مع عدم الإخلال بأحكام المواد السابقة يعاقب بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه كل من رخص له فى الإتجار فى الجواهر المخدرة أو حيازتها ولم يمسك الدفاتر المنصوص عليها فى المواد (12، 18، 24، 26) من هذا القانون أو لم يقم بالقيد فيها .
مع عدم الإخلال بأحكام المواد السابقة يعاقب بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه كل من رخص له فى الإتجار فى الجواهر المخدرة أو حيازتها ولم يمسك الدفاتر المنصوص عليها فى المواد (12، 18، 24، 26) من هذا القانون أو لم يقم بالقيد فيها .
ويعاقب بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه كل من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له فى الإتجار فى الجواهر المخدرة ولم يقم بإرسال الكشوف المنصوص عليها فى المادتين (13، 23) إلى الجهة الإدارية المختصة فى المواعيد المقررة .
ويعاقب بغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه كل من حاز أو أحرز من الأشخاص المشار إليهم فى الفقرتين السابقتين جواهر مخدرة بكميات تزيد أو تقل عن الكميات الناتجة من تعدد عمليات الوزن بشرط ألا تزيد الفروق على ما يأتى :
(أ) 10% من الكميات التى لا تزيد على جرام واحد .
(ب) 5% فى الكميات التى تزيد على جرام حتى 25 جرام بشرط ألا يزيد مقدار التسامح على 50 سنتيجرام .
(ج) 2% فى الكميات التى تزيد على 25 جرام .
(د) 5 % فى الجواهر المخدرة السائلة أياً كان مقدارها .
وفى حالة العود إلى ارتكاب إحدى الجرائم المبينة فى هذه المادة تكون العقوبة الحبس ومثلى الغرامة المقررة أو بإحدى هاتين العقوبتين .
المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 122 لسنة 1989 بتعديل بعض أحكام القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والإتجار فيها :
مادة (43) :
أدمجت الفقرتان الأولى والثانية من هذه المادة في فقرة واحدة أصبحت تعالج جریمتي عدم إمساك الدفاتر المنصوص عليها في المواد (12، 18، 24، 26) وعدم القيد فيها، وتقررت لهما عقوبة مالية واحدة هي الغرامة التي لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه، بدلاً من عقوبة الغرامة في القانون الحالي والتي كان حدها الأقصى للجريمة الأولى مائتي جنيه، وللجريمة الثانية مائة جنيه .
ثم أضاف الفقرة الثانية من المادة فعلاً جديداً للأفعال المؤثمة هو عدم قيام من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الإتجار في الجواهر المخدرة، بإرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين (13، 23) إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة، وجعلت العقوبة المقررة لهذه الجريمة وهي الغرامة التي لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه .
أما جريمة حيازة الأشخاص المشار إليهم في الفقرتين السابقتين أو إحرازهم كميات تزيد أو تقل عن الكميات الناتجة عن عمليات الوزن في حدود النسب الواردة في النص، فقد زيدت الغرامة المعاقب بها من مائتي جنيه كحد أقصى في القانون الحالي إلى الغرامة التي لا تقل عن ألفي جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه .
وجعلت الفقرة الأخيرة عقوبة الجرائم المشار إليها في هذه المادة في حالة العود الحبس وضعف الغرامة المقررة أو إحداهما .
لما كان المستفاد من استقراء نصوص المادتين 4 / ب ، 11 / ب والمواد من 14 إلى 23 ، 34 / ب ، 38 / 1 ، 43 من القانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها أن المشرع منح مديري الصيدليات حق الحصول على المواد المخدرة بإذن بجلبها من الخارج وفق الشروط المحددة في القانون أو بالشراء من الأشخاص المرخص لهم بالاتجار فيها ، فإذا حصلوا على تلك المواد بغير ذلك الطريق فإن إحرازهم أو حيازتهم لها يشكل الجناية المؤثمة بالمادة 38 / 1 ، كما أباح لهم التصرف في تلك المواد التي أحرزوها أو حازوها قانوناً وفقاً لقواعد محددة وقيود تسهل مراقبة تلك التصرفات على النحو المبين في المواد من 14 إلى 23 ، فإذا تصرفوا في تلك المواد على غير ما اشترطه القانون شكل ذلك أيضاً الجناية المؤثمة بالمادة 34 / ب ، أمَّا إذا اقتصر الأمر على عدم إمساك الدفاتر المنصوص عليها في القانون أو عدم قيد المواد المخدرة التي حصلوا عليها وفق أحكام القانون أو عدم إرسال الكشوف المنصوص عليها في المادة 23 من القانون أو حيازة جواهر مخدرة بكميات تزيد أو تقل عن الكميات الناتجة عن تعدد عمليات الوزن ، فإن ذلك يشكل الجنحة المؤثمة بالمادة 43 ، وعلى ذلك يشترط لصحة الحكم بإدانة الصيدلي بجناية إحراز أو حيازة جوهر مخدر بغير قصد من القصود المسماة في القانون أن يبين أنه حصل على المواد المخدرة المضبوطة بغير الطريق الذى حدده القانون في المادتين 4 / ب ، 11 / ب من القانون بادى الذكر. لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد اقتصر في اطراح دفاع الطاعن القائم على أنه مرخص له بإحراز وحيازة المواد المخدرة تبعاً للترخيص الصادر للصيدلية التي يديرها وأن الواقعة لا تعدو أن تكون مجرد مخالفة لعدم إمساكه دفاتر لقيد المواد المخدرة على مجرد القول بأن الطاعن أقر بالتحقيقات بعدم قيد المضبوطات بالدفاتر ، ودانه بإحراز المخدر المضبوط بغير قصد من القصود المسماة في القانون وعاقبه بالمادة 38 / 1 دون أن يستظهر أنه حصل عليها بغير الطريق الذى حدده القانون ، فإنه يكون معيباً بالقصور بما يوجب نقضه والإعادة .
( الطعن رقم 36694 لسنة 85 ق - جلسة 11 / 10 / 2016 )
الجنح التى تقع ممن رخص لهم في إحراز المواد المخدرة :
تقسيم :
تشمل هذه المجموعة جنحاً ثلاثة : الأولى، هي جنحة عدم إمساك الدفاتر أو القيد فيها، والثانية، هي جنحة عدم إرسال الكشوف إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة، والثالثة، هي جنحة تجاوز فروق الوزن . وسوف نتناول كلا من هذه الجنح .
1- جنحة عدم إمساك الدفاتر أو عدم القيد فيها
نصوص القانون :
تنص المادة 1/43 من قانون مكافحة المخدرات (المعدلة بالقانون رقم 122 لسنة 1989) على أنه : « مع عدم الإخلال بأحكام المواد السابقة يعاقب بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه كل من رخص له في الإتجار في الجواهر المخدرة أو حيازتها ولم يمسك الدفاتر المنصوص عليها في المواد 12 ، 18 ، 24 ، 26 من هذا القانون أو لم يقم بالقيد فيها » .
وترجع علة التجريم إلى أن وجود المخدر المرخص بحيازته لدى بعض الأفراد قد يغرى باستعماله في غير الأغراض المرخص من أجلها كالعلاج وصناعة المستحضرات الطبية، ولذلك فرض عليهم بعض القيود التي تتيح إحكام الرقابة على حيازتهم للمواد المخدرة . كإلزامهم بإمساك الدفاتر والقيد فيها، ثم إخطار الجهة الإدارية المختصة بالكشوف التي تبين الوارد والمنصرف والباقي من المواد المخدرة في مدة معينة .
ويقتضي تفهم هذه الجرائم إلقاء نظرة على ما تنص عليه المواد التي أشارت إليها المادة 43 .
تنص المادة 12 من القانون المشار إليه على أن : « جميع الجواهر المخدرة الواردة للمحل المرخص له في الإتجار بها وكذا المصروفة منه يجب قيدها أولاً بأول في اليوم ذاته في دفاتر خاصة مرقومة صحائفها ومختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة، ويجب أن يذكر بهذه الدفاتر تاریخ الورود واسم البائع وعنوانه وتاريخ الصرف واسم المشتري وعنوانه ، ويذكر في الحالتين إسم الجواهر المخدرة بالكامل وطبيعتها وكميتها ونسبتها وكذلك جميع البيانات التي تقررها الجهة الإدارية المختصة » .
وتنص المادة 18 على أنه : « يجب قيد جميع الجواهر المخدرة الواردة إلى الصيدلية يوم ورودها ، وكذا المصروفة منها أولاً بأول في ذات يوم صرفها في دفتر خاص للوارد والمصروف، مرقومة صحائفه ومختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة . ويذكر في القيد بحروف واضحة البيانات الآتية : أولاً - فيما يختص بالوارد : تاريخ الورود واسم البائع وعنوانه ونوع الجوهر المخدر وكميته . ثانياً - فيما يختص بالمصروف : (أ) إسم وعنوان محرر التذكرة . (ب) إسم المريض بالكامل ولقبه وسنه وعنوانه . (ج) التاريخ الذي صرف فيه الدواء ورقم القيد في دفتر التذاكر الطبية ، وكذا كمية الجواهر المخدرة الذي يحتوي عليه . ويدون بهذا الدفتر علاوة على ذلك جميع البيانات الأخرى التي يصدر بها قرار الوزير المختص» .
وتنص المادة 24 على أنه : « على كل شخص ممن ذكروا في المادتين 11 ، 19 رخص له في حيازة الجواهر المخدرة أن يقيد الوارد والمصروف من هذه الجواهر أولاً بأول في اليوم ذاته وفي دفتر خاص مرقومة صحائفه ومختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة مع ذكر إسم المريض أو إسم صاحب الحيوان كاملاً ولقبه وسنه وعنوانه إذا كان الصرف في المستشفيات أو المصحات أو المستوصفات أو العيادات - وإذا كان الصرف لأغراض أخرى مبينين الغرض الذي استعملت فيه هذه الجواهر » .
وتنص المادة 26 على أنه : « لا يجوز في مصانع المستحضرات الطبية صنع مستحضرات يدخل في تركيبها جواهر مخدرة إلا بعد الحصول على الترخيص المنصوص عليها في المادة (7) . ولا يجوز لهذه المصانع استعمال الجواهر المخدرة التي توجد لديها إلا في صنع المستحضرات التي تنتجها ، وعليها أن تتبع أحكام المادتين 12 ، 13 فيما يتعلق بما يرد إليها من الجواهر المخدرة، وأحكام المواد 11 ، 12 ، 13 فيما يتعلق بما تنتجه من مستحضرات يدخل في تركيبها أحد الجواهر المخدرة بأية نسبة كانت » .
أركان الجريمة :
تقوم هذه الجريمة على أركان ثلاثة : صفة الجاني، ورکن مادی ثم ركن معنوی .
صفة الجاني :
لا تقع هذه الجريمة إلا من شخص من الأشخاص الذين ألزمهم القانون بواجب إمساك الدفاتر أو القيد فيها ، وهم الذين رخص لهم القانون في حيازة المواد المخدرة ، أي من كانت حيازتهم للمادة المخدرة مشروعة بناءً على ترخیص بالحيازة صادر من الجهة المختصة ولأغراض العلاج أو تصنيع المستحضرات الطبية، فإذا لم يوجد الترخيص فإن حيازة المخدر تكون جناية .
الركن المادي :
يتخذ الركن المادي في هذه الجريمة إحدى صورتين ، عدم إمساك الدفاتر وعدم القيد فيها .
أولاً : إمساك الدفاتر :
يقصد بإمساك الدفاتر الإحتفاظ بدفاتر خاصة صحائفها مرقومة ومختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة . وعلى ذلك تقع الجريمة ممن يمتنع عن إمساك هذه الدفاتر بالذات ولا يغني في تبرئته أن يكون قد أمسك دفاتر من أي نوع آخر وتطبيقاً لذلك قضى بأنه : « إذا كان الحكم قد أثبت على المتهم أنه أهمل الدفتر المختوم بختم وزارة الصحة لانتهاء العمل فيه، ثم استعمل دفتر آخر غير مختوم أخذ يقيد فيه الجواهر المخدرة المنصرفة من صيدليته، فإن إدانته في جريمة عدم إمساك الدفاتر تكون صحيحة . ولا يشفع له أنه كان يقيد الجواهر المخدرة في دفتر التذاكر الطبية المختوم، أو أنه كان يتردد على مكتب الصحة ليضع له الأختام على الدفتر الذي أخذ يستعمله، أو أنه لم يحصل منه أي تلاعب في المخدرات التي في صيدليته، وذلك لأن النص صريح في إيجاب القيد في الدفتر الخاص .
ثانياً : القيد في الدفاتر :
يقصد بالقيد في الدفاتر الخاصة إثبات بيانات معينة حددتها المواد السابق الإشارة إليها، وفي مقدمة هذه البيانات المواد المخدرة الواردة والمصروفة وأن يتم ذلك في اليوم ذاته الذي وردت فيه أو صرفت فيه. ويجب أن يكون ذلك في الدفاتر الخاصة المرقومة صحائفها والمختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة، فإذا لم يقع القيد على النحو المحدد قانوناً أو أغفلت بعض البيانات وقع الركن المادي المكون لهذه الجريمة .
ويلاحظ أن الركن المادي في هذه الجريمة يقوم على نشاط سلبي يتمثل في امتناع الجاني عن إمساك الدفتر أو عن القيد فيه .
الركن المعنوي :
يذهب الفقه إلى اعتبار هذه الجريمة عمدية ، يتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصد الجنائي القائم على العلم والإرادة .
ويذهب القضاء إلى أن جريمة عدم إمساك الدفاتر جريمة عمدية، وأن القصد الجنائي فيها مفترض وجوده بمجرد الإخلال بحكمها ، وليس يشفع فيها الاعتذار بسهو أو نسيان أو بأي عذر آخر دون الحادث القهري .
والأمر لدينا أن هذه الجريمة يعاقب عليها سواء بوصف العمد أو بوصف الخطأ، فسواء كان امتناع الجاني عن إمساك الدفتر أو عن القيد فيه عمدياً أو كان عن خطأ كما لو كان وليد الإهمال أو السهو أو النسيان فإن الجريمة تقع . ولا يحول دون وقوعها إلا أن يثبت أن امتناع الجاني إنما كان وليد القوة القاهرة فهي التي تنفي كلا من القصد والخطأ .
العقوبة :
يقرر المشرع لجريمة الامتناع عن إمساك الدفاتر أو القيد فيها عقوبة الغرامة التي لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه (م 43 من قانون مكافحة المخدرات) .
أما إذا كون الفعل جريمة أخرى كعدم قيد المادة المخدرة لكي يحرزها فإنه توقع عليه عقوبة الجريمة الأخرى وهي جناية . وهذا هو ما عناه الشارع عندما صدر المادة 43 بقوله : « مع عدم الإخلال بأحكام المواد السابقة » .
العود إلى ارتكاب الجريمة :
إذا عاد الجاني إلى ارتكاب إحدى الجرائم المبينة في المادة 43 - وهي عدم إمساك الدفاتر وعدم القيد فيها، ثم عدم إرسال الكشوف إلى الجهة المختصة في المواعيد المقررة، تشدد العقوبة لتصبح الحبس ومثلي الغرامة المقررة أو إحدى هاتين العقوبتين . والعود هنا مؤبد يتوافر بارتكاب الجريمة مرة أخرى في أي وقت .
2- جريمة عدم إرسال الكشوف
نص القانون :
تنص الفقرة الثانية من المادة 43 من قانون مكافحة المخدرات على أن : « يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه كل من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الاتجار في الجواهر المخدرة ولم يقم بإرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين 13 ، 23 إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة » .
وتنص المادة 13 المشار إليها على أنه : «على مديري المحال المرخص لها في الإتجار فى الجواهر المخدرة أن يرسلوا بكتاب موصى عليه إلى الجهة الإدارية المختصة في الأسبوع الأول من كل شهر کشفاً موقعاً عليه منهم مبيناً به الوارد من الجواهر المخدرة والمصروف منها خلال الشهر السابق والباقي منها، وذلك بملء النماذج التي تعدها الجهة الإدارية المختصة لهذا الغرض » .
وتنص المادة 23 على أن : « على مديري الصيدليات أن يرسلوا إلى الجهة التي تعينها الجهة الإدارية المختصة خلال الخمسة وعشرين يوماً الأولى من شهر يناير ويوليو من كل سنة بكتاب موصی علیه کشفاً تفصيلياً موقعاً منهم عن الوارد والمصروف والباقي من الجواهر المخدرة خلال الستة أشهر السابقة وذلك على النموذج الذي تصدره الجهة الإدارية المختصة لهذا الغرض » .
أركان الجريمة :
تقوم هذه الجريمة على أركان ثلاثة : صفة في الجاني، ورکن مادی، ورکن معنوی .
صفة الجاني :
لا تقع هذه الجريمة إلا من أحد مديري المحال المرخص له في الإتجار في الجواهر المخدرة أو أحد مديري الصيدليات فهؤلاء هم الذين يقع على عاتقهم الإلتزام بإرسال الكشوف الذي نصت عليه المادة 2/43 .
الركن المادي :
يقوم الركن المادي لهذه الجريمة بسلوك سلبي يتمثل في امتناع الجاني عن إرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين 13 ، 23 إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة .
ويتخذ هذا السلوك عدة صور : عدم ملء الكشوف بالبيانات المطلوبة وهي الواردة من المواد المخدرة إلى المحل أو الصيدلية، والمصروف والباقي منها . وقد يملأ مدير المحل أو الصيدلية الكشوف ولكنه لا يرسلها إلى الجهة المختصة، أو يرسلها ولكن إلى جهة أخرى غير هذه الجهة، وقد يملأ الكشوف ويرسلها إلى الجهة المختصة لكن في غير المواعيد المحددة في كل من المادتين 13 ، 23 .
وفي كل هذه الصور يتوافر الركن المادي للجريمة .
الركن المعنوي :
يتوافر الركن المعنوي في هذه الجريمة - من وجهة نظرنا - سواء توافر القصد الجنائي أو الخطأ، فقد تكون الجريمة عمدية إذا أراد الجاني عدم ارسال الكشوف إلى الجهة المختصة في المواعيد المحددة، وقد تكون غير عمدية إذا كان عدم إرسال هذه الكشوف يرجع إلى الاهمال أو السهو أو النسيان ولا ينتفي الركن المعنوي وبالتالى المسئولية الجنائية إلا إذا كانت هناك قوة قاهرة أو حادث فجائي هو الذي حال دون قيام الجاني بالإلتزام بإرسال الكشوف .
العقوبة :
يقرر المشرع لهذه الجريمة عقوبة الغرامة التي لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه . وفي حالة العود إلى ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة 43 تكون العقوبة هي الحبس ومثلي الغرامة المقررة أو إحدى هاتين العقوبتين .
3- جريمة تجاوز فروق الأوزان
نص القانون :
تنص الفقرة الثالثة من المادة 43 من قانون مكافحة المخدرات على أن : يعاقب بغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه كل من حاز أو أحرز من الأشخاص المشار إليهم في الفقرتين السابقتين جواهر مخدرة بكميات تزيد أو تقل عن الكميات الناتجة من تعدد عمليات الوزن بشرط ألا تزيد الفروق على ما يأتي : (أ) 10% في الكميات التي لا تزيد على جرام واحد . (ب) 5% في الكميات التي تزيد على جرام حتی 25 جرام بشرط ألا يزيد مقدار التسامح عن 50 سنتيجرام . (ج) 2% في الكميات التي تزيد على 25 جرام . (د) 5% في الجواهر المخدرة السائلة أياً كان مقدارها .
أركان الجريمة :
تقوم هذه الجريمة على أركان ثلاثة : صفة في الجاني ، والركن المادي ثم الركن المعنوي .
صفة في الجاني :
لا تقع هذه الجريمة إلا من شخص من الذين أشارت إليهم المادة 43 في فقرتها الأولى والثانية، وهم الأشخاص الذين رخص لهم في الاتجار في الجواهر المخدرة أو حيازتها، وكذلك كل من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الإتجار في الجواهر المخدرة . فهؤلاء هم الذين يقومون بعملية وزن المواد المخدرة وبالتالي يمكن أن تقع منهم الجريمة .
الركن المادي :
يتمثل الركن المادي لهذه الجريمة في حيازة أو إحراز جواهر مخدرة بنسبة تزيد أو تقل عن الكميات التي تنتج من تكرار عمليات الوزن، وقد حدد المشرع النسب المسموح بها قانوناً باعتبارها في أغلب الأحوال تنتج عن عمليات الوزن مهما كانت كفاءة الموازين ومهما كانت دقة القائم بعملية الوزن . ولذلك حدد المشرع نسبة الفروق بحيث تزيد كلما قلت الكمية الموزونة، وتقل كلما زادت هذه الكمية . ويسوى المشرع في ارتكاب الجريمة بين ما إذا كانت الفروق تزيد على النسبة المحددة في النص أو تقل عنها، ذلك أن زيادتها عنها تعني أنه أنقص - عند الوزن - الكمية عما يجب أن تكون عليه، وقلتها عن النسبة المحددة تعنى أنه تصرف في كمية أكثر مما كان يجب التصرف فيه .
الركن المعنوي :
هذه الجريمة غير عمدية يتخذ الركن المعنوي فيها صورة الخطأ . فقد لاحظ المشرع أن من الصعوبة بمكان إلزام الأشخاص الذين يصرح لهم في التعامل في المواد المخدرة بأن يزنوا المواد المخدرة بالدقة والعناية التي تؤدي إلى عدم زيادة أو نقصان أي كمية من المخدر نتيجة عمليات الوزن المتكررة . ولذلك تجاوز عن خطئهم في الوزن في حدود النسب المعينة التي حددها النص . فإذا ترتب على تكرار عمليات الوزن زيادة أو نقصان في كمية المخدرات التي يحوزها فإن الأمر لا يخرج في حالة الخطأ عن أحد فرضين : الفرض الأول : أن تكون الزيادة أو النقص في حدود النسب التي حددها المشرع، وعندئذ لا تقع الجريمة التي نحن بصددها . الفرض الثاني : أن تتجاوز الزيادة في المادة المخدرة أو النقص فيها النسب المحددة في القانون، وعندئذ تقع هذه الجريمة . أما إذا كان الجاني يعلم بوجود فرق في الوزن واتجهت إرادته إلى ذلك، أي أنه تعمد إحداث هذا الفرق فإنه عندئذ تقع بفعله جناية من جنايات المخدرات، فإذا تعمد أن يزن أقل من الكمية التي باعها ليحتفظ بالفرق وقعت بفعله جناية حيازة أو إحراز مادة مخدرة دون ترخيص، تختلف عقوبتها باختلاف القصد من الحيازة أو الإحراز، هل بقصد الاتجار، أم بقصد التعاطي والاستعمال الشخصي، أم دون هذين القصدين . وإذا تعمد أن يزن كمية أكبر من الكمية التي صرفها فإنه يرتكب في هذه الحالة جريمة التصرف في المخدر في غير الغرض المرخص له من أجله، وتقع الجريمة عندئذ سواء كانت الفروق في حدود النسب المحددة قانوناً أو تجاوزتها طالما كان في امكانه أن يتجنب حدوث هذه الفروق لكنه تعمد ألا يفعل .
وتجاوز المشرع عن فروق الوزن في حدود النسب التي حددها لا يعني إطلاقاً أنها تصبح حقاً للمرخص له يتصرف فيها كيفما شاء ، وإنما يجب أن يقيدها في الدفاتر المخصصة لذلك، وأن يخطر بها الجهات الإدارية المختصة .
العقوبة :
يقرر المشرع لهذه الجريمة عقوبة الغرامة التي لا تقل عن ألفي جنية ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، وفي حالة العود إلى ارتكاب إحدى الجرائم المبينة في المادة 43 تكون العقوبة هي الحبس ومثلي الغرامة المقررة أو إحدى هاتين العقوبتين . ( شرح قانون مكافحة المخدرات، الدكتورة / فوزية عبد الستار – الطبعة الثالثة 2017 – دار النهضة العربية – الصفحة : 142 )
ثلاث جرائم تضمنها نص المادة 43 :
تضمنت المادة 43 ثلاثة جرائم هي (1) عدم إمساك دفاتر أو عدم القيد فيها (2) تجاوز فروق الأوزان (3) عدم إرسال الكشوف إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة .
1- جنحة عدم إمساك الدفاتر أو عدم القيد فيها
نصت المادة 12 من قانون المخدرات على أن جميع الجواهر المخدرة الواردة للمحل المرخص له في الإتجار بها، وكذا المصروفة منه يجب قيدها أولاً بأول في اليوم ذاته في دفاتر خاصة مرقومة صحائفها ومختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة، ويجب أن يذكر بهذه الدفاتر تاريخ الورود واسم البائع وعنوانه وتاريخ الصرف واسم المشتري وعنوانه، ويذكر في الحالين اسم الجواهر المخدرة بالكامل وطبيعتها وكميتها ونسبتها وكذلك جميع البيانات التي تقررها الجهة الإدارية المختصة" .
ونصت المادة 16 على أنه لا يجوز للصيادلة صرف تذاكر طبية تحتوي على جواهر مخدرة بعد مضي خمسة أيام من تاريخ تحريرها ".
الركن المادي للجريمة :
شرط مفترض :
يتطلب الركن المادي لهذه الجريمة وجود صفة معينة في الجاني هي أن يكون ممن ألزمهم قانون المخدرات بإمساك دفاتر لقيد الجواهر المخدرة بها، وهم من تم الترخيص لهم من الجهة الإدارية المختصة بحيازة الجواهر المخدرة، إما لصرفها للمرضى أو لتصنيع المستحضرات الطبية التي يدخل في تصنيعها مواد مخدرة .
صورتا السلوك المادي :
يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بصورتين من السلوك الإجرامي، أولهما عدم إمساك الدفاتر التي نص عليها القانون، والثانية هي عدم القيد في هذه الدفاتر .
أولاً : عدم إمساك الدفاتر :
نصت المادة 12 على أن : "جميع الجواهر المخدرة الواردة للمحل المرخص له في الاتجار بها وكذا المصروفة منه يجب قيدها أولاً بأول في اليوم ذاته في دفاتر خاصة مرقومة صحائفها ومختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة ويجب أن يذكر بهذه الدفاتر تاريخ الورود واسم البائع وعنوانه وتاريخ الصرف واسم المشتري وعنوانه ويذكر في الحالين اسم الجواهر المخدرة بالكامل وطبيعتها وكميتها ونسبتها وكذلك جميع البيانات التي تقررها الجهة الإدارية المختصة ".
وأوجبت المادة 18 قيد جميع الجواهر المخدرة الواردة إلى الصيدلية يوم ورودها وكذا المصروفة منها أولاً بأول في ذات يوم صرفها في دفتر خاص للوارد والمصروف مرقومة صحائفه ومختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة .
ويذكر في القيد بحروف واضحة البيانات الآتية :
أولاً - فيما يختص بالوارد : تاريخ الورود واسم البائع وعنوانه ونوع الجوهر المخدر وكميته .
ثانياً - فيما يختص بالمصروف :
(أ) اسم وعنوان محرر التذكرة .
(ب) اسم المريض بالكامل ولقبه وسنه وعنوانه .
(ج) التاريخ الذي صرف فيه الدواء ورقم القيد في دفتر التذاكر الطبية وكذا كمية الجواهر المخدرة الذي يحتوي عليه .
ويكون بهذا الدفتر علاوة على ذلك جميع البيانات الأخرى التي يصدر بها قرار من الوزير المختص .
وأوجبت المادة 24 على كل شخص ممن ذكروا في المادتين 11 و 19 ترخص له في حيازة الجواهر المخدرة أن يقيد الوارد والمصروف من هذه الجواهر أولاً بأول في اليوم ذاته وفي دفتر خاص مرقومة صحائفه ومختومة بخاتم الجهة الإدارية المختصة مع ذكر اسم المريض أو اسم صاحب الحيوان كاملاً ولقبه وسنه وعنوانه إذا كان الصرف في المستشفيات أو المصحات أو المستوصفات أو العيادات - وإذا كان الصرف لأغراض أخرى فيبين الغرض الذي استعملت فيه هذه الجواهر .
ونصت المادة 26 على أنه : " لا يجوز في مصانع المستحضرات الطبية صنع مستحضرات يدخل في تركيبها جواهر مخدرة إلا بعد الحصول على الترخيص المنصوص عليه في المادة 7 .
ولا يجوز لهذه المصانع استعمال الجواهر المخدرة التي توجد لديها إلا في صنع المستحضرات التي تنتجها وعليها أن تتبع أحكام المادتين 12 و 13 فيما يتعلق بما يرد إليها من الجواهر المخدرة وأحكام المواد 11 و 12 و 13 فيما يتعلق بما تنتجه من مستحضرات طبية يدخل في تركيبها أحد الجواهر المخدرة بأية نسبة كانت ".
ونص المادة 26 من قانون الجواهر المخدرة صريح في أن كل شخص مرخص له في حيازة الجواهر المخدرة، يجب عليه أن يقيد الوارد والمنصرف من هذه الجواهر أولاً فأولاً في دفتر خاص مختوم بختم وزارة الصحة العمومية، وظاهر من الأعمال التحضيرية لقانون المخدرات أن هذا النص إنما وضع لتحقيق أغراض لا يمكن تحققها إلا إذا كان للدفتر قوة تحليلية مستمدة من الطابع الرسمي الذي يطبع به، مما لا يدع أي شك في أن هذا الدفتر يجب أن يكون رسمياً على الصورة التي جاءت في النص، وأن المرخص له إذا لم يمسك هذا الدفتر يحق عليه العقاب ولا يشفع له إمساك أي دفتر من نوع آخر ( الطعن رقم 683 لسنة 9 ق - جلسة 27/ 3/ 1939 - س 4 ص 506 ) .
ويقع السلوك المادي المكون لجريمة عدم إمساك بأي إخلال يؤدي إلى عدم إمساك الدفاتر التي نص عليها القانون، كما يقع بأي إخلال يؤدي إلى غل يد الجهة الإدارية عن رقابة تلك الدفاتر، مثل عدم ختم صفحاتها أو ترقيمها، أو إعداد دفاتر أخري غير التي نص عليها القانون .
إمساك الدفاتر مفروض على الأطباء مثل الصيادلة :
إن المادة الخاصة بقيد الوارد من الجواهر المخدرة والمنصرف منها عامة النص، فهي تتطبق على الأطباء كما تنطبق على الصيادلة وغيرهم من الأشخاص المرخص لهم بحيازة الجواهر المخدرة بمقتضى قانون المخدرات. ( الطعن رقم 62 لسنة 6 ق - جلسة 16/ 12/ 1935 - س 3 ص 524 ) .
ثانياً : عدم القيد في الدفاتر :
يقوم الركن المادي لهذه الجريمة بالامتناع عن القيد في الدفاتر التي حددها القانون، أي بسلوك سلبي من جانب من ألزمه القانون بذلك، كما تقع الجريمة بالقيد على نحو مخالف للقانون وذلك مثل قيد الوارد من الجواهر المخدرة دون قيد المنصرف منها .
الإهمال تقع به الجريمة ولا يغني دفتر أخر عن الدفتر الخاص :
القانون الخاص بالمخدرات حين نص على أن كافة الجواهر المخدرة الواردة إلى الصيدلية أو المنصرفة منها يجب قيدها أولاً فأولاً في دفتر خاص الوارد والمنصرف؛ تكون صفحاته مرقومة ومختومة بختم وزارة الصحة العمومية، وحين نص على معاقبة كل صيدلي وكذا ... لا يمسك الدفاتر الخاصة ... أو يحوز أو يحرز جواهر مخدرة بكميات تزيد أو تقل عن الكميات الناتجة أو التي يجب أن تنتج من القيد بالدفاتر المذكورة " حين نص على هذا وذاك، إنما أراد أن توقع العقوبات المغلظة على كل صيدلي لم يقيد في الدفتر الخاص المذكور أولاً فأولاً الوارد والمنصرف من المواد المخدرة، فإن إيجاب مسك الدفاتر لا يمكن أن يكون قد قصد به إلا القيد فيها على النحو الذي يتطلبه القانون .
وإذن فإذا كان الحكم قد أثبت على المتهم أنه أهمل الدفتر المختوم بختم وزارة الصحة لانتهاء العمل فيه، ثم استعمل بدفتر آخر غير مختوم أخذ يقيد فيه الجواهر المخدرة المنصرفة من صيدليته، فإن إدانته تكون صحيحة، ولا يشفع له أنه كان يقيد المواد المخدرة في دفتر التذاكر الطبية المختوم، أو أنه كان يتردد على مكتب الصحة ليضع له الأختام على الدفتر الذي أخذ يستعمله، أو أنه لم يحصل منه أي تلاعب في المخدرات التي في صيدليته، وذلك لأن النص صريح في إيجاب القيد في الدفتر الخاص .
الركن المعنوي للجريمة :
هذه الجريمة من الجرائم العمدية التي يقوم ركنها المعنوي على القصد الجنائي العام بعنصريه العلم والإرادة، فيتعين أن يكون الجاني عالماً بأن القانون ألزمه بمسك الدفاتر والقيد فيها، ومع ذلك تتجه إرادته إلى عدم مسكها أو عدم القيد فيها .
والقصد الجنائي في جريمة عدم إمساك الدفاتر المشار إليها في هذه المادة مفترض وجوده بمجرد الإخلال بحكمها ، وليس يشفع فيها الإعتذار بسهو أو نسيان، أو بأي عذر آخر دون الحادث القهري . ( الطعن رقم 62 لسنة 6 ق - جلسة 16/ 12/ 1935 - س 3 ص 524 ) .
العقوبة :
عقوبة جنحة عدم إمساك الدفاتر أو عدم القيد فيها هي بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه .
وفي حالة العودة إلى ارتكاب إحدى الجرائم المبينة في هذه المادة تكون العقوبة الحبس ومثلي الغرامة المقررة أو بإحدى هاتين العقوبتين .
لا يجوز وقف تنفيذ عقوبة الجنحة : ( المادة 46 )
لا يجوز وقف تنفيذ الحكم الصادر بعقوبة الجنحة على من سبق الحكم عليه في إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون .
وفي جميع الأحوال تكون الأحكام الصادرة بعقوبة الجنحة واجبة النفاذ فوراً ولو مع استئنافها .
ويجوز للمحكمة أن تأمر بنشر ملخص الحكم النهائي على نفقة المحكوم عليه في ثلاث جرائد يومية تعينها .
2- جنحة تجاوز فروق الأوزان
نصت المادة 3/43 على أن ".... ويعاقب بغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه كل من حاز أو أحرز من الأشخاص المشار إليهم في الفقرتين السابقتين جواهر مخدرة بكميات تزيد أو تقل عن الكميات الناتجة من تعدد عمليات الوزن بشرط ألا تزيد الفروق على ما يأتي :
(أ) 10٪ في الكميات التي لا تزيد على جرام واحد .
(ب) 5٪ في الكميات التي تزيد على جرام حتی 25 جرام بشرط ألا يزيد مقدار التسامح على 50 سنتجرام .
(ج) 2٪ في الكميات التي تزيد على 25 جرام .
(د) 5٪ في الجواهر المخدرة السائلة أياً كان مقدارها .
وفي حالة العودة إلى ارتكاب إحدى الجرائم المبينة في هذه المادة تكون العقوبة الحبس ومثلي الغرامة المقررة أو بإحدى هاتين العقوبتين .
الركن المادي للجريمة :
قوم الركن المادي لهذه الجريمة على عدة عناصر :
أولاً : الشرط المفترض :
يشترط في فاعل هذه الجريمة أن يكون واحداً ممن رخص لهم في حيازة المخدرات أو التعامل فيها، من الجهة الإدارية المختصة بالترخيص .
والأشخاص المرخص لهم في ذلك نصت عليهم المواد 4 ، 7 ، 11 ، 14 ، 19 من قانون المخدرات .
فقد نصت المادة 4 على أن " لا يجوز منح إذن الجلب المشار إليه في المادة السابقة إلا للأشخاص الآتيين :
(أ) مديري المحال المرخص لها في الإتجار فى الجواهر المخدرة .
(ب) مديري الصيدليات أو المحال المعدة لصنع المستحضرات الأقربانينية .
(ج) مديرى معامل التحاليل الكيمائية أو الصناعية أو الأبحاث العلمية .
(د) مصالح الحكومة والمعاهد العلمية المعترف بها .
وللجهة الإدارية المختصة رفض طلب الحصول على الإذن أو خفض الكمية المطلوبة، ولا يمنح إذن التصدير إلا لمديري المحال المرخص لها فى الإتجار فى الجواهر المخدرة .
ويبين في الطلب اسم الطالب وعنوان عمله وإسم الجوهر المخدر كاملاً وطبيعته والكمية التي يريد جلبها أو تصديرها مع بيان الأسباب التي تبرر الجلب أو التصدير وكذلك البيانات الأخرى التي تطلبها منه الجهة الإدارية المختصة .
ونصت المادة 7 على أن : لا يجوز الإتجار فى الجواهر المخدرة إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من الجهة الإدارية المختصة في كل من الإقليمين .
ولا يجوز منح هذا الترخيص إلى :
(أ) المحكوم عليه بعقوبة جناية .
(ب) المحكوم عليه في إحدى الجنح المنصوص عليها في هذا القانون .
(ج) المحكوم عليه في سرقة أو إخفاء أشياء مسروقة أو خيانة أمانة أو نصب أو إعطاء شيك بدون رصيد أو تزوير أو استعمال أوراق مزورة أو شهادة زور أو هتك عرض وإفساد الأخلاق أو تشرد أو اشتباه، وكذلك المحكوم عليه لشروع منصوص عليه لإحدى هذه الجرائم .
(د) المحكوم عليه في إحدى الجنح المنصوص عليها في الباب السابع (الفصلين الأول والثاني) من قانون العقوبات السوري .
(هـ) من سبق فصله تأديبياً من الوظائف العامة لأسباب مخلة بالشرف ما لم تنقض ثلاث سنوات من تاريخ الفصل نهائياً .
ونصت المادة 11 على أن " لا يجوز لمديري المحال المرخص لها فى الإتجار فى الجواهر المخدرة أن يبيعوا أو يسلموا هذه الجواهر أو ينزلوا عنها بأية صفة كانت إلا للأشخاص الآتين :
(أ) مديري المخازن المرخص لها في هذا الإتجار .
(ب) مديري الصيدليات ومصانع المستحضرات الاقربانينية .
(ج) مديري صيدليات المستشفيات والمصحات والمستوصفات إذا كانوا من الصيادلة .
وكذلك يجوز لهم أن يبيعوا أو يسلموا أو ينزلوا عن هذه الجواهر بموجب بطاقات الرخص المنصوص عليها في المادة 19 إلى الأشخاص الآتين :
(أ) الأطباء الذين تخصصهم المستشفيات والمصحات والمستوصفات التي ليس بها صيادلة .
(ب) مديرى معامل التحاليل الكيمائية والصناعية والأبحاث العلمية .
(ج) مصالح الحكومة والمعاهد العلمية المعترف بها .
ولا يتم تسليم الجواهر المخدرة المبيعة أو التي نزل عنها إلا إذا قدم المستلم إيصالاً من أصل وثلاث صور مطبوعة على كل منها اسم وعنوان الجهة المتسلمة وموضحة بالمداد أو بالقلم الأنيلين اسم الجوهر المخدر بالكامل وطبيعته ونسبته وتاريخ التحرير وكذا الكمية بالأرقام والحروف .
ويجب أن يوقع المستلم أصل الإيصال وصوره الثلاث وأن يختمها بخاتم خاص بالجهة المسلمة مكتوبة في وسطه كلمة مخدر .
وعلى مدير المحل أن يؤشر على الإيصال وصوره الثلاث بما يفيد الصرف وتاريخه وأن يحتفظ بالنسخة الأصلية وتعطى المتسلم إحدى الصور وترسل الصورتان بكتاب موصى عليه إلى الجهة الإدارية المختصة في اليوم التالي لتاريخ الصرف على الأكثر".
ونصت المادة 14 على أن " لا يجوز للصيادلة أن يصرفوا جواهر مخدرة إلا بتذكرة طبية من طبيب بشري أو طبيب أسنان حائز على دبلوم أو بكالوريوس أو بموجب بطاقة رخصة ووفقاً للأحكام التالية :
يحظر على هؤلاء صرف جواهر مخدرة بموجب التذاكر الطبية إذا زادت الكمية المدونة بها على الكميات المقررة بالجدول رقم (4). ومع ذلك إذا استلزمت حالة المريض زيادة تلك الكميات فعلى الطبيب المعالج أن يطلب بطاقة رخصة بالكميات اللازمة لهذا الغرض".
ونصت المادة 19 على أن " يجوز للصيدليات صرف جواهر مخدرة بموجب بطاقات الرخص المنصوص عليها في المواد التالية للأشخاص الآتيين :
(أ) الأطباء البشريين والأطباء البيطريين وأطباء الأسنان الحائزين على دبلوم أو بكالوريوس .
(ب) الأطباء الذين تخصصهم لتلك المستشفيات والمصحات والمستوصفات التي ليس بها صيادلة ".
ويتمثل صور السلوك المادي المكون لهذه الجريمة في كل سلوك من شأنه العبث في عمليات وزن المواد المخدرة المصرح بحيازتها أو التعامل فيها من الجهة الإدارية المختصة، وذلك حرصاً على عدم تسرب أي قدر منها مهما كان ضئيلاً إلى من ليس له في حيازتها أو إحرازها أو التعامل فيها .
ولكن إذا كانت فروق الوزن ضئيلة فقد أباح المشرع التغاضي عنها، وقد ساوى المشرع في الجرم بين النسبة التي تزيد أو التي تقل عن النسبة المقررة، فكل من الزيادة والنقص يشكل سلوكاً مادياً مؤثماً .
الركن المعنوي للجريمة :
هذه الجريمة من جرائم الخطأ غير العمدي، ومن ثم فالركن المعنوي فيها يقوم على خطأ من جانب المرخص له بحيازة المواد المخدرة أو التعامل فيها يتمثل في وجود فروق في الوزن تزيد على النسب المقررة أو تنقص عنها .
والإهمال الذي سبب هذه الفروق مفترض، أما لو كان النقص في الوزن مقصوداً بحيث يحتفظ الجاني بالفرق فإن سلوكه يشكل جريمة حيازة مخدر بدون ترخيص، وإذا كان يقصد الزيادة في الوزن لمن تسلم منه المخدر فإن سلوكه يشكل جريمة التصرف في مادة مخدرة على خلاف مقتضى القانون، ومن هنا يجوز التجاوز عن الفرق الضئيل في الوزن حسب النسب التي حددها النص، ويجب قيد هذه الفروق في الدفاتر المخصصة لذلك وإخطار الجهة الإدارية المختصة بها .
العقوبة :
عقوبة هذه الجريمة هي الغرامة التي لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه .
وفي حالة العود يعاقب الجاني بالحبس والغرامة التي لا تقل عن أربعة آلاف جنيه ولا تزيد عن عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين .
لا يجوز وقف تنفيذ عقوبة الجنحة : (المادة 46)
لا يجوز وقف تنفيذ الحكم الصادر بعقوبة الجنحة على من سبق الحكم عليه في إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون .
وفي جميع الأحوال تكون الأحكام الصادرة بعقوبة الجنحة واجبة النفاذ فوراً ولو مع استئنافها .
ويجوز للمحكمة أن تأمر بنشر ملخص الحكم النهائي على نفقة المحكوم عليه في ثلاث جرائد يومية تعينها .
3- جنحة عدم إرسال الكشوف إلى الجهة الإدارية في المواعيد المقررة
نصت المادة 2/43 على أن "... ويعاقب بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه كل من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الإتجار فى الجواهر المخدرة ولم يقم بإرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين 13 و 23 إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة ".
الركن المادي للجريمة :
يقوم الركن المادي لهذه الجريمة على عدة عناصر :
أولاً : الشرط المفترض :
يشترط في فاعل هذه الجريمة أن يكون واحدا ممن يتولون إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الإتجار فى الجواهر المخدرة .
والأشخاص المرخص لهم في ذلك نصت عليهم المواد 4، 7، 11، 14، 19 من قانون المخدرات .
فقد نصت المادة 4 على أن " لا يجوز منح إذن الجلب المشار إليه في المادة السابقة إلا للأشخاص الآتيين :
(أ) مديري المحال المرخص لها في الإتجار فى الجواهر المخدرة .
(ب) مديري الصيدليات أو المحال المعدة لصنع المستحضرات الأقربانينية .
(ج) مديرى معامل التحاليل الكيمائية أو الصناعية أو الأبحاث العلمية .
(د) مصالح الحكومة والمعاهد العلمية المعترف بها .
وللجهة الإدارية المختصة رفض طلب الحصول على الإذن أو خفض الكمية المطلوبة، ولا يمنح إذن التصدير إلا لمديري المحال المرخص لها فى الإتجار فى الجواهر المخدرة .
ويبين في الطلب اسم الطالب وعنوان عمله واسم الجوهر المخدر کاملاً وطبيعته والكمية التي يريد جلبها أو تصديرها مع بيان الأسباب التي تبرر الجلب أو التصدير وكذلك البيانات الأخرى التي تطلبها منه الجهة الإدارية المختصة .
ونصت المادة 7 على أن لا يجوز الإتجار فى الجواهر المخدرة إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من الجهة الإدارية المختصة في كل من الإقليمين .
ولا يجوز منح هذا الترخيص إلى :
(أ) المحكوم عليه بعقوبة جناية .
(ب) المحكوم عليه في إحدى الجنح المنصوص عليها في هذا القانون .
(ج) المحكوم عليه في سرقة أو إخفاء أشياء مسروقة أو خيانة أمانة أو نصب أو إعطاء شيك بدون رصيد أو تزوير أو استعمال أوراق مزورة أو شهادة زور أو هتك عرض وإفساد الأخلاق أو تشرد أو اشتباه وكذلك المحكوم عليه لشروع منصوص عليه لإحدى هذه الجرائم .
(د) المحكوم عليه في إحدى الجنح المنصوص عليها في الباب السابع (الفصلين الأول والثاني) من قانون العقوبات السوري .
(هـ) من سبق فصله تأديبياً من الوظائف العامة لأسباب مخلة بالشرف ما لم تنقض ثلاث سنوات من تاريخ الفصل نهائياً ".
ونصت المادة 11 على أن " لا يجوز لمديري المجال المرخص لها فى الإتجار فى الجواهر المخدرة أن يبيعوا أو يسلموا هذه الجواهر أو ينزلوا عنها بأية صفة كانت إلا للأشخاص الآتين :
(أ) مديري المخازن المرخص لها في هذا الإتجار .
(ب) مديري الصيدليات ومصانع المستحضرات الاقربانينية .
(ج) مديري صيدليات المستشفيات والمصحات والمستوصفات إذا كانوا من الصيادلة .
وكذلك يجوز لهم أن يبيعوا أو يسلموا أو ينزلوا عن هذه الجواهر بموجب بطاقات الرخص المنصوص عليها في المادة 19 إلى الأشخاص الآتين :
(أ) الأطباء الذين تخصصهم المستشفيات والمصحات والمستوصفات التي ليس بها صيادلة .
(ب) مديرى معامل التحاليل الكيمائية والصناعية والأبحاث العلمية .
(ج) مصالح الحكومة والمعاهد العلمية المعترف بها .
ولا يتم تسليم الجواهر المخدرة المبيعة أو التي نزل عنها إلا إذا قدم المستلم إيصالاً من أصل وثلاث صور مطبوعة على كل منها اسم وعنوان الجهة المتسلمة وموضحة بالمداد أو بالقلم الأنيلين اسم الجوهر المخدر بالكامل وطبيعته ونسبته وتاريخ التحرير وكذا الكمية بالأرقام والحروف .
ويجب أن يوقع المستلم أصل الإيصال وصوره الثلاث وأن يختمها بخاتم خاص بالجهة المسلمة مكتوبة في وسطه كلمة مخدر .
وعلى مدير المحل أن يؤشر على الإيصال وصوره الثلاث بما يفيد الصرف وتاريخه وأن يحتفظ بالنسخة الأصلية ويعطى المتسلم إحدى الصور وترسل الصورتان بكتاب موصى عليه إلى الجهة الإدارية المختصة في اليوم التالي لتاريخ الصرف على الأكثر".
ونصت المادة 14 على أن " لا يجوز للصيادلة أن يصرفوا جواهر مخدرة إلا بتذكرة طبية من طبيب بشري أو طبيب أسنان حائز على دبلوم أو بكالوريوس أو بموجب بطاقة رخصة ووفقاً للأحكام التالية :
يحظر على هؤلاء صرف جواهر مخدرة بموجب التذاكر الطبية إذا زادت الكمية المدونة بها على الكميات المقررة بالجدول رقم (4). ومع ذلك إذا استلزمت حالة المريض زيادة تلك الكميات فعلى الطبيب المعالج أن يطلب بطاقة رخصة بالكميات اللازمة لهذا الغرض".
ونصت المادة 19 على أن " يجوز للصيدليات صرف جواهر مخدرة بموجب بطاقات الرخص المنصوص عليها في المواد التالية للأشخاص الآتيين :
(أ) الأطباء البشريين والأطباء البيطريين وأطباء الأسنان الحائزين على دبلوم أو بكالوريوس .
(ب) الأطباء الذين تخصصهم لذلك المستشفيات والمصحات والمستوصفات التي ليس بها صيادلة ".
وتتمثل صور السلوك المادي المكون لهذه الجريمة في كل سلوك من شأنه العبث في عمليات وزن المواد المخدرة المصرح بحيازتها أو التعامل فيها من الجهة الإدارية المختصة، وذلك حرصاً على عدم تسرب أي قدر منها مهما كان ضئيلاً إلى من ليس له في حيازتها أو إحرازها أو التعامل فيها .
ولكن إذا كانت فروق الوزن ضئيلة فقد أباح المشرع التغاضي عنها، وقد ساوى المشرع في الجرم بين النسبة التي تزيد أو التي تقل عن النسبة المقررة، فكل من الزيادة والنقص يشكل سلوكاً مادياً مؤثماً .
والكشوف المذكورة نصت عليها المادتان 13 ، 23 من القانون فقد نصت المادة 13 على أنه : "على مديري المحال المرخص لها فى الإتجار فى الجواهر المخدرة أن يرسلوا بكتاب موصي عليه إلى الجهة الإدارية المختصة في الأسبوع الأول من كل شهر کشفاً موقعاً عليه منهم مبیناً به الوارد من الجواهر المخدرة والمصروف منها خلال الشهر السابق والباقي منها وذلك بملء النماذج التي تعدها الجهة الإدارية المختصة لهذا الغرض".
ونصت المادة 23 على أنه "على مديري الصيدليات أن يرسلوا إلى الجهة التي تعينها الجهة الإدارية المختصة خلال الخمسة عشر يوماً الأولى من شهري يناير (كانون ثان) ويوليو (تموز) من كل سنة بكتاب موصى عليه كشفاً تفصيلياً موقعاً منهم عن الوارد والمصروف والباقي من الجواهر المخدرة خلال الستة أشهر السابقة وذلك على النموذج الذي تصدره الجهة الإدارية المختصة لهذا الغرض".
وصور السلوك المادي لهذه الجريمة تتمثل في عدم إرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين 13 ، 23 من القانون إلى الجهة الإدارية المختصة، أو إرسال هذه الكشوف إلى الجهة الإدارية المختصة في غير المواعيد المقررة قانوناً، أو إرسالها إلى جهة غير مختصة .
الركن المعنوي للجريمة :
يتمثل الركن المعنوي لهذه الجريمة في القصد الجنائي العام بعنصريه العلم والإرادة، وهو يقوم بتعمد الجاني عدم إرسال الكشوف إلى الجهة الإدارية المختصة، أو إرسالها إلى تلك الجهة في غير المواعيد المقررة، فيتعين أن يكون الجاني عالماً بأنه لم يرسل الكشوف أو أنه أرسلها في غير المواعيد المقررة قانوناً، وأن تتجه إرادته إلى إتيان هذا السلوك .
وقد يكون سلوك الجاني نتيجة إهمال منه، وفي هذه الحالة يقوم الركن المعنوي على توافر الخطأ في حقه نتيجة إهماله في إرسال الكشوف أو في إرسالها في غير المواعيد المقررة.
العقوبة :
عقوبة هذه الجريمة هي الغرامة التي لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه .
وفي حالة العود تكون العقوبة الحبس وغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز أربعة آلاف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين .
لا يجوز وقف تنفيذ عقوبة الجنحة : (المادة 46)
لا يجوز وقف تنفيذ الحكم الصادر بعقوبة الجنحة على من سبق الحكم عليه في إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون .
وفي جميع الأحوال تكون الأحكام الصادرة بعقوبة الجنحة واجبة النفاذ فوراً ولو مع استئنافها .
ويجوز للمحكمة أن تأمر بنشر ملخص الحكم النهائي على نفقة المحكوم عليه في ثلاث جرائد يومية تعينها . ( موسوعة المخدرات ، المستشار بهاء المري ، مركز الأهرام للإصدارات القانونية، الطبعة الثالثة 2021 ، الجزء : الأول ، الصفحة : 382 )
تتناول هذه المادة ثلاثة جرائم تعتبر كل منها جنحة وهذه الجرائم هي:
1) جنحة عدم إمساك الدفاتر أو عدم القيد فيها .
2) جنحة عدم إرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين 13، 23 إلی الجهة المختصة .
3) جنحة تجاوز فروق الأوزان .
وفيما يلي تفصيل لازم لكل جنحة :
أولاً : جنحة عدم إمساك الدفاتر أو عدم القيد فيها :
تقوم هذه الجريمة على أركان ثلاثة صفة الجاني والركن المادي والركن المعنوي .
أ) صفة الجاني :
لا تقع هذه الجريمة إلا من شخص من الأشخاص الذين ألزمهم القانون بواجب إمساك الدفاتر أو القيد فيها وهم الذين رخص لهم القانون في حيازة المواد المخدرة أي من كانت حيازتهم للمادة المخدرة مشروعة بناءً على ترخيص بالحيازة صادر من الجهة المختصة ولأغراض العلاج أو تصنيع المستحضرات الطبية فإذا لم يوجد الترخيص فإن حيازة المخدر تكون جناية .
ب) الركن المادي :
يتحقق الركن المادي في الجريمة إما بعدم إمساك الدفاتر المنصوص عليها في المواد (12، 18، 24، 26) من قانون المخدرات وإما بعدم القيد فيها .
وإمساك الدفاتر مقصود به أن كل شخص مرخص له في حيازة الجواهر المخدرة يجب عليه أن يقيد الوارد والمنصرف من هذه الجواهر أولاً بأول في دفتر خاص مختوم بختم وزارة الصحة العمومية وظاهر من الأعمال التحضيرية لقانون المخدرات أن هذا النص إنما وضع لتحقيق أغراض لا يمكن تحققها إلا إذا كان للدفتر قوة تدليلية مستمدة من الطابع الرسمي الذي يطبع به مما لا يدع أي شك في أن الدفتر يجب أن يكون رسمياً على الصورة التي جاءت في النص وأن المرخص له إذا لم يمسك هذا الدفتر يحق عليه العقاب طبقاً للمادة المذكورة ولا يشفع له إمساك أي دفتر من نوع آخر .
أما القيد فيقصد به كتابة البيانات التي أوجبها القانون في الدفاتر المعدة لذلك ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة إذا كان الملزم بهذا الواجب لم يقم بالقيد أصلاً أو قام به على وجه يخالف القانون وبعبارة أخرى فإن الجريمة تقع بعدم قيد كل أو بعض البيانات التي أوجبها القانون .
ج - الركن المعنوي :
الركن المعنوي أو القصد الجنائي في جريمة عدم إمساك الدفاتر الخاصة كما هي الحال في سائر الجرائم العلم والإرادة فمتى تعمد الجاني ارتكاب الفعل المكون للجريمة حق عليه العقاب حتى ولو كان لم يرمي من وراء فعلته إلى أن يسهل للغير مخالفة أحكام القانون في شأن المخدرات. يستوى في ذلك جريمة عدم إمساك الدفاتر المنصوص عليها أو عدم القيد فيها .
ثانياً - جنحة عدم إرسال الكشوف :
تنص الفقرة الثانية من المادة (43) محل التعليق على أن "يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه كل من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الاتجار فى الجواهر المخدرة ولم يقم بإرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين (13، 23) إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة" ومفاد ذلك أن المشرع قد حدد صفة الجاني وهو كل من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الإتجار فى الجواهر المخدرة كما وأن الركن المادي في الجريمة هو عدم إرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين 13، 23 إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المحددة ومن ثم يحق العقاب لو تم إرسال هذه الكشوف إلى جهة أخرى غير الجهة الإدارية المختصة أو تم إرسالها بالمخالفة للمواعيد المقررة .
أما الركن المعنوي في هذه الجريمة فأنه يتوافر سواء توافر القصد الجنائي أم الخطأ فقد تكون الجريمة عمدية إذا أراد الجاني عدم إرسال الكشوف إلى الجهة المختصة في المواعيد المحددة وقد تكون غير عمدية إذا كان عدم إرسال هذه الكشوف يرجع إلى الإهمال أو السهو أو النسيان ولا ينتفى الركن المعنوي وبالتالي المسئولية الجنائية إلا إذا كانت هناك قوة قاهرة أو حادث فجائي هو الذي حال دون قيام الجاني بالالتزام بإرسال الكشوف .
ثالثاً - جنحة تجاوز فروق الأوزان :
تنص الفقرة الثالثة من المادة 43 من قانون المخدرات رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989 على أن "يعاقب بغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه كل من حاز أو إحراز الأشخاص المشار إليهم في الفقرتين السابقتين جواهر مخدرة بكميات تزيد أو تقل عن الكميات الناتجة من تعدد عمليات الوزن بشرط ألا تزيد الفروق على ما يأتي :
(أ) 10% من الكميات التى لا تزيد على جرام واحد .
(ب) 5% فى الكميات التى تزيد على جرام حتى 25 جرام بشرط ألا يزيد مقدار التسامح على 50 سنتيجرام .
(ج) 2% فى الكميات التى تزيد على 25 جرام .
(د) 5 % فى الجواهر المخدرة السائلة أياً كان مقدارها .
وفى حالة العود إلى ارتكاب إحدى الجرائم المبينة فى هذه المادة تكون العقوبة الحبس ومثلى الغرامة المقررة أو بإحدى هاتين العقوبتين .
والعلة في ذلك أنه لما كان الإتجار والتعامل في المواد المخدرة يقتضي علميات بيع وشراء تقدر بالوزن فإنه من الطبيعي أن توجد فروق في عملياته فإذا تعددت فإنه قد يترتب على ذلك أن تتبقى لدى التاجر أو الصيدلي كمية من المخدرات من الإشراف والرقابة ويمكنه التصرف فيها على وجه مخالف للقانون كما أنه قد تسفر تلك العمليات عن نقص كمية المخدرات المفروض وجودها لديه الأمر المستوجب للمسئولية وتقوم هذه الجريمة متى ثبت بعملية الجرد أن القدر الباقي لدى الصيدلي أو التاجر أو المصنع أكبر أو أقل من القدر المفروض وجوده بعد استنزال نسبة الخصم المسموح بها قانوناً وهذه الجنحة من جرائم الخطأ أو الإهمال فلا يلزم لتوافرها العمد . ( موسوعة هرجه الجنائية التعليق على قانون المخدرات ، المستشار/ مصطفى مجدى هرجه – طبعة 2021ـ 2022 – دار محمود – المجلد الأول – الصفحة : 350 )
هذه المادة معدلة بالقانون رقم 122 لسنة 1989 والذي وحد عقوبة كل من حالة عدم إمساك الدفاتر الخاصة التي نص عليها القانون ، وحالة عدم القيد في تلك الدفاتر طبقاً لما أوجبه القانون ، بعكس الحال في ظل القانون رقم 128 لسنة 1960 الذي كان يجعل لكل فعل فقرة مستقلة وكذلك عقوبة مستقلة ، وما جاء به القانون رقم 122 لسنة 1989 من وحدة العقوبة لكل من الجريمتين سالفتي الذكر كان قائماً في ظل أحكام المرسوم بقانون رقم 351 لسنة 1952 فقد كانت عقوبة عدم إمساك الدفاتر وعدم القيد فيها طبقاً للقانون عقوبة واحدة .
وقد نصت الفقرة الرابعة من تلك المادة على أنه في حالة العود إلى ارتكاب الجرائم المبينة في هذه المادة تكون العقوبة الحبس ومثلى الغرامة المقررة أو بإحدى هاتين العقوبتين ، والعود الواردة في تلك المادة هو العود الخاص الذي لا يتحقق إلا إذا كانت الجريمة السابق الحكم فيها على المتهم والجريمة التي يحاكم من أجلها من بين الجرائم المنصوص عليها في تلك المادة . ( جرائم المخدرات بين الشريعة والقانون ، المستشار/ عبدالحميد المنشاوى ، القاضى/ مصطفى المنشاوى – طبعة 2017 – منشاة المعارف – الصفحة : 241 )
جرائم المخدرات غير العمدية :
لم يضع المشرع المصري تعريفاً للخطا غير العمدي، إذ اكتفي بذكر صور هذا الخطا ، ولهذا تصدى الفقه لهذه المهمة، وأفضل تعريف له يكون على أساس النظر إلي موضعه في الجريمة، فهو ركن معنوي لها، أي يمثل الجانب النفسي الذي يعكس ماديات غير مشروعة صدرت عن الجاني ويتكون من مجموعها الجريمة غير العمدية، وعلى هذا الأساس يمكن تعريف الخطأ غير العمدي بأنه " اتجاه الإرادة إلى السلوك الإجرامي دون قبولها بوقوع النتيجة الإجرامية التي يفضي إليها هذا السلوك وعدم الحيلولة دون وقوعها رغم استطاعة ووجوب ذلك".
ويشترط لقيام الخطأ إذن توافر ثلاثة أمور: أولها أن تتجه إرادة الفاعل إلى اتيان السلوك، وثانيها أن تتخلف لديه إرادة النتيجة ، وثالثها أن تكون الواقعة ناشئة عن إخلال بواجب يفرض علي الفاعل قدر من التدبر والحيطة .
ويحرص قانون العقوبات على إبراز فكرة الإخلال بالواجب في نصوصه التي تتناول الجرائم غير العمدية، فيشير إلي الإخلال عن طريق بيان صوره، فمن النصوص ما یورد صورة واحدة للخطأ مثل المادة 139 عقوبات تعاقب على الجريمة المبينة فيها إذا وقعت بإهمال، والبعض يورد صورتين مثل المادة 163 عقوبات التي تعاقب على الجريمة المنصوص عليها فيها إذا وقعت بإهمال أو عدم احتراس، ومنها يورد ثلاث صور مثل المادة 116 مكرراً (أ) عقوبات حيث تذكر الإهمال والاخلال بواجبات الوظيفة واساءة استعمال السلطة، ومنها مايورد أربعاً مثل المادة 238 عقوبات حيث تنص الفقرة الأولى منها علي عقاب من تسبب خطأ في موت شخص آخر أن كان ذلك ناشئاً عن إهماله أو رعونته أو عدم احترازه أو عدم مراعاته للقوانين والقرارات واللوائح والأنظمة .
يلاحظ أن الصور الثلاث الأولى للخطأ غير العمدي - الإهمال والرعونة وعدم الإحتراز - تشترك في عدم اتخاذ واجب الحيطة والحذر، وبالنظر الي طبيعة هذا القاسم المشترك بين الصور الثلاث الأولى للخطأ غير العمدي يطلق عليها الفقه وصف " الخطا العام" تمييزاً لها عن الصورة الرابعة لهذا الخطأ - عدم مراعاة القوانين والقرارات واللوائح والأنظمة حيث يطلق عليها " الخطأ الخاص" نظراً لما تتميز به من خصوصية معينة، وهي اعتبارها صورة مستقلة قائمة بذاتها لا تحتاج لتوافرها ضرورة تحقيق إحدى الصور الثلاث الأولي وإنما يكفي مجرد مخالفة القوانين والقرارات واللوائح والأنظمة لتوافرها .
وفي مجال قانون مكافحة المخدرات ،نجد توافر صورة الخطأ العام - الإهمال والرعونة وعدم الإحتراز - تتوافر في النموذج التشريعي المنصوص عليه في المادة ( 43/ 3 ) الخاص بجنحة حيازة المرخص لها بالإتجار في الجواهر المخدرة لكميات تزيد عن الكميات الناتجة من تعدد عمليات الوزن أو تقل عنها، حيث أن هذه الكميات قد جاءت نتيجة خطأ غير عمدي يتمثل في إهمال أو رعونة أو عدم احتراز أثناء عملية الوزن، بشرط عدم توافر الإرادة الإجرامية في إحداث هذه الفروق، وكون الفاعل غير عالم وقت اجرائه لعملية الوزن بتلك الفروق، وإلا كان الفاعل مرتكباً لجناية الحيازة لتوافر القصد الجنائي من علم وإرادة .
وباستقراء النموذج التشريعي المنصوص عليه في المادة (45) الخاص بجنحة مخالفة الأحكام الأخرى لقانون المخدرات أو القرارات المنفذة له ، نلاحظ المشرع لم يبين الركن المعنوي لهذه الجنحة ، وهل صورته عمدية أو غير عمدية ، وبإنزال حكم القواعد العامة على هذه الحالة ، فإن الجنحة تقوم سواء اتخذ القصد الجنائي فيها صورة العمد أو الخطأ غير العمدي، وللقاضي المطروح عليه الوقائع حرية تقدير ذلك وليس هناك ما يبرر جعل هذه الجنحة من الجرائم ذات السلوك المادي البحت لمخالفة ذلك لأصوليات القانون .
وقد جرم المشرع بموجب المادة ( 43/ 1 ) عدم إمساك المرخص له بالإتجار في المواد المخدرة أو حيازتها الدفاتر المنصوص عليها قانوناً والقيد المنتظم بها بالوارد والمنصرف من هذه الكميات ، ورتب المشرع المسئولية الجنائية في هذه الحالة ، ولم يفترض حدوثها عن طريق خطأ .
وتفصيل ذلك ردته محكمة النقض في التقرير بأن القصد الجنائي في جريمة عدم إمساك الدفاتر مفترض وجوده بمجرد الإخلال بحكمها ولا يشفع فيها الاعتذار بسهو أو نسيان أو بأي عذر آخر.
( نقض جنائي 16/ 12/ 1935 - الطعن رقم 62 لسنة 6 ق - مكتب فني 3 ع - جزء 1 - ص 524 )
ونجد أن محكمة النقض لزمت جانب الحرص منعاً للمغالاة في المسئولية الجنائية فوصفت الركن المعنوي في هذه الجريمة العمد المفترض والذي لا سبيل إلى نفيه إلا بالحادث القهري خلافاً للقاعدة الأصلية التي تأبى افتراض العمد العام في أية جريمة عمدية والتي تجيز نفيه بأي عذر ولو تعلق بالجهل بعنصر من العناصر المكونة للجريمة . ( الموسوعة الشاملة للإجراءات فى قانون مكافحة المخدرات، إعداد محمد محمود عيد العوضي المحامي بالنقض، دار المحامي للإصدارات القانونية، الطبعة الأولى 2021، الكتاب الثاني، الصفحة : 269 )
1- جنحة عدم إمساك المرخص له بالاتجار في المواد المخدرة أو حيازتها الدفاتر المنصوص عليها قانوناً والقيد المنتظم بها .
الركن المادي :
عدم إمساك الدفاتر المنصوص عليها في قانون المخدرات أو عدم القيد المنتظم بها :
جرم المشرع عدم إمساك المرخص لهم بالاتصال بالمواد المخدرة لدفاتر يتم القيد فيها بالوارد والمنصرف من هذه الكميات بصورة منتظمة ورتب المسئولية الجنائية في هذه الحالة ولم يفترض حدوثها عن طريق خطا أو إهمال. وتفصيل ذلك رددته محكمة النقض في التقرير بأن القصد الجنائي في جريمة عدم إمساك الدفاتر مفترض وجوده بمجرد الإخلال بحكمها لا يشفع فيها الاعتذار بسهو أو نسيان أو بأي عذر أخر. ونجد أن محكمة النقض لزمت جانب الحرص منعاً للمغالاة في المسئولية الجنائية فوصفت الركن المعنوي في هذه الجريمة بالعمل المفترض والذي لا سبيل إلى نفيه إلا بالحادث القهري خلافاً للقاعدة الأصلية التي تأبى افتراض العمد العام في أية جريمة عمدية والتي تجيز نفيه بأي عذر ولو تعلق بالجهل بعنصر من العناصر المكونة للجريمة .
وقد أدمج القانون رقم 122 لسنة 1989 الفقرتان الأولى والثانية من هذه المادة في فقرة واحدة أصبحت تعالج جريمتي عدم إمساك الدفاتر المنصوص عليها في المواد 12 ، 18 ، 24 ، 26 و عدم القيد فيها، وقرر لهما عقوبة مالية واحدة هي الغرامة التي لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه، بدلاً من عقوبة الغرامة والتي كان حدها الأقصى للجريمة الأولى مائتي جنيه، وللجريمة الثانية مائة جنيه .
2- جنحة عدم قيام المرخص له بالاتجار في المواد المخدرة أو حيازتها بإرسال الكشوف المنصوص عليها قانوناً إلى الجهة الإدارية المختصة :
أضاف القانون رقم 122 لسنة 1989 جريمة جديدة إلى قانون المخدرات هي عدم قيام من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الاتجار فى الجواهر المخدرة، بإرسال الكشوف المنصوص عليها في المادة (13) من قانون المخدرات بشأن الوارد والمصروف والمتبقي من الجواهر المخدرة خلال الشهر السابق ، والكشوف المنصوص عليها في المادة (23) من قانون المخدرات بشأن الوارد والمصروف والمتبقي من الجواهر المخدرة خلال الستة أشهر السابقة، وذلك إلي الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة، أي في الأسبوع الأول من كل شهر بالنسبة للنوع الأول من الكشوف وخلال الخمسة عشر يوماً الأولى من شهري يناير ويوليو من كل سنة بالنسبة للنوع الثاني من الكشوف .
3- جنحة حيازة المرخص له بالاتجار في الجواهر المخدرة بكميات تزيد عن الكميات الناتجة من تعدد عمليات الوزن أو تقل عنها :
الركن المادي : تجاوز فروق الأوزان وعدم دقتها :
جرم المشرع حيازة الصيدلي أو إحرازه وكل شخص رخص له القانون الاتصال بالمخدرات مسلكه فيما اذا حاز أو أحرز كميات تزيد على الكميات الناتجة من تعدد عمليات الوزن أو تقل عنها شريطة ألا تزيد نسب الفروق علي النسبة التي نص عليها المشرع في المادة 43/ 3 من قانون المخدرات .
ويلاحظ أن السلوك المادي المعاقب عليه هنا هو الحيازة أو الإحراز في المدلول الذي بينا فيما سبق وإن اتخذ الركن المعنوى فى هذه الجريمة صورة القصد غير العمدى أو الخطأ أو الإهمال .
ويلاحظ أن مناط تجريم الحيازة أو الإحراز هنا هو كون محلها زيادة أو نقص كمية المواد المخدرة الناشئة عن عمليات الأوزان وتعددها وكونها تختلف عن النسبة المتسامح فيها بموجب نص القانون .
ويجد التنويه هنا أن الصيدلي قد يعاقب علي إحرازه لهذه الفروق ولو كانت ضمن الحدود المتسامح فيها متى كان على علم بهذه الفروق وقت قيامه بعملية الوزن وكان في إمكانه تلافيها .
الجــــــزاء :
1 - العقوبة الأصلية :
قدمنا فيما سبق أن القانون أوجب علي المرخص لهم بحيازة المواد المخدرة والإتجار فيها إمساك دفاتر منتظمة يتم قيد الوارد من المخدرة بها وكذا المصروف منها وتشترط أن تكون هذه الدفاتر منتظمة ورسمية ممهورة بخاتم الجهة الإدارية ولا يغني عنها ثمة دفتر آخر .
ونص المشرع بالمادة ( 43/ 1 ) من قانون المخدرات على عقوبة الامتناع عن هذا الواجب القانوني وجعل الجزاء على ذلك هو الغرامة التي لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد علي ثلاثة آلاف جنيه كعقوبة أصلية .
والغرامة هنا كعقوبة أصلية وطبقاً لنص المادة (22) من قانون العقوبات هي إلزام المحكوم عليه بأن يدفع إلي خزانة الدولة المبلغ المقرر في الحكم وعاقب المشرع في الفقرة الثانية من المادة (43) بالغرامة التي لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألفي جنيه. لكل من يتولى إدارة صيدلية أو محل مرخص له في الإتجار فى الجواهر المخدرة ولم يقم بإرسال الكشوف المنصوص عليها في المادتين 13 و 23 إلى الجهة الإدارية المختصة في المواعيد المقررة .
كما عاقبة المشرع بالمادة ( 3/43) من قانون المخدرات على حيازة الأشخاص المشار إليهم في الفقرتين السابقتين - المرخص لهم في حيازة المواد المخدرة أو إحرازهم كميات تزيد أو تقل عن الكميات الناتجة عن عمليات الوزن، في حدود النسب الواردة في النص، فقد زيدت الغرامة المعاقب بها بموجب القانون رقم 122 لسنة 1989 من مائتي جنيه كحد أقصي إلي الغرامة التي لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه .
وجعلت الفقرة الأخيرة عقوبة الجرائم المشار إليها في هذه المادة في حالة العود الحبس وضعف الغرامة المقررة أو إحداهما . ( الموسوعة الشاملة للإجراءات فى قانون مكافحة المخدرات، إعداد محمد محمود عيد العوضي المحامي بالنقض، دار المحامي للإصدارات القانونية، الطبعة الأولى 2021، الكتاب الأول، الصفحة : 221 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني ، الصفحة / 114
إِحْرَازٌ
التَّعْرِيفُ:
1- الإْحْرَازُ لُغَةً: حِفْظُ الشَّيْءِ وَصِيَانَتُهُ عَنِ الأْخْذِ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْمَذْكُورِ فَقَدْ عَرَّفَهُ النَّسَفِيُّ بِأَنَّهُ: جَعْلُ الشَّيْءِ فِي الْحِرْزِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ.
هَذَا وَالإْحْرَازُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَصَانَةِ مَوْضِعِهِ، وَهُوَ كُلُّ بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلإْحْرَازِ، مَمْنُوعٍ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْخِيَمِ وَالْخَزَائِنِ وَالصَّنَادِيقِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَافِظٍ يَحْرُسُهُ.
وَالْمُحَكَّمُ فِي الْحِرْزِ الْعُرْفُ، إِذْ لَمْ يُحَدَّ فِي الشَّرْعِ وَلاَ فِي اللُّغَةِ. وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأْمْوَالِ وَالأْحْوَالِ وَالأْوْقَاتِ. وَضَبَطَهُ الْغَزَالِيُّ بِمَا لاَ يُعَدُّ صَاحِبُهُ مُضَيِّعًا لَهُ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
2 - الْحِيَازَةُ: هِيَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ الْمَحُوزُ فِي حِرْزٍ أَوْ لاَ يَكُونُ، لِهَذَا فَالْحِيَازَةُ أَعَمُّ مِنَ الإْحْرَازِ.
3 - الاِسْتِيلاَءُ: هُوَ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ وَلَوْ حُكْمًا فِي أَخْذِ الشَّيْءِ مِنْ حِرْزِهِ وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ. فَهُوَ مُخْتَلِفٌ أَيْضًا عَنْ مُطْلَقِ الإْحْرَازِ، وَأَخَصُّ مِنْهُ.
الْحُكْمُ الإْجْمَالِيُّ:
4- الإْحْرَازُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ لِلْمَالِ الْمَمْلُوكِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن عشر ، الصفحة / 274
حِيَازَةٌ
التَّعْرِيفُ:
1 - الْحَوْزُ لُغَةً الْجَمْعُ وَضَمُّ الشَّيْءِ، وَكُلُّ مَنْ ضَمَّ شَيْئًا إِلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ حَازَهُ حَوْزًا وَحِيَازَةً وَاحْتَازَهُ احْتِيَازًا.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَالَ الدَّرْدِيرُ: الْحِيَازَةُ: هِيَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ. وَالْحِيَازَةُ بِهَذَا التَّعْرِيفِ بِمَعْنَى الْقَبْضِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ: وَلاَ تَتِمُّ هِبَةٌ وَلاَ صَدَقَةٌ وَلاَ حَبْسٌ إِلاَّ بِالْحِيَازَةِ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ فَهِيَ مِيرَاثٌ.
وَفِي الْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ: الْقَبْضُ: هُوَ الْحَوْزُ.
وَفِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِعْمَالُ كَلِمَةِ (حَوْزٍ) بَدَلَ (حِيَازَةٍ).
قَالَ صَاحِبُ الْبَهْجَةِ: الْحَوْزُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحُوزِ.
بِمَ تَكُونُ الْحِيَازَةُ:
2 - قَالَ الْحَطَّابُ: الْحِيَازَةُ تَكُونُ بِثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ: أَضْعَفُهَا: السُّكْنَى وَالاِزْدِرَاعُ، وَيَلِيهَا: الْهَدْمُ، وَالْبِنَاءُ، وَالْغَرْسُ، وَالاِسْتِغْلاَلُ، وَيَلِيهَا التَّفْوِيتُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالنِّحْلَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالْوَطْءِ، وَكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ الشَّخْصُ فِي مَالِهِ.
وَفِي كَوْنِ الْحِيَازَةِ سَنَدًا لِلْمِلْكِيَّةِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، يَتَّضِحُ مِنْ خِلاَلِ الْبَحْثِ. وَتُطْلَقُ الْحِيَازَةُ عَلَى الْحِيَازَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْبَاطِلَةِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْيَدُ الْحَائِزَةُ مُتَعَدِّيَةً أَوْ مَأْذُونَةً مِنَ الْمَالِكِ الْحَقِيقِيِّ، أَوْ مُدَّعِيَةً الْمِلْكَ، فَكُلُّهَا حِيَازَةٌ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَبْضُ:
3 - الْقَبْضُ لُغَةً: مَصْدَرُ قَبَضْتُ الشَّيْءَ قَبْضًا: أَخَذْتُهُ، وَهُوَ فِي قَبْضَتِهِ، أَيْ: فِي مِلْكِهِ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ بِيَدِهِ ضَمَّ عَلَيْهِ أَصَابِعَهُ.
وَالْقَبْضُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ حِيَازَةُ الشَّيْءِ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ. قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَمَعْنَى الْقَبْضِ هُوَ التَّمْكِينُ وَالتَّخَلِّي وَارْتِفَاعُ الْمَوَانِعِ عُرْفًا وَعَادَةً حَقِيقَةً.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ جُزَيٍّ: الْقَبْضُ: هُوَ الْحَوْزُ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَبْضَ وَالْحِيَازَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. ر: مُصْطَلَحُ (تَقَابُضٌ).
ب - وَضْعُ الْيَدِ:
4 - يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: الأْمْرُ بِيَدِ فُلاَنٍ أَيْ: فِي تَصَرُّفِهِ، وَالدَّارُ فِي يَدِ فُلاَنٍ أَيْ: فِي مِلْكِهِ( ). وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ: الْيَدُ عِبَارَةٌ عَنِ الْقُرْبِ وَالاِتِّصَالِ، وَأَعْظَمُهَا ثِيَابُ الإْنْسَانِ الَّتِي عَلَيْهِ وَنَعْلُهُ وَمِنْطَقَتُهُ، وَيَلِيهِ الْبِسَاطُ الَّذِي هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَالدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا، وَتَلِيهِ الدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ سَائِقُهَا أَوْ قَائِدُهَا، وَالدَّارُ الَّتِي هُوَ سَاكِنُهَا، فَهِيَ دُونَ الدَّابَّةِ لِعَدَمِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَى جَمِيعِهَا.
وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَأَمَّا الْيَدُ الَّتِي لاَ تُعْتَبَرُ فِي التَّرْجِيحِ أَلْبَتَّةَ فَعِبَارَةٌ عَنْ حِيَازَةٍ بِطَرِيقٍ تَقْتَضِي عَدَمَ الْمِلْكِ بِحَقٍّ، كَالْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ. إِذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ بِأَنْفُسِنَا أَوْ بِالْبَيِّنَة. وَالْيَدُ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ نَفْسُ مَعْنَى الْحِيَازَةِ بِمَعْنَيَيْهَا.
ج- التَّقَادُمُ:
4 م - التَّقَادُمُ لُغَةً: مَصْدَرُ تَقَادَمَ، يُقَالُ: تَقَادَمَ الشَّيْءُ أَيْ: صَارَ قَدِيمًا. وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُعَبَّرُ عَنِ التَّقَادُمِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ. كَمَا فِي مَجَلَّةِ الأْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَقَادُمٌ) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ.
أَحْكَامُ الْحِيَازَةِ:
5- تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ عَنْ طَرِيقٍ مَشْرُوعٍ وَعَنْ طَرِيقٍ، غَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَالطُّرُقُ غَيْرُ الْمَشْرُوعَةِ كَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْحِرَابَةِ، هِيَ مِنَ الْكَسْبِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ، وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. وَهَذِهِ الْحِيَازَةُ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً وَلاَ عِبْرَةَ بِهَا شَرْعًا. لأِنَّ الشَّيْءَ الْمَحُوزَ هُنَا لاَ يَكُونُ لِلَّذِي بِيَدِهِ بَلْ لِمَالِكِهِ الأْصْلِيِّ.
وَأَمَّا الطُّرُقُ الْمَشْرُوعَةُ فَتَكُونُ بِحِيَازَةِ بَيْتِ الْمَالِ لِلأْرْضِ، الَّتِي مَاتَ أَرْبَابُهَا بِلاَ وَارِثٍ وَآلَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَلَمْ تُمْلَكْ لأِهْلِهَا بَلْ أُبْقِيَتْ رَقَبَتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَتَكُونُ بِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَالاِصْطِيَادِ، وَاحْتِشَاشِ الْكَلأَ مِنَ الأْرْضِ الْمُبَاحَةِ، وَاسْتِخْرَاجِ مَا فِي بَاطِنِ الأْرْضِ مِنَ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ، وَاللُّقَطَةِ. وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. وَتَكُونُ أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ الْعَقْدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَنْ طَرِيقِ الإْرَادَةِ الْمُنْفَرِدَةِ أَمْ عَنْ طَرِيقِ إِرَادَتَيْنِ، وَيُنْظَرُ كُلُّ عَقْدٍ فِي مُصْطَلَحِهِ.
ثُمَّ الْحِيَازَةُ بِمَعْنَى الْقَبْضِ تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ (قَبْضٌ).
الْحِيَازَةُ كَدَلِيلٍ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ:
6- الأْصْلُ أَنَّ الإْنْسَانَ يَتَصَرَّفُ فِيمَا يَمْلِكُهُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، فَسَاكِنُ الدَّارِ، وَسَائِقُ السَّيَّارَةِ، أَوِ الدَّرَّاجَةِ وَصَاحِبُ الدُّكَّانِ الْغَالِبُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، وَلَكِنْ قَدْ يُمَكِّنُ الْمَالِكُ غَيْرَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، إِمَّا بِعِوَضٍ أَوْ بِدُونِ عِوَضٍ - وَقَدْ يَكُونُ الْمُتَصَرِّفُ مُتَعَدِّيًا كَالْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ - فَاحْتِمَالُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمِلْكِيَّةِ وَالتَّصَرُّفِ احْتِمَالٌ قَائِمٌ، وَلَكِنْ كُلَّمَا طَالَتْ مُدَّةُ التَّصَرُّفِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ مَالِكٌ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الاِطْمِئْنَانُ بِمِلْكِيَّةِ الْحَائِزِ لِلشَّيْءِ حَسْبَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْعُرْفُ.
وَمِنْ هُنَا كَانَتْ عَلاَقَةُ الْحَائِزِ بِمُدَّعِي مِلْكِيَّةِ الشَّيْءِ الْمَحُوزِ لَهَا تَأْثِيرٌ حَسْبَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْعُرْفُ مِنَ التَّسَامُحِ أَوِ الْمُشَاحَّةِ. فَالْعُرْفُ يَشْهَدُ أَنَّ الأْجْنَبِيَّ لاَ يَسْكُتُ عَنْ تَصَرُّفِ الأْجْنَبِيِّ فِي عَقَارِهِ عَشْرَ سَنَوَاتٍ وَأَكْثَرَ وَهُوَ حَاضِرٌ سَاكِتٌ، بَيْنَمَا يَشْهَدُ الْعُرْفُ أَنَّ الأْبَ يَتَسَامَحُ مَعَ ابْنِهِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مَالِ الأْبِ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ.
فَكَانَتِ الصِّلَةُ بَيْنَ الْحَائِزِ وَبَيْنَ مُدَّعِي الْمِلْكِيَّةِ مُؤْثِّرَةً فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ كَمَا أَنَّ حُضُورَ مُدَّعِي الْمِلْكِيَّةِ وَبُعْدَهُ وَالْمَسَافَةَ الْفَاصِلَةَ بَيْنَ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَبَيْنَ الْقَائِمِ بِالْحَقِّ لَهَا تَأْثِيرُهَا، وَكَذَلِكَ الشَّيْءُ الْمَحُوزُ فَحِيَازَةُ الدُّورِ وَالأْرْضِينَ لَيْسَتْ كَحِيَازَةِ الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِذَا كَانَ الْمَالِكُ قَدْ يَتَسَامَحُ فِي سُكْنَى دَارِهِ الْخَمْسَ سَنَوَاتٍ مَثَلاً فَإِنَّهُ لاَ يَتَسَامَحُ فِي اسْتِعْمَالِ دَابَّتِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ. كَمَا أَنَّ أَنْوَاعَ التَّصَرُّفِ مُخْتَلِفَةٌ فَهُنَاكَ التَّصَرُّفُ بِالسُّكْنَى، وَأَقْوَى مِنْهَا التَّصَرُّفُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَقَلْعِ الشَّجَرِ وَغِرَاسَةِ الأْرْضِ، وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ مِنْ وُجُوهِ التَّفْوِيتِ فَكَانَتْ أَحْكَامُ الْحِيَازَةِ تَتَأَثَّرُ بِهَذِهِ الاِعْتِبَارَاتِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ - فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ - إِلَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدِ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَهُ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَبَيِّنَتُهُ عَلَى الْمُدَّعِي (الْخَارِجِ) تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (الدَّاخِلِ).
وَقَالَ إِسْحَاقُ: لاَ تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَالٍ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَجَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، فَلاَ يَبْقَى فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. وَلأِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَدَلِيلُ كَثْرَةِ فَائِدَتِهَا: أَنَّهَا تُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إِنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا تَدُلُّ الْيَدُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً، وَلأِنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا رُؤْيَةَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَصَارَتِ الْبَيِّنَةُ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (صَاحِبِ الْيَدِ) كَمَا أَنَّ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ لَمَّا كَانَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى شَاهِدَيِ الأْصْلِ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا مَزِيَّةٌ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: إِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَقَالَتْ: نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ أَوِ اشْتَرَاهَا، أَوْ نَسَجَهَا، أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَقْدَمَ تَارِيخًا قُدِّمَتْ، وَإِلاَّ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ فِي النِّتَاجِ وَالنَّسَّاجِ فِيمَا لاَ يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِيَازَةَ لاَ تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنِ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ إِلَى الْحَائِزِ بِاتِّفَاقٍ وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَعَهَا قَوْلَ الْحَائِزِ: إِنَّهُ يَمْلِكُهُ بِيَمِينِهِ.
فَإِذَا كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ بِبَيِّنَتِهِ، لأِنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَتُهُ بِيَدِهِ كَالْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ مَعَ أَحَدِهِمَا قِيَاسٌ فَيُقْضَى لَهُ بِهَا.
لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ أَنْتَجَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ.»
وَبِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، قَالَ شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ.
وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ فِي (دَعْوَى، شَهَادَةٌ، تَقَادُمٌ).
هَذَا، وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلاَتٌ انْفَرَدُوا بِهَا فِي مَسَائِلِ الْحِيَازَةِ، وَلاَ سِيَّمَا بِمَعْنَى دَلِيلِ الْمِلْكِ أَوْ سَبَبِهِ، بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:
يَقُولُ ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ الْحِيَازَةَ عَلَى سِتِّ مَرَاتِبَ:
أ - أَضْعَفُهَا حِيَازَةُ الأْبِ عَلَى ابْنِهِ، وَحِيَازَةُ الاِبْنِ عَلَى أَبِيهِ.
ب - وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الأْقَارِبِ الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ أَوْ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
ج - تَلِيهَا حِيَازَةُ الْقَرَابَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لاَ شِرْكَ بَيْنَهُمْ فِيهِ، وَالأْخْتَانُ، وَالْمَوَالِي الأْشْرَاكُ بِمَنْزِلَتِهِمْ.
د - وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْمَوَالِي وَالأْخْتَيْنِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لاَ شِرْكَ بَيْنَهُمْ فِيهِ.
هـ - وَتَلِيهَا حِيَازَةُ الأْجْنَبِيِّينَ الأْشْرَاكِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لاَ شِرْكَ بَيْنَهُمْ فِيهِ.
و - حِيَازَةُ الأْجْنَبِيِّينَ الَّذِينَ لاَ شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ. وَكُلَّمَا كَانَتِ الرَّابِطَةُ قَوِيَّةً وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْحِيَازَةُ ضَعِيفَةَ التَّأْثِيرِ فِي ادِّعَاءِ الْمِلْكِ، فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ قُوَّةٍ تُسْنِدُهَا، إِمَّا طُولُ مُدَّةٍ، وَإِمَّا نَوْعٌ قَوِيٌّ مِنَ التَّصَرُّفِ عَلَى مَا سَيَتَبَيَّنُ بَعْدُ.
أَنْوَاعُ الْحِيَازَةِ:
7 - الْحِيَازَةُ تَكُونُ بِنَوْعٍ مِنَ الأْنْوَاعِ الآْتِيَةِ:
(أ) فِي الْعَقَارِ: السُّكْنَى، الاِزْدِرَاعُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَفِي الْمَنْقُولِ: الرُّكُوبُ فِي الدَّوَابِّ. اللُّبْسُ فِي الثِّيَابِ. الاِنْتِفَاعُ فِي الأْوَانِي وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(ب) النَّوْعُ الْمُتَوَسِّطُ فِي الْعَقَارِ: الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ فِيمَا لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِبَقَاءِ الأْصْلِ، وَالْغَرْسُ لِلأْشْجَارِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي الْمَنْقُولِ الاِسْتِغْلاَلُ وَهُوَ إِيجَارُ الدَّوَابِّ، وَالثِّيَابِ، وَقَبْضُ الأْجْرَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(ج) النَّوْعُ الأْقْوَى: التَّفْوِيتُ بِالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَالنُّحْلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ إِلاَّ فِي مَالِهِ.
أَثَرُ الْحِيَازَةِ:
8 - يَقُولُ ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ مُجَرَّدَ الْحِيَازَةِ لاَ تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنِ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ إِلَى الْحَائِزِ، وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ كَإِرْخَاءِ السُّتُورِ، وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأْشْيَاءِ. مَعْنَى هَذَا أَنَّ الْحَائِزَ لاَ يَنْتَفِعُ بِالْحِيَازَةِ إِلاَّ إِذَا جَهِلَ الْوَجْهَ الَّذِي حَازَ بِهِ أَوِ ادَّعَى شِرَاءً، وَأَمَّا إِذَا عَرَفَ وَجْهَ دُخُولِهِ فِي حَوْزِهِ كَكِرَاءٍ، أَوْ عُمْرَى، أَوْ إِسْكَانٍ، أَوْ إِرْفَاقٍ، أَوْ إِجَارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ طُولَ الْحَوْزِ لاَ يَنْقُلُ الْمِلْكَ.
شُرُوطُ الْحِيَازَةِ بَيْنَ الأْجَانِبِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ:
9 - يَقُولُ خَلِيلٌ: إِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ وَتَصَرَّفَ ثُمَّ ادَّعَى حَاضِرٌ سَاكِتٌ بِلاَ مَانِعٍ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلاَ بَيِّنَتُهُ إِلاَّ بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ.
فَالْحَوْزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ دَالًّا عَلَى مِلْكِ الْحَائِزِ إِذَا تَوَفَّرَ مَا يَلِي:
أَوَّلاً: أَنْ يَتَصَرَّفَ الْحَائِزُ: وَالتَّصَرُّفُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ هُوَ مَا كَانَ كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فِيمَا لاَ ضَرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ. أَمَّا السُّكْنَى وَنَحْوُهَا، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ حِيَازَةٌ. يَقُولُ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا حِيَازَةُ الأْجْنَبِيِّينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لاَ شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ أَعْوَامٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلاَ بُنْيَانٌ، وَفِي كِتَابِ الْجِدَارِ لاِبْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لاَ تَكُونُ حِيَازَةً إِلاَّ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ حَسَنِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْهُ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بَلاَغًا (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَكَارَى أَرْضًا. فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ بِكِرَاءٍ حَتَّى قَالَ ابْنُهُ وَهُوَ أَبُو سَلَمَةَ أَوْ حُمَيْدٌ: فَمَا كُنْتُ أَرَاهَا إِلاَّ لَنَا مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى ذَكَرَهَا لَنَا عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَمَرَ بِقَضَاءِ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كِرَائِهَا ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ).
10 - ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي حَاضِرًا عَالِمًا، فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً فَهُوَ بَاقٍ عَلَى حَقِّهِ وَيَخْتَلِفُ تَقْدِيرُ الْغَيْبَةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْبُعْدِ وَالْقُرْبِ، وَتَقْدِيرُ الْغَيْبَةِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ بِالْمَرَاحِلِ.
فَإِذَا كَانَ الْمُدَّعِي عَلَى سَبْعَةِ مَرَاحِلَ فَأَكْثَرَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ وَلَوْ طَالَ أَمَدُ غِيَابِهِ مَا طَالَ، فَالْغَائِبُ فِي مِثْلِ هَذَا الْبُعْدِ مَعْذُورٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً، وَإِذَا كَانَ عَلَى ثَلاَثِ أَوْ أَرْبَعِ مَرَاحِلَ فَالْمَرْأَةُ مَعْذُورَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إِنْ أَبْدَى عُذْرَهُ فِي عَدَمِ الْقِيَامِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ عُذْرُهُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ عَلَى حَقِّهِ لَهُ الْقِيَامُ مُعَلِّلاً بِأَنَّهُ كَمْ مِمَّنْ لاَ يَتَبَيَّنُ عُذْرُهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ مَعْذُورٌ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ كَانَ عَلَى ثَلاَثِ مَرَاحِلَ لاَ قِيَامَ لَهُ بَعْدَ الأْجَلِ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ عُذْرُهُ، فَابْنُ الْقَاسِمِ جَعَلَهُ مَعْذُورًا: وَابْنُ حَبِيبٍ جَعَلَهُ غَيْرَ مَعْذُورٍ حَتَّى يَثْبُتَ خِلاَفُ ذَلِكَ.
وَحَدَّدَ ابْنُ عَرَفَةَ مَوْطِنَ الْخِلاَفِ قَائِلاً: الْخِلاَفُ فِي الْقَرِيبِ هُوَ إِذَا عَلِمَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلاَ حِيَازَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، غَيْرَ أَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْعِلْمِ حَتَّى يَثْبُتَ عِلْمُهُ، وَفِي الْحَاضِرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعِلْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ.
وَاسْتَحَبَّ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ لِلْغَائِبِ إِذَا عَلِمَ وَمَنَعَهُ مَانِعٌ مِنَ الْحُضُورِ لِطَلَبِ حَقِّهِ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ عَلِمَ، وَأَنَّ سُكُوتَهُ عَنِ الْمُطَالَبَةِ إِنَّمَا هُوَ لأِجْلِ الْعُذْرِ مَعَ تَأْكِيدِهِمَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ وَلَمْ يُشْهِدْ لَمْ يُوهِنْ ذَلِكَ حُجَّتَهُ إِلاَّ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ جِدًّا، مِثْلَ السَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ سَنَةً وَمَا قَارَبَهَا، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ سَمَاعٌ مُسْتَفِيضٌ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لِلَّذِينَ هِيَ بِأَيْدِيهِمْ تَدَاوَلُوهَا هُمْ وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ بِمَا يُحَازُ بِهِ الْمِلْكُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْحِيَازَةِ عَلَى الْحَاضِرِ، وَإِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِقَوْلِهِمَا أَقُولُ.
فَالْغَائِبُ يَكُونُ عَلَى حُجَّتِهِ إِذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ: أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ جِدًّا فِيمَا تَهْلِكُ فِيهِ الْبَيِّنَاتُ، وَتَتَعَاقَبُ الأْجْيَالُ كَالسَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ، وَأَنْ يَتَأَيَّدَ الْحَوْزُ بِشَهَادَةِ سَمَاعٍ أَنَّ الْحَائِزَ وَمَنْ سَبَقَهُ مَالِكُونَ لِمَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ.
وَإِذَا كَانَتِ الْغَيْبَةُ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ فَالرَّجُلُ هُوَ كَالْحَاضِرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا. قَالَ ابْنُ فَرْحُونَ: فَرْعٌ: وَفِي الطُّرُرِ لاِبْنِ عَاتٍ وَمَغِيبُ الْمَرْأَةِ عَلَى مَسِيرَةِ الْيَوْمِ لاَ يَقْطَعُ حُجَّتَهَا لِقَوْلِهِعليه الصلاة والسلام: «لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا».
قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُوَ الْعِلْمُ الشَّامِلُ لأِمْرَيْنِ. الْعِلْمُ بِأَنَّ الْحَائِزَ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَحُوزَ مِلْكُهُ، فَإِذَا جَهِلَ أَنَّ الْمَحُوزَ مِلْكُهُ فَإِنْ كَانَ وَارِثًا حَلَفَ عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ وَقُضِيَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ، وَإِذَا قَالَ عَلِمْتُ بِالْمِلْكِ وَلَكِنِّي لَمْ أَجِدِ الْوَثِيقَةَ الْمُثْبِتَةَ لِلْمِلْكِ إِلاَّ الآْنَ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ بِذَلِكَ فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى أَنَّ سُكُوتَهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ عَدَمِ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ.
ثَالِثًا: أَنْ يَسْكُتَ الْمَحُوزُ عَنْهُ الْحَاضِرُ طِوَالَ الْمُدَّةِ وَلاَ يُطَالِبُ بِحَقِّهِ، فَإِنْ نَازَعَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ وَلَمْ يَزَلْ يُخَاصِمُ وَيَطْلُبُ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ، وَإِنْ نَازَعَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَمْ يُفِدْهُ، وَيَكُونُ كَمَنْ هُوَ سَاكِتٌ، قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ: فِيمَنْ أَثْبَتَ بَيِّنَةً فِي أَرْضٍ أَنَّهَا لَهُ، وَأَثْبَتَ الَّذِي فِي يَدِهِ أَنَّهُ يَحُوزُهَا عَشْرَ سِنِينَ بِمَحْضَرِ الطَّالِبِ، فَأَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً أَنَّهُ طَلَبَهَا وَنَازَعَ فِيهَا هَذَا، قَالَ: إِنْ قَالُوا إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُخَاصِمُ وَيَطْلُبُ لَيْسَ أَنْ يُخَاصِمَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يُمْسِكَ نَفَعَهُ ذَلِكَ، وَإِلاَّ لَمْ يَنْفَعْهُ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ عِنْدَ الْحَاكِمِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: الطَّلَبُ النَّافِعُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
11 - رَابِعًا: أَنْ لاَ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ مَانِعٌ: وَالْمَوَانِعُ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ لَمْ يَقَعِ اسْتِقْصَاؤُهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَى بَعْضِهَا احْتِيَاطًا لِحَقِّ الْمَالِكِ.
فَمِنَ الْمَوَانِعِ، الْخَوْفُ مِنَ الْحَائِزِ كَمَا إِذَا كَانَ الْحَائِزُ ذَا سُلْطَةٍ وَظَالِمًا. أَوْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ وَكَأَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ مَدِينًا مُعْسِرًا وَحَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ، وَالْحَائِزُ رَبُّ الدَّيْنِ يَخْشَى إِنْ هُوَ طَالَبَهُ بِالتَّخَلِّي عَنِ الْحَوْزِ أَنْ يُطَالِبَ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ، وَمِثْلُهُ إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ بِكْرًا لَمْ تُعَنِّسْ مَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ، فَإِنَّ أَجَلَ الْحَوْزِ مُعْتَبَرٌ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْمَانِعِ، وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ لاَ يَقْطَعُ قِيَامُ الْبِكْرِ غَيْرِ الْعَانِسِ وَلاَ قِيَامُ الصَّغِيرِ، وَلاَ قِيَامُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي رِقَابِ الأْمْلاَكِ، وَلاَ فِي إِحْدَاثِ الاِعْتِمَارِ بِحَضْرَتِهِمْ إِلاَّ أَنْ يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيَمْلِكَ نَفْسَهُ مِنَ الْوَلِيِّ، وَتُعَنِّسَ الْجَارِيَةُ وَيُحَازَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَهُمْ عَالِمُونَ بِحُقُوقِهِمْ لاَ يَعْتَرِضُونَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَيَنْقَطِعُ حِينَئِذٍ قِيَامُهُمْ وَمَا لَمْ يَعْرِفُوا لاَ يَنْقَطِعُ قِيَامُهُمْ.
فَأَصْحَابُ الأْعْذَارِ هَؤُلاَءِ يُعْتَبَرُ أَمَدُ السُّكُوتِ الْمُسْقِطِ لِحَقِّهِمْ بَعْدَ حُصُولِ أَمْرَيْنِ. حُصُولِ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْحَائِزَ يَحُوزُ مِلْكَهُمْ وَسُكُوتَهُمْ بَعْدَ الْعِلْمِ عَشْرَ سِنِينَ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَمِنَ الأْعْذَارِ الْمَقْبُولَةِ الَّتِي يَبْقَى مَعَهَا الْمُدَّعِي عَلَى حَقِّهِ وَإِنْ طَالَ كَوْنُ الْمَحُوزِ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الثَّرَاءِ وَالْفَضْلِ، مِنْ شَأْنِهِ إِرْفَاقُ النَّاسِ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ سُئِلَ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى السَّرَّاجُ عَنْ أُنَاسٍ لَهُمْ أَمْلاَكٌ عَدِيدَةٌ فِي بِلاَدٍ شَتَّى وَبِكُلِّ مَوْطِنٍ، وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ مَعَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَتَفَضَّلُونَ مَعَهُمْ فِي أَمْلاَكِهِمْ بِالْبِنَاءِ وَالْحَرْثِ وَالْغِرَاسَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِمَارَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ لِكَثْرَةِ ذِمَّتِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَعُلُوِّ هِمَّتِهِمْ وَمَحَاسِنِهِمْ مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ السَّاكِنِينَ أَنْكَرُوا الْفَضْلَ وَالإْحْسَانَ وَالْخَيْرَ، وَأَرَادُوا بِزَعْمِهِمْ أَنْ يَمْتَازُوا بِبَعْضِ الأْمْلاَكِ بِسَبَبِ الْعِمَارَةِ وَيَنْسُبُوهَا لأِنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ تَجُوزُ الْعِمَارَةُ عَلَى أَصْحَابِ الأْمْلاَكِ أَمْ لاَ تَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إِلاَّ إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ بِانْتِقَالِ الأْمْلاَكِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ؟ فَأَجَابَ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إِلاَّ إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ بِانْتِقَالِ الأَْمْلاَكِ، إِمَّا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْعِمَارَةِ الْعَارِيَةِ عَنْ ذَلِكَ فَلَغْوٌ، وَلاَ عِبْرَةَ بِهَا وَلاَ مُعَوَّلَ عَلَيْهَا. وَدَقَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْحَائِكُ فَقَالَ: إِنَّ فَتْوَى السَّرَّاجِ هِيَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الأْرْضُ الْمَذْكُورَةُ مَعْرُوفَةً لِلْقَائِمِ وَمَنْسُوبَةً إِلَيْهِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَلاَ تُنْزَعُ مِنْ يَدِ حَائِزِهَا.
12 - خَامِسًا: أَنْ تَسْتَمِرَّ الْحِيَازَةُ عَشْرَ سِنِينَ فَأَكْثَرَ: إِذَا حَازَ الأْجْنَبِيُّ غَيْرُ الشَّرِيكِ عَقَارًا وَتَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ قَبْلَ هَذَا فَإِنَّهُ لاَ يَنْتَفِعُ بِحِيَازَتِهِ إِلاَّ إِذَا طَالَ أَمَدُ الْحِيَازَةِ.
وَالطُّولُ الْمُعْتَبَرُ دَلِيلاً عَلَى الْمِلْكِيَّةِ قَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِهِ هَلْ يُؤَقَّتُ بِزَمَنٍ، أَوْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى اقْتِنَاعِ الْحَاكِمِ.
فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا سَمِعْتُ مَالِكًا يُحَدِّدُ فِيهِ عَشْرَ سِنِينَ وَلاَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ هَذَا قَدْ حَازَهَا دُونَ الآْخَرِ فِيمَا يُكْرَى وَيُهْدَمُ وَيُبْنَى وَيُسْكَنُ.
وَذَهَبَ رَبِيعَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ حَاضِرًا وَمَالُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَمَضَتْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، كَانَ الْمَالُ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ بِحِيَازَتِهِ إِيَّاهُ عَشْرَ سِنِينَ، إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَ الآْخَرُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَى، أَوْ أَسْكَنَ، أَوْ أَعَارَ عَارِيَّةً، أَوْ صَنَعَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لَهُ.
وَعُمْدَةُ التَّقْدِيرِ بِعَشْرِ سِنِينَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَرْفَعُهُ إِلَى الرَّسُولِ صلي الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ». قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ.
وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ مَرْفُوعًا: «مَنِ احْتَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ». كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ الأْقْضِيَةِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَبِالْعَشْرِ سِنِينَ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ.
وَلاِبْنِ الْقَاسِمِ كَمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ السَّبْعَ وَالثَّمَانَ وَمَا قَارَبَ الْعَشْرَ مِثْلُ الْعَشَرَةِ.
وَيَقُولُ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ لِكَلاَمِ الْمُسْتَخْرَجَةِ الْعَشْرَ سِنِينَ وَمَا قَارَبَهَا يُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالشَّهْرَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ وَمَا قَارَبَ مِنْهَا ثُلُثَ الْعَامِ وَأَقَلَّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَشَرَةِ الأْعْوَامِ بِالْعَامِ وَالْعَامَيْنِ حِيَازَةٌ.
قَالَ الْحَطَّابُ: فَتَحَصَّلَ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الأْوَّلُ: قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّهَا لاَ تُحَدُّ بِسِنِينَ مُقَدَّرَةٍ بَلْ بِاجْتِهَادِ الإْمَامِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُدَّةَ عَشْرُ سِنِينَ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ بِنَاءً عَلَى الْحَدِيثِ وَوَجَّهَهُ أَيْضًا ابْنُ سَحْنُونٍ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالْقِتَالِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ كَانَ أَبْلَغَ فِي الإْعْذَارِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ سَبْعُ سِنِينَ فَأَكْثَرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الثَّانِي.
وَإِذَا كَانَتِ الْحِيَازَةُ فِي إِرْفَاقٍ فَفِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ الْمَنْسُوبَةِ لِوَلَدِ ابْنِ فَرْحُونَ (مَسْأَلَةٌ) فِي قَنَاةٍ تَجْرِي مُنْذُ أَرْبَعِ سِنِينَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ، وَالَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ سَاكِتٌ لاَ تَكُونُ السَّنَةُ حِيَازَةً لِلتَّغَافُلِ عَنْ مِثْلِهَا وَسُكُوتُ أَرْبَعِ سِنِينَ طُولٌ.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحِيَازَةُ فِي مَنْقُولٍ فَقَالَ أَصْبَغُ: إِنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إِذَا كَانَتْ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ، وَإِنَّ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثَ حِيَازَةٌ فِي الدَّوَابِّ إِذَا كَانَتْ تُرْكَبُ، وَفِي الإْمَاءِ إِذَا كُنَّ يُسْتَخْدَمْنَ، وَفِي الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ فَوْقَ ذَلِكَ وَلاَ تَبْلُغُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْنَ الأْجْنَبِيِّينَ إِلَى عَشَرَةِ أَعْوَامٍ كَمَا يَصْنَعُ فِي الأْصُولِ (الْعَقَارِ).
وَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي الأْجَلِ بَيْنَ الثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ، وَبَيْنَ الدُّورِ، وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّوَابَّ وَالثِّيَابَ وَالْعُرُوضَ كُلَّهَا وَالْحَيَوَانَ كُلَّهُ، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّهَا إِذَا حَازَهَا رَجُلٌ بِمَحْضَرٍ مِنْ رَجُلٍ فَادَّعَاهَا الَّذِي حِيزَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ حَقَّ لَهُ فِيهَا، لأِنَّ هَذَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ، وَهَلْ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الأْشْيَاءِ مِثْلَ مَا يَقُولُهُ فِي الدُّورِ وَالْحِيَازَةِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الدُّورِ إِذَا كَانَتِ الثِّيَابُ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ، وَالدَّوَابُّ تُكْرَى وَتُرْكَبُ.
وَيَجِبُ حَمْلُ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ التَّحْدِيدَ لَيْسَ قَارًّا، وَإِنَّمَا هُوَ لاِجْتِهَادِ الْحَاكِمِ يَنْظُرُ فِي الظُّرُوفِ الْمُحِيطَةِ بِالْقَضِيَّةِ وَيُعْطِي لِكُلِّ حَالَةٍ مَا يُنَاسِبُهَا حَسَبَ اخْتِلاَفِ الأْعْرَافِ وَالأْشْخَاصِ.
13 - وَتُضَافُ مُدَّةُ حِيَازَةِ الْوَارِثِ إِلَى مُدَّةِ حِيَازَةِ الْمُوَرِّثِ، فَإِذَا حَازَ الْمُوَرِّثُ الشَّيْءَ خَمْسَ سِنِينَ وَحَازَهُ الْوَارِثُ خَمْسَ سِنِينَ ضُمَّتْ مُدَّةُ هَذَا إِلَى مُدَّةِ ذَاكَ وَسَقَطَ حَقُّ الْقَائِمِ فِي الدَّعْوَى.
14 - سَابِعًا: أَلاَّ يَكُونَ الْمَحُوزُ وَقْفًا: إِذَا كَانَ الْمَحُوزُ حَبْسًا فَإِنَّهُ لاَ تَسْقُطُ الدَّعْوَى وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ، فَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: سُئِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ وَاضِعِينَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَمْلاَكِهِمْ وَمُوَرِّثِهِمْ وَمُوَرِّثِ مُوَرِّثِهِمْ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ عَامًا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالتَّعْوِيضِ وَالْقِسْمَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ وُجُوهِ التَّفْوِيتِ، فَادَّعَى عَلَيْهِمْ بِوَقْفِيَّتِهَا شَخْصٌ حَاضِرٌ عَالِمٌ بِالتَّفْوِيتِ الْمَذْكُورِ وَالتَّصَرُّفِ هُوَ وَمُوَرِّثُهُ مِنْ قَبْلِهِ. فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ التَّحْبِيسُ وَمِلْكُ الْمُحَبِّسِ لِمَا حَبَسَهُ يَوْمَ التَّحْبِيسِ وَبَعْدَ أَنْ تَتَعَيَّنَ الأْمْلاَكُ الْمُحَبَّسَةُ بِالْحِيَازَةِ لَهَا عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ الْحِيَازَةُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَعْذَرَ إِلَى الْمَقُومِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ مِنْ تَرْكِ الْقَائِمِ وَأَبِيهِ قَبْلَهُ عَلَيْهِمْ وَطُولِ سُكُوتِهِمَا عَنْ طَلَبِ حَقِّهِمَا مَعَ عِلْمِهِمَا بِتَفْوِيتِ الأْمْلاَكِ فَالْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ وَاجِبٌ، وَالْحُكْمُ بِهِ لاَزِمٌ.
وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْحَبْسُ الْعَامُّ بِمَا يَشْمَلُهُ مِنْ مَسْجِدٍ وَطَرِيقٍ وَمَصَالِحَ عَامَّةٍ.
قَالَ الزَّرْقَانِيُّ: وَمِنْ شُرُوطِهَا - أَيِ الْحِيَازَةِ - أَنْ يَدَّعِيَ الْحَائِزُ مِلْكَ الشَّيْءِ الْمَحُوزِ، أَيْ وَلَوْ مَرَّةً، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ إِلاَّ مُجَرَّدَ الْحَوْزِ فَلاَ يَنْفَعُهُ.
وَلاَ يَنْفَعُ الْحَائِزَ الْمُدَّعِيَ الْمِلْكِيَّةُ بِحِيَازَتِهِ إِلاَّ مَعَ جَهْلِ الْمُدْخَلِ فِي هَذَا الأْصْلِ الْمَحُوزِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ هَلْ بِعَارِيَّةٍ مَثَلاً أَوْ لاَ؟ أَعْنِي هَلْ دَخَلَ بِوَجْهٍ لاَ يَقْتَضِي نَقْلَ الْمِلْكِ كَالْعَارِيَّةِ وَالإْسْكَانِ وَنَحْوِهِمَا أَمْ لاَ. لأِنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ دُخُولَهُ كَانَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مَا نَفَعَتْهُ حِيَازَتُهُ وَلَوْ طَالَتْ.
مَا تُوجِبُهُ الْحِيَازَةُ:
15 - يَقُولُ ابْنُ الْحَاجِبِ: إِنَّ الدَّعْوَى تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أ - الدَّعْوَى الْمُشَبَّهَةُ: وَهِيَ الدَّعْوَى الَّتِي تُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ غَيْرِ إِثْبَاتِ خُلْطَةٍ، وَهِيَ الدَّعْوَى اللاَّئِقَةُ بِالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَذَلِكَ كَالدَّعَاوَى عَلَى الصُّنَّاعِ الْمُنْتَصِبِينَ لِلصِّنَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ فِي الأْسْوَاقِ وَالْمُسَافِرِ عَلَى رُفْقَتِهِ.
ب - الدَّعْوَى الْبَعِيدَةُ: وَهِيَ الَّتِي لاَ تُشْبِهُ فَلاَ تُسْمَعُ وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، كَدَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْهَدْمِ، وَالْبُنْيَانِ، وَالْعِمَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ وَلاَ مَانِعَ مِنْ خَوْفٍ وَلاَ قَرَابَةٍ وَلاَ صِهْرٍ وَشُبْهَةٍ.
ج - الدَّعْوَى الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الْمُشْبِهَةِ وَالْبَعِيدَةِ، فَتُسْمَعُ مِنْ مُدَّعِيهَا، وَيُمَكَّنُ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَا فِيهِ مَعَرَّةٌ.
وَأَمَّا الدَّعْوَى بِمَا فِيهِ مَعَرَّةٌ عَلَى غَيْرِ لاَئِقٍ بِهِ فَلاَ يَمِينَ فِيهَا.
فَابْنُ الْحَاجِبِ كَمَا يَدُلُّ النَّصُّ أَعْلاَهُ يَعْتَبِرُ الْحِيَازَةَ بِشُرُوطِهَا، كَالشَّهَادَةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي تُثْبِتُ الْحَقَّ لِصَاحِبِهَا بِدُونِ يَمِينٍ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَدَعْوَى الْقَائِمِ (الْمُدَّعِي) بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا، وَطُولُ الْمُدَّةِ كَافٍ فِي إِثْبَاتِ الْحَائِزِ لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ يَعْتَبِرُ الْعُرْفَ كَشَاهِدَيْنِ.
16 - وَذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّعْوَى عَلَى الْحَائِزِ تَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ، وَلِكُلِّ قِسْمٍ حُكْمُهُ:
1 - أَنْ لاَ تَتَأَيَّدَ دَعْوَى الْمُدَّعِي عَلَى الْحَائِزِ بِبَيِّنَةٍ وَلاَ إِقْرَارٍ مِنَ الْحَائِزِ، وَلَمْ تَتَضَمَّنِ الدَّعْوَى الْوَجْهَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِهِ الْحَائِزُ، وَكَانَتْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَهَذِهِ الدَّعْوَى مِنْ أَصْلِهَا لاَ تُوجِبُ سُؤَالَ الْحَائِزِ وَلاَ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ لِرَدِّ دَعْوَى الْمُدَّعِي.
2 - مِثْلُ الصُّورَةِ الأْولَى إِلاَّ أَنَّ الْقَائِمَ يَدَّعِي أَنَّ الْحَائِزَ إِنَّمَا كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي الْحَوْزِ كِرَاءً، أَوْ إِسْكَانًا، أَوْ إِعَارَةً، فَتَجِبُ يَمِينُ الْحَائِزِ لِرَدِّ دَعْوَى الْمُدَّعِي.
3 - أَنْ يَقُومَ الْقَائِمُ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ وَلَمْ يُؤَيِّدْ دَعْوَاهُ فَتَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْحَائِزِ.
4 - أَنْ تَتَأَيَّدَ دَعْوَى الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْحَائِزِ بَعْدَ أَمَدِ الْحِيَازَةِ، وَهُنَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَنِ الْوَجْهِ الَّذِي صَارَ بِهِ إِلَيْهِ الْمَحُوزُ، فَإِنْ بَيَّنَ وَجْهًا قُبِلَ مَعَ يَمِينِهِ، وَتَسْقُطُ دَعْوَى الْمُدَّعِي سَوَاءٌ أَذَكَرَ أَنَّهُ صَارَ إِلَيْهِ بِشِرَاءٍ مِنَ الْقَائِمِ، أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِ، أَوْ بِهِبَةٍ، أَوْ بِصَدَقَةٍ مِنْهُ، وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ ادِّعَاءِ الشِّرَاءِ وَادِّعَاءِ التَّبَرُّعِ فَقَدْ سُئِلَ عَنِ الَّذِي يَكُونُ بِيَدِهِ الْمَسْكَنُ أَوِ الأْرْضُ فَيُقِيمُ رَجُلٌ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَسْكَنُهُ أَوْ أَرْضُهُ، أَوْ يُقِرُّ لَهُ بِذَلِكَ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، وَيَدَّعِي الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلاَ يَأْتِي بِبَيِّنَةٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دَعْوَاهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، إِذَا كَانَ قَدْ حَازَهُ الزَّمَانُ الَّذِي يُعْلَمُ فِي مِثْلِهِ أَنْ قَدْ هَلَكَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْبَيْعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالنُّزُولُ (أَيِ الإْسْكَانُ) فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْلِفَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ بِاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ مَا وَهَبَ وَلاَ تَصَدَّقَ وَلاَ أَنْزَلَ وَلاَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إِلاَّ عَلَى وَجْهِ الْتِمَاسِ الرِّفْقِ بِهِ. فَيُرَدُّ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ مَا أَحْدَثَ عَلَيْهِ نَقْضًا إِنْ أَحَبَّ، وَإِنْ أَبَى أَسْلَمَ إِلَيْهِ نَقْضَهُ مَقْلُوعًا، وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالتَّبَرُّعِ أَنَّ الأْصْلَ فِي نَقْلِ الأْمْلاَكِ هُوَ الْبَيْعُ، وَأَمَّا التَّبَرُّعُ فَنَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ فَضَعُفَتْ دَعْوَى مُدَّعِيهِ.
وَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْحَائِزِ وَصَادَقَهُ الْحَائِزُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ أَنَّهُ ادَّعَى الإْقَالَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيُصَدَّقُ الْحَائِزُ بِيَمِينِهِ، قَالَ ابْنُ عَاصِمٍ: وَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْحَائِزِ وَصَادَقَهُ الْحَائِزُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ أَنَّهُ ادَّعَى الإْقَالَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيُصَدَّقُ الْحَائِزُ بِيَمِينِهِ، قَالَ ابْنُ عَاصِمٍ:
وَإِنْ يَكُنْ مُدَّعِيًا إِقَالَةً
فَمَعَ يَمِينِهِ لَهُ الْمَقَالَةُ
الْحِيَازَةُ بَيْنَ الأْجَانِبِ الشُّرَكَاءِ:
17 - حُكْمُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ كَحُكْمِ الْمَرْتَبَةِ السَّابِقَةِ فِي كُلِّ التَّفْصِيلاَتِ، إِلاَّ أَنَّ الْحِيَازَةَ لاَ تَكُونُ مُؤَثِّرَةً إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي، أَعْنِي الْغَرْسَ وَالْقَلْعَ فِي الأْشْجَارِ، وَالْبِنَاءَ وَالْهَدْمَ فِي الدُّورِ، وَكِرَاءَ الْحَيَوَانِ وَأَخْذَ أُجْرَةِ ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ ضَعُفَتِ الْحِيَازَةُ فَكَانَتْ بِالسُّكْنَى أَوِ الزِّرَاعَةِ أَوِ الاِسْتِخْدَامِ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يَبْقَى عَلَى حَقِّهِ وَلَوْ مَضَتِ الْمُدَّةُ.
وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ الشُّرَكَاءَ الأَْجَانِبَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ، وَوَهَّنَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْقَوْلَ لأِنَّ إِلْغَاءَ تَأْثِيرِ عَلاَقَةِ الشَّرِكَةِ فِي التَّسَامُحِ بَعِيدٌ، ثُمَّ رَجَّحَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأْشْرَاكِ الأْجْنَبِيِّينَ حُكْمَ الْقَرَابَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِيرَاثِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَشْرَاكٍ وَهَذَا الاِخْتِيَارُ يُبَيِّنُهُ الْبَنْدُ التَّالِي.
الْحِيَازَةُ بَيْنَ الأْقَارِبِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ، وَالأْقَارِبِ الشُّرَكَاءِ:
18 - الْحِيَازَةُ بَيْنَ الأْقَارِبِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ، وَالأْقَارِبِ الشُّرَكَاءِ، حَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأْوَّلُ: أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمْ إِذَا كَانَتْ بِالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ وَاسْتَمَرَّتْ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ، فَهِيَ قَاطِعَةٌ لِحُجَّةِ الْقَائِمِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا لاَ تَكُونُ حِيَازَةً بَيْنَهُمْ إِلاَّ فِيمَا جَاوَزَ الأْرْبَعِينَ سَنَةً.
الثَّالِثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأْقَارِبِ الشُّرَكَاءِ وَغَيْرِ الشُّرَكَاءِ، فَغَيْرُ الشُّرَكَاءِ تَكْفِي مُدَّةُ السَّنَوَاتِ الْعَشْرِ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ، وَالشُّرَكَاءُ لاَ بُدَّ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ هَذِهِ الأْقْوَالِ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي. يَقُولُ الزَّرْقَانِيُّ فِي تَحْلِيلِ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَ كُلٍّ قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا: عَشْرُ سِنِينَ، وَالثَّانِي: زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعِينَ عَامًا مَعَهُمَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَدَاوَةٌ بَيْنَ الأْقَارِبِ شُرَكَاءَ كَانُوا أَوْ لاَ، أَمَّا إِذَا حَصَلَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الأْجَانِبِ السَّابِقُ. يَقُولُ ابْنُ عَاصِمٍ. وَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَدَاوَةٌ بَيْنَ الأْقَارِبِ شُرَكَاءَ كَانُوا أَوْ لاَ، أَمَّا إِذَا حَصَلَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الأْجَانِبِ السَّابِقُ. يَقُولُ ابْنُ عَاصِمٍ.
وَالأْقْرَبُونَ حَوْزُهُمْ مُخْتَلِفٌ
بِحَسَبِ اعْتِمَارِهِمْ يَخْتَلِفُ
فَإِنْ يَكُنْ بِمِثْلِ سُكْنَى الدَّارِ
وَالزَّرْعِ لِلأْرْضِ وَالاِعْتِمَارِ
فَهُوَ بِمَا يَجُوزُ الأْرْبَعِينَ
وَذُو تَشَاجُرٍ كَالأْبْعَدِينَ
وَمِثْلُهُ مِمَّا إِذَا كَانَ عُرْفُ الْبَلَدِ عَدَمَ التَّسَامُحِ. ذَكَرَهُ ابْنُ سَلَمُونَ فِي وَثَائِقِهِ.
الْحِيَازَةُ بَيْنَ الأْبِ وَابْنِهِ:
19 - بِمَا أَنَّ التَّسَامُحَ بَيْنَ الأْبِ وَابْنِهِ مِمَّا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ فِي الأْقْطَارِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَإِنَّ حِيَازَةَ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ إِنْ كَانَتْ مِنَ النَّوْعِ الأْوَّلِ فَهِيَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ، وَلِلْقَائِمِ مِنْهُمَا الْحَقُّ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدُونِ تَحْدِيدِ أَمَدٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي، أَعْنِي الْهَدْمَ، أَوِ الْبِنَاءَ، أَوِ الْغَرْسَ، أَوِ الإْيجَارَ، وَقَبَضَ الأْجْرَةَ فَلاَ تَكُونُ الْحِيَازَةُ مُؤَثِّرَةً إِلاَّ إِذَا طَالَ أَمَدُهَا طُولاً تَهْلِكُ فِيهِ الْبَيِّنَاتُ، وَيَنْقَطِعُ الْعِلْمُ بِحَقِيقَةِ مَا يَدَّعِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا. فَإِذَا بَلَغَتِ الْحِيَازَةُ مِثْلَ هَذَا الطُّولِ، انْقَطَعَتْ حُجَّةُ الْمُدَّعِي وَقُضِيَ لِلْحَائِزِ الْمُدَّعِي الْمِلْكِيَّةَ - وَلَمْ يُحَدِّدِ الزَّرْقَانِيُّ الْمُدَّةَ بِأَجَلٍ وَإِنَّمَا رَبَطَهَا بِسِنِّ الشُّهُودِ - وَنُقِلَ عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيِّ، أَنَّهُ ذَكَرَ فِي مَحَلٍّ عِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي مَحَلٍّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الأْقَارِبَ بِغَيْرِ عَلاَقَةِ الْبُنُوَّةِ وَالأْبُوَّةِ تَكُونُ الْحِيَازَةُ بَيْنَهُمْ بِمَا يُجَاوِزُ الأْرْبَعِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ بَيْنَ الأْبِ وَابْنِهِ دُونَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِعِشْرِيْنَ سَنَةً، أَوْ كَيْفَ تَكُونُ مُسَاوِيَةً عَلَى الْقَوْلِ بِأَرْبَعِينَ.
وَحَدَّدَ الدَّرْدِيرُ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ أَقَلَّ الْمُدَّةِ بِسِتِّينَ سَنَةً بَيْنَ الاِبْنِ وَأَبِيهِ.
الْحِيَازَةُ بَيْنَ الأْخْتَانِ وَالأْصْهَارِ وَالْمَوَالِي:
20 - وَيَشْمَلُ الْمَوْلَى الأْعْلَى وَالأْسْفَلَ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ قَرَابَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ كُلُّهَا لاِبْنِ الْقَاسِمِ: الأْوَّلُ: أَنَّهُمْ كَالأْقَارِبِ فَلاَ تَحْصُلُ الْحِيَازَةُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ مَعَ الطُّولِ جِدًّا، بِأَنْ تَزِيدَ مُدَّتُهَا عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً سَوَاءٌ كَانَ التَّصَرُّفُ بِالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، أَوْ كَانَ بِالاِسْتِغْلاَلِ بِالْكِرَاءِ، أَوِ الاِنْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ بِسُكْنَى أَوِ ازْدِرَاعٍ. وَقِيلَ إِنَّهُمْ كَالأْجَانِبِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ فَيَكْفِي فِي الْحِيَازَةِ عَشْرُ سِنِينَ مَعَ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِالْهَدْمِ، أَوِ الْبِنَاءِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوِ بِالإْجَارَةِ أَوْ بِالاِسْتِغْلاَلِ بِنَفْسِهِ بِسُكْنَى أَوِ ازْدِرَاعٍ، وَقِيلَ كَالأْجَانِبِ الشُّرَكَاءِ، فَيَكْفِي فِي الْحِيَازَةِ عَشْرُ سِنِينَ مَعَ التَّصَرُّفِ بِالْهَدْمِ، أَوِ الْبِنَاءِ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَ كُلٍّ، لاَ بِاسْتِغْلاَلٍ أَوْ سُكْنَى أَوِ ازْدِرَاعٍ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ الأْصْهَارِ قَرَابَةٌ يَجْرِي فِيهِمْ مَا يَجْرِي فِي الأْقَارِبِ.
الْحِيَازَةُ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ فِي الْمَرَاتِبِ الْخَمْسَةِ.
21 - سَبَقَ أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَ الأْجَانِبِ فِي الْمَنْقُولاَتِ أَقَلُّ مُدَّةٍ مِنَ الرِّبَاعِ وَالْعَقَارَاتِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّ حِيَازَةَ الْمَنْقُولاَتِ لاَ تَخْتَلِفُ عَنْ حِيَازَةِ الْعَقَارَاتِ، يَقُولُ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي حِيَازَةِ الأْجْنَبِيِّ، وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَ الأْقَارِبِ لاَ تَفْتَرِقُ فِيهَا حِيَازَةُ الْعَقَارِ عَنْ حِيَازَةِ الْمَنْقُولِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ عَامًا، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمَنْقُولَ كَالْعُرُوضِ الَّتِي تَطُولُ مُدَّتُهَا كَالنُّحَاسِ وَالْبُسُطِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُسْتَعْمَلُ، فَيَكْفِي فِيهَا الْعَشْرُ سِنِينَ بِخِلاَفِ مَا لاَ تَطُولُ مُدَّتُهَا كَالثِّيَابِ تُلْبَسُ فَيَنْبَغِي أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ بِالاِجْتِهَادِ.
وَيُوَضِّحُ الزَّرْقَانِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لاَ كَثِيَابٍ مَعَ لُبْسٍ فَيَنْبَغِي حِيَازَتُهُ دُونَ تِلْكَ الْمُدَّةِ لِعَدَمِ بَقَائِهِ فِيهَا فَيَبْعُدُ تَحْدِيدُهُ بِذَلِكَ.
التَّصَرُّفُ مِنَ النَّوْعِ الثَّالِثِ:
22 - سَبَقَ أَنَّ التَّصَرُّفَ بِسَبَبِ الْحِيَازَةِ أَنْوَاعٌ: وَأَنَّ أَقْوَى الأْنْوَاعِ هُوَ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنُّحْلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْمُفَوِّتَةِ عَنِ الْمَالِكِ حُقُوقَ الْمِلْكِيَّةِ، وَهَذَا التَّفْوِيتُ مِنَ الْحَائِزِ لاَ يَخْلُو وَضْعُهُ، إِمَّا أَنْ يَفُوتَ الْكُلُّ، أَوِ الْبَعْضُ، فَإِنْ فَوَّتَ الْكُلَّ فَلَهُ أَحْوَالٌ.
أ - الْحَالَةُ الأْولَى: أَنْ يَفُوتُ الْحَائِزُ بِالْبَيْعِ بِحُضُورِ الْمَحُوزِ عَنْهُ فَيَعْتَرِضَ عَلَى الْبَيْعِ فَلاَ يَنْفُذَ الْبَيْعُ.
ب - الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْكُتَ وَقْتَ مَجْلِسِ الْبَيْعِ بِدُونِ عُذْرٍ ثُمَّ يَقُومَ عَقِبَ الْمَجْلِسِ مُطَالِبًا بِحَقِّهِ فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ وَيَسْتَحِقُّ الثَّمَنَ، وَإِنْ سَكَتَ حَتَّى مَضَى الْعَامُ وَنَحْوُهُ نَفَذَ الْبَيْعُ وَاسْتَحَقَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ مَعَ يَمِينِهِ فِي بَيَانِ الْوَجْهِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مُقَاسَمَةٍ.
ج - الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لاَ يَكُونَ حَاضِرًا مَجْلِسَ الْبَيْعِ فَيَعْلَمَ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَيَقُومَ بِمُجَرَّدِ مَا يَبْلُغُهُ الْخَبَرُ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ، إِنْ شَاءَ أَنْفَذَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْبَيْعَ.
د - الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ لاَ يَكُونَ حَاضِرًا مَجْلِسَ الْعَقْدِ فَيَعْلَمَ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَلاَ يَقُومَ إِلاَّ بَعْدَ الْعَامِ وَنَحْوِهِ، فَالْبَيْعُ نَافِذٌ وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الثَّمَنُ.
هـ - الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ لاَ يَكُونَ حَاضِرًا وَيَبْلُغُهُ الْخَبَرُ وَيَسْكُتُ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.
و - الْحَالَةُ السَّادِسَةُ: أَنْ يَقَعَ التَّفْوِيتُ بِالْهِبَةِ أَوِ الصَّدَقَةِ، وَقَدْ كَانَ حَاضِرًا مَجْلِسَ التَّفْوِيتِ وَاعْتَرَضَ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ.
ز - الْحَالَةُ السَّابِعَةُ: مِثْلُ سَابِقَتِهَا إِلاَّ أَنَّهُ سَكَتَ فِي مَجْلِسِ التَّفْوِيتِ، ثُمَّ أَبْدَى اعْتِرَاضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ.
ح - الْحَالَةُ الثَّامِنَةُ: أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ التَّفْوِيتِ فَيَقُومُ بِمُجَرَّدِ مَا يَبْلُغُهُ الْخَبَرُ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ.
ط - الْحَالَةُ التَّاسِعَةُ: أَنْ يَقُومَ بَعْدَ الْعَامِ وَنَحْوِهِ فَالْقَوْلُ لِلْحَائِزِ.
تَفْوِيتُ الْبَعْضِ وَلَهُ أَحْوَالٌ:
وَكَذَلِكَ إِذَا فَوَّتَ الْبَعْضَ لَهُ أَحْوَالٌ:
الْحَالَةُ الأْولَى: إِذَا فَوَّتَ الأْكْثَرَ، فَمَا فَاتَ حُكْمُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ وَالْقَلِيلُ قَد اخْتُلِفَ فِيهِ، فَرَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الأْقَلَّ يَتْبَعُ الأْكْثَرَ يَسْتَحِقُّهُ الْحَائِزُ بِيَمِينِهِ، وَفُهِمَ مِنْ كَلاَمِ سَحْنُونٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لاَ يَرَى أَنَّ الأْقَلَّ تَبَعٌ لِلأْكْثَرِ، فَيَكُونُ لِلْمَحُوزِ عَلَيْهِ حَقُّهُ بَعْدَ يَمِينِهِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا فَوَّتَ الأْقَلَّ فَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَتَانِ أَنَّ الأْقَلَّ قَدْ تَمَّتْ حِيَازَتُهُ وَيَبْقَى الأْكْثَرُ عَلَى حَالِهِ يُطَبَّقُ فِيهِ مَقَايِيسُ الْحِيَازَةِ السَّابِقَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ الأْقَلَّ يَكُونُ تَبَعًا لِلأْكْثَرِ فَلاَ يَرْتَفِعُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ وَيَأْخُذُ الْمَحُوزُ عَلَيْهِ حَقَّهُ.
وَإِذَا فَوَّتَ النِّصْفَ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، وَلاَ يَكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ تَبَعًا لِلْبَعْضِ.
تَأَخُّرُ الْحِيَازَةِ عَنْ ثُبُوتِ حَقِّ الْمِلْكِيَّةِ:
23 - إِذَا مَلَكَ شَخْصٌ مَالاً بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ وَتَأَخَّرَ حَوْزُهُ لَهُ فَهَلْ يُعْتَبَرُ هَذَا الْحَوْزُ مُسْقِطًا لِحَقِّهِ؟ أَنَّهُ إِنْ أَعْلَمَ وَجْهَ التَّمَلُّكِ وَتَأَخَّرَ الْحَوْزُ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ لاَ تُؤَثِّرُ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ لِقَوْلِهِ صلي الله عليه وسلم : «لاَ يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» وَبِنَاءً عَلَى هَذَا فَإِذَا عَيَّنَ لاِمْرَأَةٍ صَدَاقَهَا حُقُولاً فَقَبَضَتِ الْبَعْضَ مِنْ يَدِ الزَّوْجِ أَوْ وَالِدِهِ، وَبَقِيَ قِسْمٌ لَمْ تَقْبِضْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ الْمَالِكُ الأْصْلِيُّ وَالْيَدُ لِلزَّوْجِ فَإِنَّ طُولَ الْمُدَّةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي مُطَالَبَتِهَا بِحَقِّهَا وَتَسْتَحِقُّهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا فَوَّتَتْ صَدَاقَهَا بِمُفَوِّتٍ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِّ أَنَّ مَنْ قَامَ بِعَقْدِ شِرَاءٍ مِنَ الْمُقَّوَمِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ أَبِيهِ قَبْلَهُ، وَتَارِيخُ الشِّرَاءِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَالَ لَمْ يَعْلَمْ بِشِرَاءِ أَبِيهِ وَلاَ جَدِّهِ إِلَى الآْنَ فَلْيَحْلِفْ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْخُذُ الأْمْلاَكَ. ا هـ. عَلَّقَ عَلَيْهِ الرَّهُونِيُّ وَلاَ يَعْتَرِضُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ رُسُومَ الأْشْرِيَةِ لاَ يُنْزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ حَائِزٍ، لأِنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَقْدُ الشِّرَاءِ مِنَ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ، لأِنَّ عِلَّةَ عَدَمِ الاِنْتِزَاعِ بِعُقُودِ الأْشْريَةِ أَنَّ الإْنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ مَا لاَ يَمْلِكُ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ مُنْتَفِيَةً إِذَا كَانَ الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ هُوَ الْبَائِعَ، كَانَ رَسْمُ الشِّرَاءِ مُؤَيِّدًا لِلْقَائِمِ تَأْيِيدًا يُوجِبُ رَفْعَ يَدِ الْحَائِزِ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْحَقِّ وَلَمْ يَحُزِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَإِنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ لاَ يَنْتَفِعُ بِطُولِ الْحِيَازَةِ، وَالْقَائِمُ يَكُونُ عَلَى حَقِّهِ مَتَى قَامَ بِهِ. وَوَرَثَةُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَذَلِكَ لأِنَّ الْحِيَازَةَ لاَ يَنْتَفِعُ بِهَا إِلاَّ مَعَ جَهْلِ أَصْلِ الدُّخُولِ فِيهَا، وَالطُّولُ الْمَذْكُورُ قِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً عَلَى مَا وَقَعَ فِي سَمَاعِ عِيسَى فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ، وَحَدَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ خَمْسِينَ سَنَةً وَحَكَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَدَقَّقَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا ادَّعَى الْحَائِزُ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ أَنَّهُ صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِوَجْهٍ عَيَّنَهُ مِمَّا يَصِحُّ بِهِ انْتِقَالُ الأْمْلاَكِ، وَأَمَّا طُولُ بَقَائِهِ وَحْدَهُ بِيَدِهِ فَلاَ يُعْتَبَرُ نَاقِلاً لِلْمِلْكِ.
الْحِيَازَةُ كَسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِيَّةِ:
24 - تَكُونُ الْحِيَازَةُ مُفِيدَةً لِلْمِلْكِيَّةِ إِذَا كَانَ مَوْضُوعُهَا الْمَالَ الْمُبَاحَ الَّذِي لَيْسَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ وَقْتَ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ يَمْنَعُ مِنْ تَمَلُّكِهِ وَيَشْمَلُ أَنْوَاعًا أَرْبَعَةً:
أ - إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ (ر: إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ، وَأَرْضٌ).
ب - الاِصْطِيَادُ (ر. صَيْدٌ).
ج - أَخْذُ الْكَلأَ وَنَحْوِهِ (ر: احْتِشَاشٌ، وَكَلأَ).
د - أَخْذُ مَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِ الأْرْضِ (ر. مَعَادِنُ، رِكَازٌ).
هَذَا، وَهُنَاكَ مَسَائِلُ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالْحِيَازَةِ، كَضَرُورَتِهَا فِي عَقْدِ الْهِبَةِ، وَعَدَمِ تَمَامِ التَّبَرُّعِ بِدُونِهَا، وَأَثَرُهَا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ وَتَعْيِينُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَثَرُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ عَلَى الْحِيَازَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ، تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (تَبَرُّعٌ، دَعْوَى، رَهْنٌ، شَهَادَةٌ، قَبْضٌ، هِبَةٌ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العشرون ، الصفحة / 166
خِيَارُ الْكَمِّيَّةِ
التَّعْرِيفُ:
1- (الْكَمِّيَّةُ)، مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ مِنْ (كَمْ) وَهِيَ الأْدَاةُ الْمَوْضُوعَةُ فِي اللُّغَةِ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمِقْدَارِوَخِيَارُ الْكَمِّيَّةِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، عَلَى مَا عَرَّفَهُ صَاحِبُ الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ: خِيَارُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ وَالْمُرَادُ بِهِ (حَقُّ الْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ لِخَفَاءِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ عِنْدَ التَّعَاقُدِ).
وَيُسَمَّى هَذَا الْخِيَارُ خِيَارَ الْكَمِّيَّةِ، لأَِنَّهُ بِسَبَبِ جَهْلِ كَمِّيَّةِ الثَّمَنِ، لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ رُؤْيَةً مُفِيدَةً، بَلْ يُرَى فِي وِعَاءٍ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ.
وَهَذَا الْخِيَارُ شَدِيدُ الشَّبَهِ مِنْ حَيْثُ الْغَرَضُ، بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ فِيهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لاَ يَثْبُتُ فِي النُّقُودِ.
وَلِهَذَا الْخِيَارِ تَطْبِيقَاتُهُ - عَلَى قِلَّتِهَا - لَكِنَّهُ يَقَعُ فِي حَالِ الْمُسَاوَمَاتِ الْوُدِّيَّةِ، وَفِي الْمُصَالَحَةِ عَنِ الْحُقُوقِ، فَيَلْجَأُ الْمُبَادِلُ إِلَى تَقْدِيمِ صُرَّةٍ مِنَ الْمَالِ أَوْ رَبْطَةٍ مِنَ الأْوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ بَلْ فِي الْمُبَايَعَاتِ الْعَادِيَةِ أَحْيَانًا يَشْتَرِي الشَّخْصُ شَيْئًا بِمَا فِي جَيْبِهِ أَوْ حَقِيبَتِهِ مِنَ النُّقُودِ دُونَ بَيَانِ الْمِقْدَارِ، وَإِثْبَاتُ هَذَا الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ عِنْدَ مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ، يُحَقِّقُ تَمَامَ التَّرَاضِي.
مَشْرُوعِيَّتُهُ:
2- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْخِيَارِ، وَأَدْرَجُوهُ فِي عِدَادِ الْخِيَارَاتِ الَّتِي أَحْصَوْهَا، وَرَأَوْا أَنَّهُ مُكَمِّلٌ لِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِثُبُوتِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى خِيَارِ الْعَيْبِ، فَهُوَ عَلَى هَذَا خِيَارُ نَقِيصَةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ ثُبُوتُهُ عِلاَجًا لِلْجَهَالَةِ - وَهِيَ الَّتِي ثَبَتَ لأِجْلِهَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ - دَرْءًا لِلْجَهَالَةِ وَتَخْفِيفًا لِلْغَرَرِ. وَصَنِيعُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمُقَارَنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ يَدْنُو بِهِ إِلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَكَأَنَّهُ هُوَ، لَوْلاَ تَخْصِيصُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ بِالأْعْيَانِ، وَأَمَّا خِيَارُ الْكَمِّيَّةِ فَهُوَ لِلنُّقُودِ.
أَحْكَامُ خِيَارِ الْكَمِّيَّةِ:
3- مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَوَصْفُهُ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مِنَ الزُّمْرَةِ الَّتِي تُدْعَى: الأْثْمَانُ الْمُطْلَقَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَثْبُتُ مُطْلَقَةً عَنِ الإْشَارَةِ إِلَيْهَا وَلِذَا اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ الْمِقْدَارِ وَالْوَصْفِ لِتَنْتَفِيَ الْجَهَالَةُ الْفَاحِشَةُ الَّتِي تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ وَالتَّسَلُّمَ. بِخِلاَفِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ. فَالْعِلْمُ بِالْمِقْدَارِ: كَأَنْ يَقُولَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَالْعِلْمُ بِالصِّفَةِ: أَنْ يُحَدِّدَ الدَّرَاهِمَ بِأَنْ يَنْسُبَهَا النِّسْبَةَ الْمُمَيِّزَةَ لَهَا عَنْ غَيْرِهَا إِذَا كَانَ ثَمَّةَ دَرَاهِمُ مُخْتَلِفَةٌ، فَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ دَفْعَ الأْدْوَنِ، وَالْبَائِعُ يَطْلُبُ الأْرْفَعَ، فَلاَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ شَرْعِيَّةِ الْعَقْدِ.
وَالْعَقْدُ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَا حَلَّ بِهِ، أَوْ بِمَا يُرِيدُ الْمُشْتَرِي، أَوْ بِمَا يُحِبُّ، أَوْ أَنْ يَجْعَلَ الثَّمَنَ رَأْسَ الْمَالِ أَوْ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ أَوْ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَى فُلاَنٌ، وَلَمْ يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِقَدْرِ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ. أَمَّا لَوْ عَلِمَ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ .
وَمِنْهُ مَا لَوْ بَاعَهُ بِمِثْلِ مَا يَبِيعُ النَّاسُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا لاَ يَتَفَاوَتُ. وَمِنْهُ أَنْ يَبِيعَ عَلَى قَدْرِ مَا بَاعَ بِهِ - وَقَدِ اخْتَلَفَ مَا بَاعَ بِهِ - أَوْ عَلَى مَا يَبِيعُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَهَذَا فَاسِد.
4- وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مُسَمًّى بِالْعَدَدِ وَالنَّوْعِ بَلْ كَانَ مُشَارًا إِلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الإْشَارَةُ إِلَى ذَاتِهِ أَوْ إِلَى وِعَائِهِ، فَفِي الإْشَارَةِ الْمُبَاشِرَةِ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَتِ الدَّرَاهِمُ فِي يَدِهِ وَهِيَ مَرْئِيَّةٌ لَهُ، فَإِنَّهُ بِقَبُولِ الْعَقْدِ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ، فَلاَ خِيَارَ لَهُ، وَالْوَجْهُ فِي هَذَا أَنَّ الْبَاقِيَ هِيَ جَهَالَةُ الْوَصْفِ (يَعْنِي الْقَدْرَ) وَهِيَ لاَ تَضُرُّ، إِذْ لاَ تَمْنَعُ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُشَارًا إِلَيْهِ وَلَكِنَّهُ فِي وِعَاءٍ مَانِعٍ مِنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ - وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ - كَمَا لَوْ كَانَ فِي صُنْدُوقٍ أَوْ خَابِيَةٍ، ثُمَّ رَأَى الثَّمَنَ بَعْدَئِذٍ بَادِيًا دُونَ وِعَاءٍ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، لأِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ قَبْلُ مِقْدَارَهُ مِنَ الْخَارِجِ. كَمَا لَوْ كَانَ فِي صُرَّةٍ. فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ التَّخْيِيرِ، لأِنَّهُ عَرَفَ الْمِقْدَارَ.
أَمَّا صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَدْ فَصَّلَ فِي الْعِبْرَةِ عَلَى أَسَاسِ مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا مِنْ خَارِجٍ، فَإِنْ كَانَتْ تُعْرَفُ فَلاَ خِيَارَ، وَإِنْ كَانَتْ لاَ تُعْرَفُ مِنَ الْخَارِجِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ بِمَثَابَةِ الْخَابِيَةِ. وَالضَّابِطُ فِي هَذَا: «أَنَّ الْوِعَاءَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الثَّمَنِ إِنْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى مَا فِيهِ. (دَلاَلَةً تَقْرِيبِيَّةً) فَلاَ يَثْبُتُ مَعَهُ خِيَارُ الْكَمِّيَّةِ، وَإِلاَّ ثَبَتَ الْخِيَارُ.
وَقَدْ تَعَرَّضَ الشَّافِعِيَّةُ لِمَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُسَمًّى وَلاَ مُحَدَّدًا، بَلْ كَانَ صُرَّةً مِنَ الدَّرَاهِمِ تَمَّتِ الْمُبَادَلَةُ بِهَا جُزَافًا لاَ يَعْلَمُ وَاحِدٌ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَدْرَهَا، لَكِنَّهَا مُشَاهَدَةٌ مِنْهُمَا، صَحَّ الْبَيْعُ بِلاَ خِلاَفٍ. لَكِنْ هَلْ يُكْرَهُ الْبَيْعُ بِصُرَّةِ الدَّرَاهِمِ جُزَافًا؟ فِيهِ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ، أَصَحُّهُمَا: يُكْرَهُ، وَبِهِ قَطَعَ الشِّيرَازِيُّ وَآخَرُونَ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ وَالثَّانِي: لاَ يُكْرَهُ، لأِنَّهَا مُشَاهَدَةٌ.