يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة التي تنظر فيها الدعوی .
يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة التي تنظر فيها الدعوی .
ومع ذلك فللمحكمة عند نظر الإستئناف أن تأمر بوقف تنفيذ العقوبة مؤقتاً أو الإفراج عن المحكوم عليه بكفالة أو بغيرها ، وذلك إلى حين الفصل في الإستئناف .
استبقى المشروع نظام الاستئناف جرياً على ما عليه الحال في أغلب التشريعات مراعاة لاعتبارات عملية لا يمكن إغفالها .
لكنه من ناحية أخرى أحاطه بقيود محتلفة درءاً لسوء استعماله ولكي لا يتخذ وسيلة للماطلة وعرقلة التنفيذ .
ففيما يتعلق بالأحكام التي يجيز استئنافها نص في المادة 427 ( أصبحت 403 من القانون ) على أنه يجوز استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات وفي الجنح التي يجوز إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي .
1- من المتهم إذا حكم عليه بعقوبة غير الغرامة والمصاريف أو بغرامة وتعويضات يزيد مجموهما على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً في المواد المدنية أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات .
وبديهي أنه في حالة الحكم بغرامة وتعويضات يتجاوز مجموعها عشرين جنيهاً لا أهمية لمقدار الغرامة المحكوم بها، فالاستئناف جائز ولو كان مقدار الغرامة أقل من ثلاثة جنيهات .
2- من النيابة العمومية إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وهذا النظام في مجمله يشبه إلى حد ما نظام الاستئناف الحالي الخاص بالمخالفات غير أنه لم ينص على إجازة الاستئناف من النيابة أو من المتهم لخطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها كما تقضي به المادة 153 من القانون الحالي لأنه رؤى أن الوسيلة الوحيدة للطعن في الحكم في هذه الحالة تكون بطريق النقض والإبرام وفقاً للاوضاع المقررة في القانون كما هو متبع في النظام الفرنسي والمختلط وقد لوحظ في ذلك أن محكمة النقض هي المرجع النهائي في مراقبة صحة تطبيق القانون .
أما في الجنح الأخرى أي التي لا يجوز قانوناً إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي فقد ظل حق الاستئناف في الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية مطلقاً بالنسبة للنيابة والمتهم - المادة 428 - ( حذفت اكتفاء بنص المادة 402 من القانون ) فللمتهم أن يستأنف كل حكم يصدر عليه في جريمة منها حتى ولو كان صادراً بالغرامة مهما كان مقدارها كما يجوز للنيابة أن تستأنف أي حکم صادر بالبراءة أو الادانة بغير النظر إلى طلباتها في الجلسة أما الأحكام الصادرة من المحكمة الإبتدائية فلا يجوز استئنافها وقد بين المشروع في المادة 430 ( أصبحت م 404 من القانون ) الحالي في حالة صدور حكم في الجرائم مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة وكان بعض هذه الجرائم لا يجوز استئناف الحكم الصادر فيه فأباح لمن يجوز له استئناف الحكم بالنسبة لبعض الجرائم أن يستأنفه أيضاً بالنسبة للبعض الأخر وذلك منعاً للتعارض فإذا اتهم شخص بمخالفته للائحة السيارات وتسبب بذلك في قتل إنسان وقدم المحاكمة عن الجريميتين فإنه يجوز للمحكوم عليه أن يستأنف الحكم بالنسبة للجريميتن معاً ولو كان الحكم في المخالفة غير جائز استئنافه استقلالاً بناء على القواعد المتقدمة .
3- نص في المادة 431 ( أصبحت م 405 من القانون ) على عدم جواز استئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع وهي الأحكام التحضيرية والتمهيدية والأحكام التي تصدر في المسائل الفرعية ولم تنته بها الخصومة أمام المحكمة وذلك لعدم إطالة سير الدعوى على أن استئناف الحكم الصادر في الموضوع يترتب عليه حتماً استنئاف هذه الأحكام واستثنى من ذلك الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص فنص على جواز استئنافها ومثلها الأحكام الصادرة بالاختصاص إن لم يكن للمحكمة ولاية الحكم في الدعوى وذلك لأن الأحكام عدم الإختصاص تنهي الخصومة أمام المحكمة ولأنه لا يستساغ في الحالة الثانية أن تستمر المحكمة في نظر الدعوى وهي لا ولاية لها مطلقاً .
4- فيما يتعلق باستئناف المسئول عن الحقوق المدنية والمتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها نص في المادة 429 / 2 ( أصبحت المادة 457 من القانون ) على أن الاستئناف لا يجوز من المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية إلا إذا كانت التعويضات المحكوم بها تزيد على النصاب النهائي للقاضي الجزئي وذلك بخلاف الوضع الحالي فإن الاستئناف في المخالفات متوقف على مقدار التعويضات المدعي بها لا التي قضى بها ( المادة 153 من القانون الحالي ) ومثله في الجنح بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية ( المادة 176 ) والعلة في التعديل الذي أدخل هي أن الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحاكم الجنائية يتبع في الفصل فيها الاجراءات المقررة للدعوى الجنائية - مادة 62 - ( أصبحت المادة 265 وعدلت ) ولما كان من المقرر أن المحكوم عليه جنائياً لا يجوز له أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالعقوبة إلا بالنسبة لما حکم به بصرف النظر عما طلبته النيابة فإنه لايجوز كذلك أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالتعويضات إلا بالنسبة لما قضى بصرف النظر عما طلبه المدعي بالحقوق المدنية وكذلك الحال بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية (أنظر المادة 247 فقرة أخيرة من قانون تحقيق الجنايات المختلط).
وبالنسبة إلى إجراءات الطعن بالاستئناف ومواعيده لم يدخل المشروع تعديلاً يذكر اللهم إلا إطلاق حق استئناف النائب العمومي في میعاد ثلاثين يوماً بحيث يصبح جائزاً في المخالفات كما هو جائز في الجنح - المادة 432 / 2 - ( أصبحت م 406 / 2 من القانون ) كذلك نص المادة 433 ( أصبحت م 408 من القانون ) على أن قلم الكتاب يحدد للمستأنف تاريخ الجلسة وذلك رغبة في الإسراع على أن ذلك التاريخ لا يكون قبل ثلاثة أيام كاملة .
ونصت المادة 434 فقرة أولى على أن قلم الكتاب لا يقبل التقرير باستئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع والتي نص على عدم جواز استئنافها على حدة في المادة 431 ونظمت الفقرة الثانية من هذه المادة طريق التظلم لطالب الاستئناف في هذه الحالة . ومما استحدثه المشروع الأخذ بفكرة الاستئناف الفرعي جرياً على ما سار عليه كثير من التشريعات القانون الفرنسي وما أخذ به قانون تحقيق الجنايات المختلط فنصت المادة 435 ( أصبحت م 409 من القانون ) على أنه إذا استأنف أحد الخصوم فإن ميعاد الاستئناف يمتد خمسة أيام أخرى بالنسبة إلى من له حق الاستئناف من باقي الخصوم في الدعوى من تاريخ إنتهاء العشرة أيام المقررة للاستئناف .
والحكمة في ذلك ظاهرة فقد يستأنف أحد الخصوم في نهاية العشرة أيام وبذلك يفاجئ خصمه الذي يكون قد امتنع عن الاستئناف إزاء سکوت خصمه عنه فمن العدل أن تتاح له الفرصة ويستأنف إذا أراد صوناً لحقوقه وعلى ذلك إذا استأنف المتهم الحكم الصادر عليه إمتد میعاد بالنسبة للنيابة والمدعي بالحقوق المدنية خمسة أيام أخرى .
وغنى عن البيان أن الاستئناف الفرعي لا يجوز إلا إذا كان الاستئناف الأصلي مرفوعاً في ميعاد العشرة الأيام وينبني على ذلك أن الاستئناف الذي يرفع من النائب العام بعد هذا الميعاد في مدة ثلاثين يوماً المقررة له لا يعطى حق رفع الاستئناف الفرعي لأحد من الخصوم .
وأبقى المشروع على القواعد الأساسية بها الأن الخاصة بتنفيذ الأحكام مؤقتاً رغم الاستئناف وضمنها المادة 437 ( أصبحت المادة 463 من القانون ) غير أنه لم يذكر حالة التشرد بين الأحوال التي يجب فيها النفاذ فوراً ولو منع الاستئناف وآثر ذلك ينظمه القانون الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم رؤى في الوقت نفسه أن يكون الحكم بالحبس واجب النفاذ على كل من ليس له محل إقامة ثابت بمصر ولو كان قانون التشرد غير منطبق عليه لعدم سبق إنذاره أو لسبب آخر .
وفيما يتعلق بتنفيذ العقوبات التبعية نص في المادة 438 ( أصبحت م 464 من القانون ) على تنفيذ العقوبات التبعية المقيدة للحرية المحكوم بها مع عقوبة الحبس إذا نفذت عقوبة الحبس طبقاً للمادة 437 السابقة ( أصبحت م 463 من القانون ) وعلى ذلك فالوضع تحت المراقبة والحرمان من تعاطي بعض المهن والصناعات وسحب الرخص والوضع في ملجأ وما إلى ذلك من العقوبات التي تقيد حرية المحكوم عليه من ناحية ما تنفذ عليه متى كان تنفيذ العقوبة الحبس المحكوم بها واجباً وسيان في ذلك أكان الحبس واجب فوراً من أول الأمر أم وجب تنفيذه لعدم قيام المحكوم عليه بتقديم الكفالة مثلاً .
ونص في الفقرة الأخيرة من المادة 437 ( أصبحت م 463 من القانون ) على تخويل المحكمة الأمر بتنفيذ الحكم بالتعويضات للمدعي بالحق المدني تنفيذاً مؤقتاً ولو مع حصول الاستئناف على حسب ما تقدم في صدد المعارضة طبقاً للمادة 467 .
ولما كان الأصل أن الاستئناف يترتب عليه إيقاف التنفيذ فقد رؤى أن ما جاء في النص الحالي للمادة 181 من قانون تحقيق الجنايات من وجوب الإفراج عن المتهم إذا قضى له بالبراءة استثناء من هذا الحكم لا يشمل جميع الصور التي يجب الإفراج فيها عن المتهم المحبوس احتياطياً ومن ذلك حالة الحكم بوقف تنفيذ العقوبة وكون المتهم قد قضى في الحبس الاحتياطي المدة المحكوم بها أو أكثر منها وحالة الحكم عليه بغير عقوبة الحبس أو بعقوبة لا يقتضي تنفيذها الحبس ففي هذه الأحوال الإفراج واجب رغم الاستئناف ولو أنه لا يمكن قياسها على حالة البراءة لأن إدانة المتهم ثابتة فيها بالحكم الابتدائي لذلك نص في المادة 439 ( أصبحت م 465 من القانون ) على وجوب الإفراج فوراً في هذه الأحوال .
وتنص المادة 440 ( أصبحت م 466 من القانون ) صراحةً على القاعدة الأصلية التي جرى عليها القانون الحالي فيما يتعلق بأثر الاستئناف من حيث تنفيذ الحكم الإبتدائي ومضمونها أنه في غير الأحوال المعينة التي نص عليها بوقف التنفيذ أثناء الميعاد المقرر للاستئناف وأثناء نظر الاستئناف الذي يرفع في الميعاد .
وقد أبقى المشروع القواعد المعمول بها في نظر الدعوى في دور الاستئناف - المادتان 441 و 443 - ( المادتان 411 و 413 من القانون ) وإنما ضماناً لجدية تقرير التلخيص الذي يقدمه أحد أعضاء المحكمة الاستئنافية نص في المادة 441 ( اصبحت م 411 من القانون ) على أنه يجب أن يكون موقعاً عليه منه وأن يكون مشتملاً على جميع العناصر اللازمة للفصل في الدعوى من بيان وقائعها وظروفها ومنعاً لإساءة إستعمال حق الاستئناف واحتراماً للحكم الواجب النفاذ نصت المادة 442 ( أصبحت م 412 من القانون ) على أنه لا يقبل الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية الواجبة النفاذ ما لم يتقدم قبل يوم الجلسة .
وقد أدخل المشروع تعديلاً هاماً فيما يتعلق بتشديد العقوبة المحكوم بها إبتداءً وإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة إذ نص في المادة 444 ( حذفت قبلها فقرة من المادة 417 من القانون ) على أنه لا يجوز التشديد ولا الإلغاء إلا بإجماع أراء قضاة المحكمة فالأغلبية لا تكفي في هذه الحالة وذلك على أساس أن رأي القاضی أول درجة يجب أن يكون محل إعتبار عند الفصل في الدعوى استئنافياً .
فإذا كان رأی أحد قضاة الاستئناف مطابقاً لرأي قاضي محكمة أول درجة فلا يجوز إلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة لأنه إذا كان هناك محل للترجيح فإنما ترجح كفة الرأي الذي يشترك فيه القاضي الذي يشترك فيه القاضي الذي أجري تحقيقاً في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو القاضي الجزئي هذا فضلاً عما في ترجيح هذا الرأي من مراعاة لمصلحة المتهم .
ونصت المادة 445 ( أصبحت المادة 416 من القانون ) على حكم واجب بطبيعته هو رد التعويضات التي يكون قد نفذ بها تنفيذاً مؤقتاً إذا ألغي الحكم المستأنف الصادر بها وبينت المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون الحالي ) مدى تقيد المحكمة الاستئنافية بمصلحة المستأنف فنصت صراحة على أن استئناف النيابة يجيز للمحكمة أن تحکم بناءً عليه لمصلحة المتهم أما بالنسبة لباقی الخصوم فلا يمكن أن يضار أحدهم بالاستئناف المرفوع وما قررته هذه المادة مطابق لما جرى عليه العمل الآن .
ورئى أنه لا داعي لذكر الفقرة الثانية من المادة 186 من القانون الحالي الخاصة بعدم جواز الحكم بعدم الاختصاص إذا كان الاستئناف مرفوعاً عن المتهم وحده وذلك لأن هذا الحكم نتيجة حتمية القاعدة التي قررها المشروع في المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون ).
ونصت المادة 447 ( أصبحت المادة 418 من القانون ) على أنه فيما يتعلق بالأحکام الغيابية والمعارضة فيها يتبع ما هو مقرر أمام محكمة أول درجة وهذا مطابق للوضع الحالي .
وأخيراً قررت المادة 448 ( أصبحت م 419 من القانون ) حق تصدي المحكمة الاستئنافية لنظر الدعوى الموضوع فنصت على أنه إن ألغت المحكمة حكماً صادراً بعدم الإختصاص أو حكماً في مسألة فرعية انتهت به الخصومة أمام المحكمة أو لدرجة وجب عليها أن تفصل في موضوع الدعوى بعد إجراء ما يجب من التحقيق فيها وذلك اختصاراً للإجراءات .
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث
من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 174 لسنة 1988.
طبقاً للمادة (412 ) في المشروع تعددت حالات سقوط استئناف إذ يسقط استئناف المحكوم عليه بعقوبة أصلية واجبة النفاذ - وإذا لم يتقدم قبل الجلسة التي تنظر فيها الدعوى لتنفيذ العقوبة المقيدة الحرية أو لم يقم بالوفاء احتراماً لأحكام القضاء واجبة التنفيذ، وصوناً لها من عبث العابثين وذلك كله ما لم تأمر المحكمة عند نظر الأستئناف بوقف التنفيذ مؤقتاً أو الإفراج عن المحكوم علياء كفالة أو بدونها إلى حين الفصل في الاستئناف .
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونيتد للإصدارات القانونية
مادة 1278 – يسقط الاستئناف المرفوع من المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم بنفسه للتنفيذ قبل الجلسة، ويكفي لتحاشي ذلك أن يتقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل وقت النداء علي الدعوى في يوم الجلسة ما دام التنفيذ عليه قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الاستئناف دون إعتداد بما إذا كانت السلطة المهيمنة علي التنفيذ قد اتخذت إجراءاته قبل الجلسة أو بعدها .
ولا يسري سقوط الاستئناف علي حاله عدم سداد الغرامة المقضي بها ابتدائياً وإن كانت واجبة التنفيذ.
1- لما كان البين من مطالعة الأوراق أن الطاعن قضى غيابياً بحبسه أسبوعين عن تهمة تبديد أشياء محجوز عليها إدارياً مع كفالة مقدارها .... لإيقاف التنفيذ ، وإذ عارض قضى باعتبار معارضته كأن لم تكن ، فاستأنف وتحدد لنظر استئنافه ... فحضرها وتأجل نظر الدعوى لجلسة ... وفيها تأجل نظر الدعوى فى حضوره إلى جلسة ... ، غير أنه لم يحضر بالجلسة الأخيرة فصدر الحكم - موصوفاً بأنه غيابي- بسقوط الاستئناف ، وإذ عارض فى الحكم الأخير قضى باعتبار المعارضة كأن لم تكن ، وهو الحكم المطعون فيه . ومن حيث إنه من المقرر أن الطعن بطريق النقض فى الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن يشمل الحكم المعارض فيه ، ولما كان الحكم الاستئنافي المعارض فيه قد سبب لقضائه بقوله : " حيث إن المتهم قرر بالاستئناف ولم يقم بسداد الكفالة ولم يقدم نفسه للتنفيذ عليه مما يجدر معه القول بسقوط الاستئناف وهو ما تقضي به المحكمة عملاً بالمادة 412 أ . ج " . لما كان ذلك ، وكانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه : " يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة " قد جعلت سقوط الاستئناف منوطًا بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة ، فأفادت بذلك ألا يسقط استئنافه متى كان قد تقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على قضيته فى يوم الجلسة ، ما دام التنفيذ عليه أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الاستئناف ، وذلك دون اعتداد بما إذا كانت السلطة المهيمنة على التنفيذ قد اتخذت قبله إجراءات التنفيذ قبل الجلسة أو بعدها ، أم أنها قعدت عن واجبها فى ذلك بعد أن وضع نفسه تحت تصرفها . لما كان ذلك ، وكان الحكم المشار إليه قد قضى بسقوط استئناف الطاعن رغم مثوله أمام المحكمة فى جلستين متتاليتين ، فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون ويتعين لذلك نقضه ، ولما كانت المحكمة بسبب هذا الخطأ قد حجبت نفسها عن بحث موضوع الاستئناف ، فإنه يتعين مع نقض الحكم إحالة الدعوى إليها للفصل فى موضوعها .
( الطعن رقم 2775 لسنة 69 - جلسة 2007/05/14 - س 58 ص 415 ق 82 )
2-لما كانت البداهة القانونية تقضي بأن ما اشترطته المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية لقبول الاستئناف من تقدم المستأنف لتنفيذ الحكم عليه قبل الجلسة لا يكون إلا عندما يكون ذلك التنفيذ واجباً عليه قانوناً , وهو ما لا يتحقق إذا كان الفعل المنسوب إلى المتهم غير معاقب عليه بعقوبة مقيدة للحرية .
( الطعن رقم 23462 لسنة 66 - جلسة 2006/09/18 - س 57 ص 776 ق 80 )
3- نص المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية تدل على أن سقوط الاستئناف هو جزاء وجوبى يقضى به على المستأنف المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية إذا لم يتقدم لتنفيذ العقوبة قبل الجلسة المحددة لنظر استئنافه ، وكان من المقرر أن الاستئناف ينقل الدعوى إلى محكمة الدرجة الثانية فى حدود مصلحة رافع الاستئناف ، وكان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أن وزير المالية بصفته رئيس مصلحة الجمارك هو المستأنف وحده دون المتهم ، فإن قضاء محكمة ثانى درجة بسقوط الحق فى الاستئناف استناداً إلى أن المتهم لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة المحددة , يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون خطأ حجبه عن بحث عناصر الدعوى المدنية ، ومن ثم يتعين نقض الحكم المطعون فيه والإحالة فى خصوص الدعوى المدنية .
( الطعن رقم 1063 لسنة 66 - جلسة 2005/02/24 - س 56 ص 162 ق 22 )
4- لما كان يبين من مراجعة محضر جلسة المحاكمة الاستئنافية أن المطعون ضده تخلف عن الحضور بالجلسة المحددة لنظر الاستئناف المرفوع منه حيث قضت المحكمة غيابياً بسقوط حقه فى الاستئناف عملاً بنص المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية جزاءً لتخلفه عن الحضور وهو المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية واجبة التنفيذ ، وإذ عارض فى هذا الحكم وحضر بجلسة المعارضة ومعه محام ولم يبدى عذراً يبرر تخلفه عن الحضور بجلسة الاستئناف ، وكان البين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه قضى بإلغاء الحكم الغيابى بسقوط الاستئناف دون أن تورد المحكمة الأسباب التى حدت بها إلى ذلك حتى يتسنى لمحكمة النقض مراقبة صلاحيتها ولتسويغ ما قضت به فى هذا الصدد ، فإن حكمها يكون فوق قصوره قد شابه الخطأ فى تطبيق القانون بما يعيبه ويوجب نقضه والإعادة فى خصوص ما قضى به فى الدعوى المدنية .
( الطعن رقم 6487 لسنة 67 - جلسة 2003/11/02 - س 54 ص 1047 ق 141 )
5- لما كانت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه "يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذ لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة" قد جعلت سقوط الاستئناف منوطا بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة فأفادت بذلك ألا يسقط استئنافه متى كان قد تقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على قضيته فى يوم الجلسة مادام التنفيذ عليه قد أصبح أمرا واقعا قبل نظر الاستئناف لعدم سداد الكفالة. لما كان ذلك, وكان لا يشترط فى تنفيذ الحكم تحرير أمر التنفيذ تمهيدا لإيداع المتهم فى السجن طبقا للمادة 478 من قانون الإجراءات الجنائية بل يكفي أن يكون قد وضع نفسه تحت تصرف السلطة المهيمنة على التنفيذ قبل الجلسة دون اعتداد بما إذا كانت هذه السلطة قد اتخذت قبله إجراءات التنفيذ قبل الجلسة أو بعدها, ولما كان الثابت من محضر جلسة المحاكمة الاستئنافية المؤرخ ......... وهى الجلسة الأولى المحددة لنظر الاستئناف أن الطاعنين مثلا بالجلسة وأصبح التنفيذ عليهما أمرا واقعا قبل نظر الاستئناف, ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط استئناف الطاعنين لعدم سدادهما الكفالة رغم تقدمهما فى يوم الجلسة ومثولهما أمام المحكمة قبل نظر استئنافهما يكون مخطئا ويتعين لذلك نقضه. لما كان ذلك, وكان هذا الخطأ قد حجب المحكمة عن نظر موضوع الاستئناف, فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإعادة. ________________________ ورد خطأ ذكر رقم المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية والرقم الصحيح المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية والتي تنص على سقوط
( الطعن رقم 3467 لسنة 62 - جلسة 2001/06/19 - س 52 ع 1 ص 647 ق 118 )
6-لما كان البين من الأوراق أن الدعوى الجنائية قد أقيمت على الطاعن بوصفه أنه أقام بناء على أرض زراعية بغير ترخيص, ومحكمة أول درجة قضت حضوريا بإدانته بالحبس لمدة ثلاثة أشهر والإيقاف وبتغريمه عشرة آلاف جنيه والإزالة, فاستأنف المتهم وحده, وقضت المحكمة الاستئنافية غيابيا بسقوط الاستئناف, وإذ عارض قضت بقبول المعارضة شكلا ورفضها موضوعا. لما كان ذلك, وكانت البداهة القانونية تقضي بأن ما اشترطته المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية لقبول الاستئناف من تقدم المستأنف لتنفيذ الحكم عليه قبل الجلسة لا يكون إلا عندما يكون ذلك التنفيذ واجبا عليه قانونا, وهو ما لا يتحقق فى حالة إذا كانت عقوبة الحبس المقضي بها مع إيقاف التنفيذ وكان المتهم هو المستأنف وحده مما مقتضاه أن المحكمة الاستئنافية يتعين عليها أن تنظر أول ما تنظر وقبل الحكم بسقوط الاستئناف فيما إذا كان النفاذ واجبا ومادام غير واجب فإنه يتعين عليها أن تنظر فى شكل الاستئناف, فإذا قبلته تفصل فى الدعوى. لما كان ذلك, وكان الحكم الابتدائي قد أمر بوقف تنفيذ عقوبة الحبس عملاً بالمادتين 55, 56 من قانون العقوبات, وكان الطاعن هو وحده الذي استأنف الحكم الابتدائي وكانت باقي العقوبات المقضي بها عليه لا يقتضي تنفيذها الحبس, فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط الاستئناف مع ثبوت أن الحكم المستأنف غير واجب النفاذ يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون مما يتعين معه نقضه والإعادة .
( الطعن رقم 2801 لسنة 65 - جلسة 2001/03/13 - س 52 ع 1 ص 324 ق 52 )
7- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه "يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة" قد جعلت سقوط الاستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة" قد جعلت سقوط الاستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة ولا يلزم إعمالها إلا عندما يكون التنفيذ واجباً وهو ما يتحقق إذا لم تسدد الكفالة المعينة فى الحكم الابتدائي والتي شرعت ضماناً لحضور المستأنف بالجلسة وعدم فراره من الحكم الذي يصدر ومن ثم فإن التخلف عن سدادها من شأنه أن تبقى العقوبة واجبة النفاذ وأن تصبح المادة 412 المشار إليها واجبة التطبيق ما دامت علتها قائمة. لما كان ذلك، وكان الحكم الغيابي الاستئنافي قد قضى بسقوط الاستئناف لعدم سداد الكفالة المحكوم بها ابتدائياً لإيقاف التنفيذ، وكان الطاعن لا يماري فى أنه لم يؤد الكفالة قبل صدور هذا الحكم، فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون ولا على الحكم المطعون فيه إذا قضى بتأييده وبغير أن يجدي الطاعن فى ذلك ما يستند إليه من سداده الكفالة بعد صدور الحكم الغيابي الاستئنافي وعند نظر معارضته الاستئنافية ما دام أن مقتضى المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية هو أن يتقدم المتهم للتنفيذ قبل الجلسة التي ينظر فيها استئنافه أول مرة التقاء بفكرة الجزاء التي تغياها النص وإلا كان مؤداه المماطلة فى التنفيذ حتى صدور حكم غيابي ونظر المعارضة فيه وهو دون ما يقصده القانون ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الخصوص يكون غير سديد .
( الطعن رقم 13984 لسنة 64 - جلسة 2000/04/12 - س 51 ص 413 ق 76 )
8- المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه "يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة ". لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد قضى بسقوط استئناف الطاعن لعدم تقدمه للتنفيذ بالرغم من أن العقوبة المقضي بها ابتدائياً هي الغرامة ، فإنه يكون مخطئاً فى تطبيق القانون متعيناً نقضه . لما كان ذلك ، وكان النظر فى سقوط الاستئناف مقدماً على بحث استيفائه المقرر فى القانون ، فإن الخطأ الذي تردى فيه الحكم المطعون فيه يكون قد حجب محكمة الموضوع عن بحث شكل الاستئناف وموضوعه ، وهو ما يتعين معه أن يكون النقض مقروناً بالاعادة .
( الطعن رقم 15240 لسنة 61 - جلسة 1998/04/13 - س 49 ص 545 ق 71 )
9- لما كانت البداهة القانونية تقضى بأن ما اشترطته المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية لقبول الاستئناف من تقدم المستأنف لتنفيذ الحكم عليه قبل الجلسة ، لا يكون إلا عندما يكون ذلك التنفيذ واجبا عليه قانوناً ، وهو ما لا يتحقق فى حالة قيام المستأنف بدفع الكفالة المقررة فى الحكم الابتدائى - مادام المحكوم عليه قد استأنف الحكم - مما مقتضاه أن المحكمة الاستئنافية يتعين عليها أن تنظر أول ما تنظر وقبل الحكم بسقوط الاستئناف فيما إذا كان النفاذ واجبا ، ومادام غير واجب فإنه يتعين عليها أن تقبل الاستئناف وتفصل فى الدعوى . لما كان ذلك , وكان يبين من الاطلاع على المفردات التى أمرت المحكمة بضمها تحقيقا لوجه الطعن أن الطاعن سدد الكفالة المقررة بالحكم الابتدائى قبل الجلسة المحددة لنظر الاستئناف ، وأنه استأنف ذلك الحكم فى الميعاد القانونى ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط الاستئناف مع ثبوت أن الحكم المستأنف غير واجب النفاذ يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون ، مما يتعين معه نقضه وقبول الاستئناف شكلاً ، ولما كان هذا الخطأ القانونى قد حجب محكمة الموضوع عن أن تقول كلمتها فى موضوع الاستئناف فإنه يتعين أن يكون النقض مقروناً بالإعادة .
( الطعن رقم 41721 لسنة 59 - جلسة 1996/01/29 - س 47 ع 1 ص 141 ق 20 )
10- لما كانت البداهة القانونية تقتضى أن ما اشترطته المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية لقبول الاستئناف من تقديم المستأنف لتنفيذ الحكم عليه قبل الجلسة ، لا يكون إلا عندما يكون ذلك التنفيذ واجبا عليه قانون، وهو ما لا يتحقق فى حالة قيام المستأنف بدفع الكفالة المقررة فى الحكم الابتدائى - ما دام المحكوم عليه قد استأنف الحكم - مما مقتضاه أن المحكمة الاستئنافية يتعين عليها أن تنظر أول ما تنظر وقبل الحكم بسقوط الاستئناف فيما إذا كان النفاذ واجباً ، وما دام غير واجب فإنه يتعين عليها أن تنظر فى شكل الاستئناف ، فإذا قبلته تفصيل فى الدعوى . لما كان ذلك ، وكان البين من الأوراق أن الكفالة التى قررها الحكم الصادر من محكمة أول درجه قد سددت ، قبل نظر الاستئناف وصدور الحكم الغيابى الاستئنافى ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط الاستئناف مع ثبوت أن الحكم المستأنف غير واجب النفاذ ، يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
( الطعن رقم 23607 لسنة 59 - جلسة 1994/12/26 - س 45 ص 1234 ق 193 )
11- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة " قد جعلت سقوط الاستئناف منوطا بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ فأفادت بذلك إلا يسقط استئنافه متى كان قد تقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على قضيته فى يوم الجلسة ما دام التنفيذ عليه قد اصبح أمراً واقعاً قبل نظر الاستئناف لعدم سداد الكفالة .
( الطعن رقم 27770 لسنة 59 - جلسة 1994/10/27 - س 45 ص 898 ق 140 )
12- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة " قد جعلت سقوط الاستئناف منوطا بعدم تقديم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة ولا يلزم إعمالها إلا عندما يكون التنفيذ واجباً وهو يتحقق إذا لم تسدد الكفالة المعينه فى الحكم الابتدائى والتى شرعت ضمانا لحضور المستأنف الجلسة وعدم فراره من الحكم الذى يصدر ، ومن ثم فإن التخلف عن سدادها يكون من شأنه أن تبقى العقوبة واجبه النفاذ وأن تصبح المادة 412 المشار إليها واجبة التطبيق لما كان ذلك، وكان الحكم الغيابى الاستئنافى قضى بسقوط الاستئناف لعدم سداد الكفالة المحكوم بها ابتدائياً لإيقاف التنفيذ، وكان الطاعن لا يمارى فى أنه لم يؤد الكفالة قبل صدور هذا الحكم فإنه قد إصاب صحيح القانو ن ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد يكون غير سديد .
( الطعن رقم 62266 لسنة 59 - جلسة 1992/11/04 - س 43 ع 1 ص 988 ق 152 )
13- إن المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه " يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ، إذا لم يتقدم للتنفيذ العقوبة إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة المحددة لنظر استئنافه . ويترتب عليه حرمان من نظر استئنافه وهذا لا يكون الا عند نظر استئناف المتهم لحكم محكمة أول درجه / فإذا فات على المحكمة الاستئنافية عند نظر استئناف المتهم أن تحكم بسقوط الاستئناف وتعرضت فى حكمها للقضاء فى موضوع الدعوى واصبح حكمها نهائيا بعدم الطعن عليه من النيابة العامة فلا يجوز لها أن تقتضى بسقوط الاستئناف لأول مره عند نظر معارضة المتهم فى الحكم الغيابى الاستئنافى لأنه يكون قد أكتسب حقا فى نظر موضوع الدعوى لا يجوز حرمانه منه بسبب خطا وقع من المحكمة . لما كان ذلك وكان الطاعن قد استأنف حكم محكمة أول درجه الذى قضى بمعاقبته بالحبس فقضت المحكمة الاستئنافية غيابيا بقبول الاستئناف شكلا وفى موضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف فعارض الطاعن فقضت المحكمة بحكمها المطعون فيه بسقوط حق المتهم فى الاستئناف . فإنها تكون قد أخطأت فى تطبيق القانون .
( الطعن رقم 7563 لسنة 59 - جلسة 1992/04/23 - س 43 ع 1 ص 420 ق 63 )
14- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة " فقد دلت بذلك على أن سقوط الاستئناف هو جزاء وجوبى يقضى به على المستأنف إذا لم يتقدم لتنفيذ العقوبة المقيدة للحرية واجبة النفاذ قبل الجلسة المحددة لنظر استئنافه ، و ذلك منعا لاساءة استعمال حق الاستئناف و احتراما للحكم الواجب النفاذ ، و هو جزاء إجرائى يزيل عن المتهم حقه فى مباشرة الطعن بالإستئناف - الذى كان قد توافر له منذ صدور الحكم المستأنف - تقضى به المحكمة من تلقاء نفسها دون التفات منها إلى أمر الاستئناف من حيث الشكل .
( الطعن رقم 4211 لسنة 58 - جلسة 1989/11/27 - س 40 ص 1084 ق 173 )
15- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة " قد جعلت سقوط الإستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة ، فأفادت بذلك ألا يسقط إستئنافه متى كان قد تقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على قضيته فى يوم الجلسة ، ما دام التنفيذ عليه أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الإستئناف . لما كان ذلك ، فإن المحكوم عليه إذ مثل أمام المحكمة الإستئنافية للفصل فى موضوع إستئنافه عن حكم مشمول بالنفاذ ، يكون التنفيذ عليه قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الإستئناف ، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط إستئنافه رغم مثوله أمام المحكمة قبل نظر إستئنافه للسبب آنف الذكر يكون قد خالف القانون متعيناً نقضه .
( الطعن رقم 1535 لسنة 57 - جلسة 1988/12/08 - س 39 ع 1 ص 1257 ق 194 )
16- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة " . قد جعلت سقوط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ رهناً بعدم التقدم للتنفيذ قبل الجلسة التى نظر الإستئناف فيها . لا بمجرد إستئنافه الحكم الصادر عليه ، وإذ كان ذلك وكان الطاعن قد تقدم للتنفيذ قبل الجلسة التى نظر فيها إستئنافه فلا يصح فى القانون الحكم بسقوط إستئنافه لعدم تقدمه للتنفيذ قبل جلسة سابقة ما دامت المحكمة لم تنظر إستئنافه ولم تفصل فيه فى تلك الجلسة وهى إذا أجلت نظر الإستئناف لجلسة أخرى فإن هذه الجلسة الأخيرة تكون هى وحدها التى يصح مساءلته عن تخلفه عن التقدم للتنفيذ قبلها ، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط إستئناف الطاعن يكون قد أخطأ فى تأويل القانون ويتعين لذلك نقضه .
( الطعن رقم 3702 لسنة 58 - جلسة 1988/10/13 - س 39 ع 1 ص 905 ق 135 )
17- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ ، إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة فإنها جعلت سقوط الإستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة فإنها جعلت سقوط الإستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة فأفادت بذلك ألا يسقط إستئناف متى كان قد تقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على قضيته فى يوم الجلسة ما دام التنفيذ عليه قد أصبح واقعاً قبل نظر الإستئناف . ولما كان لا يشترط فى تنفيذ الحكم تحرير أمر التنفيذ تمهيداً لإيداع المتهم السجن طبقاً للمادة 478 من قانون الإجراءات الجنائية ، بل يكفى أن يكون المتهم قد وضع نفسه تحت تصرف السلطة المهيمنة على التنفيذ قبل الجلسة دون إعتداد بما إذا كانت هذه السلطة قد إتخذت قبله إجراءات التنفيذ قبل الجلسة أو بعدها فإن المتهم إذ مثل أمام المحكمة الإستئنافية للفصل فى موضوع إستئنافه عن حكم مشمول بالنفاذ ، يكون التنفيذ عليه قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الإستئناف ، ويكون الحكم إذ قضى بسقوط إستئناف المتهم رغم تقدمه فى يوم الجلسة و مثوله أمام المحكمة قبل نظر إستئنافه مخطئاً فى القانون و يتعين لذلك نقضه وإذ كان هذا الخطأ قد حجب المحكمة عن الفصل فى موضوع الإستئناف فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإحالة .
( الطعن رقم 6965 لسنة 55 - جلسة 1988/03/27 - س 39 ع 1 ص 508 ق 74 )
18- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة " قد جعلت سقوط الإستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة - فأفادت بذلك ألا يسقط إستئنافه متى كان قد تقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على قضيته فى يوم الجلسة ما دام التنفيذ عليه قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الإستئناف . لما كان ذلك ، وكان لا يشترط فى تنفيذ الحكم تحرير أمر التنفيذ تمهيداً لإيداع المتهم السجن طبقاً للمادة 478 من قانون الإجرءات الجنائية بل يكفى أن يكون قد وضع نفسه تحت تصرف السلطة المهيمنة على التنفيذ قبل الجلسة دون إعتداد بما إذا كانت هذه السلطة قد إتخذت قبله إجراء التنفيذ قبل الجلسة أو بعدها . لما كان ما تقدم ، فإن الطاعن إذ مثل أمام المحكمة الإستئنافية للفصل فى موضوع إستئنافه من حكم مشمول بالنفاذ يكون التنفيذ عليه قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الإستئناف ، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط إستئناف الطاعن رغم ذلك يكون مخطئاً ويتعين لذلك نقضه . ولما كانت المحكمة بسبب هذا الخطأ قد حجبت نفسها عن بحث موضوع الإستئناف ، فإنه يتعين مع نقض الحكم إحالة الدعوى إليها للفصل فى موضوعها .
( الطعن رقم 3239 لسنة 54 - جلسة 1984/12/25 - س 35 ص 958 ق 214 )
19- إن الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن الطاعنين حضرا بجلسة 4 من مارس سنة 1980 أثناء نظر إستنئافهما ثم حجزت الدعوى للحكم بجلسة أول أبريل سنة 1980 حيث صدر الحكم المطعون فيه لما كان ذلك ، وكانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة ". قد جعلت سقوط الإستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة " فأفادت بذلك ألا يسقط إستئنافه متى كان قد تقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على قضيته فى يوم الجلسة ، ما دام التنفيذ عليه أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الإستئناف ، لما كان ذلك ، فإن الطاعنين إذ مثلاً أمام المحكمة الإستئنافية للفصل فى موضوع إستئنافهما عن حكم مشمول بالنفاذ ، يكون التنفيذ عليهما قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الإستئناف، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط إستئنافهما رغم مثولهما أمام المحكمة قبل نظر إستئنافهما ، يكون قد أخطأ فى القانون ويتعين لذلك نقضه ، ولما كانت المحكمة بسبب هذا الخطأ قد حجبت نفسها عن بحث موضوع الإستئناف فإنه يتعين مع نقض الحكم إحالة الدعوى إليها للفصل فى موضوعها .
( الطعن رقم 5010 لسنة 52 - جلسة 1982/12/14 - س 33 ص 988 ق 204 )
20- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة " قد جعلت سقوط الإستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة ولا يلزم إعمالها إلا عندما يكون التنفيذ واجباً وهو ما يتحقق إذا لم تسدد الكفالة المعينة فى الحكم الإبتدائى والتى شرعت ضماناً لحضور المستأنف الجلسة . وعدم فراره من الحكم الذى يصدر ومن ثم فإن التخلف عن سدادها يكون من شأنه أن تبقى العقوبة واجبة النفاذ وأن تصبح المادة 412 المشار إليها واجبة التطبيق ما دامت علتها قائمة .
( الطعن رقم 2266 لسنة 49 - جلسة 1980/04/02 - س 31 ع 1 ص 478 ق 89 )
21- تنص المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه "يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة. لما مفاده أنها جعلت سقوط الاستئناف منوطاً بعدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة ولا يسقط استئنافه متى كان قد تقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على قضيته فى يوم الجلسة ما دام التنفيذ عليه أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الاستئناف، لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يكفي أن يكون المتهم قد وضع نفسه تحت تصرف السلطة المهيمنة على التنفيذ قبل الجلسة دون اعتداد بما إذا كانت هذه السلطة قد اتخذت قبله إجراءات التنفيذ قبل الجلسة أو بعدها، فإن المطعون ضدها إذ مثلت أمام المحكمة الاستئنافية للفصل فى استئنافها عن حكم مشمول بالنفاذ يكون التنفيذ عليها قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الاستئناف، ويكون الحكم المطعون فيه إذ قضى فى موضوع استئنافها قد أصاب صحيح القانون .
( الطعن رقم 502 لسنة 48 - جلسة 1978/10/15 - س 29 ع 1 ص 692 ق 136 )
22- لما كانت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه " يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة ". ويجب لكي يسأل المحكوم عليه عن عدم تقدمه للتنفيذ قبل الجلسة المحددة لنظر الاستئناف أن يكون عالماً بتاريخ هذه الجلسة إما بتوقيعه بنفسه على تقرير الاستئناف بما يفيد هذا العلم أو بإعلانه به ولا يغني عن إعلانه علم وكيله الذي قرر بالاستئناف نيابة عنه لأن علم الوكيل بالجلسة لا يفيد حتماً علم الأصيل الذي لم يكن حاضراً وقت التقرير بالاستئناف .
( الطعن رقم 781 لسنة 46 - جلسة 1976/11/29 - س 27 ع 1 ص 926 ق 210 )
سقوط الاستئناف إذا لم يتقدم المتهم للتنفيذ قبل الجلسة : نصت المادة 412 من قانون الإجراءات الجنائية، المعدلة بالقانون رقم 174 السنة 1998، على أن «يسقط الاستئناف المرفوع من المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ، إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة التي تنظر فيها الدعوی» . وعلة هذا النص هي حث المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية على تنفيذ الحكم الابتدائي الصادر ضده، وهي كذلك ضمان جدية الاستئناف بصدوره عمن التزم حكم القانون، فنفذ الحكم الذي استأنفه وسقوط الاستئناف هو جزاء إجرائي، وهو شبيه بالحكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن، وهذا الجزاء يفترض أن تحكم به المحكمة، أي أنه لا يوقع بقوة القانون، وإنما يتعين أن تقرره المحكمة، إذا ثبت لها توافر شروطه، والحكم بسقوط الاستئناف «حكم شكلي» تقضي به المحكمة دون تعرض للموضوع وبإعتبار سقوط الاستئناف جزاء، فلا يقضي به إلا إذا توافرت شروط ثلاثة تفترضها فكرة الجزاء: فيتعين أن يكون المستأنف عالماً بميعاد الجلسة، وتطبيقاً لذلك فإنه إذا عدل ميعاد الجلسة الذي حدد في التقرير دون إخطاره بالموعد الجديد، فلا يجوز الحكم بسقوط الاستئناف عند عدم تقدمه للتنفيذ قبل الجلسة ويتعين ألا يكون ثمة عذر قهري حال بينه وبين التقدم للتنفيذ، ومن ثم كان له أن يعارض في هذا الحكم (بإعتباره حكماً غيابياً) ويثبت عذره، فتعدل عنه المحكمة ويتعين في النهاية أن يكون الحكم واجب التنفيذ على الرغم من استئنافه، أما إذا كان غير واجب التنفيذ، فلا لوم على المتهم إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة، ولا محل لجزاء ينزل به . (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة : 1325 )
سقوط الاستئناف :
علق القانون مباشرة المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ لحقه في الاستئناف على شرط واقف هو تقدمه للتنفيذ قبل الجلسة. وقد وضع القانون هذا الشرط حتى يكفل احترام الحكم الواجب النفاذ ويحول دون إساءة استعمال حق الاستئناف، فإذا لم يحقق المستأنف هذا الشرط تقضي المحكمة بسقوط الاستئناف كجزاء إجرائي، فسقوط الاستئناف أمر يسبق الفصل في شكل الاستئناف، فإذا تبين من معارضة المتهم في الحكم الغيابي الصادر بسقوط الاستئناف أن هذا الاستئناف كان بعد الميعاد - تعين الحكم بعدم قبول الاستئناف شكلاً .
والتقدم للتنفيذ ينصرف إلى العقوبة المقيدة للحرية لا العقوبة المالية (كالغرامة)، فلا يجوز الحكم بسقوط الاستئناف إذا لم يسدد المحكوم عليه الغرامة المقضي بها ابتدائياً قبل الجلسة .
ويجدر التنبيه إلى أن الالتزام المفروض على هذا المستأنف هو التقدم للتنفيذ قبل الجلسة لا قبل يوم الجلسة، وتتضح أهمية هذا التحديد في أنه لا يسقط الاستئناف إذا كان المحكوم عليه قد تقدم للتنفيذ قبل وقت النداء على الدعوى في يوم الجلسة مادام التنفيذ عليه قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الاستئناف، ولذلك لا يشترط لإستيفاء هذا الالتزام أن يكون أمر التنفيذ قد حرر تمهيداً لإيداع المتهم السجن طبقاً للمادة 478 إجراءات، بل يكفي أن يكون المتهم قد وضع نفسه تحت تصرف السلطة المهيمنة على التنفيذ قبل الجلسة دون إعتداد بما إذا كانت قد اتخذت قبله إجراءات التنفيذ قبل الجلسة وبعدها .
والعبرة أيضاً هي بالجلسة المحددة لنظر الاستئناف، فإذا كانت المحكمة لم تنظر الاستئناف في الجلسة المحددة بسبب تأجيله إدارياً إلى جلسة أخرى، فإن هذه الجلسة الأخير تكون وحدها التى تصح مسائلة المستأنف عن التخلف عن التقدم للتنفيذ قبلها. أما إذا كان المتهم قد قدم نفسه للتنفيذ قبل الجلسة المحددة لنظر الدعوى ثم أجلت الدعوى بعد ذلك دون تنفيذ الحكم عليه، فإنه يعد قد أوفي الالتزام المفروض عليه، دون اعتداد بما إذا كانت السلطة المختصة قد أدت واجبها في اتخاذ إجراءات التنفيذ قبل الجلسة أو بعدها، وإذا أخطأت المحكمة ولم تحكم بسقوط الاستئناف غيابياً رغم عدم تقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل يوم الجلسة وفصلت في الموضوع بحكم لم تطعن عليه النيابة العامة، فلا يجوز للمحكمة أن تقضي بسقوط الاستئناف عندما تنظر استئناف المتهم للحكم الصادر في معارضته للحكم الاستئنافي الغيابي .
وإذا هرب المحكوم عليه من السجن قبل جلسة الاستئناف عد ذلك بمثابة عدم تقدم للتنفيذ قبل الجلسة من قبيل القياس .
ويتعين على المحكمة الاستئنافية قبل أن تقضي بسقوط الاستئناف أن تتأكد من أن نفاذ الحكم أمر واجب، فإذا كان معلقاً على عدم دفع كفالة معينة وثبت أن المحكوم عليه قد دفع هذه الكفالة – فإن النفاذ يكون غير واجب ولا يجوز الحكم بسقوط الاستئناف. فإذا لم تسدد الكفالة المعينة في الحكم الابتدائي كان التنفيذ واجباً، ومتى قضت المحكمة بسقوط الاستئناف غيابياً لعدم سداد الكفالة المحددة في الحكم المستأنف، فلا يجدي بعد ذلك سداد الكفالة في وقت لاحق واستند في ذلك في معارضته الاستئنافية للحكم الغيابي الاستئنافي بسقوط الاستئناف .
ولما كان تنفيذ الأحكام أمراً يتعلق بقوتها التنفيذية لا بمضمون ما قضت به، أي ليس من المسائل التي تحوذ الحجية، فإنه إذا أخطأت محكمة أول درجة وقضت بالنفاذ الفوري لحكم غير واجب النفاذ، فإن العبرة تكون بحقيقة الواقع طبقاً للقانون، ويتعين على المحكمة الاستئنافية ألا تقضي بسقوط الاستئناف إذا لم يتقدم المحكوم عليه لتنفيذ هذا الحكم قبل الجلسة، هذا دون إخلال بحق المحكوم عليه بالإستشكال في تنفيذ الحكم عليه مادام كان غير واجب النفاذ قانوناً .
على أنه إذا لم تشمل محكمة أول درجة حكمها بالنفاذ رغم وجوبه قانوناً بل حددت كفالة للمحكوم عليه وسددها قبل جلسة الاستئناف، فإنه لا يحكم بسقوط استئنافه إذا لم يتقدم للتنفيذ . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني ، الصفحة : 122 )
أول شيء تنظره المحكمة الإستئنافية وهي بصدد إستئناف المحكوم عليه هو :
هل تقدم للتنفيذ قبل الجلسة طبقاً لنص المادة محل التعليق من عدمه؟ فإن تبينت أنه لم يتقدم للتنفيذ حكمت بسقوط إستئنافه .
وسقوط الإستئناف جزاء قرره المشرع للمستأنف المحكوم عليه بعقوبة مقيدة الحرية واجبة النفاذ، الذي لا يقدم نفسه لتنفيذ الحكم عليه قبل الجلسة التي ينظر فيها إستئنافه حتى يحثه على إحترام الحكم الصادر ضده، ولا تعتبر العقوبة المقيدة للحرية المحكوم بها واجبة النفاذ إذا دفع المحكوم عليه الكفالة التي حددها الحكم الصادر ضده بالعقوبة المقيدة للحرية، لأن هذه الكفالة الغرض منها أنها تكفل تقدمه التنفيذ، ويجب على المحكمة التي تنظر الإستئناف أن تبحث أولاً سقوط الإستئناف قبل البحث في قبوله من حيث الشكل وتبحث ما إذا كانت العقوبة المحكوم بها واجبة النفاذ من عدمه، فإن تبين لها أن العقوبة غير واجبة النفاذ بسبب أن المتهم سدد الكفالة التي حددها الحكم المستأنف، إمتنع عليها الحكم بسقوط الإستئناف، والبحث في سقوط الإستئناف واجب على محكمة الجنح المستأنفة ولو كان القانون لا يلزم المحكوم عليه بالحضور بنفسه أمام المحكمة الإستئنافية لنظر إستئنافه كما لو كانت الدعوى مرفوعة عليه بطريق الإدعاء المباشر، فقد أجاز له القانون الحضور بوكيل، ففي هذه الحالة أيضاً يجب على المحكمة أن تبحث ما إذا كان المستأنف قد تقدم للتنفيذ من عدمه، فإن تبين لها أنه لم يتقدم للتنفيذ ولم يدفع الكفالة حكمت بسقوط الإستئناف، وقضى بأن العبرة في التقدم للتنفيذ هي بالجلسة التي نظر فيها الإستئناف، فإذا كان «المحكوم عليه» لم يتقدم للتنفيذ قبل جلسة كانت محددة لنظر إستئنافه ولكن لم تنظر المحكمة استئنافه في هذه الجلسة وأجلته لجلسة أخرى، فإن الجلسة الأخيرة هي وحدها التي تصح مساءلة المتهم عن تخلفه للتقدم للتنفيذ فيها .
هذا، ومن الجائز أيضاً الحكم بسقوط إستئناف النيابة العامة وأية ذلك:
إذا صدر حكم غيابي على متهم كان من حقه أن يطعن عليه بالمعارضة والإستئناف، وكان من حق النيابة العامة أن تطعن على هذا الحكم بالإستئناف فقط. وقد يحدث أن تستعمل النيابة العامة حقها وتطعن على هذا الحكم الغيابي بالإستئناف وفي الوقت نفسه يستعمل المتهم حقه بالطعن على الحكم بالمعارضة، هنا يتعين أن توقف المحكمة الإستئنافية نظر طعن النيابة العامة إلى حين الفصل في المعارضة المرفوعة من المتهم، فإذا قضى في المعارضة بإلغاء الحكم الغيابي المعارض فيه أو تعديله، يسقط حتماً إستئناف النيابة العامة لأنه لا يكون له محل، إذ أن الحكم محل الطعن ألغي في المعارضة، فلا يكون هناك ثمة حكم مطعون عليه بالإستئناف، ومن ثم يتعين على المحكمة الإستئنافية أن تحكم بسقوط إستئناف النيابة العامة . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الرابع ، الصفحة: 69)
هذه المادة مستبدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 .
يسقط الاستئناف المرفوع من المحكوم عليه إذا لم يقدم نفسه للتنفيذ قبل الجلسة ويكفي لتحاشي ذلك أن يتقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل وقت النداء على الدعوى في يوم الجلسة مادام التنفيذ عليه قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الاستئناف دون إعتداد بما إذا كانت السلطة المهيمنة على التنفيذ قد اتخذت إجراءات قبل الجلسة .
الحكم بسقوط الاستئناف :
عملاً بنص الفقرة الأولى من المادة (412) محل التعليق فإنه يشترط لسقوط الاستئناف ما يأتي :
(1) أن يكون الخصم المستأنف الذي يحكم بسقوط استئنافه هو المتهم .
وإذا تعدد الخصوم المستأنفون فتقضي المحكمة أيضاً بسقوط استئناف المتهم وتنظر الدعوى على أساس الاستئناف المرفوع من الخصوم الآخرين .
(2) أن يكون الحكم موضوع الاستئناف قد قضى بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ، ويستوي في ذلك أن تكون واجبة التنفيذ بقوة القانون كما في جرائم السرقة أو كان المتهم عائداً أو ليس له محل إقامة في مصر أو كانت واجبة التنفيذ لعدم دفع مبلغ الكفالة المنصوص عليه في الحكم لإيقاف التنفيذ إنما يلزم أن يكون الحكم صحيحاً من حيث التنفيذ الوجوبي فخطأ القاضي في شمول الحكم بالنفاذ في غير الأحوال التي يجوز فيها ذلك لا يسمح الحكم بالسقوط .
(3) أن يمتنع المحكوم عليه عن التقديم للتنفيذ قبل الجلسة المحددة لنظر الاستئناف ولا يلزم أن يكون المحكوم عليه قد امتنع عن التقدم للتنفيذ قبل اليوم المحدد لنظر الجلسة. فتقدمه للتنفيذ في نفس اليوم للجلسة يحول دون الحكم بسقوط استئنافه طالما كان قبل نظر الدعوى وإذا هرب المحكوم عليه من السجن إلا أنه تقدم للتنفيذ قبل الجلسة فيعتبر قد حقق الشرط الخاص بنظر الاستئناف إذ لا يجوز للمحكمة أن تقضي بسقوط الاستئناف والمحكوم عليه قد تقدم للتنفيذ قبل الجلسة ولا عبرة بسلوكه السابق في هذا المجال، ويلاحظ أن المقصود بالتقدم للتنفيذ ينصرف أيضاً إلى دفع الكفالة المحكوم بها قبل الجلسة .
(4) أن يكون المتهم المستأنف يعلم بتاريخ الجلسة المحددة لنظر الاستئناف فإذا كانت الجلسة المحددة لنظر الاستئناف قد أجلت إدارياً، إذ في هذه الحالة الأخيرة يلزم إعلانه من جديد ويعتد بهذه الجلسة الأخيرة في الحكم بسقوط الاستئناف إذا لم يتقدم للتنفيذ حتى وقت النداء إلى الدعوى .
الدكتور مأمون سلامة الاجراءات الجنائية في التشريع المصري الجزء الثاني طبعة 1988 ص 473
وفي ذلك أيضاً قيل بأنه يجدر التنبيه أن الالتزام المفروض على المستأنف، هو التقدم للتنفيذ قبل الجلسة لا قبل يوم الجلسة وتتضح أهمية هذا التحديد في أنه لا يسقط الاستئناف إذا كان المحكوم عليه قد تقدم للتنفيذ قبل يوم النداء على الدعوى في يوم الجلسة مادام التنفيذ عليه قد أصبح أمراً واقعاً قبل نظر الاستئناف ولذلك لا يشترط لاستيفاء هذا الإلتزام أن يكون أمر التنفيذ قد تم تحريره تمهيداً لإيداع المتهم السجن طبقاً للمادة (478) إجراءات بل يكفي أن يكون المتهم قد وضع نفسه تحت تصرف السلطة المهيمنة على التنفيذ قبل الجلسة دون اعتداد بما إذا كانت قد اتخذت قبله إجراءات التنفيذ قبل الجلسة وبعدها، والعبرة أيضاً هي بالجلسة التي تنظر فيها المحكمة الإستئنافية فإذا كانت المحكمة لم تنظر الاستئناف في الجلسة المحددة بل أجلته إلى جلسة أخرى فإن هذه الجلسة الأخيرة تكون وحدها التي تصح مسألته عن التخلف في التقديم للتنفيذ قبلها، وإذا هرب المحكوم عليه من السجن قبل جلسة الاستئناف اعتبر ذلك بمثابة عدم تقدم لتنفيذ قبل الجلسة من قبيل القياس ويتعين على المحكمة الإستئنافية قبل أن تقضي بسقوط الاستئناف أن تتأكد من أن نفاذ الحكم أمراً واجب فإذا كان معلقاً على عدم دفع كفالة معينة وثبت، أن المحكوم عليه قد دفع هذه الكفالة فإن النفاذ يكون غير واجب ولا يجوز الحكم بسقوط الاستئناف، ولما كان تنفيذ الأحكام أمر يتعلق بقوتها التنفيذية بمضمون ما قضت به أي ليس من المسائل التي تحوز حجية فإنه إذا أخطأ محكمة أول درجة وقضت بالنفاذ الفوري لحكم غير واجب النفاذ فإن العبرة تكون بحقيقة الواقع ويتعين على المحكمة الإستئنافية ألا تقضي بسقوط الاستئناف إذا لم يتقدم المحكوم عليه لتنفيذ هذا الحكم قبل الجلسة . هذا دون إخلال بحق المحكوم عليه في الاستشكال في تنفيذ الحكم عليه طالما كان غير واجب النفاذ قانوناً .
على أنه إذا لم تشمل محكمة أول درجة حكمها بالنفاذ رغم وجوبه قانوناً بل حددت كفالة للمحكوم عليه وسددها هذا الأخير قبل جلسة الاستئناف فإنه لا يحكم بسقوط الاستئناف إذا لم يتقدم للتنفيذ .
الدكتور احمد فتحي سرور الوسيط في قانون الاجراءات الجنائية الطبعة السابق 1993 حتي 967 وما بعدها
ويلاحظ أن المشرع قد أضاف الفقرة الثانية من المادة (412 ) محل التعليق بموجب القانون رقم 174 لسنة 1998 وبمقتضاها يجوز للمحكمة عند نظر الاستئناف أن تأمر بوقف تنفيذ العقوبة مؤقتاً أو الإفراج عن المحكوم عليه بكفالة أو بغيرها وذلك إلى حين الفصل في الاستئناف وذلك بداهة عند تقديم المتهم للتنفيذ عليه قبل الجلسة وفقاً للفقرة الأولى . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 673 )
الحكم بسقوط الإستئناف :
نص المشرع في المادة 412 على أن يسقط الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم المتهم للتنفيذ قبل الجلسة التي تنظر فيها الدعوى .
وعلى ذلك فيشترط لسقوط الاستئناف ما ياتي :
1- أن يكون الخصم المستأنف الذي يحكم بسقوط استئنافه هو المتهم، وإذا تعدد الخصوم المستأنفون فتقضي المحكمة أيضاً بسقوط استئناف المتهم وتنظر الدعوى على أساس الاستئناف المرفوع من الخصوم الآخرين .
2- أن يكون الحكم موضوع الاستئناف قد قضى بعقوبة مقيدة للحرية واجبة النفاذ، ويستوي في ذلك أن تكون واجبة التنفيذ بقوة القانون كما فی جرائم السرقة أو كان المتهم عائداً أو ليس له محل إقامة في مصر ، أو كانت واجبة التنفيذ لعدم دفع مبلغ الكفالة المنصوص عليه في الحكم لإيقاف التنفيذ، إنما يلزم أن يكون الحكم صحيحاً من حيث التنفيذ الوجوبي، فخطأ القاضي في شمول الحكم بالنفاذ في غير الأحوال التي يجوز فيها ذلك لا يسمح بالحكم بالسقوط .
3- أن يمتنع المحكوم عليه عن التقدم للتنفيذ قبل الجلسة المحددة لنظر الاستئناف ولا يلزم أن يكون المحكوم عليه قد امتنع عن التقدم للتنفيذ قبل اليوم المحدد لنظر الجلسة، فتقدمه للتنفيذ في نفس اليوم المحدد للجلسة يحول دون الحكم بسقوط استئنافه طالما كان قيد نظر الدعوى، وإذا هرب المحكوم عليه من السجن إلا أنه تقدم للتنفيذ قبل الجلسة فيعتبر قد حقق الشرط الخاص بنظر الاستئناف ، إذ لا يجوز للمحكمة أن تقضي بسقوط الاستئناف والمحكوم عليه قد تقدم للتنفيذ قبل الجلسة، ولا عبرة بسلوكه السابق في هذا المجال .
ويلاحظ أن المقصود بالتقدم للتنفيذ ينصرف أيضاً إلى دفع الكفالة المحكوم بها قبل الجلسة .
4- أن يكون المتهم المستأنف يعلم بتاريخ الجلسة المحددة لنظر الاستئناف سواء بإخطاره عند التقرير به بنفسه أو بإعلانه رسمياً بها إذا كانت الجلسة المحددة لنظر الاستئناف قد أجلت إدارياً، إذ في هذه الحالة الأخيرة يلزم إعلانه من جديد ويعتد بهذه الجلسة الأخيرة في الحكم بسقوط الاستئناف إذا لم يتقدم للتنفيذ حتى وقت النداء على الدعوى .
ويجوز للمحكمة أن تحكم على رافع الاستئناف بغرامة لا تتجاوز خمسة جنيهات إذا ما قضت بسقوطه (م 417) والحكم بسقوط الاستئناف يعتبر حكماً غيابياً يقبل الطعن بالمعارضة إذا ما توافرت شروطها .
وقد استحدثت المادة 412 إجراءات فقرة جديدة أنه يجوز للمحكمة عندنظر الاستئناف أن تأمر بوقف تنفيذ العقوبة مؤقتاً أو الإفراج عن المحكوم عليه بكفالة او بغيرها، وذلك إلى حين الفصل في الاستئناف .
الحكم في شكل الاستئناف :
يجب على المحكمة الاستئنافية قبل التعرض لموضوع الاستئناف أن تفصل في شكله، والفصل في شكل الاستئناف يتطلب التأكد من توافر الشروط الخاصة التي استلزمها القانون لقبول الاستئناف المتعلقة بثبوت حق الطعن والأحكام الجائز استئنافها وإجراءات الاستئناف، وهذه الشروط من شأنها إذا توافرت أن تقضي المحكمة بقبول الاستئناف شكلاً ، كما أن عدم توافر إحداها أو كلها يترتب عليه الحكم بعدم قبول الاستئناف شكلاً غير أن القضاء وبعض الفقهاء فرق في محيط عدم قبول الاستئناف بين الفروض التي يكون فيها عدم القبول راجعاً إلى تخلف الشروط الخاصة بموضوع الطعن أي الأحكام الجائز استئنافها وبين تخلف الشروط الأخرى الخاصة بثبوت حق الطعن أي المتعلقة بصفة الطاعن والمصلحة وكذلك تلك المتعلقة بإجراءات الطعن سواء بالنسبة للمواعيد أو التقرير به، فإذا كان الذي تخلف هو الشروط الخاصة بالموضوع أي الأحكام الجائز الطعن فيها بطريق الاستئناف فتقضي المحكمة ليس بعدم قبول الاستئناف وإنما تقضي بعدم جواز الاستئناف، أما تخلف الشروط المتعلقة بصفة الطاعن والمصلحة والمواعيد والتقرير بالطعن فتقضي المحكمة بعدم قبول الاستئناف شكلاً، غير أن عدم الجواز يندرج تحت مضمون عدم القبول بالتحديد السابق بيانه لتلك الفكرة، ولا نجد فارقاً يذكر بين الشروط الخاصة بموضوع الطعن، والتي جزاء تخلفها هو عدم الجواز كما جرى العمل، وبين الشروط الخاصة بثبوت حق الطعن والتي يقضي فيها بعدم قبول .
وأياً كان الرأي فإنه من الناحية العملية لا يجوز التفرقة بين عدم القبول وعدم الجواز حيث لا توجد له أية آثار قانونية .
وغني عن البيان أن كل ما يتعلق بشكل الاستئناف سواء من حيث ثبوت حق الطعن والأحكام الجائز استنافها وإجراءات الاستئناف ومواعيده، هو من الإجراءات المتعلقة بالنظام العام، ولذلك تقضي فيها المحكمة دائماً من تلقاء نفسها ولو لم يدفع بها الخصوم .
وقد أجاز المشرع للمحكمة إذا قضت بسقوط الاستئناف أو بعدم قبوله أو بعدم جوازه أن تحكم على رافعه بغرامة لا تتجاوز خمسة جنيهات (م 417) . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث، الصفحة : 1672 )
علة هذا النص هي حث المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية على تنفيذ الحكم الابتدائي الصادر ضده، وهی كذلك ضمان جدية الاستئناف بصدوره عمن التزم حكم القانون فنفذه الحكم الذي استأنفه . وسقوط الاستئناف، هو جزاء اجرائي ، وهو شبيه بالحكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن. وهذا الجزاء يفترض أن تحكم به المحكمة أي أنه لا يوقع بقوة القانون، وإنما يتعين أن تقرره المحكمة، إذا ثبت لها توافر شروطه. والحكم بسقوط الاستئناف " حكم شكلي " تقضي به المحكمة دون تعرض الموضوع، وبإعتبار سقوط الاستئناف جزاء، فلا يقضي به إلا إذا توافرت شروط ثلاثة تفترضها فكرة الجزاء فيتعين أن يكون المستأنف عالماً بميعاد الجلسة، وتطبيقاً لذلك فإنه إذا عدل ميعاد الجلسة الذي حدد في التقرير دون إخطاره بالموعد الجديد، فلا يجوز الحكم بسقوطه عند عدم تقدمه للتنفيذ قبل الجلسة، ويتعين ألا يكون ثمة عذر قهری حال بينه وبين التقدم للتنفيذ، ومن ثم كان له أن يعارض في هذا الحكم (بإعتباره حكماً غيابياً) ويثبت عذره فتعدل عنه المحكمة ويتعين في النهاية أن يكون الحكم واجب التنفيذ على الرغم من استئنافه، أما إذا كان غير واجب التنفيذ، فلا لوم على المتهم إذا لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة، ولا محل لجزاء ينزل به ويعتبر التنفيذ واجباً إذا لم تسدد الكفالة المعينة في الحكم الابتدائي، ذلك أن التخلف عن سدادها من شأنه أن تبقى العقوبة واجبة النفاذ .
ويقتصر تطبيق هذا النص على المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية. وبناء على ذلك لا يسقط الاستئناف إذا كان المتهم محكوماً عليه بالغرامة، ولم يسددها قبل الجلسة، ويفترض أن المحكوم عليه لم يتقدم للتنفيذ قبل الجلسة مباشرة، ومن ثم لا يقضي بسقوط الاستئناف إذا تقدم للتنفيذ وقت النداء عليه في الجلسة، ولو كان لم يتقدم للتنفيذ قبل ذلك الوقت، أي في اليوم السابق علي يوم الجلسة. ويفترض هذا الجزاء كذلك ألا يكون المتهم قد تقدم للتنفيذ قبل الجلسة التي نظر فيها استئنافه، ومن ثم لا يقضي بهذا الجزاء إذا كان لم يتقدم للتنفيذ قبل جلسة لم ينظر فيها استئنافه (وكانت محددة لنظره) ولكن أرجأته المحكمة إلى جلسة تالية تقدم للتنفيذ قبلها وما يطالب به المتهم هو أن يضع نفسه تحت تصرف السلطة المختصة بالتنفيذ، أما اتخاذ إجراءات التنفيذ إزاءه فلا يتوقف على إرادته، ومن ثم فإنه لا يحكم بهذا الجزاء على من تقدم لهذه السلطة ولكنها لم تتخذ إجراء تنفيذياً ضده .
وسقوط الاستئناف يعني زوال أثره، فكأنه لم يرفع ابتداء، فإذا كان ميعاد الاستئناف قد انقضى ترتب على ذلك صيرورة الحكم الابتدائي نهائياً، أما إذا كان ميعاد الاستئناف لم ينقض، فإنه يجوز رفع استئناف جديد .
شكل الاستئناف :
يكون الاستئناف غير مقبول شكلاً إذا لم تتوافر جميع المفترضات الإجرائية التي علق القانون عليها جوازه فإذا قدم الاستئناف بعد انقضاء ميعاده، أو قدم عن غير طريق التقرير"، أو كان التقرير باطلاً أو كان المستأنف غير ذي صفة أو غير ذي مصلحة، أو كان الحكم غير قابل للاستئناف أصلاً، فإن المحكمة تحكم بعدم قبول الاستئناف شكلاً، دون أن تتطرق إلى النظر في موضوع الدعوى، وأسباب عدم قبول الاستئناف تتعلق بالنظام العام، ومن ثم يجوز إثارتها في أية حالة كانت عليها الدعوى، أي أن نظر المحكمة في موضوع الدعوى دون أن يثير المتهم الدفع بعدم قبول الاستئناف شكلاً لا يحرمه حقه في أن يثيره فيما بعد، إذ لا يحتج عليه بتنازله الضمني عنه، فى الدفع - لتعلقه بالنظام العام - لا يقبل تنازلاً .
وإذا رفضت المحكمة الدفع بعدم قبول الاستئناف شكلاً، فإنها تكون قد استنفدت سلطتها بالنسبة لشكل الاستئناف، فإذا عادت بعد ذلك وقضت بعدم قبول الاستئناف شكلاً كان حكمها باطلاً .
وإذا حكمت المحكمة غيابياً بعدم قبول الاستئناف شكلاً ثم عورض في حكمها، فإن المحكمة يتعين عليها أن تفصل في صحة هذا الحكم من ناحية شكل الاستئناف"، فإن رأت قضاءه صحيح وقفت عند هذا الحد، وأن رأت أنه خاطئ ألغته ثم انتقلت إلى موضوع الدعوى "، ويعني ذلك أنه لا يجوز لها أن تتعرض لموضوع الدعوى قبل أن تلغي هذا الحكم إذ لو فعلت لكان معنى ذلك توهمها أن الحكم المعارض فيه صادر في موضوع الدعوى . ( الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الرابع، الصفحة : 53)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 231
مَحْكُومٌ عَلَيْهِ
التَّعْرِيفُ :
الْمَحْكُومُ فِي اللُّغَةِ : اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْحُكْمِ وَهُوَ الْقَضَاءُ، وَأَصْلُهُ الْمَنْعُ يُقَالُ: حَكَمْتُ عَلَيْهِ بِكَذَا: إِذَا مَنَعْتَهُ مِنْ خِلاَفِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَكَمْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ: فَصَلْتُ بَيْنَهُمْ فَأَنَا حَاكِمٌ وَحَكَمٌ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يُقْضَى عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ.
وَفِي اصْطِلاَحِ الأْصُولِيِّينَ هُوَ الْمُكَلَّفُ: وَهُوَ مَنْ تَعَلَّقَ بِفِعْلِهِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِالاِقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ.
الأْحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ :
تَتَعَلَّقُ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ فِقْهِيَّةٌ مِنْهَا :
أ - لُزُومُ إِصْدَارِ الْقَاضِي الْحُكْمَ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ
إِذَا قَامَتِ الْحُجَّةُ وَتَوَفَّرَتْ أَسِبَابُ الْحُكْمِ لَزِمَ الْقَاضِيَ إِصْدَارُ الْحُكْمِ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ الْمَحْكُومُ لَهُ ذَلِكَ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي (قَضَاءٌ ف 75 وَمَا بَعْدَهَا).
ب - طَلَبُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَسْخَ الْحُكْمِ
الأْصْلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنْ لاَ يُتَتَبَّعَ أَحْكَامُ الْقُضَاةِ، وَلاَ يُمَكَّنَ الْعَامَّةُ مِنْ خُصُومَةِ قُضَاتِهِمْ لأِقْضِيَةِ حَكَمُوا بِهَا، وَلاَ تُسْمَعَ عَلَيْهِمْ دَعْوَاهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، لأِنَّ فِي ذَلِكَ امْتِهَانًا لِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ، وَإِهَانَةً لِلْقُضَاةِ وَاتِّهَامًا لِنَزَاهَتِهِمْ، وَلأِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رَغْبَةِ الْعُلَمَاءِ عَنِ الْقَضَاءِ، وَلأِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ أَحْكَامِهِمْ وَكَوْنُهَا صَوَابًا، لأِنَّهُ لاَ يُوَلَّى إِلاَّ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْوِلاَيَةِ، وَتَتَبُّعُ أَحْكَامِ الْقُضَاةِ تَشْكِيكٌ فِي نَزَاهَتِهِمْ، وَاتِّهَامٌ لَهُمْ فِي عَدَالَتِهِمْ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي (نَقْضٌ).
الأْحْكَامُ الأْصُولِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ :
- لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ - وَهُوَ الْمُكَلَّفُ عِنْدَ الأْصُولِيِّينَ - شُرُوطٌ مِنْهَا: أَحَدُهَا: الْحَيَاةُ، فَالْمَيِّتُ لاَ يُكَلَّفُ، وَلِهَذَا لَوْ وَصَلَ عَظْمُهُ بِنَجَسٍ لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ.
الثَّانِي: كَوْنُهُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ: الإْنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلاَئِكَةِ.
الثَّالِثُ: الْعَقْلُ، فَلاَ تَكْلِيفَ لِمَجْنُونٍ وَلاَ صَبِيٍّ لاَ يَعْقِلُ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي الْمُلْحَقِ الأْصُولِيِّ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 152
نَقْضُ الْقَضَاءِ :
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِنَقْضِ الْقَضَاءِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا خَالَفَ فِي حُكْمِهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا كَانَ قَضَاؤُهُ فَاقِدًا لِشَرْطٍ وَوَجَبَ نَقْضُهُ، إِذْ أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالاِجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ رضي الله عنه : «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو» وَلأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، إِذْ لاَ مَسَاغَ لِلاِجْتِهَادِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَزَادَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ زِيَادَاتٍ أُخْرَى كَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي حُكْمِ مَا يُنْقَضُ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ شَيْئًا لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَإِلَى أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمٌ أَصْلاً، غَيْرَ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ سُنَّةٍ آحَادٍ أَوْ خَالَفَ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بِخِلاَفِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ.
مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَ النَّقْضَ فِي نِطَاقِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ لِلنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَمَنَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْقَاضِي لاَ تَخْلُو عَنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
قِسْمٌ يُنْقَضُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ يُمْضَى بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِوَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الْقِسْمُ الأَْوَّلُ: مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ إِذَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِْجْمَاعَ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ: مَا يَشِذُّ مَدْرَكُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، أَوْ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَقَيَّدَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوِ الْقِيَاسَ أَوِ النَّصَّ - فَالْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَلاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيَجِبُ نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلأَْخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلاَفُ الإِْجْمَاعِ، لأََنَّ الأُْمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الأَْخَ، وَأَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأُْمَّةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّحْقِيقِ - نُقِضَ بِهِ حُكْمُهُ وَحُكْمُ غَيْرِهِ؛لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادٍ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمْلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَكَانَ لاَ يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَوَرَّثَهَا عُمَرُ».
وَقَضَى فِي الأَْصَابِعِ بِقَضَاءٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِلِ»وَنَقَضَ عَلِيٌّ رضي الله عنه قَضَاءَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لأُِمٍّ - بِأَنَّ الْمَالَ لِلأَْخِمُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ هَذِهِ الآْيَةِ. فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَتْ إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَصْلُ الإِْجْمَاعِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ ظَنًّا مُحْكَمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَيَلْزَمُهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ، فَلْيَحْكُمْ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِ الْحَادِثَةِ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا، وَلاَ يَنْقُضُ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً، بَلْ يُمْضِيهِ، ثُمَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتَتَبَّعُ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، وَلَهُ تَتَبُّعُ قَضَاءِ نَفْسِهِ لِيَنْقُضَهُ.
وَقَالَ: مَا يَنْقُضُ مِنَ الأَْحْكَامِ لَوْ كُتِبَ بِهِ إِلَيْهِ لاَ يَخْفَى أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ. وَأَمَّا مَا لاَ يَنْقُضُ وَيَرَى غَيْرَهُ أَصْوَبَ مِنْهُ فَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَطَأً، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لاَ أُحِبُّ تَنْفِيذَهُ. وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِتَجْوِيزِ تَنْفِيذِهِ.
وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ (الشَّافِعِيُّ) بِنَقْلِ الْخِلاَفِ فَقَالَ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ قَبْلَهُ فَلَمْ يَرَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي النَّقْضَ، لَكِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْرِضُ عَنْهُ، وَأَصَحُّهُمَا: يُنْفِذُهُ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ تَغَيُّرًا لاَ يَقْتَضِي النَّقْضَ، وَتَرَافَعَ الْخُصُومُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمْضِي حُكْمَهُ الأَْوَّلَ وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ.
وَيَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ مُخَالَفَةُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) فَإِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَزَوُّجِ امْرَأَةِ الأَْبِ وَجَارِيَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا الأَْبُ، فَلَوْ حَكَمَ قَاضٍ بِجَوَازِ ذَلِكَ نَقَضَهُ مَنْ رُفِعَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لِلزَّوْجِ الأَْوَّلِ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ بِدُونِ إِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْ جُلُّ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ، وَمُخَالَفَةُ
الْبَعْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ خِلاَفٌ لاَ اخْتِلاَفٌ، وَقَالُوا: يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ حُكْمًا لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ كُلُّ حُكْمٍ وَافَقَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، فَإِذَا أَصَابَ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ كَمَا إِذَا حَكَمَ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ نَافِذًا، لاَ يُتَعَقَّبُ بِفَسْخٍ وَلاَ نَقْضٍ، لأَِنَّ هَذَا الْقَضَاءَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ فَنَفَذَ، وَلَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَجُوزُ إِبْطَالُهُ، وَالأَْصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم كَانَ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ مَا قَضَى، فَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ»وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه «أَنَّهُ حَكَمَ بِحِرْمَانِ الإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ مِنَ التَّرِكَةِ فِي الْمُشْرِكَةِ، ثُمَّ شَرَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُضْ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي»، وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يَرُدَّ الأُْولَى، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلاً، لأَِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّالِثُ يُخَالِفُ الثَّانِيَ، فَلاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لَوْ قَضَى عَلَى خِلاَفِ قِيَاسٍ خَفِيٍّ - وَهُوَ مَا لاَ يُزِيلُ احْتِمَالَ الْمُفَارَقَةِ وَلاَ يَبْعُدُ كَقِيَاسِ الأُْرْزِ عَلَى الْبُرِّ فِي بَابِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الطَّعَامِ - فَلاَ يَنْقُضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفَ لَهُ، لأَِنَّ الظُّنُونَ الْمُتَعَادِلَةَ لَوْ نَقَضَ بَعْضُهَا بَعْضًا لَمَا اسْتَمَرَّ حُكْمٌ وَلَشَقَّ الأَْمْرُ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنِ اجْتَهَدَ مِنَ الْحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ خَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَمْ يَرُدَّهُ، وَحَكَمَ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ بِالَّذِي هُوَ أَصْوَبُ.
وَيُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ.
فَالْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِينِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَانَ الْقَاضِي يَرَى سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا، فَإِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لاَ يَرَى ذَلِكَ يُمْضِيهِ وَلاَ يَنْقُضْهُ. وَكَذَا لَوْ قَضَى لاِمْرَأَةٍ بِشَهَادَةِ زَوْجِهَا وَآخَرَ أَجْنَبِيٍّ، فَرُفِعَ لِمَنْ لاَ يُجِيزُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ أَمْضَاهُ، لأَِنَّ الأَْوَّلَ قَضَى بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، لأَِنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ، وَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلاَءِ هَلْ تَصِيرُ حُجَّةً لِلْحُكْمِ أَوْ لاَ؟
فَالْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ لاَ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ.
وَفَصَّلُوا مَسْأَلَةَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، فَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يَنْقُضْهُ الثَّانِي بَلْ يُنْفِذُهُ لِكَوْنِهِ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، لِمَا عُلِمَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِأَيِّ الأَْقْوَالِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَوْ نَقَضَهُ إِنَّمَا يَنْقُضُهُ بِقَوْلِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا صَحَّ بِالاِتِّفَاقِ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مَعَ الثَّانِي دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ بَلِ اجْتِهَادِيٌّ، وَصِحَّةُ قَضَاءِ الْقَاضِي الأَْوَّلِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَهُوَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِأَيِّ وَجْهٍ اتَّضَحَ لَهُ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا مَضَى بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُوجِبُ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْقَضَاءِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الاِجْتِهَادِ وَأَنْ لاَ يَجُوزَ نَقْضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ بِرَفْعِهِ إِلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الأَْوَّلِ فَيَنْقُضُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ الْمُدَّعِي إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَنْقُضُ نَقْضَهُ، وَيَقْضِي كَمَا قَضَى الأَْوَّلُ، فَيُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ تَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ وَالْمُنَازَعَةُ أَبَدًا، وَالْمُنَازَعَةُ فَسَادٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْفَسَادِ فَسَادٌ.
فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي رَدَّ الْحُكْمَ، فَرَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ - نُفِّذَ قَضَاءُ الأَْوَّلِ وَأُبْطِلَ قَضَاءُ الْقَاضِي الثَّانِي، لأَِنَّهُ لاَ مَزِيَّةَ لأَِحَدِ الاِجْتِهَادَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَْوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلاَ يُنْتَقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ كَانَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ بِالإِْجْمَاعِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ مِنَ
الثَّانِي مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ، فَيَكُونُ بَاطِلاً، وَلأَِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الاِجْتِهَادُ بِالاِجْتِهَادِ، وَالدَّعْوَى مَتَى فَصَلَتْ مَرَّةً بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لاَ تُنْتَقَضُ وَلاَ تُعَادُ، فَيَكُونُ قَضَاءُ الأَْوَّلِ صَحِيحًا، وَقَضَاءُ الثَّانِيَ بِالرَّدِّ بَاطِلاًوَشَرْطُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَدَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَإِنْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ كَانَ فَتْوَى لاَ حُكْمًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ نَفْسُهُ مُجْتَهَدًا فِيهِ، أَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّازِلَةِ مَوْضُوعِ الدَّعْوَى يَرْفَعُ الْخِلاَفَ، فَلاَ يَجُوزُ لِمُخَالِفٍ فِيهَا نَقْضُهَا، فَإِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ صِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ يَرَى ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لِقَاضٍ غَيْرِهِ وَلاَ لَهُ نَقْضُهُ، وَهَذَا فِي الْخِلاَفِ الْمُعْتَبَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ فَلاَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ، بَلْ يُمْضِيهِ وَيَحْكُمُ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي نَقْضِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ :
الأَْحْكَامُ الَّتِي يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بَيْنَ الْقَوْلِ بِنَقْضِهَا وَالْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهَا، وَأَهَمُّهَا:
أ- الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ: هُوَ مَا يَقَعُ الْخِلاَفُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الْحُكْمِ، فَقِيلَ: يَنْفُذُ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ عَلَى إِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَفَيَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَ الأَْوَّلِ إِذَا مَالَ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلاَفِ اجْتِهَادِ الأَْوَّلِ، لأَِنَّ قَضَاءَهُ لَمْ يُجَزْ بِقَوْلِ الْكُلِّ، بَلْ بِقَوْلِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَلَمْ يَكُنْ جَوَازُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَكَانَ مُحْتَمِلاً لِلنَّقْضِ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي بَطَلَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ كَمَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ لاِمْرَأَتِهِ، لأََنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا أَمْضَاهُ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ نَقْضُهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي مَحَلٍّ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ؛ لأَِنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَنْفُذُ لِوُقُوعِ الاِتِّفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَخَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ لاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - أَمَّا مُحَمَّدٌ فَيَرَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ، فَكَانَ هَذَا الْفَصْلُ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلاَ يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الاِجْتِهَادِ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لاَ يَنْفُذُ، بَلْ يَنْقُضُهُ لأَِنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلاً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ - فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ - فَحَكَمَ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ أَنَّ الصَّوَابَ خِلاَفُهُ فَلاَ يَنْقُضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ نَقْضُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلاَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلاَ يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالُوا: يُفْسَخُ الْحُكْمُ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاضِي حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَوَافَقَ قَوْلاً شَاذًّا نَقَضَ حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاذًّا لَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ لاَ يَرَى الْبَتَّةَ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً، فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَسْتُ أَرَاهُ، لاَ يَرْجِعُ الْقَاضِي عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ وَلاَ إِلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الأَْوْلَى خَطَأً بَيِّنًا صُرَاحًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْمُسْتَنِدِ إِلَى اجْتِهَادِهِ الْمُخَالِفِ خَبَرَ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي لاَ يَحْتَمِلُ إِلاَّ تَأْوِيلاً بَعِيدًا يَنْبُو الْفَهْمُ عَنْ قَبُولِهِ - يُنْقَضُ، وَقِيلَ: لاَ يُنْقَضُ، مِثَالُهُ الْقَضَاءُ بِنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ - عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ - وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِلاَ وَلِيٍّ. وَقِيلَ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِوَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، ثُمَّ بَانَ لَهُ فَسَادُ اجْتِهَادِهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلاَّ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ دُونَ الأَْوَّلِ، وَلَوْ بَانَ لَهُ فَسَادُ الاِجْتِهَادِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِهِ حَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ إِنْ بَانَ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ خَطَأُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اجْتِهَادِهِ قَبْلَ صَلاَتِهِ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، وَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَصَلَّى، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلاَةَ الثَّانِيَةَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا رَفَعَ إِلَى قَاضٍ حَكَمَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لاَ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنَفِّذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ فِي الأَْصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ صَحِيحًا، لأَِنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلاَفُ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِوَقِيلَ: يَحْرُمُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي لاَ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ قَبْلَهُ.
ب- عَدَمُ عِلْمِ الْقَاضِي بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ :
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ، أَيْ: أُلْزِمَ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، لَوْ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَالِمًا بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ، وَلاَ يُمْضِيهِ الثَّانِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ فِي الْخُلاَصَةِ: وَيُفْتَى بِخِلاَفِهِ - وَكَأَنَّهُ - تَيْسِيرًا.
وَأَضَافَ ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا قَضَى الْمُجْتَهِدُ فِي حَادِثَةٍ، لَهُ فِيهَا رَأْيٌ مُقَرَّرٌ قَبْلَ قَضَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ قَضَاءَهُ هَذَا عَلَى خِلاَفِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَحِينَئِذٍ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ رَأْيَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ قَضَائِهِ أَنَّ فِيهَا خِلاَفًا، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ بِأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي بِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلاَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ، لأَِنَّ
عِلْمَهُ بِالْخِلاَفِ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلاَ بُطْلاَنِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ.
ج- الْخَطَأُ فِي الْحُكْمِ :
يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَصَدَ الْحُكْمَ بِشَيْءٍ فَأَخْطَأَ عَمَّا قَصَدَهُ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوِ اشْتِغَالِ بَالٍ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَيَنْقُضُهُ الَّذِي أَصْدَرَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلاَ اجْتِهَادٍ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ، وَوَجْهُ النَّفَاذِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِيَقِينٍ لأَِنَّ رَأْيَهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ الصَّوَابَ، وَرَأْيُ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ خَطَأً، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَطَأً بِيَقِينٍ، فَكَانَ حَاصِلُهُ قَضَاءً فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، وَوَجْهُ عَدَمِ النَّفَاذِ أَنَّ قَضَاءَهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ عَبَثٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ. وَبِهَذَا أَخَذَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الأَْوْزَجَنْدِيُّ، وَبِالأَْوَّلِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ لأَِنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ.
د- إِذَا خَالَفَ مَا يَعْتَقِدُهُ أَوْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ :
إِذَا خَالَفَ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ مَذْهَبَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ، وَبِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُقَلِّدًا وَقَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ هُوَ حُكْمَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ، وَأَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْقَاضِي مُتَّبِعًا لإِِمَامٍ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ أَوْ قَلَّدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أَوْ أَتْقَى مِنْهُ فَحَسَنٌ، وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ خِلاَفَ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي أُمِرَ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، فَإِنْ عَمِلَ وَحَكَمَ لاَ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ الرَّأْيَ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي قَاضِيًا لِلْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْمَذْكُورِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُقَلِّدَ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ جَدَّتْ أُخْرَى مُمَاثِلَةً فَإِنَّ حُكْمَهُ لاَ يَتَعَدَّى لِلدَّعْوَى الأُْخْرَى، فَالْمُجْتَهِدُ يَجْتَهِدُ فِي النَّازِلَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالْمُقَلِّدُ يَحْكُمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً مِنْ رَاجِحِ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِضِدِّهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِفَسْخِ نِكَاحِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلاَ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَجَدَّدَ مِثْلُهَا، فَنَظَرَهَا قَاضٍ يَرَى صِحَّةَ الزَّوَاجِ بِدُونِ وَلِيٍّ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ارْتَفَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ نَقْضُهُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْقَضِيَّةِ الأُْولَى هِيَ ذَاتَ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِذَا خَالَفَ الْقَاضِي مَا يَعْتَقِدُهُ: بِأَنْ حَكَمَ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لاِعْتِقَادِهِ بُطْلاَنَهُ، فَإِنِ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَقْتَ الْحُكْمِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلاَ نَصَّ وَلاَ إِجْمَاعَ لَمْ يَنْقُضْهُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ.
هـ - صُدُورُ الْحُكْمِ مِنْ قَاضٍ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ:
إِذَا وَلِيَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لِجَهْلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، مَا أَصَابَ فِيهَا وَمَا أَخْطَأَ، أَمْ يَقْتَصِرُ النَّقْضُ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي يَشُوبُهَا الْخَطَأُ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا تُنْقَضُ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا، لأَِنَّهَا صَدَرَتْ مِمَّنْ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، لَكِنَّ صَاحِبَ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَلاَّهُ ذُو شَوْكَةٍ بِحَيْثُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ مَعَ الْجَهْلِ، أَوْ نَحْوِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مَا أَصَابَ فِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ أَمْ لاَ يَسُوغُ، لأَِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ كَعَدَمِهِ، لأَِنَّ شَرْطَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّ الأَْوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ. وَلاَ يُنْقَضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالْحَقُّ إِذَا وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَمْ يُغَيَّرْ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ مَضَى قَطْعًا وَلَمْ يُتَعَقَّبْ حُكْمُهُ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلاَّ مَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ هَذَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ زَمَنٍ وَلاَ يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِخِلاَفِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَأَعْطَى بِذَلِكَ حُجَّةً لاَ يُنَفَّذُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَلاَ يُعْمَلُ بِالْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ»أَيْ قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِخِلاَفِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَكَذَا قَاضٍ قَضَى عَلَى جَهْلٍ.
و- صُدُورُ حُكْمٍ مِنْ قَاضٍ جَائِرٍ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا الْقَاضِي إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجَوْرِ وَكَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ وَسِيرَتِهِ - عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلاً، ظَهَرَ جَوْرُهُ أَوْ خَفِيَ - هَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا جَانَبَ الصَّوَابَ وَمَا وَافَقَهُ، أَمْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْخَاطِئَةُ دُونَ غَيْرِهَا؟
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمَا - إِلَى وُجُوبِ نَقْضِ أَحْكَامِهِ كُلِّهَا، صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ حَيْفُهُ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا ظَهَرَ الصَّوَابُ وَالْعَدْلُ فِي قَضَائِهِ، وَكَانَ بَاطِنُ أَمْرِهِ فِيهِ جَوْرٌ، وَلَكِنْ عُرِفَ مِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّ حُكْمَهُ فِيهَا صَوَابٌ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ عَرَفَ الْقَضَايَا،فَإِنَّ أَحْكَامَهُ تَمْضِي وَلاَ تُنْقَضُ، لأَِنَّهَا إِذَا نُقِضَتْ وَقَدْ مَاتَتِ الْبَيِّنَةُ وَانْقَطَعَتِ الْحُجَّةُ كَانَ ذَلِكَ إِبْطَالاً لِلْحَقِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنَّ أَقْضِيَةَ الْخُلَفَاءِ وَالأُْمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ جَائِزَةٌ مَا عُدِلَ فِيهِ مِنْهَا، وَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ جَوْرٌ أَوِ اسْتُرِيبَ، مَا لَمْ يُعْرَفِ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَاضِي غَيْرِ الْعَدْلِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّلُ : تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي : عَدَمُ نَقْضِهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، مَا لَمْ يَثْبُتِ الْجَوْرُ، وَفِي التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ ضَرَرٌ لِلنَّاسِ وَوَهَنٌ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَعْدَاءٍ يَرْمُونَهُ بِالْجَوْرِ يُرِيدُونَ الاِنْتِقَامَ مِنْهُ بِنَقْضِ أَحْكَامِهِ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ تَمْكِينِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ : رَأْيُ أَصْبَغَ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عَدَلَ فِيهِ وَلَمْ يُسْتَرَبْ فِيهِ، وَيُنْقَضْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْجَوْرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُ مَنْ شَاعَ
جَوْرُهُ إِذَا أَثْبَتَ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاضِي تَعَمَّدَ الْجَوْرَ فِيمَا قَضَى وَأَقَرَّ بِهِ فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَيُعَزَّرُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ لاِرْتِكَابِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَيُعْزَلُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ جَوْرُهُ وَرِشْوَتُهُ رُدَّتْ قَضَايَاهُ وَشَهَادَتُهُ.
ز- الْحُكْمُ الْمَشُوبُ بِالْبُطْلاَنِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ أَوْ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ مَنْ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ : يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ - نَقْضَ الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ بَاطِلاً لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ، فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ شَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي : يَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ لَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَسِيرُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ تَظْهَرُ مِنْهُ تُهْمَةٌ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ هُوَ اعْتِرَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لاِبْنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهَا.
وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ إِذَا أَثْبَتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ عَدَاوَةٍ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الْقَاضِي، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ أَحَدِ وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ بِخِلاَفِ شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ.
ح- الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ فِيهَا خَلَلٌ :
إِذَا كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ بَيِّنَةً لاَ شِيَةَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ، وَإِنِ اعْتَوَرَ الْبَيِّنَةَ مَا يَعِيبُهَا، نُظِرَ: هَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ أَمْ لاَ؟ وَقَدْ فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ أَوْ صَغِيرَيْنِ :
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ إِذَا بُنِيَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَهَرَ كَوْنُهُمَا كَافِرَيْنِ، أَوْ صَغِيرَيْنِ فِيمَا عَدَا الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بَيْنَ الصِّغَارِ بِشُرُوطِهَا - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا .
فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا قَبْلَ الْحُكْمِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ لِفِسْقِهِمَا.
وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ لَكِنَّهُ إِذَا قَضَى بِمُوجِبِهِمَا لاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِلاَّ فِيمَا ذُكِرَ.
وَيَرَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ الْحُكْمِ بِفِسْقِ الشُّهُودِ إِلاَّ بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمَا، أَوْ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِوَيَرَى ابْنُ قُدَامَةَ وَأَبُو الْوَفَاءِ أَنَّهُ إِذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْقُضْهُ.
تَقْصِيرُ الْقَاضِي فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ :
إِذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَصَّرَ فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ وَأَتَى بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ بِمَا يَجْرَحُهُمْ كَالْفِسْقِ، فَفِي نَقْضِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ، وَبِالنَّقْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِعَدَمِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ.
الْجِهَةُ الَّتِي تَنْقُضُ الْحُكْمَ :
فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا نَقْضُ الْحُكْمِ: إِمَّا أَنْ يَنْقُضَهُ الْقَاضِي الَّذِي أَصْدَرَهُ أَوْ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُوَلَّى الْقَضَاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ سَلَفِهِ، أَوْ كَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَدَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ، أَصْدَرَهُ مَنْ تَلْحَقُهُ الشُّبْهَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ :
الأَْصْلُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ فَلَيْسَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نَقْضُ حُكْمِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ نَصُّوا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَهِمَ فِي قَضَائِهِ أَوْ نَسِيَ أَوْ قَضَى بِخِلاَفِ رَأْيِهِ - وَهُوَ لاَ يَذْكُرُ - وَلَكِنْ عَلَى مَا قَضَى بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً، فَيَنْقُضُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَقُولُ بِمُضِيِّ هَذَا الْفَصْلِ وَلاَ يُرْجَعُ فِيهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ لاَ يُعْرَفُ خَطَؤُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ كَمُخَالَفَتِهِ لِرَأْيِهِ السَّابِقِ فَلاَ يَنْقُضُهُ سِوَاهُ، مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، فَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
ب- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ :
لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَتَبُّعُ قَضَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ لأَِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا، لَكِنْ إِنْ وَجَدَ فِيهَا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً نَقَضَهَا، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ أَوْ يَنْقُضُ الْحُكْمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ج- نَقْضُ الأَْمِيرِ وَالْفُقَهَاءِ حُكْمَ الْقَاضِي :
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ جَمْعُ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، فَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِذَا اشْتُكِيَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الأَْمِيرِ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلاً فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ فَأَرَى أَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ الأَْمِيرُ فِي ذَلِكَ وَلاَ يَقْبَلَ شَكْوَى مَنْ شَكَاهُ وَلاَ يُجْلِسَ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ إِنْ فَعَلَهُ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ إِنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلاً بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَلِّ غَيْرَهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوا هُمْ أَيْضًا، أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَفَسَخَهُ الأَْمِيرُ أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إِلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ، فَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الأَْوَّلِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الأَْئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْقَاضِي بَعْضَ مَا لاَ يَنْبَغِي مِنَ الْقُضَاةِ وَلَكِنَّ الأَْمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَى الأَْمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِلْ مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشِيرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَلَ بَعْدُ فِي الْخُصُومَةِ فَصْلاً، فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا قَالَ: قَدْ حَكَمْتُ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ عَنِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا فَتَلْزَمُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَزَلَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الأَْمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَحَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْجَمَاعَةِ فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلاَحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْ عَلَيْهِ شَكْوَى وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلاَ يَفْعَلُ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ إِلاَّ أَنْ يُشْتَكَى مِنْهُ اسْتِبْدَادٌ بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكُ رَأْيِ مَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتِ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقْدَمَهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَزَلَهُ.
قَالَ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ وَكَتَبَ إِلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ كَتَبَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالأُْمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمُ بِأَفْضَلِ مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالَّذِي يَرَاهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لاَزِمًا لِمَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلاَفِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ الآْنَ عَلَى مِثْلِ مَا اشْتُكِيَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إِلَى الأَْمِيرِ فَيَكُونُ هُوَ الآْمِرَ بِالَّذِي يَرَاهُ وَالْحَاكِمَ فِيهِ دُونَهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالَ فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ وَرَدَ بِنَصِّهِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ.
طَلَبُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ نَقْضَ الْحُكْمِ :
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ النَّقْضَ إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - كَالطَّلاَقِ- نَقَضَهُ الْقَاضِي بِدُونِ طَلَبٍ، هَذَا فِيمَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَمَا لاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ الضَّمَانُ.
وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُهُ إِلاَّ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ حَتَّى وَإِنْ عَلِمَا بِذَلِكَ، لأَِنَّهُمَا قَدْ يَتَوَهَّمَانِ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَْصْحَابِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلاَفًا لاِبْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي قَالَ: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْهِ نَقَضَ الْحُكْمَ.
صِيغَةُ النَّقْضِ :
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ صِيغَةَ النَّقْضِ هِيَ: نَقَضْتُهُ، أَوْ فَسَخْتُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهُ، وَلَوْ قَالَ: بَاطِلٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَقْضًا؛ إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ.
تَسْبِيبُ حُكْمِ النَّقْضِ :
إِذَا نَقَضَ الْقَاضِي الْحُكْمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي نَقَضَ الْحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُنْسَبَ لِلْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالنَّقْضِ الْجَوْرُ وَالْهَوَى بِنَقْضِهِ الأَْحْكَامَ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الْقُضَاةُ.
تَسْجِيلُ حُكْمِ النَّقْضِ :
يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَجِّلَ النَّقْضَ كَمَا يُسَجِّلُ الْحُكْمَ؛ لِيَكُونَ تَسْجِيلُ الثَّانِي مُبْطِلاً لِلأَْوَّلِ كَمَا صَارَ الثَّانِي نَاقِضًا لِلْحُكْمِ الأَْوَّلِ .