الفصل الثاني
الفصل الثاني
فى نكاح الصغير والصغيرة ومن يلحق بهما ، والكبير والكبيرة المكلفين
للأب والجد وغيرهما من الأولياء ولاية إنكاح الصغير والصغيرة بشروطه جبراً ولو كانت ثيباً وحكم المعتوه والمعتوهة والمجنون والمجنونة شهراً كاملاً كالصغير والصغيرة .
تولی عاقد واحد صيغة الزواج:
الأصل في العقود أن يتولى إنشاءها عاقدان، لأنها تنشأ عن إيجاب وقبول، كل منهما يعبر عن إرادة صاحبه، كما أن لكل عقد آثار يلتزم ببعضها الموجب ويلتزم ببعضها القابل.
وقد ذهب الطرفان - أبو حنيفة ومحمد - إلى أن هناك فرقا بين العقود المالية كالبيع ونحوه، وبين عقد الزواج، إذ في الضرب الأول من العقود ترجع حقوق العقد وآثاره للعاقد نفسه، على حين أنها ترجع لصاحب الشأن نفسه فی الزواج، فلا يكون من تولى العقد إلا سفيرا ومعبرا عنه، والواحد يصلح أن يكون معبرا عن اثنين بصفتين مختلفتين، ولهذا يجوز أن يتولى العقد ش خص واحد عن الطرفين، ثم يرجع حكم العقد وحقوقه وآثاره إلى الأصيلين الزوج والزوجة .
ويستدل صاحبا هذا الرأي أيضا لمذهبهما بما رواه البخاري، وهو أن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم بنت قارط: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم، قال: تزوجتك. فهذا عقد زواج تم بتعبير واحد، وكذلك بما رواه أبو داود في سننه عن عقبة بن عامر أن النبي عليه السلام قال لرجل أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم فزوج أحدهما من صاحبه.
وينعقد العقد بعبارة العاقد الواحد، سواء كانت ولاية العاقد أصلية، كالولاية الثابتة وبالقرابة، أم دخيلة كالولاية الثابتة بالوكالة. ويتحقق ذلك في صور خمس هي:
1- إذا كان للعاقد ولاية من الجانبين، كأن يزوج الجد الولى حفيدته من ابن عمها الذي هو حفيده أيضا.
2- إذا كان وكيلا عن الجانبين: الرجل والمرأة.
3- إذا كان وكيلا من جانب وأصيلا من جانب آخر، كأن توكله المرأة في أن يزوجها من نفسه.
4- إذ كان وليا من جانب ووكيلا من جانب آخر، كأن يوكله رجل في أن يزوجه من امرأة في ولايته، كابنته مثلا.
5- أن يكون وليا من جانب وأصيلا من جانب آخر، كأن يزوج نفسه من ابنة عمه التي هي في ولايته.
إنما لا ينعقد بإرادته واحدة إذا كان العاقد فضوليا، ذلك أن الولاية أو الوكالة متى كانت ثابتة عند العقد دل ذلك دلالة مقارنة على أن العاقد قائم مقام الأصيل، وتنحل بسبب تلك القرينة إلى عبارتين تفيدان معنى الإيجاب والقبول وليس الأمر كذلك في عقد الفضولي فليس فيه قرينة تدل على أنه قائم مقام الأصيل، وأنه يملك التعبير عنه، فعبارته لا تقوم مقام عبارتين ولا يتحصل بهذه العبارة عقد يمكن أن يكون موقوفا على إجازة الغائب، لأنها لا تفيد غير الإيجاب وهو وحده هدر لا يصلح معه قبول الغائب، فلا يتوقف عليه، لأن الذي يتوقف على إجازة الغائب إنما هو العقد الكامل بالإيجاب والقبول، فإذا كان في مجلس هذا الفضولی من يقبل العقد فإنه يكمل العقد بعبارته وعبارة الأول، ويتوقف على إجازة الغائب، ولو كان القابل الحاضر فضوليا أيضا، فينعقد العقد بعبارة الاثنين وإن كانا فضوليين .
ويتفق أبو يوسف مع الطرفين في المسائل السابقة، إلا في مسألة عقد الفضولي، فإنه يقول بانعقاد عقد الزواج بعاقد واحد ولو كان العاقد فضوليا، لأنه لا فرق بين عبارة الفضولی سواء كان فضوليا في جانب أو في أحدهما وبين عبارة ذي الصفة في العقد، ولا مانع أن تقوم عبارته مقام الإيجاب أو القبول من الأصيل، ويكون العقد موقوفا على إجازته، كما هو صحيح موقوف باتفاق علماء المذهب الحنفي إذا تولاه فضوليان، أحدهما عن الزوج والآخر عن الزوجة، وأن النكاح يشبه الخلع، والخلع قد يثبت من الزوج في غيبة زوجته وينفذ إذا أجازته وبذلك يكون قد قام بعبارة واحدة ولم يكن نائبا عن أحد.
وهذا الرأي هو الراجح في المذهب :
أم الإمام زفر، فيذهب إلى أن عقد الزواج لا ينعقد في جميع هذه المسائل بعبارة الشخص الواحد، لأن العقد اسم للإيجاب والقبول، وهما شطران مختلفان متقابلان ، طبيعة أحدهما أنه جواب للآخر، وهذا يقتضي أنهما لا يتحققان إلا من عاقدين مختلفين، وعبارة العاقد الواحد ليست سوى الإيجاب، وقد استدل على ذلك بما جاء في الأثر المروي عن الرسول من أن: «كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: خاطب وولي وشاهدا عدل».
أحكام تزويج الأولياء:
مبنى ولاية الإجبار على فاقدي الأهلية وناقصيها أمران:
الأول: الشفقة الدافعة إلى الحرص على مصلحة المولى عليه، وهذه الشفقة - ليست على درجة واحدة عند الأولياء جميعا، بل هم يختلفون فيها.
الثاني: حسن الرأي وتخير أوجه النفع، وهو ما يختلف فيه الأولياء أيضا.
وعلى ذلك تختلف الولاية، فهي تكون كاملة إذا اجتمع للولى مع قوة الشفقة حسن الرأي وتخير أوجه النفع، وهي لا تكون كاملة وتكون مقيدة بالمصلحة الظاهرة إذا نقص أحد الأمرين المذكورين .
وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم حكم تزويج الأولياء إلى ثلاث مراتب.
المرتبة الأولى: الأب أو الجد أو الابن الذين لم يعرفوا بسوء الاختيار، ولم يشتهروا بالمجانة والفسق قبل العقد. ويكون عقدهم صحيحا نافذا لازما، فلا يثبت خیار فسخه للمولى عليه عند زوال الولاية، ولو كان الزواج من غير كفء وبأقل من مهر المثل مما يتغابن فيه الناس أو لا يتغابنون إذا كان المولى أنثى، أو بأكثر من مهر المثل إذا كان المولى عليه ذكرا، وذلك لوفور شفقة هؤلاء وكمال عقلهم وشدة حرصهم على المولى عليه، لأن للزواج مقاصد أخرى أهم من الكفاءة والمهر منها توافق الأخلاق وتوسيع النفقة والمعاشرة بالمعروف ومن ثم فإن هؤلاء الأولياء قد يجدون هذه المصلحة أجدى للمولى عليه من الكفاءة ومهر المثل وهذا رأي الإمام أبي حنيفة، وهو المفتى به في المذهب.
المرتبة الثانية: الأب أو الجد أو الابن، الذين عرفوا بسوء الاختيار أو اشتهروا بالمجانة والفسق. وهؤلاء لا يكون عقدهم صحيحا إلا إذا كان الزواج من كفء وبمهر المثل سواء كان المولى عليه ذكرا أو أنثى، لأن هؤلاء وإن توفرت شفقتهم لم يعرف حسن رأيهم بل ساء تدبيرهم واشتهروا بذلك. فاشترط الزوج الكفء ومهر المثل للتقيد بالمصلحة الظاهرة. أما إذا زوج بكفء ومهر إلى المثل فإن العقد يكون صحيحا نافذا لازما.
المرتبة الثالثة: إذا كان الولى من غير هؤلاء، سواء من العصبات أو من ذوي الأرحام ولو كانت الأم، أو كان الولى هو القاضي، فالعقد لا يكون صحيحا إلا إذا كان التزويج بالكفء ومهر المثل إذا كان المولى عليه أنثى، وبالكفء وبمهر المثل لا يزيد بأكثر مما يتغابن فيه الناس إذا كان المولى عليه ذكرا وعلة ذلك نقص شفقة الأولياء العصبات من غير الأب والجد والابن مما يقتضى التقيد بالمصلحة الظاهرة، وإن الأم وأن كانت موفورة الشفقة إلى أقصى حد إلا أن تدبيرها غير كامل فكانت ولايتها غير كاملة، ولأن الشفقة ناقصة لدى القاضي.
وإذا صح العقد للتزويج بالكفء ومهر المثل، فإنه لا يكون مع ذلك لازما للمولى عليه ذكرا أو أنثى - على الراجح من المذهب الحنفي - وإنما يكون له حق الفسخ بخيار البلوغ إذا كان سبب الولاية الصغر وخيار الإفاقة إذ كان سبب الولاية هو الجنون أو العته وهذا ما سنعرض له تفصيلا في البند التالي.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 4 رمضان سنة 1321 هـ بأن :
سوء اختيار الأب ومجانته تجعلانه بمنزلة غير الأب. فإن سوء الاختيار والمجانة مما يضعف الرأي. وقد صرحوا في تزويج الأم بأنه صحيح ويجوز للزوج أو الزوجة أن يختار الفسخ عند البلوغ. وعللوا ذلك بأن الشفقة وإن توفرت فالرأي غير كامل فضعف الرأي فيها سوغ جواز الفسخ للصغيرة إذا بلغت. والوالد الماجن السيئ الاختيار قد يفقد الشفقة مع الرأي خصوصا من أهل زماننا الذين فشا فيهم فساد الرأى وغلب على وجدانهم حتى إن الرجل الذي لا دین له لا يبالي بما يكون في شأن بنته في مستقبل قریب فضلا عن بعيد وليس من الفقه أن يسوى بين كامل الرأي حسن الاختيار وبين الماجن السيئ الاختيار في لزوم العقد على أن الذي يظهر من كلام عم الزوج في هذه الحادثة أن أباه مات ولا مال له فالوالد فقير لا يملك نفقة ولا مهرا. ولو بقيت البنت في عصمته أصابها من الضرر ما هو معلوم فالزوج في هذه الحالة غير كفء لشدة فقره. وفقر البنت لا مدخل له في الكفاءة عند العجز عن النفقة فالفقير غير كفء وإن كانت الزوجة فقيرة بنت فقراء كما هو صوابه لأن لزوم النكاح يقضي بالنفقة. فالعاجز عنها عاجز عن توفية حق الزوجة فهو غير كفء لها على كل حال.
فللبنت بعد أن اختارت فسخ النكاح أن ترفع الأمر إلى القاضي ليقضي به منی صح عنده جميع ما ذكر في السؤال. والله أعلم».(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 65)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس عشر ، الصفحة / 113
وِلاَيَةُ الْجَدِّ فِي النِّكَاحِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وِلاَيَةِ الْجَدِّ (أَبِي الأْبِ) وَإِنْ عَلاَ فِي النِّكَاحِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجَدَّ كَالأْبِ عِنْدَ عَدَمِ الأْبِ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ الأْوْلِيَاءِ بَعْدَ الأْبِ فِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ بِنْتَ ابْنِهِ الْبِكْرَ سَوَاءٌ أَكَانَتْ بَالِغَةً أَمْ صَغِيرَةً.
وَوَافَقَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّغِيرَةِ، وَالْمَجْنُونَةِ، وَالْمَعْتُوهَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا عِنْدَهُمْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجَدَّ لَيْسَ كَالأْبِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْبُرَ بِنْتَ ابْنِهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ صَغِيرَةً أَمْ كَبِيرَةً، بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا، عَاقِلَةً أَمْ مَجْنُونَةً.
وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَنْزِلَتِهِ بَيْنَ سَائِرِ الأْوْلِيَاءِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَأْتِي فِي التَّرْتِيبِ بَعْدَ الأْخِ وَابْنِ الأْخِ وَإِنْ نَزَلَ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ الأْبِ وَوَصِيِّهِ.
أَمَّا الْجَدُّ لأِمِّ وَهُوَ مَنْ أَدْلَى إِلَى الْمَرْأَةِ بِأُنْثَى فَلاَ وِلاَيَةَ لَهُ فِي النِّكَاحِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 259
وِلاَيَةُ الإِْجْبَارِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إِثْبَاتِ وِلاَيَةِ الإِْجْبَارِ لِبَعْضِ الأَْوْلِيَاءِ عَلَى بَعْضِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وِلاَيَةُ الْحَتْمِ وَالإِْيجَابِ وَالاِسْتِبْدَادِ «الإِْجْبَارِ» تَكُونُ لِلْوَلِيِّ، وَهُوَ عِنْدَهُمُ الْعَصَبَةُ مُطْلَقًا، فَلَهُ إِنْكَاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ، وَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «النِّكَاحُ إِلَى الْعَصَبَاتِ» وَالْبَالِغَاتُ خَرَجْنَ «بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي فَتَسْكُتُ. قَالَ: سُكَاتُهَا إِذْنُهَا» وَبِخُرُوجِ الْبَالِغَاتِ بَقِيَ الصِّغَارُ، «وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ».
وَشَرْطُ ثُبُوتِ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ عِنْدَهُمْ كَوْنُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ صَغِيرًا أَوْ صَغِيرَةً، أَوْ مَجْنُونًا كَبِيرًا أَوْ مَجْنُونَةً كَبِيرَةً، سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّغِيرَةُ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، فَلاَ تَثْبُتُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَلاَ عَلَى الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، لأِنَّ هَذِهِ الْوِلاَيَةَ تَدُورُ مَعَ الصِّغَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا فِي الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ، وَفِي الْكَبِيرِ وَالْكَبِيرَةِ تَدُورُ مَعَ الْجُنُونِ وُجُودًا وَعَدَمًا، سَوَاءٌ كَانَ الْجُنُونُ أَصْلِيًّا بِأَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا، أَوْ عَارِضًا بِأَنْ طَرَأَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ زُفَرُ: إِذَا طَرَأَ لَمْ يَجُزْ لِلْمُوَلَّى التَّزْوِيجُ، وَعَلَى أَصْلِ الْحَنَفِيَّةِ يَنْبَنِي أَنَّ الأَْبَ وَالْجَدَّ لاَ يَمْلِكَانِ إِنْكَاحَ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا عِنْدَهُمْ.
وَقَالُوا: إِنَّ إِثْبَاتَ وِلاَيَةِ الإِْنْكَاحِ عَلَى هَؤُلاَءِ، لأِنَّ النِّكَاحَ يَتَضَمَّنُ الْمَصَالِحَ، وَذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَكَافِئَيْنِ، وَالْكُفْءُ لاَ يَتَّفِقُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى إِثْبَاتِ الْوِلاَيَةِ عَلَى الصِّغَارِ تَحْصِيلاً لِلْمَصْلَحَةِ، وَالْقَرَابَةُ مُوجِبَةٌ لِلْنَظَرِ وَالشَّفَقَةِ فَيَنْتَظِمُ الْجَمِيعُ، إِلاَّ أَنَّ شَفَقَةَ الأَْبِ وَالْجَدِّ أَكْثَرُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُزَوِّجُ لِلصَّغِيرِ أَوِ الصَّغِيرَةِ أَبًا أَوْ جَدًّا، وَلِلْمَجْنُونِ أَوِ الْمَجْنُونَةِ ابْنَهُمَا، وَلِلرَّقِيقِ مَالِكَهُ لَزِمَ النِّكَاحُ، وَلاَ خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ كُفْءٍ أَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، لِوُفُورِ شَفَقَةِ الأَْوْلِيَاءِ، وَشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلَى نَفْعِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُمْ بَاشَرُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلأِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا خَيَّرَ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها حِينَ بَلَغَتْ، لَكِنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الأَْوْلِيَاءِ عِنْدَئِذٍ أَنْ لاَ يُعْرَفَ مِنْ أَيٍّ مِنْهُمْ سُوءُ الاِخْتِيَارِ مَجَانَةً وَفِسْقًا وَإِلاَّ فَبَطَلَ النِّكَاحُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُزَوِّجُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ غَيْرَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْخِيَارُ وَإِنْ كَانَ إِنْكَاحُهُ مِنْ كُفْءٍ وَبِلاَ غَبْنٍ - إِنْ شَاءَ أَقَامَ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لاَ خِيَارَ لَهُمْ كَمَا فِي إِنْكَاحِ الأَْبِ وَالْجَدِّ.
وَقَالُوا: يَمْلِكُ السَّيِّدُ إِجْبَارَ الْعَبْدِ وَالأَْمَةِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ عَلَى النِّكَاحِ صِيَانَةً لِمِلْكِهِ وَتَحْصِينًا لَهُ عَنِ الزِّنَا الَّذِي هُوَ سَبَبُ هَلاَكِهِمْ أَوْ نُقْصَانِهِمْ، وَلَيْسَ لِلْمُوَلَّى أَنْ يُزَوِّجَ الْمُكَاتَبَ وَالْمُكَاتَبَةَ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، لِخُرُوجِهِمَا عَنْ يَدِهِ، وَلاَ يَجُوزُ نِكَاحُهُمَا إِلاَّ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لِلرِّقِّ الثَّابِتِ فِيهِمَا، وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ لأِنَّهُ مِنَ الاِكْتِسَابِ، وَلاَ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ لأِنَّهُ خُسْرَانٌ لاَ اكْتِسَابٌ، وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ بِغَيْرِ مَهْرٍ جَازَ وَلاَ مَهْرَ، وَقِيلَ: يَجِبُ حَقًّا لِلشَّرْعِ ثُمَّ يَسْقُطُ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ أَحَدُ الثَّلاَثَةِ:
أ- الأَْبُ فَلَهُ الْجَبْرُ، وَلَوْ بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَلَوْ لأَِقَلِّ حَالٍ مِنْهَا، أَوْ لِقَبِيحِ مَنْظَرٍ لِثَلاَثٍ مِنْ بَنَاتِهِ:
الأُْولَى: الْبِكْرُ وَلَوْ عَانِسًا طَالَتْ إِقَامَتُهَا عِنْدَ أَبِيهَا وَعَرَفَتْ مَصَالِحَ نَفْسِهَا قَبْلَ الزَّوَاجِ.
وَجَبْرُ الْبِكْرِ وَلَوْ عَانِسًا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، خِلاَفًا لاِبْنِ وَهْبٍ حَيْثُ قَالَ: لِلأَْبِ جَبْرُ الْبِكْرِ مَا لَمْ تَكُنْ عَانِسًا، لأِنَّهَا لَمَّا عَنَسَتْ صَارَتْ كَالثَّيِّبِ.
وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ هَلِ الْعِلَّةُ فِي الْجَبْرِ الْبَكَارَةُ أَوِ الْجَهْلُ بِمَصَالِحِ النِّسَاءِ، فاَلْمَشْهُورُ نَاظِرٌ لِلأَْوَّلِ، وَابْنُ وَهْبٍ نَاظِرٌ لِلثَّانِي.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ جَبْرِ الْبِكْرِ مَنْ رَشَّدَهَا الأَْبُ، أَيْ جَعَلَهَا رَشِيدَةً أَوْ أَطْلَقَ الْحَجْرَ عَنْهَا لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ حُسْنِ التَّصَرُّفِ، وَهَذَهِ الْبِكْرُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنَ الْجَبْرِ لاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِهَا فِي النِّكَاحِ بِالْقَوْلِ.
كَمَا اسْتَثْنَوْا مَنْ أَقَامَتْ سَنَةً فَأَكْثَرَ بِبَيْتِ زَوْجِهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ تَأَيَّمَتْ وَهِيَ بِكْرٌ فَلاَ جَبْرَ عَلَيْهَا تَنْزِيلاً لإِِقَامَتِهَا بِبَيْتِ الزَّوْجِ سَنَةً مَنْزِلَةَ الثُّيُوبَةِ.
الثَّانِيَةُ: الثَّيِّبُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ وَتَأَيَّمَتْ بَعْدَ أَنْ أَزَالَ الزَّوْجُ بَكَارَتَهَا، فَلِلأَْبِ جَبْرُهَا لِصِغَرِهَا إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِثِيُوبَتِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالثَّيِّبُ الَّتِي بَلَغَتْ وَزَالَتْ بَكَارَتُهَا بِزِنًا وَلَوْ تَكَرَّرَ مَتَى زَالَ الْحَيَاءُ عَنْ وَجْهِهَا أَوْ وَلَدَتْ مِنَ الزِّنَا فَلِلأَْبِ جَبْرُهَا، وَلاَ حَقَّ لِوِلاَدَتِهَا مِنَ الزِّنَا، وَالثَّيِّبُ الَّتِي زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِعَارِضٍ كَوَثْبَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلِلأَْبِ جَبْرُهَا وَلَوْ عَانِسًا.
أَمَّا مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ وَلَوْ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ فَلَيْسَ لِلأَْبِ جَبْرُهَا إِنْ دُرِئَ الْحَدُّ لِشُبْهَةٍ، وَإِلاَّ فَلَهُ جَبْرُهَا.
الثَّالِثَةُ: الْمَجْنُونَةُ الْبَالِغَةُ الثَّيِّبُ لِلأَْبِ جَبْرُهَا لِعَدَمِ تَمْيِيزِهَا، وَلاَ كَلاَمَ لِوَلَدِهَا مَعَهُ إِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ رَشِيدٌ، إِلاَّ مَنْ تُفِيقُ أَحْيَانًا فَتُنْتَظَرُ إِفَاقَتُهَا لِتُسْتَأْذَنَ وَلاَ تُجْبَرُ.
وَمَحَلُّ جَبْرِ الأَْبِ فِي الثَّلاَثِ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَزْوِيجِ أَيٍّ مِنْهُنَّ ضَرَرٌ عَادَةً، كَتَزْوِيجِهَا مِنْ خَصِيٍّ أَوْ ذِي عَاهَةٍ - كَجُنُونٍ وَنَحْوِهِ - مِمَّا يُرَدُّ بِهِ الزَّوْجُ شَرْعًا، وَإِلاَّ فَلاَ جَبْرَ.
ب- وَصِيُّ الأَْبِ عِنْدَ عَدَمِ الأَْبِ فَلَهُ الْجَبْرُ فِيمَا لِلأَْبِ جَبْرٌ فِيهِ، وَمَحَلُّهُ إِنْ عَيَّنَ لَهُ الأَْبُ الزَّوْجَ، وَبَذَلَ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَلَمْ يَكُنْ فَاسِقًا، بِخِلاَفِ الأَْبِ فَلَهُ جَبْرُهَا مُطْلَقًا وَلَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلِلْوَصِيِّ الْجَبْرُ كَذَلِكَ إِنْ أَمَرَهُ الأَْبُ بِهِ وَلَوْ ضِمْنًا، أَوْ أَمَرَهُ بِالنِّكَاحِ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الزَّوْجَ وَلاَ الإِْجْبَارَ، بِأَنْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْهَا، أَوْ زَوِّجْهَا مِمَّنْ أَحْبَبْتَ أَوْ لِمَنْ تَرْضَاهُ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَقَالُوا: الرَّاجِحُ الْجَبْرُ إِنْ ذَكَرَ الْبُضْعَ أَوِ النِّكَاحَ أَوِ التَّزْوِيجَ بِأَنْ قَالَ لَهُ الأَْبُ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى بُضْعِ بَنَاتِي، أَوْ عَلَى نِكَاحِ بَنَاتِي، أَوْ عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ، أَوْ وَصِيِّي عَلَى بِنْتِي تُزَوِّجُهَا، أَوْ تُزَوِّجُهَا مِمَّنْ أَحْبَبْتَ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِنَ الثَّلاَثَةِ فَالرَّاجِحُ عَدَمُ الْجَبْرِ، كَمَا إِذَا قَالَ: وَصِيِّي عَلَى بَنَاتِي، أَوْ عَلَى بَعْضِ بَنَاتِي، أَوْ عَلَى بِنْتِي فُلاَنَةَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: وَصِيِّي فَقَطْ فَلاَ جَبْرَ اتِّفَاقًا.
وَالْوَصِيُّ فِي الثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ إِذَا أَمَرَهُ الأَْبُ بِتَزْوِيجِهَا كَأَبٍ، مَرْتَبَتُهُ بَعْدَ الاِبْنِ، وَلاَ جَبْرَ، فَإِنْ زَوَّجَهَا مَعَ وُجُودِ الاِبْنِ جَازَ عَلَى الاِبْنِ، وَإِنْ زَوَّجَهَا الأَْخُ بِرِضَاهَا جَازَ عَلَى الْوَصِيِّ، لِصِحَّةِ عَقْدِ الأَْبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الأَْقْرَبِ، وَالْجَوَازُ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَإِلاَّ فَالاِبْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيِّ، وَهَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى الأَْخِ. هَذَا عَنِ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ لِلأُْنْثَى، أَمَّا الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ لِلذَّكَرِ فَقَالُوا: يُجْبِرُ أَبٌ وَوَصِيٌّ وَحَاكِمٌ لاَ غَيْرُهُمْ ذَكَرًا مَجْنُونًا مُطْبِقًا وَصَغِيرًا لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْ تَزْوِيجَهُمَا، بِأَنْ خِيفَ الزِّنَا أَوِ الضَّرَرُ عَلَى الْمَجْنُونِ فَتَحْفَظُهُ الزَّوْجَةُ، وَمَصْلَحَةُ الصَّبِيِّ تَزْوِيجُهُ مِنْ غَنِيَّةٍ أَوْ شَرِيفَةٍ أَوِ ابْنَةِ عَمٍّ أَوْ لِمَنْ تَحْفَظُ مَالَهُ، وَلاَ جَبْرَ لِلْحَاكِمِ إِلاَّ عِنْدَ عَدَمِ الأَْبِ وَالْوَصِيِّ، إِلاَّ إِذَا بَلَغَ عَاقِلاً أَيْ رَشَدَ ثُمَّ جُنَّ فَالْكَلاَمُ لِلْحَاكِمِ.
ج- الْمَالِكُ لأَِمَةٍ أَوْ عَبْدٍ، لَهُ جَبْرُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ أُنْثَى فَلَهَا الْجَبْرُ كَذَلِكَ لَكِنْ تُوَكِّلُ فِي الْعَقْدِ عَلَى الأَْمَةِ بِخِلاَفِ الْعَبْدِ فَلَهَا الْعَقْدُ بِنَفْسِهَا، وَيَمْتَنِعُ الْجَبْرُ إِنْ كَانَ يَلْحَقُ الْمَمْلُوكَ فِي النِّكَاحِ الَّذِي يُجْبَرُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، كَالتَّزْوِيجِ لِذِي عَاهَةٍ، فَلاَ جَبْرَ، وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ وَلَوْ طَالَ الأَْمَدُ.
وَلِلْمَالِكِ الْجَبْرُ وَلَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ عَبْدًا مُدَبَّرًا أَوْ مُعْتَقًا لأَِجَلٍ، مَا لَمْ يَمْرَضْ مَاِلكُ الْمُدَبَّرِ، أَوْ يَقْرُبْ أَجَلُ الْعِتْقِ كَالثَّلاَثَةِ الأَْشْهُرِ فَدُونَ، فَإِنْ مَرِضَ أَوْ قَرُبَ الأَْجَلُ فَلاَ جَبْرَ لِلْمَالِكِ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ عَدَمُ الْجَبْرِ مُطْلَقًا لِلأُْنْثَى الْمُدَبَّرَةِ أَوِ الْمُعْتَقَةِ لأَِجَلٍ.
وَلاَ جَبْرَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُبَعَّضِ وَالْمُكَاتَبِ، لأِنَّ الْمُكَاتَبَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ، وَالْمُبَعَّضَ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ.
وَكُرِهَ لِلسَّيِّدِ جَبْرُ أُمِّ وَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا عَلَى النِّكَاحِ، فَإِنْ جَبَرَهَا صَحَّ عَلَى الأَْصَحِّ، وَقِيلَ: لاَ جَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ جَبَرَهَا لَمْ يُمْضَ.
وَجَبْرُ الشُّرَكَاءِ مَمْلُوكَهُمْ - ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى - إِنِ اتَّفَقُوا عَلَى تَزْوِيجِهِ، لاَ إِنْ خَالَفَ بَعْضُهُمْ فَلَيْسَ لِلآْخَرِ جَبْرٌ.
وَقُدِّمَ الْمَالِكُ عَلَى سَائِرِ الأَْوْلِيَاءِ الْمُجْبِرِينَ لِقُوَّةِ تَصَرُّفِهِ لأِنَّهُ يُزَوِّجُ الأَْمَةَ مَعَ وُجُودِ أَبِيهَا وَلَهُ جَبْرُ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ، وَالْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَالذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، لأِنَّ الرَّقِيقَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَلَهُ أَنْ يُصْلِحَ مَالَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لِلأَْبِ وِلاَيَةُ الإِْجْبَارِ وَهِيَ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ الْعَاقِلِ وَابْنَتِهِ الْبِكْرِ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، عَاقِلَةً أَوْ مَجْنُونَةً بِغَيْرِ إِذْنِهَا، لِخَبَرِ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «الْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا» حُمِلَتْ عَلَى النَّدْبِ، وَلأِنَّ هَا لَمْ تُمَارِسِ الرِّجَالَ بِالْوَطْءِ فَهِيَ شَدِيدَةُ الْحَيَاءِ.
وَلِتَزْوِيجِ الأَْبِ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا شُرُوطٌ:
الأَْوَّلُ: أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنْ كَانَ فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا بِخِلاَفِ غَيْرِ الظَّاهِرِةِ لأِنَّ الْوَلِيَّ يَحْتَاطُ لِمُوَلِّيَتِهِ لِخَوْفِ الْعَارِ وَغَيْرِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُزَوِّجَهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ.
الْخَامِسُ: أَنْ لاَ يَكُونَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا بِالْمَهْرِ.
السَّادِسُ: أَنْ لاَ يُزَوِّجَهَا بِمَنْ تَتَضَرَّرُ بِمُعَاشَرَتِهِ كَأَعْمَى وَشَيْخٍ هَرِمٍ.
السَّابِعُ: أَنْ لاَ يَكُونَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَجُّ، فَإِنَّ الزَّوْجَ قَدْ يَمْنَعُهَا لِكَوْنِ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَهَا غَرَضٌ فِي تَعْجِيلِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا.
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْهَا مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ الإِْذْنِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ لِجَوَازِ الإِْقْدَامِ فَقَطْ.
فَالْمُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ دُونَ إِذْنِهَا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ: أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلِيِّهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ كُفْئًا، وَأَنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِحَالِ الصَّدَاقِ حَتَّى لاَ يَكُونَ قَدْ بَخَسَهَا حَقَّهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ مُعْتَبَرٌ لِجَوَازِ الإِْقْدَامِ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ دُونَ إِذْنِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ إِذَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً لِحَدِيثِ: «الْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا». وَتَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا، أَمَّا غَيْرُ الْمُكَلَّفَةِ فَلاَ إِذْنَ لَهَا، وَيُسَنُّ اسْتِفْهَامُ الْمُرَاهِقَةِ، وَأَنْ لاَ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَةَ حَتَّى تَبْلُغَ.
وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الاِسْتِئْذَانِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا نِسْوَةً ثِقَاتٍ يَنْظُرْنَ مَا فِي نَفْسِهَا، وَالأُْمُّ أَوْلَى بِذَلِكَ لأِنَّهَا تَطَّلِعُ عَلَى مَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا.
وَالْجَدُّ أَبُو الأَْبِ وَإِنْ عَلاَ كَالأَْبِ عِنْدَ عَدَمِهِ أَوْ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ فِيمَا ذُكِرَ لأِنَّ لَهُ وِلاَيَةً وَعُصُوبَةً كَالأَْبِ، وَيَزِيدُ الْجَدُّ عَلَيْهِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ تَوَلِّي طَرَفَيِ الْعَقْدِ بِخِلاَفِ الأَْبِ.
وَوَكِيلُ الأَْبِ وَالْجَدِّ كَالأَْبِ وَالْجَدِّ، لَكِنْ وَكِيلُ الْجَدِّ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ.
وَلاَ أَثَرَ لِزَوَالِ الْبَكَارَةِ بِلاَ وَطْءٍ فِي الْقُبُلِ، كَسَقْطَةٍ، وَحِدَّةِ طَمْثٍ وَطُولِ تَعْنِيسٍ - وَهُوَ الْكِبَرُ- أَوْ بِأُصْبُعٍ وَنَحْوِهِ فِي الأَْصَحِّ كَمَا فِي مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ - أَوِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ - بَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الأَْبْكَارِ لأِنَّهَا لَمْ تُمَارِسِ الرِّجَالَ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا وَحَيَائِهَا، وَالثَّانِي أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ لِزَوَالِ الْعُذْرَةِ، وَلَوْ خُلِقَتْ بِلاَ بَكَارَةٍ فَهِيَ بِكْرٌ.
وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ - الأَْبَ أَوِ الْجَدَّ - تَزْوِيجُ مَجْنُونَةٍ أَطْبَقَ جُنُونُهَا بَالِغَةٍ مُحْتَاجَةٍ وَلَوْ ثَيِّبًا لاِكْتِسَابِهَا الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، وَرُبَّمَا كَانَ جُنُونُهَا لِشِدَّةِ الشَّبَقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنُونَةِ أَبٌ أَوْ جَدٌّ لَمْ تُزَوَّجِ الْمَجْنُونَةُ الصَّغِيرَةُ حَتَّى تَبْلُغَ، وَحِينَئِذٍ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ فِي الأَْصَحِّ الْمَنْصُوصِ، بِمُرَاجَعَةِ أَقَارِبِهَا تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَلأِنَّ هُمْ أَعْرَفُ بِمَصْلَحَتِهَا، وَالثَّانِي: يُزَوِّجُهَا الْقَرِيبُ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ إِذْنِهَا.
وَتُزَوَّجُ بِوَاسِطَةِ السُّلْطَانِ لِلْحَاجَةِ - إِلَى النِّكَاحِ بِظُهُورِ عَلاَمَةِ شَهْوَتِهَا، أَوْ تَوَقُّعِ شِفَائِهَا بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنَ الأَْطِبَّاءِ، لأِنَّ تَزَوُّجَهَا يَقَعُ إِجْبَارًا وَغَيْرُ الأَْبِ وَالْجَدِّ لاَ يَمْلِكُ الإِْجْبَارَ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ لِلْحَاجَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ، وَلاَ يُزَوِّجُهَا لِمَصْلَحَةٍ كَتَوَفُّرِ الْمُؤَنِ فِي الأَْصَحِّ، وَالثَّانِي: نَعَمْ كَالأَْبِ وَالْجَدِّ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ، وَإِذَا أَفَاقَتِ الْمَجْنُونَةُ - هَذِهِ- بَعْدَ تَزْوِيجِهَا لاَ خِيَارَ لَهَا، لأِنَّ تَزْوِيجَهَا كَالْحُكْمِ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا.
وَيُزَوِّجُ الأَْبُ وَالْجَدُّ الْمَجْنُونَةَ لأِنَّهُ لاَ يُرْجَى لَهَا حَالَةٌ تُسْتَأْذَنُ فِيهَا، وَلَهُمَا وِلاَيَةُ الإِْجْبَارِ، إِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ فِي تَزْوِيجِهَا، وَلاَ تُشْتَرَطُ الْحَاجَةُ قَطْعًا، لإِِفَادَتِهَا الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، بِخِلاَفِ الْمَجْنُونِ، وَسَوَاءٌ فِي جَوَازِ التَّزْوِيجِ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ، ثَيِّبٌ وَبِكْرٌ، جُنَّتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ الْمُجْبِرَ - الأَْبَ أَوِ الْجَدَّ - تَزْوِيجُ مَجْنُونٍ بَالِغٍ أَطْبَقَ جُنُونُهُ وَظَهَرَتْ حَاجَتُهُ لِلنِّكَاحِ بِظُهُورِ رَغْبَتِهِ فِيهِ إِمَّا بِدَوَرَانِهِ حَوْلَ النِّسَاءِ وَتَعَلُّقِهِ بِهِنَّ، أَوْ بِتَوَقُّعِ شِفَائِهِ بِالْوَطْءِ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنَ الأَْطِبَّاءِ لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - وَلَوْ ثَيِّبًا - الْبَالِغَيْنِ لَمْ يُزَوَّجَا حَتَّى يَفِيقَا وَيَأْذَنَا، وَيَكُونَ الْعَقْدُ حَالَ الإِْفَاقَةِ.
وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ - غَيْرِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُبَعَّضِ وَلَوْ صَغِيرًا وَخَالَفَهُ فِي الدِّينِ - عَلَى النِّكَاحِ، لأِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ رَفْعَهُ بِالطَّلاَقِ، وَلأِنَّ النِّكَاحَ يَلْزَمُ ذِمَّةَ الْعَبْدِ مَالاً فَلاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالْكِتَابَةِ.
وَالثَّانِي: لَهُ إِجْبَارُهُ كَالأَْمَةِ، وَقِيلَ: يُجْبَرُ الصَّغِيرُ.
وَلِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ أَمَتِهِ غَيْرِ الْمُبَعَّضَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ عَلَى النِّكَاحِ، لأِنَّ النِّكَاحَ يَرِدُ عَلَى مَنَافِعِ الْبُضْعِ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَبِهَذَا فَارَقَتِ الْعَبْدَ، فَيُزَوِّجُهَا بِرَقِيقٍ وَدَنِيءِ النَّسَبِ وَإِنْ كَانَ أَبُوهَا قُرَشِيًّا لأِنَّهَا لاَ نَسَبَ لَهَا، وَلاَ يُزَوِّجُهَا بِمَعِيبٍ كَأَجْذَمَ وَأَبْرَصَ وَمَجْنُونٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا - وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْهُ وَإِنْ كَرِهَتْ - وَلَوْ أَجْبَرَهَا السَّيِّدُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَلَى النِّكَاحِ لَمْ يَصِحَّ.
وَإِذَا طَلَبَ الْعَبْدُ الْبَالِغُ أَوِ الأَْمَةُ مِنْ سَيِّدِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُزَوِّجَهُ لَمْ يُجْبَرِ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ، لأِنَّهُ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ مَقَاصِدَ الْمِلْكِ وَفَوَائِدَهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَنْقِيصِ الْقِيمَةِ وَتَفْوُيتِ الاِسْتِمْتَاعِ بِالأَْمَةِ عَلَيْهِ، وَمُقَابِلُ الأَْظْهَرِ فِي الْعَبْدِ: يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى إِنْكَاحِ الْعَبْدِ أَوْ عَلَى بَيْعِهِ، لأِنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ يُوقِعُهُ فِي الْفُجُورِ إِنْ خَشِيَ الْعَنَتَ، وَقِيلَ فِي الأَْمَةِ: إِنْ حُرِّمَتِ الأَْمَةُ عَلَى السَّيِّدِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ أَوْ كَانَتْ بَالِغَةً تَائِقَةً خَائِفَةَ الزِّنَا، لَزِمَ السَّيِّدَ تَزْوِيجُهَا، إِذْ لاَ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ قَضَاءُ شَهْوَتِهَا، وَلاَ بُدَّ مِنْ إِعْفَافِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ لِعَارِضٍ كَأَنْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ فَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا ثُمَّ طَلَبَتِ الأُْخْرَى تَزْوِيجَهَا فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِجَابَتُهَا قَطْعًا.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي وِلاَيَةِ الإِْجْبَارِ: لِلأَْبِ خَاصَّةً تَزْوِيجُ بَنِيهِ الصِّغَارِ، وَكَذَا الْمَجَانِينَ وَلَوْ بَالِغِينَ دُونَ إِذْنِهِمْ، لأِنَّهُ لاَ قَوْلَ لَهُمْ فَكَانَ لَهُ وِلاَيَةُ تَزْوِيجِهِمْ كَأَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ، وَحَيْثُ زَوَّجَ الأَْبُ ابْنَهُ لِصِغَرِهِ أَوْ جُنُونِهِ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهُ بِغَيْرِ أَمَةٍ لِئَلاَّ يُسْتَرَقَّ وَلَدُهُ، وَلاَ مَعِيبَةٍ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ النِّكَاحُ كَرَتْقَاءَ وَجَذْمَاءَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْفِيرِ، وَيُزَوِّجُ الأَْبُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كُرْهًا، وَلَيْسَ لأَِيٍّ مِنْهُمَا خِيَارٌ إِذَا بَلَغَ وَعَقَلَ.
وَلِلأَْبِ تَزْوِيجُ بَنَاتِهِ الأَْبْكَارِ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ دُونَ إِذْنِهِنَّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» فَلَمَّا قَسَّمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ وَأَثْبَتَ الْحَقَّ لأَِحَدِهِمَا دَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنِ الْقِسْمِ الآْخَرِ وَهِيَ الْبِكْرُ، فَيَكُونُ وَلِيُّهَا أَحَقَّ مِنْهَا بِهَا، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِئْذَانَ هُنَا وَالاِسْتِئْمَارَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَلِلأَْبِ أَيْضًا تَزْوِيجُ ثَيِّبٍ لَهَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، لأِنَّهُ لاَ إِذْنَ لَهَا.
وَلَيْسَ لِلْجَدِّ تَزْوِيجُ هَؤُلاَءِ بِدُونِ إِذْنِهِمْ لِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ، وَلأِنَّ هُ قَاصِرٌ عَنِ الأَْبِ فَلَمْ يَمْلِكِ الإِْجْبَارَ كَالْعَمِّ.
وَيُسَنُّ اسْتِئْذَانُ بِكْرٍ بَالِغَةٍ هِيَ وَأُمِّهَا، أَمَّا هِيَ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا أُمُّهَا فَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مَرْفُوعًا: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» وَيَكُونُ اسْتِئْذَانُ الْوَلِيِّ لَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ يَنْظُرْنَ مَا فِي نَفْسِهَا لأِنَّهَا قَدْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ، وَأُمُّهَا بِذَلِكَ أَوْلَى لأِنَّهَا تَطَّلِعُ مِنْهَا عَلَى مَا تُخْفِيهِ عَلَى غَيْرِهَا.
وَحَيْثُ أُجْبِرَتُ الْبِكْرُ أُخِذَ بِتَعْيِينِ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ كُفْئًا لاَ بِتَعْيِينِ الْمُجْبِرِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ، لأِنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلرَّغْبَةِ فَلاَ تُجْبَرُ عَلَى مَنْ لاَ تَرْغَبُ فِيهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلإِْجْبَارِ شُرُوطٌ هِيَ:
أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا، وَأَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأَْبِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَنْ يُزَوِّجَهَا بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُجْبِرُ مِنْ تَزْوِيجِ مَنْ عَيَّنَتْهُ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ، فَهُوَ عَاضِلٌ سَقَطَتْ وِلاَيَتُهُ، وَيَفْسُقُ بِهِ إِنْ تَكَرَّرَ.
وَقَالُوا: وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ فَلِجَمِيعِ الأَْوْلِيَاءِ تَزْوِيجُهَا إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمَيْلُ لِلرِّجَالِ، لأِنَّ لَهَا حَاجَةً إِلَى النِّكَاحِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْهَا، وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْفُجُورِ، وَتَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعَفَافِ وَصِيَانَةِ الْعِرْضِ، وَلاَ سَبِيلَ إِلَى إِذْنِهَا فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا كَالْبِنْتِ مَعَ أَبِيهَا، وَيُعْرَفُ مَيْلُهَا إِلَى الرِّجَالِ مِنْ كَلاَمِهَا وَتَتَبُّعِهَا الرِّجَالَ وَمَيْلِهَا إِلَيْهِمْ وَنَحْوِهِ مِنْ قَرَائِنِ الأَْحْوَالِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ إِنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ وَإِلاَّ فَاثْنَانِ: إِنَّ عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا، فَلِكُلِّ وَلِيٍّ تَزْوِيجُهَا لأِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهَا كَالْمُدَاوَاةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنُونَةِ ذَاتِ الشَّهْوَةِ ونَحْوَهَا وَلِيٌّ إِلاَّ الْحَاكِمُ زَوَّجَهَا.
وَإِنِ احْتَاجَ الصَّغِيرُ الْعَاقِلُ أَوِ الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ الْبَالِغُ إِلَى النِّكَاحِ لِوَطْءٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا زَوَّجَهُمَا الْحَاكِمُ بَعْدَ الأَْبِ وَالْوَصِيِّ، أَيْ مَعَ عَدَمِهِمَا، لأِنَّهُ يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِهِمَا إِذَنْ، وَلاَ يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُمَا بَقِيَّةُ الأَْوْلِيَاءِ وَهُمْ مَنْ عَدَا الأَْبِ وَوَصِيِّهِ وَالْحَاكِمِ لأِنَّهُ لاَ نَظَرَ لِغَيْرِ هَؤُلاَءِ فِي مَالِهِمَا وَمَصَالِحِهِمَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَاجَا إِلَى النِّكَاحِ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهُمَا، لأِنَّهُ إِضْرَارٌ بِهِمَا بِلاَ مَنْفَعَةٍ.
وَلِلسَّيِّدِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِجْبَارُ إِمَائِهِ الأَْبْكَارِ وَالثُّيَّبِ عَلَى النِّكَاحِ، لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ مِنْهُنَّ، وَلاَ بَيْنَ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، لأِنَّ مَنَافِعَهُنَّ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهِنَّ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ الاِسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَبِهَذَا فَارَقَتِ الْعَبْدَ، وَلأِنَّ هُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ مَا لَهُ مِنْ مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا وَتَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُبَاحَةً أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ كَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ.
وَلاَ يُجْبِرُ مُكَاتَبَتَهُ وَلَوْ صَغِيرَةً لأِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، وَلاَ يَمْلِكُ إِجَارَتَهَا وَلاَ أَخْذَ مَهْرِهَا.
وَلِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ الصَّغِيرِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَلَوْ بَالِغًا، لأِنَّ الإِْنْسَانَ إِذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ فَعَبْدُهُ كَذَلِكَ مَعَ مِلْكِهِ وَتَمَامِ وِلاَيَتِهِ أَوْلَى.
وَلاَ يَمْلِكُ السَّيِّدُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاقِلِ عَلَى النِّكَاحِ، لأِنَّهُ مُكَلَّفٌ يَمْلِكُ الطَّلاَقَ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْحُرِّ، وَالأَْمْرُ بِإِنْكَاحِهِ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ طَلَبِهِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس والأربعون ، الصفحة / 172
وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ وِلاَيَةَ تَزْوِيجِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ.
وَأَمَّا هَلْ يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ غَيْرُ الأَْبِ الصَّغِيرَ أَوِ الصَّغِيرَةَ؟ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ لِغَيْرِ الأَْبِ وَالْجَدِّ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ تَزْوِيجَهُمَا إِلاَّ أَنَّ لَهُمَا الْخِيَارَ إِذَا بَلَغَا، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، الَّذِي يَرَى أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهُمَا لَوْ زَوَّجَهُمَا الأَْبُ وَالْجَدُّ.
وَإِنْ زَوَّجَهُمَا غَيْرُ الأَْبِ وَالْجَدِّ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ أَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ لِلْوَصِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِغَيْرِ الأَْبِ وَالْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِهِ إِنْكَاحُهُمَا.
وَسَبَبُ اخْتِلاَفِهِمْ: قِيَاسُ غَيْرِ الأَْبِ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَْبِ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الاِجْتِهَادَ الْمَوْجُودَ فِيهِ الَّذِي جَازَ لِلأَْبِ بِهِ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَ مِنْ وَلَدِهِ لاَ يُوجَدُ فِي غَيْرِ الأَْبِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ أَجَازَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَيْسَ لِغَيْرِ الأَْبِ وِلاَيَةَ تَزْوِيجِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي (نِكَاح ف 81 85)
السَّبَبُ الثَّانِي الْجُنُونُ
نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ تَدْبِيرُ شُئُونِهِ وَرِعَايَةُ أُمُورِهِ بِمَا فِيهِ حَظُّ الْمَجْنُونِ، وَبِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَتَهُ، فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَوَائِجِهِ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُدَاوِيهِ وَيَرْعَى صِحَّتَهُ، وَيُقَيِّدُهُ وَيَحْجِزُهُ عَنْ أَنْ يَنَالَ النَّاسَ بِالأَْذَى أَوْ يَنَالُوهُ بِهِ إِنْ خِيفَ ذَلِكَ مِنْهُ، صَوْنًا لَهُ، وَحِفْظًا لِلْمُجْتَمَعِ مِنْ ضَرَرِهِ.
وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ تَزْوِيجَهُ إِذَا اقْتَضَتْ مُصْلِحَتُهُ ذَلِكَ.
قَالَ الشِّيرَازِيُّ: وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَإِنْ كَانَ لَهُ حَالُ إِفَاقَةٍ لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِئْذَانُهُ فَلاَ يَجُوزُ الاِفْتِيَاتُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَالُ إِفَاقَةٍ وَرَأَى الْوَلِيُّ تَزْوِيجَهُ لِلْعِفَّةِ أَوِ الْخِدْمَةِ زَوَّجَهُ، لأَِنَّ لَهُ فِيهِ مَصْلَحَةً.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، اُنْظُرْ مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 81 وَمَا بَعْدَهَا).
السَّبَبُ الثَّالِثُ الأُْنُوثَةُ
مِنْ أَسْبَابِ الْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ: الأْنُوثَةُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُرْتَبِطَةً بِصِغَرٍ أَوْ آفَةٍ مِنَ آفَاتِ الْعَقْلِ، لقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ).
وَتَنْحَصِرُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ فِي أَمْرَيْنِ: فِي تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ، وَفِي تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ عِنْدَ النُّشُوزِ.
أولا: وِلاَيَةُ التَّزْوِيجُ
وَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ تَنْقَسِمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِلَى قِسْمَيْنِ: وِلاَيَةُ إِجْبَارٍ، وَوِلاَيَةُ اخْتِيَارٍ.
(أ)- وِلاَيَةُ الإِْجْبَارِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عِلَّةِ وِلاَيَةِ الاِخْتِيَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
(الأَْوَّلُ ) لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ: وَهُوَ أَنَّ عِلَّةَ وِلاَيَةِ الإِْجْبَارِ هِيَ الْبَكَارَةُ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إِجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَتَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا كَالصَّغِيرَةِ.
(الثَّانِي ) لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ عِلَّةَ الإِْجْبَارِ هِيَ الصِّغَرُ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إِجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِقُصُورِ الْعَقْلِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ يَكْمُلُ الْعَقْلُ بِدَلِيلِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِمَا، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ قَيَّمٍ الْجَوْزِيَّةِ. (ر: نِكَاح ف 80 85 )
(ب) وِلاَيَةُ الاِخْتِيَارِ:
وِلاَيَةُ الاِخْتِيَارِ هِيَ وِلاَيَةُ النَّدْبِ وَالاِسْتِحْبَابِ عَلَى الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي (نِكَاح ف 86، 90).