لا يجوز للوكيل بالنكاح أن يوكل غيره بلا إذن موكله أو موكلته أو بلا تفويض الأمر إلى رأيه .
لا يجوز للوكيل بالنكاح أن يوكل غيره بلا إذن موكله أو موكلته أو بلا تفويض الأمر إلى رأيه .
الوكالة فى الزواج :ـ
ليس للوكيل بالزواج أن يوكل غيره لأنه يستمد ولايته من الموكل والموكل أعطاه وحده الولاية ورضي برأيه فقط، فإذا أعطاه الموكل حق توكيله غيره عنه بأن أذنه أن يوكل عنه في هذا التزويج من شاء، أو وكله بصيغة التفويض بأن قال له : فوضت أمر زواجي إلى رأيك في كل ما تفعله : ففي هاتين الحالتين للوكيل أن يوكل غيره عنه.
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 66 )
هل يجوز للوكيل في الزواج توكيل غيره؟
إذا اشترط الموكل في عقد الوكالة أن يقوم الوكيل بالتصرف بنفسه، فليس له توكيل غيره فيما وكل فيه، وإن أذن له الموكل أن يقوم بما وكل به على الوجه الذي يراه كان له توكيل الغير، ويكون هذا الغير حينئذ وكيلا عن الموكل.
سلطات الوكيل :
(أ) إذا كان الموكل هو الرجل :
يتعين التفرقة بين الوكالة المطلقة والوكالة المقيدة.
ففي الوكالة المطلقة، وهي التي لا يضع فيه الموكل قيدا على سلطات الوكيل، سواء فيما يتعلق بالزوجة أو مقدار المهر، بأن يوكل الرجل الوكيل في أن يزوجه دون أن يعين امرأة أو صفاتها أو يحدد له مهرا، فإنه يشترط لنفاذ عقد الزواج الذي يعقده الوكيل قبل الموكل، أن يكن الوكيل قد زوج الموكل بالمرأة الكفء، الخالية من العيوب (كالعاهات والأمراض) وبمهر المثل، لا يزيد إلا بما يتغابن فيه الناس عادة، لأن التوكيل وإن كان مطلقا بحسب اللفظ، إلا أن العرف يقيده، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا، فالمتعارف عليه بين الناس أن طالب الزواج إنما يريد الزواج بامرأة كفء، سليمة من العيوب وبمهر المثل ، لأن الشخص لا يعجز عن الزواج بمطلق الزوجة، ولا يكون في حاجة إلى الاستعانة بوكيل ليعقد له على مثل هذه الزوجة. .
وهذا هو رأي الصاحبين، وهو الرأي المفتي به في المذهب الحنفي.
أما في الوكالة المقيدة. هي التي يوكل فيها الرجل الوكيل بتزويجه ولكنه يقيده بامرأة معينة، أو امرأة من أسرة معينة، أو بمقدار محدد من المهر، فإن العقد لا ينفذ في حق الموكل، إلا إذا تقيد الوكيل بالقيود الواردة في الوكالة ما لم يكن تجاوز الوكيل لقيود الوكالة أفضل لموكله كأن يزوجه بأقل من مهر المثل.
وإذا كان تقييد الوكالة في مقدار المهر، وزوج الوكيل الموكل بزيادة على أن يقوم هو بدفعها، فلا ينفذ العقد إلا إذا قبل الموكل ذلك، لأن صاحب المروءة يستنكف عن قبول التبرع ولا يرضى بتحمل منه الغير عليه خاصة في مهر زوجته.
(ب) إذا كان الموكل هو المرأة :
إذا كان توكيل المرأة للوكيل مطلقا، بأن لم تعين له رجلا أو تحدد له مهران فإنه إذا زوجها بالكفء وبمهر المثل كان العقد نافذا في حقها سواء كان لها ولی عاصب أم لا.
أما إذا زوجها من غير كفء، وكان لها ولى عاصب لم يوافق عليه قبل الزواج، فإن العقد يكون غير صحيح - على الرأي الراجح في المذهب الحنفي - لأن المرأة لا تملك تزويج نفسها بغير الكفء لو باشرت العقد بنفسها. وإذا زوجها بكفء وبأقل من مهر المثل بما لا يتغابن فيه الناس، فلولى الاعتراض وطلب تكملة المهر إلى مهر المثل أو فسخ العقد.
أما إذا لم يكن للمرأة ولى عاصب، فإن العقد يكون موقوفا على إجازتها - باتفاق أبي حنيفة والصاحبين - لأن المرأة تعير بغير الكفء بعكس الرجل، ولذلك يجب تقييد إطلاق الوكالة بالكفاءة .
أما إذا زوجها بأقل من مهر المثل بما لا يتغابن فيه الناس، فقد ذهب الصاحبان إلى أن العقد يكون موقوفا على إجازتها، أما أبو حنيفة فالعقد لديه يكون نافذا.
أما إذا كان توكيل المرأة للوكيل مقيدا، بأن عينت له الرجل والمهر، أو عينت أحدهما، وكان للمرأة ولى من العصبات، فإن العقد يصح وينفذ إذا كان الزواج من كفء وبمهر المثل، أما إذا كان الزواج من غير كفء لا يصح العقد - طبقا للرأي الراجح في المذهب الحنفي - وإن كان الزواج من كفء ولكن بمهر يقل عن مهر المثل بما لا يتغابن فيه الناس، فالعقد صحيح نافذ إلا أنه غير لازم بالنسبة للولي إذله أن يعترض عليه طالبا من القضاء رفع المهر إلى مهر المثل أو فسخ العقد.
أما إذا لم يكن للمرأة ولى من العصبات، فإن الزواج نافذ في حقها إذا كان موافق اقي، ولو كان الزوج غير كفء أو كان بأقل من مهر المثل لأن الوكيل التزم حدود الوكالة.
وإذا كان الزواج مخالفا لما جاء في التوكيل توقف نفاذ العقد على إجازتها، إلا إذا كانت مخالفة التوكيل أفضل للمرأة، كأن يكون زواجها بأكثر من مهر المثل.
هل يجوز للوكيل تزويج الموكل من نفسه أو ممن هو في ولايته؟
لا يجوز للوكيل أن يزوج الموكل (ذكرا أو أنثى) من نفسه، ولا ممن هو في ولايته في حالة إطلاق التوكيل، لأن من يوكل شخصا في عقد فإن التوكيل لا يفهم منه عادة أن العقد يكون معه، بل يكون مع عاقد آخر، ولأن الإطلاق يقتضي أن يكون الطرف الآخر غير معلوم، إذ لو كان معلوما لنص عليه، ولم يكن هناك ثمة داع لإطلاق الوكالة.
هل يجوز للوكيل تزويج الموكل بمن لا تقبل شهادته له؟
اختلف أبو حنيفة والصاحبان في هذه المسألة. فذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا زوج الوكيل الموكل بأحد ممن لا تقبل شهادته لهم وهم أصوله وفروعه، فإن العقد يكون موقوفا على إجازة الموكل ولو كان الزواج من كفء وبمهر المثل لأن الوكيل متهم في محاباتهم.
وذهب الصاحبان إلى أن الزواج نافذ، لأن الزواج من كفء وبمهر المثل ينفي التهمة عن الوكيل.
سلطة الوكيل إذا كان الولي هو الموكل :
إذا كان الولى هو الموكل ويملك التزويج بغير كفء وبأقل من مهر المثل كالأب والجد فإن الوكيل يملك التزويج من غير قيد الكفاءة ومهر المثل عند أبي حنيفة لأن الوكيل يستمد سلطاته من الموكل. أما إذا كان الولى لا يملك التزويج بغير الكفاءة ومهر المثل فإن الوكيل يكون - بالاتفاق - مقيدا بهما لأن موكله لا يملك غير ذلك. انصراف حقوق عقد الزواج إلى الموكل :
الوكيل في الزواج سفير ومعبر، فإذا أتم عقد الزواج انتهت مهمته، ورجعت آثار العقد إلى الموكل وذلك بعكس عقد البيع فترجع آثار العقد إلى الوكيل لأنه مباشر وليس سفيرا ومعبرا.
وبناء على ذلك لا يجوز أن يطالب الزوج وكيل الزوجة بدخولها في طاعته، ولا يجوز للزوجة مطالبة وكيل الزوج بالمهر، إلا إذا كانت هناك كفالة صريحة من جابه، فيكون أساس المطالبة الكفالة دون الوكالة.
والوكيل لا يقبض المهر إلا إذا كان مأذونا بذلك صراحة أو دلالة كما سيأتي في موضعه من الكتاب.(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 271)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني ، الصفحة / 376
إِذْنٌ
التَّعْرِيفُ:
مِنْ مَعَانِي الإِْذْنِ فِي اللُّغَةِ: إِطْلاَقُ الْفِعْلِ وَالإِْبَاحَةُ.
وَلَمْ يَخْرُجِ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ لِلإِْذْنِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبَاحَةُ:
الإِْبَاحَةُ هِيَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ دُونَ تَرَتُّبِ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ. وَيَذْكُرُهَا الأُْصُولِيُّونَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ بِاعْتِبَارِهَا مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ حَيْثُ تَقْسِيمُ الإِْبَاحَةِ، وَتَقْسِيمُ مُتَعَلِّقِهَا وَهُوَ الْمُبَاحُ (انْظُرِ: الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ).
وَالْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ يُفَسِّرُونَ الإِْبَاحَةَ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الأُْصُولِيُّونَ.
وَأَيْضًا يَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ الإِْذْنَ وَالإِْبَاحَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا يُفِيدُ إِطْلاَقَ التَّصَرُّفِ فَقَدْ قَالَ الْجُرْجَانِيُّالإِْبَاحَةُ هِيَ الإِْذْنُ بِالإِْتْيَانِ بِالْفِعْلِ كَيْفَ شَاءَ الْفَاعِلُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَمَنْ نَثَرَ عَلَى النَّاسِ نِثَارًا كَانَ إِذْنًا فِي الْتِقَاطِهِ وَأُبِيحَ أَخْذُهُ، وَفَسَّرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: الْمُبَاحَ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَ الإِْذْنُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الإِْبَاحَةِ فَلأَِنَّ الإِْبَاحَةَ مَرْجِعُهَا الإِْذْنُ. فَالإِْذْنُ هُوَ أَصْلُ الإِْبَاحَةِ. وَلَوْلاَ صُدُورُ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْذْنِ لَمَا كَانَ الْفِعْلُ جَائِزَ الْوُقُوعِ، فَالإِْبَاحَةُ الشَّرْعِيَّةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ، وَيَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الشَّرْعِ.
وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِْبَاحَةَ تَكُونُ بِمُقْتَضَى الإِْذْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَرِيحًا أَمْ ضِمْنًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الشَّارِعِ أَمْ مِنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
ب - الإِْجَازَةُ:
الإِْجَازَةُ مَعْنَاهَا الإِْمْضَاءُ يُقَالُ: أَجَازَ أَمْرَهُ إِذَا أَمْضَاهُ وَجَعَلَهُ جَائِزًا، وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ جَعَلْتُهُ جَائِزًا وَنَافِذًا. وَالإِْذْنُ هُوَ إِجَازَةُ الإِْتْيَانِ بِالْفِعْلِ.
فَالإِْجَازَةُ وَالإِْذْنُ كِلاَهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْفِعْلِ إِلاَّ أَنَّ الإِْذْنَ يَكُونُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَالإِْجَازَةَ تَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِهِ.
ج - الأَْمْرُ:
الأَْمْرُ مِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً: الطَّلَبُ، وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الاِسْتِعْلاَءِ. فَكُلُّ أَمْرٍ يَتَضَمَّنُ إِذْنًا بِالأَْوْلَوِيَّةِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 286
الْوَكِيلُ فِي النِّكَاحِ:
الْوَكِيلُ فِي النِّكَاحِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَكِيلاً عَنِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ أَوِ الْوَلِيِّ.
أ- تَوْكِيلُ الزَّوْجِ غَيْرَهُ فِي النِّكَاحِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى صِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مِنَ الرَّجُلِ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ «عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ» «وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ» وَلأِنَّ هُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْبَيْعِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ: قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، فَلاَ تَصِحُّ وَكَالَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِلُ.
وَأَمَّا الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ فَلَيْسَا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ فَتَصِحُّ وَكَالَةُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَالْعَبْدِ، مَأْذُونَيْنِ كَانَا أَوْ مَحْجُورَيْنِ، لِمَا وَرَدَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لاِبْنِهَا عَمْرِو بْنِ أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَمْرُو قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» وَكَانَ صَبِيًّا، وَالاِعْتِبَارُ بِالْمَجْنُونِ غَيْرُ سَدِيدٍ، لأِنَّ الْعَقْلَ شَرْطُ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَدِ انْعَدَمَ الْعَقْلُ فِي الْمَجْنُونِ، وَوُجِدَ هُنَا فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، فَتَصِحُّ وَكَالَتُهُ كَالْبَالِغِ، إِلاَّ أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوَكَّلِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَصِحُّ لِلزَّوْجِ إِذَا وَكَّلَ مَنْ يَعْقِدُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ رَقِيقًا، بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا إِلاَّ الْمُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَإِلاَّ ضَعِيفَ الْعَقْلِ أَوْ فَاقِدَهُ، فَلاَ يَصِحُّ لِلزَّوْجِ تَوْكِيلُ أَيٍّ مِنْهُمْ لِمَانِعِ الإِْحْرَامِ وَضَعْفِ الْعَقْلِ أَوْ عَدَمِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ الزَّوْجُ فِي النِّكَاحِ مَنْ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ النِّكَاحَ بِنَفْسِهِ، فَلاَ يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلاَ مَجْنُونٍ وَلاَ مُغْمًى عَلَيْهِ وَلاَ امْرَأَةٍ وَلاَ مُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لأِنَّ تَصَرُّفَ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ أَقْوَى مِنْ تَصَرُّفِهِ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ لَهُ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَلِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الأَْقْوَى فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى الأَْضْعَفِ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ النِّكَاحُ، فَقَدْ «وَرَدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ، وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ».
وَقَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ عَدَالَتُهُ فَيَصِحُّ تَوْكِيلُ فَاسِقٍ فِي قَبُولِهِ لأِنَّ الْفَاسِقَ يَصِحُّ قَبُولُهُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ فَصَحَّ قَبُولُهُ لِغَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِيًّا فِي قَبُولِ نِكَاحِ نَصْرَانِيَّةٍ لِصِحَّةِ قَبُولِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ.
ب- تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُهَا:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَوْكِيلِ الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُهَا.
فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبَاشِرَ عَقْدَ الزَّوَاجِ، سَوَاءٌ أَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا، أَمْ زَوَّجَتْ غَيْرَهَا، فَلَهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يُزَوِّجُهَا، لأِنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ فِعْلَ مَا وَكَّلَ بِهِ بِنَفْسِهِ، فَمَا لاَ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ لاَ يَحْتَمِلُ التَّفْوُيِضَ إِلَى غَيْرِهِ فَلاَ يَصِحُّ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَكَّلَتِ الدَّنِيئَةُ كَالْمُعْتَقَةِ وَالْمِسْكِينَةِ أَجْنَبِيًّا فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ سُلْطَانٌ أَوْ فِيهِ لَكِنْ يَعْسُرُ وُصُولُهَا إِلَيْهِ وَلاَ وَلِيَّ لَهَا جَازَ.
وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلِيَ عَقْدَ الزَّوَاجِ بِنَفْسِهَا سَوَاءٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا أَمْ غَيْرَهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ زَوَاجِهَا لأِنَّهَا لاَ تَمْلِكُ هَذَا الْحَقَّ، فَمَا لاَ تَمْلِكُهُ لاَ يَصِحُّ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ فِيهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ صُوَرًا تَتَعَلَّقُ بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي زَوَاجِهَا:
فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ مُجْبِرٍ أَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَفِي التَّوْكِيلِ صُوَرٌ:
إِحْدَاهُمَا: قَالَتْ: زَوِّجْنِي وَوَكِّلْ، فَلَهُ التَّزْوِيجُ وَالتَّوْكِيلُ.
الثَّانِيَةُ: نَهَتْ عَنِ التَّوْكِيلِ، فَلاَ يُوَكَّلُ.
الثَّالِثَةُ: قَالَتْ: وَكِّلْ بِتَزْوِيجِي، وَاقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ، فَلَهُ التَّوْكِيلُ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِنَفْسِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
الرَّابِعَةُ: قَالَتْ: أَذِنْتُ لَكَ فِي تَزْوِيجِي، فَلَهُ التَّوْكِيلُ عَلَى الأَْصَحِّ لأِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْوِلاَيَةِ.
وَلَوْ وَكَّلَ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَتِهَا وَاسْتِئْذَانِهَا بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، لأِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ بِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَالْوَلِيُّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمَرْأَةِ لأِنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ وِلاَيَتُهُ مِنْ جِهَتِهَا، وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ وَكِيلاً عَنْهَا لَتَمَكَّنَتْ مِنْ عَزْلِهِ كَسَائِرِ الْوُكَلاَءِ، وَإِنَّمَا إِذْنُهَا - حَيْثُ اعْتُبِرَ - شَرْطٌ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ أَشْبَهَ وِلاَيَةَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلاً عَنْهَا فَلَهُ تَوْكِيلُ مَنْ يُوجِبُ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَقُبِلَ إِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً، وَلاَ يَفْتَقِرُ تَوْكِيلُهُ إِلَى حُضُورِ شَاهِدَيْنِ لأِنَّهُ إِذْنٌ مِنَ الْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ، كَإِذْنِ الْحَاكِمِ.
وَلاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِ امْرَأَةٍ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ لِوَكِيلِ وَلِيِّهَا فِي التَّزْوِيجِ لأِنَّهُ نَائِبٌ عَنْ غَيْرِ مُجْبِرٍ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، فَلاَ يَكْفِي إِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا وَإِذْنِهَا لَهُ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ، وَلاَ يَكْفِي إِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا بِتَوْكِيلٍ فِي التَّزْوِيجِ بِلاَ مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا وَإِذْنِهَا لِلْوَكِيلِ فِي التَّزْوِيجِ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ، لأِنَّ الَّذِي يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا فِيهِ لِلْوَكِيلِ هُوَ غَيْرُ مَا يُوَكَّلُ فِيهِ الْمُوَكَّلُ، فَهُوَ كَالْمُوَكَّلِ فِي ذَلِكَ، وَلاَ أَثَرَ لإِِذْنِهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُوَكِّلَ الْوَلِيُّ، لأِنَّهُ أَجْنَبِيٌّ وَبَعْدَ تَوْكِيلِهِ كَوَلِيٍّ، قَالَ الْبُهُوتِيُّ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَتِ الْوِلاَيَةُ لِلأَْبْعَدِ فَلاَ بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ لَهَا بَعْدَ انْتِقَالِ الْوِلاَيَةِ إِلَيْهِ.
وَلَوْ وَكَّلَ وَلِيُّ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ فِي تَزْوِيجِهَا بِلاَ إِذْنِهَا، ثُمَّ أَذِنَتْ لِوَكِيلِ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا فَزَوَّجَهَا صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَوْ لَمْ تَأْذَنْ لِلْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ أَوِ التَّوْكِيلِ، لِقِيَامِ وَكِيلِهِ مَقَامَهُ.
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ فِي إِيجَابِ النِّكَاحِ تَوْكِيلاً مُطْلَقًا، وَإِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ إِذْنًا مُطْلَقًا، كَقَوْلِ الْمَرْأَةِ لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْ مَنْ شِئْتَ أَوْ مَنْ تَرْضَاهُ.
وَيَتَقَيَّدُ الْوَلِيُّ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَأَطْلَقَتْ بِالْكُفْءِ، وَكَذَلِكَ وَكِيلُهُ الْمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بِالْكُفْءِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، لأِنَّ الإِْطْلاَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَا لاَ نَقِيصَةَ فِيهِ.
ج- تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ غَيْرَهُ فِي النِّكَاحِ:
تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ غَيْرَهُ لِمُبَاشَرَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا تَوَافَرَتْ فِي الْوَكِيلِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ كُلِّ مَذْهَبٍ.
وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ:
فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ تَوْكِيلُ وَلِيِّ امْرَأَةٍ لِمَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا نِيَابَةً عَنْهُ إِلاَّ مِثْلَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي وَلِيِّ النِّكَاحِ.
وَقَالُوا: تُوَكِّلُ الْمَرْأَةُ الْمَالِكَةُ لأَِمَةٍ وَالْوَصِيَّةُ عَلَى أُنْثَى وَالْمُعْتِقَةُ لأُِنْثَى ذَكَرًا مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ فِي عَقْدِ الأُْنْثَى - فِي الْحَالاَتِ الثَّلاَثِ - وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْمُوَكِّلَةِ فِي الثَّلاَثِ مَعَ حُضُورِ أَوْلِيَائِهَا، وَمِنَ الْمُوَكَّلِ عَلَيْهَا فِي الأُْولَى وَالثَّانِيَةِ لاَ فِي الثَّالِثَةِ حَيْثُ يَكُونُ لَهَا وَلِيُّ نَسَبٍ، إِذْ لاَ وِلاَيَةَ لِلْمُعْتِقَةِ حِينَئِذٍ حَيْثُ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا وَلِيُّ النَّسَبِ.
وَأَمَّا فِي الذَّكَرِ فَكُلٌّ مِنَ الْمَالِكَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمُعْتِقَةِ تَلِي تَزْوِيجَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ، وَقِيلَ: لاَ تُقْبَلُ الْمَرْأَةُ لِلذَّكَرِ، نَقَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: التَّوْكِيلُ بِالتَّزْوِيجِ جَائِزٌ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مُجْبِرًا فَلَهُ التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ إِذْنُهَا حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً امْتَنَعَ التَّوْكِيلُ، وَعَلَى الصَّحِيحِ إِذَا وَكَّلَ لاَ يَشْتَرِطُ تَعْيِينَ الزَّوْجِ عَلَى الأَْظْهَرِ.
وَلَوْ أَذِنَتِ الثَّيِّبُ فِي النِّكَاحِ أَوِ الْبِكْرُ لِغَيْرِ الأَْبِ وَالْجَدِّ فَفِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ الْقَوْلاَنِ، وَقِيلَ: لاَ يُشْتَرَطُ قَطْعًا، لأِنَّ الْوَلِيَّ يُعْنَى بِدَفْعِ الْعَارِ عَنِ النَّسَبِ بِخِلاَفِ الْوَكِيلِ.
وَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ مُجْبِرٍ أَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَفِي التَّوْكِيلِ صُوَرٌ:
إِحْدَاهَا: قَالَتْ: زَوِّجْنِي وَوَكِّلْ، فَلَهُ التَّزْوِيجُ وَالتَّوْكِيلُ.
الثَّانِيَةُ: نَهَتْ عَنِ التَّوْكِيلِ، فَلاَ يُوَكِّلُ.
الثَّالِثَةُ: قَالَتْ: وَكِّلْ بِتَزْوِيجِي، وَاقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ، فَلَهُ التَّوْكِيلُ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِنَفْسِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
الرَّابِعَةُ: قَالَتْ: أَذِنْتُ لَكَ فِي تَزْوِيجِي، فَلَهُ التَّوْكِيلُ عَلَى الأَْصَحِّ لأِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْوِلاَيَةِ.
وَلَوْ وَكَّلَ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَتِهَا وَاسْتِئْذَانِهَا بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، لأِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ بِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ مُجْبِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ حَاضِرًا، لأِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ كَالْبَيْعِ، وَلأِنَّ هُ وَرَدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ.
وَالْوَلِيُّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمَرْأَةِ لأِنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ وِلاَيَتُهُ مِنْ جِهَتِهَا، وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ وَكِيلاً عَنْهَا لَتَمَكَّنَتْ مِنْ عَزْلِهِ كَسَائِرِ الْوُكَلاَءِ، وَإِنَّمَا إِذْنُهَا - حَيْثُ اعْتُبِرَ- شَرْطٌ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ أَشْبَهَ وِلاَيَةَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلاً عَنْهَا فَلَهُ تَوْكِيلُ مَنْ يُوجِبُ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا،
وَقُبِلَ إِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً، وَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى حُضُورِ شَاهِدَيْنِ لأِنَّهُ إِذْنٌ مِنَ الْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ فَلاَ يَفْتَقِرُ التَّوْكِيلُ إِلَى إِذْنِ الْمَرْأَةِ وَلاَ الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ كَإِذْنِ الْحَاكِمِ.
وَيَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ مَا يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى فِي الإِْجْبَارِ لأِنَّهُ نَائِبُهُ، وَكَذَا الْحَاكِمُ وَالسُّلْطَانُ يَأْذَنُ لِغَيْرِهِ فِي التَّزْوِيجِ.
وَلاَ يَمْلِكُ الْوَلِيُّ تَوْكِيلاً فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ إِنْ وَكَّلَتْ غَيْرَهُ - كَمَا لَوْ وَكَّلَتْ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ - وَلَوْ كَانَ تَوْكِيلُهَا لِلْبَعِيدِ بِإِذْنِهِ، فَلَوْ وَكَّلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ، لأِنَّهُ إِنْ صَحَّ بِدُونِ إِذْنِهَا لَكِنْ صِحَّةُ تَصَرُّفِ وَكِيلِ الْوَلِيِّ مَوْقُوفَةٌ عَلَى اسْتِئْذَانِهَا وَقَدْ سَبَقَ صُدُورُ الإِْذْنِ مِنْهَا لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ لِذَلِكَ.
وَلَوْ وَكَّلَ وَلِيُّ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ فِي تَزْوِيجِهَا بِلاَ إِذْنِهَا، ثُمَّ أَذِنَتْ لِوَكِيلِ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا فَتَزَوَّجَهَا صَحَّ النِّكَاحُ وَلَوْ لَمْ تَأْذَنْ لِلْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ أَوِ التَّوْكِيلِ، لِقِيَامِ وَكِيلِهِ مَقَامَهُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي وَكِيلِ الْوَلِيِّ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ مِنَ الذُّكُورَةِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْعَدَالَةِ وَاتِّحَادِ الدِّينِ وَالرُّشْدِ، لأِنَّهَا وِلاَيَةٌ فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يُبَاشِرَهَا غَيْرُ أَهْلِهَا، وَلأِنَّ هُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ مُوَلِّيَتِهِ أَصَالَةً فَلأََنْ لاَ يَمْلِكَ تَزْوِيجَ مُوَلِّيَةِ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ أَوْلَى.
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ فِي إِيجَابِ النِّكَاحِ تَوْكِيلاً مُطْلَقًا، وَيَصِحُّ قَوْلُ الْوَلِيِّ لِوَكِيلِهِ: زَوِّجْ مَنْ شِئْتَ أَوْ مَنْ تَرْضَاهُ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْعَرَبِ تَرَكَ ابْنَتَهُ عِنْدَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه وَقَالَ: إِذَا وَجَدْتَ كُفْئًا فَزَوِّجْهُ وَلَوْ بِشِرَاكِ نَعْلِهِ، فَزَوَّجَهَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله تعالى عنه ، فَهِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْكَرْ، وَكَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
وَيَتَقَيَّدُ الْوَلِيُّ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَأَطْلَقَتْ بِالْكُفْءِ، وَكَذَلِكَ وَكِيلُهُ الْمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بِالْكُفْءِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، لأِنَّ الإِْطْلاَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَا لاَ نَقِيصَةَ فِيهِ.
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُهُ مُقَيَّدًا، كَزَوِّجْ فُلاَنًا بِعَيْنِهِ، أَوْ زَوِّجْ هَذَا، فَلاَ يُزَوِّجُ غَيْرَهُ لِقُصُورِ وِلاَيَتِهِ.
الْوَصِيُّ فِي النِّكَاحِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِثْبَاتِ وِلاَيَةِ النِّكَاحِ لِلْوَصِيِّ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لاَ تُسْتَفَادُ وِلاَيَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ وِلاَيَةُ الإِْنْكَاحِ، لأِنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالأَْمْرِ فَلاَ يَعْدُو مَوْضِعَ الأَْمْرِ كَالْوَكِيلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى إِلَيْهِ لاَ يَمْلِكُ أَيْضًا لأِنَّهُ أَرَادَ بِالْوِصَايَةِ نَقْلَ وِلاَيَةِ الإِْنْكَاحِ إِلَيْهِ، وَإِنَّهَا لاَ تَحْتَمِلُ النَّقْلَ حَالَ الْحَيَاةِ كَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَوْ عَيَّنَ الْمُوصِي فِي حَيَاتِهِ رَجُلاً فَزَوَّجَ الْوَصِيُّ الْمَرْأَةَ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي فَهُوَ وَكِيلٌ لاَ وَصِيٌّ، وَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَقَدْ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ بِالْمَوْتِ وَانْتَقَلَتِ الْوِلاَيَةُ لِلْحَاكِمِ عِنْدَ عَدَمِ قَرِيبٍ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ قَرِيبًا أَوْ حَاكِمًا فَإِنَّهُ يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ بِالْوِلاَيَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَوْلَى مِنْهُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّ وِلاَيَةَ النِّكَاحِ تُسْتَفَادُ بِالْوَصِيَّةِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: وَصِيُّ الأَْبِ عِنْدَ عَدَمِهِ لَهُ الْجَبْرُ فِيمَا لِلأَْبِ فِيهِ جَبْرٌ.
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي وِلاَيَةِ الإِْجْبَارِ (فِقْرَة: 83).
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَصِيُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، فَتُسْتَفَادُ وِلاَيَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ إِذَا نَصَّ لَهُ عَلَى التَّزْوِيجِ مُجْبِرًا كَانَ الْوَلِيُّ أَوْ غَيْرَ مُجْبِرٍ كَأَخٍ لِغَيْرِ أُمٍّ وَكَذَا عَمٌّ وَابْنُهُ، لأِنَّهَا وِلاَيَةٌ ثَابِتَةٌ لِلْوَلِيِّ فَجَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِهَا كَوِلاَيَةِ الْمَالِ، وَلأِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ وَيَكُونَ نَائِبُهُ فِيهَا قَائِمًا مَقَامَهُ فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَصِفَةُ الإِْيصَاءِ أَنْ يَقُولَ الأَْبُ لِمَنِ اخْتَارَهُ: وَصَّيْتُ إِلَيْكَ بِنِكَاحِ بَنَاتِي، أَوْ جَعَلْتُكَ وَصِيًّا فِي نِكَاحِ بَنَاتِي، فَيَقُومُ الْوَصِيُّ مَقَامَهُ مُقَدَّمًا عَلَى مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْمُوصِي، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَهُ الإِْجْبَارُ كَأَبِي الْبِكْرِ فَذَلِكَ الإِْجْبَارُ لِوَصِيِّهِ، فَيُجْبِرُ وَصِيُّ الأَْبِ مَنْ يُجْبِرُهُ الأَْبُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى لِقِيَامِهِ مَقَامَ الأَْبِ، وَإِنْ كَانَ الأَْبُ لَيْسَ مُجْبِرًا كَأَبِي ثَيِّبٍ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ، وَأَخِيهَا وَعَمِّهَا وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِهَا فَوَصِيُّهُ كَذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِهَا كَوَكِيلِهِ.
وَلاَ خِيَارَ لِمَنْ زَوَّجَهُ الْوَصِيُّ - ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى - إِذَا بَلَغَ، لأِنَّ الْوَصِيَّ قَامَ مَقَامَ الْمُوصِي فَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَزْوِيجِهِ خِيَارٌ كَالْوَكِيلِ.
وَإِذَا أَوْصَى إِلَيْهِ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ أَحَدِهِمْ.
وَعَنْ أَحْمَدَ لاَ تُسْتَفَادُ وِلاَيَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ إِذَا كَانَ لِلْمُوصِي عَصَبَةٌ، حَكَاهَا الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس والأربعون ، الصفحة / 81
تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ:
قَدْ يَقُومُ الْوَكِيلُ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ بِمُفْرَدِهِ، وَقَدْ يَقُومُ بِتَوْكِيلِ شَخْصٍ آخَرَ لِيُسَاعِدَهُ فِي تَنْفِيذِهَا أَوْ يَقُومَ بِتَنْفِيذِهَا بَدَلاً مِنْهُ.
وَتَوْكِيلُ الْوَكِيلِ قَدْ يَكُونُ بِإِذْنٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ أَوْ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَقَدْ يُطْلِقُ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ فَلاَ يَأْذَنُ بِالتَّوْكِيلِ وَلاَ يَنْهَى عَنْهُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ- حَالَةُ الإِْذْنِ بِالتَّوْكِيلِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ غَيْرَهُ إِذَا أَذِنَ الْمُوَكِّلُ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ أَذِنَ لَهُ فِيهِ بِالتَّوْكِيلِ فَجَازَ لَهُ فِعْلُهُ، كَأَيِّ تَصَرُّفٍ مَأْذُونٍ فِيهِ.
ب- حَالَةُ النَّهْيِ عَنِ التَّوْكِيلِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إِذَا نَهَاهُ الْمُوَكِّلُ عَنْ ذَلِكَ، لأَِنَّ مَا نَهَاهُ عَنْهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي إِذْنِهِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّوْكِيلُ كَمَا لَوْ لَمْ يُوَكِّلْهُ مُطْلَقًا وَالْمُوَكِّلُ لَمْ يَرْضَ إِلاَّ بِأَمَانَتِهِ هُوَ فَقَطْ.
ج - حَالَةُ التَّفْوِيضِ:
حَالَةُ التَّفْوِيضِ هِيَ كَأَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ، أَوْ تَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْتَ أَوِ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ غَيْرَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ، وَذَلِكَ لإِِطْلاَقِ التَّفْوِيضِ إِلَى رَأْيِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّفْوِيضَ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ لاَ يَكُونُ إِذْنًا بِالتَّوْكِيلِ فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ إِذَنْ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ، لأَِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ يَحْتَمِلُ مَا شِئْتَ مِنَ التَّوْكِيلِ، وَمَا شِئْتَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فَلاَ يُوَكِّلُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ كَمَا لاَ يَهَبُ.
د - حَالَةُ الإِْطْلاَقِ:
إِذَا صَدَرَتِ الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً دُونَ إِذْنِهِ لِلْوَكِيلِ بِالتَّوْكِيلِ أَوْ نَهْيِهِ عَنْهُ وَدُونَ تَفْوِيضِهِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى رَأْيَيْنِ: الرَّأْيُ الأَْوَّلُ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، لأَِنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِهِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الآْرَاءِ فَلاَ يَكُونُ رَاضِيًا بِغَيْرِهِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ مَا وُكِّلَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ أَوْ يُفَوِّضَ لَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، أَوِ اصْنَعْ مَا شِئْتَ، لإِِطْلاَقِ التَّفْوِيضِ إِلَى رَأْيِهِ.
فَإِنْ وَكَّلَ بِغَيْرِ إِذْنِ مُوَكِّلِهِ فَعَقَدَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الأَْوَّلِ جَازَ لاِنْعِقَادِهِ بِرَأْيِهِ، وَكَذَا إِنْ عَقَدَ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ فَأَجَازَهُ الْوَكِيلُ الأَْوَّلُ جَازَ أَيْضًا لِنُفُوذِهِ بِرَأْيِهِ.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ صُورَتَيْنِ حَيْثُ أَجَازُوا لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ، وَهُمَا:
الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَحَلُّ الْوَكَالَةِ يَتَرَفَّعُ الْوَكِيلُ عَنِ الْقِيَامِ بِمِثْلِهِ، كَالأَْعْمَالِ الدَّنِيئَةِ فِي حَقِّ أَشْرَافِ النَّاسِ الْمُرْتَفِعِينَ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْعَادَةِ كَبَيْعِ دَابَّةٍ فِي سُوقٍ، أَوْ يَعْجِزُ الْوَكِيلُ عَنِ الْعَمَلِ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ لِكَوْنِهِ لاَ يُحْسِنُهُ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّ الإِْذْنَ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلأَِنَّ التَّفْوِيضَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ إِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ الاِسْتِنَابَةُ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ يَعْلَمُ بِوَجَاهَةِ الْوَكِيلِ، أَوِ اشْتَهَرَ الْوَكِيلُ بِهَا، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ الْمُوَكِّلُ بِهَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنَّ يُوَكِّلَ، وَيَضْمَنُ إِنْ وَكَلَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِتَعَدِّيهِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ الَّذِي فِيهِ التَّوْكِيلُ مِمَّا يَعْمَلُهُ الْوَكِيلُ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ لِكَثْرَتِهِ وَانْتِشَارِهِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَدَى حَقِّ الْوَكِيلِ فِي التَّوْكِيلِ، بِمَعْنَى هَلْ يَحِقُّ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي فِعْلِ الْعَمَلِ كُلِّهِ أَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى مَقْدِرَتِهِ فَقَطْ؟ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ الْقَاضِي إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ إِلاَّ فِي الْعَمَلِ الزَّائِدِ فَقَطْ، لأَِنَّ التَّوْكِيلَ إِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ فَاخْتَصَّ بِمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ فَقَطْ، بِخِلاَفِ وُجُودِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ.
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: يُوَكِّلُ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْكَثِيرِ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ لِيُعِينَهُ عَلَيْهِ لاَ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ اسْتِقْلاَلاً.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْعَمَلِ كُلِّهِ، لأَِنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّوْكِيلِ، فَصَحَّ التَّوْكِيلُ فِي فِعْلِ الْعَمَلِ كُلِّهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيلِ بِلَفْظِهِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي الْمُتَعَلِّقُ بِالْوَكَالَةِ فِي حَالَةِ الإِْطْلاَقِ: ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ أِبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِمُطْلَقِ الْوَكَالَةِ.