميل كفة الميزان كل الميل بينما يذر الأخرى كالمعلقة ، أي لا ينبغي أن تدفعه هذه المحبة إلي هجر من لا يحب من زوجاته والتقصير في حق من أي واحدة منهن من الحقوق التي أوجبها الشارع علي الزوج أن يؤديها قبل زوجاته بالسوية بينهن.
وللزوجة أن ترفع أمرها إلى القاضي تطالب زوجها بحقها في القسم وذلك في حالة ما إذا ما طالبته بذلك ولكنه لم يمتثل ، وعلى القاضي أن يأمره بأن يستأنف العدل في المستقبل ولا يأمر بالقضاء في الماضي ، فإن جار بعد ذلك أوجعه عقوبة حسبما يراه ، لأن هذه العقوبة من باب التعذير لارتكابه محرما لا عقوبة مقدرة عليه .
وقيل يؤمر بالقضاء في الماضي إذا طلبت لأنه حق آدمي وله قدرة على إيفائه .
و المشرع في المادة 11 مكرر من القانون 25 لسنة 29 المعدل بالقانون .. لسنة 85 أوجب على الزوج بمجرد إتمام إجراءات الزواج بالثانية أن يقوم بإخطار الزوجة الأولي ، والإخطار هنا ليس معناه أن يوقف الزواج بالثانية حتى تأتي موافقة الزوجة الأولي ، وإنما الزواج الثاني متى توافرت شروطه وأركانه شرعا أصبح حقيقة واقعية ، فالمشرع لم يتعرض التعدد الزوجات لا من قريب ولا من بعيد فللزوج أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع لا شئ في هذا .
وعلى الزوجة بعد إخطارها أن تسلك أحد الطريقين إما أن تقبل الاستمرار في هذه الحياة الزوجية وهذا حقها ، وإما أن تلجأ إلى القاضي تطلب التفريق بينها وبين زوجها إذا ترتب على هذا الزواج بأخري ضرر مادي ومعنوي وهذا حقها أيضا طبقا للقاعدة العامة .
لذلك فحق الزوجة في طلب التطليق بالزواج بأخرى أن يلحقها ضرر يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما ، وقد لا يلحقها ضرر بأن يقوم الزوج بالعدل بينهما في كل الأمور السابق بيانها تفصيلا وذلك بان يسوى بينهما في النفقة والمسكن والمبيت والفارق بين هذا النص والنص في القرار بقانون الذي الغي ، أن القرار بقانون الملغي كان يعتبر مجرد الزواج باخري قرينة قانونية لصالح الزوجة التي في عصمة زوجها مؤداها أن اقترانه بأخرى بغير رضاها يعتبر إضرارا بها ويعطيها من إثبات هذا الضرر متى طلبت التفريق لأجنه ، بمعنى مجرد إتمام الزواج الثاني أجاز للزوجة الأولي أن تأخذ وثيقة الزواج وتذهب إلى المحكمة وعلى القاضي أن يحكم لها بالطلاق فورا . وكان هذا النص مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية في كل الوجوه ولم يقل به أحد من فقهاء الشريعة الإسلامية .
أما هذا القانون المعمول به الآن لم ينح هذا المنحي وإنما أوجب على الزوجة طالبة التطليق للتضرر من الزواج بأخرى ، أن تقيم الدليل على أنه قد لحقها ضرر من جراء ذلك الزواج ماديا كان أو معنويا ، بمعنى أن الضرر لا يفترض كما كان عليه الحال في القانون 44 لسنة 79 الذي حكم بعدم دستوريته كما أن معيار الضرر معيار شخصي وليس معيارا ماديا .
وقد جاء بمضبطة مجلس الشعب جلسة 96 في 1985 / 6 / 30 بأن السند الفقهي لهذا النص ومفهوم الضرر عند إطلاقه شرعا وطبقا لما استقر عليه القضاء يشمل الضرر بكافة أنواعه ماديا كان أو أدبيا ، ومن ثم فلم تر اللجنة ضرورة لتفصيله في النص ومسلك المشرع في ذلك يتفق مع حكم الشريعة الإسلامية دون المساس بمبدأ تعدد الزوجات حيث يبقى هذا المبدأ علي أصله دون مساس به أو تقييد له ومن الضرر الذي يلحق بالزوجة الأولي إذا ترتب علي الزواج باخري عدم الإنفاق عليها أو تخفيض نفقتها عما هو مقرر لها كما يعتبر من الضرر إسكان الزوجة الثانية بمسكن الزوجة الأولي أو نقل الزوجة الأولي من محل إقامتها لإسكان الأخرى إلى مكان أخر لا يعد مسکنا شرعيا وتتضرر منه ، أو ترتب على هذا الزواج هجر منزل الزوجة الأولي أو عدم التسوية بينهما في المبيت كما سلف بيانه تفصيلا كما يعد من الضرر إلحاق الأذى بها من ضرب وسب نتيجة ذلك الزواج لم يكن يحدث قبل زواجه بالثانية.
ولا يعد من قبيل الضرر زواج الرجل على زوجته الأولي بخادمته أو الشغالة ، كما لا يعد من قبيل الضرر أيضا إذا ادعت الزوجة أنه ترتب على هذا الزواج انهيارها نفسيا كما يدعي بعض الزوجات .
فمناط الحكم بالتطليق في الدعوى التي ترفع طبقا للمادة ۱۱ مکرر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۲۹ هو ثبوت الضرر ماديا أو معنويا يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما وعجز القاضي عن الإصلاح بين الطرفين ، وان البينية في هذه الدعوى - وعلي أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة يجب أن تكون من رجلين أو رجل وامرأتان ، ومحكمة الموضوع هي التي تستقل بتقدير عناصر الضرر وتصويره بما يجعل دوام العشرة متعذرا ما دام استنادها كان على أسباب مقبولة .
وعلى محكمة الموضوع عند التدخل لمحاولة الصلح أن تحاول التوفيق بين الطرفين بان تطلب من الزوج إزالة أسباب الشقاق ، والعدل بين زوجاته والتسوية بينهن في السبب المقام عليه الدعوى ، فإذا عجزت المحكمة عن الإصلاح بين الطرفين فتقضي بالتطليق إذا توافرت باقي الشروط التي تتطلبها المادة 11 مكرر من القانون سالف البيان ويستخلص من ذلك أن شروط دعوى التطليق للزواج بأخرى هي : أولا : أن ترفع الزوجة الدعوى خلال سنة من تاريخ علمها بزواج زوجها من أخري وإلا سقط حقها في طلب التطليق بعد مضي سنة من تاريخ إخطارها بالزواج الثاني .
ثانيا : ألا تكون قد رضيت بذلك الزواج الثاني صراحة أو ضمنا ، فإذا اثبت الزوج أنها رضيت بهذا الزواج فيسقط حقها في طلب التطليق .
ثالثا : أن يكون قد لحقها ضرر مادي أو معنوي يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما ولو لم تكن قد اشترطت عليه في العقد، وعبء الإثبات الضرر يقع على الزوجة . رابعا : عجز المحكمة عن الإصلاح بين الطرفين واستحالة العشرة بينهما.
خامسا : إذا اشترطت الزوجة على زوجها في العقد أن لا يتزوج عليها فلها الحق في التطليق أو فسخه .
ففي حالة توافر تلك الشروط فعلى محكمة الموضوع أن تقضي بالتطليق طلقة بائنة للضرر وبناء علي هذا جاء الحكم المبين في الفقرة الثانية من المادة 11 مكرر التي ترخص للزوجة في طلب التطليق إذا تضررت ماديا أو معنويا من اقتران زوجها بأخرى حتى ولو لم تكن قد اشترطت عليه في عقد زواجها ألا يتزوج عليها ، ومن هذا القبيل إذا أخفى الزوج علي الزوجة الجديدة انه متزوج بغيرها ، فإنه يكون حقا لها أن تطلب التطليق عليه إذا تضررت من ذلك .
كما يتجدد حق الزوجة في طلب التطليق كلما تزوج بأخرى ولحقها ضرر من جراء ذلك الزواج فلا يسقط حقها في طلب التطليق إذا تزوج من زوجة ثالثة ، رغم أنها لم تمانع من الزواج الثاني .
ولم يترك هذا النص الأمر مطلقا تستعمله الزوجة المتضررة حسبما تشاء وفي الوقت الذي تريده بل غاية سنة من تاريخ علمها بقيام السبب الموجب للضرر ما لم تكن قد رضيت بالبقاء على عصمته بعده صراحة أو ضمنا .
وضمانا لعلم الزوجة بقيام هذا السبب اوجب النص في فقرته الأولى علي الرجل عند عقد زواجه أن يقدم إقرار كتابيا للموثق يضمنه حالته الاجتماعية ، فإذا كان متزوجا فعليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات التي في عصمته وقت العقد الجديد ومحال إقامتهن وأوجب على الموثق إخطار أولئك الزوجات بكتاب موصي عليه .(الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للإصدارات القانونية ، الصفحة : 450 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 209
مُحَرَّمَاتُ النِّكَاحِ
التَّعْرِيفُ :
الْمُحَرَّمَاتُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ مُحَرَّمٍ، وَالْمُحَرَّمُ وَالْمُحَرَّمَةُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ حَرَّمَ، يُقَالُ: حَرَّمَ الشَّيْءَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ: جَعَلَهُ حَرَامًا، وَالْمُحَرَّمُ: ذُو الْحُرْمَةِ، وَالْمَحْرَمُ كَذَلِكَ: ذُو الْحُرْمَةِ، وَمِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ: الَّذِي يَحْرُمُ التَّزَوُّجُ بِهِ لِرَحِمِهِ وَقَرَابَتِهِ.
وَالنِّكَاحُ: مَصْدَرُ نَكَحَ، يُقَالُ: نَكَحَتِ الْمَرْأَةُ تَنْكِحُ نِكَاحًا: تَزَوَّجَتْ.
قَالَ الأَْزْهَرِيُّ: أَصْلُ النِّكَاحِ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ الْوَطْءُ، وَقِيلَ لِلتَّزَوُّجِ نِكَاحٌ، لأَِنَّهُ سَبَبُ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِمُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
أَنْوَاعُ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ النِّسَاءِ :
الْمُحَرَّمَاتُ مِنَ النِّسَاءِ نَوْعَانِ
أ - مُحَرَّمَاتٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَهُنَّ اللاَّئِي تَكُونُ حُرْمَةُ نِكَاحِهِنَّ مُؤَبَّدَةً، لأَِنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ ثَابِتٌ لاَ يَزُولُ، كَالأُْمُومَةِ، وَالْبُنُوَّةِ، وَالأُْخُوَّةِ.
ب - مُحَرَّمَاتٌ عَلَى التَّأْقِيتِ، وَهُنَّ مَنْ تَكُونُ حُرْمَةُ نِكَاحِهِنَّ مُؤَقَّتَةً؛ لأَِنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ غَيْرُ دَائِمٍ، وَيُحْتَمَلُ الزَّوَالُ كَزَوْجَةِ الْغَيْرِ، وَمُعْتَدَّتِهِ، وَالْمُشْرِكَةِ بِاللَّهِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والثلاثون ، الصفحة / 256
الْمُفَارَقَةُ فِي النِّكَاحِ:
تَقَعُ الْمُفَارَقَةُ فِي النِّكَاحِ لأِسْبَابٍ، مِنْهَا:
أَوَّلاً: الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ.
- لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ أَسْلَمْنَ مَعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ مَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «أَنَّ غَيْلاَنَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا».
وَتَخْتَلِفُ كَيْفِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ مَنْ كَانَ كَافِرًا وَكَانَ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَجْمَعُ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
فَمَنْ كَانَ كَافِرًا وَأَسْلَمَ وَفِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُفَارِقُهُنَّ أَوْ يَخْتَارُهُنَّ تَرَتُّبُ عُقُودِهِنَّ، فَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْ فَارَقَهُنَّ أَوِ اخْتَارَهُنَّ أَوَائِلَ فِي الْعَقْدِ أَوْ أَوَاخِرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالْقَرَافِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ أَنْ يُفَارِقَ مَا زَادَ عَلَى الأْرْبَعِ وَأَطْلَقَ الْحُكْمَ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ كَيْفِيَّةِ نِكَاحِهِنَّ، وَتَرْكُ الاْسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الأْحْوَالِ مَعَ قِيَامِ الاِحْتِمَالِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَلَوْلاَ أَنَّ الْحُكْمَ يَعُمُّ الْحَالَيْنِ لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: «أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا، فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِرٍ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَفَارَقْتُهَا».
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لَوْ تَزَوَّجَ كَافِرٌ بِخَمْسِ نِسْوَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ صَحَّ نِكَاحُ الأْرْبَعِ وَبَطَلَ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ؛ لأِنَّ الْجَمْعَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ جَمِيعًا؛ لأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ وَهُوَ خَوْفُ الْجَوْرِ فِي إِيفَاءِ حُقُوقِهِنَّ.
وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُتَعَرَّضُ لأَِهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ؛ لأِنَّ ذَلِكَ دِيَانَتُهُمْ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُهُودِهِمْ، وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ عَنْ مِثْلِهِ بَعْدَ إِعْطَاءِ الذِّمَّةِ وَلَيْسَ لَنَا التَّعَرُّضُ لأَِهْلِ الْحَرْبِ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، فَلاَ يُمَكَّنُ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْجَمْعِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِذَا كَانَ تَزَوَّجَ الْخَمْسَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ حَصَلَ نِكَاحُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جَمِيعًا؛ إِذْ لَيْسَتْ إِحْدَاهُنَّ بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، وَالْجَمْعُ مُحَرَّمٌ وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ مِنَ التَّعَرُّضِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الاِعْتِرَاضِ بِالتَّفْرِيقِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَنِكَاحُ الأَْرْبَعِ مِنْهُنَّ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لأِنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ لِحُصُولِهِ جَمْعًا، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الإِْسْلاَمِ.
وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ سُبِيَ هُوَ وَسُبِينَ مَعَهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُلِّ سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لأِنَّ نِكَاحَ الأَْرْبَعِ وَقَعَ صَحِيحًا، لأِنَّهُ كَانَ حُرًّا وَقْتَ النِّكَاحِ، وَالْحُرُّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، إِلاَّ أَنَّهُ تَعَذَّرَ الاِسْتِيفَاءُ بَعْدَ الاِسْتِرْقَاقِ لِحُصُولِ الْجَمْعِ مِنَ الْعَبْدِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ لاَ يَمْلِكُ الاِسْتِيفَاءَ فَيَقَعُ جَمْعًا بَيْنَ الْكُلِّ فَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُلِّ وَلاَ يُخَيَّرُ فِيهِ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَ رَضِيعَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ بَطَلَ نِكَاحُهَا وَلاَ يُخَيَّرُ، كَذَا هَذَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُخَيَّرُ فِيهِ فَيَخْتَارُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَمَا يُخَيَّرُ الْحُرُّ فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وَيُفَارِقُ الْبَاقِيَ.
- وَيُوَضِّحُ ابْنُ قُدَامَةَ صِفَةَ الْمُفَارَقَةِ فَيَقُولُ:
إِنْ قَالَ لَمَّا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ: فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ كَانَ اخْتِيَارًا لِلأَْرْبَعِ، وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا؛ لأِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي زَوْجَةٍ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ فَارَقْتُ هَؤُلاَءِ أَوِ اخْتَرْتُ فِرَاقَ هَؤُلاَءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلاَقَ كَانَ اخْتِيَارًا لِغَيْرِهِنَّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِغَيْلاَنَ: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْفِرَاقِ صَرِيحًا فِيهِ كَمَا كَانَ لَفْظُ الطَّلاَقِ صَرِيحًا فِيهِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: «فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً فَفَارَقْتُهَا» وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَخَصُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَجِبُ أَنْ يُتَخَصَّصَ فِيهِ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ كَانَ اخْتِيَارًا لَهُنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِيهِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمُفَارَقَاتِ؛ لأِنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ صَرِيحٌ فِي الطَّلاَقِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ قَدْ دَخَلَ بِهِنَّ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ وَكُنَّ ثَمَانِيًا فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ وَفَارَقَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنَ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ وَاطِئًا لأَِكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِنْ كُنَّ خَمْسًا فَفَارَقَ إِحْدَاهُنَّ فَلَهُ وَطْءُ ثَلاَثٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، وَلاَ يَطَأُ الرَّابِعَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ مَنْ فَارَقَهَا، فَإِنْ كُنَّ سِتًّا فَفَارَقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، فَإِنْ كُنَّ سَبْعًا فَفَارَقَ ثَلاَثًا فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ وَلاَ يَطَأُ الْبَاقِيَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ، فَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ وَمَا سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَافِرِ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
أَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِي عِصْمَتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَمَا إِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعُقُودِ مُتَفَرِّقَةٍ.
فَإِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَلاَ بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ جَمِيعِهِنَّ وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأِنَّ النِّكَاحَ يَبْطُلُ فِي جَمِيعِهِنَّ؛ إِذْ لَيْسَ إِبْطَالُ نِكَاحِ وَاحِدَةٍ بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى فَبَطَلَ الْجَمِيعُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ كَانَتِ الْعُقُودُ مُتَفَرِّقَةً وَجَهِلَ تَرْتِيبَهَا وَلَمْ يَدْرِ أَيُّ وَاحِدَةٍ هِيَ الْخَامِسَةُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْعُقُودُ مُتَرَتِّبَةً فَالأَْخِيرَةُ هِيَ الَّتِي يَجِبُ مُفَارَقَتُهَا وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ كَذَلِكَ.
ثَانِيًا: الْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ
- إِذَا جَمَعَ الْمُسْلِمُ بَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ كَمَا إِذَا عَقَدَ عَلَى أُخْتَيْنِ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوِ امْرَأَةٍ وَخَالَتِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا، وَإِنْ كَانَا فِي عَقْدَيْنِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (مُحَرَّمَاتُ النِّكَاحِ ف 23).
أَمَّا مَنْ كَانَ كَافِرًا وَأَسْلَمَ وَكَانَ مُتَزَوِّجًا بِمَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ كَأُخْتَيْنِ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدَةً وَيُفَارِقَ الأُْخْرَى، وَسَوَاءٌ أَكَانَ تَزَوَّجَهُمَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِعَقْدَيْنِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ».
وَلأِنَّ الْمُبْقَاةَ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، فَجَازَ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ كَغَيْرِهَا، وَلأِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ وَإِنَّمَا حَرُمَ الْجَمْعُ وَقَدْ أَزَالَهُ، وَلاَ مَهْرَ لِلْمُفَارَقَةِ مِنْهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا لأِنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا وَاخْتَارَ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ.
وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ فَيْرُوزَ السَّابِقِ، قَالَ: لَقَدْ خَيَّرَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّ نِكَاحَهُنَّ كَانَ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لاَسْتَفْسَرَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ فِيهِ هُوَ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ تَزَوَّجَ الأُْخْتَيْنِ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهُمَا؛ لأِنَّ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جُعِلَ جَمْعًا إِذْ لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، وَالإِْسْلاَمُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ مَانِعَ مِنَ التَّفْرِيقِ فَيُفَرَّقَ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ فَنِكَاحُ الأُْولَى وَقَعَ صَحِيحًا إِذْ لاَ مَانِعَ مِنَ الصِّحَّةِ، وَبَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ لِحُصُولِهِ جَمْعًا، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ، قَالاَ: وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِفَيْرُوزَ: «طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلاَقَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ وَقَعَ صَحِيحًا فِي الأَْصْلِ، فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ وَلاَ كَلاَمَ فِيهِ.