الوعد بالنكاح فى المستقبل ومجرد قراءة الفاتحة بدون إجراء عقد شرعى بإيجاب وقبول لا يكون كل منهما نكاحاً وللخاطب العدول عمن خطبها وللمخطوبة أيضاً رد الخاطب الموعود بتزوجيها منه ولو بعد قبولها أو قبول وليها -إن كانت قاصرة- هدية الخاطب ودفعه المهر كله أو بعضه .
الوعد بالنكاح فى المستقبل ومجرد قراءة الفاتحة بدون إجراء عقد شرعى بإيجاب وقبول لا يكون كل منهما نكاحاً وللخاطب العدول عمن خطبها وللمخطوبة أيضاً رد الخاطب الموعود بتزوجيها منه ولو بعد قبولها أو قبول وليها -إن كانت قاصرة- هدية الخاطب ودفعه المهر كله أو بعضه .
1 ـ المقرر باتفاق فقهاء الشريعة الإسلامية أن النسب يثبت بالفراش الصحيح وهو الزواج الصحيح وما يلحق به من مخالطة بناء على عقد فاسد أو شبهة ، وأن الوعد أو الاستيعاد لا ينعقد بهما زواج باعتبار الزواج لا يصح تعليقه على شرط ولا إضافته إلى المستقبل .
(الطعن رقم 194 لسنة 63 جلسة 1997/06/24 س 48 ع 2 ص 989 ق 188)
2 ـ من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية أن النسب يثبت " بالفراش الصحيح " و هو الزواج الصحيح و ملك اليمين و ما يلحق به و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو شبهة و أن الوعد و الإستبعاد لا ينعقد بهما زواج بإعتبار أن الزواج لا يصح تعليقه بالشرط و لا إضافته بالمستقبل .
(الطعن رقم 25 لسنة 46 جلسة 1978/05/31 س 29 ع 1 ص 1379 ق 267)
3 ـ من المقرر شرعاً أن الوعد و الإستيعاد لا ينعقد به زواج ، و أن الزواج لا يصح تعليقه بالشروط و لا إضافته إلى المستقبل .
(الطعن رقم 10 لسنة 29 جلسة 1962/01/17 س 13 ع 1 ص 72 ق 10)
4 ـ إن الخطبة ليست إلا تمهيداً لعقد الزواج. وهذا الوعد بالزواج لا يقيد أحداً من المتواعدين، فلكل منهما أن يعدل عنه فى أي وقت شاء، خصوصاً وأنه يجب فى هذا العقد أن يتوافر للمتعاقدين كامل الحرية فى مباشرته لما للزواج من الخطر فى شئون المجتمع، وهذا لا يكون إذا كان أحد الطرفين مهدداً بالتعويض. ولكن إذا كان الوعد بالزواج والعدول عنه، باعتبار أنهما مجرد وعد فعدول، قد لازمتها أفعال أخرى مستقلة عنهما استقلالا تاماً، وكانت هذه الأفعال قد ألحقت ضرراً مادياً أو أدبياً بأحد المتواعدين، فإنها تكون مستوجبة التضمين على من وقعت منه. وذلك على أساس أنها هي فى حد ذاتها - بغض النظر عن العدول المجرد - أفعال ضارة موجبة للتعويض.
(الطعن رقم 13 لسنة 9 جلسة 1939/12/14 س ع ع 3 ص 30 ق 14)
5 ـ المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن الخطبة وإن كانت تمهيداً للزواج ، وهو من مسائل الأحوال الشخصية ، إلا أن الهدايا التى يقدمها أحد الخاطبين للآخر _ ومنها الشبكة _ إبان فترة الخطبة ، لا تعتبر من هذه المسائل لأنها ليست ركناً من أركان الزواج ولا شرطاُ من شروط صحته ، إذ يتم الزواج صحيحاً بدونها ، ولا يتوقف عليها ، ومن ثم يكون النزاع بشأن تلك الهدايا بعيداً عن المساس بعقد الزواج وما هو متعلق به ويخرج ذلك عن نطاق الأحوال الشخصية وتعتبر هذه الهدايا من قبيل الهبات ، ويسرى عليها ما يسرى على الهبة من أحكام فى القانون المدنى وقد أورد هذا القانون أحكام الهبة باعتبارها عقداً مالياً كسائر العقود واستمد أحكامها الموضوعية من أحكام الشريعة ، ومن ثم فإن حق الخاطب فى استرداد تلك الهدايا يخضع لأحكام الرجوع فى الهبة الواردة فى القانون المدنى فى المادة 500 وما بعدها .
(الطعن رقم 5208 لسنة 66 جلسة 1997/07/08 س 48 ع 2 ص 1083 ق 204)
6 ـ لما كان الثابت بالأوراق أن الطاعن قد تمسك فى المذكرة المقدمة منه لمحكمة الدرجة الأولى بتاريخ 1994/6/12 بعدم جواز إثبات دفع مبلغ المهر إلا بالكتابة عملاً بنص المادة 60 من قانون الإثبات وكان من المقرر أن تسليم الخاطب مخطوبته قبل العقد مالاً محسوباً على المهر يعتبر تصرفاً قانونياً يخضع فى إثباته للقواعد العامة فى الإثبات ، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بجواز إثبات تسليم الخاطب لولى مخطوبته مبلغ المهر ومقداره عشرة آلاف جنيه بشهادة الشهود على سند من أن هذا التسليم يعد واقعة مادية وليس تصرفاً قانونياً واتخذ من أقوال الشهود فى التحقيق الذى أجرته المحكمة عماداً لقضائه برد المهر فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه .
(الطعن رقم 5208 لسنة 66 جلسة 1997/07/08 س 48 ع 2 ص 1083 ق 204)
7 ـ يتعين للحكم بالتعويض بسبب العدول عن الخطبة أن تتوافر شرائط المسئولية التقصيرية بأن يكون هذا العدول قد لازمته أفعال خاطئة فى ذاتها ومستقلة عنه استقلالاً تاماً ومنسوبه لأحد الطرفين وأن ينتج عنه ضرر مادي أو أدبي للطرف الآخر . فإذا كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بالتعويض للمطعون عليها عن فسخ الخطبة على ما ورد فيه من أن الطاعن أقدم على فسخ الخطبة لغير ما سبب سوى طمعه فى مال والد خطيبته لرفضه أن يخص ابنته بنصيبها فى ماله حال حياته، واعتبرت المحكمة عدول الطاعن لهذا السبب عدولاً طائشاً ليس له مسوغ يقتضيه ورتبت عليه الحكم للمطعون عليها بالتعويض ، وكان سبب العدول على هذا النحو لاصقاً بالعدول ذاته ومجرداً عن أي فعل خاطئ مستقل عنه ، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد أخطأ فى القانون إذ قضى للمطعون عليها بالتعويض .
(الطعن رقم 438 لسنة 25 جلسة 1960/04/28 س 11 ع 2 ص359 ق 55)
الخطبة
تعريف الخطبة :
الخطبة هي تقدم الرجل إلى امرأة معينة لا يحرم علية التزوج منها، أو إلى ومن ينوب عنها شرعا، طالبا الزواج منها، فإذا وافقت المرأة أو وافق نائبها على طلب الرجل تمت الخطبة .
وقد جرى العرف على أن الرجل هو الذي يخطب المرأة، غير أنه لا يوجد مانع شرعى من أن تخطب المرأة الرجل. وقد روى أن النبي عليه السلام جاءته امرأة قالت: يا رسول الله إني وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، وبعد حديث دار بينه وبين النبي عليه السلام بخصوص مهرها زوجها له بما معه من القرآن.
وقد جرى العرف في مصر، على قراءة الفاتحة بعد قبول الخطبة، والقصد من قراءة الفاتحة تأكيد قبول الخطبة من ناحية، والتيمن بها في هذه المناسبة من ناحية أخرى، ولا تعتبر قراءة الفاتحة شرطا لصحة الخطبة.
والخطبة من مقدمات عقد الزواج، يتروى فيها الخاطبان قبل أن يقدما على هذا العقد الخطير، إلا أنها ليست ركنا من أركان العقد وليست شرطا من شروط صحته، فلو تم العقد بدونها، كان عقدا صحيحا لا تشوبه شائبة.
الخطبة غير ملزمة :
الخطبة هي تمهيد لعقد الزواج وليست ركن من أركانه فهي عد بعقد زواج ، وليس للوعد بعقد قوة إلزام عند جمهور الفقهاء خلافا لمالك في بعض أقواله، بل وفي بعض الأقوال المروية عنه أن الوعد يجب الوفاء بتنيه بختم القضاء في بعض الأحوال ، أنه لا يلزم الوفاء بالوعد في الخطبة.
ويعزى ذلك إلى ما يعقد الزواج من خطر في شئون المجتمع مما يوجب أن يتوافر للمتعاقدين تكامل الحرية في مباشرته، فلا يجوز أن يتقيد شخص بعقد أن يتزوج، ومن باب أولى أن يتزوج من شخص من شخص معين، فمثل هذا التقيد يكون مخالفا للنظام العام.
وعلى ذلك فإنه يجوز لأي من المخاطبين العدول عن الخطبة في أي وقت دون مسئولية عليه، وأيا كان سبب العدول، ولو كان العدول دون مبرر .
وهذا لا يمنع أن العدول عن الخطية دون مبرر مكروه شرعا لما فيه من إخلاف للوعد والرجوع عن القول، لكنه غير محرم .
والمكروه هو الفعل الذي لا يثاب فاعله ولا يأثم يعطله وبالتالي لا يعاقب عليه بشيء.
وقد أخذت بالرأي المتقدم محكمة النقض ونهبت إلى أن:
إن الخطبة ليست إلا تمهيدا لعقد الزواج وهذا الوعد بالزواج لا يفيد أحدا من المتواعين فلكل منهما أن يصل عنه في أي وقت شاء، خصوصا وأنه يجب في هذا العقد أن يتوافر للمتعاقين كامل الحرية في مباشرته لما الزواج من الخطر في شئون المجتمع... الخ».
طعن رقم 13 لسنة 9 ق جلسة 1939/12/14
هدايا الخطبة:
المقصود بهدايا الخطبة:
هدايا. الخطبة هي ما يقدمه كل من الخاطب والمخطوبة إلى الآخر إبان فترة الخطبة، بقصد توند كل منهما إلى الآخر وتأكيد الصلة الجديدة بينهما.
والهدية مندوب إليها بشكل عام، لذلك نص الفقهاء على استحباب الهدية بمناسبة الخطبة أخذا من عموم استحبابها.
وتتمثل هدايا الطرفين عادة في منقولات قابلة للاستهلاك أو غير قابلة له كالحلي والملابس وأدوات الزينة والمأكولات وأحيانا يقدم الخاطب إلى مخطوبته مبالغ نقدية في بعض المناسبات على سبيل الهدية.
هل تعتبر الشبكة من هدايا الخطبة؟ .
الشبكة هي ما يقدمه الخاطب إلى المخطوبة عند الخطبة أو بمناسبتها من أشياء ذات قيمة غالبا ما تكون حليا، وتكون في بعض الحالات مبلغا من النقود.
وتختلف قيمة الشبكة عادة باختلاف يسار الخاطب واستعداده، ومركز المخطوبة ومركز أسرتها.
والأصل أن الشبكة من هدايا الخطبة ولا تكون من المهر ولا تأخذ حكمه إلا في حالتين:
الأولى: أن يتفق عليها مع المهر.
الثانية: أن يجرى العرف على اعتبارها من المهر .
وقد جرى العرف في أغلب بلدان مصر على اعتبار الشبكة جزءا من المهر، بل تعارف الناس نقصان المهر بقدر قيمة الشبكة عند تقديمها، وزيادته بقدرها إذا لم تقدم، لأنها ستشترى منه بمعرفة المخطوبة .
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بما هو أبعد مدى من ذلك وبأن العرف جرى باعتبار الشبكة جزءا من المهر، دون أن تستثني بعض الجهات من هذا العرف.
فقد أفتت بتاريخ ۲۱ يناير سنة ۱۹۷۰ في الطلب رقم ۳۱ لسنة ۱۹۷۱ بأن :
المقرر شرعا أن الخطبة ليست عقدا ولا زواجا، ولا يترتب عليها شيء من آثار العقد والزواج و الشبكة التي تقدم للمخطوبة قد جرى العرف باعتبارها جزءا من المهر وقد جربنا في الإفتاء على هذا وما دامت الشبكة قد اعتبرت عرفا جزءا من المهر فإنها تأخذ حكمه....» - أيضا الفتوى الصادرة بتاريخ 1965/12/15 في الطلب رقم 772 لسنة 1965.
إلا أن البادي من قضاء محكمة النقض أنها لم تسلم بوجود العرف المشار إليه، واعتبرت الشبكة من قبيل هدايا الخطبة ويسرى عليها ما يسري على هذه الهدايا من أحكام.
وهذا القضاء لا يسري على الحالات التي يتفق فيها على الشبكة مع المهر، لأنها بحكم هذا الاتفاق تكون قد اعتبرت جزءا من المهر.
(أنظر الأحكام المنشورة بالبند التالي).
حكم رد هدايا الخطبة عند العدول عن الخطبة:
أولا: الحكم قبل العمل بالقانون رقم (1) لسنة ۲۰۰۰ بإصدار قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.
(أ) مذهب محكمة النقض:
ذهبت محكمة النقض إلى أن الخطبة وإن كانت تمهيدا للزواج وهو من مسائل الأحوال الشخصية إلا أن الهدايا التي يقدمها أحد الخاطبين إلى الآخر ومنها الشبكة إبان الخطبة لا تعتبر من هذه المسائل، وإنما تعد من قبيل الهبات وتخضع لأحكام الهبة المنصوص عليها في القانون المدني، وبالتالي يحكم رد هذه الهدايا الأحكام الواردة في المادة (500) وما بعدها من التقنين المدني.
وقد أوردت تفصيلا لذلك في قضائها إذ ذهبت إلى أن :
۱- «الخطبة وإن كانت تمهيدا للزواج وهو من مسائل الأحوال الشخصية، إلا أن الهدايا التي يقدمها أحد الخاطبين إلى الآخر - ومنها الشبكة - إبان فترة الخطبة لا تعتبر من هذه المسائل لأنها ليست ركنا من أركان الزواج ولا شرطا من شروطه إذ يتم الزواج صحيحا بدونها ولا يتوقف عليها ومن ثم يكون النزاع بشأن تلك الهدايا بعيدا عن المساس بعقد الزواج وما هو متعلق به ويخرج بذلك عن نطاق الأحوال الشخصية. وتعتبر هذه الهدايا من قبيل الهبات ويسري عليها ما يسرى على الهبة من أحكام في القانون المدني وقد أورد هذا القانون أحكام الهبة باعتبارها عقدا ماليا كسائر العقود واستمد أحكامها الموضوعية من الشريعة الإسلامية. ومن ثم فالمعول عليه في حق الخاطب في استرداد تلك الهدايا هو أحكام الرجوع في الهبة الواردة في المادة 500 وما بعدها من القانون المدني».
طعن رقم 302 لسنة ۲۸ ق جلسة 1963/10/24
۲- «الهدايا التي يقدمها أحد الخاطبين للأخر إبان الخطبة ومنها الشبكة تعتبر - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - من قبيل الهبات فيسرى عليها ما يسرى على الهبة من أحكام في القانون المدني، ولما كان السبب ركنا من أركان العقد وينظر في توفره أو عدم توفره إلى وقت انعقاد العقد وكان العقد قد انعقد صحيحا بتوفر سببه فإنه لا يمكن القول بعد ذلك بتخلف هذا السبب بعد وجوده، ومن ثم فإذا كانت الخطبة هي السبب في هذا النوع من الهبات وذلك باعتبارها الباعث الدافع للتبرع فإن فسخها لا يمكن أن يؤدي إلى انعدام هذا السبب بعد أن تحقق وتظل الهبة صحيحة قائمة رغم العدول عن الزواج».
طعن رقم 62 لسنة 39 ق جلسة 1974/5/26
وبالترتيب على القضاء السالف، فإن هدايا الخطبة تكون محكومة بالنصوص الواردة بالتقنين المدني.
وقد وردت أحكام الهبة باعتبارها عقدا ماليا في التقنين المدني في المواد (486 - 504 )، وعلى ذلك فإنه يحكم رد هدايا الخطبة المواد 500 مدنی وما بعدها التي أوردت أحكام الرجوع في الهبة.
ومن موانع الرجوع في الهبة التي يمكن أن تعرض في هذا المجال ما يأتي:
1- تصرف الموهوب له في الشيء الموهوب تصرفا نهائيا:
أوردت المادة (502 جـ مدني) ضمن موانع الرجوع في الهبة «إذا تصرف الموهوب له في الشيء الموهوب تصرفا نهائيا. فإذا اقتصر التصرف على بعض الموهوب، جاز للواهب أن يرجع في الباقي».
فالتصرف النهائي في الشيء الموهوب كالبيع أو الهبة يزيل ملك الموهوب له في الشيء وتصبح الهبة لازمة لا يجوز الرجوع فيها لأن تمليك الموهوب له الشيء للغير إنما حصل بتسليط الواهب، فلا يجوز له أن ينقض ما تم من جهته، ولأن تبدل الملك كتبدل العين فصار كعين أخرى فلا يرجع فيها .
أما إذا كان التصرف غير نهائي بأن فسخ عقد البيع أو الهبة أو أبطله وعاد ملك الشيء إلى الموهوب له، عاد للواهب حق الرجوع .
وكذلك إذا كان التصرف في بعض الشيء الموهوب، فإن حق الرجوع في الهبة يظل قائما في الجزء الذي لم يتم التصرف فيه لأنه لا يوجد مانع من الرجوع فيه.
2- هلاك الشيء الموهوب:
أوردت المادة (502/ و) مدني ضمن موانع الرجوع في الهبة: «إذا هلك الشيء الموهوب في يد الموهوب له، سواء كان الهلاك بفعله أو يحادث أجنبی لا يد له فيه أو بسبب الاستعمال، فإذا لم يهلك إلا بعض الشيء جاز الرجوع في الباقي».
وعلة هذا الحكم أن الموهوب له لا يضمن الهلاك أو الاستهلاك لأن الهالك والمستهلك ملكه .
فإذا كان الشيء المهدي سيارة فأتلفت أو أطعمه فأكلت فإنه لا يجوز ردها إلى الخاطب.
ويلحق بهلاك الشيء الموهوب تغيره من حالة إلى حالة أخرى حتى تزول صورته الأولى، ذلك أن الشيء الموهوب قد زال بتغير صورته، فأصبح الرجوع في الأصل متعذرا والموجود شيء آخر غير الموهوب.
فإذا كان الشيء المهدى قماشا خيط إلى ثياب أو حليا استبدلت بحلى أخرى، أو نقودا أنفقت في شراء بعض السلع، فإنه لا يجوز ردها إلى الخاطب.
3- موت الخاطب أو المخطوبة:
أوردت المادة (502/ ب مدني) ضمن موانع الرجوع في الهبة «إذا مات د ضرفي عقد الهبة»، فإذا كان العدول عن الخطبة بسبب المخطوبة ثم ماتت فلا يجوز للخاطب استرداد هديته، ذلك أن الشيء المهدي قد انتقل إلى ورثتها بمقتضى قواعد الإرث واطمأن الورثة إلى ذلك، فإذا تعارض حقهم مع حق الخاطب في الرجوع كان حقهم أقوى، وحال دون الرجوع وكذلك إذا كان العدول عن الخطبة بسبب الخاطب ثم مات فلا يجوز للمخطوبة استرداد هديتها.
(ب) رأينا الخاص في رد هدايا الخطبة:
ذكرنا في الطبعات السابقة من هذا الكتاب رأينا في أن هدايا الخطبة تعد من مسائل الأحوال الشخصية وبالتالي تسري على ردها أحكام الشريعة الإسلامية ويحكمها تحديدا الرأى الراجح من مذهب أبي حنيفة، عملا بالمادة ۲۸۰ من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة ۱۹۳۱ – (الملغي) والتي حلت محلها المادة الثالثة من قانون إصدار القانون رقم (1) لسنة 2000 - التي كانت تجري على أن: «تصدر الأحكام طبقا للمدون في هذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة ما عدا الأحوال التي ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة فيجب فيها أن تصدر الأحكام طبقا لتلك القواعد».
وتفسير ذلك أن الخطبة – كما أوضحنا سلفا - تمهيد لعقد الزواج، وهو من مسائل الأحوال الشخصية ولذلك تعد الخطبة من مسائل الأحوال الشخصية - وهو ما أكدته محكمة النقض أيضا - والهدايا التي يقدمها أحد الخاطبين إلى الأخر إبان فترة الخطبة سببها الخطبة ومقصود بها تأكيد معنى الخطبة، فهي هبات تتعلق بالخطبة والتي تعتبر من مسائل الأحوال الشخصية، ومن ثم فإنه عملا بقاعدة الفرع يتبع الأصل، فإن هذه الهبات تعد من مسائل الأحوال الشخصية ولا ينال من ذلك أن هدايا الخطبة ليست ركنا من أركان عقد الزواج ولا شرطا من شروط صحته فالمهر ليس ركنا من أركان عقد الزواج ولا شرطا من شروط صحته، ومع ذلك فإنه بإجماع الآراء من مسائل الأحوال الشخصية وبالتالي يتعين تطبيق حكم المذهب الحنفي على رد هدايا الخطبة.
المحكمة المختصة بنظر دعاوی رد هدايا الخطبة:
رأينا فيما سبق أن محكمة النقض اعتبرت هداية الخطبة من قبيل الهبات ويحكم ردها أحكام الرجوع في الهبة الواردة بالقانون المدني.
وعلى ذلك فطلب رد هدايا الخطبة يعتبر طلب فسخ قضائي للهبة بأثر رجعي، وقد نصت المادة 7/37 من قانون المرافعات على أن الدعوى إذا كانت بطلب صحة عقد أو إبطاله أو فسخه تقدر بقيمة المتعاقد عليه، ومن ثم فإن قيمة الدعوى تقدر بقيمة الهدية المطلوب ردها. فإذا كانت قيمتها لا تجاوز أربعين ألف جنيه اختصت بنظرها المحكمة الجزئية (م 42 مرافعات) - وإن جاوزت قيمتها مبلغ أربعين ألف جنيه اختصت بنظرها المحكمة الابتدائية (47 مرافعات).
ويكون الاختصاص المحلي للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه. فإن لم يكن للمدعى عليه موطن في الجمهورية يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها محل إقامته. وإذا تعدد المدعى عليهم كان الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن أحدهم (م 49 مرافعات).
ثانيا: الحكم بعد العمل بالقانون رقم (1) لسنة ۲۰۰۰ بإصدار قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية :
حكم القانون :
رأينا سلفا في بند (۱۱) أن محكمة النقض ذهبت إلى أن الخطبة وإن كانت تمهيدا للزواج وهو من مسائل الأحوال الشخصية إلا أن الهدايا التي يقدمها أحد الخاطبين إلى الآخر ومنها الشبكة إبان الخطبة لا تعتبر من هذه المسائل، وإنما تعد من قبيل الهبات وتخضع لأحكام الهبة المنصوص عليها في التقنين المدني. وبالتالى يحكم رد هذه الهدايا الأحكام الواردة في المادة (500) وما بعدها من هذا التقنين .
ولما صدر القانون رقم (1) لسنة 2000 بإصدار قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، نص في مادته التاسعة الواردة بالباب الثاني الخاص ب «اختصاص المحاكم بمسائل الأحوال الشخصية» - الفصل الأول «الاختصاص النوعي» على أن: «تختص المحكمة الجزئية والتي حلت محلها محكمة الأسرة، بنظر المسائل الواردة بهذه المادة.
أولا : المسائل المتعلقة بالولاية على النفس :
دعاوى المهر والجهاز والذوطة والشبكة وما في حكمها ..... الخ».
والمقصود بما هو في حكم الشبكة هدايا الخطبة التي يقدمها أحد الخاطبين إلى الآخر إبان فترة الخطبة.
والنص السابق يتضمن إفصاحا من المشرع على أنه اعتبر الشبكة وغيرها من هدايا الخطبة من مسائل الأحوال الشخصية، الأمر الذي ينبنى عليه خضوع رد الشبكة وغيرها من هدايا الخطبة للرأى الراجح في المذهب الحنفي طالما لم يرد في شأنها نص خاص، وذلك عملا بالمادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم (1) لسنة ۲۰۰۰ بإصدار قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى في مسائل الأحوال الشخصية.
وبهذا الرأي قضت محكمة استئناف القاهرة (الدائرة 101 أحوال شخصية في القضية رقم 6018 لسنة 125 ق لجلسة 2008/12/3 ) وقد جاء به ما يأتي:
«حيث إنه عن الموضوع فإنه لما كان من المقرر قانونا طبقا للمادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم (1) لسنة 2000 بتطبيق الراجح في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان فيما لم يرد فيه نص وكانت محكمة الأسرة طبقا للمادة 9 فقرة 4 من القانون رقم 1 لسنة 2000 هي المختصة بنظر قضايا الشبكة وطبقا لأحكام القانون رقم 10 لسنة 2004 وكان حكم الشبكة في مذهب الإمام أبي حنيفة من الهبات ويحق للخاطب استردادها سواء كان الشيخ في الخطبة راجعة للخاطب أو المخطوبة وقد أقيم ذلك الرأي على الإفتاء بأن الشبكة جزء من مهر يحق للخاطب استردادها طالما لم يتم عقد القران و عليه ولما كان الثابت من شهادة شاهدي المستأنف أمام محكمة أول درجة بتسليم المستأنف المستأنف ضدها الشبكة ولا يقدح في ذلك كون شهادة أحدهما جابت بالسمع من الأهل ذلك أن الراجح في مذاهب الإمام أبي حنيفة أن الشهادة بالتسامع لا تجوز في الطلاق والتطليق كما أن الإثبات يتحقق بتكامل الأدلة مع القرائن التساند بعضها البعض في تكوين عقيدة المحكمة وقد اطمأنت المحكمة لشهادة شاهدي المستأنف أمام أول درجة إضافة إلى الفاتورتين المقدمتين كدليل آخر يدعم شهادة الشاهدين خاصة وأن محل الصاغة الذي قام ببيع أحد أجزاء الشبكة وقيمتها أربعة عشر ألف وثلاثمائة جنيها قد أقر في 2007/4/11 بأن هناك خطأ مادى في تاريخ الفاتورة صحته 2005/4/16 وهو يتفق مع تاريخ الخطوبة كما أن الفاتورة الأخرى والمؤرخة 2002/5/3 كان الثابت من شهادة الشاهدين أن المستأنف اشتراها في تاريخ سابق إضافة إلى الصور الفتوغرافية المقدمة لحفل الخطوبة، الأمر الذي يكون معه قد وفر في عقيدة المحكمة تسليم المستأنف الشبكة المطالب بها للمستأنف ضدها بمناسبة الخطوبة ولما كان لم يتم عقد القران وتم فسخ الخطبة فإنه يحق للمستأنف استرداد الشبكة الأمر الذي تقضي معه المحكمة بالبناء على ما تقدم إلغاء الحكم المستأنف والقضاء بإلزام المستأنف ضدها برد الشبكة للمستأنف على نحو ما سيرد بالمنطوق».
إلا أن المحكمة الدستورية العليا ذهبت في حكمها الصادر بتاريخ ۲ مارس سنة ۲۰۰۸ في الطعن رقم 96 لسنة 28 قضائية «دستورية».
إلى عكس ذلك واعتنقت الرأي الذي أخذت به محكمة النقض قبل صدور القانون رقم 1 لسنة 2000 من أن أحكام رد الشبكة والهدايا التي تقدم من أحد الخاطبين للآخر أثناء فترة الخطبة لا تعتبر من مسائل الأحوال الشخصية ومن ثم يكون النزاع بشأنها هو نزاع في مسألة مالية تعتبر من قبيل الهبات يسرى عليها ما يسرى على الهبة من أحكام في القانون المدني .
أحكام رد الشبكة وغيرها من هدايا الخلية طبقا للرأي الراجح في المذهب الحنفي :
ذهبنا فيما سلف إلى أننا نرى خضوع أحكام رد الشبكة و غيرها من هدايا الخطبة إلى الرأي الراجح في المذهب الحنفي وليس لقواعد رد الهبات المنصوص عليها في القانون المدني. واستكمالا لهذا الرأي فإننا نورد رأي الأحناف في ردها.
والأحناف يذهبون إلى هدايا الخطبة ومنها الشبكة تأخذ حكم الهبات ويجري عليها حكم الرجوع في الهبات. فيجب رد الهدايا إلى الطرف الذي قدمها إذا فسخت الخطبة، ما لم يوجد مانع يمنع من الرجوع فيها.
وموانع الرجوع سبعة هي:
1- زيادة الموهوب.
2- موت الواهب أو الموهوب له.
3- إذا قدم الموهوب له عوضا عن الهبة.
4- خروج الموهوب عن ملك الموهوب له.
5- إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر.
6- إذا كانت الهبة لدي رحم محرم.
7- إذا هلكت العين الموهوبة في يد الموهوب له.
وقد جاء بكتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا ما يأتي:
(مادة 515) يصح الرجوع في الهبة كلا أو بعضا ولو أسقط الواهب حقه ما لم يمنع مانع من الموانع المذكورة في المواد السبعة الآتية.
(مادة 516) إذا زادت العين الموهوبة زيادة متصلة موجبة لزيادة قيمتها امتنع الرجوع فيها ولا يمتنع لزيادة سعرها ولا يمتنع الرجوع بالزيادة المنفصلة المتولدة من العين الموهوبة أو غير المتولدة وإذا ارتفع مانع الزيادة عاد حق الرجوع.
(مادة 517) إذا مات أحد العاقدين بعد قبض الهبة سقط الرجوع فيها.
(مادة 518) إذا خرجت العين عن ملك الموهوب له فإن كان خروجها من - يده خروجا كليا امتنع الرجوع فيها وإن كان خروجها لا بالكلية فلا يمتنع الرجوع فلو باع بعضه فللواهب الرجوع في الباقي.
(مادة 519) إذا وهب أحد الزوجين بعد الزفاف أو قبله هبة للآخر فلا رجوع له فيها ولو وقعت الفرقة بينهما بعد الهبة وإذا وهبت المرأة لزوجها دارا بها متاع لها صحت الهبة وإن كانت مشغول بملكها.
(مادة 520) من وهب هبة لذي رحم محرم منه ولو ذميا أو مستأمنا أو غير مستأمن فلا رجوع له عليه فإن وهب لذي رحم غیر محرم أو لمحرم غير ذی رحم أو لمحرم بالمصاهرة وأراد الرجوع فله ذلك.
(مادة 521) إذا هلكت العين الموهوبة في يد الموهوب له أو استهلكت سقط حق الرجوع فيها فإن استهلك البعض فللواهب الرجوع فيما بقي.
(مادة 522) إذا أضاف الموهوب له بعد العقد عوضا للهبة و قبضه الواهب میرزا مميزا إن كان مما يحتمل القسمة سقطت حق رجوعه بشرط أن لا يكون العرض بعض الموهوب فإن عوضه البعض عن الباقي فله الرجوع في الباقي وإن عوض النصف فله الرجوع في النصف ولا يضر الشيوع الحاصل بالرجوع.
ولا يفرق الأحناف بین ما إذا كان العدول عن الخطبة من جانب الخاطب أو المخطوبة، وما إذا كان العدول بمبرر أو بغير مبرر .
وموانع الرجوع في الهبة السبعة سالفة الذكر تطابق الموانع التي نصت عليها المادة 502 مدنی - عد المانع الأخير الوارد بها.
وكما ذكرنا سلفا أنه من موانع الرجوع في الهبة التي يغلب أن تثور في التطبيق العملي :
1- تصرف الموهوب له في الشيء الموهوب تصرفا نهائيا.
2- هلاك العين الموهوبة في يد الموهوب له.
3- موت الخاطب أو المخطوبة. ونحيل في التفصيلات إلى الشرح الوارد بیند (۱۱).
ونعرض فتوى صادرة من دار الإفتاء المصرية بتاريخ 1960/6/27 في الطلب رقم 802 سنة 1960:
«إن المنصوص عليه شرعا في مذهب الحنفية المعمول به أنه لا رجوع فيما بعث به أحد الزوجين للأخر أثناء قيام الزوجية بينهما- أما إذا كان الإرسال قبل إتمام الزواج بينهما كما في الحادث موضوع السؤال فإنه له الرجوع فيما أرسله متى كان قائما، أما إذا كان هالكا أو مستهلكا فإنه لا يرجع بشيء منه لأنه في معنى الهبة، وهلاك الموهوب أو استهلاکه مانع من الرجوع فيه، هذا هو مذهب الحنفية المعمول به. أما على المفتي به من مذهب المالكية فإنه لا يخلو إما أن يكون الرجوع عن إتمام الزواج من قبل الزوج أو من قبلها، فإن كان العدول من قبله لا يرجع بشيء من الهدايا باقية كانت أو هالكة، إن كان العدول من المخطوبة يرجع بكل الهدايا سواء كانت باقية أم هالكة، وإذا كانت هالكة يرجع ببدلها، إلا إذا كان هناك عرف أو شرط بخلافه فإنه يعمل به. وهذا التفصيل حسن ونرى الأخذ والإفتاء به وقد جرت فتوانا عليه. والله أعلم».
استرداد المهر أو قيمته :
ما ذكرناه سلفا يتعلق بالشبكة وهدايا الخطبة الأخرى.
أما فيما يتعلق بالمهر فقد ذهب الأحناف إلى أنه في حالة فسخ الخطبة، فإن للخاطب أن يرجع بما قدمه من مهر قليلا كان أو كثيرا، لأن المهر وجب بالعقد فهو حكم من أحكامه وأثر من آثاره، ومادام الزواج لم يوجد فلا حق للمرأة في أخذ المهر بل هو حق خالص للزوج، فإن كان قائما أخذه بعينه، وإن هلك أو استهلك أخذ مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان قيميا .
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 31 يناير 1970 في الطلب رقم ۳۱/ ۱۹۷۰ بان:
«المقرر شرعا أن الخطبة ليست عقدا ولا زواجا، ولا يترتب عليها شيء من آثار العقد والزواج، والشبكة التي تقدم للمخطوبة قد جرى العرف باعتبارها جزاء من المهر، وقد جرينا في الإفتاء على هذا - ومادامت الشبكة قد اعتبرت جزءا من المهر فإنها تأخذ حكمه، والمهر لا يستحق شرعا إلا بعقد الزواج، فإذا لم يتم عقد الزواج سبب فسخ الخطبة أو وفاة المخطوبة مثلا كما في الحادثة موضوع السؤال فإنه يكون للخاطب شرعا الحق في أن يسترد ما قدمه المخطوبته من شبكة، لأنها جزء من المهر كما سبق، ولا حق لورثة المخطوبة في شيء من الشبكة المذكورة شرعا، ومن هذا يعلم الجواب عما جاء بالسؤال والله سبحانه وتعالى أعلم».
هل يجوز التعويض بسبب العدول عن الخطبة؟
أوردنا سلفا ببند (۸) أن الخطبة غير ملزمة وأنه يجوز لأي من الطرفين العدول عنها، دون مسئولية عليه. فالعدول عن الخطبة في ذاته ليس خطأ مستوجبا للتعويض، سواء كان ماديا أو أدبيا، ولو استطال أمد الخطبة قبل العدول عنها لأن كلا من الطرفين يعلم أن هذه الخطبة غير ملزمة ويمكن العدول عنها في أي وقت، وكان في وسع الطرف المتضرر من ذلك أن يعدل عنها فيضع نهاية لها.
غير أنه إذا اقترن هذا العدول بأفعال أخرى مستقلة بذاتها عنه ألحقت ضررا بأحد طرفي الخطبة، فإنه يجوز التعويض عن هذا الضرر.
ويكون أساس التعويض في هذه الحالة المسئولية التقصيرية المنصوص عليها بالمادة 163 مدني التي تجري على أن:
كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض»، ومعيار الخطأ هو المعيار المعروف، وهو الانحراف عن السلوك المألوف للشخص العادي فإذا انحرف من يعدل عن الخطبة عن السلوك المألوف للشخص العادي إذا وجد في نفس ظروفه، وأدى هذا الانحراف إلى الإضرار بالطرف الآخر كان مسئولا عن تعويض الضرر.
ومثال الأفعال سالفة الذكر:
1- أن تكون المخطوبة طالبة علم أو عاملة – فيطلب منها الخاطب ترك الدراسة أو الاستقالة من عملها، فتقوم بذلك.
2- أن يطلب الخاطب من المخطوبة إعداد كسوة تتناسب مع احتفال العقد أو العرس فتقوم بذلك.
3- أن يطلب الخاطب من المخطوبة إعداد جهاز معين لا تضمن الانتفاع به على الوجه الصحيح، إذا لم يتم الزواج، فتعد هذا الجهاز.
4- أن تكون المخطوبة قد طلبت من الخاطب إعداد مسكن الزوجية خلاف مسكنه القديم الذي كان يليق بحال العزوبة، فيقوم بإعداده.(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 18)
الخطبة
تعريف الخطبة :
هي طلب التزوج والوعد به ، فهي تمهيد لعقد الزواج - وتسمى مقدمات لعقد الزواج - ذلك العقد الخطير الأثر ، الطويل الأمد .
فالخطبة وقراءة الفاتحة ، وتبادل الهدايا ، ليست إلا تمهيدا للزواج ولا تلزم به حتى ولو اقترنت بدفع المهر أو جزء منه .
والخطبة : هي طلب الرجل يد امرأة معينة للتزوج بها والتقدم إليها أو إلى ذويها وبيان حاله ومفاوضتهم في أمر العقد ومطالبة ومطالبهم بشأنه .
ويجب لسلامة الخطبة أن يكون كلا العاقدين على علم قاطع أو ظن راجح بحال العقد الآخر وما عليه من عادات وتقاليد وأخلاق ، وذلك بأن يكون على علم بخلق الطرف الآخر وتكوينه الجسمي ، يتم ذلك العلم بالرؤية ، ومن ثم أباح الشارع للرجل أن ينظر إلى المرأة ، بل حبب إلى ذلك وندبه ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خطب المغيرة بن شعبة امرأة ليتزوجها ، أنظرت إليها ؟ قال لا ، فقال عليه السلام أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما .
والقدر المباح الوجه والكفين والقدمين ، على أنه يشترط أن لا تكون الرؤية في خلوة ، لأن الخلوة بين الرجل والمرأة حرام ، وللمرأة الحق في النظر إلى من جاء يخطبها مثلها مثل الرجل ، ولها الحق أيضا في التحري عنه والتعرف على عيوبه ومزاياه ، لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها . والخطبة : هي وعد بالزواج وليست عقدا ملزما لأنه لا يجوز أن يتقيد شخص بعقد في أن يتزوج من فتاة أو سيدة معينة فمثل هذا العقد مخالف للنظام العام .
ومتى كانت الخطبة وسيلة لغاية وهي الزواج ، لذلك يتعين أن تكون للمرأة الصالحة للزواج ، فيخرج بذلك منع خطبة المحرمة تحريما مؤبدا كما جاء في كتاب الله {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}}.
كما يخرج أيضا خطبة المرأة تحريما مؤقتا شريطة أن يكون سبب التحريم قائما ، فإن زال سبب التحريم زالت حرمة الخطية ، كما يحرم خطبة المرأة المخطوبة للغير ما دامت قائمة عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {{ ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له }}.
حكم عقد الزواج على مخطوبة للغير:
لقد ذهب الفقهاء أن العقد صحيح متى استوفى أركانه وشروطه ، غير أنه يأثم دينيا ، والإثم لا أثر له في صحة العقد .
ويرى المالكية أن له أن يفسخ إن لم يبن بها ، فإن بنى بها فلا فسخ ويرون ذلك على سبيل الاستحباب ، ما لم يهتم بصحة العقد ، فإن حكم بصحة العقد ، أو سامح الخاطب الأول أو أذن له فلا فسخ مطلقة .
كما تحرم أيضا خطبة المرأة على المرأة لاتحاد العلة بالمضارة وإلا يزل شريطة أن تكون الخطبة قائمة بينهما .
أما إذا رفضت خطبة الخاطب الأول ، فيجوز باجماع الفقهاء خطبتها من قبل خاطب آخر وإذا ترددت بين القبول والرفض ، فلم ترد على الخاطب الأول باجابة أو رد فأجاز الفقهاء خطبتها للثاني .
التعويض عند فسخ الخطبة :
لما كانت الخطبة هي وعد بالزواج وليست عقدا ملزما ، لذلك فيجوز لكل من طرفيها العدول عن الخطبة تفاديا من الارتباط بزواج لا يحقق الغاية المرجوة منه وذلك باعطاء فرصة للخطيبين للتعارف ودراسة بعضهما قبل الزواج فإذا وجدا تفهنا بينهما أتبعا الخطبة بالزواج ، أما إذا تبين لهما تنافرة في الطباع أو أن العشرة بينهما ستكون مستحيلة فسخا الخطبة وهو أهون من أن يتم الزواج وينتهي بالطلاق وما يترتب عليه من مشاكل جمة وبذلك فإنه يجب أن يتوافر للمتعاقدين كامل الحرية في مباشرة حق فسخ الخطبة لما للزواج من خطر في شئون المجتمع وهذا لا يتأتى إذ كان أحد الطرفين مهددا بالتعويض .
لذلك يرى البعض أنه ليس للقاضي أن يحكم بالتعويض في حالة عدول أحدهما عن خطبة الآخر ، ودللوا على ذلك بأن العدول حق للخاطب والمخطوبة ، ولأن العادل عن الخطبة يسترد هذا إياه فكيف يغرم مالا ، كما أنه لا ضمان في استعمال الحق ، فضلا عن أن الطرف الذي وقع في الضرر يعلم أن الطرف الآخر من حقه العدول في أي وقت شاء ، والضرر نتيجة الغرر ، وهو لم يغرر به أحد ، والضمان عند التغريز ، وهذا لو حمل العادل عن الخطبة مغارم لكان في ذلك إكراه على الزواج ، مع أن الزواج يجب أن يتوافر فيه كامل الرضاء وكامل الحرية .
وذهب رأي آخر إلى الحكم بالتعويض مستندة في ذلك إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم {{ لا ضرر ولا ضرار }} والضرر يزال وطريق إزالته هو التعويض ، كما أن الخطبة وإن لم تكن عقدة فهى ارتباط ينشأ عنه تصرفات يتحمل أحدهما بسببه مغارم مالية ، وقد تكون تمت بمعرفة العادل أو برأيه وتحت سمعه وبصره ، فالعدول لا يخلو من تغرير ولا تعارض عندهم عن كون العدول حقا وين تعويض الضرر لأن التعويض ليس عند العدول المجرد ولكن التعويض عن الضرر الذي نشأ عن العدول .
ويرى آخرون أن العدول عن الخطبة في ذاته لا يكون سببا لتعويض لأنه حق ، والحق لا يترتب عليه تعویض قط ، ولكن ربما يكون الخاطب قد تسبب في أضرار نزلت بالمخطوبة لا لمجرد الخطية والعدول - كأن يطلب الخاطب نوعا من الجهاز ، أو تطلب هي إعداد المسكن ثم يكون العدول والضرر ، فالضرر نزل بسبب عمل كان من الطرف الآخر غير مجرد العدول عن الخطبة ، فالتعويض ينشأ عن الضرر وللخاطب يخل فيه .
والرأي الراجح فقها وقضاء وبه أخنت محكمة النقض إلى أن العدول عنها يوجب التعويض إذا نتج عنه فعل ضار موجب للمسئولية المدنية وليس في هذا ما يمس حرية الزواج إطلاقا إذ لكل من الطرفين أصلا أن يعدل عن وعده ، ولكن إذا جزى ذلك في تهور وإندفاع أو عنف أو خالية مما يبرره أو بغیر مسوغ مشروع أو لمجرد الهوى ونشأ عن ذلك ضرر أصاب الطرف الآخر فإن ذلك يوجب التعويض ، لأن الشرائع لا تحمي عوة طائشة لا يبرره مسوغ يقتضيه ، ولأنه ليس لحق برعاية القضاء وإشرافه شئ أكثر من الأعراض والحرمات مساسها بذات الإنسان .
خلاصة نلك أنه إذا ترتب على العدول عن الخطبة ضرر سواء أكان ضررا ماديا أو أغنية تحمل المتسبب في العول إذا كان متعسفا التعويض عنه ، فقد تتعرض المخطوبية لبعض الشائعات ، أو تركت المخطوبة عملها الذي تتكسب منه بعد الخطبة استعدادا للزواج ثم عزل الخاطب دون مبرر أو كانت قد تكلفت في تجهيز منزل الزوجية بنقولات ، أو إذ قام الخاطب بنفقات إعداد مسكن الزوجية للمخطوبة فعلت المخطوبة عن الخطبة دون مبرر ، فمن حق كل من المتضرر منهما أن يرفع دعواه أمام القضاء للمطالبة بالتعويض وباسترداد هداياه ، وعلى القاضي التحقق من حصول الضرر ماديا كان أو معنوية ومن المتسبب في حدوثه ، وتقدير هذا الضرر متروك لقاضي الموضوع متى أقام قضاءه على أسباب سائغة .
وقد جرت العادة والعرف بين الناس أن الخاطب قد يقدم إلى خطيبته بعض الهدايا العينية {{ كالاسورة والخاتم والساعة }} وقد يقدم إليها أو إلی وليها المهر كله أو بعضه فإذا حدث ذلك خلال الخطبة ثم فسخت بعدول الطرفين أو إحداهما ، فللخاطب الحق في أن يسترد المهر الذي أداه إن كان قائما على حاله لم يتغير ، فإن لم يكن قائما على حالته بأن فقد أو بيع أو تغير بالزيادة أو النقصان أو كان طعاما فأكل أو قماشة فخيط ثوبا فإن له أن يسترد بدله مثلا أو قيمته يوم القبض إن كان هالكا أو مستهلكا ، لأن المهر لا حق لها فيه ، إلا إذ أتم العقد بایجاب وقبول شرعيين .
المحكمة المختصة :
أن طلب التعويض عن الأضرار التي لحقت بأي من الخطيبين من جراء العدول عن الخطبة ، أو برد الهدايا التي قدمها يكون من اختصاص المحكمة المدنية لأن الهدايا التي يقدمها أحد الخطيبين لا تعد من مسائل الأحوال الشخصية إذ أنها ليست ركنا من أركان الزواج ولا شرط من شروط صحته إذا يتم الزواج بدونها ولا يتوقف وإنما تعد من قبيل الهبات ويسرى عليها ما يسرى على الهبة من أحكام في القانون المدني .(الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للإصدارات القانونية ، الصفحة : 1)
فإن لم تكن خالية في الحال من الموانع الشرعية بأن كانت محرمة عليه بسبب من أسباب التحريم المؤبدة كأخته نسبا أو رضاعا أو المؤقتة كزوجة غيره أو معتدته فلا تباح له خطبتها لأن الخطبة وسيلة إلى العقد ومقدمة له وإذا كانت النتيجة غير ممكنة الحصول في الحال فالاشتغال بالوسيلة عبث يصان العاقل عنه . ولأن في خطبة زوجة الغير أو معتدته إيذاء لهذا الغير واعتداء عليه والله لا يحب المعتدين . ولهذا لا تحل خطبة معتدة الغير سواء كانت معتدة من وفاة أو طلاق رجعي أو بائن بينونة صغرى أو كبرى لأنها مادامت في العدة فحق زوجها متعلق بها وفي خطبتها اعتداء عليه سواء كانت الخطبة بصريح العبارة أو بطريق التعريض .
واستثنى من هذا حال واحدة وهي ما إذا كانت المعتدة معتدة وفاة فإنه تباح خطبتها بطريق التعريض فقط ولا تباح بالتصريح .
ودليل هذا الاستثناء قوله تعالى في سورة البقرة : (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ ).
المراد بالنساء في هذه الآية معدات الوفاة لأن الآية التي قبلها في شأن الذين يتوفون ويذرون أزواجا والله نفي الجناح والإثم في التعريض بخطبتهن فخطبة المتوفى عنها زوجها بطريق التعريض مباحة . والحكمة في هذا الاستثناء أن الوفاة قطعت رباط الزوجية لا إلى عودة وهذا من شأنه أن يجعل الراغب في زواج المتوفي زوجها لا يتحرج من خطبتها في عدتها وإلى هذا أشار الله سبحانه وتعالى بقوله : ( عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) ولكن لمراعاة جانب ورثة المتوفى وعدم إيذائهم بخطبة زوجة مورثهم وهي لا تزال في عدته . ولحال الحزن والحداد التي عليها المتوفى عنها زوجها حظر التصريح بخطبتها واكتفى بإباحة التعريض بها فقط .
والفرق بين التصريح والتعريض أن التصريح هو أن تذكر كلاما صريحا تقصد ما يدل عليه كأن يقول الخاطب أرغب في زواجك أو أريد أن تكوني زوجة لي . وأما التعريض فهو أن تذكر كلاما لا تريد معناه الظاهر بل تريد به معنى آخر يفهم منه بالقرائن كأن يقول الخاطب أنت خير زوجة أو وددت لو يسرت لي زوجة صالحة والقرائن تدل على ما يريد من خطبتها وإن كانت ممن تحل له ولكنها مخطوبة لغيره خطبة شرعية فلا تباح له خطبتها مادامت خطبة غيره قائمة ولم يبت في أمرها لأن هذا اعتداء على الغير وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر ».
وإذا خطب خاطب امرأة لا تباح له خطبتها شرعا أثم ديانة ولكن لا أثر لهذا الإثم قضاء فلو خطب معتدة غيره ثم بعد انقضاء عدتها عقد زواجه بها صح العقد ما دام قد استوفى شرائطه الشرعية . وإثمه الذي ارتكبه بخطبتها خطبة غير مباحة لا أثر له في صحة العقد بعد أن صارت غیر محرمة عليه .
ومن مقدمات الزواج التي اعتاد بعض الناس تقديمها عليه قراءة الفاتحة للدلالة على التراضي به . وحصول الوعد به من الجانبين . وقبول كل منهما هدایا الآخر. وقبول الزوجة أو وليها المهر كله أو بعضه .
وهذه المقدمات من الخطبة أو قراءة الفاتحة أو التواعد أو التهادي أو قبول المهر أو بعضه لا تعتبر زواجا شرعا ولا تربط أحدهما بالآخر برباط الزوجية فللخاطب أن يعدل عن خطبته وللمخطوبة أن تعدل عن قبوله ولكل منهما أن ينقض وعده.
وإذا فسخت الخطبة سواء أكان بسبب عدول الخاطب أو المخطوبة أو عدو لهما معا فإن ما قدمه الخاطب من المهر له الحق في استرداده فإن كان قائما يجب رده إليه بعينه وإن كان هالكا أو مستهلكا يجب رد مثله أو قيمته لأنه دفع على أنه عوض للزواج ومادام الزواج لم يوجد فلا يستحق شيء من هذا العوض وهو حق خالص للخاطب يجب رده إليه . وأما ما قدمه الخاطب من الهدايا فهو هبة وحكم الهبة أن الواهب له حق الرجوع فيها ما لم يوجد مانع من موانع الرجوع . وعلى هذا إذا كان ما أهداه الخاطب لمخطوبته قائمة في يدها لم يطرأ عليه ما يمنع الرجوع فيه كخاتم أو ساعة أو عقد لم يطرأ عليه طاريء فللخاطب الحق في استرداده وأما إذا كان ما أهداه الخاطب لمخطوبته ليس قائما عندها على حاله بأن هلك أو استهلك أو تغير بالزيادة أو باعته كأن كان طعاما فأكل أو خاتما فضاع أو قماشا فخيط ثوبا ففي كل هذا ليس للخاطب الحق في استرداد ما أهداه ولا استرداد بدل عنه لأن هلاك الموهوب وخروجه من يد الموهوب له والزيادة المتصلة فيه كلها من موانع الرجوع في الهبة . على ما سيبين في موضعه . وإذا اختلف الخاطب والمخطوبة في أن ما قدم مهر أو هدية فسيبين الحكم في هذا في قضايا المهر .
وإنما الذي يربط أحدهما بالآخر هو عقد الزواج الشرعي الذي تحققت أركانه و استوفى شرائطه .
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 16 ـ 17 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن ، الصفحة / 5
بَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الْبَاءَةُ لُغَةً: النِّكَاحُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الْجِمَاعِ. إِمَّا لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمَنْزِلِ غَالِبًا، أَوْ لأَِنَّ الرَّجُلَ يَتَبَوَّأُ مِنْ أَهْلِهِ - أَيْ يَسْتَمْكِنُ مِنْهَا - كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دَارِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ.وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
وَقَالَ شَارِحُ الْمِنْهَاجِ: الْبَاءَةُ: مُؤَنُ النِّكَاحِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَاهُ: هُوَ الْوَطْءُ.
ب - أُهْبَةُ النِّكَاحِ: الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤَنِهِ مِنْ مَهْرٍ وَغَيْرِهِ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْبَاءَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الْبَاءَةُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مَوْضُوعِهَا (ر: وَطْء).
أَمَّا بِمَعْنَى مُؤَنِ النِّكَاحِ فَإِنَّ مَنْ وَجَدَهَا، وَكَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الْوَطْءِ، وَلاَ يَخْشَى الْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمِ، اسْتُحِبَّ لَهُ النِّكَاحُ.لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ...» الْحَدِيثَ.
فَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّقُ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورِ، فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنِ الْحَرَامِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلأَِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّلُ إِلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
أَمَّا إِنْ وَجَدَ الأُْهْبَةَ، وَكَانَ بِهِ مَرَضٌ كَهَرَمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ كَرِهَ لَهُ النِّكَاحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ لإِِضْرَارِهِ بِالْمَرْأَةِ.
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَجَدَ الْبَاءَةَ، وَلَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ لِلْوَطْءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ أَفْضَلُ.وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ،
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع عشر ، الصفحة / 190
خِطْبَةٌ
التَّعْرِيفُ :
الْخِطْبَةُ - بِكَسْرِ الْخَاءِ - مَصْدَرُ خَطَبَ، يُقَالُ: خَطَبَ الْمَرْأَةَ خِطْبَةً وَخَطْبًا، وَاخْتَطَبَهَا، إِذَا طَلَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَاخْتَطَبَ الْقَوْمُ فُلاَنًا إِذَا دَعَوْهُ إِلَى تَزْوِيجِ صَاحِبَتِهِمْ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
النِّكَاحُ :
- النِّكَاحُ مَصْدَرُ نَكَحَ، يُقَالُ: نَكَحَ فُلاَنٌ امْرَأَةً يَنْكِحُهَا إِذَا تَزَوَّجَهَا، وَنَكَحَهَا يَنْكِحُهَا: وَطِئَهَا أَيْضًا.
وَاصْطِلاَحًا : عَقْدٌ يُفِيدُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ قَصْدًا، بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ. وَالْخِطْبَةُ مُقَدِّمَةٌ لِلنِّكَاحِ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّكَاحِ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :
- الْخِطْبَةُ فِي الْغَالِبِ وَسِيلَةٌ لِلنِّكَاحِ، إِذْ لاَ يَخْلُو عَنْهَا فِي مُعْظَمِ الصُّوَرِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَلَوْ تَمَّ بِدُونِهَا كَانَ صَحِيحًا، وَحُكْمُهَا الإِْبَاحَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِأَنَّ الْخِطْبَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ « خَطَبَ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَخَطَبَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ رضي الله عنهم ».
أَوَّلاً: اخْتِلاَفُ حُكْمِ الْخِطْبَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى حَالِ الْمَرْأَةِ :
أ - خِطْبَةُ الْخَلِيَّةِ :
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْخَلِيَّةَ مِنَ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ وَالْخِطْبَةِ وَمَوَانِعِ النِّكَاحِ تَجُوزُ خِطْبَتُهَا تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا.
وَأَمَّا الْمَنْكُوحَةُ، أَوِ الْمُعْتَدَّةُ، أَوِ الْمَخْطُوبَةُ، أَوِ الَّتِي قَامَ بِهَا مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ، فَلاَ تَجُوزُ خِطْبَتُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ الآْتِي:
خِطْبَةُ زَوْجَةِ الْغَيْرِ :
لاَ تَجُوزُ خِطْبَةُ الْمَنْكُوحَةِ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا؛ لأِنَّ الْخِطْبَةَ مُقَدِّمَةٌ لِلنِّكَاحِ، وَمَنْ كَانَتْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لاَ يَجُوزُ لِلْغَيْرِ أَنْ يَنْكِحَهَا فَلاَ تَصِحُّ خِطْبَتُهَا وَلاَ تَجُوزُ بَلْ تَحْرُمُ.
خِطْبَةُ مَنْ قَامَ بِهَا مَانِعٌ :
لاَ تَجُوزُ خِطْبَةُ مَنْ قَامَ بِهَا مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ؛ لأِنَّ الْخِطْبَةَ مُقَدِّمَةٌ إِلَى النِّكَاحِ، وَمَا دَامَ مَمْنُوعًا فَتَكُونُ الْخِطْبَةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ خِطْبَةُ نَحْوِ مَجُوسِيَّةٍ لِيَنْكِحَهَا إِذَا أَسْلَمَتْ.
خِطْبَةُ الْمُعْتَدَّةِ :
يَخْتَلِفُ حُكْمُ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ بِاخْتِلاَفِ لَفْظِ الْخِطْبَةِ (تَصْرِيحًا كَانَ أَوْ تَعْرِيضًا) وَبِاخْتِلاَفِ حَالَةِ الْمُعْتَدَّةِ (رَجْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ بَائِنًا بِطَلاَقٍ، أَوْ فَسْخٍ، أَوِ انْفِسَاخٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ مُعْتَدَّةٍ مِنْ شُبْهَةٍ).
التَّصْرِيحُ بِالْخِطْبَةِ :
هُوَ مَا يَقْطَعُ بِالرَّغْبَةِ فِي النِّكَاحِ وَلاَ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، كَقَوْلِ الْخَاطِبِ لِلْمُعْتَدَّةِ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ، أَوْ: إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ تَزَوَّجْتُكِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّصْرِيحَ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ حَرَامٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ أَمْ بَائِنٍ، أَمْ وَفَاةٍ، أَمْ فَسْخٍ، أَمْ غَيْرِ ذَلِكَ لِمَفْهُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ) وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)وَلأِنَّ الْخَاطِبَ إِذَا صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ تَحَقَّقَتْ رَغْبَتُهُ فِيهَا فَرُبَّمَا تَكْذِبُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ الإْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
التَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ :
قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: التَّعْرِيضُ أَنْ يُضَمِّنَ كَلاَمَهُ مَا يَصْلُحُ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ وَغَيْرِهِ إِلاَّ أَنَّ إِشْعَارَهُ بِالْمَقْصُودِ أَتَمُّ، وَيُسَمَّى تَلْوِيحًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِنَايَةِ أَنَّ التَّعْرِيضَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْكِنَايَةَ هِيَ التَّعْبِيرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلاَزِمِهِ، كَقَوْلِنَا فِي كَرَمِ الشَّخْصِ: هُوَ طَوِيلُ النِّجَادِ كَثِيرُ الرَّمَادِ.
وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ التَّعْرِيضَ بِالْخِطْبَةِ بِأَنَّهُ: مَا يَحْتَمِلُ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا كَقَوْلِهِ: وَرُبَّ رَاغِبٍ فِيكِ، وَمَنْ يَجِدُ مِثْلَكِ ؟
وَقَالُوا: وَنَحْوُ الْكِنَايَةِ وَهِيَ الدَّلاَلَةُ عَلَى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لاَزِمِهِ قَدْ يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ التَّصْرِيحُ كَأُرِيدُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكِ نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ وَتَحِلِّينَ لِي، وَقَدْ لاَ يُفِيدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا كَذِكْرِ الْعِبَارَةِ السَّابِقَةِ « أُرِيدُ أَنْ أُنْفِقَ... إِلَخْ » مَا عَدَا « وَتَحِلِّينَ لِي ».
وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما التَّعْرِيضَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ) وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) بِقَوْلِهِ: يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ يُيَسَّرُ لِي امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ.
وَلَيْسَ حُكْمُ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ وَاحِدًا بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الْمُعْتَدَّاتِ، بَلْ إِنَّهُ مُخْتَلِفٌ بِالنَّظَرِ إِلَى حَالَةِ كُلِّ مُعْتَدَّةٍ، رَجْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ بَائِنًا بِطَلاَقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ مَوْتٍ.
التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ :
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ لأِنَّهَا فِي مَعْنَى الزَّوْجِيَّةِ لِعَوْدِهَا إِلَى النِّكَاحِ بِالرَّجْعَةِ، فَأَشْبَهَتِ الَّتِي فِي صُلْبِ النِّكَاحِ؛ وَلأِنَّ نِكَاحَ الأْوَّلِ قَائِمٌ؛ وَلأِنَّهَا مَجْفُوَّةٌ بِالطَّلاَقِ فَقَدْ تَكْذِبُ انْتِقَامًا.
التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا :
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، لِيُفْهَمَ مُرَادُ الْمُعَرِّضِ بِالْخِطْبَةِ لاَ لِيُجَابَ، وَذَلِكَ لقوله تعالى : (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ)وَهِيَ وَارِدَةٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَلأِنَّ « رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها وَهِيَ مُتَأَيِّمٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنه فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَخِيرَتُهُ وَمَوْضِعِي مِنْ قَوْمِي ».
وَلاِنْقِطَاعِ سَلْطَنَةِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا مَعَ ضَعْفِ التَّعْرِيضِ.
التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ :
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ لِعُمُومِ قوله تعالي : ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ)وَلِمَا رُوِيَ عَنْ « فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رضي الله تعالى عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا لَمَّا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا: إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي » وَفِي لَفْظٍ « لاَ تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ » . وَفِي لَفْظٍ « لاَ تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ »وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِخِطْبَتِهَا فِي عِدَّتِهَا، وَلاِنْقِطَاعِ سُلْطَةِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِلُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ لإِِفْضَائِهِ إِلَى عَدَاوَةِ الْمُطَلِّقِ.
خِطْبَةُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ فَسْخٍ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّعْرِيضِ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَفَسْخٍ وَشَبَهِهِمَا، كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ لِعَانٍ أَوْ رِدَّةٍ، أَوِ الْمُسْتَبْرَأَةِ مِنَ الزِّنَى، أَوِ التَّفْرِيقِ لِعَيْبٍ أَوْ عُنَّةٍ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى جَوَازِ التَّعْرِيضِ لَهُنَّ أَخْذًا بِعُمُومِ الآْيَةِ وَقِيَاسًا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا، وَأَنَّ سُلْطَةَ الزَّوْجِ قَدِ انْقَطَعَتْ.
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ صَاحِبِ الْعِدَّةِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فِيهَا، أَمَّا هُوَ فَيَحِلُّ لَهُ التَّعْرِيضُ وَالتَّصْرِيحُ، وَأَمَّا مَنْ لاَ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهُ فِيهَا كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ أَوْ رَجْعِيًّا فَوَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، فَإِنَّ عِدَّةَ الْحَمْلِ تُقَدَّمُ، فَلاَ يَحِلُّ لِصَاحِبِ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ أَنْ يَخْطُبَهَا؛ لأِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى عَدَاوَةِ الْمُطَلِّقِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِلاَّ فَلاَ.
جَوَابُ الْخِطْبَةِ :
- حُكْمُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا لِلْخَاطِبِ كَحُكْمِ خِطْبَةِ هَذَا الْخَاطِبِ حِلًّا وَحُرْمَةً، فَيَحِلُّ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْمُعْتَدَّةُ أَنْ تُجِيبَ مَنْ عَرَّضَ بِخُطْبَتِهَا بِتَعْرِيضٍ أَيْضًا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا وَعَلَى كُلِّ مُعْتَدَّةٍ التَّصْرِيحُ بِالْجَوَابِ - لِغَيْرِ صَاحِبِ الْعِدَّةِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا - وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي بَقِيَّةِ الْمُعْتَدَّاتِ فِي ضَوْءِ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ.
خِطْبَةُ الْمُحْرِمِ :
- يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَخْطُبَ امْرَأَةً وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُحْرِمَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، كَمَا يُكْرَهُ أَنْ يَخْطُبَ غَيْرُ الْمُحْرِمِ الْمُحْرِمَةَ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنه مَرْفُوعًا: « لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ وَلاَ يَخْطُبُ » ،وَالْخِطْبَةُ تُرَادُ لِعَقْدِ النِّكَاحِ فَإِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا كُرِهَ الاِشْتِغَالُ بِأَسْبَابِهِ؛ وَلأِنَّهُ سَبَبٌ إِلَى الْحَرَامِ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْخِطْبَةُ حَالَ الإِْحْرَامِ.
مَنْ تُخْطَبُ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ :
- خِطْبَةُ الْمَرْأَةِ الْمُجْبَرَةِ تَكُونُ إِلَى وَلِيِّهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ « أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَهُ: أَخِي فِي دِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَهِيَ لِي حَلاَلٌ ».
وَيَجُوزُ أَنْ تَخْطُبَ الْمَرْأَةُ الرَّشِيدَةُ إِلَى نَفْسِهَالِحَدِيثِ « أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ. لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ رضي الله تعالى عنه يَخْطُبُنِي لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لِي بِنْتًا وَأَنَا غَيُورٌ، فَقَالَ: أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهُبَ بِالْغَيْرَةِ » .
وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى: « إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى وَإِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ فَقَالَ: أَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى فَسَأَدْعُو اللَّهَ لَكِ فَيُذْهِبُ غَيْرَتَكِ، وَأَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ فَسَتُكْفَيْنَ صِبْيَانَكِ ».
عَرْضُ الْوَلِيِّ مُوَلِّيَتَهُ عَلَى ذَوِي الصَّلاَحِ :
- يُسْتَحَبُّ لِلْوَلِيِّ عَرْضُ مُوَلِّيَتِهِ عَلَى ذَوِي الصَّلاَحِ وَالْفَضْلِ، كَمَا عَرَضَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ إِحْدَى ابْنَتَيْهِ عَلَى مُوسَى عليه الصلاة والسلام الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي قوله تعالي : ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ) ،وَكَمَا فَعَلَ عُمَرُ رضي الله عنه حَيْثُ عَرَضَ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ رضي الله تعالى عنها عَلَى عُثْمَانَ، ثُمَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما.
إِخْفَاءُ الْخِطْبَةِ :
- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ إِخْفَاءُ الْخِطْبَةِ خِلاَفًا لِعَقْدِ النِّكَاحِ فَيُنْدَبُ - عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ - إِعْلاَنُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : « أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ ».
ثَانِيًا: الْخِطْبَةُ عَلَى الْخِطْبَةِ :
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخِطْبَةَ عَلَى الْخِطْبَةِ حَرَامٌ إِذَا حَصَلَ الرُّكُونُ إِلَى الْخَاطِبِ الأْوَّلِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « لاَ يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ الرَّجُلِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ ». وَلأِنَّ فِيهَا إِيذَاءً وَجَفَاءً وَخِيَانَةً وَإِفْسَادًا عَلَى الْخَاطِبِ الأَْوَّلِ، وَإِيقَاعًا لِلْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَحَكَى النَّوَوِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ لِلتَّحْرِيمِ.
مَتَى تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَى الْخِطْبَةِ ؟
- ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلتَّحْرِيمِ أَنْ يَكُونَ الْخَاطِبُ الأَْوَّلُ قَدْ أُجِيبَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَمْ يَعْرِضْ وَلَمْ يَأْذَنْ لِلْخَاطِبِ الثَّانِي، وَعَلِمَ الْخَاطِبُ الثَّانِي بِخِطْبَةِ الأَْوَّلِ وَإِجَابَتِهِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ فِي شُرُوطِ التَّحْرِيمِ، أَنْ تَكُونَ إِجَابَةُ الْخَاطِبِ الأَْوَّلِ صَرَاحَةً، وَخُطْبَتُهُ جَائِزَةٌ أَيْ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَاطِبُ الثَّانِي عَالِمًا بِحُرْمَةِ الْخِطْبَةِ عَلَى الْخِطْبَةِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ إِجَابَةَ الْخَاطِبِ الأَْوَّلِ تَعْرِيضًا تَكْفِي لِتَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَتِهِ وَلاَ يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِالإِْجَابَةِ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ وَكَلاَمِ أَحْمَدَ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِتَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى الْخِطْبَةِ رُكُونُ الْمَرْأَةِ الْمَخْطُوبَةِ أَوْ وَلِيِّهَا، وَوُقُوعُ الرِّضَا بِخِطْبَةِ الْخَاطِبِ الأَْوَّلِ غَيْرِ الْفَاسِقِ وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ صَدَاقٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ لاِبْنِ نَافِعٍ: لاَ تَحْرُمُ خِطْبَةُ الرَّاكِنَةِ قَبْلَ تَقْدِيرِ الصَّدَاقِ.
وَسَيَأْتِي حُكْمُ خِطْبَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى خِطْبَةِ الْفَاسِقِ، أَوْ خِطْبَةِ الْكَافِرِ لِلذِّمِّيَّةِ.
مَنْ تُعْتَبَرُ إِجَابَتُهُ أَوْ رَدُّهُ :
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ رَدُّ الْوَلِيِّ وَإِجَابَتُهُ إِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، وَإِلاَّ فَرَدُّهَا وَإِجَابَتُهَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: الْمُعْتَبَرُ رُكُونُ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ إِلَى الْخَاطِبِ الأَْوَّلِ، وَرُكُونُ الْمُجْبَرَةِ مُعَرِّضًا مُجْبِرُهَا بِالْخَاطِبِ وَلَوْ بِسُكُوتِهِ، وَعَلَيْهِ لاَ يُعْتَبَرُ رُكُونُ الْمُجْبَرَةِ مَعَ رَدِّ مُجْبِرِهَا، وَلاَ رَدُّهَا مَعَ رُكُونِهِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ رُكُونُ أُمِّهَا أَوْ وَلِيِّهَا غَيْرِ الْمُجْبِرِ مَعَ رَدِّهَا لاَ مَعَ عَدَمِهِ فَيُعْتَبَرُ.
خِطْبَةُ مَنْ لاَ تُعْلَمُ خِطْبَتُهَا أَوْ جَوَابُهَا :
- الْمَرْأَةُ الَّتِي لاَ يُعْلَمُ أَهِيَ مَخْطُوبَةٌ أَمْ لاَ، أُجِيبَ خَاطِبُهَا أَمْ رُدَّ، يَجُوزُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَنْ يَخْطُبَهَا لأِنَّ الأَْصْلَ الإِْبَاحَةُ، وَالْخَاطِبُ مَعْذُورٌ بِالْجَهْلِ.
الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ :
- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخِطْبَةَ عَلَى خِطْبَةِ الْكَافِرِ الْمُحْتَرَمِ (غَيْرِ الْحَرْبِيِّ أَوِ الْمُرْتَدِّ) حَرَامٌ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَخْطُبَ ذِمِّيٌّ كِتَابِيَّةً وَيُجَابُ ثُمَّ يَخْطُبُهَا مُسْلِمٌ، لِمَا فِي الْخِطْبَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الإِْيذَاءِ لِلْخَاطِبِ الأَْوَّلِ، وَقَالُوا: إِنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الأَْخِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ: « لاَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ». خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلاَ مَفْهُومَ لَهُ؛ وَلأِنَّهُ أَسْرَعُ امْتِثَالاً.
وَلَيْسَ الْحَالُ فِي الْفَاسِقِ كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لأِنَّ الْفَاسِقَ لاَ يُقَرُّ شَرْعًا عَلَى فِسْقِهِ، فَتَجُوزَ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ بِخِلاَفِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ فِي حَالَةٍ يُقَرُّ عَلَيْهَا بِالْجِزْيَةِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ كَافِرٍ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : « عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ » وَلأِنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ، بِالْمُسْلِمِ وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ، وَلاَ حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِهِ.
الْعَقْدُ بَعْدَ الْخِطْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى امْرَأَةٍ تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا عَلَى الْعَاقِدِ كَالْخِطْبَةِ عَلَى الْخِطْبَةِ، وَكَالْخِطْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ فِي الْعِدَّةِ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَى مَنْ تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا - كَعَقْدِ الْخَاطِبِ الثَّانِي عَلَى الْمَخْطُوبَةِ، وَكَعَقْدِ الْخَاطِبِ فِي الْعِدَّةِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا - يَكُونُ صَحِيحًا مَعَ الْحُرْمَةِ؛ لأِنَّ الْخِطْبَةَ الْمُحَرَّمَةَ لاَ تُقَارِنُ الْعَقْدَ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ؛ وَلأِنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ فَلاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِوُقُوعِهَا غَيْرَ صَحِيحَةٍ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْخَاطِبِ الثَّانِي عَلَى الْمَخْطُوبَةِ يُفْسَخُ حَالَ خِطْبَةِ الأَْوَّلِ بِطَلاَقٍ، وُجُوبًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْخَاطِبُ الأَْوَّلُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الثَّانِي بِخِطْبَةِ الأَْوَّلِ، مَا لَمْ يُبَيِّنِ الثَّانِي حَيْثُ اسْتَمَرَّ الرُّكُونُ أَوْ كَانَ الرُّجُوعُ لأَِجْلِ خِطْبَةِ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا لَمْ يُفْسَخْ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الثَّانِي حَاكِمٌ يَرَاهُ وَإِلاَّ لَمْ يُفْسَخْ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ حِينَئِذٍ مُسْتَحَبٌّ لاَ وَاجِبٌ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ لِمَنْ صَرَّحَ لاِمْرَأَةٍ فِي عِدَّتِهَا بِالْخِطْبَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا يُنْدَبُ لَهُ فِرَاقُهَا.
ثَالِثًا: نَظَرُ الْخَاطِبِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ :
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلاَفًا فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا، وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : « إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ ».
قَالَ: فَخَطَبْتُ امْرَأَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا.
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذَا النَّظَرِ فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يُنْدَبُ النَّظَرُ لِلأَْمْرِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَعَ تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ ) أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا » أَيْ تَدُومُ الْمَوَدَّةُ وَالأُْلْفَةُ. فَقَدْ وَرَدَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: « خَطَبْتُ امْرَأَةً فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ».
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُبَاحُ لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِجَابَتُهُ نَظَرَ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا.
قَالَ فِي « الإِْنْصَافِ »: وَيَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ النَّظَرُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَذَلِكَ لِوُرُودِ الأَْمْرِ بِالنَّظَرِ بَعْدَ الْحَظْرِ، فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
نَظَرُ الْمَخْطُوبَةِ إِلَى خَاطِبِهَا :
حُكْمُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ الْمَخْطُوبَةِ إِلَى خَاطِبِهَا كَحُكْمِ نَظَرِهِ إِلَيْهَا لأِنَّهُ يُعْجِبُهَا مِنْهُ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا، بَلْ هِيَ - كَمَا قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ - أَوْلَى مِنْهُ فِي ذَلِكَ لأِنَّهُ يُمْكِنُهُ مُفَارَقَةَ مَنْ لاَ يَرْضَاهَا بِخِلاَفِهَا.
وَاشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) لِمَشْرُوعِيَّةِ النَّظَرِ أَنْ يَكُونَ النَّاظِرُ إِلَى الْمَرْأَةِ مُرِيدًا نِكَاحَهَا، وَأَنْ يَرْجُوَ الإِْجَابَةَ رَجَاءً ظَاهِرًا، أَوْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُجَابُ إِلَى نِكَاحِهَا، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الإِْجَابَةُ.
وَاكْتَفَى الْحَنَفِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ إِرَادَةِ نِكَاحِهَا فَقَطْ.
الْعِلْمُ بِالنَّظَرِ وَالإِْذْنُ فِيهِ :
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمَخْطُوبَةِ أَوْ إِذْنُهَا أَوْ إِذْنُ وَلِيِّهَا بِنَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَيْهَا اكْتِفَاءً بِإِذْنِ الشَّارِعِ وَلإِِطْلاَقِ الأَْخْبَارِ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ عَدَمَ ذَلِكَ أَوْلَى لأِنَّهَا قَدْ تَتَزَيَّنُ لَهُ بِمَا يَغُرُّهُ، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله تعالى عنه السَّابِقِ وَفِيهِ إِطْلاَقُ الإِْذْنِ، وَقَدْ تَخَبَّأَ جَابِرٌ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي خَطَبَهَا حَتَّى رَأَى مِنْهَا مَا دَعَاهُ إِلَى نِكَاحِهَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: مَحَلُّ نَدْبِ النَّظَرِ إِنْ كَانَ بِعِلْمٍ مِنْهَا إِنْ كَانَتْ رَشِيدَةً، وَإِلاَّ فَمِنْ وَلِيِّهَا، وَإِلاَّ كُرِهَ لِئَلاَّ يَتَطَرَّقَ الْفُسَّاقُ لِلنَّظَرِ لِلنِّسَاءِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ خُطَّابٌ.
أَمْنُ الْفِتْنَةِ وَالشَّهْوَةِ :
- لَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِمَشْرُوعِيَّةِ النَّظَرِ أَمْنَ الْفِتْنَةِ أَوِ الشَّهْوَةِ أَيْ ثَوَرَانِهَا بِالنَّظَرِ، بَلْ قَالُوا: يَنْظُرُ لِغَرَضِ التَّزَوُّجِ وَإِنْ خَافَ أَنْ يَشْتَهِيَهَا، أَوْ خَافَ الْفِتْنَةَ؛ لأِنَّ الأَْحَادِيثَ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ لَمْ تُقَيِّدَ النَّظَرَ بِذَلِكَ.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لإِِبَاحَةِ النَّظَرِ أَمْنَ الْفِتْنَةِ، وَأَمَّا النَّظَرُ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ أَوِ الشَّهْوَةِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ.
مَا يُنْظَرُ مِنَ الْمَخْطُوبَةِ :
- اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَا يُبَاحُ لِلْخَاطِبِ نَظَرُهُ مِنْ مَخْطُوبَتِهِ الْحُرَّةِ هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا إِلَى كُوعَيْهِمَا لِدَلاَلَةِ الْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ، وَدَلاَلَةِ الْكَفَّيْنِ عَلَى خِصْبِ الْبَدَنِ، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْقَدَمَيْنِ لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ حَتَّى فِي غَيْرِ الْخِطْبَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا يَنْظُرُ الْخَاطِبُ مِنَ الْمَخْطُوبَةِ، فَفِي « مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى » « وَكَشَّافِ الْقِنَاعِ » أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا كَوَجْهٍ وَيَدٍ وَرَقَبَةٍ وَقَدَمٍ، لأِنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَذِنَ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا، عُلِمَ أَنَّهُ أَذِنَ فِي النَّظَرِ إِلَى جَمِيعِ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، إِذْ لاَ يُمْكِنُ إِفْرَادُ الْوَجْهِ بِالنَّظَرِ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ فِي الظُّهُورِ؛ وَلأِنَّهُ يَظْهَرُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ الْوَجْهَ.
وَفِي الْمُغْنِي: لاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لأِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ وَمَوْضِعُ النَّظَرِ، وَلاَ يُبَاحُ النَّظَرُ إِلَى مَا لاَ يَظْهَرُ عَادَةً.
أَمَّا مَا يَظْهَرُ غَالِبًا سِوَى الْوَجْهِ، كَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تُظْهِرُهُ الْمَرْأَةُ فِي مَنْزِلِهَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ لِلْحَنَابِلَةِ.
إِحْدَاهُمَا: لاَ يُبَاحُ النَّظَرُ إِلَيْهِ لأِنَّهُ عَوْرَةٌ، فَلَمْ يُبَحِ النَّظَرُ إِلَيْهِ كَالَّذِي لاَ يَظْهَرُ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ » ،وَلأِنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ الْمَذْهَبُ، لِلْخَاطِبِ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا مِنْ يَدٍ أَوْ جِسْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا حَاسِرَةً. وَوَجْهُ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَذِنَ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا عُلِمَ أَنَّهُ أَذِنَ فِي النَّظَرِ إِلَى جَمِيعِ مَا يَظْهَرُ عَادَةً إِذْ لاَ يُمْكِنُ إِفْرَادُ الْوَجْهِ بِالنَّظَرِ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي الظُّهُورِ، وَلأِنَّهُ يَظْهَرُ غَالِبًا فَأُبِيحَ النَّظَرُ إِلَيْهِ كَالْوَجْهِوَلأِنَّهَا امْرَأَةٌ أُبِيحَ النَّظَرُ إِلَيْهَا بِأَمْرِ الشَّارِعِ فَأُبِيحَ النَّظَرُ مِنْهَا إِلَى ذَلِكَ كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ.
وَقَالَ الأَْوْزَاعِيُّ: يَنْظُرُ الْخَاطِبُ إِلَى مَوَاضِعِ اللَّحْمِ.
تَزَيُّنُ الْمَرْأَةِ الْخَلِيَّةِ وَتَعَرُّضُهَا لِلْخُطَّابِ :
- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَحْلِيَةَ الْبَنَاتِ بِالْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ لِيَرْغَبَ فِيهِنَّ الرِّجَالُ سُنَّةٌ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَقَلَ الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ قَوْلُهُ: وَلَهَا (أَيْ لِلْمَرْأَةِ الْخَالِيَةِ مِنَ الأَْزْوَاجِ) أَنْ تَتَزَيَّنَ لِلنَّاظِرِينَ (أَيْ لِلْخُطَّابِ)، بَلْ لَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ مَا كَانَ بَعِيدًا، وَلَوْ قِيلَ إِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا التَّعَرُّضُ لِمَنْ يَخْطُبُهَا إِذَا سَلِمَتْ نِيَّتُهَا فِي قَصْدِ النِّكَاحِ لَمْ يَبْعُدِ. انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ الْحَطَّابُ: هَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ نَظَرُ الرَّجُلِ ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ اسْتِحْبَابُهُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ، قَالُوا: يُسْتَحَبُّ لَهَا أَيْضًا أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ امْرَأَةً هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْصِدَهَا مُتَعَرِّضًا لَهَا بِمَحَاسِنِهِ الَّتِي لاَ يَجُوزُ إِبْدَاؤُهَا إِلَيْهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَخْطُوبَةً وَيَتَصَنَّعُ بِلُبْسِهِ، وَسِوَاكِهِ، وَمُكْحُلَتِهِ وَخِضَابِهِ، وَمَشْيِهِ، وَرِكْبَتِهِ، أَمْ لاَ يَجُوزُ لَهُ إِلاَّ مَا كَانَ جَائِزًا لِكُلِّ امْرَأَةٍ ؟ هُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ، وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْمَنْعِ إِجْمَاعٌ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ خَطَبَ وَلَكِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ التَّعَرُّضَ لِلنِّسَاءِ فَلاَ يَجُوزُ؛ لأِنَّهُ تَعَرُّضٌ لِلْفِتَنِ وَتَعْرِيضٌ لَهَا، وَلَوْلاَ الظَّاهِرُ مَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تُخْطَبْ عَلَى أَنَّا لَمْ نَجْزِمْ فِيهِ بِالْجَوَازِ.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: قَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي كِتَابِ الاِسْتِغْنَاءِ فِي مَعْرِفَةِ اسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: « يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ اخْتَضِبْنَ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَخْتَضِبُ لِزَوْجِهَا ، وَإِنَّ الأْيِّمَ تَخْتَضِبُ تُعَرَّضُ لِلرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ».
وَقَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْسْلَمِيَّةِ « كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ رضي الله عنه رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً ؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ. إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي. )
تَكْرِيرُ النَّظَرِ :
- لِلْخَاطِبِ أَنْ يُكَرِّرَ النَّظَرَ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ هَيْئَتُهَا فَلاَ يَنْدَمُ عَلَى نِكَاحِهَا، وَيَتَقَيَّدُ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوِ اكْتَفَى بِنَظْرَةٍ حَرُمَ مَا زَادَ عَلَيْهَا؛ لأِنَّهُ نَظَرٌ أُبِيحَ لِحَاجَةٍ فَيَتَقَيَّدُ بِهَا.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَخَافَ الْخَاطِبُ الْفِتْنَةَ أَمْ لاَ.. كَمَا قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرُّويَانِيُّ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: يُكَرِّرُ الْخَاطِبُ النَّظَرَ وَيَتَأَمَّلُ الْمَحَاسِنَ وَلَوْ بِلاَ إِذْنٍ، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى، إِنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ أَيْ ثَوَرَانَهَا.
مَسُّ مَا يَنْظُرُ :
لاَ يَجُوزُ لِلْخَاطِبِ أَنْ يَمَسَّ وَجْهَ الْمَخْطُوبَةِ وَلاَ كَفَّيْهَا وَإِنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ؛ لِمَا فِي الْمَسِّ مِنْ زِيَادَةِ الْمُبَاشَرَةِ؛ وَلِوُجُودِ الْحُرْمَةِ وَانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى.
الْخَلْوَةُ بِالْمَخْطُوبَةِ :
- لاَ يَجُوزُ خَلْوَةُ الْخَاطِبِ بِالْمَخْطُوبَةِ لِلنَّظَرِ وَلاَ لِغَيْرِهِ لأِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِغَيْرِ النَّظَرِ فَبَقِيَتْ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ وَلأِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنَ الْخَلْوَةِ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ».
إِرْسَالُ مَنْ يَنْظُرُ الْمَخْطُوبَةَ :
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْخَاطِبِ أَنْ يُرْسِلَ امْرَأَةً لِتَنْظُرَ الْمَخْطُوبَةَ ثُمَّ تَصِفَهَا لَهُ وَلَوْ بِمَا لاَ يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهُ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَيَسْتَفِيدَ بِالْبَعْثِ مَا لاَ يَسْتَفِيدُ بِنَظَرِهِ، وَهَذَا لِمَزِيدِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ مُسْتَثْنًى مِنْ حُرْمَةِ وَصْفِ امْرَأَةٍ لِرَجُلٍ، وَقَدْ رُوِيَ « أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ أُمَّ سُلَيْمٍ تَنْظُرُ إِلَى جَارِيَةٍ فَقَالَ: شُمِّي عَوَارِضَهَا وَانْظُرِي إِلَى عُرْقُوبِهَا ».
وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ يُرْسَلُ لِلنَّظَرِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً أَوْ نَحْوَهَا مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهَا رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً كَأَخِيهَا، أَوْ مَسْمُوحٌ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ لِلْخَاطِبِ أَنْ يُرْسِلَ رَجُلاً. قَالَ الْحَطَّابُ: وَالظَّاهِرُ جَوَازُ النَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ عَلَى حَسَبِ مَا لِلْخَاطِبِ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مَا لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا.
مَا يَفْعَلُهُ الْخَاطِبُ إِنْ لَمْ تُعْجِبْهُ الْمَخْطُوبَةُ :
- إِذَا نَظَرَ الْخَاطِبُ إِلَى مَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا فَلَمْ تُعْجِبْهُ فَلْيَسْكُتْ، وَلاَ يَقُلْ، لاَ أُرِيدُهَا؛ لأِنَّهُ إِيذَاءٌ.
رَابِعًا: ذِكْرُ عُيُوبِ الْخَاطِبِ :
- مَنِ اسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ أَوْ مَخْطُوبَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مَا فِيهِ مِنْ مَسَاوِئَ شَرْعِيَّةٍ أَوْ عُرْفِيَّةٍ وَلاَ يَكُونُ غِيبَةً مُحَرَّمَةً إِذَا قَصَدَ بِهِ النَّصِيحَةَ وَالتَّحْذِيرَ لاَ الإِْيذَاءَ، « لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رضي الله تعالى عنها لَمَّا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ رضي الله عنهما خَطَبَاهَا: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ »وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : « إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْهُ » ،وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: « الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ »وَقَالَ: « الدِّينُ النَّصِيحَةُ »، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ أَنَّ أَخًا لِبِلاَلٍ رضي الله عنه خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالُوا: إِنْ يَحْضُرْ بِلاَلٌ زَوَّجْنَاكَ، فَحَضَرَ، فَقَالَ: أَنَا بِلاَلٌ وَهَذَا أَخِي، وَهُوَ امْرُؤٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ وَالدِّينِ. قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الإْسْنَادِ.
وَمَنِ اسْتُشِيرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ فِي النِّكَاحِ بَيَّنَهُ، كَقَوْلِهِ: عِنْدِي شُحٌّ، وَخُلُقِي شَدِيدٌ وَنَحْوُهُمَا، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
وَفَصَّلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْبَارِزِيِّ - مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - لَوِ اسْتُشِيرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِيهِ وَجَبَ ذِكْرُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُقَلِّلُ الرَّغْبَةَ فِيهِ وَلاَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، كَسُوءِ الْخُلُقِ وَالشُّحِّ، اسْتُحِبَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَعَاصِي وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ فِي الْحَالِ وَسَتْرُ نَفْسِهِ.
خَامِسًا: الْخُطْبَةُ قَبْلَ الْخِطْبَةِ :
- يُنْدَبُ لِلْخَاطِبِ أَوْ نَائِبِهِ تَقْدِيمُ خُطْبَةٍ قَبْلَ الْخِطْبَةِ لِخَبَرِ: « كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ »أَيْ عَنِ الْبَرَكَةِ، فَيَبْدَأُ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ بِالصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يُوصِي بِالتَّقْوَى، ثُمَّ يَقُولُ: جِئْتُكُمْ خَاطِبًا كَرِيمَتَكُمْ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً قَالَ: جَاءَكُمْ مُوَكِّلِي خَاطِبًا كَرِيمَتَكُمْ أَوْ فَتَاتَكُمْ، وَيَخْطُبُ الْوَلِيُّ أَوْ نَائِبُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُ: لَسْتُ بِمَرْغُوبٍ عَنْكَ أَوْ نَحْوَهُ.
وَتَبَرَّكَ الأْئِمَّةُ بِمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)إِلَى قَوْلِهِ: ) رَقِيبًا) ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا)إِلَى قَوْلِهِ ) عَظِيمًا) » ، وَكَانَ الْقَفَّالُ يَقُولُ بَعْدَهَا: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الأُْمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ، يَقْضِي فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، لاَ مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ وَلاَ مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ، وَلاَ يَجْتَمِعُ اثْنَانِ وَلاَ يَتَفَرَّقَانِ إِلاَّ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ وَكِتَابٍ قَدْ سَبَقَ، وَإِنَّ مِمَّا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى وَقَدَّرَ أَنْ خَطَبَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ فُلاَنَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ.. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ أَجْمَعِينَ.
سَادِسًا: الرُّجُوعُ عَنِ الْخِطْبَةِ :
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخِطْبَةَ لَيْسَتْ بِعَقْدٍ شَرْعِيٍّ بَلْ هِيَ وَعْدٌ، وَإِنْ تَخَيَّلَ كَوْنَهَا عَقْدًا فَلَيْسَ بِلاَزِمٍ بَلْ جَائِزٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلاَ يُكْرَهُ لِلْوَلِيِّ الرُّجُوعُ عَنِ الإِْجَابَةِ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ لِلْمَخْطُوبَةِ فِي ذَلِكَ؛ لأِنَّ الْحَقَّ لَهَا وَهُوَ نَائِبٌ عَنْهَا فِي النَّظَرِ لَهَا، فَلاَ يُكْرَهُ لَهُ الرُّجُوعُ الَّذِي رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، كَمَا لَوْ سَاوَمَ فِي بَيْعِ دَارِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْمَصْلَحَةُ فِي تَرْكِهَا، وَلاَ يُكْرَهُ لَهَا أَيْضًا الرُّجُوعُ إِذَا كَرِهَتِ الْخَاطِبَ؛ لأِنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ عُمْرِيٌّ يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ، فَكَانَ لَهَا الاِحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا، وَإِنْ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْلاَفِ الْوَعْدِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الْقَوْلِ، وَلَمْ يَحْرُمْ لأِنَّ الْحَقَّ بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا، كَمَنْ سَامَ سِلْعَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ أَلاَّ يَبِيعَهَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ. يُكْرَهُ لِمَنْ رَكَنَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَانْقَطَعَ عَنْهَا الْخُطَّابُ لِرُكُونِهَا إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَهَا.
سَابِعًا: الرُّجُوعُ بِالْهَدِيَّةِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ أَوِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا :
إِذَا أَهْدَى الْخَاطِبُ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ الزَّوَاجُ، فَفِي الرُّجُوعِ بِالْهَدِيَّةِ وَالنَّفَقَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا خَطَبَ بِنْتَ رَجُلٍ وَبَعَثَ إِلَيْهَا أَشْيَاءَ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا أَبُوهَا فَمَا بَعَثَ لِلْمَهْرِ يَسْتَرِدُّ عَيْنَهُ قَائِمًا وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالاِسْتِعْمَالِ، أَوْ بَدَلَهُ هَالِكًا لأِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَلَمْ تَتِمَّ فَجَازَ الاِسْتِرْدَادُ، وَكَذَا يَسْتَرِدُّ مَا بَعَثَ هَدِيَّةً وَهُوَ قَائِمٌ دُونَ الْهَالِكِ وَالْمُسْتَهْلَكِ؛ لأِنَّهُ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ، وَالْهَلاَكُ أَوِ الاِسْتِهْلاَكُ مَانِعٌ مِنَ الرُّجُوعِ بِهَا.
وَقَالُوا: لَوْ أَنْفَقَ رَجُلٌ عَلَى مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ - قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلاَ شَكَّ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مَخْطُوبَةٌ أَيْضًا - يَطْمَعُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عِدَّتِهَا، إِنْ تَزَوَّجَتْهُ لاَ رُجُوعَ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَهُ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَ دَفَعَ لَهَا، وَإِنْ أَكَلَتْ مَعَهُ فَلاَ رُجُوعَ مُطْلَقًا؛ لأِنَّهُ إِبَاحَةٌ لاَ تَمْلِيكٌ، أَوْ لأِنَّهُ مَجْهُولٌ لاَ يُعْلَمُ قَدْرُهُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ أَقْوَالٌ أُخْرَى.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ الإِْهْدَاءُ لِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلاَقِ غَيْرِهِ الْبَائِنِ لاَ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهَا فَيَحْرُمُ، فَإِنْ أَهْدَى لَهَا أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَلاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ خَطَبَ امْرَأَةً ثُمَّ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةً لِيَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى مَنْ دَفَعَهُ لَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْكَلاً أَمْ مَشْرَبًا أَمْ حَلْوَى أَمْ حُلِيًّا، وَسَوَاءٌ رَجَعَ هُوَ أَمْ مُجِيبُهُ، أَمْ مَاتَ أَحَدُهُمَا؛ لأِنَّهُ إِنَّمَا أَنْفَقَهُ لأَِجْلِ تَزَوُّجِهَا فَيَرْجِعُ بِهِ إِنْ بَقِيَ وَبِبَدَلِهِ إِنْ تَلِفَ.
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ الْهَدِيَّةِ لاَ لأَِجْلِ تَزَوُّجِهِ بِهَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ.
وَقَالُوا: لَوْ دَفَعَ الْخَاطِبُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ وَلِيِّهِ شَيْئًا مِنْ مَأْكُولٍ، أَوْ مَشْرُوبٍ، أَوْ مَلْبُوسٍ لِمَخْطُوبَتِهِ أَوْ وَلِيِّهَا، ثُمَّ حَصَلَ إِعْرَاضٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ مَوْتٌ لَهُمَا، أَوْ لأَِحَدِهِمَا رَجَعَ الدَّافِعُ أَوْ وَارِثُهُ بِجَمِيعِ مَا دَفَعَهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا، وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ مَاتَ، لاَ إِنْ مَاتَتْ هِيَ، وَلاَ رُجُوعَ بَعْدَ الدُّخُولِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: هَدِيَّةُ الزَّوْجِ لَيْسَتْ مِنَ الْمَهْرِ نَصًّا، فَمَا أَهْدَاهُ الزَّوْجُ مِنْ هَدِيَّةٍ قَبْلَ عَقْدٍ إِنْ وَعَدُوهُ بِأَنْ يُزَوِّجُوهُ وَلَمْ يَفُوا رَجَعَ بِهَا - قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -: لأِنَّهُ بَذَلَهَا فِي نَظِيرِ النِّكَاحِ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، وَإِنِ امْتَنَعَ هُوَ لاَ رُجُوعَ لَهُ.
وَمَا قَبَضَهُ بَعْضُ أَقَارِبِ الْمَرْأَةِ كَالَّذِي يُسَمُّونَهُ مَأْكَلَةً بِسَبَبِ نِكَاحٍ، فَحُكْمُهُ كَمَهْرٍ فِيمَا يُقَرِّرُهُ وَيُسْقِطُهُ وَيُنَصِّفُهُ، وَيَكُونُ لَهَا وَلاَ يَمْلِكُ الْوَلِيُّ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ تَهَبَهُ لَهُ بِشَرْطِهِ إِلاَّ الأَْبُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ.. وَمَحَلُّ كَوْنِ حُكْمِ الْمَجْعُولِ مَأْكَلَةً كَمَهْرٍ حَيْثُ قَبَضَهُ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ، أَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلِلْخَاطِبِ الرُّجُوعُ بِمَا شَرَطَهُ لَهُمْ؛ لأِنَّهُ تَبَرُّعٌ لَمْ يُقْبَضْ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ.
وَلَوِ اتَّفَقَ الْخَاطِبُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَوَلِيِّهَا عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَأَعْطَى الْخَاطِبُ أَبَاهَا لأِجْلِ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ صَدَاقٍ فَمَاتَتْ قَبْلَ عَقْدٍ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ - قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - لأِنَّ عَدَمَ التَّمَامِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْخَاطِبُ لاَ رُجُوعَ لِوَرَثَتِهِ.
وَتُرَدُّ الْهَدِيَّةُ عَلَى الزَّوْجِ فِي كُلِّ فُرْقَةٍ اخْتِيَارِيَّةٍ مُسْقِطَةٍ لِلْمَهْرِ كَفَسْخِ الزَّوْجَةِ الْعَقْدَ لِفَقْدِ كَفَاءَةٍ أَوْ لِعَيْبٍ فِي الزَّوْجِ، وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِدَلاَلَةِ الْحَالِ أَنَّهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ، فَإِذَا زَالَ مَلَكَ الرُّجُوعَ، كَهِبَةِ الثَّوَابِ.
قَالَ صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: وَيُتَّجَهُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَدِيَّةٍ أَهْدَاهَا الْخَاطِبُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَهُوَ الَّذِي يُرَدُّ بِحُصُولِ الْفُرْقَةِ، أَمَّا مَا كَانَ قَدْ أُهْدِيَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلاَ يُرَدُّ؛ لأِنَّهُ تَقَرَّرَ بِالْعَقْدِ. وَتَثْبُتُ الْهَدِيَّةُ لِلزَّوْجَةِ مَعَ فَسْخٍ لِلنِّكَاحِ مُقَرِّرٍ الصَّدَاقَ أَوْ لِنِصْفِهِ فَلاَ رُجُوعَ لَهُ؛ لأِنَّ زَوَالَ الْعَقْدِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا.