طلب استشارةواتساباتصال

لا يجوز الإدعاء بالحقوق المدنية وفقاً لأحكام هذا القانون إلا عن الضرر الشخصى المباشر الناشئ عن الجريمة والمحقق الوقوع ، حالاً أو مستقبلاً.

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المذكرة الإيضاحية

المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني  ،

من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 174 لسنة 1998:

نص المشروع بالمادة (251 مكرراً) أخذاً بقضاء محكمة النقض وحملاً عليه ومواكبة لقانون الإجراءات الجنائية الفرنسي (المادة 2/ 1) من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي على اشتراط أن يكون الضرر موضوع الدعوى المدنية التي يقيمها المدعي بالحقوق المدنية ضرراً مترتباً على الفعل المكون للجريمة المرفوعة بها الدعوى الجنائية - ومتصلاً إتصالاً مباشراً فلا يتعداها إلى الأفعال غير المحمولة عليها ومحقق الوقوع سواء في الحاضر أو المستقبل وذلك يعني أن الادعاء المباشر يتعين أن نعمل بضرر نشأ مباشرة عن جريمة ارتكبها المدعى عليه وكان في الوقت ذاته محققاً وشخصياً.

الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الثاني ،

أشارت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون 174 لسنة 1998 أنه :

1- قد حظر المشروع - بالمادة 251 (فقرة أخيرة)- على من أدعى بالحقوق المدنية أمام المحكمة الجنائية وقبل تدخله- أن يعاود اللجوء إلى المحكمة المدنية- وقصد بذلك سرعة البت فيها من قاض واحد وعدم تكرار المطالبة بما يتصل بالحقوق المدنية أمام أكثر من محكمة درجة واحدة وهو ما استوجب أن ينص في المشروع على إلغاء المادة 262 المعمول بها والتي تجيز مثل تلك اللجوء.

2- ونص المشروع - بالمادة 251 مكرراً- أخذاً بقضاء محكمة النقض وحملاً عليه ومواكبة لقانون الإجراءات الجنائية الفرنسي (المادة 2/ 1 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي) على اشتراط أن يكون الضرر موضوع الدعوى المدنية التي يقيمها المدعي بالحقوق المدنية ضرراً مترتباً على الفعل المكون للجريمة المرفوعة بها الدعوى الجنائية ومتصلاً بها اتصالاً مباشراً فلا يتعداها إلى الأفعال غير المحمولة عليها ومحقق الوقوع سواء في الحاضر أو في المستقبل، وذلك يعني أن الادعاء المباشر يتعين أن يتعلق بضرر نشأ مباشرة عن جريمة ارتكبها المدعى عليه وكان في الوقت ذاته محققاً وشخصياً .

ولقد أجازت المادة 251 مكرراً الادعاء المباشر عن الضرر الشخصي المباشر الناشئ عن الجريمة وأنه لا يجوز الادعاء بالحقوق المدنية وفقاً لأحكام هذا القانون إلا عن الضرر الشخصي المباشر الناشئ عن الجريمة والمحقق الوقوع، حالاً أو مستقبلاً.

الأحكام

1 ـ انه و إن كان الأصل فى دعاوى الحقوق المدنية أن ترفع إلى المحاكم المدنية إلا أن القانون أباح إستثناء رفعها إلى المحكمة الجنائية متى كانت تابعة للدعوى الجنائية و كان الحق المدعى به ناشئاً عن ضرر للمدعى من الجريمة المرفوعة بها الدعوى الجنائية . بمعنى أن يكون طلب التعويض ناشئاً مباشرة من الفعل الخاطئ المكون للجريمة موضوع الدعوى الجنائية ، فإذا لم يكن الضرر الذى لحق به ناشئاً عن هذه الجريمة سقطت هذه الإباحة و كانت المحاكم الجنائية غير مختصة بنظر الدعوى المدنية . و لما كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن المدعى بالحقوق المدنية لم يطلب القضاء له بقيمة الشيك و إنما القضاء له بتعويض ما أصابه من ضرر ناشئ عن عدم صرف قيمة الشيك و متصل به إتصالاً سببياً مباشراً ، و من ثم فلا تثريب على الحكم المطعون فيه فيما قضى به من إلزام الطاعن بالتعويض .

(الطعن رقم 1808 لسنة 40 ق - جلسة 1971/01/18 س 22 ع 1 ص 78 ق 19)

2 ـ من المقرر أن التعويضات المنصوص عليها فى القانون رقم 66 لسنة 1963 بإصدار قانون الجمارك - الذى يحكم واقعة الدعوى - وإن كانت تنطوى على تضمينات مدنية تجيز لمصلحة الجمارك التدخل فى الدعوى أمام المحاكم الجنائية للمطالبة بها والطعن فيما يصدر بشأن هذه المطالبة من أحكام، إلا أنها فى حقيقتها عقوبات تكميلية حدد الشارع قدرها تحديدا تحكميا غير مرتبط بتحقيق وقوع أى ضرر على المصلحة، فلا يجوز توقيعها إلا من محكمة جنائية ولا يتوقف قضاءها لها بها على تدخل من جانبها فى الدعوى، وتلتزم المحكمة فى هذا القضاء بالقدر المحدد فى القانون، ومن ثم فإن إجازة هذا التدخل إنما هى على سبيل الاستثناء فلا يجرى عليه - وإن وصف بأنه دعوى مدنية - حكم اعتبار المدعى بالحقوق المدنية تاركا دعواه المدنية الوارد فى المادة 261 من قانون الإجراءات الجنائية، لأن هذا الحكم ما وضع إلا للدعوى المدنية التى تقام بطريق التبعية ممن لحقه ضرر بالفعل من الجريمة للمطالبة بالتضمينات المدنية البحت - أى بالتعويض الذى تقدره المحكمة بنفسها بعد طلبه مقابل الضرر الواقع - والأصل فى هذه الدعوى أن ترفع أمام المحاكم المدنية وهى بذلك تختلف طبيعة وحكما عن ذلك التدخل من مصلحة الجمارك .

(الطعن رقم 9256 لسنة 61 ق - جلسة 1994/03/21 س 45 ص 428 ق 64)

3 ـ من المستقر عليه أن الشيك متى صدر لحامله أو صدر لأمر شخص معين و إذنه فإن تداوله يكون بالطرق التجارية و من شأن تظهيره - متى وقع صحيحاً - أن ينقل ملكية قيمته إلى المظهر إليه و يخضع لقاعدة تظهير الدفوع مما يجعل العلاقة فى شأنه غير مقصورة على الساحب و المستفيد الذى حرر الشيك لأمره و إنما يتعداه إلى المظهر إليه الذى يصبح مالكاً لقيمته فور تظهيره . و من ثم فإن الجريمة المنصوص عليها فى المادة 337 من قانون العقوبات تقع على المظهر إليه طالما أنه قد أصابه ضرر ناشئ عنها و متصل بها إتصالاً سببياً مباشراً .

(الطعن رقم 392 لسنة 36 ق - جلسة 1966/06/20 س 17 ع 2 ص833 ق 157)

شرح خبراء القانون

يشترط في الضرر الذي يطالب المدعي المدني بتعويضه أن يكون ناشئاً عن الجريمة مباشرة، وأن يكون شخصياً، وأن يكون ثابتاً ومؤكداً.

(1) الضرر الناشئ عن جريمة بصفة مباشرة :

لا بد أن يكون الضرر الذي أصاب المدعي بالحق المدني ناشئاً عن جريمة حتى تختص المحكمة الجنائية بنظر دعوى التعويض عنه، أما إن كان الضرر ناشئاً عن فعل ضار لا تتوافر فيه أركان الجريمة، فلا يكون ثمة اختصاص للمحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية الخاصة به.

ولا بد لتوافر الجريمة من قيام ركنيها المادي والمعنوي، وإلا تعين الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى لأن الدعوى المدنية تكون في هذه الحال غير ناشئة عن جريمة.

ولا يكفي أن يكون الضرر ناشئاً عن جريمة، ولكن يتعين أن يكون ذلك بصفة مباشرة. وتعني الصفة المباشرة أن تكون الجريمة هي السبب المباشر في الضرر، أي أن يكون الضرر متصلاً بالجريمة بعلاقة سببية مباشرة. فالضرر الجسدي الناتج عن جريمة ضرب و جرح عمد أو غير عمدي المتمثل في مصاريف العلاج والعجز عن العمل فترة من الزمن وفقد الأجر، يعد ضرراً مباشراً. وكذلك الضرر الأدبي المتمثل في إيذاء المشاعر الناتج عن جريمة قتل.

وتقتضي السببية المباشرة منطقياً أن يكون السبب سابقاً على المسبب.

وحيث تنتفي الأسباب المباشرة بين الجريمة والضرر فإن الاختصاص بالفصل في التعويض ينعقد للمحاكم المدنية.

(2) الضرر الشخصي :

يشترط أن يكون الضرر الذي ترفع الدعوى المدنية بناء عليه شخصياً، بمعنى أن يكون قد أصاب رافع الدعوى شخصياً. سواء في الاعتداء على سلامة جسمه، أو الاعتداء على ذمته المالية، أو شرفه واعتباره. فالضرر الشخصي يتمثل فيمن وقع عليه ضرب أو جرح أو سب أو قذف، وفي مالك الشيء الذي كان محلاً لجريمة السرقة. ويعتبر الضرر أيضاً شخصياً ذلك الضرر الذي يصيب شخصاً ليس هو المجني عليه ولكنه تحمل ضرراً مادياً أو معنوياً ناتجاً عن الجريمة، مثل أبناء المجني عليه المتوفى وأصوله وفروعه وأخوته وأخواته.

ويشترط لإمكان التعويض عن الضرر الشخصي أن تكون صلة المضرور من الجريمة - إذا لم يكن هو المجني عليه - بالمجني عليه فيها مشروعاً، فلا يجوز الخليلة أن تطالب بالتعويض من جراء وفاة خليلها، تأسيساً على أن صلة الخليلة بالمجني عليه صلة تمثل جريمة هي جريمة الزنا.

(3) الضرر المحقق أو المؤكد :

الضرر المحقق أو المؤكد يعني أنه ضرر ثابت على وجه اليقين، بمعنى أن يكون واقعاً حتماً، فإن كان محتمل الوقوع، فلا يصلح أن يكون أساساً لدعوى المدنية. لأن الدعوى هي المطالبة بحق فيجب أن ينشأ الحق حتى يمكن رفع الدعوى. وكون أن الضرر يتوقف عداه في بعض الأحيان على المستقبل لا ينفي أنه ضرر محقق أكيد. فمن يصاب في جنحة إصابة خطأ ويكون تحت العلاج، يعتبر الضرر الذي أصابه محققاً وأكيداً ولكن قد يتغير مداه مع مدة العلاج.

واجب المحكمة عند تخلف شرط من شروط الضرر:

إذا تخلف شرط من شروط الضرر بأن لم يكن قد نشأ عن الجريمة بصفة مباشرة أو لم يكن قد أصاب رافع الدعوى شخصياً أو كان غير أكيد، فإن المحكمة الجنائية تصبح غير مختصة بنظر الدعوى المدنية حتى ولو كان سبب الضرر متصلاً بالواقعة المرفوعة بها الدعوى. وعليها أن تقضي بذلك . من تلقاء نفسها لأن هذا الاختصاص من النظام العام. ويجوز الدفع بعدم اختصاصها في أي مرحلة من مراحل الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض. فمثلاً إذا تسبب اللص الذي دخل حديقة المنزل لسرقته في إتلاف الحديقة فلا يكون التعويض عن هذا الإتلاف مما تختص به المحكمة الجنائية، ويقتصر اختصاص هذه المحكمة على التعويض عن فقد الشيء المسروق، لأن التعويض عن إتلاف الحديقة يقتضي بحثاً في إثبات حصول هذا الإتلاف وهو أمر خارج عن حدود الجريمة التي تنظرها المحكمة الجنائية.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة: 708)

ويستفاد من ذلك أنه لكي يقوم السبب في الدعوى المدنية يلزم توافر شروط ثلاث : الأول أن تكون هناك جريمة قد وقعت من المتهم ، والثاني أن يكون هناك ضرر قد تحقق، الثالث أن يكون الضرر ناشئاًً عن الجريمة أي أن يكون بين الجريمة والضرر علاقة مالية مباشرة.

الشرط الأول : أن تكون هناك جريمة قد وقعت من المتهم :

 أولاً : وقوع الجريمة :

إذا كانت الدعوى المدنية يختص بها القضاء الجنائي استثناء فلأنها تجد سبباً لها في الجريمة التي يختص هذا القضاء أصلاً بنظرها، ومعنى ذلك أنه لا اختصاص القضاء الجنائي إذا لم يكن الفعل الذي سبب الضرر قد توافرت فيه عناصر الجريمة. فالفعل غير المشروع مدنياً لا يحق المطالبة بالتعويض عنه أمام المحاكم الجنائية إلا إذا كان أيضاً غير مشروع جنائياً  ذلك أن الدعوى المدنية المنظورة أمام المحكمة الجنائية تكون تابعة للدعوى الجنائية المرفوعة أمام ذات المحكمة. ولذلك إذا كان الفعل لا يكون جريمة فلن ترفع به الدعوى العمومية وبالتالي لن تختص المحكمة الجنائية به.

ولا يكفي أن يكون الضرر ناشئاًً عن جريمة ، بل يلزم في هذه الجريمة أن تكون قد حركت بشأنها الدعوى العمومية ، فإذا لم تكن الدعوى العمومية قد حركت فلا يجوز الادعاء المدني أمام المحكمة الجنائية باعتبار أن الدعوى المدنية تتبع الجنائية، اللهم إلا إذا كان جائزاً الادعاء المباشر بصددها وتوافرت شروطه. ومعنى ذلك أنه لا اختصاص للمحكمة الجنائية بنظر دعوى تعويض عن وقائع لم ترفع بها الدعوى العمومية.

ولكن ما المقصود بالجريمة هنا، هل يلزم أن تكون الجريمة متوافرة الأركان أي ركنيها المادي والمعنوي، أم أن المشرع قصد بالجريمة هذا الواقعة غير المشروعة المكونة للركن المادي فقط؟

ذهب جانب من الفقه إلى أنه يشترط لكي ينعقد الاختصاص للمحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية لن يكون الفعل مكوناً لجريمة متوافرة الأركان في ركنيها المادي والمعنوي. فإذا تخلف الركن المعنوي فلن نكون بصدد جريمة ويتعين على المحكمة أن تحكم بالبراءة في الدعوى الجنائية وبعدم الاختصاص بنظر الدعوى المدنية  احمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص267.

غير أن هذا الرأي على وجاهته لا يمكننا التسليم به ذلك أن المشرع إذ أباح للمضرور من الجريمة رفع الدعوى المدنية إلى المحكمة المنظورة أمامها الدعوى الجنائية لم يشترط تلازماً بين المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية إذ أن قواعد الاثنتين مختلفة. ولذلك فقد اكتفي بأن تكون هناك جريمة قد وقعت من المدعى عليه وهو المتهم، وهذا يكفي لكي تختص المحكمة بنظر الدعوى المدنية الناشئة عن هذه الجريمة بغض النظر عن مسئولية الجاني أو انعدام مسئوليته. فانعدام المسئولية لا ينفي عن الفعل المرتكب الصفة غير المشروعة إذ أنه يظل جريمة في نظر القانون  وهذا فضلاً عن أن المشرع حينما يستخدم تعبير جريمة في قانون الإجراءات إنما يقصد فقط الواقعة غير المشروعة المكونة للركن المادي المكون للجريمة. أما مسئولية الجاني عن هذه الواقعة غير المشروعة فيبحثها القاضي بمناسبة الدعوى الجنائية، كما أنه يبحث مسئوليته المدنية بناء على الدعوى المدنية المرفوعة تبعاً لها، والقول بغير ذلك معناه أنه في جميع الأحوال التي يقضي فيها بالبراءة يمتنع الحكم بالتعويض للمضرور من الجريمة الذي ادعى مدنياً أمام المحكمة الجنائية. وهذا ما لا يتفق والغرض الذي من أجله منح المشرع المحكمة الجنائية سلطة الفصل في الدعوى المدنية، كما لا يتفق ونص القانون الذي قضى مراحة في المادة 309 إجراءات بأن كل حكم يصدر في موضوع الدعوى الجنائية يجب أن يفصل في التعويضات التي يطلبها المدعي بالحقوق المدنية أو المتهم. ولم يحدد المشرع نوع الحكم الفاصل في الموضوع. فقصره على أحوال الإدانة هو تقييد لم ينص عليه المشرع ويتنافى مع المحكمة من اختصاص المحاكم الجنائية بنظر الدعوى المدنية.

غير أنه يلاحظ أنه ليس للمحكمة الجنائية أن تقضي في الدعوى المدنية المرفوعة تبعاً للدعوى الجنائية في حالة الحكم بالبراءة المؤسسة على أن الفعل لا يكون جريمة في ركنها المادي ويتعين على المحكمة في هذه الحالة أن تحكم بعدم اختصاصها بنظر الدعوى المدنية، كما سنرى أكثر تفصيلاً.

والرأي الذي نقول به يتفادى ما وقع فيه أنصار الرأي الأول من تضارب حينما تعرضوا لحالة ما إذا تبين للمحكمة بعد التحقيق أنه لا مسئولية جنائية لإنعدام الركن المعنوي أو لتوافر سبب من أسباب الانعدام الأخرى. فقد ذهب هذا الرأي إلى وجوب الفصل أيضاً في الدعوى المدنية، بينما إذا تبين للمحكمة من الوهلة الأولى أن الركن المعنوي منتف فتحكم بعدم اختصاصها بنظر الدعوى المدنية.

وهذا التضارب بين حكم الفرضين لا يجد أساساًً له من القانون فالمحكمة الجنائية إما أن تكون مختصة بالفصل في الدعوى المدنية وإما ألا تكون سواء تبين لها ذلك في المراحل الأولى من نظر الدعوى أم بعد التحقيق فيها.

وفي الواقع أن جميع الأحكام التي استشهد بها أنصار الرأي المعارض في التدليل على تأييده إنما هي أحكام تتعلق بالحكم بالبراءة المؤسس على انتفاء صفة التجريم عن الفعل المرتكب بحيث أنه لا يقوم به الركن المادي المكون للجريمة. ومن ذلك مثلاًً حكم النقض الذي جاء به «إذا كانت المحكمة قد أسست حكمها بالبراءة على عدم وجود جريمة في الواقعة المرفوعة عنها الدعوى العمومية وأن النزاع بين المدعي بالحقوق المدنية وبين المتهم هو نزاع مدني بحت يدور حول قيمة ما تسلمه المتهم من نقود وما ورده له من أدوية تنفيذاً للاتفاق الحاصل بينهما، وأن هذا النزاع لم يصف بعد، فإن مقتضى هذا الذي قالته كان يتعين حتماً أن يكون فصلها بالنسبة للدعوى المدنية بعدم اختصاصها بنظرها، مادامت هذه المحكمة قد فصلت في الدعوى العمومية بالبراءة.

وقضت أيضاً ذات المحكمة بأنه متى كان الواضح مما أثبته الحكم المصون فيه أن إخلال المتهم بالتعاقد الذي يدعيه الطاعن لا تكون به جريمة الغش المرفوعة بها الدعوى، فإن قضاءه بالبراءة اعتماداً على هذا السبب يترتب عليه عدم اختصاص المحكمة بالفصل في الدعوى المدنية .

خلاصة القول إذن هو أنه يجب الأختام المحكمة الجنائية بالدعوى المدنية أن تكون هناك جريمة قد وقعت في ركنها المادى وأن تكون قد حركت فيها الدعوى.

وفي حالة تخلف هذا الشرط يتعين بعدم اختصاص المحكمة الجنائية وليس الحكم بعدم قبولها. إذ أن عدم القبول يفترض أن المحكمة الجنائية مختصة بينما في فرضنا هذا لا تكون مختصة بنظر الدعوى المدنية.

ثانياً : ثبوت ارتكاب الفعل من قبل المتهم :

لا يكفي لتوافر السبب في الدعوى المدنية أن تتحقق المحكمة من وقوع الجريمة في ركنها المادي بل يلزم فوق ذلك أن تتحقق المحكمة من أن الجريمة التي وقعت قد أتاها المتهم المرفوعة عليه الدعوى الجنائية. وذلك لأن الحكم في الدعوى المدنية يصدر في مواجهة المتهم المرفوعة عليه الدعوى الجنائية ومن ثم يلزم أن يكون هو الذي أتي الفعل المكون للجريمة، ولذلك فإن براءة المتهم المؤسسة على عدم ارتكابه الفعل المكون للجريمة يترتب عليها وجوب الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى المدنية.

الشرط الثاني : أن يكون هناك ضرر شخصي مباشر قد تحقق أو أنه محقق الوقوع حالاً أو مستقبلاً.

وهذا الشرط استحدثه المشرع بالقانون رقم 174 لسنة 1998 والذي أضاف المادة 251 مكرراً بنصها على أنه «لا يجوز الادعاء بالحقوق المدنية وفقاً لأحكام هذا القانون إلا عن الضرر الشخصي المباشر الناشئ عن الجريمة والمحقق الوقوع، حالاً أو مستقبلاً». 

تعريف الضرر : الضرر هو الأذى الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه المالية المتعلقة بالذمة ، بينما يكون معنوياً إذا أصابه في حق من الحقوق غير المالية والتي تتعلق فقط بشخص صاحبها. وقد استقر الرأي في الفقه والقضاء منذ زمن بعيد على أن الضرر المادي والمعنوي يمكن تعويضهما بغير تفرقة بينهما. وقد نصت التشريعات المعاصرة في معظمها على ذلك المبدأ. والخلاف الآن ينحصر فقط في مدى إمكان انتقال الحق في التعويض عن الضرر الأدبي إلى الورقة والرأي مستقر تقريب في الفقه على عدم جواز الحق في تعويض الضرر الأدبي إلى الورثة. بل أن المشرع المدني عدد الأشخاص الذين يحق لهم التعويض عن الضرر الأدبي الناتج عن الفعل غير المشروع المتمثل في الوفاة ، وقصر الحق في المطالبة بالتعويض عن هذا الضرر المتمثل في الألم من فقد المصاب الزوج والأقارب للدرجة الثانية. وفي هذه الحالة يكون التعويض عن ضرر شخصي أصاب الزوج أو الأقارب للدرجة الثانية وليس تعويضاً عن الضرر الذي أصاب المتوفي إذ أن الضرر الأدبي لا ينتقل بالوراثة، وهذا أيضاً هو ما حكمت به المحكمة العليا الليبية حين قضت بأن «صفة الوراثة لا ترشح للتعويض وإنما الذي يرشح للتعويض هو الضرر مادياًً كان أو أدبياً أو كليهما وعلى المحكمة أن تبين في عناصره التي اتخذتها أساس لتقديرها - وذلك لأن المادة 224 إجراءات جنائية المقابلة للمادة 251 مصری) وقد أجازت هذا التدخل من لحقه الضرر من الجريمة» أما الوراثة فهي صفة تعطي لصاحبها الحق في المطالبة بقدر معين مما يكون المورث قد خلفه من تركة قبل وفاته .

ويشترط في الضرر المكون السبب الدعوى المدنية أن يكون محققاً. ويكون الضرر كذلك إذا كان قد تحقق فعلاً أو كان تحققه في المستقبل حتمياً لتوافر الأسباب المؤدية إليها حتماً في الحاضر، ومثل الضرر المحقق الوقوع الإصابة بالعاهة فهي بالنسبة للآثار المترتبة عليها مستقبلاً يعتبر الضرر بمقتضاها محقق الوقوع ومثل ذلك فقد البصر مثلاًً أو قد أي عضو أخر من أعضاء الجسم فيترتب عليه العجز المستقبل بالضرورة.

وإذا كان الضرر محتملاً أي يحتمل وقوعه كما يحتمل عدم وقوعه فلا يجوز التعويض عنه وبالتالي يتعين على المحكمة في هذه الحالة أن تحكم برفض الدعوى المدنية .

وقد يثور التساول بالنسبة للضرر المتمثل في تفويت الفرصة ولا شك أن تفويت الفرصة هو في حد ذاته ضرر يمكن التعويض عنه، أما الأضرار الأخرى التي قد تنجم عن تفويت الفرصة فهي تعتبر أضراراً محتملة لا يجوز التعويض عنها  انظر أيضاً أحمد فتحى سرور ، المرجع السابق ، ص 274.

ومثل ذلك فقد فرصة دخول الامتحان بالنسبة للنجاح وفقد فرصة الطعن في الحكم بالنسبة للحكم في صلح الطاعن وهكذا. ولذلك حكم بأنه لا حق لأخوة المجني عليه إذا كانوا أطفالاً صغاراً في المطالبة بتعويض عن وفاته على أساس أنه هو الذي كان سيتولى أمرهم بعد وفاة والدهم لأن هذا مجرد احتمال لا يصلح لأن يكون أساساًً للتعويض .

ومتى كان الضرر بقا سواء أكان قد تحقق فعلاً لو كان بحقه في المستقبل مؤكداًً جاز التعويض عنه. ويحق للمضرور في الضرر المحقق مستقبلاً أن يطلب تعويضاً مؤقتاً إذا لم يكن من الممكن تحديد قيمة التعويض كاملة عن الضرر. وله بعد ذلك أن يلجأ إلى المحكمة المدنية لتقدير التعويض الكامل عند تحقيق الإضرار المستقبلة.

الشرط الثالث : أن يكون الضرر نشأ عن الجريمة مباشرة :

لا يكفي أن تكون هناك جريمة ثبت ارتكابها من قبل المتهم وإنما يلزم فوق ذلك أن يكون الضرر قد ارتبط بالجريمة برابطة سببية مباشرة. فلا يكتفي بمجرد ذلك أن يكون الضرر قد ارتبط بالجريمة برابطة سببية مباشرة. فلا يكتفي بمجرد وجود علاقة سببية أياً كانت بل لابد أن تصف هذه العلاقة بصفة معينة وهي الناشئة عن الجريمة. غير أنه في هذا القيد تكمن الحكمة من الاستثناء الخاص بجواز نظر الدعوى المدنية من قبل المحكمة الجنائية  فالمشرع لم يريد أن تعرض تلك المحكمة الدعوى المدنية إلا في الأحوال التي يكون فيها الضرر ناشئاًً مباشرة عن الجريمة التي تختص بنظرها حتى لا يترتب تأخير في الفصل في الدعوى الجنائية بسبب التحقق من توفر رابطة السببية. 

ومما ينبغي ملاحظته انه ليس معنى اشتراط أن يكون الضرر قد نشأ عن الجريمة مباشرة لاختصاص المحكمة الجنائية أن المضرور الذي لا يتوافر في ضرره هذه الصفة لا حق له في التعويض. فهذا الشرط هو فقط لتقرير اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية الناشئة عن الجريمة ولذلك يحق له إذا لم يتوافر هذا الشرط أن يلجأ إلى القضاء المدني ليحكم له بالتعويض.

ولذلك فإن القاضي الجنائي في بحثه لعلاقة السببية بين الضرر والجريمة لا يجب عليه أن يراعي القواعد الخاصة ببحث السببية الجنائية. فهذه الأخيرة لا يلزم أن تتوافر فيها صفة المباشرة وإنما يكتفي فيها بألا يكون هناك عامل آخر قد تدخل بين السلوك والنتيجة وكان كافياً بمفرده لتحقيقها، وهذا ما قصدته المحكمة العليا بقولها : ينبغي لمساءلة الجاني في الجريمة أن تتوافر علاقة السببية بين فعله أو امتناعه وبين الضرر أو الخطر الذي يترتب عليه وجود الجريمة فإذا توافرت هذه العلاقة بطريق مباشر أي دون تدخل أسباب أخرى فإن الجاني يكون مسئولاً عن الجريمة فالسببية الجنائية يكتفي فيها بأن يكون السلوك الإجرامي لا يمكن أن توجد النتيجة بدونه. وفي هذا تقول المحكمة العليا بأن القاعدة لتحديد رابطة السببية بين الخطأ والقتل أو الجرح هو عدم تصور وقوع القتل أو الجرح بدون تلك الخطا بحيث يكفي أن نتصور حصول القتل أو الجرح بدون وجود الخطأ حتى تتوافر رابطة السببية.

وإذا لم يكن الضرر مباشر أي علاقة السببية المباشرة بين الجريمة والضرر لا يمكن الرجوع في تحديدها إلى السببية المدنية التي هي أوسع من هذه الرابطة ولا إلى السببية الجنائية التي هي بدورها تشمل نطاق أوسع من صفة المباشرة ، فما هو المقصود بهذا الشرط في مجال اختصاص القاضي الجنائي بالدعوى المدنية؟ 

ليس في الفقه أو القضاء نظرية متكاملة لعلاقة السببية المباشرة كشرط الاختصاص القاضي الجنائي بالدعوى المدنية، كل ما هناك هو تطبيقاًت للمحاكم تستفاد منها العلاقة المباشرة بين الجريمة والضرر الناشئ عنها.

والرأي عنها أنه يمكن القول بتوافر السببية المباشرة كلما كانت الجريمة التي وقعت هي الحلقة الأخيرة من سلسلة السببية بالنسبة للضرر المتحقق. وتطبيقاً لذلك لا يجوز أن تختص المحكمة الجنائية بالحكم في التعويض عن الإتلاف بالنسبة لجريمة قتل نتيجة تصادم سيارتين. فالإتلاف هنا وأن استوجبت التعويض المدنى نتيجة خطأ السائق إلا أنه لم ينشأ عن جريمة القتل الخطأ وإنما ينشأ عن التصادم . كذلك أيضاً ليس للمحكمة أن تقضي بالتعويض المترتب على المسئولية العقدية بمناسبة نظرها لجريمة خيانة الأمانة. فالتعويضات الناشئة عن المسئولية العقدية لا تختص بها المحاكم الجنائية حتى ولو كانت متصلة بجرائم مقامة عنها الدعوى الجنائية لأن الضرر الناشئ عن الإخلال بهذه المسئولية لا يعتبر ناشئاًً مباشرة عن الجريمة.

كذلك ليس للمحاكم الجنائية أن تقضى بالتعويض عن الأضرار الناشئة بناء على علاقة بين المدعي المدني والمجني عليه في الجريمة والتي توفرت بمناسبة ارتكاب الجريمة. ومثل ذلك ما تطلبه شركة التأمين من تعويض بمناسبة جريمة قتل خطأ نظير ما تلتزم به من مبلغ تأمين ينفع لورثة المتوفى بناء على عقد التأمين وكذلك ما تطلبه الحكومة من مصاريف العلاج التي انفقها على أحد موظفيها بسبب الجريمة. ولا يقبل من الحكومة مطالبة المتهم أمام المحكمة الجنائية بما ستدفعه لأرملة القتيل.

كذلك لا يجوز للمحكمة الجنائية أن تقضي في جريمة الشيك بدون رصيد للمستفيد بقيمة الشيك باعتباره تعويضاً عن الجريمة إذ أن هذا يخرج عن ولاية المحكمة الجنائية، إذ أن الحكم به ليس تعويضاً عن ضرر ناشئ عن الجريمة وإنما هو قضاء بدين سابق على تحرير الشيك الذي تقوم به الجريمة وإن كان يجوز للمحكمة أن تقضي بالتعويض عن الضرر الناشئ عن عدم صرف قيمة الشيك إذا وجدت أضرار.

ولا يجوز للمحكمة الجنائية أن تقضي بالتعويض إلا بناء على الخطأ الشخصي وليس بناء على أحكام المسئولية المفترضة وذلك إذا انتهت المحكمة إلى عدم توافر السلوك الإجرامي المستوجب العقاب في الدعوى الجنائية. ومثال ذلك أن تبرئ المحكمة المتهم من تهمة القتل الخطا لعدم توافر سلوك يتصف بالإهمال أو الخطأ ثم نحكم عليه بالتعويض بناء على ما افترضه المشرع من خطأ حارس المبنى.

نخلص من كل ما سبق إلى أن المحكمة الجنائية لا تختص بنظر الدعوى المدنية إلا حيث يكون الضرر المستوجب التعويض بجد مصدراً مباشراً له في الجريمة ذاتها ، ولم تكن الجريمة مجرد ظرف أو مناسبة وإنما سبباً للضرر .

الدفع بانتفاء رابطة النسبية المباشرة :

طالما أن السببية المباشرة هي شرط أساسي في الضرر المكون السبب الدعوى المدنية حتى ينعقد اختصاص المحاكم الجنائية بنظرها، فإن تخلف هذا الشرط يؤدي إلى تخلف اختصاص هذه المحاكم بنظر الدعاوى المدنية ولا شك أن اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعاوى المدنية الناشئة من الجريمة هو أمر متعلق بالنظام العام لتعلقه بولاية المحاكم ذاتها. يترتب على ذلك أن الدفع بانتفاء السببية المباشرة بين الضرر والجريمة هو نفع متعلق بالنظام العام يجب على المحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ، كما يجوز الدفع به في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض. غير أنه في هذه الحالة إذا كان يترتب على الدفع إجراء تحقيق موضوعي فلا يقبل لأول مرة أمام هذه المحكمة نظراً لخروج ذلك عن ولايتها.

أثر انتفاء شرط من شروط السبب في الدعوى المدنية :

إن الشروط الثلاثة السابق عرضها لابد من توافرها مجتمعة لكي ينعقد اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية المرفوعة تبعاً للدعوى الجنائية. ويترتب على ذلك أن تخلف أي شرط من هذه الشروط ينفي ولاية المحكمة بنظر الدعوى المدنية ويتعين على المحكمة أن تحكم بعدم اختصاصها.

ويستوى أن تكون المحكمة قد استظهرت تخلف شرط من هذه الشروط في بدء اتصالها بموضوع الدعوى أم بعد تحقيقها للموضوع. كما يستوي أيضاً أن يكون تخلف الشرط قد ظهر في أول درجة أو أمام المحكمة الاستئنافية أو أمام محكمة النقض بناء على دفع من الدفوع.

وقد ذهب البعض رؤوف عبيد، المرجع السابق، ص 210 . إلى أنه إذا أقيمت دعوى جنائية عن واقعة بوصفها جريمة ثم اتضح بعد البحث والتحقيق أنها لا تخضع للقانون الجنائي فليس هناك مانع من الحكم بتعويض مبني عن الضرر المترتب مباشرة على هذه الواقعة. ويضرب مثلاًً لذلك بالمسئولية المدنية المفترضة بمقتضى قرائن القانون المدني إذا لم تثبت قبل المتهم - ابتداء - مسئولية جنائية غير مفترضة وكذلك دعاوى الضمان.

ويبدو أيضاً أن المحكمة العليا تميل إلى الأخذ بهذا الرأي حين قضت بوجوب نقض الحكم الصادر برفض الدعاوى المدنية لانتفاء الجريمة مع توافر الخطأ المدني.

غير أن هذا القول لا يستقيم واعتبار اختصاص القضاء الجنائي بالدعوى المدنية هو اختصاص استثنائي ويتعلق بالنظام العام. وهو يعتبر كذلك حتى من قبل أنصار الرأي المعارض. وطالما انه اختصاص له هذه الصفة فيستوي أن تستظهر المحكمة علم اختصاصها في بدء نظر الدعوى أو في مرحلة لاحقة وإذا كان الدفع بعدم الاختصاص يمكن إبداؤه حتى لأول مرة أمام محكمة النقض لتعلقه بالنظام العام فليس هناك من مبرر للتفرقة بين فروض عدم الاختصاص بناء على الوقت أو المرحلة التي ظهر فيها للمحكمة الجنائية أنها غير مختصة بنظر الدعوى المدنية. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 840)

السببية المباشرة بين الجريمة والضرر:

يتعين لاختصاص القضاء الجنائي بالدعوى المدنية أن يكون الضرر مترتباً مباشراً على الجريمة، وفي هذا الصدد يجب عدم الخلط بين الدعوى المدنية - التبعية وهي التي تهدف للحصول على تعويض عن الضرر المترتب مباشرة عن الجريمة، والدعوى المدنية التي تهدف إلى سبب آخر رغم أن الجريمة كانت سبباً لها. مثال ذلك دعوى طلب الطلاق بسبب الضرر الناتج عن الاعتداء بالضرب المتكرر على الزوجة، ودعوى إبطال الإرث بسبب أن الوارث قتل مورثه، فهنا لم تهدف الدعوى إلى تعويض الضرر المترتب على الجريمة وإنما تهدف إلى ترتيب آثار مدنية لحالة تسببت فيها الجريمة.

وعلاقة السببية الواجب توافرها بين الضرر والجريمة هي بذاتهما تلك العلاقة الواجب قيامها بين الخطأ والضرر الانعقاد المسئولية المدنية. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه إذا كان المدعي المدني في جريمة التبديد قد بنى دعوى التعويض على الضرر الذي لحق به نتيجة إخلال المتهم بواجبه في تنفيذ شروط عقد النقل لا على الضرر الناشئ عن جريمة التبديد المسندة إليه، فإن الدعوى لا تختص بنظرها المحكمة الجنائية. وقضى بعدم اختصاص المحاكم الجنائية بدعوى المسئولية الناشئة عن الأشياء . كما قضى بعدم توافر السببية المباشرة بين الجريمة والضرر إذا اقتصر الادعاء المدني في جريمة تزوير الشيك على المطالبة بقيمة الشيك المزور، لأن سبب الضرر الذي عاد على المدعي المدني كان راجعاً إلى إهمال موظف البنك المسحوب عليه في التحقق من صحة التوقيع.

وقد قنن المشرع هذا القضاء بنص صريح، فصدر القانون رقم 174 لسنة 1998 وأضاف المادة 251 مكرراً إلى قانون الإجراءات الجنائية التي نصت على أنه لا يجوز الادعاء بالحقوق المدنية وفقاً لأحكام هذا القانون إلا عن الضرر الشخصي المباشر الناشئ عن الجريمة والمحقق الوقوع حالاً ومستقبلاً.

وقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية إلى استبعاد ما يسمى بـ «الجرائم المتعلقة بالمصلحة العامة» من دائرة الجرائم التي يجوز الادعاء المدني عن الضرر المترتب عليها. وقد ظهرت هذه الفكرة لأول مرة في حكم أصدرته هذه المحكمة عام 1913، ذهبت فيه إلى أن جريمة الفعل الفاضح العلني لا تمس غير مجموع المواطنين، وتعتدي على الأخلاق العامة وحدها. ومنذ ذلك الحين بدأ القضاء في توسيع نطاق هذه النظرية، فأدرج في قائمة الجرائم التي لا يجوز للمجني عليه الادعاء مدنياً بشأن ما لحقه من ضرر عنها العديد من الجرائم.

غير أن هذه النظرية لم تصمد للنقد. فمن ناحية لا يجوز التمييز بين جرائم متعلقة بالمصلحة العامة وأخرى متعلقة بالمصلحة الخاصة من زاوية الضرر الماس بالأفراد. ذلك تمييز غير واقعي يتعارض مع واقعية القانون الجنائي، وهو تمييز يمس مباشرة مصالح الأشخاص أو أموالهم. ومن ناحية أخرى، فإن التمييز بين الجرائم التي تمس المصلحة العامة وتلك التي تمس المصلحة الخاصة يبين على المصلحة المباشرة ولا يتعلق بالضرر الذي يمكن أن يصيب الأفراد. وأخيراً، فإن القول بأن الجرائم المتعلقة بالمصلحة العامة لا يمكن أن تضر بالأفراد مردود بأن طلب التعويض غير المقبول أمام القضاء الجنائي يكون مقبولاً أمام القضاء المدني رغم تأسيسه على ذات الفعل الضار. والواقع من الأمر أن القاضي الجنائي يجب أن يبحث في كل حالة على حدة ما إذا كان هناك ضرر مباشر أصاب الفرد من الجريمة، بغض النظر عن نوع هذه الجريمة أو نوع المصلحة المعتدى عليها. فإذا لم يكن هناك ضرر مباشر عن الجريمة - بغض النظر عن كونها مضرة بالمصلحة العامة أو بالأفراد - فإن المحكمة الجنائية تكون غير مختصة بنظر التعويض. ولهذا قضت محكمة النقض الفرنسية أنه إذا أضرت الجريمة بالمصلحة العامة فيمكنها أيضاً أن تلحق ضرراً شخصياً يمكن أن يكون سبباً لدعوى مدنية أمام القضاء الجنائي. على أن نظرية الجرائم المضرة بالمصلحة العامة لم تجر تماماً، فمازالت بعض الجرائم تعد في نظر القضاء الفرنسي ضارة بالمصلحة العامة فقط، مثال ذلك إفشاء أسرار الدفاع، وإهانة القضاء، وجرائم ممارسة بعض المهن بغير ترخيص أو موافقة مسبقة.(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 406)

وبالتالي فإنه يجب أن يكون الضرر حالاً ومؤكداً، ويترتب على ذلك استبعاد تعويض الضرر المحتمل .ولذلك فإنه يشترط لقبول الدعوى المدنية أن تستند إلي مصلحة موجودة ومحققة فإنه إذا جاز للشاكي أن يقيم نفسه مدعياً بحقوق مدنية فما ذلك إلا لأن الضرر الذي سببته الجريمة يضر بمصلحة له نشأت ووجدت بالفعل وأصبحت محققة وبغير هذا لا تكون له صفة في مباشرة الدعوى المدنية ويجب أن يقصر عمله على التبليغ عن الجريمة، أما الضرر المحتمل وهو الذي يقع في المستقبل وقد لا يقع فهو لا يصلح أساساً للدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية ولكن من حق المضرور حينما تتضح معالم الضرر إذا تحقق مستقبلاً أن يتقدم إلي القضاء المدني مطالباً بالتعويض ومثال الضرر المحتمل وفاة الأخ بالنسبة لأخوته الصغار إذ يحتمل أنه كان هو الذي سيعولهم في المستقبل بعد وفاة والدهم .

ويكون الضرر محققاً إذا كان واقعاً حتماً، أي قائماً وقت تحريك الدعوى. ومثال الضرر المؤكد الحاضر، وفاة الوالد أو وفاة الابن في جريمة قتل. ولذا قضى بأن: " تعويض الوالد عن فقد ابنه لا يعتبر تعويضاً عن ضرر محتمل الحدوث في المستقبل، إذ مثل هذا التعويض إنما يحكم به عن فقد الولد، وما يسببه هذا الحادث من اللوعة للوالد ومثال الضرر المؤكد في المستقبل، إصابة المجني عليه في جريمة إصابة غير عمدية إصابة لم يتضح مداها وقت المطالبة بالتعويض.

أما عن الضرر المتمثل في إضاعة الفرصة، مثل ذلك إضاعة فرصة أداء الامتحان، أو التقدم بطلب وظيفة إذا ترتب أيهما علي الجريمة، فإنه يعتبر في ذاته ضرراً محققاً حاضراً، ولا تثور الصعوبة إلا بصدد تقدير قيمة الضرر نظراً لأن نتائج ضياع الفرصة لا تكون محددة كالنجاح في الامتحان أو الرسوب فيه. وقبول طلب التعيين في الوظيفة أو عدم قبوله.

ويلاحظ أن إمكان وجود الضرر كثيراً ما يتحقق بمجرد ثبوت الجريمة إذا كانت ظروف الدعوى تبين أن المدعي المدني قد تضرر منها بالضرورة مباشرة. مثال ذلك: أن يرفع المجني عليه في حادثة مرور الدعوى على سائق السيارة مطالباً بتعويض الضرر الذي ناله من الحادث، فهو يقتصر على بيان الجريمة التي أضرته مباشرة، دون أن يمكن الاعتراض على كونه لم يثبت الضرر، إذا الضرر من الوضوح بحيث أنه ليس في حاجة إلى الإثبات.

وهذا هو الاتجاه الذي أقرته محكمة النقض حيث قضت بأن الحكم بعدم قبول طلب المدعى على أساس أن الضرر المدعى ليس محققاً هو حكم غير مخالف للقانون مادام الطلب المقدم يحمل في ثناياه بادئ ذي بدء أن مقدمة لا يحق له أن يكون خصماً في الدعوى سواء لانعدام الصفة، أو لعدم إصابته بضرر من الجريمة .

وعلى هذا النحو فإن الشرط الأساسي لجواز الادعاء المدني هو أن يكون الضرر محقق الوقوع أي مؤكداً، ويستوي بعد ذلك أن يكون محقق الوقوع في الحال أو محقق الوقوع في المستقبل، وبالتالي فالضرر المحتمل الوقوع في المستقبل يخرج عن هذا الإطار ولا يجيز رفع الجنحة المباشرة .(الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 725)

شروط الضرر: يتعين أن يتوافر في الضرر کي يصلح سبباً الدعوى المدنية شروط ثلاثة: أن يكون شخصياً، وأن يكون محققاً، وأن يكون مباشراً. وتبحث في كل شرط من هذه الشروط.

اشتراط أن يكون الضرر شخصياً: يعني هذا الشرط أن المدعي يتعين أن يتذرع بضرر أصابه شخصياً، فلا يجوز له أن يطالب بالتعويض عن ضرر أصاب شخصاً سواه، إذ لا صفة له في ذلك، ومن ثم تكون دعواه غيرمقبولة، وذلك ما لم يتعد الضرر إليه، وفي هذه الحالة يصير الضرر المعتدي ضرراً شخصياً لمن تعدى إليه. وتطبيقاً لذلك، فإن دعوى مالك أرض بالمطالبة بتعويض الضرر المترتب على إتلاف المزروعات القائمة فيها لا تكون مقبولة، إن الضرر قد أصاب المستأجر وحده باعتباره مالك هذه المزروعات ولا تقبل دعوى تعويض الضرر المترتب على السرقة ممن لم تثبت له ملكية المسروقات.

وأهم نتيجة تترتب على هذا الشرط أنه لا تقبل الدعوى المدنية من شخص لا يتذرع بغير الضرر الذي أصاب المصلحة العامة وامتد إليه بالضرورة باعتباره فرداً في المجتمع، إذ ينطوي ذلك على خلط بين الدعويين الجنائية والمدنية، ذلك أن الدعوى التي تستند إلى الضرر الاجتماعي فحسب هي الدعوى الجنائية، ومن ثم كان هذا الضرر غريباً على الدعوى المدنية  وقد عبرت محكمة النقض على هذه القاعدة في قولها «القلق والاضطراب الذي يتولد عن الجريمة لدى أحد المواطنين لا يجوز الادعاء به مدنياً أمام المحكمة الجنائية» ومن أبرز تطبيقات هذه النتيجة أن المجني عليه في جريمة اقتصادية - كمن رفض تاجر أن يبيعه سلعة مسعرة - لا تقبل دعواه المدنية، إذ أن القوانين الجنائية الاقتصادية لم توضع لحماية المستهلك خاصة، وإنما وضعت حماية لتخطيط اقتصادي عام وإذا ارتكبت جريمة خطيرة في مجتمع محدود كقرية صغيرة، فلا يقبل من أحد أفراده أن يدعي مدنياً متذرعاً بما ترتب على هذه الجريمة من اضطراب أصاب أمن هذا المجتمع وطمأنينة أفراده.

اشتراط أن يكون الضرر محققاً: يعني هذا الشرط وجوب أن يكون الضرر حالاً مؤكداً، وعلته أن الدعوى تستند إلى حق، ومن ثم تعين أن يوجد الحق وتتأكد عناصره كي تنشأ الدعوى التي تحميه ويترتب على هذا الشرط استبعاد تعويض الضرر المحتمل، فلا حق لأخوة المجني عليه إذا كانوا صغاراً في التعويض عن وفاته على أساس أنه كان سيتولى رعايتهم بعد وفاة والدهم، لأن هذا مجرد احتمال لا يصلح لأن يكون أساساً للتعويض.

ولكن لا يترتب على هذا الشرط استبعاد التعويض عن الضرر المستقبل، ذلك أن الضرر المستقبل هو ضرر محقق و إن تراخي حلوله ومثال الضرر المستقبل عجز المجني عليه في جريمة الإيذاء البدني عن العمل الذي سوف يعاني منه في المستقبل، ونقص ثمار الأشجار التي تعرضت للإتلاف الذي سيتحقق على نحو يقيني في المستقبل.

يشترط أن يكون الضرر مباشراً: يشترط أن تكون للضرر الذي يتذرع به المدعي المدني صبغة جنائية تبرر اختصاص القضاء الجنائي به، ذلك أن الأصل هو اختصاص القضاء المدني بالفصل في دعوى التعويض، فإذا قرر القانون اختصاص القضاء الجنائي بها كذلك تعين أن يكون لهذا الاختصاص الاستثنائي ما يبرره من الطبيعة الجنائية للضرر والضابط في هذه الطبيعة أن يكون الضرر نتيجة مباشرة للجريمة، أو في عبارة أيق نتيجة مباشرة للفعل الإجرامي، ومعيار ذلك أن تتوافر «علاقة السببية» بينهما وهذا الشرط ينطوي في الحقيقة على شرطين: فيتعين أن يكون ثمة فعل إجرامي يسند إليه الضرر، ويتعين أن تربط بينهما علاقة سببية مباشرة.

وجود فعل إجرامي: يتعين أن يثبت المدعي المدني ارتكاب فعل إجرامي يسند إليه الضرر، أما إذا كان الفعل الذي ترتب عليه الضرر متجرداً من الصفة الجنائية، فإن الاختصاص بنظر دعوى التعويض عنه ينعقد للقضاء المدني وحده. وأهم نتيجة تترتب على ذلك أنه إذا ثبت أن ما يربط بين المدعي المدني والمدعى عليه هو علاقة مدنية بحتة لا تقوم بالإخلال بها جريمة قط، فلا اختصاص القضاء الجنائي بالنظر في المنازعات التي تتولد عن هذا الإخلال ولا عبرة بما يكون المدعي قد حاوله من إسباغ الطابع الجنائي على المنازعة بينه وبين المدعى عليه، إذ يتعين على القضاء الجنائي الذي أقيمت الدعوى أمامه أن يحبط هذه المحاولة، ويرد الأمر إلى نصابه، ويقضي بعدم قبول هذه الدعوى لأنها من اختصاص القضاء المدني وحده. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا تبين للمحكمة الجنائية أن ما يربط بين المدعي والمدعى عليه هو عقد قرض، وأن الضرر المدعى به والمتمثل في إخلال المدعى عليه بالتزامه الناشئ عن هذا العقد لا تقوم به جريمة خيانة الأمانة ولا تقوم به أية جريمة أخرى، فإن الدعوى المدنية تكون غير مقبولة. وإذا ادعى شخص أمام القضاء الجنائي بأن ما أصابه من ضرر ناشئ عن جريمة نصب ثم تبين للمحكمة أن السلوك المنسوب إلى المدعى عليه هو كذب مجرد لا يرقى إلى مرتبة الطرق الاحتيالية التي تتطلبها جريمة النصب، فإن الدعوى المدنية تكون كذلك غير مقبولة وإذا ادعى شخص أمام القضاء الجنائي بضرر ناشئ عن جريمة إعطاء شيك بدون رصيد ثم تبين أن السند الذي يحتج به لا تتوافر له شروط الشيك وأن المنازعة بينه وبين المدعى عليه مدنية بحتة كانت دعواه غير مقبولة وتفسر هذه القاعدة ما قدمناه من أن المقترض في قرض ربوي لا يجوز له الادعاء أمام القضاء الجنائي، إذ أن فعل الإقراض لا تقوم به جريمة وإذا استند المدعي في دعواه إلى إحدى قرائن الخطأ التي نصت عليها المواد 176 - 178 من القانون المدني كانت دعواه غير مقبولة، إذ تستند هذه القرائن إلى خطأ مفترض أو مسئولية مفترضة، وهي غير كافية ليقوم بها الخطأ في مدلوله الجنائي، ومن ثم لا تنسب جريمة إلى من يسند إليه هذا الخطأ المفترض.

توافر علاقة سببية بين الفعل الإجرامي والضرر: إذا ثبت ارتكاب المدعى عليه جريمة فإن ذلك غير كاف لقبول دعوى المضرور، وإنما يتعين أن يثبت توافر علاقة السببية بين الفعل الذي قامت به الجريمة وبين الضرر الذي يطالب المدعي بالتعويض عنه وتتفرع عن هذا الشرط نتائج هامة:

لا تقبل الدعوى المدنية إذا كان الضرر سابقاً على ارتكاب الجريمة، إذ تقتضي علاقة السببية بالضرورة أن يكون السبب سابقاً من حيث الزمن على حصول النتيجة. وتطبيقاً لذلك، فليس للمجني عليه في جريمة ضرب أن يطالب المتهمين بقيمة الأشياء التي أتلفوها وحصل الضرب لمنعهم من إتلافها، ذلك أن الإتلاف لم يكن نتيجة للجريمة، بل كان سابقاً عليها ومسبباً لها.

ولا تقبل الدعوى المدنية إذا لم يكن سبب الضرر هو الجريمة، وإنما كان واقعة مستقلة عنها في ماديتها متميزة بذاتيتها وإن كانت مرتبطة بها ونابعة عنها. وثمة تطبيقات هامة لهذه الفكرة:

فإذا برئ المتهم لم يكن له أن يطالب أمام القضاء الجنائي المتهم الحقيقي بتعويض عما أصابه من ضرر نتيجة الإجراءات الاتهام، ذلك أن هذا الضرر لم تكن الجريمة مصدره، وإنما كان سببه التوجيه الخاطئ لهذه الإجراءات وإذا اتهم شخص بتزوير شيك بأن جعله صادراً لأمره لم يكن للمستفيد من هذا الشيك أن يدعي مدنية أمام القضاء الجنائي للمطالبة بقيمة هذا الشيك، إذ أن ما أصابه من ضرر تمثل في ضياع مبلغ الشيك عليه لم يكن سببه التزوير، وإنما إهمال موظفي البنك المسحوب عليه في التحقق من صحة التوقيع.

وإذا لم يكن سبب الضرر هو الجريمة، وإنما كان سببه عدم الوفاء بالتزام تعاقدي سابق عليها، ولم تكن الجريمة غير المناسبة لوضع هذا الالتزام موضع التنفيذ، فإن دعوى المطالبة بتعويض هذا الضرر لا تكون مقبولة أمام القضاء الجنائي. وتطبيقات هذه القاعدة عديدة: فإذا ارتكبت جريمة إعطاء شيك بدون رصيد فلا تقبل أمام القضاء الجنائي دعوى المطالبة بقيمة هذا الشيك، ذلك أن هذه القيمة ليست التعويض عن الضرر المترتب على ارتكاب الجريمة، وإنما هي حق سابق على الجريمة، وما كان إعطاء الشيك غير الوسيلة للوفاء به. ولكن إذا طالب المجني عليه بتعويض عن الضرر الذي أصابه نتيجة عدم حصوله على قيمة الشيك في الوقت الذي كان يتوقعه وما ارتبط بذلك من اضطراب في معاملاته كانت دعواه مقبولة، إذ الضرر ناشئ عن الجريمة وتطبيقاً لذات القاعدة، فإذا ارتكبت جريمة اختلاس الأشياء المحجوزة فلا تقبل أمام القضاء الجنائي دعوى المطالبة بقيمة الدين الذي وقع الحجز من أجل عدم الوفاء به.

وغني عن البيان أنه إذا لم يثبت توافر علاقة السببية بين الضرر الذي يتذرع به المدعي وبين الفعل الإجرامي، وإنما ثبت توافرها بين هذا الفعل وبين ضرر أخف منه وسابق عليه في التسلسل السببي، فإن الدعوى المدنية لا تقبل إلا عن تعويض الضرر الأخف. وتطبيقاً لذلك، فإذا ترتب على فعل المتهم إصابة المجني عليه بجروح أفضت إلى عجزه عن العمل ثم حدثت وفاته وثبت انتفاء علاقة السببية بين الفعل والوفاة، فإن الدعوى المدنية لا تقبل إلا لتعويض الضرر الذي ترتب على الجروح والعجز عن العمل.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة:  318)

قد يتصل بجريمة من الجرائم عقد من العقود ويكون للمحكمة أمر الجنائية أن تقضي في الضرر المترتب مباشرة على الجريمة فحسب لا على العقد ، مهما كانت الصلة وثيقة بين الأمرين، فليس للمحكمة الجنائية أن تحكم بتعويض ما استناداً إلى واقعة التعاقد، أو إلى وجود شرط معین العقد، أو إلى بطلانه وما يترتب عليه من رد لما دفع بغير وجه حق أو تعويض، أو ما قد يترتب على فسخ العقد من آثار .

ومن ذلك مثلاً ما قضى به من أن من يشتري مال مسروقاً بحسن نية لا يجوز له أن يدعى مدنياً في الدعوى الجنائية ضد السارق، لأن ما لحقه من ضرر ترتب على واقعة الشراء، وهي واقعة مستقلة عن جريمة السرقة التي ما كانت لتؤدي بذاتها إلى هذا الضرر .

ومنه أيضاً ما قضى به من أنه لا يجوز في جريمة إعطاء شيك بدون رصيد المطالبة بقيمة الشيك بالتبعية للدعوى الجنائية، إذ أن قيمة الشيك ليست تعويضاً عن الجريمة، بل هي عبارة عن دين مستحق سابق على وقعها غير مترتب عليها  بل تجوز المطالبة بتعويض الضرر المترتب على نفس واقعة إصدار الشيك بدون رصيد، وما تكبده المجني عليه من مصاريف .

وأحياناً قد يرى القانون أن يبيح للمستفيد طريق المطالبة بقيمة الشيك بالتبعية للدعوى الجنائية تيسيراً للإجراءات ومساعدة المضرور على اقتضاء حقه سريعاً من السحب، لكن ذلك يكون إستثناء صريحاً من القاعدة التي ذكرناها .

وتطبيقا لنفس القاعدة قضى بأنه لا يجوز اختصام شركة التأمين التي أمن لديها المتهم في حادثة سيارة أمام المحكمة الجنائية، لأن التزامها مترتب على عقد التأمين لا على الجريمة التي وقعت من المتهم، إنما تكون مقاضاة شركة التأمين أمام المحكمة المدنية . ولكن الآن نصت المادة 258 مكرراً مضافاً بالقانون 85 لسنة 1976 على أنه يجوز رفع الدعوى .. المدنية قبل المؤمن لديه لتعويض الضرر الناشئ عن الجريمة أمام المحكمة التي تنظر الدعوى الجنائية . وتسري على المؤمن لديه جميع الأحكام الخاصة بالمسئول عن الحقوق المدنية المنصوص عليها في هذا القانون .

كما قضى بأنه ليس للمحكمة الجنائية، وهي تفصل في جريمة إتلاف زراعة في أرض مؤجرة ، أن تقبل الدعوى المدنية من مالك هذه الأرض، لأن الضرر المباشر الناشئ عن الإتلاف يصيب المستأجر أي صاحب الزراعة لا المالك الذي إن لحقه ضرر فإن ذلك يكون عن طريق غير مباشر )، (وهو طريق واقعة تأجيره الأرض إلى المجني عليه ).

ثانياً : ليس للمحاكم الجنائية بحث الواقعة التي لم تقم عنها الدعوى الجنائية.

كثيراً ما تثار عند بحث الجريمة المقام عنها الدعوى الجنائية وقائع مختلفة لا تعد داخلة في بنيان ركن من أركانها ، بل تكون متفرعة عنها أو متصلة بها فيستدل بها غالبا على ثبوتها في حق المتهم، وتكون هي تلك التي سببت الضرر للمجني عليه لا الجريمة نفسها . وهذه الوقائع الجانبية قد تكون جنحا فلا تبيح المطالبة بالتعويض المدني أمام القضاء الجنائي إلا إذا أقيمت عنها الدعوى الجنائية ، أو شبه جنح، فلا تبيح المطالبة بالتعويض المدني إلا أمام المحاكم المدنية ، وذلك مهما كانت قريبة الإتصال بالجريمة المقامة عنها الدعوى الجنائية.

وتطبيق لذلك قضى بأنه إذا كانت قد رفعت على المتهم بأن سرق أوراقاً مملوكاً لبنك معين فقضت المحكمة الابتدائية بعدم حصول سرقة ثم جاءت المحكمة الاستئنافية فأقرت ذلك، لكنها حكمت في ذات الوقت على المتهم بتعويض على أساس أنه استعمل بلاحق صوراً خاصة بالبنك المدعي بالحقوق المدنية بتقديمها إلى المحكمة الجنائية في دعوى مرفوعة عليه للاستفادة منها في براءته، غير مبال بما يترتب على ذلك من الأضرار بمصلحة صاحبها ، فحكمها هذا يكون خاطئاً، إذ أن الإستعمال الذي . أشارت إليه هو فعل آخر غير فعل السرقة المقامة بشأنه الدعوى العمومية ، والذي استقرت محكمة الموضوع على أنه منعدم من الأصل .

كما قضى أيضاً في جريمة بيع أسبرين مقلد . على إعتبار أنه ماركة باير - بأن من أصابهم الضرر المباشر هم من وقع عليهم فعل النصيب بشرائهم منه، أما شركة باير فقد لحقها ضرر غير ناشئ مباشرة عن جريمة النصب المقامة عنها الدعوى، بل عن منافسة المتهمين للشركة في تجارة الأسبرين ببيعهم في السوق الأسبرين المقلد " وهو المنافسة مهما كان اتصالها بالجريمة المرفوعة بها الدعوى فإنها أمر خارج عن موضوع الاتهام، والضرر الناتج عنها لم يكن مصدره الجريمة ذاتها .

ومن ذلك أيضاً ما قضى به من أنه لا يجوز للمضرور من واقعة واحدة من وقائع الإقراض بالربا الفاحش أن يقيم دعوى المطالبة المدنية أمام المحكمة الجنائية، لأن الإقراض في ذاته لا عقاب عليه قانوناً ولم تقم عنه الدعوى الجنائية ، بل الدعوى أقيمت عن الاعتياد على الإقراض، ومن ثم تكون دعوى استرداد ما دفع زائداً عن الفائدة القانونية دعوى مدنية ناشئة عن شبه جنحة، لا دعوى ناشئة عن جنحة مما يجوز رفعها بطريق التبعية للدعوى الجنائية .

كما قضى بأنه متى كان الحكم قد قضى بالتعويض في الدعوى المدنية المرفوعة من المدعية بسبب ما لحق بسيارتها من أضرار نشأت عن مصادمة سيارة المتهم لها لا بسبب ذات الفعل المكون للجريمة التي رفعت عنها الدعوى العمومية وهي جريمة القتل والإصابة الخطأ ، فإنه يكون قد خالف القانون بما يستوجب نقضه .

ثالثا : ليس للمحاكم الجنائية أن تخلط بين خطأ المتهم وخطأ المسئول مدنياً

يجوز الإدعاء مدنياً قبل المسئول عن الحق المدني أمام المحكمة الجنائية بشرط أن تقام الدعوى الجنائية قبل المتهم المسئول جنائياً . فإذا أقيمت الدعوى بطريق الادعاء المباشر ضد المسئول مدنياً أمام المحكمة الجنائية بغير الإدعاء مدنيا قبل نفس الجاني كانت الدعويان معا غير مقبولتين : الجنائية لأنه لا يحركها إلا الإدعاء مدنياً ضد نفس الجاني والمدنية ضد المسئول عن الحقوق المدنية لأنها لا تقبل إلا تبعاً لدعوى جنائية قائمة قبل الجاني.

وللمحكمة الجنائية أن تلزم المسئول عن الحق المدني بالتعويض إذا أثبت وقوع خطأ جنائي من المتهم . أما إذا برأت هذا الأخير منه فليس لها أن تلزم المسئول مدنياً بالتعويض استناداً إلى مسئوليته عن خطأ آخر صادر منه شخصياً لم يكن موضوعاً لاتهام، ولا مطروحاً عليها للفصل فيه، ومهما كان هذا الخطأ الشخصي سبباً في الحادث، وذلك تطبيقاً لنفس القاعدة .

ومن ذلك ما حكم به من أنه لا يجوز إذا برأت المحكمة متهما بإتلاف زراعية فاكهة أن تلزم المسئول عن الحقوق المدنية بمبلغ التعويض، على أساس أن الفعل الضار وإن لم يثبت أن وقع من المتهم إلا أنه قد وقع من تابعية والحكم الذي يقضي بذلك يكون قد أخطأ " ما دام هؤلاء لم يكونوا معلومين، ولم تكن مرفوعة عليهم أية دعوى بجريمة أمام المحكمة ، لذا يتعين نقضه والقضاء بعدم اختصاص المحكمة بإصداره .

- ومنه ما حكم به أيا من أنه لا يجوز لمحكمة الموضوع عند محاكمة سائق كان يتدرب على قيادة سيارة تابعة لوزارة الدفاع أن تقضي ببراءة السائق : لما تبين من أنه كان يجلس إلى جواره مدرب تابع النفس الوزارة وأنه يعد مسئولا عن الحادث، وأن تلزم في نفس الوقت وزارة الدفاع بالتعويض المدني على أساس خطئها في اختيار مكان التدريب . ذلك لأن خطأ المدرب وسوء اختيار مكان التدريب كلاهما " يختلف عن الواقعة المرفوعة بها الدعوى العمومية على السائق وحده وعى الطاعنة وزارة الدفاع باعتبارها مسئولة عن خطئه) . وإذ قضت المحكمة بذلك تكون قد فصلت في واقعة لم ترفع إليها، ولا تدخل في اختصاصها مما يعيب حكمها ويستوجب نقضه ". .

ويشبهه ما قضى به من أنه لا يجوز لمحكمة الموضوع إذا برأت سائقا متهما بقتل خطأ أثناء قيادته سيارة أن تلزم المخدوم بالتعويض المدني مع ذلك "لأنه عهد بسيارته إلى المتهم لقيادتها لحسابه حالة كونها غير صالحة للاستعمال ، وكان عليه أن يتعهد سيارته بالفحص الفني الدقيق حتى لا تنجم عن قيادتها أخطار ما" . ذلك أن محكمة الموضوع لم تلتزم الأساس الذي أقيمت عليه الدعوى المدنية ، وهو مسئولية الطاعن عن الضرر الذي نشأن عن خطأ تابعه ، وفصلت في موضوع لم يطلب إليها الفصل فيه، فحكمت بإلزام الطاعن بالتعويض عن الضرر الناشئ عن خطئه هو.

رابعاً : ليس للمحاكم الجنائية أن تخلط بين الفعل الجنائي وخطئه المدني

الخطأ المستوجب المسئولية المدنية قد يكون خطأ شخصياً مستوجباً مسئولية صاحبه بالتعويض، أو خطأ مفترضاً بقرائن ، كقرينة الإهمال في رقابة القاصر والمجنون (م 173 مدني ) ، والتابع (م 174) وفي حراسة الحيوان (م 716) ، والبناء (م 177) والآلات الميكانيكية (م 1478) . أما المسئولية الجنائية فلا تكون إلا عن خطأ مسند إلى المتهم شخصياً، فلا يصح أن تقام دعوى التعويض المدنية أمام المحاكم الجنائية على نفس المتهم إلا عن الخطأ الشخصي المستوجب مسئوليته الجنائية ابتداء، ومدنياً بالتبعية لها، لا عن خطئه المفترض المستوجب مسئوليته المدنية فحسب، والذي لا يرتب على صاحبه أية مسئولية جنائية .

ومن ثم حكم بأنه إذا كانت الدعوى المدنية موضوع الطعن رفعت أصلاً على الطاعن تعويضاً عن الضرر الذي أصاب المطعون ضده من جريمة القتل الخطأ التي كانت مطروحة أمام محكمة الجنح للفصل فيها، وكانت محكمة الجنح قد استظهرت أن الطاعن لم يرتكب تلك الجريمة إذ أنه لم يرتكب خطأ أو إهمال، لكنها مع ذلك حكمت عليه بالتعويض على أساس قدم البناء وما افترضته المادة 177 من القانون المدني من خطأ حارس المبنى فإنها تكون قد تجاوزت حدود ولايتها .(الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة 1094)

لا يجوز الإدعاء بالحقوق المدنية وفقاً لأحكام هذا القانون إلا عن الضرر الشخصى المباشر الناشئ عن الجريمة والمحقق الوقوع ، حالاً أو مستقبلاً. — الموسوعة القانونية | Ahmed Abdelraouf Moussa Law Firm