يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم في الإستئناف تقريراً موقعاً عليه منه ، ويجب أن يشمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت .
يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم في الإستئناف تقريراً موقعاً عليه منه ، ويجب أن يشمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت .
وبعد تلاوة هذا التقرير وقبل إبداء رأي في الدعوى من واضع التقرير أو بقية الأعضاء ، تسمع أقوال المستأنف والأوجه المستند إليها في إستئنافه ، ثم يتكلم بعد ذلك باقي الخصوم ويكون المتهم أخر من يتكلم ثم تصدر المحكمة حكمها بعد إطلاعها على الأوراق .
استبقى المشروع نظام الاستئناف جرياً على ما عليه الحال في أغلب التشريعات مراعاة لاعتبارات عملية لا يمكن إغفالها .
لكنه من ناحية أخرى أحاطه بقيود محتلفة درءاً لسوء استعماله ولكي لا يتخذ وسيلة للماطلة وعرقلة التنفيذ .
ففيما يتعلق بالأحكام التي يجيز استئنافها نص في المادة 427 ( أصبحت 403 من القانون ) على أنه يجوز استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات وفي الجنح التي يجوز إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي .
1- من المتهم إذا حكم عليه بعقوبة غير الغرامة والمصاريف أو بغرامة وتعويضات يزيد مجموهما على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً في المواد المدنية أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات .
وبديهي أنه في حالة الحكم بغرامة وتعويضات يتجاوز مجموعها عشرين جنيهاً لا أهمية لمقدار الغرامة المحكوم بها، فالاستئناف جائز ولو كان مقدار الغرامة أقل من ثلاثة جنيهات .
2- من النيابة العمومية إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وهذا النظام في مجمله يشبه إلى حد ما نظام الاستئناف الحالي الخاص بالمخالفات غير أنه لم ينص على إجازة الاستئناف من النيابة أو من المتهم لخطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها كما تقضي به المادة 153 من القانون الحالي لأنه رؤى أن الوسيلة الوحيدة للطعن في الحكم في هذه الحالة تكون بطريق النقض والإبرام وفقاً للاوضاع المقررة في القانون كما هو متبع في النظام الفرنسي والمختلط وقد لوحظ في ذلك أن محكمة النقض هي المرجع النهائي في مراقبة صحة تطبيق القانون .
أما في الجنح الأخرى أي التي لا يجوز قانوناً إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي فقد ظل حق الاستئناف في الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية مطلقاً بالنسبة للنيابة والمتهم - المادة 428 - ( حذفت اكتفاء بنص المادة 402 من القانون ) فللمتهم أن يستأنف كل حكم يصدر عليه في جريمة منها حتى ولو كان صادراً بالغرامة مهما كان مقدارها كما يجوز للنيابة أن تستأنف أي حکم صادر بالبراءة أو الادانة بغير النظر إلى طلباتها في الجلسة أما الأحكام الصادرة من المحكمة الإبتدائية فلا يجوز استئنافها وقد بين المشروع في المادة 430 ( أصبحت م 404 من القانون ) الحالي في حالة صدور حكم في الجرائم مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة وكان بعض هذه الجرائم لا يجوز استئناف الحكم الصادر فيه فأباح لمن يجوز له استئناف الحكم بالنسبة لبعض الجرائم أن يستأنفه أيضاً بالنسبة للبعض الأخر وذلك منعاً للتعارض فإذا اتهم شخص بمخالفته للائحة السيارات وتسبب بذلك في قتل إنسان وقدم المحاكمة عن الجريميتين فإنه يجوز للمحكوم عليه أن يستأنف الحكم بالنسبة للجريميتن معاً ولو كان الحكم في المخالفة غير جائز استئنافه استقلالاً بناء على القواعد المتقدمة .
3- نص في المادة 431 ( أصبحت م 405 من القانون ) على عدم جواز استئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع وهي الأحكام التحضيرية والتمهيدية والأحكام التي تصدر في المسائل الفرعية ولم تنته بها الخصومة أمام المحكمة وذلك لعدم إطالة سير الدعوى على أن استئناف الحكم الصادر في الموضوع يترتب عليه حتماً استنئاف هذه الأحكام واستثنى من ذلك الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص فنص على جواز استئنافها ومثلها الأحكام الصادرة بالاختصاص إن لم يكن للمحكمة ولاية الحكم في الدعوى وذلك لأن الأحكام عدم الإختصاص تنهي الخصومة أمام المحكمة ولأنه لا يستساغ في الحالة الثانية أن تستمر المحكمة في نظر الدعوى وهي لا ولاية لها مطلقاً .
4- فيما يتعلق باستئناف المسئول عن الحقوق المدنية والمتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها نص في المادة 429 / 2 ( أصبحت المادة 457 من القانون ) على أن الاستئناف لا يجوز من المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية إلا إذا كانت التعويضات المحكوم بها تزيد على النصاب النهائي للقاضي الجزئي وذلك بخلاف الوضع الحالي فإن الاستئناف في المخالفات متوقف على مقدار التعويضات المدعي بها لا التي قضى بها ( المادة 153 من القانون الحالي ) ومثله في الجنح بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية ( المادة 176 ) والعلة في التعديل الذي أدخل هي أن الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحاكم الجنائية يتبع في الفصل فيها الاجراءات المقررة للدعوى الجنائية - مادة 62 - ( أصبحت المادة 265 وعدلت ) ولما كان من المقرر أن المحكوم عليه جنائياً لا يجوز له أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالعقوبة إلا بالنسبة لما حکم به بصرف النظر عما طلبته النيابة فإنه لايجوز كذلك أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالتعويضات إلا بالنسبة لما قضى بصرف النظر عما طلبه المدعي بالحقوق المدنية وكذلك الحال بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية (أنظر المادة 247 فقرة أخيرة من قانون تحقيق الجنايات المختلط).
وبالنسبة إلى إجراءات الطعن بالاستئناف ومواعيده لم يدخل المشروع تعديلاً يذكر اللهم إلا إطلاق حق استئناف النائب العمومي في میعاد ثلاثين يوماً بحيث يصبح جائزاً في المخالفات كما هو جائز في الجنح - المادة 432 / 2 - ( أصبحت م 406 / 2 من القانون ) كذلك نص المادة 433 ( أصبحت م 408 من القانون ) على أن قلم الكتاب يحدد للمستأنف تاريخ الجلسة وذلك رغبة في الإسراع على أن ذلك التاريخ لا يكون قبل ثلاثة أيام كاملة .
ونصت المادة 434 فقرة أولى على أن قلم الكتاب لا يقبل التقرير باستئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع والتي نص على عدم جواز استئنافها على حدة في المادة 431 ونظمت الفقرة الثانية من هذه المادة طريق التظلم لطالب الاستئناف في هذه الحالة . ومما استحدثه المشروع الأخذ بفكرة الاستئناف الفرعي جرياً على ما سار عليه كثير من التشريعات القانون الفرنسي وما أخذ به قانون تحقيق الجنايات المختلط فنصت المادة 435 ( أصبحت م 409 من القانون ) على أنه إذا استأنف أحد الخصوم فإن ميعاد الاستئناف يمتد خمسة أيام أخرى بالنسبة إلى من له حق الاستئناف من باقي الخصوم في الدعوى من تاريخ إنتهاء العشرة أيام المقررة للاستئناف .
والحكمة في ذلك ظاهرة فقد يستأنف أحد الخصوم في نهاية العشرة أيام وبذلك يفاجئ خصمه الذي يكون قد امتنع عن الاستئناف إزاء سکوت خصمه عنه فمن العدل أن تتاح له الفرصة ويستأنف إذا أراد صوناً لحقوقه وعلى ذلك إذا استأنف المتهم الحكم الصادر عليه إمتد میعاد بالنسبة للنيابة والمدعي بالحقوق المدنية خمسة أيام أخرى .
وغنى عن البيان أن الاستئناف الفرعي لا يجوز إلا إذا كان الاستئناف الأصلي مرفوعاً في ميعاد العشرة الأيام وينبني على ذلك أن الاستئناف الذي يرفع من النائب العام بعد هذا الميعاد في مدة ثلاثين يوماً المقررة له لا يعطى حق رفع الاستئناف الفرعي لأحد من الخصوم .
وأبقى المشروع على القواعد الأساسية بها الأن الخاصة بتنفيذ الأحكام مؤقتاً رغم الاستئناف وضمنها المادة 437 ( أصبحت المادة 463 من القانون ) غير أنه لم يذكر حالة التشرد بين الأحوال التي يجب فيها النفاذ فوراً ولو منع الاستئناف وآثر ذلك ينظمه القانون الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم رؤى في الوقت نفسه أن يكون الحكم بالحبس واجب النفاذ على كل من ليس له محل إقامة ثابت بمصر ولو كان قانون التشرد غير منطبق عليه لعدم سبق إنذاره أو لسبب آخر .
وفيما يتعلق بتنفيذ العقوبات التبعية نص في المادة 438 ( أصبحت م 464 من القانون ) على تنفيذ العقوبات التبعية المقيدة للحرية المحكوم بها مع عقوبة الحبس إذا نفذت عقوبة الحبس طبقاً للمادة 437 السابقة ( أصبحت م 463 من القانون ) وعلى ذلك فالوضع تحت المراقبة والحرمان من تعاطي بعض المهن والصناعات وسحب الرخص والوضع في ملجأ وما إلى ذلك من العقوبات التي تقيد حرية المحكوم عليه من ناحية ما تنفذ عليه متى كان تنفيذ العقوبة الحبس المحكوم بها واجباً وسيان في ذلك أكان الحبس واجب فوراً من أول الأمر أم وجب تنفيذه لعدم قيام المحكوم عليه بتقديم الكفالة مثلاً .
ونص في الفقرة الأخيرة من المادة 437 ( أصبحت م 463 من القانون ) على تخويل المحكمة الأمر بتنفيذ الحكم بالتعويضات للمدعي بالحق المدني تنفيذاً مؤقتاً ولو مع حصول الاستئناف على حسب ما تقدم في صدد المعارضة طبقاً للمادة 467 .
ولما كان الأصل أن الاستئناف يترتب عليه إيقاف التنفيذ فقد رؤى أن ما جاء في النص الحالي للمادة 181 من قانون تحقيق الجنايات من وجوب الإفراج عن المتهم إذا قضى له بالبراءة استثناء من هذا الحكم لا يشمل جميع الصور التي يجب الإفراج فيها عن المتهم المحبوس احتياطياً ومن ذلك حالة الحكم بوقف تنفيذ العقوبة وكون المتهم قد قضى في الحبس الاحتياطي المدة المحكوم بها أو أكثر منها وحالة الحكم عليه بغير عقوبة الحبس أو بعقوبة لا يقتضي تنفيذها الحبس ففي هذه الأحوال الإفراج واجب رغم الاستئناف ولو أنه لا يمكن قياسها على حالة البراءة لأن إدانة المتهم ثابتة فيها بالحكم الابتدائي لذلك نص في المادة 439 ( أصبحت م 465 من القانون ) على وجوب الإفراج فوراً في هذه الأحوال .
وتنص المادة 440 ( أصبحت م 466 من القانون ) صراحةً على القاعدة الأصلية التي جرى عليها القانون الحالي فيما يتعلق بأثر الاستئناف من حيث تنفيذ الحكم الإبتدائي ومضمونها أنه في غير الأحوال المعينة التي نص عليها بوقف التنفيذ أثناء الميعاد المقرر للاستئناف وأثناء نظر الاستئناف الذي يرفع في الميعاد .
وقد أبقى المشروع القواعد المعمول بها في نظر الدعوى في دور الاستئناف - المادتان 441 و 443 - ( المادتان 411 و 413 من القانون ) وإنما ضماناً لجدية تقرير التلخيص الذي يقدمه أحد أعضاء المحكمة الاستئنافية نص في المادة 441 ( اصبحت م 411 من القانون ) على أنه يجب أن يكون موقعاً عليه منه وأن يكون مشتملاً على جميع العناصر اللازمة للفصل في الدعوى من بيان وقائعها وظروفها ومنعاً لإساءة إستعمال حق الاستئناف واحتراماً للحكم الواجب النفاذ نصت المادة 442 ( أصبحت م 412 من القانون ) على أنه لا يقبل الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية الواجبة النفاذ ما لم يتقدم قبل يوم الجلسة .
وقد أدخل المشروع تعديلاً هاماً فيما يتعلق بتشديد العقوبة المحكوم بها إبتداءً وإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة إذ نص في المادة 444 ( حذفت قبلها فقرة من المادة 417 من القانون ) على أنه لا يجوز التشديد ولا الإلغاء إلا بإجماع أراء قضاة المحكمة فالأغلبية لا تكفي في هذه الحالة وذلك على أساس أن رأي القاضی أول درجة يجب أن يكون محل إعتبار عند الفصل في الدعوى استئنافياً .
فإذا كان رأی أحد قضاة الاستئناف مطابقاً لرأي قاضي محكمة أول درجة فلا يجوز إلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة لأنه إذا كان هناك محل للترجيح فإنما ترجح كفة الرأي الذي يشترك فيه القاضي الذي يشترك فيه القاضي الذي أجري تحقيقاً في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو القاضي الجزئي هذا فضلاً عما في ترجيح هذا الرأي من مراعاة لمصلحة المتهم .
ونصت المادة 445 ( أصبحت المادة 416 من القانون ) على حكم واجب بطبيعته هو رد التعويضات التي يكون قد نفذ بها تنفيذاً مؤقتاً إذا ألغي الحكم المستأنف الصادر بها وبينت المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون الحالي ) مدى تقيد المحكمة الاستئنافية بمصلحة المستأنف فنصت صراحة على أن استئناف النيابة يجيز للمحكمة أن تحکم بناءً عليه لمصلحة المتهم أما بالنسبة لباقی الخصوم فلا يمكن أن يضار أحدهم بالاستئناف المرفوع وما قررته هذه المادة مطابق لما جرى عليه العمل الآن .
ورئى أنه لا داعي لذكر الفقرة الثانية من المادة 186 من القانون الحالي الخاصة بعدم جواز الحكم بعدم الاختصاص إذا كان الاستئناف مرفوعاً عن المتهم وحده وذلك لأن هذا الحكم نتيجة حتمية القاعدة التي قررها المشروع في المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون ).
ونصت المادة 447 ( أصبحت المادة 418 من القانون ) على أنه فيما يتعلق بالأحکام الغيابية والمعارضة فيها يتبع ما هو مقرر أمام محكمة أول درجة وهذا مطابق للوضع الحالي .
وأخيراً قررت المادة 448 ( أصبحت م 419 من القانون ) حق تصدي المحكمة الاستئنافية لنظر الدعوى الموضوع فنصت على أنه إن ألغت المحكمة حكماً صادراً بعدم الإختصاص أو حكماً في مسألة فرعية انتهت به الخصومة أمام المحكمة أو لدرجة وجب عليها أن تفصل في موضوع الدعوى بعد إجراء ما يجب من التحقيق فيها وذلك اختصاراً للإجراءات .
1- الشارع لم يوجب على محكمة الجنايات وضع تقرير تلخيص ، ذلك أنه أوجب فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية على الدوائر التى تنظر الاستئناف وضع تقرير تلخيص ، قد قصر هذا الإجراء على الدوائر الاستئنافية فحسب فلا ينسحب حكم هذا النص على محكمة الجنايات ، يدل على ذلك أن المادة 381/1 من القانون المشار إليه التى نظم فيها الشارع الإجراءات التى تتبع أمام محكمة الجنايات قد أحالت فى شأنها الإجراءات التى تتبع فى الجنح والمخالفات ، وقد خلت هذه الأحكام من إيجاب وضع مثل هذا التقرير ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الشأن لا يكون له محل .
( الطعن رقم 23236 لسنة 75 - جلسة 2012/11/17 - س 63 ص 706 ق 126 )
2- المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أن " يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه ، ويجب أن يشتمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفى وجميع المسائل الفرعية التى وقعت والإجراءات التى تمت ، وبعد تلاوة هذا التقرير قبل إبداء رأى فى الدعوى من واضع التقرير أو بقية الأعضاء ..... ثم تصدر المحكمة حكمها بعد إطلاعها على الأوراق .." . وإذ كان هذا النص وارداً فى الباب الثانى " فى الاستئناف " من الكتاب الثالث فى طرق الطعن فى الأحكام من قانون الإجراءات الجنائية ، فإن البين من استقرائه أن المخاطب به هو محكمة الجنح المستأنفة دون غيرها ، وإذ كان الحكم المطعون فيه صادراً من محكمة الجنايات فلا ينطبق عليها الحكم الوارد فى نص المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية - سالفة الذكر - ومن ثم فلا تلتزم محكمة الجنايات بوضع تقرير تلخيص أو تلاوته بالجلسة ، وكانت المادة 378 من ذات القانون قد أوجبت على رئيس محكمة الاستئناف ضمن ما أوجبت عليه عند وصول ملف القضية إليه أن يرسل صور ملفات القضايا إلى المستشارين المعينين للدور الذى أحيلت إليه، وإذ كانت هيئة المحكمة كما هو الحال فى الدعوى المطروحة قد قامت بأكملها بالاطلاع على ملف القضية سواء فى أصلها أو صورها المرسلة إليها من رئيس محكمة الاستئناف إعمالاً لنص المادة 378 سالفة البيان وهو ما لا ينازع الطاعن فيه فلا يكون هناك والهيئة محيطة بكل ما جرى فى الدعوى ضرورة لعمل تلخيص وتلاوته فى الجلسة ، ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعن فى هذا الشأن لا يكون سديداً .
( الطعن رقم 7413 لسنة 81 - جلسة 2012/03/05 )
3- لما كان يبين من مطالعة محاضر جلسات المعارضة الاستئنافية أنها بعد أن تأجلت لجلسة ...... وفيها تغيرت الهيئة وقد خلت محاضر جلسات الهيئة التى أصدرت الحكم المطعون فيه ومدوناته مما يفيد تلاوة تقرير التلخيص . لما كان ذلك ، وكان القانون قد أوجب فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه يشمل ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الإثبات والنفى وجميع المسائل الفرعية التى رفعت والإجراءات التى تمت وأوجبت تلاوته قبل أى إجراء آخر ، حتى يلم القضاة بما هو مدون بأوراق الدعوى تهيئة لفهم ما يدلى به الخصوم من أقوال وليتيسر مراجعة الأوراق قبل إصدار الحكم ، فإذا قررت المحكمة بعد تلاوة التقرير تأجيل القضية لأى سبب من الأسباب وفى الجلسة التى حددت لنظرها تغيرت الهيئة ، فإن تلاوة التقرير من جديد تكون واجبة وإلا فإن المحكمة تكون قد أغفلت إجراء من الإجراءات الجوهرية اللازمة لصحة حكمها ، ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه باطلاً نتيجة هذا البطلان بما يستوجب نقضه .
( الطعن رقم 32313 لسنة 69 - جلسة 2005/11/14 - س 56 ص 565 ق 88 )
4- المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية إذ أوجبت أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه وأن يشتمل هذا التقرير على ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفى وجميع المسائل الفرعية التى رفعت والإجراءات التى تمت وأن يتلى هذا التقرير ، فقد دلت بذلك دلالة واضحة على أن هذا التقرير يكون موضوعاً بالكتابة ، وأنه ورقة من أوراق الدعوى الواجب وجودها بملفها ، فعدم وضع هذا التقرير بالكتابة يكون تقصيراً فى إجراء من الإجراءات الجوهرية يعيب الحكم ويبطله ، ولا يغنى عن هذا التقرير أن يقرأ أحد الأعضاء صيغة الاتهام ونص الحكم الابتدائى فإن هذا عمل غير جدى لا يغنى عن وجوب تنفيذ القانون بوضع تقرير كتابى يصح أن يعول عليه القاضيان الآخران فى تفهم الدعوى . لما كان ذلك ، وكان البين من مدونات الحكم أنه خلا مما يفيد تلاوة تقرير التلخيص ، وكانت المفردات التى أمرت المحكمة بضمها تحقيقاً لوجه الطعن قد دشتت وفق ما أفادت به النيابة العامة ، فإنه لا يكون فى وسع هذه المحكمة إلا مسايرة الطاعن فيما يقرره بوجه الطعن والقول بأن المحكمة الاستئنافية قصرت فى اتخاذ إجراء من الإجراءات الجوهرية مما يعيب الحكم بما يبطله ويوجب نقضه والإعادة بغير حاجة إلى بحث باقى أوجه الطعن .
( الطعن رقم 18475 لسنة 65 - جلسة 2004/04/20 - س 55 ع 1 ص 433 ق 57 )
5- لما كان الثابت من الاطلاع على ديباجة الحكم المطعون فيه أن تقرير التلخيص قد تلى بمعرفة رئيس المحكمة ، وكان الأصل فى الإجراءات الصحة ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما أثبت منها سواء فى محضر الجلسة أو الحكم إلا بالطعن بالتزوير ، وكان فقدان تقرير التلخيص بعد تلاوته لا يبطل الإجراءات بعد صحة ، فإن ما يثيره الطاعن من أن تقرير التلخيص لم يودع ملف الدعوى بما يبطل الحكم لابتنائه على مخالفة حكم المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية لا يكون له محل . فضلاً عن أنه لما كان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يعترض على ما تضمنه تقرير التلخيص من بيان فلا يجوز له من بعد النعى على التقرير بالقصور لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذ كان عليه إن رأى أن التقرير قد أغفل الإشارة إلى واقعة تهمة ، أن يوضحها فى دفاعه ، ومن ثم فلا وجه لما ينعاه الطاعن فى هذا الصدد .
( الطعن رقم 6944 لسنة 66 - جلسة 2004/03/25 - س 55 ع 1 ص 278 ق 40 )
6- لما كانت المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية لا توجب بيان اسم من تلا تقرير التلخيص من أعضاء الدائرة فلا يعيب الحكم خلوه من الإشارة لاسم من تلا التقرير ما دام الثابت أنه قد تلى فعلاً ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بشأن استحالة قراءة اسم من تلا تقرير التلخيص لا يكون مقبولاً .
( الطعن رقم 14184 لسنة 67 - جلسة 2003/12/21 - س 54 ص 1256 ق 176 )
7- لما كان القانون قد أوجب فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه يشمل ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي وقعت والإجراءات التي تمت وأوجبت تلاوته قبل أي إجراء آخر حتى يلم القضاة بما هو مدون فى أوراق الدعوى تهيئة لفهم ما يدلي به الخصوم من أقوال ولتيسير مراجعة الأوراق قبل إصدار الحكم، وإلا فإن المحكمة تكون قد أغفلت إجراء من الإجراءات الجوهرية اللازمة لصحة حكمها، فإن الحكم المطعون فيه يكون باطلا نتيجة هذا البطلان فى الإجراءات مما يوجب نقضه والإعادة بغير حاجة إلى بحث الوجه الآخر من الطعن، ولا يمنع من ذلك سبق تلاوة تقرير التلخيص إبان المحاكمة الغيابية الاستئنافية، ذلك أن المعارضة فى الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض، مما يستلزم إعادة الإجراءات .
( الطعن رقم 757 لسنة 62 - جلسة 2002/02/06 - س 53 ص 232 ق 42 )
8- كان تقرير التلخيص وفقا لنص المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية مجرد بيان يتيح بيان لاعضاء الهيئة الإلمام بمجمل وقائع الدعوى وظروفها وما تم فيها من تحقيقات وإجراءات ولم يرتب القانون على ما يثوب التقرير من نقض أو خطأ اى بطلان يلحق بالحكم الصادر فى الدعوى ، وكان الثابت من محاضر جلسات المحاكمة ان الطاعنين على ما تضمنه التقرير فلا يجوز لهما من بعد النعى عليه بالقصور لأول مرة أمام محكمة النقض .
( الطعن رقم 20955 لسنة 62 - جلسة 1997/12/03 - س 48 ع 1 ص 1345 ق 204 )
9- من المقرر أن المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أن ( يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه , ويجب أن يشمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفى وجميع المسائل الفرعية التى وقعت والإجراءات التى تمت وبعد تلاوة هذا التقرير - قبل إبداء راى فى الدعوى من واضح التقرير أو بقية الأعضاء - تسمع أقوال المستأنف والأوجه المستند إليها فى استئنافه ، ثم يتكلم بعد ذلك باقى الخصوم ويكون المتهم آخر من يتكلم ، ثم تصدر المحكمة حكمها بعد اطلاعها على الأوراق ) . وإذ كان هذا النص وارداً فى الباب الثانى ( فى الاستئناف ) من الكتاب الثالث فى طرق الطعن فى الأحكام من قانون الإجراءات الجنائية ، فإن البين من اسقرائه أن المخاطب به هو محكمة الجنح المستأنفة دون غيرها ، وإذ كان الحكم المطعون فيه صادراً من محكمة الجنايات ، فلا ينطبق عليها الحكم الوارد فى نص المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية ، ومن ثم فلا تلتزم محكمة الجنايات بوضع تقرير تخليص أو تلاوته بالجلسة ويضحى منعى الطاعن على الحكم بالبطلان فى هذا لاشأن غير قويم .
( الطعن رقم 13597 لسنة 64 - جلسة 1996/07/31 - س 47 ع 1 ص 833 ق 119 )
10- من المقرر أن المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريرا موقعا عليه منه ، ويجب أن يشمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفى وجميع المسائل الفرعية التى رفعت والإجراءات التى تمت وبعد تلاوة هذا التقرير ، قبل إبداء رأى فىالدعوى من واضع التقرير أو بقية الأعضاء ......... ثم تصدر المحكمة حكمها بعد اطلاعها على الأوراق وإذ كان هذا النص واردا فى الباب الثانى " فى الاستئناف " من الكتاب الثالث فى طرق الطعن فى الأحكام من قانون الإجراءات الجنائية ، فإن البين من استقرائه أن المخاطب به هو محكمة الجنح المستأنفه دون غيرها وإذ كان الحكم المطعون فيه صادراً من محكمة الجنايات ، فلا ينطبق عليها الحكم الوارد فى نص المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية فلا تلتزم محكمة الجنايات بوضع تقرير تلخيص أو تلاوته بالجلسة ، ولا يصح الأخذ بطريق التظهير بسريان حكم المادة 411 سالف الذكر على الإجراءات أمام محكمة الجنايات ما دام القانون قد قصر وضع تقرير التلخيص وتلاوته على المحكمة الاستئنافية فقط . حيث لا يلزم القانون أن يكون مع كل عضو من أعضاء دائرة محكمة الجنح المستأنفة صورة من ملف القضايا المنظورة أمام الدائرة مما يمتنع معه القياس ، ذلك أن تقرير التلخيص وفقا للمادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية هو مجرد بيان يتيح لأعضاء الهيئة الالمام بمجمل الدعوى وظروفها وما تم فيها من تحقيقات وإجراءات وأن الغرض الذى يرمى اليه الشارع من إيجاب تلاوة تقرير عن القضية من أحد قضاة المحكمة الاستئنافية هو أن يحيط القاضى الملخص باقى الهيئة بما تضمنته أوراق القضية حتى يكون القضاة الذين يصدرون الحكم على بينة من وقائع الدعوى وظروفها وكانت المادة 378 من ذات القانون قد أوجبت على رئيس محكمة الاستئناف ضمن ما أوجبته عليه عند وصول ملف القضية اليه أن يرسل صور ملفات القضايا الى المستشارين المعينين للدور الذى أحيلت اليه ، وإذن فإذا كانت الهيئة أمام محكمة الجنايات كما هو الحال فى الدعوى الراهنة قد قامت بأكملها بالاطلاع على ملف القضية سواء فى أصلها أو صورها المرسل اليها من رئيس محكمة الاستئناف وفق ما تنص عليه المادة 378 سالف البيان وهو ما لا ينازع الطاعن فيه فلا يكون هناك والهيئة محيطة بكل ما جرى فى الدعوى ضرورة لعمل تقرير تلخيص وتلاوته عليها فى الجلسة .
( الطعن رقم 4593 لسنة 63 - جلسة 1995/03/20 - س 46 ص 595 ق 88 )
11- لما كانت المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أن " يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريرا موقعا عليه منه ويجب أن يشمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفى وجميع المسائل الفرعية التى رفعت والإجراءات التى تمت وبعد تلاوه هذا التقرير، قبل إبداء رأى فى الدعوى من واضع التقرير أو بقية الاعضاء _.ثم تصدر المحكمة حكمها بعد إطلاعها على الأوراق " وإذ كان هذا النص واردا فى الباب الثانى " فى الاستئناف " من الكتاب الثالث فى طرق الطعن فى الاحكام " من قانون الإجراءات الجنائية فإن البين من إستقرائه أن المخاطب به هو محكمة الجنح المستأنفة دون غيرها، وإذ كان الحكم المطعون فيه صادرا من محكمة الجنايات فلا ينطبق عليها الحكم الوارد فى نص المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية فلا تلتزم محكمة الجنايات بوضع تقرير تلخيص أو تلاوته بالجلسة ولا يصح الأخذ بطريق التنظير للقول بسريان حكم المادة 411 سالف الذكر على الإجراءات أمام محكمة الجنايات ما دام القانون قد قصر وضع تقرير التلخيص وتلاوته على المحكمة الاستئنافية فقط حيث لا يلزم القانون أن يكون مع كل عضو من أعضاء دائرة محكمة الجنح المستأنفة صورة من ملف القضايا المنظورة أمام الدائرة مما يمتنع معه القياس .
( الطعن رقم 955 لسنة 61 - جلسة 1992/11/02 - س 43 ع 1 ص 947 ق 148 )
12- لما كان من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية إذا أوجبت أن تضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الإستئناف تقريرا موقعا عليه منه يشمل على ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفى وجميع المسائل الفرعية التى وقعت والإجراءات التى تمت وأن يتلى هذا التقرير، فقد دلت بذلك دلالة واضحة على أن هذا التقرير يكون موضوعا بالكتابة وأنه ورقة من أوراق الدعوى الواجب وجودها بملفها، فعدم وضع هذا التقرير بالكتابة يكون تقصيرا فى إجراء من الإجراءات الجوهرية يعيب الحكم ويبطله ولا يغنى عن هذا التقرير أن يقرأ أحد الاعضاء صيغة التهمة ونص الحكم الابتدائى فإن هذا عمل غير جدى لا يغنى عن وجوب تنفيذ القانون بوضع تقرير كتابى يصح أن يعول عليه القاضيان الآخران فى تفهم الدعوى، وما دامت ورقة التقرير غير موجودة فعلا فلا يصح فى هذا المقام الاعتراض بمفهوم نص الفقرة الأخيرة من المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض قولا أن الحكم ما دام ثابتا فيه أن هذا الإجراء قد إستوفى فلا سبيل لجحده، وإلا بالطعن بالتزوير ما دام أن ورقة التقرير غير موجودة فعلا لما كان ذلك، وكان البين من المفردات المضمومة أن أوراق الدعوى قد خلت من تقدير التلخيص فقد وجب القول بأن المحكمة الاستئنافيه قصرت فى إتخاذ إجراء من الإجراءات - الجوهرية مما يعيب حكمها بما يبطله ويوجب نقضه والاعادة .
( الطعن رقم 10124 لسنة 59 - جلسة 1992/10/29 - س 43 ع 1 ص 943 ق 147 )
13- الشارع لم يوجب على محكمة الجنايات وضع تقرير تلخيص ، ذلك أنه إذا أوجب فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية على الدوائر التى تنظر الإستنئاف وضع تقرير تلخيص قد قصر هذا الإجراء على الدوائر الإستئنافية فحسب فلا ينسحب حكم هذا النص إلى محكمة الجنايات ، يدل على ذلك أن المادة 381 من القانون المشار إليه التى نظم فيها الشارع الإجراءات التى تتبع أمام محكمة الجنايات قد أحالت فى شأنها إلى الأحكام التى تتبع فى الجنح والمخالفات وقد خلت هذه الأحكام من إيجاب وضع مثل هذا التقرير ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الشأن لا يكون مقبولاً .
( الطعن رقم 8203 لسنة 60 - جلسة 1991/10/24 - س 42 ع 1 ص 1057 ق 146 )
14- من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية إذ أوجبت أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الإستئناف تقريراً موقعاً عليه منه وأن يشتمل هذا التقرير على ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفى وجميع المسائل الفرعية التى رفعت والإجراءات التى تمت وأن يتلى هذا التقرير - فقد دلت بذلك دلالة واضحة على أن هذا التقرير يكون موضوعاً بالكتابة وأنه ورقه من أوراق الدعوى الواجب وجودها بملفها ، فعدم وضع هذا التقرير بالكتابة يكون تقصيراً فى إجراء من الإجراءات الجوهرية يعيب الحكم و يبطله ، ولا يغنى عن هذا التقرير أن يقرأ أحد الأعضاء صيغة التهمة ونص الحكم الإبتدائى فإن هذا عمل غير جدى لا يغنى عن تنفيذ القانون بوضع تقرير كتابى يصح أن يعول عليه القاضيان الآخران فى تفهم الدعوى .
( الطعن رقم 4613 لسنة 58 - جلسة 1990/05/03 - س 41 ع 1 ص 665 ق 114 )
15- القانون قد أوجب فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه يشتمل ملخص وقائع الدعوى و ظروفها وأدلة الإثبات والنفي وجميع المسائل الفرعية التي وقعت والإجراءات التي تمت وأوجبت تلاوته قبل أي إجراء آخر ، حتى يلم القضاة بما هو مدون بأوراق الدعوى تهيئة لفهم ما يدلي به الخصوم من أقوال ولتيسير مراجعة الأوراق قبل إصدار الحكم وإلا فإن المحكمة تكون قد أغفلت إجراء من الإجراءات الجوهرية اللازمة لصحة حكمها وليس يغني الحكم عن هذا الإجراء أو يعصمه من هذا البطلان سبق تلاوة تقرير التلخيص إبان المحاكمة الاستئنافية الغيابية ، ذلك لأن المعارضة فى الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض ، مما يستلزم إعادة الإجراءات .
( الطعن رقم 3578 لسنة 56 - جلسة 1987/02/22 - س 38 ع 1 ص 310 ق 45 )
16- من المقرر أنه وإن كان الأصل وفق المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن المحكمة الاستئنافية لا تجري تحقيقاً وإنما تحكم على مقتضى الأوراق إلا أن حقها فى ذلك مقيد بوجوب مراعاتها حق الدفاع بل أن المادة 413 من ذلك القانون توجب على المحكمة أن تسمع بنفسها أو بواسطة أحد القضاة تندبه الشهود الذين كان يجب سماعهم أمام محكمة أول درجة وتستوفي كل نقص آخر فى إجراءات التحقيق وترتيباً على ذلك عليها أن تورد فى حكمها ما يدل على أنها واجهت عناصر الدعوى وألمت بها على وجه يفصح عن أنها فطنت إليها ووازنت بينها ، وإذ كانت الحالة فى الطعن الماثل أن المدافع عن الطاعن قد استمسك أمام محكمة ثاني درجة بسماع شهادة .......... تأسيساً على أن المجني عليه قرر أمامه أنه أخبره برقم السيارة التي تسبب قائدها فى إصابته ، فكان على الحكم المطعون فيه أن يعرض لهذا الطلب الجوهري إيراداً ورداً ، ذلك بأنه لا يسوغ محاجة الطاعن بأنه لم يبد هذا الطلب أمام محكمة أول درجة ، لأن سببه لم يكن قد قام أمام تلك المحكمة ، وإنما وجد من بعد ذلك عندما كشف المجني عليه أمام المحكمة الاستئنافية عن أنه أرشده عن رقم السيارة مرتكبة الحادث . فإن حكمها يكون قد أخل بحق الطاعن فى الدفاع وشابه القصور فى التسبيب مما يوجب نقضه .
( الطعن رقم 4749 لسنة 56 - جلسة 1987/01/28 - س 38 ع 1 ص 148 ق 22 )
17- لما كان يبين من محاضر جلسات المعارضة الاستئنافية ومن الحكم المطعون فيه أنها خلت جميعها مما يقيد تلاوة تقرير التلخيص، لما كان القانون قد أوجب فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه يشمل ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الإثبات والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت وأوجبت تلاوته قبل أي إجراء آخر حتى يلم القضاة بما هو مدون فى أوراق الدعوى تهيئه لفهم ما يدلي به الخصوم من أقوال ولتيسير مراجعة الأوراق قبل إصدار الحكم، وإلا فإن المحكمة تكون قد أغفلت إجراء من الإجراءات الجوهرية اللازمة لصحة حكمها، فإن الحكم المطعون فيه يكون باطلاً نتيجة هذا البطلان فى الإجراءات مما يوجب نقضه والإعادة بغير حاجة إلى بحث باقي أوجه الطعن، ولا يمنع من ذلك سبق تلاوة تقرير التلخيص إبان المحاكمة الغيابية الاستئنافية، ذلك أن المعارضة فى الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض، مما يستلزم إعادة الإجراءات .
( الطعن رقم 4619 لسنة 56 - جلسة 1986/12/25 - س 37 ع 1 ص 1135 ق 217 )
18- إن تقرير التلخيص وفقاً لنص المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية مجرد بيان يتيح لأعضاء الهيئة الإلمام بمجمل وقائع الدعوى وظروفها وما تم فيها من تحقيقات وإجراءات ولم يرتب القانون على ما يشوب التقرير من نقص أو خطأ أي بطلان يلحق بالحكم الصادر فى الدعوى، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعنين لم يعترضوا على ما تضمنه التقرير الذي أثبت فى الحكم المطعون فيه أنه تلي بمعرفة رئيس المحكمة، فلا يجوز لهم من بعد النعي عليه بالقصور لأول مرة أمام محكمة النقض إذ كان عليهم إن رأوا أن التقرير قد أغفل الإشارة إلى واقعة تهمهم أن يوضحوها فى دفاعهم .
( الطعن رقم 2117 لسنة 56 - جلسة 1986/05/21 - س 37 ع 1 ص 569 ق 112 )
19- من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية إذ أوجبت أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط به الحكم فى الإستئناف تقريراً موقعاً عليه منه وأن يشتمل هذا التقرير على ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفى وجميع المسائل الفرعية التى رفعت والإجراءات التى تمت وأن يتلى هذا التقرير ، فقد دلت بذلك دلالة واضحة على أن هذا التقرير يكون موضوعاً بالكتابة وأنه ورقة من أوراق الدعوى الواجب وجودها بملفها فعدم وضع هذا التقرير بالكتابة يكون تقصيراً فى إجراء من الإجراءات الجوهرية يعيب الحكم ويبطله ، ولا يغنى عن هذا التقرير أن يقرأ أحد الأعضاء صيغة التهمة ونص الحكم الإبتدائى فإن هذا عمل غير جدى لا يغنى عن وجوب تنفيذ القانون بوضع تقرير كتابى يصح أن يعول عليه القاضيان الآخران فى تفهم الدعوى ، وما دامت ورقة التقرير غير موجودة فعلاً فلا يصح فى هذا المقام الإعتراض بمفهوم نص الفقرة الأخيرة من المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 قولاً أن الحكم ما دام ثابتاً فيه أن هذا الإجراء قد إستوفى فلا سبيل لجحده إلا بالطعن بالتزوير ما دام أن ورقة التقرير غير موجودة فعلاً .
( الطعن رقم 1719 لسنة 55 - جلسة 1985/10/16 - س 36 ص 872 ق 156 )
20- لما كان القانون قد أوجب فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن يضع الدائرة المنوط بها الحكم فى الإستئناف تقريراً موقعاً عليه منه يشمل ملخص وقائع الدعوى وظروفها و أدلة الإثبات والنفى فى جميع المسائل الفرعية التى وقعت والإجراءات التى تمت وأوجبت تلاوته قبل أى إجراء آخر ، حتى يلم القضاة بما هو مدون بأوراق الدعوى تهيئة لفهم ما يدلى به الخصوم من أقوال وليتيسر مراجعه الأوراق قبل إصداره الحكم ، فإذا قررت المحكمة بعد تلاوة التقرير تأجيل القضية لأى سبب من الأسباب وفى الجلسة التى حددت لنظرها تغيرت الهيئة فإن تلاوة التقرير من جديد تكون واجبة وإلا فإن المحكمة تكون قد أغفلت إجراء من الإجراءات الجوهرية اللازمة لصحة حكمها ، لما كان ذلك فإن الحكم المطعون فيه يكون باطلاً نتيجة هذا البطلان فى الإجراءات مما ، يتعين معه نقضه والإحالة بالنسبة للطاعن والمحكوم عليهما الآخرين إذ أن وجه النعى الذى أقرته المحكمة إنما يرجع إلى سبب متعلق بالحكم ذاته فضلاً عن وحدة الواقعة وحسن سير العدالة .
( الطعن رقم 4890 لسنة 54 - جلسة 1985/05/14 - س 36 ص 651 ق 115 )
21-إذا كان يبين من مطالعة محضر جلسات المحاكمة الاستئنافية أنه بعد تلاوة تقرير التلخيص بجلسة 9 / 11 / 1976 أحالت المحكمة الدعوى إلى دائرة أخرى وقد خلت محاضر جلسات الدائرة التي أحيلت إليها الدعوى، وهي الهيئة التي أصدرت الحكم المطعون فيه مما يفيد تلاوة تقرير التلخيص، كما خلت من ذلك مدونات الحكم المطعون فيه. لما كان ذلك، وكان القانون قد أوجب فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريرا موقعا عليه منه يشمل ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الإثبات والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت وأوجبت تلاوته قبل أي إجراء آخر، حتى يلم القضاء بما هو مدون بأوراق الدعوى تهيئة لفهم ما يدلي به الخصوم من أقوال وليتيسر مراجعة الأوراق قبل إصدار الحكم، فإذا قررت المحكمة بعد تلاوة التقرير تأجيل القضية لأي سبب من الأسباب وفي الجلسة التي حددت لنظرها تغيرت الهيئة فإن تلاوة التقرير من جديد تكون واجبة وإلا فإن المحكمة تكون قد أغفلت إجراء من الإجراءات الجوهرية اللازمة لصحة حكمها، ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه باطلا نتيجة هذا البطلان فى الإجراءات. مما يتعين معه نقضه والإحالة فى خصوص ما قضى به فى الدعوى المدنية فقط بالنسبة للطاعن (المسئول عن الحقوق المدنية) وبالنسبة للمتهم كذلك، إذ أن وجه النعي الذي أقرته المحكمة إنما يتصل به لأنه يرجع إلى سبب متعلق بالحكم ذاته فضلاً عن وحدة الواقعة وحسن سير العدالة، وذلك مع إلزام المطعون ضدهم (المدعين بالحقوق المدنية) المصروفات، ودون حاجة إلى بحث وجوه الطعن الأخرى .
( الطعن رقم 595 لسنة 49 - جلسة 1980/03/19- س 31 ع 1 ص 424 ق 77 )
22- حيث إنه يبين من الحكم المطعون فيه أنه جاء فى أسبابه "أن الملف قد خلا من تقرير التلخيص مما يبطل الحكم". لما كان ذلك, وكانت المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أن "يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه ويجب أن يشمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت" فإن عدم وضع تقرير تلخيص يكون تقصيراً فى إجراء من الإجراءات الجوهرية يعيب الحكم ويبطله ولا يقدح فى ذلك القول بأن الحكم قد جاء فيه أن هذا الإجراء قد استوفى فلا سبيل لجحده إلا بالطعن بالتزوير ما دام أنه قد أثبت فى مدوناته صراحة عدم وضع تقرير تلخيص مما يعيب الحكم بالبطلان ويستوجب نقضه .
( الطعن رقم 94 لسنة 47 - جلسة 1977/05/09 - س 28 ع 1 ص 581 ق 122 )
23- من المقرر أنه وإن كان الأصل وفق المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن المحكمة الإسئتنافية لا تجرى تحقيقاً وإنما تحكم على مقتضى الأوراق إلا أن حقها فى ذلك مقيد بوجوب مراعاتها مقتضيات حق الدفاع بل إن المادة 413 من ذلك القانون توجب على المحكمة أن تسمع بنفسها أو بواسطة أحد القضاة تندبه لسماع الشهود الذين كان يجب سماعهم أمام محكمة أول درجة وتستوفى كل نقص آخر فى التحقيق وترتيباً عل ذلك عليها أن تورد فى حكمها ما يدل على أنها واجهت عناصر الدعوى وألمت بها على وجه يفصح عن أنها فطنت إليها ووازنت بينها ، وإذ كان الحال فى الطعن الماثل أن المدافع عن الطاعن قد إستمسك بجلسة المعارضة الإستئنافية بسماع شهادة . . . تأسيساً على أنه كان متهماً وإياه فى الدعوى وأدانته محكمة أول درجة ثم قضى ببراءته إستئنافياً وكان قوله من بين ما عولت عليه محكمتا أول وثانى درجة فى إدانة الطاعن ، فكان على الحكم المطعون فيه أن يعرض لهذا الطلب الجوهرى إيراداً ورداً ، ذلك بأنه ليس يسوغ محاجة الطاعن بأنه لم يبد هذا الطلب أمام محكمة أول درجة ، لأن سببه لما يكن قد قام أمام تلك المحكمة ، وإنما جد من بعد ذلك حين إنقشع الإتهام نهائياً عن المطلوب سماع شهادته بقضاء محكمة ثانى درجة ببراءته فصار يجوز سماعه شاهداً بعد أداء اليمين - عملاً بحكم المادة 283 من قانون الإجراءات الجنائية لما كان ذلك ، فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباً بما يوجب نقضه والإعادة .
( الطعن رقم 1931 لسنة 45 - جلسة 1976/03/15 - س 27 ص 316 ق 66 )
24-أوجب القانون فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية أن يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم فى الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه يشمل ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الإثبات والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت، وأوجبت تلاوته قبل أي إجراء آخر، حتى يلم القضاة بما هو مدون بأوراق الدعوى تهيئة لفهم ما يدلي به الخصوم من أقوال ولتيسير مراجعة الأوراق قبل إصدار الحكم، وإلا فإن المحكمة تكون قد أغفلت إجراء من الإجراءات الجوهرية اللازمة لصحة حكمها، وإذ كان يبين من محضري جلستي المعارضة الاستئنافية ومن الحكم المطعون فيه أنها خلت جميعها مما يفيد تلاوة تقرير التلخيص. فإن الحكم المطعون فيه يكون باطلاً نتيجة هذا البطلان فى الإجراءات، وليس يغني الحكم عن هذا الإجراء ويعصمه من هذا البطلان سبق تلاوة تقرير التلخيص إبان المحاكمة الاستئنافية الغيابية، ذلك لأن المعارضة فى الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض مما يستلزم إعادة الإجراءات، ومن ثم يكون الحكم متعيناً نقضه .
( الطعن رقم 105 لسنة 45 - جلسة 1975/03/09 - س 26 ص 217 ق 48 )
25- ما رسمه القانون فى المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية هو من قبيل تنظيم سير الإجراءات فى الجلسة فلا يترتب على مخالفته البطلان - فإذا كان الثابت من محضر الجلسة أن تقرير التلخيص قد تلى بها ولم يعترض المتهم على تلاوته بعد دفاعه ، وكان غرض الشارع قد تحقق بوضع التقرير وتلاوته بمعرفة أحد أعضاء الهيئة ، فإنه لا تجوز إثارة الجدل فى ذلك أمام محكمة النقض .
( الطعن رقم 2046 لسنة 29 - جلسة 1960/01/25- س 11 ع 1 ص 106 ق 20 )
26- متى كان الثابت من الحكم ومن محضر الجلسة أن عضو اليمين قام بتلاوة التقرير بالجلسة التي نظرت فيها الدعوى وتقرر حجزها للحكم فإنه لا يقدح فى صحة هذا الإجراء أن يكون التقرير من وضع هيئة أخرى غير التي فصلت فى الدعوى، إذ فى تلاوة المقرر لها التقرير ما يفيد أنه وقد اطلع على أوراق الدعوى رأى أن ما اشتمل عليه التقرير من عناصر ووقائع كاف للتعبير عما استخلصه من جانبه لها وأنه لم يجد داعياً لوضع تقرير آخر .
( الطعن رقم 508 لسنة 48 - جلسة 1978/10/16 - س 29 ع 1 ص 699 ق 138 )
27- لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن من أن تقرير التلخيص لم يودع ملف الدعوى - وخلو محضر الجلسة مما يفيد تلاوته - ، مما يجعل الحكم باطلاً لابتنائه على مخالفة المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية مردوداً بأن الثابت من الاطلاع على ديباجة الحكم المطعون فيه أن تقرير التلخيص قد تلى ، وهو مكمل في هذا الصدد لمحضر الجلسة حسبما جرى به قضاء هذه المحكمة ، وكان الأصل في الإجراءات الصحة ، ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما أثبت منها سواء في محضر الجلسة أو الحكم إلا بالطعن بالتزوير ، وكان فقدان تقرير التلخيص بعد تلاوته لا يبطل الإجراءات بعد صحة ، وكانت المادة سالفة الذكر لا توجب بيان اسم من تلا تقرير التلخيص من أعضاء الدائرة ، فلا يعيب الحكم خلوه من الإشارة لاسم من تلا التقرير ما دام الثابت أنه قد تلي فعلاً ، فإن ما يثيره الطاعن على الحكم المطعون فيه في هذا الخصوص بدعوى البطلان يكون غير سديد .
( الطعن رقم 8792 لسنة 91 ق - جلسة 26 / 12 / 2022 )
الأصل أن المحكمة الاستئنافية تصدر حكمها بعد الإطلاع على الأوراق، ولا تلتزم بإجراء تحقيق في الجلسة إلا إذا كان التحقيق الذي أجرته محكمة الدرجة الأولى ناقصاً ، فقد نصت المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية على أن «يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم في الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه، ويجب أن يشمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت. وبعد تلاوة هذا التقرير - وقبل إبداء رأي في الدعوى من واضع التقرير أو بقية الأعضاء - تسمع أقوال المستأنف والأوجه المستند إليها في استئنافه، ثم يتكلم بعد ذلك باقي الخصوم، ويكون المتهم آخر من يتكلم ثم تصدر المحكمة حكمها بعد إطلاعها على الأوراق» . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة : 964 )
التقرير الملخص :
تطلب الشارع أن يضع أحد أعضاء المحكمة تقريراً موقعاً عليه منه يلخص وقائع الدعوى وسائر عناصرها، وتطلب بعد ذلك أن يتلى هذا التقرير كأول إجراء من إجراءات نظر الدعوى .
وعلة إعداد هذا التقرير أن «يلم القضاة بموضوع الدعوى المعروضة عليهم وبما تم فيها من تحقيقات وما اتخذ من إجراءات حتى يكونوا مستعدين لفهم ما يدلى به الخصوم فيها من أقوال وتسهل عليهم مراجعة أصل أوراق الدعوى قبل إصدار حكمهم» وإعداد هذا التقرير إجراء جوهري، إذ يستند إلى علة تتصل بسلامة عمل المحكمة وصواب قضائها، ومن ثم فإن إغفاله يترتب عليه بطلان الإجراءات والحكم . ولا يغني عنه أن يقرأ أحد الأعضاء صيغة التهمة ونص الحكم الابتدائي . ويتضح من نص القانون على أن يوقع القاضي الملخص على التقرير أنه يتعين أن يكون مكتوباً ، ومن ثم لا يكفي تقرير شفوي . ولكن القانون لم يتطلب أن يكتب بشكل خاص أو في ورقة معينة، ومن ثم لا بطلان في تحريره على غلاف الدعوى . ولم يتطلب القانون أن يكون التقرير مكتوباً بخط القاضي الملخص ، بل كل ما تطلبه أن يكون هذا القاضي قد اطلع على أوراق الدعوى وألم بوقائعها وبما تم فيها وقدم تقريره في شأنها، وتطبيقاً لذلك فإنه إذا وجد بعد مراجعة القضية تقريراً وضعه من قبل زميل له أو أعدته هيئة سابقة، فلا حرج عليه أن يتخذه لنفسه ويوقع عليه . وقد حدد الشارع البيانات التي يتعين أن يتضمنها التقرير، فهي «ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت» والأصل أن يتضمن التقرير هذه البيانات، إذ يحول نقصه بينه وبين تحقيق غرضه ، ولكن إذا ثبت أن هذا النقص لم يحل بينه وبين تحقيق غرضه فلا يترتب على ذلك بطلان، كما لو ثبت أن ما أغفله ليست له أهمية في الدعوى، وأنه لا يحول دون إعطاء صورة كافية عنها، وإذا كان أحد الخصوم يرى أهمية لما أغفله التقرير، فعليه أن يوضحه للمحكمة في دفاعه .
وقد تطلب الشارع أن يتلى التقرير حتى يعلم سائر أعضاء المحكمة بوقائع الدعوى وعناصرها. وهذه التلاوة إجراء جوهري، ومن ثم تبطل إجراءات المحاكمة، ويبطل الحكم الاستئنافي تبعاً لذلك، إذا لم يتل التقرير ويتعين أن يتلى هذا التقرير علناً ، بإعتباره أحد إجراءات الدعوى، فيجب أن يحصل في علانية، وذلك ما لم تجعل الجلسة سرية . وتطلب الشارع أن يتلى التقرير قبل أي إجراء من إجراءات المحاكمة، وذلك لتتخذ هذه الإجراءات أمام قضاة يلمون بعناصر الدعوى، ولكن إذا خولف هذا الترتيب، فاتخذ إجراء قبل التلاوة (كما لو سئل المتهم أو أبدی دفاعه)، فلا يترتب بطلانه، إذ ترتيب الإجراءات الذي نص عليه القانون إرشادي، كي يتحقق الإلمام بعناصر الدعوى لجميع القضاة في التشكيل الجديد للمحكمة ولم يتطلب القانون أن يتلو التقرير القاضي الذي وضعه، فلا بطلان إذا تلاه زميله له، فالقانون تطلب تلاوة التقرير في الجلسة، ولم يحدد «من يتلوه» وإذا ذكر في الحكم أن التقرير قد تلى طبقاً للقانون، فلا يجوز إثبات عكس ذلك إلا بالطعن بالتزوير ولا عبرة بخلو محضر الجلسة من إثبات التلاوة، فالحكم يكمل المحضر فيما نقص من بياناته .
التحقيق التكميلي :
الأصل أن المحكمة الاستئنافية لا تجري تحقيقاً مبتدئاً، وإنما تكتفي بالاطلاع على التحقيق الذي أجرته محكمة الدرجة الأولى، وتطلع عليه في أوراق الدعوى وتصدر حكمها بناء على ذلك. وقد افترض الشارع بذلك أن تحقيق محكمة الدرجة الأولى فيه الكفاية لاستظهار صورة كاملة للدعوى، وقد أنبني على هذا الافتراض أن الشارع «لم يلزم المحكمة بإجراء تحقيق تكميلي»، ومن ثم يكون قضاء المحكمة الاستئنافية صحيحاً، إذا لم تجر هذه المحكمة أي تحقيق، واكتفت بالاطلاع على الأوراق .
ولكن الشارع لم يحظر على المحكمة الاستئنافية إجراء تحقيق تكميلي إذا قدرت ضرورته أو ملاءمته، ومحل تقريرها ذلك أن تتبين في تحقيق محكمة الدرجة الأولى نقصاً ترى بناء عليه أنه لا يعطيها صورة كاملة للدعوى، ولما كان إجراء هذا التحقيق يدخل في سلطتها التقديرية، فإنه لا يعيب قضاءها أنها لم تجره، خاصة وأن المتهم لم يطلب إجراءه أو طلبه ثم نزل عنه، بل إنه إذا طلبه المتهم وأصر على طلبه، فرفضت المحكمة طلبه صراحة أو ضمناً بأن أصدرت حكمها دون أن تجري التحقيق المطلوب، فلا يعيب ذلك قضاءها ولا تلتزم المحكمة بتسبيب رفضها، فالسبب بديهي، وهو تقدیر المحكمة وضوح عناصر الدعوى بما يغني عنه ويجوز للمحكمة بعد أن أمرت بالتحقيق التكميلي أن تعدل عن إجرائه، ويجوز لها - بعد أن أجرت التحقيق - أن تؤيد الحكم الابتدائي، وتفسير ذلك أن « التحقيق الذي أجرته لم ينتج جديداً في الدعوى يجعلها ترى غير ما رأته محكمة أول درجة » .
ولكن لهذه السلطة التقديرية حدودها: فقد ألزمها القانون أن «تسمع الشهود الذين كان يجب سماعهم أمام محكمة أول درجة وتستوفي كل نقص آخر في إجراءات التحقيق»، ويعني ذلك أنه إذا تبينت نقصاً في التحقيق الذي أجرته محكمة الدرجة الأولى، فإنه يتعين عليها أن تستكمله، ومن ثم تخطئ المحكمة إذا قررت وجود هذا النقص ولم تأمر بالتحقيق التكميلي الذي تصلحه به. ولا يجوز لها بداهة أن تستند إلى هذا النقص وتقرر وجود شك تستند إليه في البراءة وإذا تبين أن تحقيق محكمة الدرجة الأولى قد شابه عيب (أي لحق به سبب للبطلان) تعين على المحكمة الاستئنافية أن تصلحه وتزيل سبب البطلان. ذلك أنه إذا لم تصلحه امتد سبب البطلان إلى الحكم الاستئنافي . وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كانت محكمة الدرجة الأولى قد اعترفت بحجية لمحرر لا يعترف له القانون بحجية ما وأعفت المكلف بالإثبات من تقديم الدليل. فإنه يتعين على المحكمة الاستئنافية أن تتطلب هذا الدليل، وإذا تبين أن محكمة الدرجة الأولى قد سمعت شاهداً دون يمين فإن المحكمة الاستئنافية تعيد سماعه بعد حلفه اليمين ، وإذا تبين أن إجراءات محكمة الدرجة الأولى قد انطوت على إخلال بحقوق الدفاع تعين إعادتها على نحو تحترم فيه هذه الحقوق، وإذا طلب المتهم أمام محكمة الدرجة الأولى سماع شاهد فلم تسمعه واستندت مع ذلك إلى أقواله في التحقيق الابتدائي لإدانة المتهم، فطلب من المحكمة الاستئنافية سماع هذا الشاهد فرفضت وأيدت الحكم الابتدائي فإن قضاءها يكون معيباً ، إذ لم يصلح ما إنطوت عليه إجراءات محكمة الدرجة الأولى من إهدار «لمبدأ الشفوية» وإخلال بحق الدفاع .
وتجري المحكمة التحقيق التكميلي بنفسها أو تندب لذلك أحد أعضائها، وفي الغالب ما يكون «القاضي الملخص» بإعتباره الأكثر دراية بعناصر الدعوى، وعليه بعد الإنتهاء من هذا التحقيق أن يقدم عنه «تقريراً». ويجب أن يتلى هذا التقرير في الجلسة علناً، إذ يعد ملاحقاً للتقرير الملخص، فيخضع لأحكامه، ولكن لا يجوز - تطبيقاً للقواعد العامة - إعادة الدعوي إلى النيابة العامة لإجراء التحقيق التكميلي .
ترتيب الإجراءات أمام المحكمة الاستئنافية :
حدد الشارع هذه الإجراءات على الوجه التالي «تسمع أقوال المستأنف والأوجه المستند إليها في استئنافه ثم يتكلم بعد ذلك باقي الخصوم، ويكون المتهم آخر من يتكلم ثم تصدر المحكمة حكمها بعد الإطلاع على الأوراق» (المادة 411 من قانون الإجراءات الجنائية، الفقرة الثانية)، وهذا الترتيب إرشادي، ومن ثم لا يترتب على مخالفته بطلان وقد تضمن هذا الترتيب أن يتكلم المستأنف أولاً، بإعتباره الطاعن في الحكم، ومن ثم يتعين عليه أن يوضح العيوب التي ينعاها عليه، وتضمن هذا الترتيب كذلك أن يكون المتهم آخر من يتكلم، ولو لم يكن هو المستأنف، بإعتباره المدعى عليه في الدعويين الجنائية والمدنية على السواء، فيريد القانون أن يكون له حق الرد على ما يدعي به عليه ولم ينص القانون على حظر إستجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك، كما فعل بالنسبة للإجراءات أمام محكمة الدرجة الأولى (المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية، ولكن هذا الحظر تلتزم به المحكمة الاستئنافية كذلك، إذ يعتبر مقرراً قاعدة عامة في المحاكمة تسري على جميع مراحلها ولم ينص القانون على سؤال المتهم في بداية المحاكمة عما إذا كان معترفاً بالجريمة، كما فعل بالنسبة لإجراءات المحاكمة أمام محكمة الدرجة الأولى ، وتفسير ذلك أن غرض هذا السؤال هو الإستغناء عن سماع الشهود إذا كان المتهم معترفاً بجريمته، وهذا الغرض متحقق دائماً، إذ الأصل ألا تعيد المحكمة سماع الشهود الذين سمعوا أمام محكمة الدرجة الأولى . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة : 1330 )
تقرير التلخيص :
يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم في الاستئناف تقريراً موقعاً عليه منه، ويجب أن يشمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الأولية والفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت (المادة 411 إجراءات). ويتلى هذا التقرير ثم يتكلم بعد ذلك باقي الخصوم قبل إبداء رأي في الدعوى من واقع التقرير أو الأعضاء ويكون المتهم آخر من يتكلم، وتصدر المحكمة حكمها بعد إطلاعها على الأوراق (المادة 411 / 2 إجراءات).
وقد شرع القانون هذا التقرير وأوجب تلاوته في الجلسة حتى يكفل إلمام القضاة بموضوع الدعوى ما تم فيها من إجراءات قبل البدء في نظرها حتى يكونوا على إستعداد تام لتفهمها، لأن الأصل في هذه المحكمة أنها تصدر حكمها بعد الإطلاع على الأوراق، ووضع التقرير وتلاوته قبل نظر الدعوى إجراء جوهري يترتب على مخالفته بطلان الإجراءات والحكم، ولا يشترط عدم تلاوة هذه التقرير في الجلسة التي تقتصر فيها المحكمة على تأجيل نظر الدعوى إلى جلسة أخرى دون إجراء أي تحقيق نهائياً ولكن إذا قررت المحكمة بعد تلاوة هذا التقرير تأجيل الدعوى لأي سبب من الأسباب، وفي الجلسة التي حددت لنظرها تغيرت الهيئة - فإن تلاوة التقرير من جديد تكون واجبة وإلا تعرضت إجراءاتها للبطلان وقد حكم أنه لا يشترط في هذه الحالة أن يعيد أحد قضاة الهيئة الجديدة كتابة التقرير، بل يكفي مجرد تلاوة التقرير الذي وضعه أحد قضاة الهيئة السابقة، إذ إن في تلاوة هذا التقرير من جديد ما يفيد أن القاضي قد اطلع على أوراق الدعوى ورأى أن ما اشتمل عليه التقرير من عناصر ووقائع كاف للتعبير عما استخلصه من جانبه لها، وأنه لم يجد داعياً لوضع تقرير آخر، وفي هذا الإطار قضى أنه لا يؤثر في صحة التقرير خلوه من توقيع واضعه مادام قد تلى في الجلسة، ويكفي أن يثبت في الحكم أن تقريراً بتلخيص الدعوى قد تلى في الجلسة ولو لم يكن في محضر الجلسة ما يدل عليه"، تطبيقاً لمبدأ أن الحكم ومحضر الجلسة يكمل كل منهما الآخر فيما يتعلق بإثبات ما تم من إجراءات، ومن أثبت بمحضر الجلسة أو الحكم أن تقرير التلخيص قد تلاه أحد أعضاء الهيئة التي نظرت الدعوى، فلا يقبل إثبات عكس ذلك إلا بإتباع إجراءات الطعن بالتزوير .
ولا يغني عن تلاوة تقرير التلخيص سبق تلاوته إبان المحاكمة الاستئنافية الغيابية، ذلك لأن المعارضة في الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض، مما يستلزم إعادة الإجراءات.
وإذا اقتصر تقرير التلخيص على تحديد ما يتصل بشكل الاستئناف فإنه يجب تلاوة جديدة بشأن موضوع الاستئناف إذا ما قررت المحكمة نظر الموضوع .
وتقرير التلخيص هو مجرد بيان يتيح لأعضاء المحكمة الإلمام بمجمل وقائع الدعوى وما تم فيها من إجراءات، فلا يشترط أن يتضمن كافة التفاصيل الدقيقة للوقائع أو الإجراءات، وإذا شکی الخصم من إغفال التقرير لبعض التفاصيل التي يهمه إيضاحها فعليه أن ينبه المحكمة على ذلك، لأن عدم ذكر واقعة ما يفيد أن القاضي الذي وضع التقرير لم ير أهمية لذكرها، وليس له - إذ لم يعترض على ما تضمنه التقرير - أن يرفع شكواه من ذلك لأول مرة من خلال أوجه الطعن أمام محكمة النقض"، على أنه يشترط في هذا التقرير أن يكون موضوعاً بالكتابة، وعدم إثباته كتابة يدمغه بالإنعدام، مما يعد إخلالاً بإجراء جوهري يعيب الحكم ويبطله .
الأصل أن المحكمة الاستئنافية لا تجري تحقيقاً :
الأصل أن المحكمة الاستئنافية لا تلتزم بإعادة تحقيق الدعوى، وكل ما تلتزم به هو سماع أقوال المستأنف والأوجه التي استند إليها في استئنافه، ثم السماح بعد ذلك بالكلام لباقي الخصوم، على أن يكون المتهم آخر من يتكلم، ثم تصدر المحكمة حكمها بعد إطلاعها على الأوراق (المادة 411/ 2 إجراءات).
وبالنسبة إلى سؤال المتهم عن التهمة، فقد قضت محكمة النقض أن هذا الإجراء واجب أمام محكمة أول درجة فحسب، والمحكمة الاستئنافية لا تلتزم بإعادة سماع الشهود الذين سمعتهم محكمة أول درجة إلى غير ذلك من أوجه تحقيق الدعوى مما سبق إجراؤها في المحاكمة الأولى، وقد عللت محكمة النقض ذلك بأن المحكمة الاستئنافية تحكم في الأصل في الدعوى على مقتضي الأوراق، فهي غير ملزمة بإجراء تحقيق إلا ما ترى هي لزوماً لإجرائه أو استكمال ما كان يجب على محكمة أول درجة إجراؤه . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني الصفحة : 115 )
إجراءات الدعوى أمام المحكمة الإستئنافية :
يلاحظ من نص المادة محل التعليق أن إجراءات نظر الدعوى أمام المحكمة الإستئنافية تبدأ بتلاوة تقرير الترخيص والذي يعده أحد أعضاء الدائرة التي تنظر الإستئناف يليه سماع أقوال الخصوم .
تقرير التلخيص :
يضع أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم في الإستئناف تقريراً موقعاً عليه منه، ويجب أن يشتمل هذا التقرير ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الأولية والفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت والهدف من ذلك أن يلم القضاة بموضوع الدعوى المعروضة عليهم وبما تم فيها من تحقيقات وما أتخذ من إجراءات ليسهل عليهم فهم ما يدلي به الخصوم من أقوال، ووضع التقرير قبل نظر الدعوى إجراء جوهري يترتب على مخالفته بطلان الإجراءات والحكم، فلا يغني عنه الإكتفاء بقراءة صيغة التهمة ونص الحكم الإبتدائي المثبتين بظاهر غلاف أوراق الدعوى .
ولا يشترط شكل خاص في كتابة التقرير، فيجوز أن يكون محرراً على ورقة مستقلة، كما يجوز أن يحرر على الغلاف الخارجي لملف الدعوى، ولا يشترط أن يكون محرراً بخط القاضي الذي قام بوضع التقرير، بل يجوز له إذا وجد بعد مراجعة القضية تقريراً كافياً عنها وقد وضعه زميل له فلا حرج عليه في أن يتخذه لنفسه ويوقع عليه ويتلوه في الجلسة، والمشرع وإن إستلزم توقيع القاضي المقرر على التقرير إلا أنه لم يرتب البطلان على خلو التقرير من التوقيع .
وقد حددت المادة محل التعليق البيانات التي يجب أن يتضمنها التلخيص وهي ملخص وقائع الدعوى، وظروفها، وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت، والإجراءات التي تمت وللقاضي المنوط به مهمة إعداد التقرير سلطة تقدير الوقائع التي يوردها بالتقرير ويرى أنها تفيد في نظر الدعوى، ومؤدي ذلك أن إغفال الإشارة إلى بعض الوقائع بالتقرير لا يبطله، ما لم يثبت أن هذه الوقائع جوهرية من شأن إغفالها أن يعجز التقرير عن تحقيق الغرض الذي أعد من أجله، وإذا رأى أحد الخصوم أن التقرير قد أغفل شيئاً يهمه فعليه أن يوضحه للمحكمة في دفاعه .
وقد إستلزم المشرع تلاوة تقرير التلخيص في الجلسة حتى يكون أعضاء المحكمة على بينة بموضوع الدعوى ووقائعها وتعتبر تلاوة التقرير إجراء جوهري لتعلقه بالنظام العام ويترتب على إغفاله بطلان الحكم ولذلك فإذا قررت المحكمة بعد تلاوة التقرير فتح باب المرافعة في الدعوى لأي سبب من الأسباب، وفي الجلسة التي حددت لنظرها تغيرت الهيئة فإن تلاوة التقرير من جديد تكون واجبة وإلا بطلت إجراءاتها ولم يوجب المشرع أن يقوم بتلاوة التقرير القاضي الذي لخصه، فيجوز أن ينوب عنه في ذلك أي عضو من أعضاء المحكمة، ولذلك فإنه لا يعيب الحكم خلوه من الإشارة إلى إسم من قام بتلاوة التقرير، ما دام الثابت أنه تلى فعلاً، ويكفي أن يثبت في الحكم أن تقريراً بتلخيص القضية قد يلي في الجلسة ولو لم يكن في محضر الجلسة ما يدل عليه، وذلك وفقاً للقاعدة العامة التي تقضي بأن الحكم ومحضر الجلسة يكمل كل منهما الآخر فيما يتعلق بديباجة الحكم، ولا يجوز إثبات عكس ما ورد في الحكم إلا عن طريق الطعن بالتزوير .
سماع الخصوم :
يلي تلاوة التقرير سماع المحكمة لأقوال الخصم المستأنف والأوجه التي يؤسس عليها إستئنافه، ويتكلم بعد ذلك باقي الخصوم، ويكون المتهم آخر من يتكلم .
ومؤدي ذلك أن ترتيب سماع الخصوم يبدأ بالمستأنف، وفي حالة تعدد المستأنفون، فيكون ترتيب سماعهم كالأتي: النيابة العامة، فالمدعي بالحقوق المدنية، فالمسئول عنها، فالمتهم.
يوجب مراعاة قاعدة أن المتهم هو آخر من يتكلم في جميع الأحوال حتى ولو كان هو الخصم المستأنف الوحيد والذي سمعت أقواله في بداية المرافعة، فيجب بعد سماع الخصوم الآخرين سماع المتهم مرة ثانية .
ولا يترتب أي بطلان على مخالفة قواعد ترتيب سماع الخصوم، لأنها من قبيل الإرشاد والتنظيم، ما لم تنطوي مخالفتها على إخلال بحقوق الدفاع كأن تمنع المحكمة المتهم من إبداء أقواله بعد سماع الخصوم الآخرين . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الرابع ، الصفحة : 52 )
يقوم أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم في الإستئناف بوضع تقرير موقعاً عليه منه يشتمل على ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت وهذا التقرير يهدف إلى إلمام هيئة المحكمة بمجمل الوقائع قبل سماع المرافعة ولذلك فإن إجراءات نظر الدعوى تبدأ بتلاوة تقرير التلخيص الذي وضعه أحد أعضاء الدائرة وبعد ذلك تسمع مرافعة الخصوم .
ولم يشترط المشرع شكلاً خاصاً بالتقرير فيجوز أن يكون محرراً على ورقة مستقلة كما يجوز تحريره على ملف القضية الخارجي كذلك لا يشترط أن يكون من تلى التقرير من أعضاء هيئة المحكمة هو الذي قام بتحريره ولذلك ليس هناك ما يمنع من تلاوة تقرير تلخيص سبق تحريره من أعضاء المحكمة السابقين، كل ذلك بشرط أن يكون الاعتماد على التقرير السابق قد جاء بعد دراسة أوراق القضية فإذا ما وجد العضو بعد الدراسة أن التقرير السابق كاف البيان مجمل واقعة الدعوي فلا يؤثر على ذلك صحة الإجراء .
وعلى ذلك فإنه لا يؤثر في صحة التقرير خلوه من توقيع واضعه مادام أنه تلى في الجلسة ويكفي أن يثبت في الحكم أن تقريراً بتلخيص الدعوى قد تلى في الجلسة ولو لم يكن في محضر الجلسة ما يدل عليه تطبيقاً لمبدأ أن الحكم ومحضر الجلسة يكمل كل منهما الآخر فيما يتعلق بإثبات ما تم من إجراءات ومتى أثبت بمحضر الجلسة أو الحكم أن تقرير التلخيص قد قام بتلاوته أحد أعضاء الهيئة التي نظرت الدعوى فلا يقبل إثبات عكس ذلك إلا باتباع إجراءات الطعن بالتزوير .
وإذا اقتصر تقرير التلخيص على تحديد ما يتصل بشكل الإستئناف فإنه يجب تلاوة جديدة بشأن موضوع الإستئناف إذا ما قررت المحكمة نظر الموضوع .
وتقرير التلخيص هو مجرد بيان يبيح لأعضاء المحكمة الإلمام بمجمل وقائع الدعوى وما تم فيها من إجراءات فلا يشترط أن يتضمن كافة التفاصيل الدقيقة للوقائع أو الإجراءات وإذ اشتكى الخصم من إغفال التقرير لبعض التفاصيل التي يهمه إيضاحها فعليه أن ينبه المحكمة إلى ذلك وليس له أن يرفع شكواه من ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض على أنه يشترط في هذا التقرير أن يكون موضوعة بالكتابة وعدم إثباته كتابة يدمغه بالانعدام مما يعتبر إخلالاً بإجراء جوهري يعيب الحكم ويبطله .
الدكتور أحمد فتحي سرور المرجع السابق ص 965
ويلاحظ أن ترتيب سماع الخصوم هو من قواعد الإرشاد والتنظيم ومن ثم فلا يترتب على مخالفته البطلان إلا إذا وصلت المخالفة إلى مرحلة الإخلال بحق الدفاع . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 658 )
القاعدة التي تحكم الإجراءات أمام المحكمة الاستئنافية هي أنها غير ملزمة بإجراء تحقيق نهائي بالجلسة إلا حيث يكون هناك نقص في تحقيقات محكمة أول درجة، فهى تحكم بعد تلاوة تقرير التلخيص وسماع الخصوم في الدعوى م 411، ولذلك إذا رأت المحكمة الاستئنافية أن الدعوى صالحة الحكم فيها بناء على تحقيقات محكمة أول درجة أصدرت حكمها أما إذا رأت هنالك نقصاً فتستوفيه . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 972 )
نظر الاستئناف :
أولاً : تقرير التلخيص وتلاوته :
يقوم أحد أعضاء الدائرة المنوط بها الحكم في الاستئناف بوضع تقرير موقعاً عليه منه يشتمل على ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت وهذا التقرير يهدف إلى إلمام هيئة المحكمة بمجمل الوقائع قبل سماع المرافعة، ولذلك فإن إجراءات نظر الدعوى تبدأ بتلاوة تقرير التلخيص الذي وضعه أحد أعضاء الدائرة وبعد ذلك تسمع مرافعة الخصوم .
ولم يشترط المشرع شكلاً خاصاً بالتقرير، فيجوز أن يكون محرراً على ورقة مستقلة كما يجوز تحريره على ملف القضية الخارجي، كذلك لا يشترط أن يكون من تلى التقرير من أعضاء هيئة المحكمة هو الذي قام بتحريره، ولذلك ليس هناك ما يمنع من تلاوة تقرير تلخيص سبق تحريره من أعضاء المحكمة السابقين، ولذلك قضى بأنه لا يقدح في صحة إجراء تلاوة التقرير من رئيس المحكمة أن يكون التقرير من عمل هيئة سابقة غير التى أصدرت الحكم كل ذلك بشرط أن يكون الإعتماد على التقرير السابق قد جاء بعد دراسة أوراق القضية، فإذا ما وجد العضو بعد هذه الدراسة أن التقرير كاف لبيان مجمل واقعة الدعوى فلا يؤثر على ذلك صحة الإجراء .
نقض 3 يونيو 1968 ، مجموعة أحكام النقض س 19 ، رقم 130.
ويجب أن يشتمل التقرير على مجمل الوقائع وظروفها وجميع ما تم فيها من إجراءات، غير أن القاضي الذي يقوم بالتلخيص له مطلق التقدير في أن يورد بالتقرير الوقائع التي يرى أنها تفيد في نظر الدعوى، ولذلك فإن إغفال ذكر بعض الوقائع بالتقرير لا يبطله ، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بوقائع جوهرية من شأن إغفالها أن يعجز التقرير عن تحقيق الهدف الذي من أجله شرع ويتحدد موضوع التقرير بموضوع نظر الدعوى أمام المحكمة الاستئنافية، فإذا كان الاستئناف مرفوعاً عن حكم غیر فاصل في الموضوع كالحكم بعدم القبول أو عدم الإختصاص فيكفي أن يرد بالتقرير ما يتعلق بهذا الحكم من وقائع وإجراءات يمكن للمحكمة الاستئنافية أن تبني عليها نظرها وحكمها في موضوع الاستئناف وكذلك فإنه يتعين وضع تقرير تلخيص جديد إذا ما قررت المحكمة نظر الموضوع والحكم فيه، وذلك إذا كان التقرير الذي تلى قد اقتصر على بيان ما يتعلق بشكل الاستئناف، أما إذا حكمت بعدم قبول الاستئناف فلا يؤثر على صحة التقرير اقتصاره على ما يتلق بالشكل دون أن يلخص موضوع الدعوى .
ويجب أن يوقع على التقرير القاضي الذي قام بإعداده، غير أن عدم التوقيع لا يعتبر إجراءً جوهرياً يترتب عليه البطلان .
ويتعين إثبات تلاوة التقرير بمحضر الجلسة، غير أن إغفال ذكر الإجراء بمحضر الجلسة لا يفيد عدم وقوعه طالما أنه ثابت بالحكم تلاوة التقرير، ولا يقبل إثبات العكس إلا بطريق الطعن بالتزوير .
ويلاحظ أن المحكمة الاستئنافية غير ملزمة بإجراء تلاوة تقرير التلخيص بالنسبة للمسائل التي جدت بعد نظر الاستئناف . غير أنه إذا تغيرت الهيئة أو أحد أعضائها فيجب تلاوة التقرير على الهيئة الجديدة، وبطبيعة الحال لا يلزم تقرير التلخيص في حالة نظر المحكمة الاستئنافية لجريمة من جرائم الجلسات التي وقعت أثناء إنعقاد المحكمة .
ويترتب على إغفال التقرير كلياً أو عدم تلاوته البطلان، بإعتبار أن إعداد التقرير وتلاوته هو من الإجراءات الجوهرية المتعلقة بالنظام العام لتعلقها بكفاءة وقدرة المحكمة على الفصل في موضوع الدعوى الاستئنافية .
ثانياً : سماع الخصوم :
بعد تلاوة التقرير تسمع المحكمة أقوال الخصم المستأنف والأوجه التي يستند إليها في استئنافه ويتكلم بعد ذلك باقي الخصوم، ويكون المتهم آخر من يتكلم .
ومعنى ذلك أن ترتيب سماع الخصوم يبدأ بالمستأنف منهم، سواء أكان المتهم أم النيابة العامة أم المدعي المدني أم المسئول عن الحقوق المدنية .
فإذا تعدد الخصوم المستأنفون فيكون ترتيب سماعهم كالأتي : النيابة العامة ثم المدعي المدني ثم المسئول عن الحقوق المدنية ثم المتهم .
ويلاحظ أنه يجب مراعاة قاعدة أن المتهم هو آخر من يتكلم في جميع الأحوال حتى ولو كان هو الخصم المستأنف الوحيد والذي سمعت أقواله في بدء المرافعة، فيجب بعد سماع الخصوم الآخرين سماع المتهم مرة ثانية.
ويلاحظ أن هذا الترتيب هو من قواعد الإرشاد والتنظيم التي لا يترتب عليها بطلان إلا إذا كانت مخالفتها فيها إخلال بحقوق الدفاع ولذلك يكون هناك بطلان إذا منعت المحكمة المتهم من إبداء أقواله بعد سماع الخصوم الآخرين، غير أنه بطلان يتعلق بمصلحة الخصوم ومن ثم يصحح إذا كان مع المتهم محام وحصل الإجراء في حضوره ولم يعترض إذا كانت الواقعة جنحة أو حصلت في حضور المتهم وبدون اعتراضه إذا كانت الواقعة مخالفة .
سلطة المحكمة في سماع الشهود والتحقيق في الجلسة :
القاعدة العامة هي أن المحكمة الاستئنافية بعد سماعها الخصوم تصدر حكمها بعد إطلاعها على الأوراق (411)، فهي غير ملزمة بسماع الشهود وإجراء التحقيق بالجلسة . ومع ذلك فهناك حالات تكون المحكمة ملزمة فيها بذلك، وذلك على التفصيل الأتي :
حالات التزام المحكمة بسماع الشهود واستيفاء التحقيق :
تلتزم المحكمة الاستئنافية بسماع الشهود الذين كان يجب سماعهم في أول درجة. فإذا كانت محكمة أول درجة قد أصدرت حكمها دون سماع الشهود رغم تمسك الدفاع بسماعهم فتلتزم المحكمة الاستئنافية بتصحيح ما وقع فيه حكم أول درجة وتسمع هؤلاء الشهود، وكذلك الحال إذا كانت محكمة أول درجة قد استمعت إلى بعض الشهود دون البعض الأخر رغم التمسك بسماعهم. فتلتزم المحكمة الاستئنافية بسماع من لم تسمعه محكمة أول درجة، يستوي في ذلك أن يكون الشهود الذين لم يسمعوا أمام أول درجة هم شهود إثبات أو نفي، وإذا كان المتهم قد طلب سماع شهود نفى أمام محكمة أول درجة ولم تجبه المحكمة إلى ذلك وقضت ببراءته لعدم اطمئنانها إلى شهود الإثبات، فإن المحكمة الاستئنافية تلتزم بسماعهم إذا رأت إلغاء حكم أول درجة وإدانة المتهم وإلا كان حكمها باطلاً لإخلالها بحقوق الدفاع .
ولا يكفي أن تكون محكمة أول درجة قد صرحت للمتهم بإعلان شهود النفي إلا أنهم لم يحضروا أمامها لسماعهم ، فيجب على المحكمة الاستئنافية أن تسمع هؤلاء طالما ثبت أن المتهم قام من جانبه بكل ما يستطيع لإعلانهم إلا أنهم تهربوا من إستلام الإعلان وبالتالي لم تتمكن محكمة أول درجة من سماعهم . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 1666 )
يجب أن يضع أحد أعضاء المحكمة تقريراً موقعاً عليه منه يلخص وقائع الدعوى وسائر عناصرها، كما يجب أن يتلى هذا التقرير كأول إجراء من إجراءات نظر الدعوى، ومن ثم فإن إغفال وضع أو تلاوة التقرير يترتب عليه بطلان الإجراءات والحكم ولا يغني عنه أن يقرأ أحد الأعضاء صيغة التهمة ونص الحكم الابتدائي ويتعين أن يكون مكتوباً، ومن ثم لا يكفي تقرير شفوي، وقد يكتب على غلاف الدعوى وإذا وجد بعد مراجعة القضية تقريراً وضعه من قبل زميل - إليه أو أعدته هيئة سابقة، فلا حرج عليه أن يتخذه لنفسه ويوقع عليه وقد حدد الشارع البيانات التي يتعين أن يتضمنها التقرير، فهی ملخص وقائع الدعوى وظروفها وأدلة الثبوت والنفي وجميع المسائل الفرعية التي رفعت والإجراءات التي تمت " ، والأصل أن يتضمن التقرير هذه البيانات، إذ يحول نقصه بينه وبين تحقيق غرضه، ولكن إذا ثبت أن هذا النقص لم يحل بينه وبين تحقيق غرضه فلا يترتب على ذلك بطلان، كما لو ثبت أن ما أغفله ليست له أهمية في الدعوى، وأنه لا يحول دون إعطاء صورة كافية عنها، وإذا كان أحد الخصوم يرى أهمية لما أغفله التقرير فعليه أن يوضحه للمحكمة في دفاعه .
ويجب أن يتلى التقرير ، وهذه التلاوة إجراء جوهري ، ومن ثم تبطل إجراءات المحاكمة ، ويبطل الحكم الاستئنافي ، إذا لم يتل التقرير. ويتعين أن يتلى هذا التقرير علناً بإعتباره أحد إجراءات الدعوى ، فيجب أن يحصل في علانية ، وذلك ما لم تكن الجلسة سرية .
وإذا تلى التقرير ثم تغيرت هيئة المحكمة وجب أن يتلي مرة ثانية ، كي يتحقق الإلمام بعناصر الدعوى لجميع القضاة في التشكيل الجديد للمحكمة . ولم يتطلب القانون أن يتلو التقرير القاضي الذي لخصه، فلا بطلان إذا تلاه زميل له، وإذا ذكر في الحكم أن التقرير قد تلى طبقاً للقانون، فلا يجوز إثبات عكس ذلك إلا بالطعن بالتزوير ولا عبرة بخلو محضر الجلسة من إثبات التلاوة، فالحكم يكمل المحضر فيما نقص من بياناته .
وبالتالي فالمحامي ليس أمامه إلا أن ينظر إلى التقرير على الملف وملاحظة ما إذا كان قد تم وضعه أم لا، فإذا كان لم يتم وضعه يبطل الحكم ، أما إذا كان قد تم وضعه فعلاً ، فإنه ينظر بعد ذلك إلى التوقيع عليه ، فإذا لم يوقع يكون الحكم باطلاً ، ولكن تم توقيعه ينظر إلى التلاوة بحيث إذا تمت تلاوته يكون الحكم صحيحاً ، أما إذا لم تثبت التلاوة فيكون الحكم باطلاً، مع مراعاة قاعدة أن محضر الجلسة يكمل الحكم بصدد هذا البيان ، وأن تغيير الهيئة يوجب إعادة تلاوة التقرير ، وأن إعداده من هيئة سابقة لا يبطله طالما تم التوقيع عليه من الهيئة الجديدة .(الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الرابع، الصفحة : 58 )
إذا كانت الدعوى منظورة أمام المحكمة الاستئنافية ، وكانت محكمة أول درجة قد سمعت الشهود أو كان المتهم أو المدافع قد تنازل عن سماعهم أمامها صراحة أو ضمناً ، لأن الأصل أن محكمة ثاني درجة لا تلتزم بسماع شهود إلا الذين كان يجب سماعهم أمام محكمة الدرجة الأولى وأنها تصدر حكمها بعد إطلاعها على الأوراق (م 411 و 413 إجراءات)، ما لم يكن سبب طلب سماع الشاهد أمام المحكمة الاستئنافية قد قام بعد إنتهاء محاكمة المتهم أمام محكمة أول درجة فيحق له أو للمدافع عنه التمسك به لأول مرة أمام محكمة ثاني درجة كما سبق أن أشرنا . فإذا رفضت المحكمة تحقيق مبدأ شفوية المرافعة، ولم تجب طلب المتهم أو المدافع عنه سماع الشهود الذين يجب سماعهم أمامها، أو لم تمكنه هو أو المدافع عنه من مناقشة تقارير الخبراء ومحاضر المعاينة والإدلاء بملاحظاته عليها، فإنها تكون قد أخلت بحقه في الدفاع . ( الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزءالثالث، الصفحة : 15 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 152
نَقْضُ الْقَضَاءِ :
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِنَقْضِ الْقَضَاءِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا خَالَفَ فِي حُكْمِهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا كَانَ قَضَاؤُهُ فَاقِدًا لِشَرْطٍ وَوَجَبَ نَقْضُهُ، إِذْ أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالاِجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ رضي الله عنه : «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو» وَلأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، إِذْ لاَ مَسَاغَ لِلاِجْتِهَادِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَزَادَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ زِيَادَاتٍ أُخْرَى كَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي حُكْمِ مَا يُنْقَضُ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ شَيْئًا لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَإِلَى أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمٌ أَصْلاً، غَيْرَ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ سُنَّةٍ آحَادٍ أَوْ خَالَفَ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بِخِلاَفِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ.
مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَ النَّقْضَ فِي نِطَاقِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ لِلنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَمَنَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْقَاضِي لاَ تَخْلُو عَنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
قِسْمٌ يُنْقَضُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ يُمْضَى بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِوَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الْقِسْمُ الأَْوَّلُ: مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ إِذَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِْجْمَاعَ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ: مَا يَشِذُّ مَدْرَكُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، أَوْ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَقَيَّدَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوِ الْقِيَاسَ أَوِ النَّصَّ - فَالْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَلاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيَجِبُ نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلأَْخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلاَفُ الإِْجْمَاعِ، لأََنَّ الأُْمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الأَْخَ، وَأَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأُْمَّةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّحْقِيقِ - نُقِضَ بِهِ حُكْمُهُ وَحُكْمُ غَيْرِهِ؛لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادٍ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمْلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَكَانَ لاَ يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَوَرَّثَهَا عُمَرُ».
وَقَضَى فِي الأَْصَابِعِ بِقَضَاءٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِلِ»وَنَقَضَ عَلِيٌّ رضي الله عنه قَضَاءَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لأُِمٍّ - بِأَنَّ الْمَالَ لِلأَْخِمُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ هَذِهِ الآْيَةِ. فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَتْ إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَصْلُ الإِْجْمَاعِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ ظَنًّا مُحْكَمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَيَلْزَمُهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ، فَلْيَحْكُمْ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِ الْحَادِثَةِ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا، وَلاَ يَنْقُضُ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً، بَلْ يُمْضِيهِ، ثُمَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتَتَبَّعُ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، وَلَهُ تَتَبُّعُ قَضَاءِ نَفْسِهِ لِيَنْقُضَهُ.
وَقَالَ: مَا يَنْقُضُ مِنَ الأَْحْكَامِ لَوْ كُتِبَ بِهِ إِلَيْهِ لاَ يَخْفَى أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ. وَأَمَّا مَا لاَ يَنْقُضُ وَيَرَى غَيْرَهُ أَصْوَبَ مِنْهُ فَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَطَأً، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لاَ أُحِبُّ تَنْفِيذَهُ. وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِتَجْوِيزِ تَنْفِيذِهِ.
وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ (الشَّافِعِيُّ) بِنَقْلِ الْخِلاَفِ فَقَالَ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ قَبْلَهُ فَلَمْ يَرَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي النَّقْضَ، لَكِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْرِضُ عَنْهُ، وَأَصَحُّهُمَا: يُنْفِذُهُ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ تَغَيُّرًا لاَ يَقْتَضِي النَّقْضَ، وَتَرَافَعَ الْخُصُومُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمْضِي حُكْمَهُ الأَْوَّلَ وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ.
وَيَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ مُخَالَفَةُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) فَإِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَزَوُّجِ امْرَأَةِ الأَْبِ وَجَارِيَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا الأَْبُ، فَلَوْ حَكَمَ قَاضٍ بِجَوَازِ ذَلِكَ نَقَضَهُ مَنْ رُفِعَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لِلزَّوْجِ الأَْوَّلِ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ بِدُونِ إِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْ جُلُّ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ، وَمُخَالَفَةُ
الْبَعْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ خِلاَفٌ لاَ اخْتِلاَفٌ، وَقَالُوا: يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ حُكْمًا لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ كُلُّ حُكْمٍ وَافَقَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، فَإِذَا أَصَابَ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ كَمَا إِذَا حَكَمَ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ نَافِذًا، لاَ يُتَعَقَّبُ بِفَسْخٍ وَلاَ نَقْضٍ، لأَِنَّ هَذَا الْقَضَاءَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ فَنَفَذَ، وَلَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَجُوزُ إِبْطَالُهُ، وَالأَْصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم كَانَ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ مَا قَضَى، فَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ»وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه «أَنَّهُ حَكَمَ بِحِرْمَانِ الإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ مِنَ التَّرِكَةِ فِي الْمُشْرِكَةِ، ثُمَّ شَرَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُضْ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي»، وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يَرُدَّ الأُْولَى، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلاً، لأَِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّالِثُ يُخَالِفُ الثَّانِيَ، فَلاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لَوْ قَضَى عَلَى خِلاَفِ قِيَاسٍ خَفِيٍّ - وَهُوَ مَا لاَ يُزِيلُ احْتِمَالَ الْمُفَارَقَةِ وَلاَ يَبْعُدُ كَقِيَاسِ الأُْرْزِ عَلَى الْبُرِّ فِي بَابِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الطَّعَامِ - فَلاَ يَنْقُضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفَ لَهُ، لأَِنَّ الظُّنُونَ الْمُتَعَادِلَةَ لَوْ نَقَضَ بَعْضُهَا بَعْضًا لَمَا اسْتَمَرَّ حُكْمٌ وَلَشَقَّ الأَْمْرُ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنِ اجْتَهَدَ مِنَ الْحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ خَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَمْ يَرُدَّهُ، وَحَكَمَ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ بِالَّذِي هُوَ أَصْوَبُ.
وَيُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ.
فَالْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِينِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَانَ الْقَاضِي يَرَى سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا، فَإِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لاَ يَرَى ذَلِكَ يُمْضِيهِ وَلاَ يَنْقُضْهُ. وَكَذَا لَوْ قَضَى لاِمْرَأَةٍ بِشَهَادَةِ زَوْجِهَا وَآخَرَ أَجْنَبِيٍّ، فَرُفِعَ لِمَنْ لاَ يُجِيزُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ أَمْضَاهُ، لأَِنَّ الأَْوَّلَ قَضَى بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، لأَِنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ، وَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلاَءِ هَلْ تَصِيرُ حُجَّةً لِلْحُكْمِ أَوْ لاَ؟
فَالْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ لاَ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ.
وَفَصَّلُوا مَسْأَلَةَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، فَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يَنْقُضْهُ الثَّانِي بَلْ يُنْفِذُهُ لِكَوْنِهِ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، لِمَا عُلِمَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِأَيِّ الأَْقْوَالِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَوْ نَقَضَهُ إِنَّمَا يَنْقُضُهُ بِقَوْلِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا صَحَّ بِالاِتِّفَاقِ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مَعَ الثَّانِي دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ بَلِ اجْتِهَادِيٌّ، وَصِحَّةُ قَضَاءِ الْقَاضِي الأَْوَّلِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَهُوَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِأَيِّ وَجْهٍ اتَّضَحَ لَهُ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا مَضَى بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُوجِبُ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْقَضَاءِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الاِجْتِهَادِ وَأَنْ لاَ يَجُوزَ نَقْضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ بِرَفْعِهِ إِلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الأَْوَّلِ فَيَنْقُضُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ الْمُدَّعِي إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَنْقُضُ نَقْضَهُ، وَيَقْضِي كَمَا قَضَى الأَْوَّلُ، فَيُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ تَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ وَالْمُنَازَعَةُ أَبَدًا، وَالْمُنَازَعَةُ فَسَادٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْفَسَادِ فَسَادٌ.
فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي رَدَّ الْحُكْمَ، فَرَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ - نُفِّذَ قَضَاءُ الأَْوَّلِ وَأُبْطِلَ قَضَاءُ الْقَاضِي الثَّانِي، لأَِنَّهُ لاَ مَزِيَّةَ لأَِحَدِ الاِجْتِهَادَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَْوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلاَ يُنْتَقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ كَانَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ بِالإِْجْمَاعِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ مِنَ
الثَّانِي مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ، فَيَكُونُ بَاطِلاً، وَلأَِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الاِجْتِهَادُ بِالاِجْتِهَادِ، وَالدَّعْوَى مَتَى فَصَلَتْ مَرَّةً بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لاَ تُنْتَقَضُ وَلاَ تُعَادُ، فَيَكُونُ قَضَاءُ الأَْوَّلِ صَحِيحًا، وَقَضَاءُ الثَّانِيَ بِالرَّدِّ بَاطِلاًوَشَرْطُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَدَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَإِنْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ كَانَ فَتْوَى لاَ حُكْمًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ نَفْسُهُ مُجْتَهَدًا فِيهِ، أَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّازِلَةِ مَوْضُوعِ الدَّعْوَى يَرْفَعُ الْخِلاَفَ، فَلاَ يَجُوزُ لِمُخَالِفٍ فِيهَا نَقْضُهَا، فَإِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ صِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ يَرَى ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لِقَاضٍ غَيْرِهِ وَلاَ لَهُ نَقْضُهُ، وَهَذَا فِي الْخِلاَفِ الْمُعْتَبَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ فَلاَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ، بَلْ يُمْضِيهِ وَيَحْكُمُ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي نَقْضِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ :
الأَْحْكَامُ الَّتِي يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بَيْنَ الْقَوْلِ بِنَقْضِهَا وَالْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهَا، وَأَهَمُّهَا:
أ- الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ: هُوَ مَا يَقَعُ الْخِلاَفُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الْحُكْمِ، فَقِيلَ: يَنْفُذُ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ عَلَى إِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَفَيَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَ الأَْوَّلِ إِذَا مَالَ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلاَفِ اجْتِهَادِ الأَْوَّلِ، لأَِنَّ قَضَاءَهُ لَمْ يُجَزْ بِقَوْلِ الْكُلِّ، بَلْ بِقَوْلِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَلَمْ يَكُنْ جَوَازُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَكَانَ مُحْتَمِلاً لِلنَّقْضِ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي بَطَلَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ كَمَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ لاِمْرَأَتِهِ، لأََنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا أَمْضَاهُ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ نَقْضُهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي مَحَلٍّ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ؛ لأَِنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَنْفُذُ لِوُقُوعِ الاِتِّفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَخَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ لاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - أَمَّا مُحَمَّدٌ فَيَرَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ، فَكَانَ هَذَا الْفَصْلُ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلاَ يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الاِجْتِهَادِ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لاَ يَنْفُذُ، بَلْ يَنْقُضُهُ لأَِنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلاً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ - فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ - فَحَكَمَ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ أَنَّ الصَّوَابَ خِلاَفُهُ فَلاَ يَنْقُضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ نَقْضُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلاَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلاَ يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالُوا: يُفْسَخُ الْحُكْمُ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاضِي حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَوَافَقَ قَوْلاً شَاذًّا نَقَضَ حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاذًّا لَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ لاَ يَرَى الْبَتَّةَ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً، فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَسْتُ أَرَاهُ، لاَ يَرْجِعُ الْقَاضِي عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ وَلاَ إِلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الأَْوْلَى خَطَأً بَيِّنًا صُرَاحًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْمُسْتَنِدِ إِلَى اجْتِهَادِهِ الْمُخَالِفِ خَبَرَ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي لاَ يَحْتَمِلُ إِلاَّ تَأْوِيلاً بَعِيدًا يَنْبُو الْفَهْمُ عَنْ قَبُولِهِ - يُنْقَضُ، وَقِيلَ: لاَ يُنْقَضُ، مِثَالُهُ الْقَضَاءُ بِنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ - عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ - وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِلاَ وَلِيٍّ. وَقِيلَ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِوَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، ثُمَّ بَانَ لَهُ فَسَادُ اجْتِهَادِهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلاَّ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ دُونَ الأَْوَّلِ، وَلَوْ بَانَ لَهُ فَسَادُ الاِجْتِهَادِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِهِ حَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ إِنْ بَانَ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ خَطَأُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اجْتِهَادِهِ قَبْلَ صَلاَتِهِ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، وَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَصَلَّى، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلاَةَ الثَّانِيَةَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا رَفَعَ إِلَى قَاضٍ حَكَمَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لاَ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنَفِّذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ فِي الأَْصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ صَحِيحًا، لأَِنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلاَفُ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِوَقِيلَ: يَحْرُمُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي لاَ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ قَبْلَهُ.
ب- عَدَمُ عِلْمِ الْقَاضِي بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ :
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ، أَيْ: أُلْزِمَ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، لَوْ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَالِمًا بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ، وَلاَ يُمْضِيهِ الثَّانِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ فِي الْخُلاَصَةِ: وَيُفْتَى بِخِلاَفِهِ - وَكَأَنَّهُ - تَيْسِيرًا.
وَأَضَافَ ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا قَضَى الْمُجْتَهِدُ فِي حَادِثَةٍ، لَهُ فِيهَا رَأْيٌ مُقَرَّرٌ قَبْلَ قَضَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ قَضَاءَهُ هَذَا عَلَى خِلاَفِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَحِينَئِذٍ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ رَأْيَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ قَضَائِهِ أَنَّ فِيهَا خِلاَفًا، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ بِأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي بِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلاَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ، لأَِنَّ
عِلْمَهُ بِالْخِلاَفِ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلاَ بُطْلاَنِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ.
ج- الْخَطَأُ فِي الْحُكْمِ :
يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَصَدَ الْحُكْمَ بِشَيْءٍ فَأَخْطَأَ عَمَّا قَصَدَهُ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوِ اشْتِغَالِ بَالٍ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَيَنْقُضُهُ الَّذِي أَصْدَرَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلاَ اجْتِهَادٍ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ، وَوَجْهُ النَّفَاذِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِيَقِينٍ لأَِنَّ رَأْيَهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ الصَّوَابَ، وَرَأْيُ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ خَطَأً، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَطَأً بِيَقِينٍ، فَكَانَ حَاصِلُهُ قَضَاءً فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، وَوَجْهُ عَدَمِ النَّفَاذِ أَنَّ قَضَاءَهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ عَبَثٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ. وَبِهَذَا أَخَذَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الأَْوْزَجَنْدِيُّ، وَبِالأَْوَّلِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ لأَِنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ.
د- إِذَا خَالَفَ مَا يَعْتَقِدُهُ أَوْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ :
إِذَا خَالَفَ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ مَذْهَبَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ، وَبِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُقَلِّدًا وَقَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ هُوَ حُكْمَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ، وَأَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْقَاضِي مُتَّبِعًا لإِِمَامٍ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ أَوْ قَلَّدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أَوْ أَتْقَى مِنْهُ فَحَسَنٌ، وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ خِلاَفَ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي أُمِرَ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، فَإِنْ عَمِلَ وَحَكَمَ لاَ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ الرَّأْيَ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي قَاضِيًا لِلْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْمَذْكُورِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُقَلِّدَ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ جَدَّتْ أُخْرَى مُمَاثِلَةً فَإِنَّ حُكْمَهُ لاَ يَتَعَدَّى لِلدَّعْوَى الأُْخْرَى، فَالْمُجْتَهِدُ يَجْتَهِدُ فِي النَّازِلَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالْمُقَلِّدُ يَحْكُمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً مِنْ رَاجِحِ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِضِدِّهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِفَسْخِ نِكَاحِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلاَ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَجَدَّدَ مِثْلُهَا، فَنَظَرَهَا قَاضٍ يَرَى صِحَّةَ الزَّوَاجِ بِدُونِ وَلِيٍّ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ارْتَفَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ نَقْضُهُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْقَضِيَّةِ الأُْولَى هِيَ ذَاتَ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِذَا خَالَفَ الْقَاضِي مَا يَعْتَقِدُهُ: بِأَنْ حَكَمَ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لاِعْتِقَادِهِ بُطْلاَنَهُ، فَإِنِ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَقْتَ الْحُكْمِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلاَ نَصَّ وَلاَ إِجْمَاعَ لَمْ يَنْقُضْهُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ.
هـ - صُدُورُ الْحُكْمِ مِنْ قَاضٍ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ:
إِذَا وَلِيَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لِجَهْلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، مَا أَصَابَ فِيهَا وَمَا أَخْطَأَ، أَمْ يَقْتَصِرُ النَّقْضُ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي يَشُوبُهَا الْخَطَأُ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا تُنْقَضُ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا، لأَِنَّهَا صَدَرَتْ مِمَّنْ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، لَكِنَّ صَاحِبَ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَلاَّهُ ذُو شَوْكَةٍ بِحَيْثُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ مَعَ الْجَهْلِ، أَوْ نَحْوِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مَا أَصَابَ فِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ أَمْ لاَ يَسُوغُ، لأَِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ كَعَدَمِهِ، لأَِنَّ شَرْطَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّ الأَْوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ. وَلاَ يُنْقَضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالْحَقُّ إِذَا وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَمْ يُغَيَّرْ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ مَضَى قَطْعًا وَلَمْ يُتَعَقَّبْ حُكْمُهُ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلاَّ مَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ هَذَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ زَمَنٍ وَلاَ يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِخِلاَفِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَأَعْطَى بِذَلِكَ حُجَّةً لاَ يُنَفَّذُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَلاَ يُعْمَلُ بِالْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ»أَيْ قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِخِلاَفِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَكَذَا قَاضٍ قَضَى عَلَى جَهْلٍ.
و- صُدُورُ حُكْمٍ مِنْ قَاضٍ جَائِرٍ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا الْقَاضِي إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجَوْرِ وَكَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ وَسِيرَتِهِ - عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلاً، ظَهَرَ جَوْرُهُ أَوْ خَفِيَ - هَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا جَانَبَ الصَّوَابَ وَمَا وَافَقَهُ، أَمْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْخَاطِئَةُ دُونَ غَيْرِهَا؟
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمَا - إِلَى وُجُوبِ نَقْضِ أَحْكَامِهِ كُلِّهَا، صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ حَيْفُهُ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا ظَهَرَ الصَّوَابُ وَالْعَدْلُ فِي قَضَائِهِ، وَكَانَ بَاطِنُ أَمْرِهِ فِيهِ جَوْرٌ، وَلَكِنْ عُرِفَ مِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّ حُكْمَهُ فِيهَا صَوَابٌ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ عَرَفَ الْقَضَايَا،فَإِنَّ أَحْكَامَهُ تَمْضِي وَلاَ تُنْقَضُ، لأَِنَّهَا إِذَا نُقِضَتْ وَقَدْ مَاتَتِ الْبَيِّنَةُ وَانْقَطَعَتِ الْحُجَّةُ كَانَ ذَلِكَ إِبْطَالاً لِلْحَقِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنَّ أَقْضِيَةَ الْخُلَفَاءِ وَالأُْمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ جَائِزَةٌ مَا عُدِلَ فِيهِ مِنْهَا، وَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ جَوْرٌ أَوِ اسْتُرِيبَ، مَا لَمْ يُعْرَفِ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَاضِي غَيْرِ الْعَدْلِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّلُ : تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي : عَدَمُ نَقْضِهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، مَا لَمْ يَثْبُتِ الْجَوْرُ، وَفِي التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ ضَرَرٌ لِلنَّاسِ وَوَهَنٌ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَعْدَاءٍ يَرْمُونَهُ بِالْجَوْرِ يُرِيدُونَ الاِنْتِقَامَ مِنْهُ بِنَقْضِ أَحْكَامِهِ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ تَمْكِينِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ : رَأْيُ أَصْبَغَ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عَدَلَ فِيهِ وَلَمْ يُسْتَرَبْ فِيهِ، وَيُنْقَضْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْجَوْرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُ مَنْ شَاعَ
جَوْرُهُ إِذَا أَثْبَتَ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاضِي تَعَمَّدَ الْجَوْرَ فِيمَا قَضَى وَأَقَرَّ بِهِ فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَيُعَزَّرُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ لاِرْتِكَابِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَيُعْزَلُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ جَوْرُهُ وَرِشْوَتُهُ رُدَّتْ قَضَايَاهُ وَشَهَادَتُهُ.
ز- الْحُكْمُ الْمَشُوبُ بِالْبُطْلاَنِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ أَوْ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ مَنْ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ : يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ - نَقْضَ الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ بَاطِلاً لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ، فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ شَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي : يَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ لَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَسِيرُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ تَظْهَرُ مِنْهُ تُهْمَةٌ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ هُوَ اعْتِرَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لاِبْنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهَا.
وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ إِذَا أَثْبَتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ عَدَاوَةٍ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الْقَاضِي، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ أَحَدِ وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ بِخِلاَفِ شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ.
ح- الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ فِيهَا خَلَلٌ :
إِذَا كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ بَيِّنَةً لاَ شِيَةَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ، وَإِنِ اعْتَوَرَ الْبَيِّنَةَ مَا يَعِيبُهَا، نُظِرَ: هَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ أَمْ لاَ؟ وَقَدْ فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ أَوْ صَغِيرَيْنِ :
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ إِذَا بُنِيَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَهَرَ كَوْنُهُمَا كَافِرَيْنِ، أَوْ صَغِيرَيْنِ فِيمَا عَدَا الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بَيْنَ الصِّغَارِ بِشُرُوطِهَا - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا .
فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا قَبْلَ الْحُكْمِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ لِفِسْقِهِمَا.
وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ لَكِنَّهُ إِذَا قَضَى بِمُوجِبِهِمَا لاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِلاَّ فِيمَا ذُكِرَ.
وَيَرَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ الْحُكْمِ بِفِسْقِ الشُّهُودِ إِلاَّ بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمَا، أَوْ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِوَيَرَى ابْنُ قُدَامَةَ وَأَبُو الْوَفَاءِ أَنَّهُ إِذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْقُضْهُ.
تَقْصِيرُ الْقَاضِي فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ :
إِذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَصَّرَ فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ وَأَتَى بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ بِمَا يَجْرَحُهُمْ كَالْفِسْقِ، فَفِي نَقْضِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ، وَبِالنَّقْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِعَدَمِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ.
الْجِهَةُ الَّتِي تَنْقُضُ الْحُكْمَ :
فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا نَقْضُ الْحُكْمِ: إِمَّا أَنْ يَنْقُضَهُ الْقَاضِي الَّذِي أَصْدَرَهُ أَوْ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُوَلَّى الْقَضَاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ سَلَفِهِ، أَوْ كَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَدَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ، أَصْدَرَهُ مَنْ تَلْحَقُهُ الشُّبْهَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ :
الأَْصْلُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ فَلَيْسَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نَقْضُ حُكْمِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ نَصُّوا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَهِمَ فِي قَضَائِهِ أَوْ نَسِيَ أَوْ قَضَى بِخِلاَفِ رَأْيِهِ - وَهُوَ لاَ يَذْكُرُ - وَلَكِنْ عَلَى مَا قَضَى بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً، فَيَنْقُضُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَقُولُ بِمُضِيِّ هَذَا الْفَصْلِ وَلاَ يُرْجَعُ فِيهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ لاَ يُعْرَفُ خَطَؤُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ كَمُخَالَفَتِهِ لِرَأْيِهِ السَّابِقِ فَلاَ يَنْقُضُهُ سِوَاهُ، مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، فَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
ب- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ :
لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَتَبُّعُ قَضَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ لأَِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا، لَكِنْ إِنْ وَجَدَ فِيهَا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً نَقَضَهَا، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ أَوْ يَنْقُضُ الْحُكْمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ج- نَقْضُ الأَْمِيرِ وَالْفُقَهَاءِ حُكْمَ الْقَاضِي :
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ جَمْعُ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، فَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِذَا اشْتُكِيَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الأَْمِيرِ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلاً فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ فَأَرَى أَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ الأَْمِيرُ فِي ذَلِكَ وَلاَ يَقْبَلَ شَكْوَى مَنْ شَكَاهُ وَلاَ يُجْلِسَ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ إِنْ فَعَلَهُ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ إِنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلاً بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَلِّ غَيْرَهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوا هُمْ أَيْضًا، أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَفَسَخَهُ الأَْمِيرُ أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إِلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ، فَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الأَْوَّلِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الأَْئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْقَاضِي بَعْضَ مَا لاَ يَنْبَغِي مِنَ الْقُضَاةِ وَلَكِنَّ الأَْمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَى الأَْمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِلْ مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشِيرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَلَ بَعْدُ فِي الْخُصُومَةِ فَصْلاً، فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا قَالَ: قَدْ حَكَمْتُ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ عَنِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا فَتَلْزَمُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَزَلَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الأَْمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَحَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْجَمَاعَةِ فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلاَحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْ عَلَيْهِ شَكْوَى وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلاَ يَفْعَلُ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ إِلاَّ أَنْ يُشْتَكَى مِنْهُ اسْتِبْدَادٌ بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكُ رَأْيِ مَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتِ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقْدَمَهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَزَلَهُ.
قَالَ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ وَكَتَبَ إِلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ كَتَبَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالأُْمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمُ بِأَفْضَلِ مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالَّذِي يَرَاهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لاَزِمًا لِمَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلاَفِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ الآْنَ عَلَى مِثْلِ مَا اشْتُكِيَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إِلَى الأَْمِيرِ فَيَكُونُ هُوَ الآْمِرَ بِالَّذِي يَرَاهُ وَالْحَاكِمَ فِيهِ دُونَهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالَ فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ وَرَدَ بِنَصِّهِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ.
طَلَبُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ نَقْضَ الْحُكْمِ :
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ النَّقْضَ إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - كَالطَّلاَقِ- نَقَضَهُ الْقَاضِي بِدُونِ طَلَبٍ، هَذَا فِيمَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَمَا لاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ الضَّمَانُ.
وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُهُ إِلاَّ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ حَتَّى وَإِنْ عَلِمَا بِذَلِكَ، لأَِنَّهُمَا قَدْ يَتَوَهَّمَانِ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَْصْحَابِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلاَفًا لاِبْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي قَالَ: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْهِ نَقَضَ الْحُكْمَ.
صِيغَةُ النَّقْضِ :
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ صِيغَةَ النَّقْضِ هِيَ: نَقَضْتُهُ، أَوْ فَسَخْتُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهُ، وَلَوْ قَالَ: بَاطِلٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَقْضًا؛ إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ.
تَسْبِيبُ حُكْمِ النَّقْضِ :
إِذَا نَقَضَ الْقَاضِي الْحُكْمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي نَقَضَ الْحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُنْسَبَ لِلْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالنَّقْضِ الْجَوْرُ وَالْهَوَى بِنَقْضِهِ الأَْحْكَامَ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الْقُضَاةُ.
تَسْجِيلُ حُكْمِ النَّقْضِ :
يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَجِّلَ النَّقْضَ كَمَا يُسَجِّلُ الْحُكْمَ؛ لِيَكُونَ تَسْجِيلُ الثَّانِي مُبْطِلاً لِلأَْوَّلِ كَمَا صَارَ الثَّانِي نَاقِضًا لِلْحُكْمِ الأَْوَّلِ .