يحظر على أي شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يملك أو يحرز أو يشتري أو يبيع أو يتبادل أو يتسلم أو يسلم أو ينزل عن النباتات المذكورة في الجدول رقم (5) فى جميع أطوار نموها وكذلك بذورها مع استثناء أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) .
يحظر على أي شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يملك أو يحرز أو يشتري أو يبيع أو يتبادل أو يتسلم أو يسلم أو ينزل عن النباتات المذكورة في الجدول رقم (5) فى جميع أطوار نموها وكذلك بذورها مع استثناء أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) .
جدول رقم (5)
الملحق بالقانون رقم 182 لسنة 1960
في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المرفق بقرار وزير الصحة والسكان رقم (44) لسنة 2026
الجدول رقم (5) - النباتات الممنوع زراعتها
م
النبات
1
قنب (Cannabis) بجميع أصنافه ومسمياته ذكرًا كان أو أنثى
2
خشخاش (بابافير سومنيفيرم - Papaver Somniferum) بجميع أصنافه ومسمياته
3
جميع أنواع جنس البابافير All Papaver Species)
4
كوكا (إيروثروكسيلوم كوكا - Erythroxylum Coca) بجميع أصنافه ومسمياته
5
قات (Khab) بجميع أصنافه ومسمياته
جدول رقم (6)
الملحق بالقانون رقم 182 لسنة 1960
في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها
المرفق بقرار وزير الصحة والسكان رقم 44 لسنة 2026
الجدول رقم (6) - أجزاء النباتات المستثناة من تطبيق أحكام هذا القانون
م
جزء النبات
1
ألياف سيقان نبات القنب
2
بذور القنب المحموسة حمسًا يكفل عدم إثباتها
3
بذور الخشخاش المحموسة حمسا يكفل عدم إنباتها
4
رؤوس الخشخاش المجرحة الخالية من البذور
1 ـ لما كان البين من الأوراق أن النيابة العامة أقامت الدعوى الجنائية على الطاعن بوصف أنه في يوم ..... دائرة قسم ..... محافظة ..... أحرز بقصد الاتجار نبات الحشيش المخدر في غير الأحوال المصرح بها قانوناً وطلبت عقابه بالمواد 29 ، 37 /1 ، 42 /1 من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل ، والبند رقم 1 من الجدول رقم 5 الملحق بالقانون والمادتين 95 ، 112 / 1 ،2 من القانون رقم 122 لسنة 1996 ، مع إعمال المادة 17 من قانون العقوبات . ومحكمة جنح الطفل ..... قضت حضورياً بجلسة ..... بحبسه سنة مع الشغل والنفاذ وتغريمه عشرة آلاف جنيه ومصادرة لمخدر المضبوط باعتبار أن الإحراز كان بقصد التعاطى . فاستأنف ومحكمة جنح أحداث ....... - بهيئة استئنافية – قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف . لما كان ذلك ، وكان من المقرر قانوناً أنه إذا ارتكب الحدث الذى تزيد سنه على خمس عشرة سنة ولا تجاوز ثمانى عشرة سنة جريمة عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة يُحكم عليه بالسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات . وإذا كانت العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة يحكم عليه بالسجن . لما كان ذلك ، وكان تحديد سن الطفل على وجه الدقة يضحى أمراً لازماً لتوقيع العقوبة المناسبة حسبما أوجب القانون . ومن ثم بات متعيناً على المحكمة قبل توقيع أية عقوبة على الطفل أو اتخاذ أى تدابير قبله أن تستظهر سنه في هذه الحالة وفق ما رسمه القانون لذلك . لما كان ذلك ، وكان الأصل أن تقدير السن هو أمر يتعلق بموضوع الدعوى لا يجوز لمحكمة النقض أن تعرض له . إلا أن محل ذلك أن تكون محكمة الموضوع قد تناولت مسألة السن بالبحث والتقدير وأتاحت للمتهم والنيابة العامة إبداء ملاحظاتهما في هذا الشأن . لما كان ذلك ، وكان أي من الحكمين الابتدائي ، والمطعون فيه لم يعنيا البتة باستظهار سن الطاعن في مدوناته فإنه يكون معيباً بالقصور الذى يتسع له وجه الطعن ويعجز محكمة النقض عن إعمال رقابتها على تطبيق القانون تطبيقاً صحيحاً على واقعة الدعوى فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والإعادة.
(الطعن رقم 11352 لسنة 75 ق - جلسة 10 / 10 / 2012)
2 ـ لما كان الحكم المطعون فيه قد نقل عن تقرير المعامل الكيماوية أن المضبوطات تحوي أجزاء نباتية خضراء جافة لنبات الحشيش (البانجو) وكان إحراز نباتات الحشيش في أي طور من أطوار نموها مؤثم بمقتضى المادة (29) من القانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المعدل والبند (1) من الجدول رقم (5) الملحق, فإن ما يدعيه الطاعن من قصور شاب تقرير المعامل الكيماوية في بيان وصف النباتات المضبوطة ومدى نضجها واحتوائها على العنصر المخدر - بفرض صحة ذلك - لا يكون مجدياً ولا مصلحة له فيه.
(الطعن رقم 29998 لسنة 68 ق - جلسة 23 / 4 / 2001)
3 ـ من حيث إنه لما كانت المادة الأولى من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل قد نصت على أنه "تعتبر جواهر مخدرة في تطبيق أحكام هذا القانون المواد المبينة بالجدول رقم 1 الملحق به ويستثنى منها المستحضرات المبينة بالجدول رقم 2". ونصت المادة 29 من ذات القانون على أنه يحظر على أي شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يملك أو يحرز أو يشتري أو يبيع أو يتبادل أو يتسلم أو يسلم أو ينزل عن النباتات المذكورة في الجدول رقم 5 في جميع أطوار نموها وكذلك بذورها مع استثناء أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) ونصت الفقرة الأولى من المادة 38 على أنه "مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها القانون يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه كل من حاز أو أحرز أو اشترى أو سلم أو نقل أو زرع أو استخرج أو فصل أو صنع جوهرا مخدرا أو نباتا من النباتات الواردة في الجدول رقم (5) وكان ذلك بغير قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي وفي غير الأحوال المصرح بها قانونا, وجرى نص الفقرة الأولى من المادة 45 ذات القانون على أنه. "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تجاوز ألفي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب أية مخالفة أخرى لأحكام هذا القانون أو القرارات المنفذة له" لما كان ذلك, وكانت الجريمة التي دين المطعون بها هي حيازته بغير قصد الاتجار أو الاستعمال الشخصي بذور نبات الخشخاش المنتج للأفيون وكان البين من استقراء النصوص سالفة البيان أن الشارع أفصح في المادة الأولى من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل عن مقصوده بالجواهر المخدرة وهي التي أثم الاتصال بها في المادة 38 المار ذكرها والمبينة بالجدول رقم 5 عند انعدام القصد من هذا الاتصال. ولم يرد بالجدول المذكور بذور النباتات المخدرة ومن ثم فإن هذه البذور تدخل في نطاق التأثيم الوارد في صريح نص المادة 29 من ذات القانون - وهي الواقعة المستوجبة للعقوبة في الدعوى - وقد رصد لها المشرع بمقتضى المادة 45 آنفة البيان عقوبة الجنحة وإذ التزم الحكم هذا النظر وقضى عن الجريمة بالحبس ثلاثة أشهر وغرامة خمسمائة جنيه فإنه يكون قد طبق القانون تطبيقا صحيحاً على الواقعة.
(الطعن رقم 18187 لسنة 62 ق - جلسة 3 / 4 / 2001)
4 ـ لما كان البيِّن من الأوراق أن الدعوى الجنائية رفعت على المطعون ضده بوصف أنه بتاريخ ..... بدائرة قسم ..... أحرز بقصد الإتجار نباتاً مخدراً ( حشيش ) في غير الأحوال المصرح بها قانوناً ، ومحكمة جنايات .... قضت بتاريخ ..... حضورياً عملاً بالمواد 29 ، 38 / 1 ، 42 / 1 من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989 والمواد 2 ، 95 ، 112 ، 132 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 ، والمادة 17 من قانون العقوبات بمعاقبة المطعون ضده بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة والمصادرة . لما كان ذلك ، وكان القانون رقم 12 لسنة 1996 بإصدار قانون الطفل قد نص في المادة الثانية منه على أن : " يقصد بالطفل كل من لم يبلغ ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة ، ويكون إثبات سن الطفل بموجب شهادة ميلاده أو بطاقة شخصية أو أي مستند آخر " ، مما مفاده أن كل من لم يبلغ ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة كان طفلاً تراع في حالته كافة الضوابط التي وضعها الشارع سياجاً لحمايته ويلزم المحكمة وجوباً وتنصيصاً أن تثبت بأسبابها المستند الرسمي الذي ارتكنت إليه في تحديد سن الطفل ، كما نصت المادة 111 منه على أنه : " مع مراعاة حكم الفقرة الأخيرة من المادة 112 من هذا القانون ، إذا ارتكب الطفل الذي بلغت سنه خمس عشرة سنة ولم تبلغ ست عشرة سنة جريمة عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة يحكم عليه بالسجن ، وإذا كانت الجريمة عقوبتها السجن يحكم عليه بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر . ويجوز للمحكمة بدلاً من الحكم على الطفل بعقوبة الحبس أن تحكم بإيداعه إحدى المؤسسات الاجتماعية مدة لا تقل عن سنة طبقاً لأحكام هذا القانون . " ، كما نصت المادة 112 منه على أنه : " لا يحكم بالإعدام ولا بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة على المتهم الذي زاد سنه على ست عشرة سنة ميلادية ولم يبلغ الثامنةعشرة سنة ميلادية كاملة وقت ارتكاب الجريمة ، وفي هذه الحالة إذا ارتكب المتهم جريمة عقوبتها الإعدام يحكم عليه بالسجن لمدة لا تقل عن عشر سنوات ، وإذا كانت الجريمة عقوبتها الأشغال الشاقة المؤبدة يحكم عليه بالسجن الذي لا تقل مدته عن سبع سنوات ، وإذا كانت الجريمة عقوبتها الأشغال الشاقة المؤقتة يحكم عليه بالسجن ، ولا تخل الأحكام السابقة بسلطة المحكمة في تطبيق أحكام المادة 17 من قانون العقوبات في الحدود المسموح بتطبيقها قانوناً على الجريمة التي وقعت من المتهم . " ، كما نصت المادة 122 من ذات القانون على أنه : " تختص محكمة الأحداث دون غيرها بالنظر في أمر الطفل عند اتهامه في إحدى الجرائم أو تعرضه للانحراف ، كما تختص بالفصل في الجرائم المنصوص عليها في المواد من 13 إلى 166 والمادة 119 من هذا القانون ، واستثناء من حكم الفقرة السابقة يكون الاختصاص لمحكمة الجنايات بنظر قضايا الجنايات التي يتهم فيها طفل جاوزت سنه خمس عشرة سنة وقت الجريمة متى أسهم في الجريمة غير الطفل واقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية عليه مع الطفل ، وفي هذه الحالة يجب على المحكمة قبل أن تصدر حكمها أن تبحث ظروف الطفل من جميع الوجوه ، ولها أن تستعين في ذلك بمن تراه من الخبراء . " مما مفاده أن الاختصاص الولائي يتحدد وفق سن الطفل من واقع المستند الرسمي . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد خلت أسبابه من الإشارة إلى سن المطعون ضده ، كما خلت من الإشارة إلى الوثيقة أو المستند الرسمي الذي يفيد تحديد سنه ، إذ من المقرر أنه لا يعتد في تقدير سن الطفل بغير وثيقة رسمية فإذا تعذر على المحكمة ذلك لعدم وجودها كان تقدير سنه بواسطة خبير ، ومن ثم فإنه لكى تقضي المحكمة باختصاصها أولاً وبتقدير العقوبة المقررة وجب عليها أن تستظهر السن ليكون حكمها وفق صحيح القانون ، ولما كان الأصل أن تقدير السن هو أمر متعلق بموضوع الدعوى لا يجوز لمحكمة النقض أن تعرض له إلا أن محل ذلك أن تكون محكمة الموضوع قد تناولته بالبحث والتقدير وأتاحت للمتهم والنيابة العامة إبداء ملاحظاتهم في هذا الشأن ، وإذ كان الحكم المطعون فيه لم يعن البتة باستظهار سن المطعون ضده في مدوناته ، فإنه يكون معيباً بالقصور الذي له الصدارة على وجوه الطعن المتعلقة بمخالفة القانون ويعجز محكمة النقض عن إعمال رقابتها على تطبيق القانون تطبيقاً صحيحاً على واقعة الدعوى ، وأن تقول كلمتها في شأن ما تثيره النيابة العامة بوجه الطعن . لما كان ما تقدم ، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والإعادة بالنسبة للمطعون ضده وللطاعن الذي قضى بعدم قبول طعنه شكلاً نظراً لوحدة الواقعة ولحسن سير العدالة .
( الطعن رقم 27540 لسنة 69 ق - جلسة 11 / 10 / 2007 )
5 ـ لما كان القانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها قد نص في المادة التاسعة والعشرين منه على أنه" يحظر على أى شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يملك أو يحرز أو يشترى أو يبيع أو يتداول أو يتسلم أو يسلم أو ينزل عن النباتات المذكورة في الجدول رقم 5 في جميع أطوار نموها ، وكذلك بذورها مع استثناء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) ولم يستثن الشارع من الجدول رقم (6) المشار إليه سوى ألياف سيقان نبات القنب الهندى وبذوره المحموسة مما يكفل عدم انباتها ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت نقلاً عن تقرير التحليل بمصلحة الطب الشرعى أن ما ضبط مع الطاعن خمس لفافات ورقية تحوى أجزاء نباتية خضراء اللون وجافة عبارة عن سيقان وأوراق وقمم زهرية وبذور ثبت أنها لنبات الحشيش ، ومن ثم فإن ما أثبته الحكم استناداً إلى الدليل الفنى يدخل في عداد الجواهر المخدرة بالبند 57 من الجدول الأول والبند رقم 1 من الجدول رقم 5 المرفق بقانون المخدرات ويكون ما يثيره الطاعن في هذا الصدد غير سديد.
( الطعن رقم 20899 لسنة 66 ق - جلسة 8 / 10 / 1998 )
6 ـ لما كان القانون رقم 182 لسنة 1960 سالف البيان قد نص في المادة التاسعة والعشرين منه على أنه يحظر على أى شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يملك أو يحرز أو يشترى أو يبيع أو يتبادل أو يتسلم أو يسلم أو ينزل عن النباتات المذكورة في الجدول رقم 5 في جميع أطوار نموها وكذلك بذورها مع إستثناء أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم 6 " ولم يستثن الشارع في الجدول رقم 6 المشار إليه سوى إلياف سيقان نبات القنب الهندى وبذوره المحموسة مما يكفل عدم إنباتها ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت نقلاً عن تقارير التحليل بمصلحة الطب الشرعى أن ما ضبط مع الطاعن هو أجزاء من سيقان وأوراق وقمم زهرية وبذور لنبات الحشيش وقد أعطت وصف " بيم إيجابياً " وإن معنى هذه العبارة الأخيرة أن نبات الحشيش موضوع الفحص يحتوى على المادة الفعالة للحشيش المدرج بالبند 57 من الجدول المرفق بقانون المخدرات المعدل بقرار وزير الصحة رقم 295 لسنة 1976 ومن ثم فإن ما أثبته الحكم إستناداً إلى الدليل الفنى يدخل في عداد الجواهر المخدرة المبينة بالبند 57 من الجدول الأول والبند رقم 1 من الجدول رقم 5 المرفق بقانون المخدرات وهى بهذه المثابة ليست من الفئات المستثناه بالجدول السادس الملحق بالقانون التى أقتصرت على ألياف السيقان والبذور المحموسة مما يكفل عدم إنباتها .
( الطعن رقم 2228 لسنة 50 ق - جلسة 21 / 2 / 1985 )
7 ـ متى كان الأصل أنه يجب التحرز في تفسير القوانين الجنائية و إلتزام جانب الدقة في ذلك و عدم تحميل عباراتها فوق ما تحتمل و أنه في حالة غموض النص فإن الغموض لا يحول دون تفسير النص على هدى ما يستخلص من قصد المشرع ، مع مراعاة ما هو مقرر من أن القياس محظور في مجال التأثيم . و الأصل في قواعد التفسير أن الشارع إذا ما أورد مصطلحاً معيناً في نص ما لمعنى معين وجب صرفه لهذا المعنى في كل نص آخر يرد فيه . لما كان ما تقدم و كان يبين من إستقراء هذه النصوص جميعاً أن الشارع قد أفصح في المادة الأولى من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1966 سالف الذكر عن مقصوده بالجواهر المخدرة و هى التى أثم الإتصال بها في المادة 38 المار ذكرها عند إنعدام القصد من هذا الإتصال أما إحراز النباتات المذكورة في الجدول رقم " 5 " بغير قصد و المحظور بمقتضى المادة 29 من القانون رقم 182 لسنة 1960 - و هو الواقعة المستوجبة للعقوبة في الدعوى - فإن المشرع قد رصد لها بمقتضى المادة 45 آنفة البيان عقوبة المخالفة .
( الطعن رقم 1448 لسنة 54 ق - جلسة 2 / 10 / 1984)
8 ـ قانون المواد المخدرة قد جعل من شراء المخدر جريمة أخرى معاقبا عليها غير جريمة الاحراز . وإذ كان لا يشترط قانوناً لإنعقاد البيع والشراء أن يحصل التسليم ، فإن هذه الجريمة تتم بمجرد التعاقد دون حاجة إلى تسليم المخدر للمشترى ، إذ لو كان التسليم ملحوظا في هذه الحالة لكانت الجريمة دائما جريمة إحراز ، ولما كان هناك من محل للنص على العقاب على الشراء مستقلا عن الاحراز . ولما كان مفاد ما أثبته الحكم من مدوناته عن واقعة الدعوى أن جريمة شراء المخدر قد وقعت من المطعون ضده الأول فعلا حيث أصدرت النيابة العامة إذنها بالتفتيش وإن كان التسليم قد أرجئ إلى ما بعد ذلك ، وكانت محكمة الموضوع لا تتقيد بالوصف القانوني الذى أعطته النيابة العامة للواقعة وهو إحراز المخدر ، بل من واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة بجميع كيوفها وأوصافها ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بقبول الدفع وبراءة المطعون ضدها إستنادا إلى صدور الاذن عن جريمة مستقبلة ، فإنه يكون قد جانب صحيح القانون بما يستوجب نقضه .
( الطعن رقم 1956 لسنة 39 ق - جلسة 30 / 3 / 1970 )
9 ـ ان القصد الجنائى فى جريمة زراعة نبات من النباتات الممنوع زراعتها هو علم الزارع بأن النبات الذى يزرعه هو من النباتات الممنوع زراعتها ، كما ان القصد الجنائى فى جريمة حيازة المواد المخدرة انما هو علم الحائز بان المادة التى يحوزها هى من المواد المخدرة ، وكانت المحكمة غير مكلفة فى الأصل بالتحدث استقلالا عن ركن العلم بحقيقة النبات أو المادة المضبوطة اذا كان ما أوردته فى حكمها كافيا فى الدلالة على أن المتهم كان يعلم بأن ما يزرعه ممنوع زراعته أو بأن ما يحوزه مخدر . لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لما دفع به الطاعن من نفى علمه بكنه النبات المضبوط ورد عليه بقوله : كما أنه زعم ان المتهمين الثانى والثالث ـ المحكوم عليهما غيابيا ـ اوهماه ان النبات لكراوية افرنجى ولقد ثبت من أقوال المختصين بالزراعة أنه يوجد خلاف كبير بين نبات الأفيون ونبات الكراوية وأنه لا يوجد فى الزراعة شىء يسمى كراوية افرنجى مما يقطع بعلم المتهم بأن النبات المنزرع هو نبات الخشخاش المنتج للأفيون وخاصة أنه قام بزراعته وسط الأرض المملوكة له والواضع يده عليها وأحاطها من الخارج بزراعة الفول ثم زراعة البرسيم . واذا كان ما أورده الحكم ردا على دفاع الطاعن يسوغ اطراحه له ويكفى فى الدلالة على علم الطاعن بكنه . النباتات المضبوطة ، فان منعى الطاعن فى هذا الخصوص يكون غير سديد.
(الطعن رقم 2323 لسنة 54 ق - جلسة 14/ 1/ 1985)
10 ـ إن القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والإتجار فيها قد نص فى المادة التاسعة والعشرين منه على أنه يحظر على أى شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يملك أو يحرز أو يشترى أو يبيع أو يتبادل أو يتسلم أو يستلم أو ينزلعن النباتات المذكورة فى الجدول رقم ( 5 ) فى جميع أطوار نموها وكذلك بذورها مع استثناء أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم ( 6 ) ولم يستثن الشارع من الجدول رقم ( 6 ) المشار إليه سوى ألياف سيقان نبات القنب الهندى وبذوره المحموسة مما يكفل عدم إنباتها .
(الطعن رقم 3189 لسنة 62 ق - جلسة 19 / 9 / 1993 )
11 ـ من المقرر أن القصد الجنائى فى جريمة زراعة نبات من النباتات الممنوع زراعتها هو علم الزارع بأن النبات الذى يزرعه هو من النباتات الممنوع زراعتها ، كما أن القصد الجنائى فى جريمة حيازة المواد المخدرة . إنما هو علم الحائز بأن المادة التى يحوزها هى من المواد المخدرة ، وكانت المحكمة غير مكلفة فى الأصل بالتحدث استقلالاً عن ركن العلم بحقيقة النبات المضبوط إذا كان ما أوردته فى حكمها كافياً فى الدلالة على أن المتهم كان يعلم بأن ما يزرعه ممنوع زراعته أو بأن ما يحوزه مخدر .
(الطعن رقم 19739 لسنة 61 ق - جلسة 3 / 10 / 1993 )
12 ـ لما كان القصد الجنائى فى جريمة زراعة نبات من النباتات الممنوع زراعتها هو علم الزارع بأن النبات الذى يزرعه هو من النباتات الممنوع زراعتها ، وكانت المحكمة غير مكلفة فى الأصل بالتحدث استقلالاً عن ركن العلم بحقيقة النبات المضبوط إذا كان ما أوردته فى حكمها كافياً فى الدلالة على أن المتهم كان يعلم بأن ما يزرعه ممنوع زراعته . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لما دفع به الطاعن من نفى علمه بكنه النبات المضبوط ورد عليه بقوله : - ومن حيث إن المحكمة تطمئن وبحق إلى أن المتهم كان يعلم علم اليقين بأن النبات المنزوع والمجفف والبذور جميعها لنبات القنب الهندى المخدر ـ الحشيش ـ المحظور زراعته قانونا فالمتهم كما هو ثابت فى التحقيقات سيما أقوال ضابط الواقعة التى تطمئن إليها المحكمة وتأخذ بها وكذا معاينة النيابة العامة يعمل مزارعا ويبلغ من العمر 48 عاما أى أنه مخضرم فى ذلك وعلى علم ودراية بأنوالع النباتات المختلفة وطريقة زراعته للنبات المخدر فى خطوط منتظمة وإحاطة زراعته بنباتات بريئة كالشبت والبقدونس فى محاولة لإخفائه وستره عن الأعين تقطع بهذا ، كذا قيامه بنشر النباتات المقتلعة لتجفيفها وهو الأمر الذى لا يحدث مع باقى النباتات يجزم بعلمه بكنهه بالإضافة إلى أن التحريات التى اطمأنت إليها المحكمة وأخذت بها جاءت جازمة فى هذا الصدد - وإذ كان ما أورده الحكم ردا على دفاع الطاعن يسوغ به إطراحه ويكفى فى الدلالة على علم الطاعن بكنه النباتات المضبوطة ، فإن منعى الطاعن فى هذا الخصوص يكون على غير سديد .
(الطعن رقم 28209 لسنة 64 ق - جلسة 12 / 1 / 1997)
13ـ من حيث إنه لما كانت المادة الأولى من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل قد نصت على أنه تعتبر جواهر مخدرة في تطبيق أحكام هذا القانون المواد المبينة بالجدول رقم 1 الملحق به ويستثنى منها المستحضرات المبينة بالجدول رقم 2. ونصت المادة 29 من ذات القانون على أنه يحظر على أي شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يملك أو يحرز أو يشتري أو يبيع أو يتبادل أو يتسلم أو يسلم أو ينزل عن النباتات المذكورة في الجدول رقم 5 في جميع أطوار نموها وكذلك بذورها مع استثناء أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) ونصت الفقرة الأولى من المادة 38 على أنه مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها القانون يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه كل من حاز أو أحرز أو اشترى أو سلم أو نقل أو زرع أو استخرج أو فصل أو صنع جوهرا مخدرا أو نباتا من النباتات الواردة في الجدول رقم (5) وكان ذلك بغير قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي وفي غير الأحوال المصرح بها قانونا, وجرى نص الفقرة الأولى من المادة 45 ذات القانون على أنه. يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تجاوز ألفي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب أية مخالفة أخرى لأحكام هذا القانون أو القرارات المنفذة له لما كان ذلك, وكانت الجريمة التي دين المطعون بها هي حيازته بغير قصد الاتجار أو الاستعمال الشخصي بذور نبات الخشخاش المنتج للأفيون وكان البين من استقراء النصوص سالفة البيان أن الشارع أفصح في المادة الأولى من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل عن مقصوده بالجواهر المخدرة وهي التي أثم الاتصال بها في المادة 38 المار ذكرها والمبينة بالجدول رقم 5 عند انعدام القصد من هذا الاتصال. ولم يرد بالجدول المذكور بذور النباتات المخدرة ومن ثم فإن هذه البذور تدخل في نطاق التأثيم الوارد في صريح نص المادة 29 من ذات القانون - وهي الواقعة المستوجبة للعقوبة في الدعوى - وقد رصد لها المشرع بمقتضى المادة 45 آنفة البيان عقوبة الجنحة وإذ التزم الحكم هذا النظر وقضى عن الجريمة بالحبس ثلاثة أشهر وغرامة خمسمائة جنيه فإنه يكون قد طبق القانون تطبيقا صحيحا على الواقعة
(الطعن رقم 18187 لسنة 62 ق - جلسة 3 / 4 / 2001 )
14 ـ لما كان ذلك ، وكان القانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها قد نص فى المادة التاسعة والعشرين منه على أنه " يحظر على أي شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يملك أو يحرز أو يشتري أو يبيع أو يتبادل أن يتسلم أو يسلم أو ينزل عن النباتات المذكورة فى الجدول رقم ( 5 ) فى جميع أطوار نموها وكذلك بذورها مع استثناء أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم ( 6 ) " ، ولم يستثن الشارع من الجدول رقم ( 6 ) المشار إليه سوى ألياف سيقان نبات القنب الهندي وبذوره المحموسة مما يكفل عدم إنباتها ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت نقلاً عن تقرير التحليل بمصلحة الطب الشرعي أن ما ضبط مع الطاعن من مضبوطات هي لجوهر الحشيش المخدر ، ومن ثم فإن ما أثبته الحكم استناداً إلى الدليل الفني يدخل فى عداد الجواهر المخدرة المبينة بالبند رقم 57 من الجدول الأول والبند رقم 1 من الجدول رقم 5 المرفق بقانون المخدرات ، ويكون ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد غير سديد .
(الطعن رقم 48053 لسنة 85 ق - جلسة 20 / 12 / 2017 )
المقصود بالجلب والتصدير:
ويقصد بالجلب استيراد المخدر، أي إدخاله إلى إقليم الدولة بأي وسيلة، فالجريمة تقع بمجرد دخول المخدر إلى أرض الدولة أو إلى مياهها الإقليمية أو في إقليمها الجوي، ويرجع في تحديد إقليم الدولة بعناصره الثلاثة الأرضي والمائي والجوي إلى قواعد القانون الدولي العام، واستيراد المواد المخدرة ليس خاضعاً لاشتراطات قانونية معينة بل هو فعل مادى يتضمن إدخال تلك المواد في أراضي الجمهورية المصرية بأية كيفية كانت، فتقديره خاضع لسلطة قاضي الموضوع.
أما التصدير فيقصد به إخراج المخدر من إقليم الدولة، فتقع الجريمة تامة بمجرد تجاوز المخدر حدود الدولة إلى الخارج ويستوي في الجلب أو التصدير أن يكون المخدر بصحبة الجاني أو في غير صحبته، كما يستوي أن يكون الجاني وقت الجلب أو التصدير خارج الدولة أو داخلها.
وترجع علة تجريم الجلب والتصدير إلى رغبة المشرع في أن يبسط رقابته على عمليات التجارة الدولية، إسهاماً منه في القضاء على انتشار المخدرات في المجتمع الدولي.
الشروع في الجلب والتصدير:
ويثير تمام جريمة الجلب أو التصدير بمجرد تخطى حدود الدولة فكرة الشروع في الجريمة، فالشروع وفقا لتحديد المادة 45 من قانون العقوبات هو: «البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها»، ولما كان البدء في التنفيذ وفقاً للمذهب الشخصي - الذي يعتنقه الفقه والقضاء في مصر - هو الفعل الذي يؤدي حالاً ومباشرة إلى ارتكاب الجريمة، ولما كانت الجريمة لا تتم إلا بتخطى حدود الدولة إلى الخارج في التصدير وإلى الداخل في الجلب، فإنه يمكن القول بأن الشروع يعاقب عليه في جريمة التصدير، كما لو ضبط المخدر المراد تصديره مع أحد الركاب قبل إقلاع الطائرة إلى الخارج، ولكنه غير معاقب عليه في جريمة الجلب لأن البدء في التنفيذ يقع خارج حدود الدولة والقاعدة أن قانون العقوبات المصري لا يسرى إلا على الأفعال التي تقع على إقليم الدولة، ولا يمتد سلطانه إلى الأفعال التي تقع خارج هذا الإقليم إلا في حالات استثنائية حددها المشرع في المادتين (2)، (3) من قانون العقوبات، وليس من بينها الشروع في الجلب.
كمية المخدر محل الجلب أو التصدير :
أثار بعض الفقهاء الانتباه إلى أن كلاً من الجلب والتصدير يعتبر صورة للحيازة أو الأحراز، ولذلك فإن النص عليهما استقلالاً والمعاقبة عليهما بعقوبات أشد من عقوبة الحيازة أو الأحراز ولو مع توافر قصد الاتجار يثير التساؤل عما إذا كان يشترط في الجلب أو التصدير عنصر آخر لا يتطلب في الإحراز أو الحيازة يتعلق بكمية المخدر محل الجريمة ؟ يذهب رأى إلى القول بأنه لا فارق بين الجلب والتصدير من ناحية، والحيازة والأحراز من ناحية أخرى، إلا أن الجلب والتصدير يقعان في مكان معين هو خط الحدود، أما ما عدا ذلك فهما متماثلان . ورتب على ذلك نتيجة هامة هي أن الجلب أو التصدير يقع مهما كانت كمية المخدر ضئيلة.
ولا شك لدينا في أن جلب المخدر أو تصديره ينطوى ضمنا - فی مدلوله القانوني الدقيق - على عنصر الحيازة إلى جانب دلالته الظاهرة عليها ولكنا لا نتصور أن يكون فرض المشرع عقوبة للجلب والتصدير أشد من عقوبة الحيازة والإحراز راجعاً إلى مجرد تخطى المخدر المجلوب أو المصدر الحدود الجمركية، ولذلك فإنه يبدو لنا، مع جانب من الفقه، أن كلاً من جريمة الجلب وجريمة التصدير لا تتحقق إلا إذا كان المخدر المجلوب يفيض عن حاجة الشخص واستعماله الشخصي، بحيث لا تقوم جريمة الجلب إذا تحقق لدى الجالب قصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي.
وقد مال القضاء المصري إلى هذه الوجهة، فقضت محكمة النقض بأن :
«جلب المخدر معناه استيراده، وهو لا يتحقق إلا إذا كان الشيء المجلوب يفيض عن حاجة الشخص واستعماله الشخصي، ملحوظاً في ذلك طرحه وتداوله بين الناس، يدل على ذلك منحي التشريع نفسه وسياسته في التدرج بالعقوبة على قدر جسامة الفعل ووضع كلمة جلب في مقابل كلمة التصدير في ذات النص، فضلاً عن نصوص الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها مصر قياماً منها بواجبها نحو المجتمع الدولي في القضاء على تداول المواد المخدرة وانتشارها، ولا يعقل أن مجرد تجاوز الخط الجمركي بالمخدر يسبغ على فعل الحيازة أو الإحراز معنى زائداً عن طبيعته، إلا أن يكون تهريباً لا جلباً، إذ الجلب أمر مستقل بذاته، ولكن تجاوز الخط الجمرکی بالسلعة الواجبة المنع أو موضوع الرسم شرط لتحقيقه وإذ كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد أطلق القول باعتبار الفعل جلباً ولو تحقق فيه قصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يتعين معه نقضه والاحالة لقصوره عن استظهار هذا القصد الذي تدل عليه شواهد الحال».
ويلاحظ أن ما تنطوي عليه جريمة الجلب أو التصدير من معنى استهداف طرح المخدر وتداوله بين الناس أمر لا يحتاج إلى بيان، لأن كلاً من المعنى اللغوي والاصطلاحي للجلب والتصدير يؤدى إليه، ولذلك لم ير المشرع نفسه بحاجة إلى أن يشير في نصه على الجلب أو التصدير إلى القصد منه بعكس ما استنه في الحيازة والإحراز ولذلك لا يلزم الحكم بأن يتحدث عن القصد من الجلب على استقلال إلا إذا كان الجوهر المجلوب لا يفيض عن حاجة الشخص أو استعماله الشخصي، أو إذا دفع المتهم بقيام قصد التعاطي لديه أو لدي من نقل المخدر لحسابه، وكان ظاهر الحال من ظروف الدعوى وملابساتها يشهد له. ( شرح قانون مكافحة المخدرات، الدكتورة / فوزية عبد الستار – الطبعة الثالثة 2017 – دار النهضة العربية – الصفحة 24 )
الاتجار والتعامل في المخدر أو في النبات المخدر
نصوص القانون :
تنص المادة الثانية من قانون مكافحة المخدرات على أن : «يحظر على أي شخص أن يجلب أو يصدر أو ينتج أو يملك أو يحرز أو يشترى أو يبيع جواهر مخدرة أو يتبادل عليها أو ينزل عنها بأي صفة أو أن يتدخل بصفته وسيطاً في شيء من ذلك إلا في الأحوال المنصوص عليها في هذا القانون وبالشروط المبينة به». وتنص المادة السابعة من هذا القانون في فقرتها الأولى على أن : «لا يجوز الاتجار في الجواهر المخدرة إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من الجهة الإدارية المختصة» وتنص المادة التاسعة والعشرون على أن : «يحظر على أي شخص أن يجلب أو يصدر أو ينقل أو يحرز أو يشترى أو يبيع أو يتبادل أو يتسلم أو يسلم أو ينزل عن النباتات المذكورة في الجدول رقم (5) في جميع أطوار نموها وكذلك بذورها مع استثناء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) ، وتقرر المادة 33 (جـ) معاقبة كل من اشترى نباتا من النباتات الواردة في الجدول رقم (5) أو باعه أو سلمه أو نقله أياً كان طور نموه ، وكذلك بذوره ، وكان ذلك بقصد الإتجار أو اتجر فيه بأية صورة ، وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً ثم تقرر المادة 34 عقوبة أخف لكل من اشترى أو باع أو سلم أو نقل أو قدم للتعاطي جوهراً مخدراً وكان ذلك بقصد الإتجار أو اتجر فيه بأية صورة وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً ثم تقرر المادة 37 عقوبة أخف لكل من .. اشتری جوهراً مخدراً أو نباتاً مخدراً وكان ذلك بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي في غير الأحوال المصرح بها قانوناً ثم عاد فشدد العقوبة في المادة 38 على من .. اشترى أو سلم أو نقل جوهراً مخدراً أو نباتاً من النباتات الواردة في الجدول رقم (5) وكان ذلك بغير قصد الإتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي وفي غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
صور التعامل في المخدر:
يجرم المشرع عدة أفعال تكاد تشمل كل ما يطلق عليه لفظ التعامل في المخدر ، فقد ذكر عدة صور للتعامل المعاقب عليه وهي : الإتجار والشراء والبيع والتسليم والنقل ، ويميز هذه الصور أنها تندرج تحت معنى التعامل في المخدر أو النبات المخدر في كل صوره فتشمل كلا من التصرف القانوني كالإتجار والبيع والشراء ، والعمل المادي كالنقل والتسليم.
والبيع عقد يلتزم بمقتضاه البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقاً مالياً آخر في مقابل ثمن نقدي ويتم البيع - ويقابله من المشترى الشراء - بمجرد انعقاد العقد ولا يشترط لاكتمال العقد الذي تتم به الجريمة أن يتم تسليم الشيء أو أن يتم دفع الثمن ولذلك تقع الجريمة سواء تم تسليم المخدر أو لم يتم ، وسواء كان التسليم - إذا تم - فعلياً أو رمزياً ، ومثال التسليم بحيازة أو إحراز أو بيع أو شراء فإن عدم النص على تجريم الوساطة يجعل من المستحيل المعاقبة عليها باعتبارها جريمة خاصة ، إذ يعتبر ذلك تجريماً بغير نص يمثل إهداراً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ولذلك وفي ضوء هذا الوضع التشريعي فإنه لا عقاب على الوساطة في التعامل في المواد المخدرة إلا باعتبارها اشتراكاً في الجريمة ، فلا يعاقب عليها إلا إذا وقعت الجريمة الأصلية تطبيقاً للقواعد العامة.
وعلى الرغم من أن تجريم الوساطة دون نص يعتبر قياساً في مجال التجريم لا يجوز اللجوء إليه احتراماً لمبدأ الشرعية ، فقد ذهبت محكمة النقض إلى اعتبار الوساطة جريمة مستقلة ، فقضت بأن المادة الثانية من القانون حددت الأمور المحظور على الأشخاص ارتكابها وهي الجلب والتصدير والانتاج والتملك والإحراز والبيع والشراء والتنازل بأية صفة كانت عن أي مادة مخدرة أو التدخل بصفة وسيط في شيء من ذلك ، فسوى هذا النص بين الوساطة وغيرها ، ثم جاءت المادة 34 ناصة على عقاب الحالات التي عددتها فيها ، وإن أغفل النص ذكر الوساطة فإنه قد ساوى بينها وبين غيرها من الحالات في المادة 3 فتأخذ حكمها ، ولو قيل بغير ذلك لكان ذكر الوساطة في المادة 2 والتسوية بينها وبين الحالات الأخرى عبثاً ينزه عنه الشارع، وقد مال جانب من الفقه إلى هذه الوجهة.
ولكن محكمة النقض بدت - في حكم حديث لها - تستشعر بعض التردد في تكييف الوساطة بأنها جريمة تأخذ حكم الأفعال التي ذكرت بينها ، فقضت بأنه : «وإن كان نص المادة 34 قد أغفل ذكر الوساطة إلا أنه في حقيقة الأمر قد ساوى بينها وبين غيرها من الحالات التي حظرها في المادة الثانية فتأخذ حكمها ، ولو قيل بغير ذلك لكان ذكر الوساطة في المادة الثانية والتسوية بينها وبين الحالات الأخرى عبثاً ينزه عنه المشرع ، ثم أضافت ، ذلك لأن التداخل بالوساطة في حالة من حالات الحظر التي عدتها تلك المادة والمجرمة قانوناً، لا يعدو في حقيقته مساهمة في ارتكاب هذه الجريمة يرتبط بالفعل الإجرامي فيها ونتيجته برابطة السببية ، ويعد المساهم بهذا النشاط شريكاً في الجريمة تقع عليه عقوبتها»، وقد أرادت المحكمة بذلك أن تقول إن القائم بالوساطة ، سوف تكون عقوبته في النهاية هي عقوبة الجريمة التي توسط فيها سواء عد فاعلاً أو شريكاً، ولكن إرسال القول بهذه الصورة على إطلاقه محل للنقد ، ذلك أن تكييف الفعل بأنه فعل أصلي أو اشتراك لا يقتصر أثره على العقوبة وإنما يختلف الحكم إذا لم تقع الجريمة التي وردت عليها الوساطة أو إذا اقتصر الأمر على الشروع فيها ، لأنها إذا اعتبرت جريمة مستقلة توقع العقوبة على الوسيط في هاتين الحالتين ، وإذا اعتبرت مجرد اشتراك فإنه لا عقاب في أيهما . ( شرح قانون مكافحة المخدرات، الدكتورة / فوزية عبد الستار – الطبعة الثالثة 2017 – دار النهضة العربية – الصفحة 45 )
صور القصد الخاص في جنايات المخدرات :
يتطلب قانون مكافحة المخدرات توافر القصد الخاص في عدة جنايات، فيتطلب قصد الإتجار في المخدر في جنايات الجلب والتصدير، كذلك يتطلبه في جنايات إنتاج واستخراج وفصل وصنع المادة المخدرة، وزراعة نبات مخدر وتصديره وجلبه وحيازته وإحرازه وشراؤه وبيعه وتسليمه ونقله أياً كان طور نموه، وكذلك بذوره وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً ، كما يتطلب ذات القصد - قصد الإتجار - في جنايات إحراز وحيازة وشراء وبيع وتسليم ونقل المخدر وتقديمه للتعاطي وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، كذلك يتطلب المشرع قصد التعاطي والاستعمال الشخصي في جرائم الاتصال بالمخدر أو بالنبات المخدر إذا كان ذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، ونستخلص من ذلك أن صور القصد الخاص في جنايات المخدرات تنحصر في اثنين : قصد الإتجار، وقصد التعاطي والاستعمال الشخصي .
قصد الاتجار :
يتوافر قصد الإتجار إذا كان الجاني قد اتجهت إرادته وقت ارتكاب الفعل المادي المكون للجريمة إلى الاتجار في المادة المخدرة ولو لم يتجر فيها فعلاً، وقد تقدم القول بأن الإتجار يعني قيام الجاني لحسابه الخاص بعمليات بيع متعددة للمخدر منتویاً جعلها حرفة معتادة له.
وبناء على هذا التحديد لقصد الإتجار فإنه لا يكفي لقيامه مجرد اتجاه إرادة الجاني إلى الربح أو إلى الحصول على منفعة، لأن الاتجاه إلى الربح يتوافر في كل عمليات التعامل في المخدر، فإذا أخذنا بهذا المعنى لكانت كل حالات التعامل في المخدر بمقابل حيازة أو إحرازاً بقصد الاتجار الأمر الذي يتعارض مع قصد المشرع . ولذلك يجب على القاضي للقول بتوافر قصد الاتجار أن يثبت اتجاه إرادة المتهم إلى اتخاذ الفعل حرفة معتادة له، فلا يكفي إثبات استهداف الكسب المادي.
ويتطلب المشرع توافر قصد الاتجار في عدة جرائم، فقد تقدم القول بأن كلاً من جريمة الجلب التي تتمثل في استيراد المخدر أي إدخاله إلى مصر عبر حدود الدولة ، وجريمة تصدير المخدر التي تتمثل في إخراج المخدر إلى خارج الدولة عبر حدودها تقوم بكل منهما جريمة الحيازة أو الأحراز، وأنه لا يفسر تشديد عقاب الجلب والتصدير عن عقوبة الحيازة أو الأحراز مجرد تجاوز الحدود الجمركية، وإنما التفسير المنطقي يتمثل في أن كلاً من جريمتي الجلب والتصدير تتطلب قصداً خاصاً هو طرح المخدر وتداوله بين الناس، بحيث لا تقوم الجريمة إذا كان الجلب أو التصدير بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي، ولذلك ذهبت محكمة النقض إلى أن المراد بجلب المخدر استيراده بالذات أو بالواسطة ملحوظاً في ذلك طرحه وتداوله بين الناس، سواء كان الجالب قد استورده لحساب نفسه أو لحساب غيره متى تجاوز بفعله الخط الجمركي قصداً من الشارع القضاء على انتشار المخدرات في المجتمع الدولي.
وهذا المعنى يلابس الفعل المادي المكون للجريمة ولا يحتاج في تقريره إلى بيان ولا يلزم الحكم أن يتحدث عنه على استقلال إلا إذا كان الجوهر المجلوب لا يفيض عن حاجة الشخص أو استعماله الشخصي، أو دفع المتهم بقيام قصد التعاطي لديه أو لدي من نقل المخدر لحسابه وكان ظاهر الحال من ظروف الدعوى وملابساتها يشهد له، يدل على ذلك فوق دلالة المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظ الجلب أن المشرع نفسه لم يحفل في نصه على الجلب بالإشارة إلى القصد منه، بعكس ما استنته في الحيازة أو الأحراز.
كذلك قضى بأنه : «لا محل للنعي على الحكم بعدم استظهار قصد الاتجار، إذ الجلب بطبيعته لا يقبل تفاوت القصود، فلا يلزم الحكم أن يتحدث عن القصد إلا إذا كان الجوهر المخدر لا يفيض عن حاجة الشخص أو استعماله الشخصي، أو دفع المتهم بقيام قصد التعاطي لديه أو لدى من نقل المخدر لحسابه، وكان ظاهر الحال من ظروف الدعوى وملابساتها يشهد له بذلك.
كذلك قضى فيما يتعلق بجريمة التصدير أن المشرع لم يقرن نصه على التصدير بالإشارة إلى القصد منه بعكس ما استنته في الحيازة أو الإحراز لأن ذلك يكون تزويداً للمعنى المتضمن في الفعل مما يتنزه عنه الشارع إذ التصدير بطبيعته لا يقبل تفاوت القصود ولا كذلك حيازة المخدر أو إحرازه.
كذلك يتطلب المشرع توافر قصد الاتجار في جرائم إنتاج واستخراج وفصل وصنع المادة المخدرة لتوقيع العقوبة المشددة المنصوص عليها في (المادة 33 (ب))، كما يتطلبه بالنسبة لمجموعة الجرائم التي يمثل كل منها الاتصال بالنبات المخدر (المادة 33 (ج)) وهي زراعته وتصديره وجلبه وحيازته وإحرازه وشراؤه وبيعه وتسليمه ونقله وكذلك بذوره إذا كان ذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، كما يتطلب قصد الإتجار في جرائم التعامل في المخدر (المادة 34 (أ)) وهي حيازة أو إحراز أو شراء أو بيع أو تسليم أو نقل مادة مخدرة أو تقديمها للتعاطي وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
وتوافر قصد الاتجار من الأمور الموضوعية التي يستقل بالفصل فيها قاضي الموضوع، ولا يشترط إلا أن يكون استخلاص الحكم سائغاً تؤدى إليه ظروف الواقعة وأدلتها وقرائن الأحوال فيها، فإذا كان البين حسب تقديرات الحكم أن شهادة ضابط قسم مكافحة المخدرات قد دلت على أن المطعون ضده يتجر بالمخدرات وقد ضبطه وهو في الطريق العام أمام منزله والجوهر المخدر والسكين الملوث به والميزان والصنج والورق السلوفان أمامه على منضدة، مما كان من مقتضاه أن تقدر محكمة الموضوع هذه الظروف وتمحصها وتتحدث عنها بما تراه فيما إذا كانت تصلح دليلاً على توافر قصد الاتجار أو لا تصلح لا أن تقيم قضاء على مجرد قول مرسل بغیر دلیل تستند إليه، أما وهي لم تفعل فإن حكمها يكون معياراً، وكانت محكمة الموضوع قد استبعدت قصد الاتجار دون مناقشة الظروف السابقة، كذلك قضي بأنه لما كان الحكم قد استظهر قصد الاتجار لدى الطاعن من حمله للزجاجة المحتوية على سائل الأمفيتامين المخدر وإحرازه للحقن والإبرة التي تستعمل في الحقن بالمخدر، فضلاً عما جاء بالتحريات من أن الطاعن يتجر في هذا المخدر بحقن عملائه به، فإنه يكون قد دلل على هذا القصد تدليلاً سائغاً، كما قضى بأنه لما كان الطاعن لا ينازع في أن ما عثر لديه هو میزان ملوث بآثار الأفيون فلا على المحكمة إن هي اتخذت من هذه الواقعة دليلاً من أدلة ثبوت قصد الإتجار في واقعة إحراز وحيازة المخدر التي رفعت بها الدعوى ما دام أن لهذا الدليل أصله الثابت في الأوراق. ( شرح قانون مكافحة المخدرات، الدكتورة / فوزية عبد الستار – الطبعة الثالثة 2017 – دار النهضة العربية – الصفحة 67)
الأجزاء النباتات المستثناة من أحكام القانون :
عملاً بنص المادة 29 من القانون محل التعليق فإنه تستثنى أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) وهي:
1) ألياف سيقان نبات القنب الهندي.
2) بذور القنب الهندي المحموسه حمساً يكفل عدم إنباتها.
3) بذور الخشخاش المحموسه حمساً يكفل عدم إنباتها.
4) رؤوس الخشخاش المجرحة الخالية من البذور. ( موسوعة هرجه الجنائية التعليق على قانون المخدرات ، المستشار/ مصطفى مجدى هرجه – طبعة 2021ـ 2022 – دار محمود – المجلد الأول – الصفحة 97 )
الأفعال المحظورة و المبينة بالمادة 29 وهي الجلب والتصدير والنقل والتملك (الحيازة) والأحراز والشراء والبيع والتبادل والتسليم والتسلم والتنازل قد وردت في هذا النص بشأن النباتات المذكورة علي سبيل الحصر في الجدول رقم (5) الملحق بالقانون في كافة إطار نموها وكذلك بذورها.
ويستثني من هذا الحظر أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) الملحق بالقانون.
وبذلك يكون المشرع قد استهدف من نص المادة 29 من قانون المخدرات مواجهة كافة الحالات التي يتصور أن تحدث عملاً بشأن الاتصال المحرم وغير المشروع بالنباتات المبينة بالجدول رقم (5) الملحق بالقانون. ( موسوعة قضاء المخدرات ، المستشار/ السيد خلف محمد – طبعة 2017 – المركز القومى للإصدارات القانونية – المجلد الأول – الصفحة 107 )
حظر المشرع في المادة 28 من القانون زراعة نباتات معينة هي مصدر المواد المخدرة وكان هذا المنع من جانبه أمراً بديهياً لأنه وقد حظر في المادة الثانية جلب المواد المخدرة من الخارج، فكان عليه أن يمنع الحصول على المخدر محلية وذلك بمنع زراعته حتى لا يؤدي ذلك إلى تداوله سراً، وعندما حظر المشرع زراعة الأفيون لأول مرة بالمرسوم بقانون رقم 21 لسنة 1926 الصادر في 21 من مارس جاء في ديباجته «ولما كان قد تحقق أن الأفيون الخام الناتج من الزراعة المحلية بدل أن يصدر إلى الخارج أو يستعمل في المستحضرات الأقرباذينية طبقاً لأحكام المرسوم بالقانون الصادر في 21 مارس سنة 1925 ... إنما تباع سراً داخل القطر كما يتعاطاه الناس للتخدير وذلك يؤدي إلى ضرر بليغ بالصحة العامة لما كان تلافي هذا الضرر يستلزم منع زراعة الخشخاش منعاً باتاً في جميع أنحاء القطر المصرى، وعلى ذلك فحتى تتم الفائدة من حظر الجلب كان لابد من منع زراعته، والمنع في ظل التشريع الحالي والسابق شمل كل النباتات التي تنتج المواد المخدرة وقد خصها بجدول مستقل هو الجدول رقم (5) وهذه النباتات هي: القنب (كانابيس ساتيفا) ذكراً كان أو أنثى وبجميع مسمياته وهذا النبات هو الذي ينتج الحشيش والنبات الثاني هو الخشخاش «باباقيرسو منيفيرم، بجميع أصنافه ومسمياته مثل الأفيون أو أبو النوم وهذا النبات هو الذي ينتج منه الأفيون والنبات الثالث هو البابافير - Papaver بجميع أنواع جنسه وهو نبات من فصيلة نبات الخشخاش والنبات الخامس هو القات بجميع أصنافه ومسمياته وقد عرفت الإتفاقية الدولية التي انتهى إليها مؤتمر الأفيون الذي انعقد في مدينة جنيف هو والرؤوس المجففة المزهرة أو المثمرة من السيقان الإناث لنبات الكنابيس ساتيفا Cannabis Sativa) الذي لم يستخرج منه مادته الصمغية أياً كان الاسم الذي يعرف به في التجارة، وهذا المعنى هو الذي كان ملحوظا لدى الشارع المصري عند وضعه قانون المخدرات رقم 21 لسنة 1928 إذ أنه قد وضعه بعد إبرام الإتفاقية المذكورة وبعد قبول حكومة مصر العمل بأحكامها، ومع ذلك لم يشأ أن يعرف هذه المادة بغير هذا المعنى، وإذن فإذا كانت شجيرات القنب المضبوطة لا تزال في دور التزهير الذي تكون في خلاله مادة الحشيش فلا عقاب بمقتضى قانون المخدرات المذكور على إحرازها، وإنما يصبح العقاب عليها بمقتضى قانون زراعة الحشيش ويستوي أن تكون شجيرات الحشيش للأنثى أم للذكر.
وزراعة النبات تشمل أي طور من أطوار نموه، فتشمل وضع البذور في الأرض ومن ثم فلا محل للبحث في مدى احتواء النبات المخدر على مادته الفعالة.
وما يتخذ نحو البذر من أعمال التعهد المختلفة اللازمة للزرع إلى حين نضجه وقلعه، لأن وضع البذور كما ذهبت إلى ذلك محكمة النقض وإن هو إلا عمل بدائي لا يؤتي ثمرته إلا بدوام رعايته حتى ينبت ويتم سواؤه .
فلا يعاقب على وضع بذور الحشيش في الأرض فقط بل يعاقب أيضاً على كل ما يتخذ نحو البذر من أعمال التعهد المختلفة اللازمة للزرع إلى حين نضجه وقلعه، وإذ ذلك كله يدخل في مدلول الزراعة، التي نهى عنها فزراعة النباتات المخدرة تعد جريمة تامة بمجرد إتيان فعل الزراعة وأياً كانت النتيجة المترتبة على ذلك وسواء تحقق للجاني حصاد محصوله من النبات المخدر أم لا.
واستثنى المشرع من هذه النباتات بعض أجزاء من تلك النباتات أوردها على سبيل الحصر في الجدول رقم (6) وهي ألياف سيقان القنب وبذوره المحموسة حمساً يكفل عدم إنباتها وكذلك بذور الخشخاش المحموسة حمسة يكفل عدم إنباتها ورؤوس الخشخاش المرجوحة الخالية من البذور. ( جرائم المخدرات بين الشريعة والقانون ، المستشار/ عبدالحميد المنشاوى ، القاضى/ مصطفى المنشاوى – طبعة 2017 – منشاة المعارف – الصفحة 91 )
الأفعال المحظورة والمبينة بالمادة وهي الجلب و التصدير و النقل و التملك أو الحياز والإحراز و الشراء و البيع و التبادل و التسيلم و التسلم و التنازل قد وردت في هنا بشأن النباتات المذكورة علي سبيل الحصر في الجدول رقم (5) الملحق بالقانون في كافة أطوار نموها وكذلك بذورها .
ويستثنى من هذا الحظر أجزاء النباتات المبينة بالجدول رقم (6) الملحق القانون.
وبذلك يكون المشرع قد استهدف من نص هذه المادة مواجهة كافة الحالات التي يتصور أن تحدث عملاً بشأن الإتصال غير المشروع بالنباتات المبينة بالجدول رقم (5) الملحق بالقانون .(الموسوعة الشاملة للإجراءات فى قانون مكافحة المخدرات، إعداد محمد محمود عيد العوضي المحامي بالنقض، دار المحامي للإصدارات القانونية، الطبعة الأولى 2021، الكتاب الأول، الصفحة : 77 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع ، الصفحة / 143
بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ
التَّعْرِيفُ:
1 - الْبَيْعُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ، سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهُ فِي مُصْطَلَحِ «بَيْع». أَمَّا «الْمَنْهِيُّ عَنْهُ» فَهُوَ صِيغَةُ مَفْعُولٍ مِنَ النَّهْيِ.
وَالنَّهْيُ لُغَةً: الزَّجْرُ عَنِ الشَّيْءِ، وَهُوَ: ضِدُّ الأْمْرِ. وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ عَلَى جِهَةِ الاِسْتِعْلاَءِ.
الأْصْلُ فِي الْبَيْعِ الْحِلُّ إِلاَّ لِطَارِئٍ:
2 - أَنَّ الأْصْلَ فِي الْبَيْعِ هُوَ الإْبَاحَةُ وَالصِّحَّةُ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْحَظْرِ أَوِ الْفَسَادِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي إِبَاحَةِ جَمِيعِ الْبُيُوعِ. وَدَلِيلُ الْعُمُومِ هُوَ: أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِالأْلِفِ وَاللاَّمِ، وَالْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالأْلِفِ وَاللاَّمِ يُفِيدُ الْعُمُومَ عِنْدَ أَهْلِ الأْصُولِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَهْدٌ مُطْلَقًا، وَلاَ قَصْدٌ إِلَى إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَاهِيَّةِ.
فَصَارَ حَاصِلُ مَعْنَى الآْيَةِ: أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ حَلاَلٍ، أَخْذًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ.
غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ هَذِهِ الآْيَةَ، وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهَا مَخْرَجَ الْعُمُومِ، فَقَدْ لَحِقَهَا التَّخْصِيصُ، لأِنَّهُمْ - كَمَا يَقُولُ الرَّازِيُّ الْجَصَّاصُ، وَكَمَا سَيَأْتِي - مُتَّفِقُونَ عَلَى حَظْرِ كَثِيرٍ مِنَ الْبِيَاعَاتِ، نَحْوِ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإْنْسَانِ، وَبَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْمَجَاهِيلِ وَعَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الأْشْيَاءِ.
وَقَدْ كَانَ لَفْظُ الآْيَةِ يُوجِبُ جَوَازَ هَذِهِ الْبِيَاعَاتِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ مِنْهَا بِدَلاَئِلَ، إِلاَّ أَنَّ تَخْصِيصَهَا غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ اعْتِبَارِ عُمُومِ لَفْظِ الآْيَةِ، فِيمَا لَمْ تَقُمِ الدَّلاَلَةُ عَلَى تَخْصِيصِهِ.
مُوجِبُ النَّهْيِ:
3 - مُوجِبُ النَّهْيِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ التَّحْرِيمُ إِلاَّ بِقَرِينَةٍ تَصْرِفُهُ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَى غَيْرِهِ، كَالْكَرَاهَةِ أَوِ الإْرْشَادِ أَوِ الدُّعَاءِ أَوْ نَحْوِهَا( ). وَهُنَاكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأْصُولِيِّ. وَفِي مُصْطَلَحِ: (نَهْي).
فَإِذَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ أَوْ دَلِيلٌ يَصْرِفُ النَّهْيَ عَنِ التَّحْرِيمِ، كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْكَرَاهَةَ. وَهِيَ لُغَةً: ضِدُّ الْمَحَبَّةِ. وَاصْطِلاَحًا: تَشْمَلُ:
أ - الْمَكْرُوهَ تَحْرِيمًا، وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحُرْمَةِ أَقْرَبُ، بِمَعْنَى أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَحْذُورٌ دُونَ اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ بِالنَّارِ كَحِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ، وَهُوَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ إِطْلاَقِ الْكَرَاهَةِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - لَكِنَّهُ عِنْدَ الإْمَامِ مُحَمَّدٍ حَرَامٌ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.
ب - كَمَا تَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا، وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحِلِّ أَقْرَبُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يُعَاقَبُ فَاعِلُهُ أَصْلاً، لَكِنْ يُثَابُ تَارِكُهُ أَدْنَى ثَوَابٍ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ وَيُرَادِفُ الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا (خِلاَفُ الأْوْلَى) وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَهُ أَيْضًا.
فَإِذَا ذَكَرُوا مَكْرُوهًا: فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي دَلِيلِهِ:
أ - فَإِنْ كَانَ نَهْيًا ظَنِّيًّا، يُحْكَمُ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، إِلاَّ لِصَارِفٍ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَى النَّدْبِ.
ب - وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الدَّلِيلُ نَهْيًا، بَلْ كَانَ مُفِيدًا لِلتَّرْكِ غَيْرِ الْجَازِمِ، فَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ.
وَبَيْنَ الْمَكْرُوهَيْنِ: تَحْرِيمًا وَتَنْزِيهًا (الإْسَاءَةُ) وَهِيَ دُونَ الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا، وَفَوْقَ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا. وَتَتَمَثَّلُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ عَامِدًا غَيْرَ مُسْتَخِفٍّ، فَإِنَّ السُّنَّةَ يُنْدَبُ إِلَى تَحْصِيلِهَا، وَيُلاَمُ عَلَى تَرْكِهَا، مَعَ لُحُوقِ إِثْمٍ يَسِير.
وَإِذَا كَانَ الْحَنَفِيَّةُ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ لَفْظَ الْمَكْرُوهِ إِذَا أُطْلِقَ فِي كَلاَمِهِمْ فَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ، مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَصُّوا عَلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ مَتَى أُطْلِقَتْ لاَ تَنْصَرِفُ إِلاَّ لِلتَّنْزِيهِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ (الْكَرَاهَةَ) عَلَى مَا يُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس والعشرون ، الصفحة / 93
الْمُسْكِرَاتُ الأْخْرَى غَيْرُ الْخَمْرِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الشُّرْبِ مِنَ الأْنْبِذَةِ الأْخْرَى الْمُسْكِرَةِ - غَيْرِ الْخَمْرِ -
الْقَوْلُ الأْوَّلُ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْخَمْرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْعِنَبِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الأْنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِ، فَيُسَمَّى جَمِيعُ ذَلِكَ خَمْرًا وَيَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهَا سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ.
وَقَدْ رُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ - رضي الله عنهم - وَبِهِ قَالَ
عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَقَتَادَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِسْحَاقُ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ).
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِتْعِ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».
وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ، مِنَ الشَّعِيرِ، وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ مِنَ الْعَسَلِ، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
الْقَوْلُ الثَّانِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَ سِوَى الْخَمْرِ مِنَ الأْشْرِبَةِ الْمَعْهُودَةِ الْمُسْكِرَةِ إِلاَّ إِذَا سَكِرَ مِنْ شُرْبِهَا، كَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَالْمَطْبُوخِ أَدْنَى طَبْخَةٍ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْمُثَلَّثِ، وَالأْشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالدَّخَنِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَالتِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حُرِّمَتِ الْخَمْرَةُ بِعَيْنِهَا، قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ.
حُكْمُ تَنَاوُلِ الْبَنْجِ وَالأْفْيُونِ وَالْحَشِيشَةِ:
يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْبَنْجِ وَالأْفْيُونِ وَالْحَشِيشَةِ، وَلاَ يُحَدُّ شَارِبُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بَلْ يُعَزَّرُ.
وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ: يُحَدُّ بِالسُّكْرِ مِنَ الْبَنْجِ فِي زَمَانِنَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: يَجِبُ الْحَدُّ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، وَمَنِ اسْتَحَلَّ السُّكْرَ مِنْهَا وَزَعَمَ أَنَّهُ حَلاَلٌ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ.
خَلْطُ الْخَمْرِ بِغَيْرِهَا
إِنْ ثَرَدَ فِي الْخَمْرِ أَوِ اصْطَبَغَ بِهِ (أَيِ ائْتَدَمَ) أَوْ طَبَخَ بِهِ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأِنَّ عَيْنَ الْخَمْرِ مَوْجُودَةٌ. وَكَذَلِكَ إِنْ لَتَّ بِهِ سَوِيقًا فَأَكَلَهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَإِنْ عَجَنَ بِهِ دَقِيقًا ثُمَّ خَبَزَهُ فَأَكَلَهُ لَمْ يُحَدَّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأِنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَثَرُهُ.
وَإِنِ احْتَقَنَ بِالْخَمْرِ لَمْ يُحَدَّ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِشُرْبٍ وَلاَ أَكْلٍ وَلأِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَى مَنِ احْتَقَنَ بِهِ الْحَدَّ، لأِنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَى جَوْفِهِ، وَالأْوَّلُ أَوْلَى عِنْدَهُمْ كَمَا يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ، وَرَجَّحَ الْمُتَأَخِّرُونَ الثَّانِيَ.
وَإِنِ اسْتَعَطَ بِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ؛ لأِنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَى بَاطِنِهِ مِنْ حَلْقِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اكْتَحَلَ بِهَا أَوِ اقْتَطَرَهَا فِي أُذُنِهِ أَوْ دَاوَى بِهَا جَائِفَةً أَوْ آمَّةً فَوَصَلَ إِلَى دِمَاغِهِ، لأِنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ يَعْتَمِدُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَهُوَ بِهَذِهِ الأْفْعَالِ لاَ يَصِيرُ شَارِبًا، وَلَيْسَ فِي طَبْعِهِ مَا يَدْعُوهُ إِلَى هَذِهِ الأْفْعَالِ لِتَقَعَ الْحَاجَةُ إِلَى شَرْعِ الزَّجْرِ عَنْهُ.
وَلَوْ خُلِطَتْ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ غَالِبَةً حُدَّ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا لاَ يُحَدُّ إِلاَّ إِذَا سَكِرَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ.
وَكَذَلِكَ يُحَدُّ إِذَا كَانَا سَوَاءً نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَوْ خَلَطَ الْمُسْكِرَ بِمَاءٍ فَاسْتُهْلِكَ الْمُسْكِرُ فِيهِ فَشَرِبَهُ لَمْ يُحَدَّ.
وَقَالُوا: إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لِعَطَشٍ وَكَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ أُبِيحَتْ لِدَفْعِ الْعَطَشِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَإِنْ شَرِبَهَا مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لاَ يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ لَمْ تُبَحْ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَلَوْ عَجَنَ دَوَاءً بِخَمْرٍ أَوْ لَتَّهُ أَوْ جَعَلَهَا أَحَدَ أَخْلاَطِ الدَّوَاءِ ثُمَّ شَرِبَهَا وَالدَّوَاءُ هُوَ الْغَالِبُ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ هِيَ الْغَالِبَةَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
لأِنَّ الْمَغْلُوبَ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِالْغَالِبِ إِذَا كَانَ مِنْ خِلاَفِ جِنْسِهِ وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ.
قَدْرُ حَدِّ السُّكْرِ وَحَدِّ الشُّرْبِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ مُطْلَقًا؛ أَيْ سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهَا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَا شَرِبَهُ مِنْهَا قَلِيلاً أَمْ كَثِيرًا.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْلُ الأْوَّلُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ،، وَهُوَ مُقَابِلُ الأْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لاَ فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأْنْثَى، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمَشُورَةِ: إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانِينَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، إِلَى أَنَّ قَدْرَ الْحَدِّ أَرْبَعُونَ فَقَطْ، وَلَوْ رَأَى الإْمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِينَ جَازَ فِي الأْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الأْرْبَعِينَ تَكُونُ تَعْزِيرَاتٍ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ ثُمَّ قَالَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ»، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ «نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ»، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ.
قَالُوا: وَفِعْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حُجَّةٌ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَلاَ يَنْعَقِدُ الإْجْمَاعُ عَلَى مَا خَالَفَ فِعْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهم، فَتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا إِذَا رَأَى الإْمَامُ ذَلِكَ.
شُرْبُ الْمُسْكِرِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ:
إِذَا شَرِبَ إِنْسَانٌ مُسْكِرًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يُحَدُّ لِلشُّرْبِ وَيُعَزَّرُ بِعِشْرِينَ سَوْطًا لإِفْطَارِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَذَلِكَ لأِنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ مُلْزِمٌ لِلْحَدِّ، وَهَتْكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ وَالصَّوْمِ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ وَلَكِنَّ الْحَدَّ أَقْوَى مِنَ التَّعْزِيرِ فَيُبْتَدَأُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ثُمَّ لاَ يُوَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعْزِيرِ لِكَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إِلَى الإِتْلاَفِ.
وَالأْصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الْحَارِثِيِّ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَحَدَّهُ ثُمَّ حَبَسَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَخْرَجَهُ فَضَرَبَهُ عِشْرِينَ سَوْطًا وَقَالَ: هَذَا لِجَرَاءَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَإِفْطَارِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَدِّ:
يُشْتَرَطُ لإِيجَابِ الْحَدِّ مَا يَلِي:
أَوَّلاً: التَّكْلِيفُ وَهُوَ هُنَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ، فَلاَ حَدَّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ بِاتِّفَاقٍ؛ لأِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لاَ يُوصَفُ بِالْجِنَايَةِ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا.
وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يُؤَدَّبُ لِلزَّجْرِ.
ثَانِيًا: الإْسْلاَمُ، فَلاَ حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِالشُّرْبِ وَلاَ بِالسُّكْرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: وَشُرْبُ الْخَمْرِ مُبَاحٌ لأِهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا فَلاَ يَكُونُ جِنَايَةً، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لَكِنَّنَا نُهِينَا عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ تَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لأِنَّنَا نَمْنَعُهُمْ مِنَ الشُّرْبِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُمْ إِذَا شَرِبُوا وَسَكِرُوا يُحَدُّونَ لأِجْلِ السُّكْرِ لاَ لأِجْلِ الشُّرْبِ لأِنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي الأْدْيَانِ كُلِّهَا. قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ حَسَنٌ.
وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: «إِنْ سَكِرَ الذِّمِّيُّ مِنَ الْحَرَامِ حُدَّ فِي الأْصَحِّ لِحُرْمَةِ السُّكْرِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ» وَجَاءَ بِهَا أَيْضًا قَوْلُهُ: حُدَّ فِي الأْصَحِّ أَفْتَى بِهِ الْحَسَنُ وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلاَ يُحَدُّ الذِّمِّيُّ بِشُرْبِهِ وَإِنْ سَكِرَ، وَعَنْهُ: يُحَدُّ، وَعِنْدِي: إِنْ سَكِرَ حُدَّ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ يُؤَدَّبُ بِالشُّرْبِ إِنْ أَظْهَرَهُ.
ثَالِثًا: عَدَمُ الضَّرُورَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، بِأَنْ يَشْرَبَهَا مُخْتَارًا لِشُرْبِهَا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. فَلاَ حَدَّ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا وَذَلِكَ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، وَلأِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَالشُّرْبُ بِالإْكْرَاهِ حَلاَلٌ فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً فَلاَ حَدَّ وَلاَ إِثْمَ.
وَسَوَاءٌ أُكْرِهَ بِالْوَعِيدِ وَالضَّرْبِ أَوْ أُلْجِئَ إِلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُفْتَحَ فُوهُ وَتُصَبُّ فِيهِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَكُونُ بِالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالضَّرْبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ أَوْ بِإِتْلاَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ بِالضَّرْبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ؛ أَيْ بِقَيْدٍ أَوْ سَجْنٍ شَدِيدَيْنِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لِسَحْنُونٍ.
وَكَذَلِكَ لاَ حَدَّ عَلَى مَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا لِدَفْعِ غُصَّةٍ بِهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا سِوَاهَا، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَعَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ).
وَلأِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَالشُّرْبُ لِضَرُورَةِ الْغُصَّةِ حَلاَلٌ فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَإِنْ شَرِبَهَا لِعَطَشٍ فَالْحَنَابِلَةُ، يَقُولُونَ: إِنْ كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ أُبِيحَتْ لِدَفْعِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَكَإِبَاحَتِهَا لِدَفْعِ الْغُصَّةِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ أَنَّهُ أَسَرَهُ الرُّومُ، فَحَبَسَهُ طَاغِيَتُهُمْ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَاءٌ مَمْزُوجٌ بِخَمْرٍ، وَلَحْمُ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٌّ لِيَأْكُلَهُ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَتَرَكَهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ حِينَ خَشُوا مَوْتَهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي فَإِنِّي مُضْطَرٌّ وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لأِشْمِتَكُمْ بِدِينِ الإْسْلاَمِ.
وَإِنْ شَرِبَهَا صِرْفًا أَوْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لاَ يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، يَحِلُّ شُرْبُهَا لِلْعَطَشِ لقوله تعالى : ( إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، الأْصَحُّ تَحْرِيمُهَا لِعَطَشٍ وَجُوعٍ وَلَكِنْ لاَ يُحَدُّ وَقَالُوا: إِنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاَكِ مِنْ عَطَشٍ جَازَ لَهُ شُرْبُهَا.
شُرْبُ الْمُسْكِرِ لِلتَّدَاوِي:
إِنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لِلتَّدَاوِي (لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُحَدُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ إِبَاحَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي بِحَدِيثِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَنَّ «طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ».
وَلأِنَّ الْمُسْكِرَ مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ فَلَمْ يُبَحْ لِلتَّدَاوِي كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ إِلَى جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْقَدْرِ الَّذِي لاَ يُسْكِرُ كَبَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ وَهَذَا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، أَمَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ دَوَاءً آخَرَ فَفِي جَوَازِهِ خِلاَفٌ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي (تَدَاوِي).
رَابِعًا: مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَدِّ أَيْضًا بَقَاءُ اسْمِ الْخَمْرِ لِلْمَشْرُوبِ وَقْتَ الشُّرْبِ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ. لأِنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ تَعَلَّقَ بِهِ حَتَّى لَوْ خُلِطَ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ ثُمَّ شَرِبَ نُظِرَ فِيهِ: إِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ - لأِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ يَزُولُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْخَمْرِ أَوْ كَانَا سَوَاءً يُحَدُّ؛ لأِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ.
وَيُحَدُّ مَنْ شَرِبَ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لأِنَّهُ خَمْرٌ بِلاَ شَكٍّ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ؛ لأِنَّ الدُّرْدِيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ صَافِيهِ، وَالاِنْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ حَرَامٌ فَكَذَلِكَ بِدُرْدِيِّهِ، وَهَذَا لأِنَّ فِي الدُّرْدِيِّ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ وَلَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ خَمْرٍ فِي مَاءٍ لَمْ يَجُزْ شُرْبُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ، فَالدُّرْدِيُّ أَوْلَى.
خَامِسًا: وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا الْعِلْمُ بِأَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ، فَالْحَدُّ إِنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ شَرِبَهَا عَالِمًا بِأَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ إِلاَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ مَا شَرِبَهُ مُسْكِرًا.
وَذَلِكَ لأِنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا وَلاَ قَاصِدٍ إِلَى ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ بِهَا فَأَشْبَهَ مَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ، وَلاَ حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا أَيْضًا - لأِنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم قَالاَ: لاَ حَدَّ إِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ - وَلأِنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا خَمْرٌ، وَإِذَا ادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِهَا نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ نَاشِئًا بِبَلَدِ الإْسْلاَمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ لأِنَّ هَذَا لاَ يَكَادُ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَلاَ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالإْسْلاَمِ أَوْ نَاشِئًا بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْبُلْدَانِ قُبِلَ مِنْهُ، لأِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
سَادِسًا: اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ النُّطْقَ فَلاَ يُحَدُّ الأْخْرَسُ لِلشُّبْهَةِ، لأِنَّهُ لَوْ كَانَ نَاطِقًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لاَ يُحَدُّ بِهِ كَإِكْرَاهٍ أَوْ غَصٍّ بِلُقْمَةٍ.
وَلاَ تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ وَلاَ الْحُرِّيَّةُ فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى كُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ وَالأْنْثَى وَالرَّقِيقِ إِلاَّ أَنَّ حَدَّ الرَّقِيقِ يَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ.
وُجُودُ رَائِحَةِ الْخَمْرِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ تُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ:
الْقَوْلُ الأْوَّلُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ تُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ. وَذَلِكَ لأِنَّ وُجُودَ رَائِحَةِ الْخَمْرِ لاَ يَدُلُّ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ لِجَوَازِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا وَلَمْ يَشْرَبْهَا، أَوْ شَرِبَهَا عَنْ إِكْرَاهٍ أَوْ غُصَّةٍ خَافَ مِنْهَا الْهَلاَكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ لأِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَلَدَ رَجُلاً وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ الشَّرَابِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلاَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي سَائِلٌ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ.
وَلأِنَّ الرَّائِحَةَ تَدُلُّ عَلَى شُرْبِهِ فَجَرَى مَجْرَى الإْقْرَارِ.
تَقَيُّؤُ الْخَمْرِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِتَقَيُّؤِ الْخَمْرِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ:
الْقَوْلُ الأْوَّلُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ. إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ؛ لاِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا تُسْكِرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ بِذَلِكَ، لأِنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ شُرْبِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِشُرْبِهَا.
وَلِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ قُدَامَةَ مَا كَانَ جَاءَ عَلْقَمَةُ الْخَصِيُّ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَتَقَيَّؤُهَا، فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ قَاءَهَا فَقَدْ شَرِبَهَا، فَضَرَبَهُ الْحَدَّ.
وَلِخَبَرِ عُثْمَانَ حِينَ أُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَآهُ شَرِبَهَا وَشَهِدَ الآْخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَضَرَبَهُ،، وَهَذَا بِمَحْضَرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَسَادَتِهِمْ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَلأِنَّهُ يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَلاَ يَتَقَيَّؤُهَا أَوْ لاَ يَسْكَرُ مِنْهَا حَتَّى يَشْرَبَهَا،
إِثْبَاتُ الْحَدِّ:
لاَ يَجِبُ الْحَدُّ حَتَّى يَثْبُتَ الشُّرْبُ أَوِ السُّكْرُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ: الإْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ.
الْبَيِّنَةُ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ - وَكَذَلِكَ السُّكْرُ - يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ - أَيْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ - وَهِيَ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا مَا يَلِي:
(1) أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ.
(2) الذُّكُورَةُ، فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
(3) الأْصَالَةُ فَلاَ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلاَ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا؛ لِتَمَكُّنِ زِيَادَةِ شُبْهَةٍ فِيهَا وَالْحُدُودُ لاَ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ.
(4) عَدَمُ التَّقَادُمِ (انْظُرْ شَهَادَة) (وَحُدُود) (وَتَقَادُم) ف 13
(5) وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ الإْمَامُ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ مَاهِيَّةِ الْخَمْرِ وَكَيْفَ شَرِبَ؛ لاِحْتِمَالِ الإْكْرَاهِ، وَمَتَى شَرِبَ لاِحْتِمَالِ التَّقَادُمِ، وَأَيْنَ شَرِبَ لاِحْتِمَالِ شُرْبِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِذَا بَيَّنُوا ذَلِكَ حَبَسَهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ وَلاَ يَقْضِي بِظَاهِرِهَا.
(6) قِيَامُ الرَّائِحَةِ وَقْتَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عَدْلاَنِ بِشُرْبِهِ الْخَمْرَ، وَخَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنَ الْعُدُولِ بِأَنْ قَالاَ: لَيْسَ رَائِحَتُهُ رَائِحَةَ خَمْرٍ بَلْ خَلٍّ مَثَلاً، فَلاَ تُعْتَبَرُ الْمُخَالَفَةُ وَيُحَدُّ؛ لأِنَّ الْمُثْبِتَ يُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي.
الإْقْرَارُ:
يَثْبُتُ الشُّرْبُ أَيْضًا بِإِقْرَارِ الشَّارِبِ نَفْسِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَانْظُرْ (حُدُود)، إِثْبَاتٌ.
شُرُوطُ إقَامَةِ الْحَدِّ:
يُشْتَرَطُ لإِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ وَالسُّكْرِ شُرُوطٌ، مِنْهَا:
(1) الإْمَامَةُ. اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ هُوَ الإْمَامُ أَوْ مَنْ وَلاَّهُ الإِْمَامُ، انْظُرْ (حُدُود).
(2) أَهْلِيَّةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِلشُّهُودِ عِنْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ، انْظُرْ (حُدُود)
(3) أَنْ لاَ يَكُونَ فِي تَنْفِيذِ حَدِّ الشُّرْبِ خَوْفُ الْهَلاَكِ لأَِنَّ هَذَا الْحَدَّ شُرِعَ زَاجِرًا لاَ مُهْلِكًا، انْظُرْ مُصْطَلَحَ جَلْد وَحُدُود وَزِنًى وَقَذْف.
كَيْفِيَّةُ الضَّرْبِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ:
لِلضَّرْبِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ كَيْفِيَّةٌ خَاصَّةٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (جَلْد وَحُدُود)
سُقُوطُ الْحَدِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ:
يَسْقُطُ حَدُّ الشُّرْبِ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِأُمُورٍ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حُدُود) (وَسُقُوط).