يشترط لصحة النكاح أن تكون المرأة محلاً لـه غير محرمة على من يريد التزوج بها .
يشترط لصحة النكاح أن تكون المرأة محلاً لـه غير محرمة على من يريد التزوج بها .
1 ـ المقرر فى فقه الأحناف لكى يكون الزواج صحيحاً له وجود يحترمه الشارع ويرتب عليه آثاره الشرعية أن تكون المرأة محلاً لعقد الزواج عليها بالنسبة لمن يريد زواجها ، وأن يحضر زواجهما شاهدان. لما كان ذلك وكان زنا الزوجة - إن ثبت - لا يؤثر فى محليتها لزوجها ولا يحرمها عليه أو يبطل عقد زواجهما وكان الثابت من الأوراق أن عقد زواج الطاعنة بالمطعون ضده تم صحيحاً فإن الحكم المطعون فيه إذ أيد حكم محكمة أول درجة فيما ذهب إليه من أن زنا الزوجة يؤدى إلى بطلان زواجهما فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون.
(الطعن رقم 114 لسنة 58 جلسة 1991/01/15 س 42 ع 1 ص 202 ق 36)
2 ـ من شروط صحة الزواج محلية المرأة وأن لا يقوم بها سبب من أسباب التحريم ومنها الجمع بين الأختين, والمحققون من الحنفية على إنه إذا تزوج أحداهما بعد الأخرى جاز زواج الأولى وفسد زواج الثانية وعليه أن يفارقها أو يفرق القاضى بينهما ، فإن فارقها قبل الدخول فلا مهر ولا عدة ولا تثبت بينهما حرمة المصاهرة و لا النسب و لا يتوارثان ، و إن فارقها بعد الدخول فلها المهر وعليها العدة ويثبت النسب ويعتزل من إمرأته حتى تنقضى عدة أختها - وإذ كان الحكم المطعون فيه قد جرى فى قضائه على إعتبار عقد زواج الثانية باطلاً ولا يثبت به نسب فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه .
(الطعن رقم 2 لسنة 33 جلسة 1965/04/28 س 16 ع 2 ص 515 ق 84)
3 ـ لما كان الحكم المطعون فيه قد عرض إلى دفاع الطاعنين المؤسس على عدم علمهما بحكم الشرع فى قيام التحريم فى الجميع بين الاختين فى فترة العدة للاخت المطلقة و رد عليه بما مفاده أن المأذون الشرعى ...... أفهم الطاعن الأول بقيام المانع الشرعى الذى يحول بين زواجه بأخت زوجته الأولى المطلقة إلا بعد انقضاء عدة الأخيرة كما أن المتهمة الثانية تعلم ذلك لكونها شقيقة الزوجة المطلقة و التى ظلت تقيم معها بمنزل الزوجية حتى تاريخ الطلاق و هذا الذى خلص إليه الحكم سائغ و يوفر فى حقهما القصد الجنائي لديهما فى الجريمة التى دينا بها هذا فضلاً عن أنه من المقرر أنه يشترط لقبول الاعتذار بالجهل بحكم من احكام قانون آخر غير قانون العقوبات أن يقيم من يدعى هذا الجهل الدليل على أنه تحرى تحريا كافيا و أن اعتقاده الذى اعتقده بأنه يباشر عملاً مشروعا كانت له أسباب معقولة . لما كان ذلك ، و كان دفاع الطاعنين بحسن نيتهما فى إتمام زواجهما لجهلهما بوجوب إنقضاء عدة الزوجة الأولى من الطاعن الأول لا ينهض بمجرده سنداً للتمسك بالإعتذار بالجهل بحكم من أحكام قانون الأحوال الشخصية ، الذى يحرم الجمع بين الأختين حتى إنقضاء عدة الطلاق الرجعى من الزوج شرعا ما دام لم يقدما الدليل القاطع على أنهما تحريا تحريا كافيا و أن اعتقادهما الذى اعتقداه بأنهما يباشران عملاً مشروعاً كانت له أسباب معقولة و هو ما لا يجادل الطاعنان فى أنهما لم يقدما الدليل عليه إلى محكمة الموضوع بل ثبت للمحكمة قيام العلم فى حقهما للاسباب المار ذكرها ، فإن النعى على الحكم فى هذا المنحى يكون بعيدا عن الصواب .
(الطعن رقم 4533 لسنة 57 جلسة 1989/02/02 س 40 ص 160 ق 29)
شروط الصحة
شروط صحة الزواج هي ما يتوقف عليها صحته بعد انعقاده وليست شروطا لتحقق أركانه وهي اثنان :
1- أن تكون الزوجة غير محرمة على من يريد التزوج بها بأي سبب من أسباب التحريم المؤيد أو المؤقت لأن للشارع حكمة في تحريم بعض النساء على الرجل فمن عقد على من لا تحل له فزواجه غير صحيح ولا يحل ما حرم الله .
2 - أن يحضر عقد الزواج شاهدان رجلان أو رجل وامرأتان لأنه عقد له خطره وشأنه لما يترتب عليه من آثار و حقوق فلهذا امتاز عن سائر العقود بأن اشترط لصحته حضور الشهود . ولأنه يترتب على عدم إعلانه بحضور الشهود أن يرتاب الناس ويسيئوا الظن إذا رأوا رجلا يتردد على امرأة من غير أن يكون قد أعلن زواجه بها ولذا ورد في الحديث «لا نکاح إلا بشهود ».
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 26 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن ، الصفحة / 5
بَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الْبَاءَةُ لُغَةً: النِّكَاحُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الْجِمَاعِ. إِمَّا لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمَنْزِلِ غَالِبًا، أَوْ لأَِنَّ الرَّجُلَ يَتَبَوَّأُ مِنْ أَهْلِهِ - أَيْ يَسْتَمْكِنُ مِنْهَا - كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دَارِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ.وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
وَقَالَ شَارِحُ الْمِنْهَاجِ: الْبَاءَةُ: مُؤَنُ النِّكَاحِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَاهُ: هُوَ الْوَطْءُ.
ب - أُهْبَةُ النِّكَاحِ: الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤَنِهِ مِنْ مَهْرٍ وَغَيْرِهِ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْبَاءَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الْبَاءَةُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مَوْضُوعِهَا (ر: وَطْء).
أَمَّا بِمَعْنَى مُؤَنِ النِّكَاحِ فَإِنَّ مَنْ وَجَدَهَا، وَكَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الْوَطْءِ، وَلاَ يَخْشَى الْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمِ، اسْتُحِبَّ لَهُ النِّكَاحُ.لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ...» الْحَدِيثَ.
فَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّقُ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورِ، فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنِ الْحَرَامِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلأَِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّلُ إِلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
أَمَّا إِنْ وَجَدَ الأُْهْبَةَ، وَكَانَ بِهِ مَرَضٌ كَهَرَمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ كَرِهَ لَهُ النِّكَاحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ لإِِضْرَارِهِ بِالْمَرْأَةِ.
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَجَدَ الْبَاءَةَ، وَلَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ لِلْوَطْءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ أَفْضَلُ.وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ،
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العاشر ، الصفحة / 254
نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ رَجْعِيَّتَيْنِ جَازَ لَهُ إِرْجَاعُهَا فِي الْعِدَّةِ.
وَإِذَا كَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرًى، فَحُكْمُ مَا دُونَ الثَّلاَثِ مِنَ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ وَالثِّنْتَيْنِ الْبَائِنَتَيْنِ هُوَ نُقْصَانُ عَدَدِ الطَّلاَقِ وَزَوَالُ مِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ، حَتَّى لاَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا إِلاَّ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَيَجُوزُ نِكَاحُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ؛ لأِنَّ مَا دُونَ الثَّلاَثِ - وَإِنْ كَانَ بَائِنًا - فَإِنَّهُ يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ، لاَ زَوَالَ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ.
أَمَّا إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا، فَإِنَّ الْحُكْمَ الأْصْلِيَّ لِلطَّلَقَاتِ الثَّلاَثِ هُوَ زَوَالُ مِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ وَزَوَالُ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ أَيْضًا، حَتَّى لاَ يَجُوزَ لَهُ نِكَاحُهَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ، لقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ). بَعْدَ قوله تعالى الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ).
وَإِنَّمَا تَنْتَهِي الْحُرْمَةُ وَتَحِلُّ لِلزَّوْجِ الأْوَّلِ بِشُرُوطٍ:
أ - النِّكَاحُ:
أَوَّلُ شُرُوطِ التَّحْلِيلِ: النِّكَاحُ، لقوله تعالى : (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) فَقَدْ نَفَى حِلَّ الْمَرْأَةِ لِمُطَلِّقِهَا ثَلاَثًا، وَحَدُّ النَّفْيِ إِلَى غَايَةِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ. وَالْحُكْمُ الْمَحْدُودُ إِلَى غَايَةٍ لاَ يَنْتَهِي قَبْلَ وُجُودِ الْغَايَةِ، فَلاَ تَنْتَهِي الْحُرْمَةُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، فَلاَ تَحِلُّ لِلزَّوْجِ الأْوَّلِ قَبْلَهُ ضَرُورَةً. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إِذَا وَطِئَهَا إِنْسَانٌ بِالزِّنَى أَوْ بِشُبْهَةٍ أَنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِزَوْجِهَا لِعَدَمِ النِّكَاحِ.
صِحَّةُ النِّكَاحِ:
يُشْتَرَطُ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي لِكَيْ تَحِلَّ الْمَرْأَةُ لِلأْوَّلِ: أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَلاَ تَحِلُّ لِلأَوَّلِ إِذَا كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا، حَتَّى لَوْ دَخَلَ بِهَا؛ لأِنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ حَقِيقَةً، وَمُطْلَقُ النِّكَاحِ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا هُوَ نِكَاحٌ حَقِيقَةً.
وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ الثَّانِي مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ، وَدَخَلَ بِهَا، لاَ تَحِلُّ لِلأَْوَّلِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِفَسَادِهِ لِمَا قُلْنَا.
ج - الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ:
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ صِحَّةِ الزَّوَاجِ: أَنْ يَطَأَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي فِي الْفَرْجِ، فَلَوْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ لَمْ تَحِلَّ لِلأْوَّلِ، لأِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ مِنْهُمَا. فَقَالَ لاِمْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ».
وَلاَ يَحْصُلُ هَذَا إِلاَّ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: تَحِلُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، لِحَمْلِهِ النِّكَاحَ فِي الآْيَةِ عَلَى الْعَقْدِ دُونَ الْجِمَاعِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ حَمَلُوا الآْيَةَ عَلَى الْجِمَاعِ. وَأَدْنَى الْوَطْءِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ؛ لأَِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ الاِنْتِشَارِ لأِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلاَ تُعْقَلُ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الإْنْزَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لاَ تَحِلُّ إِلاَّ بِوَطْءٍ وَإِنْزَالٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْوَطْءُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، هَلْ يُحِلُّ الْمَرْأَةَ أَمْ لاَ؟
ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ الْوَطْءَ يُحِلُّ الْمَرْأَةَ، وَإِنْ وَقَعَ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاطِئُ بَالِغًا عَاقِلاً أَمْ صَبِيًّا مُرَاهِقًا أَمْ مَجْنُونًا، لأِنَّ وَطْءَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ، مِنَ الْمَهْرِ وَالتَّحْرِيمِ، كَوَطْءِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ.
وَالْحَنَابِلَةُ كَالْجُمْهُورِ فِي أَنَّ وَطْءَ الْمَجْنُونِ يُحِلُّ الْمَرْأَةَ كَالْعَاقِلِ.
وَكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُجَامَعُ مِثْلُهَا، إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا، وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي، حَلَّتْ لِلأْوَّلِ، لأِنَّ وَطْأَهَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ مِنَ الْمَهْرِ وَالتَّحْرِيمِ، كَوَطْءِ الْبَالِغَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ حَلاَلاً (مُبَاحًا)، لأِنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ الْمُبَاحِ حَرَامٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ الإْحْلاَلُ كَوَطْءِ الْمُرْتَدَّةِ.
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا: فَلاَ تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا الأْوَّلِ إِذَا جَامَعَهَا زَوْجُهَا الثَّانِي فِي صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ حَيْضٍ أَوِ اعْتِكَافٍ.
كَمَا اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئُ بَالِغًا، وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً؛ لأِنَّ مَنْ دُونَ الْبُلُوغِ أَوْ مَنْ دُونَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ لاَ يُمْكِنُهُ الْمُجَامَعَةُ.
وَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ وَطْءَ زَوْجِهَا الذِّمِّيِّ يُحِلُّهَا لِلأَْوَّلِ؛ لأَِنَّ النَّصْرَانِيَّ زَوْجٌ.
وَلاَ يُحِلُّهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَرَبِيعَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
الزَّوَاجُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ:
مَنْ تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً ثَلاَثًا بِشَرْطٍ صَرِيحٍ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا الأْوَّلِ فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ». وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ. لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ لَهُ».
وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) بِفَسَادِ هَذَا النِّكَاحِ لِلْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَلأِنَّ النِّكَاحَ بِشَرْطِ الإْحْلاَلِ فِي مَعْنَى النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ، وَشَرْطُ التَّأْقِيتِ فِي النِّكَاحِ يُفْسِدُهُ، وَمَا دَامَ النِّكَاحُ فَاسِدًا فَلاَ يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيلُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه: وَاللَّهِ لاَ أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَمُحَلَّلٍ لَهُ إِلاَّ رَجَمْتُهُمَا.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، وَتَحِلُّ لِلأْوَّلِ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا الثَّانِي وَتَنْتَهِيَ عِدَّتُهَا. وَيُكْرَهُ لِلثَّانِي وَالأْوَّلِ؛ لأِنَّ عُمُومَاتِ النِّكَاحِ تَقْتَضِي الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا إِذَا شُرِطَ فِيهِ الإْحْلاَلُ أَوْ لاَ. فَكَانَ النِّكَاحُ بِهَذَا الشَّرْطِ نِكَاحًا صَحِيحًا، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قوله تعالى : (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) فَتَنْتَهِي الْحُرْمَةُ عِنْدَ وُجُودِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ كُرِهَ النِّكَاحُ لِهَذَا الشَّرْطِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ وَهُوَ السَّكَنُ وَالتَّوَالُدُ وَالتَّعَفُّفُ؛ لأِنَّ ذَلِكَ يَقِفُ عَلَى الْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: النِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحٌ، وَلاَ تَحِلُّ لِلأْوَّلِ؛ لأِنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فَكَانَ شَرْطُ الإْحْلاَلِ اسْتِعْجَالَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِغَرَضِ الْحِلِّ، فَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَبْقَى النِّكَاحُ صَحِيحًا، لَكِنْ لاَ يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ.
الزَّوَاجُ بِقَصْدِ التَّحْلِيلِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّوَاجَ بِقَصْدِ التَّحْلِيلِ - مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ - صَحِيحٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَحِلُّ الْمَرْأَةُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ الثَّانِي لِلأْوَّلِ؛ لأِنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا فِي الْمُعَامَلاَتِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، فَوَقَعَ الزَّوَاجُ صَحِيحًا لِتَوَافُرِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ فِي الْعَقْدِ، وَتَحِلُّ لِلأْوَّلِ، كَمَا لَوْ نَوَيَا التَّأْقِيتَ وَسَائِرَ الْمَعَانِي الْفَاسِدَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوَاجَ بِقَصْدِ التَّحْلِيلِ - وَلَوْ بِدُونِ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ - بَاطِلٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَوَاطَأَ الْعَاقِدَانِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ قَبْلَ الْعَقْدِ، ثُمَّ عُقِدَ الزَّوَاجُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ، وَلاَ تَحِلُّ الْمَرْأَةُ بِهِ لِزَوْجِهَا الأْوَّلِ، عَمَلاً بِقَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ. وَلِحَدِيثِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ».
هَدْمُ طَلَقَاتِ الأْوَّلِ بِالزَّوَاجِ الثَّانِي:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ يَهْدِمُ طَلاَقَ الزَّوْجِ الأْوَّلِ إِذَا كَانَ ثَلاَثًا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ هَلْ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلاَثِ؟ وَذَلِكَ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ طُلِّقَتْ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى زَوْجِهَا الأْوَّلِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَهْدِمُ؛ لأَِنَّ هَذَا شَيْءٌ يَخُصُّ الثَّالِثَةَ بِالشَّرْعِ، فَلاَ يَهْدِمُ مَا دُونَهَا.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلاَثِ، لأِنَّهُ لَمَّا هَدَمَ الثَّلاَثَ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَهْدِمَ مَا دُونَهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 354
رَابِعَ عَشَرَ: نِكَاحُ الْمَحَارِمِ:
مُحَرَّمَاتُ النِّكَاحِ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، بِسَبَبِ قَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ،
وَمِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ حُرْمَةً مُؤَقَّتَةً، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ).