لا يحل للرجل أن يتزوج أخت امرأته التى فى عصمته ولا أخت معتدته ولا عمة أحد منهما ولا خالتها ولا بنت أخيها ولا بنت أختها فإذا ماتت المرأة المانعة أو وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بطلاق أو خلع أو فسخ زال المانع وجاز له بعد إنقضاء عدتها أن يتزوج أختها أو غيرها من محارمها المتقدم ذكرهن .
لا يحل للرجل أن يتزوج أخت امرأته التى فى عصمته ولا أخت معتدته ولا عمة أحد منهما ولا خالتها ولا بنت أخيها ولا بنت أختها فإذا ماتت المرأة المانعة أو وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بطلاق أو خلع أو فسخ زال المانع وجاز له بعد إنقضاء عدتها أن يتزوج أختها أو غيرها من محارمها المتقدم ذكرهن .
1 ـ من شروط صحة الزواج محلية المرأة وأن لا يقوم بها سبب من أسباب التحريم ومنها الجمع بين الأختين, والمحققون من الحنفية على إنه إذا تزوج أحداهما بعد الأخرى جاز زواج الأولى وفسد زواج الثانية وعليه أن يفارقها أو يفرق القاضى بينهما ، فإن فارقها قبل الدخول فلا مهر ولا عدة ولا تثبت بينهما حرمة المصاهرة و لا النسب و لا يتوارثان ، و إن فارقها بعد الدخول فلها المهر وعليها العدة ويثبت النسب ويعتزل من إمرأته حتى تنقضى عدة أختها - وإذ كان الحكم المطعون فيه قد جرى فى قضائه على إعتبار عقد زواج الثانية باطلاً ولا يثبت به نسب فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه .
(الطعن رقم 2 لسنة 33 جلسة 1965/04/28 س 16 ع 2 ص 515 ق 84)
2 ـ لما كان الحكم المطعون فيه قد عرض إلى دفاع الطاعنين المؤسس على عدم علمهما بحكم الشرع فى قيام التحريم فى الجميع بين الاختين فى فترة العدة للاخت المطلقة و رد عليه بما مفاده أن المأذون الشرعى ...... أفهم الطاعن الأول بقيام المانع الشرعى الذى يحول بين زواجه بأخت زوجته الأولى المطلقة إلا بعد انقضاء عدة الأخيرة كما أن المتهمة الثانية تعلم ذلك لكونها شقيقة الزوجة المطلقة و التى ظلت تقيم معها بمنزل الزوجية حتى تاريخ الطلاق و هذا الذى خلص إليه الحكم سائغ و يوفر فى حقهما القصد الجنائي لديهما فى الجريمة التى دينا بها هذا فضلاً عن أنه من المقرر أنه يشترط لقبول الاعتذار بالجهل بحكم من احكام قانون آخر غير قانون العقوبات أن يقيم من يدعى هذا الجهل الدليل على أنه تحرى تحريا كافيا و أن اعتقاده الذى اعتقده بأنه يباشر عملاً مشروعا كانت له أسباب معقولة . لما كان ذلك ، و كان دفاع الطاعنين بحسن نيتهما فى إتمام زواجهما لجهلهما بوجوب إنقضاء عدة الزوجة الأولى من الطاعن الأول لا ينهض بمجرده سنداً للتمسك بالإعتذار بالجهل بحكم من أحكام قانون الأحوال الشخصية ، الذى يحرم الجمع بين الأختين حتى إنقضاء عدة الطلاق الرجعى من الزوج شرعا ما دام لم يقدما الدليل القاطع على أنهما تحريا تحريا كافيا و أن اعتقادهما الذى اعتقداه بأنهما يباشران عملاً مشروعاً كانت له أسباب معقولة و هو ما لا يجادل الطاعنان فى أنهما لم يقدما الدليل عليه إلى محكمة الموضوع بل ثبت للمحكمة قيام العلم فى حقهما للاسباب المار ذكرها ، فإن النعى على الحكم فى هذا المنحى يكون بعيدا عن الصواب .
(الطعن الجنائي رقم 4533 لسنة 57 جلسة 1989/02/02 س 40 ص 160 ق 29)
المحرمات مؤقتاً
١- زوجة الغير ومعتدته : يحرم على المسلم أن يتزوج بامرأة هي زوجة غيره أو معتدته فإذا كانت المرأة زوجيتها بغيره قائمة حقيقية بأن لم تقع بينهما فرقة بأي سبب أو قائمة حكما بأن كانت في العدة بعد الفرقة فإنه يحرم عليه التزوج بها . لكن إذا انقطعت هذه الزوجية بتاتا بأن طلقت الزوجة أو مات عنها زوجها وانقضت عدتها فإن هذا التحريم يزول لزوال سببه .
والدليل على هذا التحريم قوله تعالى في بيان المحرمات : ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) والمراد هنا بالمحصنات المتزوجات فهن من المحرمات . وقوله تعالى في شأن المعتدة من وفاة : ( وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ) أي ولا تبرموا عقد الزواج حتى تنقجن، والحكمة في هذا منع الإنسان من الاعتداء على غيره بالتزوج من زوجته أو معتدته ، وحفظ الأنساب من الاختلاط والضياع ولهذا لم يفرق الشارع بين ما إذا كانت زوجة للغير بزواج صحيح . أو مدخولا بها بعد زواج فاسضي العدة وقوله سبحانه في شأن المطلقات : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ) أي ينتظرن ولا يتزود . أو بناء على شبهة. لأنها في الحالات الثلاث فراش يثبت نسب ولدها من زوجها أو ممن دخل بها .
وأما لو كانت المرأة حاملا من الزنا فإنها لم يقم بها سبب هذا التحريم لأنها لا هي زوجة للغير ولا معتدته فيحل التزوج بها لمن زنا بها ولغيره غير أنه إذا تزوجها من زنى بها فلا يحرم عليه قربانها في الحال . وأما إذا تزوجها غير الزاني بها فإنه يحرم عليه أن يدخل بها قبل أن تضع حملها لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماؤه زرع غيره ».
۲ - الجمع بين محرمين : يحرم على المسلم أن يتزوج بامرأتين محرمتين أي تحرم إحداهما على الأخرى بأي سبب من أسباب التحريم . لو فرضت أحدهما رجلا .
فلا يحل له أن يجمع بين الأختين ولا بين البنت وأمها أو عمتها أو خالتها لقوله تعالى : ( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ) و ولقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم » وذلك لأن العداوة بين الضرائر لا تخفي .
فالمرأتان المحرمتان لا يحل الجمع بينهما بالزواج لا حقيقة بأن يجعلهما معا في عصمته ولا حكما بأن يتزوج الثانية وما تزال الأولى في عدته لأنها مادامت في عدته فهي زوجته حكما . ولا فرق بين أن يكونا محرمتين بسبب النسب أو بسبب الرضاع فالأختان رضاعا كالأختين نسبا لا يحل الجمع بينهما لأن الشارع لا يبيح ما يقطع الصلة ويفكك الروابط ويجعل ذوات القربى ضرائر .
ولابد أن تكون الحرمة بينهما ثابتة من الجانبين على معنى أن أية واحدة منهما لو فرضت رجلا حرمت عليه الأخرى فلو كانت الحرمة من جانب واحد جاز الجمع بينهما فيجوز الجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل لأنه لو فرضت البنت رجلا ما جاز له أن يتزوج بامرأة أبيه ، ولكن لو فرضت المرأة رجلا جاز له التزوج بالبنت لأنه لا صلة بينهما بقرابة أو رضاع فالحرمة من جانب واحد ولهذا جاز الجمع.
ولو أقدم رجل على الجمع بين الحرمين وتزوج الأختين مثلا فإما أن يتزوجهما بعقد واحد أو بعقدين فإن تزوجهما بعقد واحد وليس بواحدة منهما مانع فسد عقده عليهما وتجري على هذا العقد أحكام الزواج الفاسد فيجب الافتراق على المتعاقدين وإلا فرق بينهما القضاء وإذا حصل التفريق قبل الدخول فلا مهر لواحدة منهما ولا يترتب على مجرد هذا العقد أثر وإن حصل بعد الدخول فللمدخول بها مهر المثل أو الأقل من مهر المثل والمسمى ويترتب على الدخول بها سائر الآثار التي تترتب على الدخول بعد الزواج الفاسد ، أما إذا كان بإحداهما مانع شرعى بأن كانت زوجة غيره أو معتدته مثلا والأخرى ليس بها مانع فإن العقد بالنسبة للخالية من المانع صحيح وبالنسبة للأخرى فاسد تجري عليه أحكامه .
وإن تزوجهما بعقدين متعاقبين واستوفى كل واحد من العقدين أركانه وشروطه و علم أسبقهما فهو الصحيح واللاحق فاسد. وإن استوفى أحدهما فقط شروط صحته فهو الصحيح سواء كان السابق أو اللاحق .
وإن لم يعلم أسبقهما أو علم و نسی كأن يوكل رجلين بتزويجه فيزوجانه من اثنتين يتبين أنهما أختان ولا يعلم أسبق العقدين أو علم ونسي فالعقدان غير صحيحين لعدم المرجح وتجري عليهما أحكام الزواج الفاسد .
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 51 ـ 52 ـ 53 )
القسم الثاني :
المحرمات مؤقتا
تعداد :
سبق أن ذكرنا أن المحرمات مؤقتا، هن من كان سبب تحريمهن أمرا قابلا للزوال، فيكون التحريم ما بقى هذا الأمر، فإذا زال انتهى التحريم، والمحرمات مؤقتا ستة أنواع هي:
1- المتعلق حق الغير بها بزواج أو عدة.
2- المطلقة ثلاثا حتى تتزوج غير مطلقها.
3- زواج الملاعنة ممن لاعنها حتى يكذب نفسه.
4- الجمع بين محرمين.
5- الجمع بين أكثر من أربع زوجات.
6- المرأة التي لا تدين بدين سماوي.
ونعرض لهذه الأنواع بالتفصيل على النحو الآتي:
أولا : المتعلق حق الغير بها بزواج أو عدة:
لا يحل لرجل أن يعقد على زوجة الغير أو معدته، لتعلق حق الغير بها، ويلحق بذلك من تعلق بها حق الغير بدخول في زواج فاسد أو دخول بشبهة، أو عدة فيهما.
وقد ثبت تحريم زوجة الغير في القرآن في تعداد المحرمات بقوله تعالى:(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ، فإن المراد بالمحصنات هذا المتزوجات. وقد استثنت هذه الآية المملوكات بملك اليمين، وهن المسبيات في الحرب وقد كن متزوجات إذا وقع السبي عليهن وحدهن من غير الأزواج، فالمرأة ذات الزوج في دار الحرب إذا سبيت وحدها فقد وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب اختلاف الدار فيحل الزواج بها.
وثبت تحريم المطلقات في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ومعنى تربص المطلقة: انتظارها المدة المذكورة بدون أن تتزوج.
. وقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ). ومعنى الآية إن شككتم في عدة المرأة الآيسة وجهلتم ذلك فعدتها ثلاثة أشهر، ومثلها التي لم تحض في أن عدتها ثلاثة أشهر.
وقوله تعالى:(وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، فإن وضع الحمل ينهي العدة، سواء كانت العدة لطلاق أو وفاة.
وثبت تحريم المعدات من وفاة صراحة بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
وقوله تعالى: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، ، والمقصود حتى تنقضي العدة. وهذه الآية وإن وردت في المعتدة بسبب وفاة زوجها فهي تشمل المعتدة من طلاق وحكمة تحريم الزواج في العدة، هي المحافظة على الأنساب ومنع الخلط فيها، وهو أمر تحرص عليه الشريعة الإسلامية أشد الحرص.
كما أن الطلاق سواء كان رجعيا أو بائنا، تبقى فيه بعض آثار الزوجية، ويحق للرجل مراجعة زوجته دون عقد أو مهر جديدين، إن كان الطلاق رجعيا، وله الزواج نها بعقد ومهر جديدين إن كان الطلاق بائنا بينونة صغرى، وفي التزوج بها في فترة العدة اعتداء على حق الزوج وهو ما يدعو إلى البغضاء والكراهية بين المطلق والزوج الجديد وقد يمتد ذلك إلى أسرتيهما.
ومادام المانع من زواج المعتدة هو تعلق حق الغير بها، فيجوز لمن فارق المرأة أن يتزوجها وهي معتدة منه.
وإذا تزوج الرجل من زوجة الغير أو معتدته من طلاق رجعي مع علمه بالتحريم، كان زواج باطلا، فإذا لم يكن عالما بذلك كان زواجه فاسدا.
أما إذا تزوج لرجل من معتدة الغير من طلاق بائن كان زواجه فاسدا، لأن في الزواج منها ما يدعو إلى الاشتباه.
ثانيا : المطلقة ثلاثا حتى تتزوج غير مطلقها:
قال تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ .... فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).
فمن طلق امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره زواجا صحيحا - ليس باطلا أو فاسدا - ويدخل بها، ثم يطلقها أو يموت عنها فتنتهي عدتها.
ولابد من الدخول، حتى ولو كان الزوج الأول لم يدخل بها. وقد بينت السنة أن الزواج الثاني لا يحمل المرأة للزوج الأول، إلا إذا دخل بها دخولا حقيقيا.
فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، فتزوجنى عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة (بضم الهاء وسكون الدال الثوب) فتبسم النبي عليه السلام وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ».
ويكتفي في الدخول، بالتقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل ولا يشترط الإنزال، لأن الشرط الذوق لا الشبع، وقد أشار الرسول عليه السلام في الحديث بالتصغير لتقليل القدر الذي لابد منه في حصول الاكتفاء به.
ويحل الجماع، ولو كان الذكر ملفوفا بخرقة، مادام الرجل يجد لذة حرارة المحل، فلو أولج الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجماع لا بقوته بل بمساعدة اليد لا يحلها إلا إذا انتعش وعمل، والمقصود بالعمل أن يكون له نوع انتشار يحصل به إيلاج كي لا يكون بمنزلة إدخال خرقة في المحل.
ولا يثبت التحليل بجماع الصغير الذي لا يجامع مثله لأنه لا يجد لذة أصلا، وقدر سن الجماع بعشر سنين.
ويحل الجماع ولو في حيض ونفاس أو صوم فرض أو إحرام، وإن كان حراما.
وإن تزوجت مجنونا، فإنها لا تحل حتى تحبل لوجود الدخول حكما.
ولو مات عنها زوجها قبل الوطء لا تحل، وإن كان الموت كالدخول في إيجاب العدة وتقرير المهر المسمى، لأن الشرط هو الوطء.
والحكمة من التحريم في هذه الحالة، أن تطليق الرجل امرأته مرة ثالثة بعد مرتين سابقتين، يدل على استحكام الخلاف بينهما، وحاجتهما إلى علاج أنجح من مجرد الطلاق والرجعة، وذلك بمنع الزوج من مراجعتها حتى تجرب غيره من الرجال، فإما أن توفق إلى زوج يلائمها ويبحث هو عن امرأة تلائمه، وإما أن يطلقها الثاني فيستردها الأول بزواج جديد، بعد أن تكون قد عرفت قدرها وعرفت فضله فتستأنف الحياة الزوجية من جديد على أساس من المحبة والوئام.
فضلا عن أن التحريم يدعو الرجل إلى التروي في الطلاق، لأنه إذا علم أن المرأة لا تحل له بعد أن يطلقها ثلاث مرات إلا إذا نكحت زوجا غيره فإنه يتردد كثيرا في الطلاق، لأن ذلك مما تأباه شهامة الرجال وعزتهم.
زواج المحلل :
المحلل هو الشخص الذي يتزوج المطلقة ثلاثا بعد انقضاء عدتها، ويدخل بها، ثم يطلقها ليحلها للزوج الأول. وقد اختلف الأحناف في زواج المحلل.
فذهب أبو حنيفة وزفر إلى صحة عقد زواج المحلل إذا اشترطت المرأة على الرجل أن يكون زواجها به زواج تحليل الغرض منه تمكنها من العودة إلى الزوج الأول، أو اشترط الرجل ذلك. لأن هذا الشرط فاسد، وعقد الزواج لا يبطل بالشروط الفاسدة، وإن كان ذلك مكروها. كراهة التحريم المنتهضة سببا للعقاب لقوله عليه السلام: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال : هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له».
أما لو نويا التحليل ولم يقولا به فلا عبرة به، ويكون الرجل مأجورا لقصده الإصلاح.
ويرى أبو يوسف أن عقد الزواج الثانى فاسد، لأنه زواج مؤقت ولا يحل المرأة على الأول لفساده.
ويرى محمد صحة العقد الثاني ولكنه لا يحلها للزواج الأول لأنه استعجل ما أخره الشارع فيجازى بمنع مقصوده كقاتل المورث، الذي يجازى بقصده بحرمانه من الميراث.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 9 / 10 / 1971 في الطلب رقم 481 لسنة ۱۹۷۱ بالرأي الذي ذهب إليه أبو حنيفة وزفر فقد جاء بفتواها أنه :
«اختلف علماء الحنفية فيما إذا شرطت المرأة على الزوج الثاني أن يكون زواجها به زواج تحليل الغرض منه تمكنها من العودة إلى الزوج الأول فقال أبو حنيفة وزفر أن هذا الزواج صحيح متى كان العقد مستوفيا لأركانه وشروط صحته، وشرط التحليل شرط فاسد لا تأثير له، لأن النكاح لا يفسد بالشروط الفاسدة، فيلغى الشرط ويبقى النكاح على الصحة، فإذا طلقها الزوج الثاني وانقضت عدتها منه فإنها تحل للأول، ولكنه يكون مكروها كراهة تحريمية بسب ذلك الشرط، لأنه ينافي المقصود من الزواج في نظر الشريعة. فاشتمال العقد على ذلك الشرط يورثه الكراهة، ويجعل زواج الأول بالمرأة بعد فراقها من الثاني مكروها أيضا، وعلى هذه الكراهة يحمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم (لعن الله المحلل والمحلل له). فإن الكراهة التحريمية تستوجب العقوبة. وقال أبو يوسف أن نكاح التحليل فأسد ولو حصل فيه دخول، لأنه في معنی النكاح المؤقت الذي اتفق على فسادة أئمة المذهب ما عدا زفر، فلا فرق عنده بين النكاح المؤقت والنكاح بقصد التحليل. وقال محمد أن زواج و التحليل في ذاته زواج صحيح، ولكنه لا يحل المرأة لزوجها الأول معاملة لها بنقيض مقصودها. وبما أن السائل يقرر في طلبه أن زوجته تزوجت بزوج آخر بقصد تحليلها، وكان ذلك بعلمها، وأن الزوج الأخر دخل بها دخولا حقيقيا ثم طلقها، فإنه يصح له أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها من الزوج الآخر ولكن يكون هذا الزواج مكروها، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة وزفر هو ما نختاره للفتوى والله سبحانه وتعالى أعلم».
كما أفتت بتاريخ 12 / 10 / 1969 في الطلب رقم 532 لسنة 1969 بأن :
«اتفق فقهاء الحنفية على أن نية التحليل إذا كانت مجردة عن اشتراطه بالقول في العقد فلا تفسد الزواج بل يكون صحيحا وتحل به المطلقة لزوجها الأول متى فارقها زوجها الثاني بعد الدخول وانقضاء العدة ذلك لأن النية المجردة لا تأثير لها في صحة العقود والتصرفات فنية التحليل الباطنية كنية التوقيت الباطنية ليس لشيء منهما أثر يمنع صحة الزواج. ولكن هذا إذا أضمر هذا الغرض في النفس ولم يكن هناك ما يدل على أن التحليل متفق عليه بين الزوج والزوجة وأهلهما. وعلى ذلك فيكون زواج السائلة بالزوج الثاني بعد انقضاء عدتها من زوجها الأول مع كتم نية التحليل في نفسها زواجا صحيحا " شرعا تترتب عليه آثاره ومنها حل المعاشرة التي تمت بينهما وبطلاقه لها وانقضاء عدتها منه أصبحت تحل لزوجها الأول ومن ثم يكون رجوعها لزوجها الأول رجوعا صحيحا شرعا تترتب عليه آثاره ومما يذكر يعلم الجواب عن ز السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم».
ثالثا : زواج الملاعنة ممن لاعنها حتى يكذب نفسه :
الزوجة الملاعنة هي التي قذفها زوجها بالزنا، أو نفي نسبة ولدها إليه.
وقد جاء في سورة النور حكم اللعان في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) ، فإذا رمى الرجل امرأته بالزنا أو نفي نسبة ولدها منه، حلف أربع مرات أنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين وأن تحلف المرأة عند تكذيبه أربع مرات، أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن عليها غضب الله إن كان من الصادقين.
واللعان مأخوذ من اللعن، لأن الملاعن يقول في الخامسة: «أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين»، وقيل هو الإبعاد، وسمي المتلاعنان بذلك، لما يعقب اللعان من الإثم والإبعاد ولأن أحدهما كاذب فيكون معلونا، وقيل لأن كل واحد منهما يبعد عن صاحبه بتأبيد التحريم.
ويذهب أبو حنيفة وداود إلى أن الزوج إذا أقام شهودا على الزنا فليس له أن يلاعن لأن اللعان إنما جعل عوضا عن الشهود.
وإذا تمت الملاعنة فرق بين الزوجين، ولا تقع الفرقة عند أبي حنيفة إلا حكم القاضي. والفرقة عنده طلقة بائنة.
وإذا كان اللعان على نفي الرجل ابنه، انتفي نسب الولد من أبيه و لحق بأمه.
والزوجة الملاعنة تحرم على زوجها، والسبب في ذلك أن الثقة بينها وبين زوجها قد فقدت، ولا يمكن أن يقوم زواج ليس أساسه الثقة واطمئنان الرجل إلى أهله في المحافظة على عرضها وعرضه.
فإذا كذب الرجل نفسه، فقال أبو حنيفة يجلد وجاز له أن يعقد على المرأة من جديد، لأن الاكذاب رجوع والشهادة بعد الرجوع لا حكم لها، وبعد هذا الرجوع تكون الثقة قد عادت بين الزوجين فيمكن استئناف الحياة الزوجية بينهما من جديد.
أما الجمهور ومعه أبو يوسف، فيذهبون إلى أنه إذا افترق المتلاعنان فلا يجتمعان أبدا فتثبت بينهما حرمة مؤبدة كحرمة الرضاع وإذا كانت حرمة مؤبدة فلا تكون طلاقا بل فسخا، واستندوا في ذلك إلى حديث الرسول عليه السلام المتلاعنان إذا افترقا لا يجتمعان أبدا.
رابعا : الجمع بين محرمين:
يقتضي تناول حرمة الجمع بين محرمين، أن نعرض للقاعدة في تحريم الجمع، وسند التحريم، وحكمته، ثم حكم الجمع بين محرمین.
(أ) القاعدة في تحريم الجمع بين محرمين:
المقصود بالمحرمية أنه إذا فرض وكانت إحدى المرأتين رجلا حرمت على الرجل الأخرى، وكان التحريم متبادلا بينهما. ومثال ذلك المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها أو بنت أخيها أو بنت أختها، لأنها إذا كانت المرأة في هذه الأمثلة ذكرا حرمت عليه أخته وعمته وخالته وبنت أخيه وبنت أخته، وكذلك لو كان كل من هؤلاء ذكرا حرمت تلك المرأة عليه، لأنها تكون أما أختا أو ابنة أو ابنة أخت أو خالة له.
أما إذا كان التحريم ثابتا من جهة واحدة أي غير متبادلة بين المرأتين، فلا تثبت حرمة الجمع، ومثال ذلك المرأة وزوجة سابقة لأب، فلو فرض أن المرأة ذكرا حرمت عليها زوجة أبيها السابقة، أما لو فرضت زوجة الأب السابقة ذكرا فإنها لا تحرم على البنت، لأنه لا يمكن اعتبارها في هذا الفرض زوجة أب، ومن ثم يجوز الجمع بين المرأتين وزوجة أبيها السابقة، وهو ما يعبر عنه بالجمع بين الربيبة وزوجة أبيها.
ويحرم الجمع بين المحارم، سواء كانت المحرمية سببها النسب أو كان سببها الرضاع، فلا يجوز مثلا أن يجمع الرجل بين أختين من الرضاع أو امرأة وابنة أخ لها من الرضاع لأنها عمتها، وكذلك كل محرمية من الرضاع ويحرم الجمع بين المحارم إذا كانت الزوجية قائمة، أو فارق الرجل زوجته، وكانت تقضي عدتها، سواء كانت معتدة من طلاق رجعي أو بائن، أما إذا انقضت العدة فإن المانع يكون قد زال ولا يوجد جمع بين محرمتين في عصمته، وكذلك إذا كانت الزوجة الأولى قد توفيت.
(ب) سند التحريم:
ثبت تحريم الجمع بين المحارم بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)، ومعنى العبارة الأخيرة إلا ما تقدم في الجاهلية فإنكم لا تؤاخذون بذلك.
وأما السنة فقوله عليه السلام: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها»، وزاد في بعض الروايات، إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم.
فالآية تقيد حرمة الجمع بين الأختين والحديث يفيد حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فضلا عن أن ذلك نهی مأخوذ من دلالة نص الآية السابقة، لأنه إذا كان الجمع بين الأختين حراما خشية إيحاش قلبها بالعداوة فأولى أن يحرم الجمع بين المرأة وعمتها لأن كلتيهما بمنزلة الأم والرحم بينهما واجبة الوصل.
وقد انعقد الاجتماع على تحريم الجمع بين سائر المحرم أما سند تحریم الجمع بين المحرمين بالرضاعة فهو قول الرسول عليه السلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
(ج) حكمة التحريم:
حكمة تحريم الجمع بين محرمين هي المحافظة على صلة الرحم ورابطة القرابة القريبة، لما هو معلوم من وقوع الخلافات والمنازعات والمشاجرات بين الضرتين، ونشوء أساليب الكيد بينهما بدافع الغيرة. الأمر الذي يؤدي معه الجمع بين محرمين - وصلة القرابة وثيقة بينهما – إلى تفكك الرباط الذي يجمعهما وتفشي البغض والكراهية بينهما، وهو ما يمتد بطبيعة الأمور إلى ذويهما ويؤدى إلى قطع صلة الأرحام، وقد أوضح النبي عليه السلام هذه الحكمة بقوله في الحديث السابق: (إنكم أن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم).
(د) : حكم الجمع بين محرمين:
إذا جمع الرجل بين محرمين في عقد واحد، كان عقد الاثنتين فاسدا، لأنه لا أسبقية لإحدى الزوجتين على الأخرى.
أما إذا كان متزوجا بامرأة، ثم تزوج بمحرم بعدها، فزواج الثانية فاسدا.
وقد قضت محكمة النقض بجلسة 28 / 4 / 1965 في الطعن رقم 2 لسنة 33 ق أحوال شخصية بأن الجمع بين الأختين يجعل الزواج بالثانية فاسدا. (الحكم منشور ببند 64). كما أفتت بذلك دار الإفتاء المصرية بتاريخ 4 / 9 / 1961 وقد جاء بفتواها.
«لا خلاف بين العلماء في حرمة الجمع بين الأختين لقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف)، وإذا جمع الرجل بين أختين في عقدين فإن العقد الثانی فاسد، وتعبير بعض المؤلفين أن هذا العقد باطل يريد به الفساد الاتفاق الجميع على أن يترتب على هذا العقد أحكام النكاح الفاسد من وجوب العدة على المرأة عند الدخول وثبوت نسب الولد المتولد من هذا النكاح، ولو كان العقد باطلا بالمعنى المعروف فقها لما ترتبت عليه هذه الأحكام .. وإذا كان الأمر كما ذكر فإن عقد الرجل المذكور على أخت زوجته يكون عقدا فاسدا، ويثبت نسب البنت المتولدة منه من هذا الرجل، وتكون أختا من الأب لبنته الأخرى المتولدة من زوجته الأولى وترثها شرعا إذا لم يكن هناك وارث يحجبها طبقا الأحكام المواريث والله أعلم).
ولكن إذا توفيت الزوجة جاز للزوج أن يتزوج بأختها دون انتظار مدة.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 27 / 1 / 1987 بأن:
«اطلعنا على هذا السؤال ونفيد بأنه يحل لهذا الرجل أن يتزوج أخت زوجته المتوفاة بلا انتظار مدة. فقد جاء في الحامدية. رجل ماتت زوجته المدخول بها ولها أخت فهل له تزوج أختها بعد موتها بيوم.
الجواب: نعم كما جاء في الخلاصة عن الأصل للإمام محمد...الخ؟
وبهذا يعلم أنه يجوز لهذا الرجل أن يتزوج بأخت زوجته المتوفاة عقب - وفاتها دون انتظار مدة. والله سبحانه وتعالى أعلم».
خامسا - حرمة الجمع بين أكثر من أربع زوجات:
يحرم الجمع بين أكثر من أربع زوجات في عصمة الرجل، فإذا كان متزوجا من أربع وأراد الزواج من خامسة كان عليه أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، و يتريث حتى تنقضي عدتها سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا.
وحرمة الجمع بين أكثر من أربع زوجات ثابتة من القرآن والسنة والإجماع.
فقد قال تعالى في سورة النساء (الآية 3) ( إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ) .
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن عيلان الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي عليه السلام أن يختار منهن أربعا ويفارق البواقي .
وعن قيس بن الحارث أنه أسلم وعنده ثمان نسوة، فقال له الرسول عليه السلام: «اختر منهن أربعا وفارق البواقي».
وعن نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة فقال له الرسول عليه السلام: «أمسك أربعا وفارق الأخرى».
وقد انعقد إجماع المسلمين على إباحة التعدد قولا وعملا في حياة الرسول عليه السلام من بعده حتى الآن من جمع كبار الصحابة بين أكثر من واحدة ومنهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن سفيان ومعاذ بن جبل، وكذا فقهاء التابعين وغيرهم مما لا يعد كثرة، كما أقروا من جمع بالزواج بين أكثر من واحدة في عصمته.
ولا يصح الاستدلال على إباحة الجمع بين أكثر من أربع بتعدد أزواج النبي عليه السلام، فإن الآية السابقة مع الوقائع المروية - تدلان على أن إباحة الزيادة على الأربع كانت خاصة به عليه السلام، فضلا عن أن خوف الجور منه غير موهوم.
والتعدد ليس واجبا ولا مندوبا، والإسلام عندما أباح التعدد لم يجعل هذا أمرا محتما يتقيد به المسلم، وإنما أراد بالتعدد أن يكون رخصة للمسلم.
وقد أباح الإسلام تعدد الزوجات لأسباب ملحة عديدة منها :
1- إشباع غرائز بعض الرجال الذين تأبى غريزتهم الاكتفاء بزوجة واحدة، فلابد من أن يكون في الشريعة من السعة واليسر ما يرضي المعتدل ويرضى المفرط الذي لو سددنا عليه باب التعدد لفتح لنفسه باب الزنا.
2- إتاحة فرصة الإنجاب، إذا كانت الزوجة الأولى لا تنجب لعقم أو مرض، فيستطيع الرجل التزوج بأخرى وهي في عصمته فتتجنب الزوجة الأولى مغبة الطلاق.
٣- حل مشكلة تعرض بعض الشعوب إلى نقص في عدد الرجال بسبب الحروب، مما ينتج عنه وجود نساء لا أزواج لهن، فيكون في إباحة التعدد تخليصهن من العزوبة وشرورها.
وإباحة التعدد ليست مطلقة وإنما مقيدة بشرطين أساسيين:
الأول: القدرة على الإنفاق، وهذا الشرط ليس مقصورا على حالة التعدد بل هو شرط أساسي عام لمن يريد أن يتزوج، فمن عجز عن الإنفاق على زوجة واحدة لا يحل له شرعا أن يتزوج بامرأة أخرى.
والثاني: العدل بين الزوجات. فإذا كان الرجل غير قادر على العدل بين زوجاته، فإنه يحرم عليه الزواج بأكثر من واحدة.
وقد قال تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا) أي أقرب ألا تجوروا .
وقال الرسول عليه السلام: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» والعدل المطلوب بين الزوجات يكون في المسائل التي تكون في مقدور الإنسان، كالنفقة والمبيت، أما المسائل التي لا يملكها الإنسان ولا سيطرة له عليها - كالمحبة والمودة والجماع فلا يتطلب فيها العدل.
وكان الرسول عليه السلام يقسم فيعدل ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك».
وقد بين الله تعالى أن العدل في الأمور التي لا يملكها الإنسان غير ممكن ولو حرص عليه أشد الحرص، ولكنه دعا إلى عدم الميل المحظور بحيث تكون الزوجة كأنها معلقة لا هي مطلقة ولا هي ذات بعل..
فقد قال تعالى: ( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا).
حرمة الزواج من المرأة التي ليس لها دين سماوي :
(أ) المقصود بالمرأة التي ليس لها دين سماوي :
لا يحل لرجل مسلم أن يتزوج من المرأة التي ليس لها دين سماوي.
والمرأة التي ليس لها دين سماوي هي المشركة.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ( وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ).
والمشركة هي من تعبد الأوثان أو الشمس أو النجوم أو الصورة ومن تعتقد بمذهب يكفر به معتنقه واختلف في حل الزواج من الصابئات.
فأحل أبو حنيفة الزواج منهن لأنه يرى أن لهن كتابا هو زبور داود ولكنهم يعظمون الكواكب كتعظيم المسلمين للكعبة.
ويرى الصاحبان عدم حل الزواج بهن لأنهن يعبدون الكواكب.
والصحيح أنهم إن كانوا يعبدون الكواكب حقيقة فليسوا أهل كتاب وإن يعظمونها كتعظيم المسلمين للكعبة فهم أهل كتاب.
والمجوس نسبة إلى مجوس، هم عبدة النار لا يجوز نكاحهم بإجماع الأئمة الأربعة.
فقد قال الله تعالى: وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ)، فقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن أهل الكتاب هما طائفتان سابقتان على الإسلام، فلو كان المجوس من أهل الكتاب لكان أهل الكتاب ثلاث طوائف فيؤدي ذلك إلى الخلف في خبره عز وجل، وذلك محال. على أن هذا الذي ورد في الآية لو كان حكاية عن قول المشركين لكان دليلا أيضا على أن المجوس ليسوا كتابيين، لأنه حكى القول عنهم ولم يعقبه بالإنكار عليهم وتكذيبهم.
وقد قال عليه السلام «وسنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب، غيرناکحی نسائهم، ولا آکلی ذبائحهم»، وهذا دليل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب.
وحكمة التحريم هي أن التباين التام في العقيدة بين المشركة وبين المسلم لا تحسن معه عشرة ولا يحقق السكن والمودة اللذين هما من أهم مقاصد الزواج، كما أنه يخشى منه على النسل أن ينشأ على أخلاق أهل الشرك وعقائدهم.
وقد بين الله تعالى علة التحريم بقوله: (أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ)
(ب) حرمة الزواج من المرتدة :
تلحق بالمشركة في حرمة الزواج منها، المرتدة على دين الإسلام، لأن الردة في معنى الشرك، فالمرتدة لا تقر على الملة التي انتقلت إليها ولو كان خروجها عن الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية، فحكمها أن تحبس حتى تتوب أو تموت.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 23 يناير سنة 1950 في « طلب صاحب العزة وكيل نيابة عابدين «الإفتاء عن أمرأة مسيحية أسلمت بأن :
«اطلعنا على كتاب عزتكم رقم 4573 وعلى الأوراق المرافقة له ونفيد أن هذه المرأة تعتبر مسلمة من وقت اعتناقها الدين الإسلامي الحنيف ومرتدة بعد إسلامها إذا كانت قد أقرت في عقد زواجها بالمسيحي الصادر في 26 / 5 / 1946 بأنها مسيحية وزواج المرتدة باطل فلا يعتد بعقد زواجها بالمسيحي لأنه عقد باطل كما أن زواجها بالمسلم باطل أيضا إذا بقيت على ردتها فإن أقرت حين زواجها بالمسلم بأنها مسلمة عدت مسلمة بهذا الإقرار وكان زواجها به صحيحا - وهذا حيث كان الحال كما جاء بالأوراق المنوه عنها آنفا، والله تعالى أعلم».
كما أفتت بأن:
1- «إنه نص في الدر المختار في آخر باب نكاح الكافر جـ۲ ص 545 على أنه لا يصح أن ينكح مرتد أو مرتدة أحدا من الناس مطلقا وقال العلامة ابن عابدين في رد المحتار تعليقا على قول الدر (مطلقا) أي مسلما أو كافرا أو مرتدا وهو تأكيد لما فهم من النكرة في النفي أه. والذي يستفاد من النصوص الفقهية الأخرى أن الزواج بالمحرمة حرمة مؤبدة أو مؤقتة إن كانت هذه الحرمة معروفة وقت العقد فالعقد باطل وإن لم تكن معروفة وقت العقد فالعقد فاسد لا باطل. والعقد الفاسد يترتب عليه بعد الدخول الحقيقى وجوب العدة وثبوت النسب. وحينئذ فالذي نراه أن العقد الذي جرى بين هذين المتعاقدين بعد ارتداد هذه الزوجة عن الإسلام يعتبر في نظر الشريعة الإسلامية عقدا باطلا إن كانت الحرمة معروفة وقته ولا يترتب عليه أي آثر من آثار الزوجية الصحيحة أما إذا كانت الحرمة غير معروفة وقت العقد فيكون العقد فاسدا لا باطلا ويترتب عليه وجوب العدة وثبوت النسب. هذا ما ظهر لنا ومنه يعلم الجوب عن السؤال والله سبحانه وتعالى أعلم».
(فتوی صادرة بتاريخ 7 / 10 / 1957)
«إن المنصوص عليه شرعا كما جاء في الدر المختار والمنتقى شرح ملتقى الأبحر وغيرها من المعتبرات في المذهب. أن المرتدة عن الإسلام لا يصح أن تتزوج أحدا من الناس مطلقا والحبس حتى تتوب وتعود إلى الإسلام فلو تزوجت المرتدة حال ردتها يعتبر زواجها باطلا شرعا ويجب التفريق بينها وبين من تزوجته جبرا عنهما ولا يترتب على هذا الزواج أى أثر من آثار الزواج الصحيح شرعا وهذا إذا كانت الحرمة بينهما معروفة لهما عند العقد وأما إذا كانت الحرمة غير معروفة عند العقد كان زواجها بالمسيحي فاسدا لا باطلا وبدخول زوجها المسيحي بها فإن هذا الزواج الفاسد يترتب عليه شرعا وجوب مهرها على الزوج وثبوت نسب الولد الذي تحمل به من الدخول في هذا الزواج ووجوب العدة على الزوجة بعد التفريق بينها وحرمة المصاهرة ولا يترتب عليه غير ذلك من آثار الزواج الصحيح الشرعي فلا تجب به نفقة ولا طاعة ولا بتوارث الزوجان ولا يحل استمتاع أحدهما بالآخر مما سبق من النصوص يتضح أن زواج هذه المرأة بزوجها الرابع المسيحي وهو لا يعلم شيئا عن حقيقتها. زواج فاسد شرعا تترتب عليه الآثار السابقة ومنها عدم وجوب شيء من نفقة الزوجية لها عليه بسبب هذا الزواج وهي ما دامت مرتدة لا دين لها ولا يقبل منها شرعا غير التوبة والعودة إلى دين الإسلام لأن المرتد لا دين له حتى يتوب ويرجع إلى الإسلام والله سبحانه وتعالى أعلم».
(فتوی صادرة بتاريخ 30 / 1 / 1960)
وفي هذا قضت محكمة النقض بتاريخ 24 / 12 / 1975 في الطعن رقم 9 لسنة 44 ق (أحوال شخصية) بأن: .
ولما كان من المقرر شرعا - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن زواج المسلمة بغير المسلم كتابيا كان أم غير كتابي حرام باتفاق ولا ينعقد أصلا، كما أن المرأة المسلمة إذا ارتدت ثم تزوجت لا ينعقد لها زواج، لما كان ذلك فإن معاشرة والدة الطاعنين لوالد المطعون عليه سواء قبل ردتها أو بعدها محرمة شرعا لا تنتج فراشا ولا تثبت نسبا يتولد عنه أي حق في الميراث ..... الخ».
ويعتبر اعتناق الديانة البهائية ردة عن الإسلام، ومن ثم يحرم الزواج من البهائية، ويكون عقد زواجها من المسلم وغيره باطلا.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 25 / 3 / 1968 بأن :
«إن السيد - أ. س. ج. (موضوع السؤال كان مسلما من أبوين مسلمين وثابت في شهادة ميلاده وبطاقته الشخصية أنه مسلم ثم اعتنق الدين البهائي أو نسب إليه اعتناقه كما يقول هو - ومن اعتنق الدين البهائي يكون مرتدا عن الدين الإسلامي - وحكم المرتد شرعا أنه يستتاب ويعرض عليه الإسلام وتكشف شبهته إن كانت فإن تاب فيها وإلا قتل شرعا. وبما أن المذكور يريد التوبة والعودة إلى دينه الأصلى (الإسلام) وقد كان العمل جاريا قبل إلغاء المحاكم الشرعية على أن من خرج عن أحكام الدين الإسلامي ثم أراد التوبة يعمل له إشهاد توبة أمامها ويسجل في الدفاتر والمضابط الرسمية ولما ألغيت المحاكم الشرعية أحيلت أعمال التوثيق بها إلى مصلحة الشهر العقارى والتوثيق، ولا مانع مطلقا من إحالة الأوراق إلى مصلحة الشهر العقارى والتوثيق لعمل إشهاد توبة للشخص المذكور أمامها. والله أعلم».
(أيضا الفتوى الصادرة بتاريخ 8 / 12 / 1981 في الطلب رقم ۳۲۹ لسنة ۱۹۸۰).
وإذا كانت المرتدة متزوجة وقعت الفرقة بينها وبين زوجها وهذه الفرقة فسخ لاطلاق عند الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف المفتى برأيهما وفسخ النكاح هو رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن، فإذا عادت الزوجة إلى الإسلام، وجب تجديد عقد الزواج بينها وبين زوجها، لزوال العقد الأول وبطلانه بالرد.
ويسري هذا الحكم على ردة الزوج.
(ج) حل زواج الكتابيات:
يجوز للمسلم الزواج من الكتابية. والأصل في ذلك قوله تعالى:
( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ).
والمراد بالمحصنات هنا العفيفات، وليست العفة شرطا في إباحة التزوج بالكتابيات، وإنما ذكرن بهذا الوصف حضا للمسلمين على اختيار ما هو الأصلح منهن.
وإنما أبيح التزوج بالكتابية أولا: لما بينها وبين المسلم من الملاءمة باعترافها بالله وإيمانها بالرسل إجمالا وباليوم الآخر، وما فيه من حساب فمثلها يؤمن على النفس والمال وثانيا: لإزالة الحواجز بين أهل الكتاب وبين الإسلام، وقد يكون ذلك حافزا للكتابية على الدخول في دين الإسلام إذا أحسن زوجها عشرتها على الدين الإسلامي.
والكتابية هي التي تؤمن بنبي مرسل مقرة بكتاب منزل كصحق إبراهيم وشيث وزبور داود - أو مسيحية ولو اعتقدت أن المسيح إله، أو يهودية ولوا اعتقدت أن عزيرا إله.
غير أنه يكره التزوج بالكتابية إلا للضرورة، لأن المحبة الصادقة والتعاون الوثيق والأمن على دين الولد لا تتم إلا باتحاد الزوجين في الدين، وخاصة في هذا الزمن الذي قوي فيه سلطان النساء على الرجال، ولأن يعول المسلم بماله مسلمة خير من أن يعول غيرها.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
«اطلعنا على هذا السؤال والجواب أنه يجوز للمسلم أن يتزوج بمسيحية ولو كانت له زوجة مسلمة إلا أن الأولى أن لا يقدم على ذلك إلا للضرورة منعا لما يتعرض له الولد من التأثر بعبادات أمه الدينية. ففى المبسوط للإمام السرخسی «وكذلك إن تزوج الكتابية على المسلمة أو المسلمة على الكتابية جاز» أ.ه. وفي الهداية ويجوز تزوج الكتابيات لقوله تعالى: (والمحصنات - أي العفائف - من الذين أوتوا الكتاب) قال في الفتح (والأولى أن لا يفعل إلا للضرورة).
ومن هذا يعلم الجواب عن السؤال حيث كان الحال كما ذكر به. والله تعالى أعلم».
(فتوی صادرة بتاريخ 31 / 5 / 1948)
«يجوز في الشريعة الإسلامية تزوج المسلم بالكتابية مسيحية كانت أو موسوية متى كان الزوجان خاليين من موانع الزواج مكلفين وأجريا عقد زواجهما بإيجاب من أحدهما وقبول من الآخر في مجلس العقد أمام شاهدين سامعين فاهمين أن ما أجرياه أمامهما هو عقد زواج، كان هذا العقد ص حيحا وترتب عليه آثاره ولا يشترط لصحته أن يكون الشهود فيه مسلمين، ومن ذلك يعلم بأنه يجوز للمسلم أن يتزوج من كتابية يهودية كانت أو نصرانية، هذا إذا كان الحال كما ورد بالسؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم».
(فتوی صادرة بتاريخ 5 / 3 / 1990)
(د) بيانات وثيقة زواج المسلم بالكتابية :
ذكرنا سلفا أن توثيق زواج المسلم بالكتابية أصبح من اختصاص مكاتب التوثيق، وكانت وزارة العدل قد أعدت وثيقة خاصة بزواج المسلم بالكتابية دونت فيها بثلاث لغات: العربية والإنجليزية والفرنسية، أهم الحقوق والواجبات التي يرتبها العقد على الطرفين، و أوجبت على الموثق قراءة هذه البيانات على الطرفين قبل العقد حتى يكونا على بينة من الأمر عند الإقدام على الزواج، وقد نص في هذه الوثيقة على ما يأتي:
1- أنه يجوز للزوج أن يتزوج بمثنى وثلاث ورباع في آن واحد رغما من معارضة الزوجة التي تكون في عصمته متى لم يكن هناك مانع شرعي.
2- وله أن يطلق زوجته متى شاء، قبلت ذلك الزوجة أو لم تقبل، وله أن يمنعها عن الخروج من منزله إلا بإذنه، وله أن يطلبها إلى مسكنه الشرعي ويلزمها بطاعته جبرا على الوجه الشرعيه.
3- طلاق الزوج لزوجته إن كان رجعيا فله الحق في مراجعته إياها بدون رضاها مادامت في عدته، أما إذا كان الطلاق بائنا فليس له مراجعتها إلا برضاها وبعقد ومهر جديدين، وإذا كان الطلاق ثلاثا فلا تجوز له حتى تنكح زوجا غيره ثم يطلقها أو يموت عنها.
4- إذا طلق الزوج زوجته فإن كان سمى لها مهرا وكان الطلاق قبل الدخول بها فلا تستحق إلا نصف المهر المسمى، وإن كان الطلاق من بعد الدخول بها تستحق مهرها بتمامه، فإذا كان عجل لها منه شيئا طالبته بباقيه وإن لم يكن سمى لها مهرا وطلقها قبل الدخول بها فلا تستحق عليه سوی کسوة مبينة في الشرع، وإن كان الطلاق بعد الدخول تستحق على الزوج مهر مثلها بحسب تقدير القاضي أو اتفاق الطرفين. وكذلك تستحق نفقة العدة إن كان الطلاق بعد الدخول ولا تستحقها إن كان قبله وتقدير قيمتها يكون بمعرفة القاضي أو تراضى الطرفين.
5- إذا كان للزوجة من زوجها أولاد يكونون تابعين في الدين لمذهب الزوج المسلم، فإذا طلقها بائنا يكون لها الحق في إرضاع أولادها بأجرة على والدهم، وكذلك حضانة أولادها تكون من حقها بالقيمة التي قررها القاضي الشرعي أو يتفق عليها الطرفان وتكون مدة الحضانة سبع سنين للابن وتسع سنين للبنت ما لم ير القاضي خلاف ذلك لمانع) .
6- أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث فلا يرث أحد الزوجين الأخر إذا مات حرمة زواج المسلمة بغير المسلم:
لا يحل للمسلمة أن تتزوج غير المسلم سواء كان مشركا أو من أهل الكتاب لقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ) . وعلة التحريم أن المؤمنة إذا عاشرت الكافر كان له سلطان عليها وقد يتعرض لها بما يؤذيها أو يخضعها لسلطانه حتى تألف دينه وينشرح صدرها له فترتد عن دينها. وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
۱- «وسئل: مسلمة خالية من الأزواج. وقد تزوجت بغیر مسلم بعقد فهل يكون هذا الزواج صحيحا أو يكون باطلا؟ ولا يترتب عليه احكام الزواج الشرعية.
أجاب:
نعم يكون هذا النكاح باطلا ويلزم التفريق بينهما ولا يترتب عليه شيء من أحكام النكاح الصحيح والله أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 26 من ذي القعدة سنة ۱۳۲۷هـ)
أيضا الفتوى الصادرة بتاريخ 19 / 11 / 1928 م - والفتوى الصادرة بتاريخ 26 / 6 / 1957 م في الطلب رقم 1663 لسنة 1957)
«أن زواج المسلمة من مسیحی باطل شرعا ويلزم التفريق بينهما ولا يترتب عليه شيء من أحكام النكاح الصحيح لأن هذه المرأة تعتبر مسلمة من تاريخ اعتناقها الدين الإسلامي الحنيف.
وتعتبر مرتدة إذا كانت قد أقرت في عقد زواجها بالمسيحي الصادر سنة ۱۹۷۱م بأنها مسيحية. وزواج المرتدة باطل أيضا.
وعلى ذلك فلا يعتد بعقد زواجها بالمسيحي لأنه عقد باطل سواء أكانت مرتدة أم مسلمة. وبما أن السائلة تقول في طلبها أنها مسلمة إلى الآن وأنها كانت تجهل أحكام الإسلام وأنها عرضت الإسلام على زوجها المسيحي فأبي. فإن زواجها هذا يقع باطلا ولا يترتب على هذا الزواج شيء من أحكام النكاح الصحيح ويجب التفريق بينهما شرعا. والله سبحانه وتعالى أعلم».
(فتوی صادرة بتاريخ 15 / 4 / 1983 م في الطلب رقم 86 لسنة ۱۹۸۳)
إسلام الزوجين أو أحدهما :
إذا أسلم الزوجان المشركان أو الكتابيان، وكان زواجهما صحيحا في حكم الإسلام، أقرا على نكاحهما، لأنه لا يوجد ما يبرر التفرقة بينهما.
أما إذا كان الزواج غير صحيح منذ إنشائه، ولم يكن فيه اعتداء على حق مسلم، ولكن وقت الإسلام كانا بحال يجوز إنشاء عقد الزواج فيها، كما إذا تزوجا بغير شهود أو في عدة غير مسلم - على الخلاف في ذلك فإنهما يقران على نكاحهما، لأن الفساد لتخلف شرط الابتداء وليس شرطا للبقاء ولأنهما يستطيعان إنشاء عقد الزواج في الحال فيكون من العبث الفسخ ثم الإنشاء.
وإذا كانا وقت إسلامهما بحيث لا يمكنهما إنشاء عقد الزواج بأن وجد مانع من ذلك، كأن تكون الزوجة من محارم الزوج نسبا أو مصاهرة أو رضاعا، أو كانت مطلقة ثلاثا فتزوجها قبل أن تنكح غيره ويدخل بها، كان زواجهما باطلا واستمر سبب بطلانه، وتعين التفرقة بينهما دون حاجة إلى قضاء.
وإذا أسلمت الزوجة وحدها، وكان في الإمكان استئناف الحياة الزوجية بحكم العقد السابق، عرض الإسلام على الزوج كتابيا أو مشركا، فإن أسلم بقی الزواج، وإلا فرق القاضي بينهما، فالزواج لا يفسخ بإسلام المرأة إلا بقضاء القاضي.
وهذه الفرقة طلاق بائن عند أبي حنيفة ومحمد، وفسخ عند أبي يوسف.
أما إذا أسلم الزوجة وحده، وكان في الإمكان استئناف الحياة الزوجية بحكم العقد السابق، وكانت الزوجة كتابية بقى الزواج لأنه يجوز للمسلم الزواج من كتابية، وأن كانت مشركة عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت أو اعتنقت دينا سماويا کالنصرانية أو اليهودية بقى الزواج، وإلا فرق القاضي بينهما، والتفرقة بسبب إبائها فسخ باتفاق.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:
«إذا أسلم الزوج قبل أن يفرق القاضي بينه وبين زوجته التي أسلمت بقى الزواج ولا يحتاج إلى تجديد عقده لا أمام المأذون ولا أمام المحكمة.. الخ».
(فتوى صادرة بتاريخ 13 / 7 / 1945)
«المنصوص عليه في مذهب الحنفية أنه إذا أسلمت المرأة وزوجها غير مسلم وكانا في دار الإسلام عرض عليه الإسلام من القاضي فإن أسلم فهی امرأته وإن أبى فرق بينهما. أما إذا كانا في غير دار الإسلام وأسلمت الزوجة وزوجها غير مسلم لم تقع الفرقة بينهما حتى تحيض ثلاث حيض إن كانت ممن تحضن. وإلا فبعد مضي ثلاثة أشهر، ثم تبين من زوجها إن لم يسلم قبل انقضاء هذه المدة. قال صاحب الهداية: وإذا أسلمت المرأة وزوجها كافر عرض عليه الإسلام فإن أسلم فهي امرأته وإن أبى فرق القاضي بينهما. لأن المقاصد قد فاتت فلابد من سبب تنبني عليه الفرقة. والإسلام طاعة فلا يصح سببا فيعرض الإسلام لتحصل المقاصد بالإسلام أو تثبت الفرقة بالإباء. ثم قال وإذا أسلمت المرأة في دار الحرب وزوجها كافر لم تقع الفرقة بينهما حتى تحيض ثلاث حيض ثم تبين من زوجها. وهذا لأن الإسلام ليس سببا للفرقة والعرض على الإسلام متعذر لقصور الولاية ولابد من الفرقة دفعا للفساد. فأقمنا شرطها وهو مضى الحيض مقام السبب. ولا فرق بين المدخول بها وغير المدخول بها. وقال صاحب الفتح. تعليقا على قول صاحب الهداية حتى تحيض ثلاث حيض إن كانت ممن تحضن. وإلا فثلاثة أشهر فإن أسلم الآخر قبل انقضاء هذه المدة فهما على نكاحهما. وإن لم يسلم حتى انقضت وقعت الفرقة. وقال صاحب تبيين الحقائق: ولو أسلم أحدهما في دار الحرب لم تبن حتى تحيض ثلاثا. فإذا حاضت ثلاثا بانت. قال: وكذلك الحكم إذا خرج أحدهما إلى دار الإسلام بعد إسلام أحدهما في دار الحرب لا تقع الفرقة بينهما حتى تحيض ثلاث حيض لعدم ولاية القاضي على من بقي في دار الحرب. فما لم يجتمعا في دار الإسلام لا يعرض على المصر سواء خرج المسلم أو الآخر. ثم إذا وقعت الفرقة بعد انقضاء الحيض الثلاث تلزمها العدة عند الصاحبين ولا تلزمها عند أبي حنيفة. وبما أن هذه المرأة قد أسلمت في النمسا بتاريخ 15 / 11 / 1965 وزوجها يهودي مقيم بالنمسا فلا تقع الفرقة بينهما إلا بعد مضي ثلاث حيض إن كانت ممن تحضن أو مضى ثلاثة أشهر إن كانت من غير ذوات الحيض من تاريخ إسلامها من غير حاجة إلى عرض الإسلام أو إلى حكمي القاضي. ثم إذا وقعت الفرقة بعد انقضاء الحيض الثلاث لزمها قبل أن تتزوج من آخر عدة عد الصاحبين ولا يلزمها عند أبي حنيفة. فيحل لها الزواج بعد انقضاء الحيض الثلاث الأول التي تقع بعدها الفرقة عنده وبعد انقضاء العدة عقب الفرقة عندهما. هذا ولا يحل لها أن تمكن زوجها اليهودي من أن يعاشرها معاشرة الأزواج من وقت إسلامها شرعا. كما أن خروجها إلى الجمهورية العربية المتحدة أو أي بلد إسلامي لا يغير الحكم بالنسبة لعدم وقوع الفرقة حتى تحيض ثلاث حيض من غير عرض الإسلام على الزوج لعدم ولاية القاضي على من بقي في غير دار الإسلام كما سبق بيانه. ويحل لها الزواج بعد مضي الحيض المذكورة سواء بقيت في النمسا أو خرجت وحدها إلى أي بلد إسلامي.. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال. والله تعالى أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 15 / 5 / 1966)
«نفيد: أنه يحرم على المسلمة أن تتزوج غير المسلم أيا كانت ديانته وهذا ثابت بقول الله تعالى في سورة الممتحنة في الآية رقم ۱۰ (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ) و بالأخبار الصحيحة التي استفاضت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نقل عنهم أنهم كانوا يفرقون بين النصراني وزوجه إذا أسلمت وبقى هو على دينه وقد فعل هذا عمر بن الخطاب وانعقد الإجماع على ذلك فكان حجة دائمة مفسر، للآية الكريمة المتقدمة التي فيها قوله تعالى: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) وبناء على هذا اتفق فقهاء المسلمين على أن المسلمة لا ينعقد زواجها على غير المسلم ويقع العقد باطلا وأنه إذا أسلمت الزوجة وزوجها باق على غير الإسلام يفرق بينهما. وإذا كان ذلك فماذا يجب توافره ليعتبر الشخص غير المسلم مسلما؟ الأمر الذي لا مراء فيه والجوهري في هذا المقام هو نطق غير المسلم بكلمة التوحيد (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن يبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام مع الإقرار بأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله إذا كان الشخص مسيحيا وأن يظهر منه الإذعان لكل ما جاء في القرآن الكريم وكل ما يثبت من الدين بالضرورة ومقتضى هذا أنه لا ينظر في الحكم على الشخص بالإسلام إلا بالظاهر فإذا شهد الشخص بشهادة الإسلام فهو مسلم بشرط ألا يظهر منه في عامة أحواله ما يناقض الإسلام إذ أن مجرد النطق بالشهادتين لا يثبت به الإسلام إذا كان ثمة ما يناقض معناهما أو ما يدل على أنه ما يزال على دينه القديم ولا حاجة متى ظهر إسلام الشخص إلى الإشهار الرسمي والتوثيق، لأن هذه وسيلة إثبات وإعلام فقط ويجوز إثبات اعتناق الإسلام بكافة طرق الإثبات الشرعية. وفي معنى ما تقدم من ضرورة أن يظهر على الشخص أمارات الإسلام وإلا يعمل ما يناقضه ما جاء في حاشية العقائد العضدية «لما كان التصديق أمرا مبطنا اعتبر معه ما يدل عليه وهو التصديق اللساني أي الإقرار. لأن التلفظ بالشهادة في الشرع قائم مقامه ما لم يظهر خلافه قولا أو عملا. وما جاء في شرح العقائد النفسية للتفتازاني (لو فرضنا أن أحدا صدق بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأقر به وعمل به ومع ذلك شد الزنار.. «فی القاموس أن الزنار ما يشد على وسط بعض النصارى والمجوس» بالاختيار أو سجد للصنم بالاختيار نجعله كافرا لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك علامة التكذيب والإنكار». وعلى هذا فإن من اتخذ الدين وسيلة لإشباع شهوة فقط دون أن تظهر منه أو عليه أية أمارات للمسلمين لا يعتبر مسلما فما بال من لا تزال أوراقه ومظاهره الدينية شاهده على استمساكه بالمسيحية فوق ما قام به من تزوير في اسم هذه السيدة المسلمة التي أغواها وأضلها حتى نسبها في أوراقها إلى غير دين الإسلام؟ ثم أن هذه السيدة في حال ثبوت أن ما تم من تغيير اسمها إلى ليلى أنيس بولس وديانتها إلى المسيحية كان بطلبها وإرادتها تعتبر به مرتدة عن دين الإسلام والمسلمة المرتدة حكمها الشرعي أن تستتاب وتنصح وتزال شبهتها الدينية بواسطة أحد علماء المسلمين الفاهمين للعقيدة وأحكام الشريعة فإن لم تتب وتقلع عن ردتها وتعود للإسلام تحبس حتى التوبة أو الموت. وهذا الحكم لا يتنافى مع الحرية الشخصية في العقيدة الأن حرية العقيدة لا تستتبع الخروج عن الإسلام بمؤثرات المادة أو التضليل. وردة المسلمة مخالف للنظام العام في الدولة التي تأمر القوانين بالتزامه فقد نص في المادة الثانية من الباب الأول من الدستور على أن: «دين الدولة الإسلام وأن لغتها الرسمية هي اللغة العربية وأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع» وهذا يقطع بأن نظام الدولة العام هو الإسلام وأن خروج المسلم أو المسلمة عن هذا الدين يعتبر خروجا على النظام العام للدولة الأمر الذي يستتبع المساءلة التأديبية على هذا الجرم الذي ارتكبته هذه السيدة مادامت المسالة الجنائية عن الردة متعذرة.
وخلاصة ما تقدم :
أولا: أن معاشرة الطبيب المسيحي المشكو للمرأة المسلمة منذ عام 1969 زنا إلا إذا أثبت أنه أسلم حقيقة وعقد عليها عقد زواج صحیح شرعا بعد الإسلام ولا يهم إن كان العقد عرفيا غير موثق أو موثقا.
ثانيا: الطفل المولود بينهما إن كان في ظل عقد شرعي بعد الإسلام فهو ثابت النسب من أبيه ويكون مسلما تبعا لأبويه المسلمين، وإذا لم يثبت إسلام هذا الطبيب والمعاشرة الزوجية في ظل عقد صحيح بعد الإسلام فإن هذا الطفل ينسب لأمه ولا يثبت نسبه لهذا الرجل لأنه ثمرة سفاح لا نکاح شرعی ويثبت النسب لهذه المرأة باعتبارها حالة ولادة طبيعية كأي لقيط حملت به أمه من الزنا وثبتت ولادتها إياه.
ثالثا: أن المرأة المسلمة لا يقبل منها شرعا الردة عن الإسلام وتستتاب وتحبس حتى ترجع عن ردتها أو تموت، ومثل هذه إذا ثبتت ردتها أنصح بإنزال أقصى عقاب تأديبي عليها مع العودة بها في أوراقها إلى الإسلام واتخاذ كافة ما تخوله القوانين من عقوبات ضدها وضد من أغراها وأضلها بعقد زواج باطل شرعا.
رابعا: عقد الزواج إن كان قد تم وهذا الطبيب على مسيحيته باطل لا أثر له ولا يرتب حل المعاشرة في نطاق أحكام الإسلام حسبما تقدم بیان سنده، ثم إذا كان العقد العرفي مكتوبا وفيه نطقه بالشهادتين وبحضور شاهدين مسلمين وتمت صيغته بإيجاب وقبول شرعيين فإنه يكون به مسلما ولكنه يعتبر مرتدا عن الإسلام بما أعقب هذا من الإجراءات التي اتخذها من تغيير اسمه وديانته ومظهره الذي يدل على انتمائه للمسيحية كل هذا إذا قام الدليل على تمام العقد وهو مسلم بالمعيار سالف البيان. وبعد فإنه إذا قصرت أحكام القوانين العقابية القائمة عن حماية عقيدة بناتنا المسلمات من المغريات والمضلات فإننا يجب أن نوجه العناية لهؤلاء المضللين المستغلين لسلطان الوظيفة أو المال وأن ندخل الدين واحترامه ضمن واجبات الموظف يساءل عن الخروج عليه وظيفيا باعتبار أن الدين من قوام شخصية الإنسان في نطاق النظام العام للدولة ومنه أن دينها الإسلام».
(فتوى صادرة بتاريخ 30 / 7 / 1979)
ويراعى أنه يكفي لاعتبار الشخص مسلما أن ينطق بالشهادة وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولا يجوز لقاضى الدعوى التطرق إلى بحث جديتها أو بواعثها ودوافعها، كما لا يلزم إشهار هذه الشهادة.
وفي هذا قضت محكمة النقض - دائرة الأحوال الشخصية - بأن :
۱- «الاعتقاد الديني - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - مسألة نفسانية وهو من الأمور التي تبنى الأحكام فيها على الإقرار بظاهر اللسان والتي لا يسوغ لقاضى الدعوى التطرق إلى بحث جديتها أو بواعثها ودوافعها. ولما كان والد المتوفاة قد أقر بأنه مسلم ونطق بالشهادتين بين يدي القضاء، فإنه لا يجوز التعرض لحقيقة إسلامه وصحة إيمانه».
(طعن رقم 44 لسنة 40 ق - جلسة 29 يناير سنة 1975).
۲- «المقرر شرعا - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة أن الاعتقاد الديني من الأمور التي بني الأحكام فيها على الأقوال بظاهر اللسان، والتي لا يجوز البحث في جديتها ولا فى بواعثها ودواعيها، وأن نطق الشخص بالشهادتين كاف في اعتباره مسلما».
(طعن رقم 51 لسنة 52 ق - جلسة 14 / 6 / 1983).
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 13 / 7 / 1945 بأن:
«.... إذا أسلم الزوج قبل أن يفرق القاضي بينه وبين زوجته التي أسلمت بقي الزواج ولا يحتاج إلى تجديد عقده لا أمام المأذون ولا أمام المحكمة... الخ».
الزواج من حبلى الزنا :
إذا كانت المرأة حبلى من الزنا فإنه يتعين التفرقة في جواز العقد عليها والدخول بها بين فرضين:
الأول: أن يكون الحمل ممن يريد العقد عليها، ففي هذا الفرض اتفق فقهاء الحنفية على جواز عقده، ووطئه لها.
الثاني: أن يكون الحمل من غيره، وفي هذا الفرض اختلف فقهاء الحنفية.
فذهب أبو حنيفة - في رواية – ومحمد إلى أنه يجوز العقد عليها من غير انقضاء عدة، ولكن لا توطأ حتى تضع.
وذهب أبو يوسف - ورواية عن أبي حنيفة - أنه لا يجوز العقد عليها حتى تضع الحمل لئلا يكون الزواج قد سقى ماؤه زرع غيره وقد نهى رسول الله عليه السلام (أن توطأ المسبية الحامل حتى تضع)، مع أن حملها مملوك له.
والرأي الأول هو الراجح في المذهب.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 5 / 4 / 1955 بأن:
«... عن الثاني: أما العقد على من حملت سفاحا قبل الوضع، فإن كان ممن حملت منه جاز العقد وحل له وطؤها ودواعيه باتفاق أئمة مذهب أبی حنيفة، وإن كان من غيره جاز العقد على المفتى به في هذا المذهب وحرم على الزوج وطؤها ودواعيه حتى تضع حملها للحديث المذكور.
عن الثالث: أما المأذون فإنه متى ثبت لديه من تحرياته الخاصة أن الحمل ليس من زواج شرعي - فإنه يجوز له إجراء العقد من تلقاء نفسه دون استصدار أمر من القاضي الشرعي ولا تبعة عليه في ذلك لأنه لم يخالف القواعد الشرعية كما ذكر - ونرى أن من الأوفق أن يشير في إشهاد الزواج أنها بكر حكما. وبهذا علم الجواب عن هذه الأسئلة والله سبحانه وتعالى أعلم»..
(أيضا الفتوى الصادرة بتاريخ 19 / 8 / 1929)
(راجع نقض 15 / 1 / 1991 طعن رقم 114 لسنة 58 ق «أحوال شخصية» منشور ببند 59).(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 207 )
عدة المختلعة :
فيرى جمهور الفقهاء أن عدة المختلعة كعدة المطلقة ، فإن كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاث حيضات ، أو ثلاثة أطهار ، ويري ابن القيم أن عدتها حيضة واحدة ، أخذا بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق بأهلها ، ويقول ابن تيمية هو مقتضى الشريعة فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة فيتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة ، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل وذلك يكفي في حيضه ، كالاستبراء .
ويري من يصوب راي الجمهور أن العدة من الأمور التعبدية لم تشرع البراءة الرحم وتروى الزوج فقط ، ولكنها شرعت أيضا لرعاية حق الزوج وحرمته ولحفظ ماء وجهها حتى لا يسئ الناس بها الظن ، وحفظا لحرمة أوليائها أيضا.(الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للإصدارات القانونية ، الصفحة : 495)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني والثلاثون ، الصفحة / 131
فَسْخ
التَّعْرِيفُ:
1 - الْفَسْخُ لُغَةً: يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ، مِنْهَا: النَّقْضُ أَوِ التَّفْرِيقُ، وَالضَّعْفُ فِي الْعَقْلِ وَالْبَدَنِ، وَالْجَهْلُ، وَالطَّرْحُ، وَإِفْسَادُ الرَّأْيِ، وَمِنَ الْمَجَازِ: انْفَسَخَ الْعَزْمُ وَالْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ: انْتَقَضَ، وَقَدْ فَسَخَهُ: إِذَا نَقَضَه.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ حَلُّ ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ أَوْ هُوَ ارْتِفَاعُ حُكْمِ الْعَقْدِ مِنَ الأَْصْلِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ هُوَ: قَلْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَيُسْتَعْمَلُ الْفَسْخُ أَحْيَانًا بِمَعْنَى رَفْعِ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ، كَمَا فِي الْفَسْخِ بِسَبَبِ أَحَدِ الْخِيَارَاتِ، وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا بِمَعْنَى رَفْعِ الْعَقْدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا فِي أَحْوَالِ فَسْخِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ أَوْ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِنْفِسَاخُ:
2 - الاِنْفِسَاخُ هُوَ: انْقِلاَبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالاِنْفِسَاخِ: أَنَّ الأَْوَّلَ فِعْلُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوِ الْحَاكِمِ إِذَا ظَفِرُوا بِالْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالثَّانِي صِفَةُ الْعِوَضَيْنِ، فَالأَْوَّلُ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ وَالثَّانِي حُكْمٌ شَرْعِيٌّ .
وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: انْفِسَاخ ف 1، 6)
ب - الْخَلْعُ:
3 - الْخَلْعُ لُغَةً: النَّزْعُ وَالإِْزَالَةُ، وَاصْطِلاَحًا: هُوَ إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى قَبُولِ الْمَرْأَةِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ. فَالْخُلْعُ خَاصٌّ بِحَلِّ الرَّابِطَةِ الزَّوْجِيَّةِ، أَمَّا الْفَسْخُ فَهُوَ أَعَمُّ، وَهُوَ حَلُّ ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ مُطْلَقًا، وَالْخُلْعُ يَحْدُثُ بِالتَّرَاضِي، أَمَّا الْفَسْخُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
فَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا صِلَةُ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ.
ج - الطَّلاَقُ:
4 - مِنْ مَعَانِي الطَّلاَقِ لُغَةً: رَفْعُ الْقَيْدِ مُطْلَقًا، يُقَالُ: أَطْلَقَ الْفَرَسَ: إِذَا خَلاَّهُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ أَوِ الْمَآلِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالطَّلاَقِ: أَنَّ الْفَسْخَ مُقَارِبٌ لِلطَّلاَقِ إِلاَّ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ الْفَسْخَ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلاَ يَنْقُضُ الْعَقْدَ وَلَكِنْ يُنْهِي آثَارَهُ فَقَطْ .
د - الإِْبْطَالُ:
5 - الْبَاطِلُ لُغَةً: ضِدُّ الْحَقِّ، وَالإِْبْطَالُ اصْطِلاَحًا: هُوَ الْحُكْمُ بِكَوْنِ الْعَقْدِ بَاطِلاً، لاِخْتِلاَلِ رُكْنِهِ أَوْ مَحَلِّهِ، وَالْعَقْدُ الْبَاطِلُ: هُوَ مَا اخْتَلَّ رُكْنُهُ أَوْ مَحَلُّهُ أَوْ مَا لاَ يَكُونُ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ.
(ر: إِبْطَال ف 1، وَبُطْلاَن ف 1)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الإِْبْطَالِ وَالْفَسْخِ: أَنَّ الإِْبْطَالَ يَحْدُثُ أَثْنَاءَ قِيَامِ التَّصَرُّفِ وَبَعْدَهُ، وَيَحْصُلُ فِي الْعُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ، أَمَّا الْفَسْخُ فَإِنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَيَقِلُّ فِي الْعِبَادَاتِ، وَيَكُونُ فِي الْعُقُودِ قَبْلَ تَمَامِهَا، لأَِنَّهُ فَكُّ ارْتِبَاطِ التَّصَرُّفِ.
(ر: إِبْطَال ف 2)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
6 - الأَْصْلُ فِي الْعُقُودِ شَرْعًا اللُّزُومُ لقوله تعالي:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قَالَ الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الأَْصْلَ فِي الْعُقُودِ اللُّزُومُ، لأَِنَّ الْعُقُودَ أَسْبَابٌ لِتَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ مِنَ الأَْعْيَانِ، وَالأَْصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا .
وَقَدْ يَرِدُ الْفَسْخُ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ إِمَّا وَاجِبًا أَوْ جَائِزًا، فَيَجِبُ رِعَايَةً لِحَقِّ الشَّرْعِ، كَفَسْخِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لإِِزَالَةِ سَبَبِ الْفَسَادِ، وَاحْتِرَامِ ضَوَابِطِ الشَّرْعِ أَوْ شَرَائِطِهِ الَّتِي قَرَّرَهَا فِي الْعُقُودِ، حِمَايَةً لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَمَنْعًا لِلْمُنَازَعَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَيَجُوزُ الْفَسْخُ إِعْمَالاً لإِِرَادَةِ الْعَاقِدِ، كَالْفَسْخِ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، وَالْفَسْخِ بِالتَّرَاضِي وَالاِتِّفَاقِ كَالإِْقَالَةِ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْخِيَارَاتِ وَالإِْقَالَةِ وَقَالَ ((: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ . ))
وَالْفَسْخُ الْقَضَائِيُّ يَكُونُ إِمَّا رِعَايَةً لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَإِمَّا إِحْقَاقًا لِلْحَقِّ وَرَفْعًا لِلظُّلْمِ الَّذِي يَقَعُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِسَبَبِ إِضْرَارِ الْعَاقِدِ الآْخَرِ، وَإِصْرَارِهِ عَلَى مَنْعِ غَيْرِهِ مِنْ مُمَارَسَةِ حَقِّهِ فِي الْفَسْخِ، لِوُجُودِ عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ أَوِ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ مَثَلاً، وَحَقُّ الْقَاضِي فِي الْفَسْخِ نَاشِئٌ مِنْ وِلاَيَتِهِ الْعَامَّةِ عَلَى النَّاسِ، أَوْ لأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رِقَابَةُ تَنْفِيذِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْفَسْخُ إِمَّا شَرْعًا أَوْ قَضَاءً أَوْ بِالرِّضَا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 222
الْجَمْعُ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمَا
يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ مُحَرِّمَةٌ، بِحَيْثُ لَوْ فَرَضْتَ أَيَّتَهُمَا ذَكَرًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الأُْخْرَى، وَذَلِكَ كَالأُْخْتَيْنِ، فَإِنَّنَا لَوْ فَرَضْنَا إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا لاَ تَحِلُّ لِلأُْخْرَى، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، أَوْ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ( إِلَى قَوْلِهِ: ) وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ( وَلِحَدِيثِ أَبِي هَرِيرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، أَوِ الْعَمَّةُ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا، أَوِ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، أَوِ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا» وَعَلَيْهِ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ كَمَا لاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ أُخْتَ زَوْجَتِهِ الَّتِي فِي عِصْمَتِهِ، كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ زَوْجَتِهِ الَّتِي طَلَّقَهَا طَلاَقًا رَجْعِيًّا، أَوْ طَلاَقًا بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى، أَوْ كُبْرَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، لأَِنَّهَا زَوْجَةٌ حُكْمًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ مَنْ ذُكِرْنَ إِنَّمَا يَكُونُ حَالَ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ حَقِيقَةً، أَوْ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، أَمَّا لَوْ كَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى أَوْ كُبْرَى فَقَدِ انْقَطَعَتِ الزَّوْجِيَّةُ، فَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَ مُطَلَّقَتِهِ طَلاَقًا بَائِنًا فِي عِدَّتِهَا، فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ مَحْرَمَيْنِ.
وَإِذَا جَمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ أُخْتَيْنِ مَثَلاً، فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ يَأْتِيهِمَا مَانِعٌ، كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلاً إِذْ لاَ أَوْلَوِيَّةَ لإِِحْدَاهُمَا عَنِ الأُْخْرَى.
أَمَّا إِذَا كَانَ بِإِحْدَاهُمَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، بِأَنْ كَانَتْ زَوْجَةً لِلْغَيْرِ مَثَلاً، وَالأُْخْرَى لَيْسَ بِهَا مَانِعٌ، فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَالِيَةِ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَبَاطِلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلأُْخْرَى.
وَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَهُمَا بِعَقْدَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ، مُسْتَكْمِلَيْنِ أَرْكَانَ الزَّوَاجِ وَشُرُوطِهِ، وَعُلِمَ أَسْبَقُهُمَا، فَهُوَ الصَّحِيحُ وَالآْخَرُ بَاطِلٌ لأَِنَّ الْجَمْعَ حَصَلَ بِهِ.
وَإِذَا اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا فَقَطِ الأَْرْكَانَ وَالشُّرُوطَ فَهُوَ الصَّحِيحُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الأَْوَّلُ أَمِ الثَّانِي.
كَمَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عِنْدَ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ) وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ ( وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ جَمْعٌ، فَيَكُونُ حَرَامًا، وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يُجْمِعْنَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ». وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: (كُلُّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْحَرَائِرِ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الإِْمَاءِ إِلاَّ الْجَمْعُ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ) وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ عُثْمَانَ رضي الله عنه عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (مَا أُحِبُّ أَنْ أُحِلَّهُ، وَلَكِنْ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَأَمَّا أَنَا فَلاَ أَفْعَلُهُ).
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَقَوْلُ عُثْمَانَ رضي الله عنه : (أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ) عَنَى بِآيَةِ التَّحْلِيلِ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ ) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( وَبِآيَةِ التَّحْرِيمِ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ ) وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ( وَذَلِكَ مِنْهُ إِشَارَةٌ إِلَى تَعَارُضِ دَلِيلَيِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فَلاَ يَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مَعَ التَّعَارُضِ.
وَقَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ رضي الله عنه : أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، فَالأَْخْذُ بِالْمُحَرَّمِ أَوْلَى عِنْدَ التَّعَارُضِ احْتِيَاطًا لِلْحُرْمَةِ، لأَِنَّهُ يَلْحَقُهُ الْمَأْثَمُ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ وَلاَ مَأْثَمَ فِي تَرْكِ الْمُبَاحِ، وَلأَِنَّ الأَْصْلَ فِي الإِْبْضَاعِ الْحُرْمَةُ، وَالإِْبَاحَةُ بِدَلِيلٍ، فَإِذَا تَعَارَضَ دَلِيلُ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ تَدَافُعًا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالأَْصْلِ.
وَكَمَا لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ لاَ يَجُوزُ فِي الدَّوَاعِي مِنَ اللَّمْسِ وَالتَّقْبِيلِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ عَنْ شَهْوَةٍ، لأَِنَّ الدَّوَاعِيَ إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والثلاثون ، الصفحة / 259
ثَانِيًا: الْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ
- إِذَا جَمَعَ الْمُسْلِمُ بَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ كَمَا إِذَا عَقَدَ عَلَى أُخْتَيْنِ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوِ امْرَأَةٍ وَخَالَتِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا، وَإِنْ كَانَا فِي عَقْدَيْنِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (مُحَرَّمَاتُ النِّكَاحِ ف 23).
أَمَّا مَنْ كَانَ كَافِرًا وَأَسْلَمَ وَكَانَ مُتَزَوِّجًا بِمَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ كَأُخْتَيْنِ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدَةً وَيُفَارِقَ الأُْخْرَى، وَسَوَاءٌ أَكَانَ تَزَوَّجَهُمَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِعَقْدَيْنِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ».
وَلأِنَّ الْمُبْقَاةَ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، فَجَازَ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ كَغَيْرِهَا، وَلأِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ وَإِنَّمَا حَرُمَ الْجَمْعُ وَقَدْ أَزَالَهُ، وَلاَ مَهْرَ لِلْمُفَارَقَةِ مِنْهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا لأِنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا وَاخْتَارَ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ.
وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ فَيْرُوزَ السَّابِقِ، قَالَ: لَقَدْ خَيَّرَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّ نِكَاحَهُنَّ كَانَ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لاَسْتَفْسَرَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ فِيهِ هُوَ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ تَزَوَّجَ الأُْخْتَيْنِ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهُمَا؛ لأِنَّ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جُعِلَ جَمْعًا إِذْ لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، وَالإِْسْلاَمُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ مَانِعَ مِنَ التَّفْرِيقِ فَيُفَرَّقَ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ فَنِكَاحُ الأُْولَى وَقَعَ صَحِيحًا إِذْ لاَ مَانِعَ مِنَ الصِّحَّةِ، وَبَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ لِحُصُولِهِ جَمْعًا، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ، قَالاَ: وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِفَيْرُوزَ: «طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلاَقَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ وَقَعَ صَحِيحًا فِي الأَْصْلِ، فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ وَلاَ كَلاَمَ فِيهِ.