الباب الثاني الفصل الأول : فى استئناف مواد الجنح
الباب الثانى
الفصل الأول : فى استئناف مواد الجنح
لكل من المتهم والنيابة العامة أن يستأنف الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية في مواد الجنح ، ومع ذلك إذا كان الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تتجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فلا يجوز إستئنافه إلا لمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان في الحكم أو الإجراءات أثر في الحكم .
أما الأحكام الصادرة منها في مواد المخالفات فيجوز إستئنافها :
1- من المتهم إذا حكم عليه بغير الغرامة والمصاريف .
2- من النيابة العامة إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز رفع الإستئناف من المتهم أو من النيابة العامة إلا لمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله ولوقوع بطلان في الحكم أو في الاجراءات أثر في الحكم .
ملحوظة : تم اضافة عنوان (الفصل الأول : فى استئناف مواد الجنح ) بموجب نص المادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل قانون الإجراءات الجنائية المنشور بالجريدة الرسمية- العدد 2 مكرر - بتاريخ 16 يناير 2024.
استبقى المشروع نظام الاستئناف جرياً على ما عليه الحال في أغلب التشريعات مراعاة لاعتبارات عملية لا يمكن إغفالها .
لكنه من ناحية أخرى أحاطه بقيود محتلفة درءاً لسوء استعماله ولكي لا يتخذ وسيلة للماطلة وعرقلة التنفيذ .
ففيما يتعلق بالأحكام التي يجيز استئنافها نص في المادة 427 ( أصبحت 403 من القانون ) على أنه يجوز استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات وفي الجنح التي يجوز إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي .
1- من المتهم إذا حكم عليه بعقوبة غير الغرامة والمصاريف أو بغرامة وتعويضات يزيد مجموهما على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً في المواد المدنية أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات .
وبديهي أنه في حالة الحكم بغرامة وتعويضات يتجاوز مجموعها عشرين جنيهاً لا أهمية لمقدار الغرامة المحكوم بها، فالاستئناف جائز ولو كان مقدار الغرامة أقل من ثلاثة جنيهات .
2- من النيابة العمومية إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وهذا النظام في مجمله يشبه إلى حد ما نظام الاستئناف الحالي الخاص بالمخالفات غير أنه لم ينص على إجازة الاستئناف من النيابة أو من المتهم لخطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها كما تقضي به المادة 153 من القانون الحالي لأنه رؤى أن الوسيلة الوحيدة للطعن في الحكم في هذه الحالة تكون بطريق النقض والإبرام وفقاً للاوضاع المقررة في القانون كما هو متبع في النظام الفرنسي والمختلط وقد لوحظ في ذلك أن محكمة النقض هي المرجع النهائي في مراقبة صحة تطبيق القانون .
أما في الجنح الأخرى أي التي لا يجوز قانوناً إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي فقد ظل حق الاستئناف في الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية مطلقاً بالنسبة للنيابة والمتهم - المادة 428 - ( حذفت اكتفاء بنص المادة 402 من القانون ) فللمتهم أن يستأنف كل حكم يصدر عليه في جريمة منها حتى ولو كان صادراً بالغرامة مهما كان مقدارها كما يجوز للنيابة أن تستأنف أي حکم صادر بالبراءة أو الادانة بغير النظر إلى طلباتها في الجلسة أما الأحكام الصادرة من المحكمة الإبتدائية فلا يجوز استئنافها وقد بين المشروع في المادة 430 ( أصبحت م 404 من القانون ) الحالي في حالة صدور حكم في الجرائم مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة وكان بعض هذه الجرائم لا يجوز استئناف الحكم الصادر فيه فأباح لمن يجوز له استئناف الحكم بالنسبة لبعض الجرائم أن يستأنفه أيضاً بالنسبة للبعض الأخر وذلك منعاً للتعارض فإذا اتهم شخص بمخالفته للائحة السيارات وتسبب بذلك في قتل إنسان وقدم المحاكمة عن الجريميتين فإنه يجوز للمحكوم عليه أن يستأنف الحكم بالنسبة للجريميتن معاً ولو كان الحكم في المخالفة غير جائز استئنافه استقلالاً بناء على القواعد المتقدمة .
3- نص في المادة 431 ( أصبحت م 405 من القانون ) على عدم جواز استئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع وهي الأحكام التحضيرية والتمهيدية والأحكام التي تصدر في المسائل الفرعية ولم تنته بها الخصومة أمام المحكمة وذلك لعدم إطالة سير الدعوى على أن استئناف الحكم الصادر في الموضوع يترتب عليه حتماً استنئاف هذه الأحكام واستثنى من ذلك الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص فنص على جواز استئنافها ومثلها الأحكام الصادرة بالاختصاص إن لم يكن للمحكمة ولاية الحكم في الدعوى وذلك لأن الأحكام عدم الإختصاص تنهي الخصومة أمام المحكمة ولأنه لا يستساغ في الحالة الثانية أن تستمر المحكمة في نظر الدعوى وهي لا ولاية لها مطلقاً .
4- فيما يتعلق باستئناف المسئول عن الحقوق المدنية والمتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها نص في المادة 429 / 2 ( أصبحت المادة 457 من القانون ) على أن الاستئناف لا يجوز من المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية إلا إذا كانت التعويضات المحكوم بها تزيد على النصاب النهائي للقاضي الجزئي وذلك بخلاف الوضع الحالي فإن الاستئناف في المخالفات متوقف على مقدار التعويضات المدعي بها لا التي قضى بها ( المادة 153 من القانون الحالي ) ومثله في الجنح بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية ( المادة 176 ) والعلة في التعديل الذي أدخل هي أن الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحاكم الجنائية يتبع في الفصل فيها الاجراءات المقررة للدعوى الجنائية - مادة 62 - ( أصبحت المادة 265 وعدلت ) ولما كان من المقرر أن المحكوم عليه جنائياً لا يجوز له أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالعقوبة إلا بالنسبة لما حکم به بصرف النظر عما طلبته النيابة فإنه لايجوز كذلك أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالتعويضات إلا بالنسبة لما قضى بصرف النظر عما طلبه المدعي بالحقوق المدنية وكذلك الحال بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية (أنظر المادة 247 فقرة أخيرة من قانون تحقيق الجنايات المختلط).
وبالنسبة إلى إجراءات الطعن بالاستئناف ومواعيده لم يدخل المشروع تعديلاً يذكر اللهم إلا إطلاق حق استئناف النائب العمومي في میعاد ثلاثين يوماً بحيث يصبح جائزاً في المخالفات كما هو جائز في الجنح - المادة 432 / 2 - ( أصبحت م 406 / 2 من القانون ) كذلك نص المادة 433 ( أصبحت م 408 من القانون ) على أن قلم الكتاب يحدد للمستأنف تاريخ الجلسة وذلك رغبة في الإسراع على أن ذلك التاريخ لا يكون قبل ثلاثة أيام كاملة .
ونصت المادة 434 فقرة أولى على أن قلم الكتاب لا يقبل التقرير باستئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع والتي نص على عدم جواز استئنافها على حدة في المادة 431 ونظمت الفقرة الثانية من هذه المادة طريق التظلم لطالب الاستئناف في هذه الحالة . ومما استحدثه المشروع الأخذ بفكرة الاستئناف الفرعي جرياً على ما سار عليه كثير من التشريعات القانون الفرنسي وما أخذ به قانون تحقيق الجنايات المختلط فنصت المادة 435 ( أصبحت م 409 من القانون ) على أنه إذا استأنف أحد الخصوم فإن ميعاد الاستئناف يمتد خمسة أيام أخرى بالنسبة إلى من له حق الاستئناف من باقي الخصوم في الدعوى من تاريخ إنتهاء العشرة أيام المقررة للاستئناف .
والحكمة في ذلك ظاهرة فقد يستأنف أحد الخصوم في نهاية العشرة أيام وبذلك يفاجئ خصمه الذي يكون قد امتنع عن الاستئناف إزاء سکوت خصمه عنه فمن العدل أن تتاح له الفرصة ويستأنف إذا أراد صوناً لحقوقه وعلى ذلك إذا استأنف المتهم الحكم الصادر عليه إمتد میعاد بالنسبة للنيابة والمدعي بالحقوق المدنية خمسة أيام أخرى .
وغنى عن البيان أن الاستئناف الفرعي لا يجوز إلا إذا كان الاستئناف الأصلي مرفوعاً في ميعاد العشرة الأيام وينبني على ذلك أن الاستئناف الذي يرفع من النائب العام بعد هذا الميعاد في مدة ثلاثين يوماً المقررة له لا يعطى حق رفع الاستئناف الفرعي لأحد من الخصوم .
وأبقى المشروع على القواعد الأساسية بها الأن الخاصة بتنفيذ الأحكام مؤقتاً رغم الاستئناف وضمنها المادة 437 ( أصبحت المادة 463 من القانون ) غير أنه لم يذكر حالة التشرد بين الأحوال التي يجب فيها النفاذ فوراً ولو منع الاستئناف وآثر ذلك ينظمه القانون الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم رؤى في الوقت نفسه أن يكون الحكم بالحبس واجب النفاذ على كل من ليس له محل إقامة ثابت بمصر ولو كان قانون التشرد غير منطبق عليه لعدم سبق إنذاره أو لسبب آخر .
وفيما يتعلق بتنفيذ العقوبات التبعية نص في المادة 438 ( أصبحت م 464 من القانون ) على تنفيذ العقوبات التبعية المقيدة للحرية المحكوم بها مع عقوبة الحبس إذا نفذت عقوبة الحبس طبقاً للمادة 437 السابقة ( أصبحت م 463 من القانون ) وعلى ذلك فالوضع تحت المراقبة والحرمان من تعاطي بعض المهن والصناعات وسحب الرخص والوضع في ملجأ وما إلى ذلك من العقوبات التي تقيد حرية المحكوم عليه من ناحية ما تنفذ عليه متى كان تنفيذ العقوبة الحبس المحكوم بها واجباً وسيان في ذلك أكان الحبس واجب فوراً من أول الأمر أم وجب تنفيذه لعدم قيام المحكوم عليه بتقديم الكفالة مثلاً .
ونص في الفقرة الأخيرة من المادة 437 ( أصبحت م 463 من القانون ) على تخويل المحكمة الأمر بتنفيذ الحكم بالتعويضات للمدعي بالحق المدني تنفيذاً مؤقتاً ولو مع حصول الاستئناف على حسب ما تقدم في صدد المعارضة طبقاً للمادة 467 .
ولما كان الأصل أن الاستئناف يترتب عليه إيقاف التنفيذ فقد رؤى أن ما جاء في النص الحالي للمادة 181 من قانون تحقيق الجنايات من وجوب الإفراج عن المتهم إذا قضى له بالبراءة استثناء من هذا الحكم لا يشمل جميع الصور التي يجب الإفراج فيها عن المتهم المحبوس احتياطياً ومن ذلك حالة الحكم بوقف تنفيذ العقوبة وكون المتهم قد قضى في الحبس الاحتياطي المدة المحكوم بها أو أكثر منها وحالة الحكم عليه بغير عقوبة الحبس أو بعقوبة لا يقتضي تنفيذها الحبس ففي هذه الأحوال الإفراج واجب رغم الاستئناف ولو أنه لا يمكن قياسها على حالة البراءة لأن إدانة المتهم ثابتة فيها بالحكم الابتدائي لذلك نص في المادة 439 ( أصبحت م 465 من القانون ) على وجوب الإفراج فوراً في هذه الأحوال .
وتنص المادة 440 ( أصبحت م 466 من القانون ) صراحةً على القاعدة الأصلية التي جرى عليها القانون الحالي فيما يتعلق بأثر الاستئناف من حيث تنفيذ الحكم الإبتدائي ومضمونها أنه في غير الأحوال المعينة التي نص عليها بوقف التنفيذ أثناء الميعاد المقرر للاستئناف وأثناء نظر الاستئناف الذي يرفع في الميعاد .
وقد أبقى المشروع القواعد المعمول بها في نظر الدعوى في دور الاستئناف - المادتان 441 و 443 - ( المادتان 411 و 413 من القانون ) وإنما ضماناً لجدية تقرير التلخيص الذي يقدمه أحد أعضاء المحكمة الاستئنافية نص في المادة 441 ( اصبحت م 411 من القانون ) على أنه يجب أن يكون موقعاً عليه منه وأن يكون مشتملاً على جميع العناصر اللازمة للفصل في الدعوى من بيان وقائعها وظروفها ومنعاً لإساءة إستعمال حق الاستئناف واحتراماً للحكم الواجب النفاذ نصت المادة 442 ( أصبحت م 412 من القانون ) على أنه لا يقبل الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية الواجبة النفاذ ما لم يتقدم قبل يوم الجلسة .
وقد أدخل المشروع تعديلاً هاماً فيما يتعلق بتشديد العقوبة المحكوم بها إبتداءً وإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة إذ نص في المادة 444 ( حذفت قبلها فقرة من المادة 417 من القانون ) على أنه لا يجوز التشديد ولا الإلغاء إلا بإجماع أراء قضاة المحكمة فالأغلبية لا تكفي في هذه الحالة وذلك على أساس أن رأي القاضی أول درجة يجب أن يكون محل إعتبار عند الفصل في الدعوى استئنافياً .
فإذا كان رأی أحد قضاة الاستئناف مطابقاً لرأي قاضي محكمة أول درجة فلا يجوز إلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة لأنه إذا كان هناك محل للترجيح فإنما ترجح كفة الرأي الذي يشترك فيه القاضي الذي يشترك فيه القاضي الذي أجري تحقيقاً في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو القاضي الجزئي هذا فضلاً عما في ترجيح هذا الرأي من مراعاة لمصلحة المتهم .
ونصت المادة 445 ( أصبحت المادة 416 من القانون ) على حكم واجب بطبيعته هو رد التعويضات التي يكون قد نفذ بها تنفيذاً مؤقتاً إذا ألغي الحكم المستأنف الصادر بها وبينت المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون الحالي ) مدى تقيد المحكمة الاستئنافية بمصلحة المستأنف فنصت صراحة على أن استئناف النيابة يجيز للمحكمة أن تحکم بناءً عليه لمصلحة المتهم أما بالنسبة لباقی الخصوم فلا يمكن أن يضار أحدهم بالاستئناف المرفوع وما قررته هذه المادة مطابق لما جرى عليه العمل الآن .
ورئى أنه لا داعي لذكر الفقرة الثانية من المادة 186 من القانون الحالي الخاصة بعدم جواز الحكم بعدم الاختصاص إذا كان الاستئناف مرفوعاً عن المتهم وحده وذلك لأن هذا الحكم نتيجة حتمية القاعدة التي قررها المشروع في المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون ).
ونصت المادة 447 ( أصبحت المادة 418 من القانون ) على أنه فيما يتعلق بالأحکام الغيابية والمعارضة فيها يتبع ما هو مقرر أمام محكمة أول درجة وهذا مطابق للوضع الحالي .
وأخيراً قررت المادة 448 ( أصبحت م 419 من القانون ) حق تصدي المحكمة الاستئنافية لنظر الدعوى الموضوع فنصت على أنه إن ألغت المحكمة حكماً صادراً بعدم الإختصاص أو حكماً في مسألة فرعية انتهت به الخصومة أمام المحكمة أو لدرجة وجب عليها أن تفصل في موضوع الدعوى بعد إجراء ما يجب من التحقيق فيها وذلك اختصاراً للإجراءات .
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث
من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 174 لسنة 1998 :
استهدف المشروع بتعديل المادة (402) ضبط وتحديد الحق في الإستئناف فلا يتسع - فيما عدا حالات مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو وقوع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر فيه - لاستئناف الأحكام الصادرة بالغرامة التي لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عما يجب رده والمصاريف .
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونيتد للإصدارات القانونية
مادة 1158 : يجوز لكل من المتهم والنيابة أن يستأنف الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية في مواد الجنح، أما الأحكام الصادرة منها في مواد المخالفات فيجوز استئنافها من المتهم إذا حكم عليه بغير الغرامة والمصاريف أو من النيابة إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته وفي هذه الحالة الأخيرة يجب على النيابة أن تبين العقوبة التي تطلب الحكم بها في ورقة تكليف المتهم بالحضور أمام المحكمة وأن تبدي هذا الطلب في الجلسة حتى يجوز استئناف الحكم الذي يصدر في القضية بغير طلباتها أو ببراءة المتهم، على أنه إذا كان القانون يوجب الحكم بعقوبة تكميلية أخرى كالمصادرة أو الغلق أو الهدم فيكتفى في هذه الأحوال ببيان مواد القانون التي تنص على هذه العقوبة في طلبات تكليف المتهمين بالحضور .
مادة 1244 :للنيابة حق استئناف الأحكام في مواد الجنح من المحكمة الجزئية , ومع ذلك إذا كان الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فلا يجوز استئنافه إلا لمخالفة القانون أو لخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم .
ولها أيضاً استئناف الأحكام الصادرة من المحكمة المذكورة في مواد المخالفات في حالتين. إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته، ويجب ألا يكون طلب النيابة مجرد تطبيق نص القانون إذا كانت العقوبة تخييرية بل يتعين أن تكون قد طلبت صراحة توقيع العقوبة التي لم تقض بها إلا إذا كان نص القانون يوجب الحكم فيها .
مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو وقوع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم .
مادة 1245 : يجوز للنيابة استئناف الحكم الصادر في المعارضة ولو لم تكن قد استأنفت من قبل الحكم الغيابي لأن الحكم الصادر في المعارضة قائم بذاته، إلا انه لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تتجاوز العقوبة التي قضى بها الحكم الغيابي المعارض فيه، إلا إذا كانت النيابة قد استأنفته هو أيضاً .
مادة 1252 : يجوز للمتهم استئناف الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية في مواد الجنح إلا إذا كان الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا يتجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فلا يجوز استئنافه إلا لمخالفة القانون أو لخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم.
وله استئناف الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية في مواد المخالفات في حالتين :
1- إذا حكم عليه بغير الغرامة والمصاريف مثل : - غلق المحل والمصادرة .
2- مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو وقوع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم .
مادة 1253: لا يجوز استئناف الحكم الصادر بتوبيخ الطفل أو بتسليمه لوالديه أو لمن له الولاية عليه إلا لخطأ في تطبيق القانون أو بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر فيه .
1- الحكم المطعون فيه قضى بعدم جواز استئناف المتهم استناداً إلى أن محكمة أول درجة حكمت بغرامة لا تزيد على ثلاثمائة جنيه . ولما كانت المادة 402/1 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون 174 لسنة 1998 تنص على أنه : " لكل من المتهم والنيابة العامة أن يستأنف الأحكام الصادرة فى الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية فى مواد الجنح ، ومع ذلك إذا كان الحكم صادراً فى إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فلا يجوز استئنافه إلا لمخالفة القانون أو الخطأ فى تطبيق أو تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو فى الإجراءات أثر فى الحكم . " ومفاد هذا النصأن العبرة فى جواز الاستئناف بالعقوبة المقررة فى القانون لا بما تقضى به المحكمة ،وكانت العقوبة المقررة لجريمة الضرب البسيط المسندة إلى الطاعن وفقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 242 من قانون العقوبات هى الحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تجاوز مائتى جنيه مصرى . فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم جواز الاستئناف تأسيساً على ما قاله من أن محكمة أول درجة قضت بغرامة لا تزيد على ثلاثمائة جنيه يكون أخطأ فى تطبيق نص المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية المذكورة بما يستوجب نقضه ، ولما كانت المحكمة قد قصرت بحثها على شكل الاستئناف دون أن تتعرض لموضوع الدعوى الأمر الذى يتعين معه أن يكون نقض الحكم مقروناً بالإعادة .
( الطعن رقم 12901 لسنة 4 - جلسة 2014/03/25 )
2- لما كان الحكم المستأنف قد صدر من دائرة الاحوال الشخصية بالمحكمة الابتدائية فى جنحة تعد وقعت عليها اثناء انعقادها تطبيقا لنص الفقرة الاولى من المادة 107 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التى تنص على انه " مع مراعاة أحكام قانون المحاكم للمحكمة أن تحاكم من تقع منه اثناء انعقادها جنحة تعد على هيئتها أو على احد العاملين بالمحكمة وتحكم عليه فورا بالعقوبة " والمادة 244 من قانون الإجراءات الجنائية التى تنص فى فقرتها الاولى على أنه " إذا وقعت جنحة زو مخالفة الجلية ، يجوز للمحكمة ان تقيم دعوى على المتهم فى الحال ، وتحكم فيها بعد سماع أقوال النيابة العامة ودفاع المتهم " . ولما كان الشارع - بما نص عليه فى المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية - قد قصر حق المتهم فى الاستئناف على الاحكام الصادرة من المحكمة الجزئية فى مواد الجنح وفى مواد المخالفات التى بينها بيان الحصر ، فإن الحكمين المطعون فيهما إذ اقاما قضاءهما بعدم جواز الاستئناف على اساس ان الحكم المستأنف صدر من دائرة الاحوال الشخصية بالمحكمة الابتدائية فى جنحة تعد وقعت على هيئة المحكمة اثناء انعقاد الجلسة ، يكونان قد اقترنا بالصواب بما يضحى معه النعى عليهما فى هذا الشأن غير سديد .
( الطعن رقم 20955 لسنة 62 - جلسة 1997/12/03 - س 48 ع 1 ص 1345 ق 204 )
3-الفقرة الأولى من المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 107 لسنة 1962 إذ نصت على أنه يجوز لكل من المتهم و النيابة العامة أن يستأنف الأحكام الصادرة فى الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية فى مواد الجنح فقد دلت على أن القانون لا يقيد حق المتهم أو النيابة العامة فى استئناف الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية فى مواد الجنح بأى قيد . و كان الحكم المطعون فيه إذ خالف هذا النظر حين قضى بعدم جواز إستئناف المتهمة على سند من قوله " أن الثابت أن المتهمة لم تقم بسداد الغرامة المقضى بها و هى أحكام واجبة النفاذ و لعدم حصول الإستئناف طبقاً لنص المادة 463 من قانون الإجراءات الجنائية " يكون قد أخطأ فى تأويل القانون خطأ يؤذن لمحكمة النقض تصحيحه وفق حكم القانون إذ أن هذا الخطأ يمس حق الاستئناف و هو من الحقوق الأساسية للخصوم فى الدعوى الجنائية ، ذلك أن الحكم المطعون فيه قيد حق إستئناف المتهمة للحكم الصادر بالغرامة ضدها فى جنحة من محكمة جزئية بشرط سداد الغرامة على خلاف صريح نص الفقرة الأولى من المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية على ما تقدم بيانه ، أما ما نصت عليه المادة 463 من ذات القانون من أنه " الأحكام الصادرة بالغرامة و المصاريف واجبة التنفيذ فورا و لو مع حصول إستئنافها " فإنه منبت الصلة بحق المتهمة فى إستئناف الأحكام الصادرة ضده بالغرامة من المحكمة الجزئية فى مواد الجنح إذ أن هذا النص صريح فى عباراته وواضح فى دلالته على أنه لا يترتب على الطعن بالاستئناف إيقاف تنفيذ الحكم الصادر بالغرامة .
( الطعن رقم 6859 لسنة 52 - جلسة 1983/05/30 - س 34 ص 695 ق 140 )
4- الدفع بسقوط حق المدعى بالحق المدنى فى تحريك الدعوى الجنائية عن جريمة القذف والسب لمضى ثلاثة أشهر من تاريخ علمه بتلك الجريمة قبل رفع الدعوى بها محله أن يكون هذا العلم علماً يقيناً لا ظنياً ولا إفتراضياً فلا يجري الميعاد المنصوص عليه فى المادة 2/3 من قانون الإجراءات الجنائية والتى يترتب على مضيه عدم قبول الشكوى فى حق المجنى عليه إلا من اليوم الذى يثبت منه قيام هذا العلم اليقينى ، كما أن المقرر قانوناً - وعلى ما جرى به نص المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانون رقم 107 لسنة 1962 - أن التكليف بالحضور هو الإجراء الذى يتبعه الإدعاء المباشر ويترتب عليه كافة الآثار وبدون إعلان هذا التكليف لا تدخل الدعوى فى حوزة المحكمة ، وكان الثابت من المفردات المضمومة أنه قد حصل إعلان الطاعن بصحيفة الإدعاء المباشر المتضمنة للشكوى بتاريخ 5 من نوفمبر سنة 1975 ، وكان غير ثابت منها أن المطعون ضده قد علم علماً يقينياً بجريمة القذف التى إرتكبت فى حقه قبل ثلاثة أشهر من هذا التاريخ الأخير فإن الحكم المطعون فيه يكون صحيحاً فيما قضى به من رفض الدفع المبدى من الطاعن بعدم قبول الدعوى الجنائية لعدم تحريكها فى ميعاد الثلاثة شهور سالفة الذكر . ولا يغير من ذلك خطأ الحكم المطعون فيه فى تحديد بداية ونهاية ميعاد الإنقضاء ما دام ما إنتهى إليه من رفض الدفع بالإنقضاء له أساس سليم فى أوراق الدعوى بما يكون معه منعى الطاعن فى هذا الصدد غير سليم . لما كان ذلك ، وكان نص المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية فى فقرتها الأولى على أنه " يجوز لكل من المتهم والنيابة العامة أن يستأنف الأحكام الصادرة فى الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية فى مواد الجنح " بما يبين منه أن القانون لم يقيد حق النيابة العامة فى إستئناف الأحكام الصادرة فى مواد الجنح بأى قيد ، فإن منعى الطاعن على الحكم المطعون فيه بإلتفاته عن الدفع بعدم جواز إستئناف النيابة يكون على غير أساس من القانون . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن من أن الحكم المطعون فيه إلتفت عن دفاعه - من أن المطعون ضده وقع على صحيفة الإدعاء بعد إعلانها وأثناء تدوال الدعوى أمام محكمة أول درجة مردود بأن الثابت من المفردات أنه وإن أبدى هذا الدفاع أمام محكمة الإستئناف إلا أنه لم يتخذ طريق الطعن بالتزوير على ما يدعى به من تزوير لحق بورقه الإعلان بعد تمام إعلانها بإضافة التوقيع عليها بإعتبار أن ورقة الإعلان من الأوراق الرسمية ومن ثم فلا على الحكم المطعون فيه إن أعرض عن هذا الدفاع ولم يرد عليه لإنتفاء الطريق القانون لإبدائه . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يشترط فى الدفاع الجوهرى كما تلتزم المحكمة بالإلتفات له والرد عليه أن يكون مع جوهريته جدياً لا ينفك مقدمه على التمسك به والإصرار عليه وأن يشهد له الواقع ويسانده أما إذا لم يصر عليه وكان عارياً من دليله فإن المحكمة تكون فى حل من الإلتفات عنه دون أن تتناوله فى حكمها - وكان الطاعن قد حدد دفاعه بجلسة 15 أكتوبر سنة 1977 التى قفل فيها باب المرافعة فى الإستئناف وحسبما هو وارد بمحضر تلك الجلسة " أنه يدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها فى الجنحة رقم ... لسنة 1975 الزيتون وعدم جواز إستئناف النيابة لأنها لم تطلب تطبيق الحد الأدنى للعقوبة وإنتفاء ركن العلانية إعمالاً للمادة 171 من قانون العقوبات " فإنه يعد قد تنازل عما سبق أن أبداه عن طعن بالتزوير على بعض عبارات القذف الواردة بشكواه ويضحى هذا الدفاع غير جدى ولم يقصد به سوى إثارة الشبهة فى أدلة الثبوت التى إطمأنت إليها المحكمة وليس له من بعد أن ينعى عليها قعودها عن إجراء لم يطلب منها أو سكوتها عن الرد عليه ، الأمر الذى يكون معه منعى الطاعن فى هذا الصدد بدوره غير سديد .
( الطعن رقم 2264 لسنة 49 - جلسة 1980/05/21 - س 31 ع 1 ص 654 ق 127 )
5- الطعن بالإستئناف هو حق مقرر للمحكوم عليه متعلق بالنظام العام لا يجوز حرمانه منه إلا بنص خاص فى القانون ، وكان القانون قد خلا من مثل هذا النص فيما يتعلق بإستئناف الأحكام الغيابية ومن ثم فإن إستئناف المحكوم عليه - الطاعن - للحكم الغيابى الإبتدائى رغم سبق إستئنافه للحكم الصادر فى المعارضة بعدم قبولها وصدور الحكم برفض الإستئناف و تأييد الحكم المستأنف يكون صحيحاً فى القانون طالما أنه رفع فى الميعاد مستوفياً لشرائطه القانونية . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد قضى على خلاف ذلك فإنه يكون قد جانب صحيح القانون مستوجباً نقضه .
( الطعن رقم 5543 لسنة 53 - جلسة 1984/03/01 - س35 ص 232 ق 47 )
6- إن نطاق الاستئناف يتحدد بصفة رافعة، فغث الاستئناف النيابة العامة وهي لا صفة لها فى التحدث إلا عن الدعوى الجنائية ولا شأن لها بالدعوى المدنية لا ينقل النزاع أمام المحكمة الاستئنافية، إلا فى خصوص الدعوى الجنائية دون غيرها طبقاً لقاعدة الأثر النسبي للطعن، وإذا تصدت المحكمة الاستئنافية للدعوى المدنية وقضت للمدعية بالحقوق المدنية بالتعويض المؤقت،فإنها تكون قد تصدت لما لا تملك القضاء فيه وفصلت فيما لم ينقل إليها ولم يطرح عليها ويكون حكمها معيباً بمخالفة لقانون من هذه الناحية، بما كان يتعين معه نقضه نقضاً جزئياً عملاً بنص لفقرة الأولى من لمادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 وتصحيحه بإلغاء ما قضى به فى الدعوى المدنية، إلا انه لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه اعتنق أسباب الحكم المستأنف الصادر من محكمة أول درجة والذي قضى ببراءة الطاعنين ورفض الدعوى المدنية فى وله: (وحيث إن الحكم أول درجة والذي قضى ببراءة الطاعنين ورفض الدعوى المدنية فى قوله " ( وحيث إن الحكم المستأنف فى محله لأسباب الواردة به والتي تأخذ به هذه المحكمة فيتعين تأييده .....) ثم انتهى الحكم المطعون فيه فى منطوقه إلى القضاء بإلغاء الحكم لمستأنف وإدانة الطاعنين وإلزامها بالتعويض، فإن ما انتهى إليه الحكم فى منطوقه مناقضاً لأسبابه التي بنى عليها يعيبه بالتناقض والتخاذل ويكون الأمر ليس مقصوراً على مجرد خطأ مادي بل يتجاوزه إلى اضطراب ينبئ عن اختلال فكرة الحكم من حيث تركيزها فى موضوع الدعوى وعناصر الواقعة، مما يعيبه ويوجب نقضه والإعادة وعلى محكمة الموضوع عند الإعادة تطبيق صحيح القانون بشان الدعوى المدنية، لأنه ليس بوسع هذه المحكمة ان تصحح منطوق حكم قضت بنقضه.
( الطعن رقم 915 لسنة 64 - جلسة 1999/12/29 - س 50 ص 715 ق 160 )
7- لا يصح فى القانون القول بتقييد الاستئناف المرفوع من النيابة العامة بأي قيد إلا إذا نص فى التقريرعلى أنه عن واقعة معينة دون أخرى من الوقائع محل المحاكمة .
( الطعن رقم 533 لسنة 46 - جلسة 1976/10/25 - س 27 ع 1 ص 785ق 178 )
8- متى كانت المحكمة الاستئنافية قد استنفدت ولايتها على الدعوى بعد أن قضت بحكمها السابق الصادر بتاريخ 24/5/1971 فى موضوع استئناف النيابة بالنسبة للمطعون ضده برفضه وتأييد الحكم المستأنف فما كان يصح لها من بعد عند تقديم القضية إليها من النيابة العامة بعد تحريكها خطأ بالنسبة للمطعون ضده، أن تعاود نظر الاستئناف بالنسبة له وتقضي فى موضوعه، لزوال ولايتها. ذلك بأنه من المقرر أنه متى أصدرت المحكمة حكمها فى الدعوى فلا تملك إعادة نظرها إلا بالطعن فيه بالطرق المقررة فى القانون على ما سجلته الفقرة الأخيرة من المادة 454 من قانون الإجراءات الجنائية، لأن حكم القضاء هو عنوان الحقيقة بل هو أقوى من الحقيقة ذاتها، ومتى كان الأمر كذلك فما كان يجوز طرح الدعوى من جديد أمام القضاء عن ذات الفعل وضد ذات المتهم المحكوم عليه. ومن ثم فإن المحكمة إذا عادت إلى نظر الدعوى وفصلت فى موضوع الاستئناف من جديد بالنسبة للمطعون ضده بعد أن زالت ولايتها بإصدار حكمها الأول، يكون حكمها المطعون فيه قد أخطأ فى القانون خطأ يؤذن لهذه المحكمة عملاً بنص المادة 35 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض - أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم وتصحيحه على مقتضى القانون بالقضاء بعدم جواز نظر استئناف النيابة بالنسبة للمطعون ضده لسابقة الفصل فيه .
( الطعن رقم 180 لسنة 46 - جلسة 1976/06/06- س 27 ص 592 ق 131 )
9- تنص الفقرة الثانية من المادة 241 من قانون الإجراءات الجنائية على أن المعارضة فى الحكم فى الأحوال التى يعتبر فيها حضورياً لا تقبل إلا إذا أثبت المحكوم عليه قيام عذر منعه من الحضور ولم يستطع تقديمه قبل الحكم وكان إستئنافه غير جائز ، فإستلزم النص الشرطين معاً لقبول المعارضة ، وإذ كان ذلك وكان الحكم الصادر من محكمة أول درجة حضورياً إعتبارياً بتغريم المتهم عشرة جنيهات وإلزامه ضعف رسوم الترخيص مما يجوز إستئنافه عملاً بالمادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية ، فما كان يجوز لمحكمة أول درجة القضاء فى المعارضة بقبولها وتعديل الحكم المعارض فيه ، وتكون المحكمة الإستئنافية إذ قضت على الرغم من إستئناف النيابة بتأييد هذا الحكم ، قد أخطأت فى تطبيق القانون بما يتعين معه نقضه وتصحيحه بالقضاء بعدم جواز المعارضة .
( الطعن رقم 79 لسنة 39 - جلسة 1969/05/05 - س 20 ع 2 ص 631 ق 128 )
10- قانون المرافعات يعتبر قانوناً عاماً بالنسبة لقانون الإجراءات الجنائية ويتعين الرجوع إليه لسد ما يوجد فى القانون الأخير من نقص أو للإعانة على تنفيذ القواعد المنصوص عليها فيه . و لما كان قانون الإجراءات الجنائية قد خلا من إيراد قاعدة تحدد القانون الذى يخضع له الحكم من حيث جواز الطعن فيه ، وكان الأصل فى القانون أن الحكم يخضع من حيث جواز الطعن فيه ، و كان الأصل فى القانون أن الحكم يخضع من حيث جواز الطعن فيه وعدمه إلى القانون السارى وقت صدوره وذلك أخذاً بقاعدة عدم جريان أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ نفاذها فقد كان الشارع حريصاً على تقرير هذه القاعدة فيما سنه من قوانين ، ونص فى المادة الأولى من قانون المرافعات على أنه " تسرى قوانين المرافعات على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى أو تم من الإجراءات قبل تاريخ العمل بها ويستثنى من ذلك 1- القوانين المعدلة للإختصاص متى كان تاريخ العمل بها بعد إقفال باب المرافعة فى الدعوى 2- القوانين المعدلة للمواعيد متى كان الميعاد قد بدأ قبل تاريخ العمل بها 3- القوانين المنظمة لطرق الطعن بالنسبة لما صدر من الأحكام قبل تاريخ العمل بها متى كانت ملغية أو منشئة لطريق من تلك الطرق " . وقد جرى قضاء محكمة النقض تأكيداً لهذه القواعد على أن طرق الطعن فى الأحكام الجنائية ينظمها القانون القائم وقت صدور الحكم محل الطعن . ولما كان الحكم المستأنف قد صدر فى ظل المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية و قبل تاريخ نشر القانون 107 لسنة 1962 ، وكانت قد قيدت حق الإستئناف بالقيود الواردة بها فإنها هى التى تنظم طريق الطعن بالإستئناف فى ذلك الحكم . ولا وجه لما يتحدى به الطاعن من تمسكه بقاعدة سريان القانون الأصلح " أى القانون 107 لسنة 1962 " المقررة بالمادة الخامسة من قانون العقوبات ذلك أن مجال إعمال تلك القاعدة يمس فى الأصل القواعد الموضوعية ، أما القواعد الإجرائية فإنها تسرى من يوم نفاذها بأثر فورى على القضايا التى لم يكن قد تم الفصل ما لم ينص القانون على خلاف ذلك . ولما كان الطاعن قد بنى إستئنافه على جميع الأوجه التى ضمنها تقرير الأسباب المقدم منه بالطعن على الحكم المطعون فيه على النحو المتقدم وغيرها ومن بينها ما نعاه على هذا الحكم من بطلان لحصول تغيير فيه بعد النطق به . وكانت المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالمرسوم بقانون رقم 353 لسنة 1952 - وهى التى كانت قائمة وقت صدور الحكم المستأنف - تجيز الإستئناف بسبب خطأ فى تطبيق نصوص القانون أو تأويلها وكان هذا الخطأ على ما أولته هذه المحكمة يؤخذ بمعناه الواسع بحيث يشمل الحالات الثلاث المنصوص عليها فى المادة 420 من ذلك القانون " المادة 30 من القانون 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض " وكان الحكم المطعون فيه قد أغفل الرد على الدفع ببطلان الحكم المستأنف لحصول تغيير فيه بعد النطق به وعلى أوجه الدفاع الأخرى التى أثارها الطاعن فى مذكرته المقدمة إلى محكمة الإستئناف والتى أشار فى أسباب الطعن إلى بعضها ، وهى بذاتها إن صحت تجعل إستئناف المحكوم عليه جائزاً ، وكانت المحكمة بقضائها بعدم جواز الإستئناف قد حجبت نفسها عن تناول ما تمسك به الطاعن أمامها ولم تقل كلمتها فيه . ولا يقدح فى ذلك ما أشارت إليه من أن الحكم المستأنف إستوفى البيانات التى أوجبتها المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية ذلك أن إشتمال الحكم عليها على فرض صحته لا يعصمه مما قد يعيبه من قولة البطلان والقصور والفساد فى الإستدلال والخطأ فى الإسناد وغيرها مما يخل بضمانات تسبيب الأحكام .
( الطعن رقم 1211 لسنة 34 - جلسة 1964/12/01- س 15 ع 3 ص 774 ق 153 )
11- العبارت التى صاغ بها المشرع نص المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية بفقرتها الأولى والثانية قبل تعديلها بالقانون رقم 107 لسنة 1962 صريحة فى التفرقة بين مناط حق المتهم فى الإستئناف والذى جعله المشرع رهناً بمقدار العقوبة المحكوم بها وبين حق النيابة الذى علقه على ما تبديه من طلبات . والتعبير بعبارة " إذا طلبت النيابة الحكم " إنما ينصرف إلى ما تطلبه فى الواقع من المحكمة ، سواء تم إبداؤه شفاهة بالجلسة أو تضمنته ورقة التكاليف بالحضور وسواء أكان فى مواجهة المتهم أو فى غيبته لجلسة أعلن لها ما دام الطلب قد وجه الخطاب فيه إلى المحكمة . فإذا كان يبين من الأوراق أن النيابة العامة قد أقامت الدعوى الجنائية ضد المتهمة وطلبت إنزال حكم المادة 341 من قانون العقوبات لما أسندته إليها من أنها بددت نقوداً سلمت إليها على سبيل الوكالة إضراراً بالمجنى عليها ، وكانت هذه المادة تنص على عقوبة الحبس دون غيرها فتكون بذلك قد طلبت توقيع هذه العقوبة عليها وهو ما يكفى قانوناً لتمارس النيابة حقها فى الإستئناف إذا صدر الحكم بالبراءة طبقاً للفقرة الثانية من المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية . ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم جواز الإستئناف يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون مما يتعين معه نقضه وتصحيح هذا الخطأ والقضاء بجواز الإستئناف .
( الطعن رقم 2033 لسنة 33 - جلسة 1964/02/24 - س 15 ع 1 ص 146 ق 30 )
12- يوجب المادة 12 من قانون المرافعات عند تسليم الإعلان لمأمور القسم، أن يخطر المحضر المعلن إليه بخطاب موصى عليه يخبره فيه أن الصورة سلمت إلى جهة الإدارة، وترتب المادة 24 من هذا القانون البطلان على مخالفة ذلك. فإذا كان الثابت من الأوراق أن المتهم قد أعلن بالحضور أمام محكمة الجنح مخاطباً مع الضابط المنوب فى القسم دون أن يثبت فى الإعلان أنه أخطر بذلك بخطاب موصى عليه، فإن إعلانه بتلك الجلسة التي صدر فيها الحكم الابتدائي يكون قد وقع باطلاً مخالفاً للقانون، ومن ثم فإن الحكم الاستئنافى المطعون فيه - إذ قضى بعدم جواز استئناف المتهم - يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون لمخالفته نص الفقرة الأخيرة من المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية التي تجيز رفع الاستئناف من المتهم بسبب الخطأ فى تطبيق القانون بغض النظر عن مقدار العقوبة المحكوم بها عليه .
( الطعن رقم 641 لسنة 31 - جلسة 1961/12/26 - س 12 ع 3 ص 1007 ق 212 )
13- بينت المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية الحالات التي يجوز فيها للمتهم والنيابة العامة رفع الاستئناف ، ثم نصت على أنه فيما عدا هذه الأحوال لا يجوز الاستئناف من المتهم أو النيابة إلا بسبب خطأ فى تطبيق القانون أو فى تأويله، وقد فسرت محكمة النقض الخطأ فى القانون الوارد فى المادة 402 إجراءات بمعناه الواسع بحيث يشمل أيضاً وقوع بطلان فى الإجراءات أو الحكم ويبين من نص المادة سالفة الذكر والمادتين 403، 420 أن قانون الإجراءات الجنائية عرض لحالة البطلان الذي يلحق الإجراءات أو يلحق الحكم، وخص المتهم والنيابة العامة وحدهما باستئناف الأحكام التي تصدر مشوبة بالبطلان دون المدعي بالحق المدني، و من ثم فإذا كان الاستئناف قد رفع من المدعي بالحق المدني عن تعويض يقل عن النصاب الانتهائي للقاضي الجزئي، فإن استئنافه يكون غير جائز قانوناً ولا يغير من ذلك ما طرأ أثناء نظر الاستئناف ولم يكن فى حسبان المدعي بالحق المدني وقت رفعه الاستئناف من عدم إيداع الحكم الابتدائي أو التوقيع عليه فى الميعاد القانوني مما يلحق به البطلان إذ يشترط لجواز الدفع ببطلان الحكم أن يكون لمبديه حق استئناف الحكم ابتداء .
( الطعن رقم 394 لسنة 27 - جلسة 1957/06/19- س 8 ع 2 ص 676 ق 183 )
14- لم يقصد الشارع من نص الفقرة الأخيرة من المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية أن يكون الإستئناف مقصوراً فقط على الحالة الأولى من حالات الطعن بطريق النقض المنصوص عليها فى الفقرة الأولى من المادة 420 من ذلك القانون و إنما قصد الخطأ فى تطبيق نصوص القانون بمعناه الواسع بحيث يشمل الحالات الثلاثة المشار إليها فى تلك المادة . فإذا كان ما ينعاه المتهم على الحكم المستأنف هو بطلان لعدم إشارته لنص القانون الذى حكم بموجبه فإن الحكم المطعون فيه الذى قضى بعدم جواز إستئنافه يكون قد أخطأ فى القانون .
( الطعن رقم 818 لسنة 26 - جلسة 1956/10/23 - س 7 ع 3 ص 1061 ق 291 )
15- متى كانت النيابة العامة قد حددت بالجلسة القدر الذى تطلبه من العقوبة تحديداً صريحاً بأن طلبت الحكم بأقصى العقوبة فإن إبداء هذا الطلب فى غيبة المتهم لا يعتبر طلباً جديداً يستلزم إعلاناً جديداً ما دام يدخل فى نطاق المواد الواردة فى ورقة التكليف بالحضور التى أعلن بها المتهم فإذا قضت المحكمة فى هذه الحالة فى جريمة التبديد المسندة للمتهم بحبسه شهراً و هو دون ما طلبته النيابة فإن إستئنافها يكون جائزاً إعمالاً لحكم الفقرة الثانية من المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية و ذلك لعدم الحكم بما طلبته النيابة .
( الطعن رقم 322 لسنة 26 - جلسة 1956/04/30- س 7 ع 2 ص 675 ق 188 )
16- مؤدى نص المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية عدم جواز إستئناف الأحكام الصادرة فى جرائم الجلسات من المحاكم الإستئنافية أو المحاكم المدنية الإبتدائية أو محاكم الجنايات ، فإذا كان الحكم قد قضى بعدم جواز إستئناف المتهم للحكم الصادر ضده من المحكمة الإبتدائية المدنية فى جريمة إهانة وقعت عليها فإن الحكم يكون صحيحاً لم يخالف القانون فى شيء .
( الطعن رقم 64 لسنة 56 - جلسة 1956/04/03 - س 7 ع 2 ص 496 ق 144 )
17- طلب توقيع أقصى العقوبة المنصوص عليها فى المادة المطلوب تطبيقها لا يعتبر طلباً جديداً مما يجب أن يتم فى مواجهة المتهم أو أن يعلن به فى حالة غيابه لأنه يدخل فى نطاق المادة المطلوب تطبيقها والتى أعلن بها . وإذن فمتى كانت النيابة قد طلبت فى غيبة المتهم الحكم عليه بأقصى العقوبة الواردة بالمادة 242 من قانون العقوبات السابق إعلانه بها فقضت المحكمة بتغريم المتهم مائة قرش فإن المحكمة الإستئنافية تكون قد أخطأت إذ قضت بعدم جواز إستئناف النيابة الذى تم صحيحاً وفقاً لنص المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 56 لسنة 26 - جلسة 1956/03/27 - س 7 ع 1 ص 454 ق 131 )
18- إذا كان المتهم المحكوم بتغريمه خمسة جنيهات قد إستند فى الإستئناف المرفوع منه عن هذا الحكم إلى الخطأ فى تطبيق القانون ، و مع ذلك قضت المحكمة الإستئنافية بعدم جواز الاستئناف تأسيساً على أن المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية أجازت الإستئناف من المتهم إذا كان محكوماً عليه بغير الغرامة و المصاريف أو بغرامة تزيد على خمسة جنيهات ، فإنها تكون قد أخطات خطأ يستوجب نقض حكمها ، و ذلك بأن الشارع قد أضاف فى 25 من ديسمبر سنة 1952 بموجب المرسوم بقانون رقم 353 إلى المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية فقرة أخيرة نصها " و فيما عدا الأحوال السابقة لا يجوز رفع الإستئناف من المتهم أو من النيابة العامة إلا بسبب خطأ فى تطبيق نصوص القانون أو فى تأويلها " .
( الطعن رقم 411 لسنة 25 - جلسة 1955/05/30 - س 6 ع 2 ص 1031 ق 303 )
19- إن المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالمرسوم بقانون رقم 353 لسنة 1952 تجيز الإستئناف بسبب الخطأ فى تطبيق نصوص القانون أو تأويلها ، وهذا الخطأ على ما أولته محكمة النقض يؤخذ بمعناه الواسع بحيث يشمل الحالات الثلاث المنصوص عليها فى المادة 420 من ذلك القانون ، وإذن فإذا كان المتهم قد دفع لدى محكمة ثانى درجة بأن الحكم الإبتدائى الذى قضى بتغريمه خمسين قرشاً ، باطل لعدم ختمه فى الميعاد وقدم إليها شهادة تؤيد قوله ، فقضت المحكمة المذكورة بعدم جواز الإستئناف وأغفلت الدفع القانونى ولم تشر فى حكمها مع أنه بذاته إن صح يجعل إستئناف المحكوم عليه جائزاً ، فإن حكمها يكون فوق ما يشعر به من الخطأ فى تطبيق القانون معيباً بالقصور مما يستوجب نقضه .
( الطعن رقم 1122 لسنة 24 - جلسة 1955/04/26 - س 6 ع 2 ص 883 ق 264 )
20- إن المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه يجوز استئناف الأحكام الصادرة فى الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية فى الجنح من النيابة العامة إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف أو بغرامة تزيد على خمسة جنيهات وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته. فإذا كانت النيابة قد قصرت طلباتها فى جلسة المحاكمة وفي إعلان الدعوى على معاقبة المطعون ضده بمقتضى المادة 133 من قانون العقوبات دون أن تطلب عقوبة الحبس بالذات أو أن تطلب الحكم بغرامة تزيد على الخمسة جنيهات، ثم قضت المحكمة ببراءته، فاستأنفت النيابة، فقضت المحكمة الاستئنافية بجواز الاستئناف المرفوع من النيابة، فهذا الحكم يكون خاطئاً، إذ أن المادة 133 تنص على عقوبة الحبس الذي لا تتجاوز مدته ستة أشهر أو الغرامة التي لا تزيد على العشرين جنيهاً. وهذه العقوبة تدخل فى نطاقها الغرامة بمبلغ خمسة جنيهات أو ما دونها، وإذن فإن أحد الشرطين اللذين أوجبهما القانون لجواز استئناف النيابة يكون متخلفاً.
( الطعن رقم 651 لسنة 23 - جلسة 1953/05/26- س 4 ع 3 ص 895 ق 325 )
21- إذا كانت النيابة قد طلبت معاقبة المتهم بالمادتين 7 و24 من المرسوم بقانون رقم 74 لسنة 1952 فإنها تعتبر بذلك أنها طلبت الحكم عليه بالحد الأدنى المقرر بالمادة 24 وهو الحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن خمسين جنيهاً، فإذا كانت المحكمة مع ذلك قد حكمت على المتهم بغرامة مائة قرش، فهذا الحكم يكون جائزاً استئنافه، إذ الفقرة الثانية من المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على جواز الاستئناف المرفوع من النيابة عن الأحكام الجنائية الصادرة من المحكمة الجزئية فى الجنح فى حالة ما إذا طلبت الحكم بغرامة تزيد على الخمسة جنيهات وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
( الطعن رقم 648 لسنة 23 - جلسة 1953/05/26 - س 4 ع 3 ص 892 ق 324 )
22- إنه يبين من نص المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية والمواد 403 و404 و405 أن المشرع قد بين على سبيل الحصر الأحوال التي يجوز فيها الاستئناف فى مواد المخالفات والجنح وأن ما عدا ذلك من الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية فى هذه المواد لا يجوز استئنافه. والعبارات التي استعملها الشارع فى المادة 402 سواء فى فقرتها الأولى أو الثانية صريحة فى التفرقة بين مناط حق المتهم فى الاستئناف الذي جعله المشرع تابعاً لمقدار العقوبة المحكوم بها وبين حق النيابة فى الاستئناف الذي علقه على ما تبديه من طلبات. والتعبير بعبارة "إذا طلبت الحكم" إنما ينصرف إلى ما تطلبه النيابة فى الواقع من المحكمة سواء أكان هذا الطلب قد ضمنته ورقة التكليف بالحضور أم أبدته شفوياً بالجلسة. وإذن فغير سديد القول بأن للنيابة أن تستأنف الحكم الصادر فى أية جنحة يزيد الحد الأقصى للغرامة المقررة لها على خمسة جنيهات مهما نقص مقدار الغرامة المحكوم بها .
( الطعن رقم 888 لسنة 22 - جلسة 1953/01/01 - س 4 ع 2 ص 327 ق 127 )
الأحكام التي يجوز استئنافها :
تمهيد : الأحكام التي تصدرها محكمة الجنح والمخالفات قد تصدر في الدعوى الجنائية التي تختص بها أصلاً، وقد تصدر في الدعوى المدنية التي تختص بها تبعاً للدعوى الجنائية، ويخضع كل من نوعي الأحكام - من حيث الاستئناف – لقواعد خاصة .
استئناف الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية
تمهيد : الحكم الصادر في الدعوى الجنائية قد يكون فاصلاً في موضوعها، وقد يكون سابقة على الفصل في الموضوع، وقد ميز الشارع بين نوعي الأحكام من حيث جواز الاستئناف: فالأصل في الأحكام الفاصلة في الموضوع هو جواز استئنافها، أما الأحكام السابقة على الفصل في الموضوع، فالأصل عدم جواز استئنافها .
استئناف الأحكام الفاصلة في الموضوع :
الأصل العام في استئناف الأحكام الفاصلة في موضوع الدعوى الجنائية : الأصل العام هو جواز استئناف هذه الأحكام، سواء أكانت حضورية أم غيابية، وسواء صدرت بالإدانة أو بالبراءة. ويقبل الاستئناف من النيابة العامة والمتهم على السواء. ويعد ذلك تطبيقا لمبدأ عام أقره الشارع في الإجراءات الجنائية، مضمونه أن الأصل جواز استئناف أي حكم، إلا إذا قرر الشارع خلاف ذلك، وهذا المبدأ هو التعبير عن أصل «التقاضي على درجتين». وقد أطلق الشارع هذا الأصل بالنسبة للأحكام الصادرة في الجنح، فهي جميعاً جائزة الاستئناف، مع تضييق نطاقه في حالات معينة. أما الأحكام الصادرة في المخالفات فقد أخضعها الشارع لقواعد خاصة، ضيق بها من نطاق الاستئناف، وقد راعى في ذلك تضاؤل جسامة المخالفات وعقوباتها، فقصر الاستئناف على الأحكام التي تمثل أهمية خاصة، بالنظر إلى العقوبة التي تقررها أو لرفضها طلباً هاماً، أو انطوائها على خطأ له أهمية خاصة .
استئناف الأحكام الصادرة في الجنح : نصت المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 فی فقرتها الأولى على أن يكون لكل من المتهم والنيابة العامة أن يستأنف الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية في مواد الجنح، ومع ذلك إذا كان الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فلا يجوز استئنافه إلا لمخالفة القانون أو لخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم .
ووفقاً لهذا النص فقد أورد الشارع إستثناء على الأصل العام الذي يجوز بناءً عليه استئناف جميع الأحكام الصادرة في المواد الجنائية من المحكمة الجزئية في مواد الجنح. وهذا الاستثناء محله أن يكون الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف، وفي نطاق هذا الإستثناء يقتصر جواز الاستئناف على حالات مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم، وهذه الحالات هي ذات الحالات التي يجوز فيها الطعن بالنقض وفقاً للمادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، وفيما عدا هذه الحالات فالإستئناف غير جائز في الأحكام الصادرة في هذه الجنح سواء من المتهم أو من النيابة العامة .
وقد هدف الشارع بهذا الاستثناء إلى التضييق من نطاق الاستئناف يقصره على الجنح المشار إليها (أي المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف) وذلك عملاً على الإقلال من عدد الطعون بالاستئناف وتخفيف العبء الذي تحمله المحكمة المختصة به، وعملاً بالتالي على التعجيل باللحظة التي يصير فيها الحكم نهائياً .
استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات : حددت الأحكام الصادرة في المخالفات التي يجوز استئنافها ( المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة (في فقراتها الثلاث الأخيرة) فقالت «أما الأحكام الصادرة منها (أي من المحكمة الجزئية) في مواد المخالفات فيجوز استئنافها:من المتهم إذا حكم عليه بغير الغرامة والمصاريف من النيابة العامة إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته، وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز رفع الاستئناف من المتهم أو من النيابة العامة إلا لمخالفة القانون أو لخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم»، وقد حدد الشارع في هذا النص حالات ثلاث أجاز فيها استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات: حالة خاصة باستئناف المتهم، وحالة خاصة باستئناف النيابة العامة، وحالة مشتركة بينهما يقبل فيه استئناف أي منهما .
الحالة الخاصة باستئناف المتهم : حدد الشارع هذه الحالة بأنها «حالة ما إذا حكم على المتهم بغير الغرامة والمصاريف». وتقوم هذه الحالة على شرط وحيد يتعلق بنوع العقوبة التي حكم بها على المتهم، إذ يتعين أن يحكم عليه «بغير الغرامة والمصاريف»، أي أن يحكم عليه - بالإضافة إلى الغرامة – بعقوبة تكميلية ما أو بتدبير احترازي، كما لو حكم عليه بالمصادرة أو بإغلاق محله أو إزالة بناء أقامه أو ملصق وضعه أو ردم حفرة ويعني ذلك أن الحكم في مخالفة بالغرامة والمصاريف أيا كان مقدارهما لا يجوز للمتهم استئنافه بناء على هذه الحالة .
الحالة الخاصة باستئناف النيابة العامة : حدد الشارع هذه الحالة بأنها «حالة ما إذا طلبت النيابة العامة الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته»، وتفترض هذه الحالة توافر شرطين: الأول، يتعلق بما طلبته النيابة، والثاني، يتعلق بما حكم به .
فيتعين أن تكون النيابة العامة قد طلبت الحكم على المتهم بغير الغرامة والمصاريف، أي طلبت الحكم عليه - بالإضافة إلى الغرامة – بعقوبة تكميلية أو تدبير إحترازي، أما إذا اقتصرت على طلب الحكم عليه بالغرامة والمصاريف أيا كان مقدارهما فلا يكون لها استئناف الحكم، ولو برأت المحكمة المتهم أو لم تحكم عليه بما طلبته النيابة، والمراد بطلب النيابة هو ما تطلبه صراحة في ورقة التكليف بالحضور أو شفوياً في جلسة المحاكمة، ويعني ذلك أنه يتعين أن تطلب النيابة صراحة الحكم على المتهم بعقوبة غير الغرامة والمصاريف وإذا أبدت النيابة طلبها في الجلسة، فيتعين للإعتداد بهذا الطلب في جواز الاستئناف أن يكون المتهم حاضراً أو أن يكون قد أعلن بالجلسة وفقاً للقانون، فلا عبرة بطلب أبدته النيابة في جلسة لم يحضرها المتهم ولم يعلن بها وعلة ذلك أن يكون الطلب قد أبدي في مواجهة حقيقية أو حكمية للمتهم، كي يتاح له أن يعلم به وينظم دفاعه على أساسه وإذا لم تكن النيابة قد طلبت صراحة الحكم بعقوبة معينة، وإنما اكتفت بطلب تطبيق نص القانون الخاص بالمخالفة، فإنه يتعين التفرقة بين حالتين: إذا كان هذا النص يقرر وجوباً عقوبة غير الغرامة، كما لو كان يقرر عقوبة تكميلية وجوبية، فإن النيابة تعتبر قد طلبت الحكم بهذه العقوبة، فيكون لها الاستئناف أما إذا كان هذا النص يقرر إلى جانب الغرامة عقوبة تكميلية جوازية، فإنها لا تعتبر بإحالتها إلى هذا النص قد طالبت بهذه العقوبة، ومن ثم لا يكون لها الاستئناف ، وإنما يتعين - كي يكون لها ذلك - أن تطلب صراحة توقيع هذه العقوبة .
أما الشرط الثاني لجواز استئناف النيابة، فيتعلق بما تقضي به المحكمة بناء على طلب النيابة: فإما أن تقضي بالبراءة، وكل أنواع البراءة سواء، وإما ألا تقضي بكل ما طلبته النيابة. والحالة الثانية تفترض المقارنة بين ما طلبته النيابة وما قضت به المحكمة، فإذا تبين أن بينهما فارقاً كان للنيابة استئناف الحكم، وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا طلبت النيابة الحكم بالغرامة وبعقوبة تكميلية، فقضت المحكمة بالغرامة فقط كان للنيابة استئناف الحكم، وإذا طلبت النيابة تطبيق نص يقرر الغرامة دون أن تحدد مقدارها، فقضت بها المحكمة في الحدود التي يقررها هذا النص، ولو بحدها الأدنى، فلا يكون للنيابة استئناف الحكم، إذ قضى لها بما طلبته ولكن إذا طلبت النيابة في إحالتها إلى هذا النص الحكم بالحد الأقصى للغرامة أو بمبلغ معين، فقضت المحكمة بأقل من ذلك، كان للنيابة استئناف الحكم، إذ لم يقض بكل ما طلبته .
الحالة التي يجوز فيها للمتهم والنيابة العامة استئناف الحكم : هذه الحالة تفترض أن يشوب الحكم مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو في تأويله أو وقوع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم. ولهذه الحالة استقلالها عن الحالتين السابقتين: فللمتهم أن يستأنف الحكم إذا شابه هذا العيب ولو كان قد قضى بالغرامة والمصاريف فقط، وللنيابة أن تستأنف هذا الحكم ولو صدر مطابقاً تماماً لطلباتها .
وكان النص قبل تعديله بالقانون رقم 174 لسنة 1998 يقصر هذه الحالة على «الخطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها» وهو ذات التعبير الذي استعمله الشارع في إشارته إلى الحالة الأولى من حالات الطعن بالنقض المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، أي الخطأ في تطبيق القانون الموضوعي. ولكن محكمة النقض وسعت من مدلول هذا التعبير، فجعلته شاملاً جميع حالات الطعن بالنقض التي نصت عليها المادة 30 من قانون حالات وإجراءات النقض، أي أضافت إلى الخطأ في تطبيق القانون الموضوعي حالتي «وقوع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم»، أي الخطأ في تطبيق القانون الإجرائي ثم جاء التعديل مقنناً قضاء محكمة النقض وتطبيقاً لذلك، فإنه يجوز للمتهم الذي حكم عليه بالغرامة والمصاريف فقط أن يستأنف الحكم لأنه لم يختم في ميعاد الثلاثين يوماً، أو لأنه لم يشر إلى نص القانون الذي طبقه، أو لأن إجراءات المحاكمة انطوت على إخلال بحقه في الدفاع، وللقول بالخطأ في تطبيق القانون يتعين النظر إلى الوقائع كما أثبتها الحكم ثم التساؤل عما إذا كان تطبيق القانون عليها قد انطوى على خطأ، وهي ذات الخطة التي تتبع عند الطعن في الحكم بالنقض .
وقد صرح الشارع بأن استئناف الحكم في هذه الحالة مخول للمتهم والنيابة العامة فقط، ومن ثم لم يكن للمدعي المدني أو المسئول المدني أن يستأنف الحكم إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً ( المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية ) ولو شابه خطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها .
الفرق بين إعادة النظر والاستئناف : يختلف إعادة النظر عن الاستئناف في أغلب ما يخضعان له من قواعد: فإعادة النظر تفترض خطأ واقعياً شاب الحكم في حين يجوز الطعن بالاستئناف لخطأ واقعي أو قانوني يشوب الحكم ويختلفان كذلك في أن طريق إعادة النظر يفترض واقعة جديدة، أي واقعة جدت بعد الحكم المطعون فيه، أو على الأقل كشفت بعد صدور هذا الحكم، أي كانت مجهولة من القضاة الذين أصدروا الحكم، أما الاستئناف فيجوز أن يستند إلى واقعة كانت معروضة على هؤلاء القضاة وقالوا فيها رأيهم، ولكن المستأنف يعيد عرضها على قضاة الاستئناف، لأنه لا يشاطر قضاة الدرجة الأولى تقييمهم لها ويختلف الطريقان من حيث أن إعادة النظر تفترض حكماً باتاً في حين يفترض الاستئناف حكماً ابتدائياً ويختلفان من حيث اقتصار إعادة النظر على الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح، وإقتصار الاستئناف على الأحكام الصادرة في الجنح والمخالفات، ويختلفان في إنحصار الاستئناف - دون إعادة النظر - في ميعاد حدده القانون . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ،الصفحة : 1242 )
الاستئناف هو طريق طعن عادي، يسمح بإعادة النظر في موضوع الدعوى أمام محكمة أعلى درجة، فيحقق بذلك مبدأ التقاضي على درجتين .
وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا في مصر أن الأصل في الأحكام هو جواز استئنافها، إذ يعد النزاع على درجتين ضمانة أساسية للتقاضي لا يجوز حجبها عن المتخاصمين بغير نص صريح ووفق أسس موضوعية، وذلك سواء نظر إلى الطعن استئنافياً - في الأحكام بصفة إبتدائية - بوصفه طريقاً لمراقبة سلامة تلك الأحكام وتقويم إعوجاجها، أو نظر إليه بوصفه وسيلة لنقل النزاع برمته وبكامل العناصر التي يشتمل عليها إلى المحكمة الاستئنافية لتجيل بصرها فيه من جديد .
( دستورية عليا 4 فبراير سنة 1995، القضية رقم 39 لسنة 15 قضائية «دستورية»، مجموعة أحكام الدستورية، ج 6، ص 511 ) .
ومع ذلك، فقد أكدت المحكمة الدستورية العليا أن التقاضي على درجة واحدة يدخل في حدود السلطة التقديرية للمشرع، وأن التقاضي على درجتين كلما كان مقرراً يجب أن يتحدد وفق أسس موضوعية ومع مراعاة الصالح العام والمساواة أمام القانون .
وقد أخذ القانون المصري بنظام الاستئناف. وفي صدد تنظيم مباشرة هذا الحق حدد مجاله في الأحكام الصادرة من المحاكم الجزئية في مواد الجنح والمخالفات في حدود معينة .
وقد نص الدستور المعدل لسنة 2014 في المادة 96 على أن ينظم القانون استئناف الأحكام الصادرة في الجنايات، ونظراً لما يتطلبه هذا التنظيم من إمكانات بشرية ومادية، نصت المادة 240 من هذا الدستور على أن تكفل الدولة توفير الإمكانيات المادية والبشرية المتعلقة باستئناف الأحكام الصادرة في الجنايات، وذلك خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وينظم القانون ذلك .
ونأمل في تمام تنظیم حق الاستئناف خلال مدة معقولة لا تصل إلى الحد الأقصى لمهلة العشر سنوات .
وفقا للمادة 402 إجراءات المعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 - تختلف الصفة في ضوء التمييز بين الأحكام الصادرة في الجنح والأحكام الصادرة في المخالفات، وذلك بالنسبة للدعويين الجنائية والمدنية التبعية على الوجه الآتي :
في الدعوى الجنائية
(أ) بالنسبة للأحكام الصادرة في الجنح، يجوز لكل من المتهم والنيابة العامة استئناف الحكم الصادر في إحدى الجنح. ومع ذلك إذا كان الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف، فلا يجوز استئنافه إلا لمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم (المادة 402 / 1 إجراءات) .
وعلى هذا النحو، فقد أطلق للنيابة العامة وللمتهم حق الاستئناف في الجنح سواء كانت بعقوبة مقيدة للحرية أو بالغرامة، ومع ذلك، إذا كانت الغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف - يتقيد حق الاستئناف بالنسبة إلى كليهما وينحصر في الحالات نفسها التي يجوز بناء عليها الطعن بالنقض وهي مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم، والعبرة في هذه الحالة بالغرامة المقضي بما في حكم محكمة أول درجة .
وقد استهدف المشرع من ذلك التضييق لنطاق حق الاستئناف تخفيفاً للعبء الملقى على المحاكم ولسرعة حسم القضايا ۔
(ب) وبالنسبة للأحكام الصادرة في المخالفات، ميز المشرع بين المتهم والنيابة العامة فأجاز استئناف هذه الأحكام من المتهم إذا حكم عليه بغير الغرامة والمصاريف، أما النيابة العامة فيجوز استئنافها لهذه الأحكام إذا كانت قد طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز للمتهم ولا للنيابة العامة رفع الاستئناف إلا لمخالفة القانون أو لخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر فيه .
وهكذا لا يستوي المتهم والنيابة العامة في حق استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات إلا في هذه الحالة الأخيرة فقط. ويلاحظ أن هذه الحالة الأخيرة كانت قبل تعديل المادة 402 إجراءات بالقانون رقم 174 لسنة 1998 تقتصر فقط على الخطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها، لكن محكمة النقض وسعت من مدلول هذا الخطأ في القانون فجعلته شاملاً للبطلان سواء في الحكم أو في الإجراءات التي أثرت فيه، وهو ما نسميه بالخطأ في القانون بالمعنى الواسع، فجاء التعديل الجديد تقنيناً لقضاء محكمة النقض في هذا الشأن .
في الدعوى المدنية التبعية
(أ) حق الاستئناف في الحكم الصادر في الدعوى المدنية التبعية : طبقاً للمادة 403 إجراءات يجوز استئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية التبعية في الجنح والمخالفات سواء من المدعي بالحقوق المدنية أو من المسئول عنها أو من المتهم، وذلك فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً. وهذا النصاب هو خمسة آلاف جنيه طبقاً للمادة 42 من قانون المرافعات المعدلة بالقانون رقم 76 لسنة 2007، وواضح من النص أن العبرة في تحديد هذا النصاب هي ما طلبه المدعي المدني لا بما حكم به .
وإذ تقيد المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية بهذا النصاب، فإن المتهم لا يتقيد به إذا استأنف الحكم الصادر ضده في الدعوى الجنائية، وهو ما أوضحه نص المادة 403 إجراءات حين قيد المتهم بهذا النصاب فيما يخص الحقوق المدنية وحدها، أي إذا كان استئنافه منصباً فقط على الحكم الصادر ضده في الدعوى المدنية فإنه يتقيد بهذا النصاب، ومؤدى ذلك أنه إذا كان استئناف المتهم للحكم الصادر في الدعوى الجنائية غير جائز، يكون استئنافه للحكم الصادر في الدعوى المدنية وحده غير جائز أيضاً، مادام التعويض المطالب به دون نصاب الاستئناف .
ولا يجوز للمدعي المدني ولا المسئول عن الحقوق المدنية استئناف الحكم الصادر في الدعوى الجنائية، وكل ما لهما هو استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية، وهذا الاستئناف لا يطرح أمام المحكمة الاستئنافية إلا الدعوى المدنية وحدها، فلا يجوز للمحكمة أن تتعرض مطلقاً للدعوى الجنائية بناء على هذا الاستئناف، فإذا أخطأت المحكمة الاستئنافية وفصلت في الدعوى الجنائية بناء على استئناف المدعي المدني وحده أو المسئول عن الحقوق المدنية فإن حكمها يكون منعدماً، لأن الخصومة الجنائية أمام هذه المحكمة لا يمكن أن تتصل بهذه المحكمة بناء على إجراء من أحد أطراف الدعوى المدنية، ويستوي في التعويض المطلوب أن يكون مؤقتاً أو نهائياً، لأن العبرة في جواز استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية هي بمقدار التعويض المطلوب دون نظر إلى كونه نهائياً أو مؤقتاً .
(ب) شروط قبول الاستئناف في الدعوى المدنية : يشترط لقبول الاستئناف في الحكم الصادر في الدعوى المدنية أن يكون المتهم أو المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية طرفاً في الحكم المستأنف. وإذا لم يكن المسئول عن الحقوق المدنية قد أدخل أو تدخل أمام محكمة أول درجة فلا يقبل منه الاستئناف ، لأنه لم يكن طرفاً في الحكم المستأنف، هذا دون إخلال بحقه في التدخل من تلقاء نفسه في الدعوى في أية حالة كانت عليها (المادة 254 إجراءات) أي أن له التدخل في أثناء نظر الاستئناف المرفوع من المدعي المدني أو المتهم .
ويلاحظ أن قانون الإجراءات الجنائية قد قصر ترك الدعوى وفقاً لما نص عليه في المادتين 260 و 261 منه - على المدعي بالحقوق المدنية دون غيره من الخصوم، ولهذا قضت محكمة النقض أنه لا يصح للمحاكم الجنائية أن تحكم بإعتبار المسئول عن الحقوق المدنية تاركاً لاستئنافه، لأن ذلك لا يتفق بحسب طبيعته وآثاره مع تبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية ووجوب سيرهما معاً بقدر المستطاع، بل إنه يتعارض مع نص المادتين 253 و 254 من قانون الإجراءات الجنائية من أن للنيابة العامة أن تدخل المسئولين عن الحقوق المدنية للحكم عليهم بالمصاريف المستحقة للحكومة، ومن حق المسئول عن الحقوق المدنية في أن يدخل من تلقاء نفسه في الدعوى الجنائية في أية حالة كانت عليها .
وقد يستأنف الخصم بنفسه أو بواسطة وكيل عنه، ويجوز للولي أن يستأنف نيابة عن المتهم ناقص الأهلية. فإذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير المتهم الحقيقي الذي أقيمت عليه الدعوى أو ممن يوكله في الطعن فينبغي على المحكمة أن تقضي بعدم قبول الاستئناف شكلاً لرفعه من غير ذي صفة .
يجوز للنيابة العامة استئناف الأحكام الجنائية من أجل المصلحة العامة التي تمثلها، ولو كان ذلك في مصلحة المتهم، كل ذلك بشرط أن تكون هناك نتيجة عملية لهذا الاستئناف لا مجرد مصلحة نظرية بحتة، وحقها في هذا الاستئناف متعلق بالنظام العام، فلا يجوز لها أن تتنازل عنه بعد مباشرته .
وبالنسبة للمتهم فلا يقبل استئنافه ما لم يكن الحكم قد أضر به، فلا يملك استئناف الحكم الصادر ببراءته أو برفض الدعوى المدنية ولو كانت المحكمة التي أصدرته غير مختصة. ويلاحظ أنه رغم أن النيابة قد تستأنف الحكم لمصلحة المتهم لكن ليس للمتهم أن يستفيد من حق النيابة في الاستئناف إلا إذا كان هذا الاستئناف مقبولاً، وكذلك الشأن بالنسبة إلى المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية، فلا يقبل استئنافه ما لم تكن هناك فائدة عملية من ورائه .
الأحكام التي يجوز استئنافها :
القاعدة :
أجاز القانون كمبدأ عام استئناف الأحكام الصادرة في الجنح والمخالفات في حدود معينة، كما أجاز القانون استئناف الأحكام الصادرة في الدعاوى المدنية في حدود معينة وفقاً لطلبات المدعي المديني. وفي جميع الأحوال يشترط في هذه الأحكام الصادرة في الدعاوى المدنية في حدود معينة وفقاً لطلبات المدعي المدني، وفي جميع الأحوال يشترط في هذه الأحكام أن تكون فاصلة في الموضوع .
وفيما يأتي سنبين ما يجوز استئنافه من الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية والأحكام الصادرة في الدعوى المدنية، وما يشترط بوجه عام في الأحكام التي يجوز استئنافها .
أ. الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية
الأحكام الصادرة في مواد الجنح
أجاز القانون للنيابة العامة وللمتهم استئناف الأحكام الصادرة في مواد الجنح بغير قيد عدا الأحكام الصادرة بالغرامة، فإذا كانت الغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف، كان الحكم غير جائز استئنافه ما لم يؤسس المستأنف المتهم أو النيابة العامة استئنافه على مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو الإجراءات أثر في الحكم .
الأحكام الصادرة في مواد المخالفات :
میز القانون بين النيابة العامة والمتهم، فقيد هذا الحق بقيود معينة (المادة 402 إجراءات) أوضحناها آنفاً، وذلك على النحو الآتي :
(1) استئناف المتهم :
يجوز للمتهم استئناف الأحكام الصادرة في مواد المخالفات في حالتين:
(أولاً) إذا كان الحكم بغير الغرامة والمصاريف، مثال ذلك غلق المحل والمصادرة وردم الحفرة وإعادة الشيء إلى أصله، وإذا حكم بالحبس خطأ فإنه يجوز استئنافه أيضاً للخطأ في القانون (وفقاً للحالة الثانية) حيث لا يجوز الحبس في المخالفات .
(ثانياً) إذا كان الحكم بخلاف ما تقدم مشوباً بمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم .
(2) استئناف النيابة العامة :
لا يجوز للنيابة العامة استئناف الأحكام الصادرة في مواد المخالفات إلا في حالتين :
(أولاً) إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته، ومؤدى ذلك أنه لابد من توافر شرطين :
1- طلب معين هو غير الغرامة والمصاريف، كأن تطلب النيابة صراحة توقيع عقوبة الغلق أو المصادرة أو نشر الحكم، ولا يكفي طلب تطبيق نص القانون الذي يجيز الحكم بهذه العقوبات، بل على النيابة اختيار إحدى هذه العقوبات وطلبها صراحة، على أنه لا محل للطلب الصريح إذا كان نص القانون يوجب صراحة على المحكمة توقيع إحدى هذه العقوبات .
ويشترط لصحة هذا الطلب تمكين المتهم من الإحاطة به، وذلك إما بذكره صراحة في ورقة التكليف بالحضور أمام المحكمة الجزئية أو بإبدائه شفوياً في الجلسة، سواء كان المتهم حاضراً أو غائباً، بشرط أن يكون في هذه الحالة قد أعلن بالحضور إعلاناً صحيحاً، أما إذا أبدت النيابة طلبها في غيبة المتهم ودون إعلانه، فإن هذا الطلب لا ينتج أثره .
2- أن يحكم ببراءة المتهم أو لا يحكم بما طلبته النيابة العامة .
ولا صعوبة عند الحكم بالبراءة، وإنما يدق الأمر عندما يحكم بالإدانة. ففي هذه الحالة يتحدد مناط الاستئناف بمقدار العقوبة المحكوم بها، فإذا اختلفت أو قلت عما ورد في طلبات النيابة العامة فتح لها باب الاستئناف. وإذا اقتصرت على طلب تطبيق إحدى مواد القانون التي توجب الحكم بغير الغرامة أو المصاريف وقضي لها في حدود ما تضمنته هذه المادة، فلا يجوز لها استئناف هذا الحكم، لأنها مادامت لم تطلب عقوبة معينة بذاتها فقد قضي لها بما طلبته .
(ثانياً) بخلاف ما تقدم، إذا كان الحكم مشوباً بالخطأ فى القانون بالمعنى الواسع الذي سبق تحديده آنفاً .
ما يشترط بوجه عام في الأحكام التي يجوز استئنافها :
يشترط في الأحكام التي يجوز استئنافها أربعة شروط :
(1) أن تكون صادرة من محكمة جزئية .
(2) أن تكون فاصلة في الموضوع .
(3) ألا ينص القانون بصفة استثنائية على عدم جواز استئنافها .
(4) ألا تلغي هذه الأحكام في أثناء نظر الاستئناف .
أن تكون صادرة من محكمة جزئية :
ويستوي أن تكون حضورية أو غيابية أو حضورية في حق أحد الخصوم أو غيابياً في حق آخر، فالأحكام الغيابية القابلة للمعارضة يجوز استئنافها ولو كان ميعاد المعارضة مفتوحاً. ولا يجوز استئناف الأحكام الصادرة من المحاكم الاستئنافية أو من محاكم الجنايات، فإذا فصلت إحدى هذه المحاكم في جريمة من جرائم الجلسات فلا يجوز استئناف حكمها في هذا الصدد، وإذا فصلت محكمة مدنية في إحدى جرائم الجلسات، فإن حكمها لا يجوز استئنافه إذا كانت من المحاكم الابتدائية .
ويجوز استئناف الأحكام الصادرة من محاكم الطفل أمام دائرة خاصة بالمحكمة الابتدائية تخصص لذلك كما سبق أن بينا، دون تمييز بين أنواع الجرائم، لأن العبرة في هذا النوع من المحاكم بالمحكمة لا بنوع الجريمة .
عدم جواز الاستئناف :
إذا كان الحكم غير جائز استئنافه تعين الحكم بعدم جواز الاستئناف. ولكن ما الحل لو ألغي الحكم المستأنف أو عدل قبل نظر الاستئناف، كما إذا كان الحكم الإبتدائي قد صدر غيابياً واستأنفته النيابة العامة، وقبل نظر الاستئناف فصل المحكمة الجزئية في المعارضة إما بإلغاء الحكم الغيابي أو بتعديله ؟
في هذه الحالة يكون الاستئناف وارداً على غير ذي موضوع، لأن محله لا يكون قد استوفى شروطه القانونية، وبالتالي يتعين الحكم بعدم جواز الاستئناف، وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن يحكم في هذه الحالة بسقوط الاستئناف. ونرى أن هذا التعبير محل نظر، لأن السقوط جزاء إجرائي يرد على الحق في مباشرة إجراء معين، بسبب عدم مباشرته في ميعاد معين أو بسبب عدم مباشرة واقعة معينة، وليس هذا هو الشأن في هذه الحالة .
ورغم أن جواز الاستئناف أمر يدخل في مجال الشروط الشكلية للاستئناف، لكن الحكم بعدم جواز الاستئناف يسبق الحكم بعدم قبوله شكلاً، بحسب أن النظر في الشكل أمر لاحق على قابلية الحكم أصلاً للاستئناف من عدمه . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني الصفحة : 49 )
ما كان لقضاء النقض أن يتردد ، أو أن يتطور بين إتجاه وآخر ، لو ۔ أن الشارع كان قد أجاز بعبارة صحيحة إستئناف الحكم الجزئي لكل ما أجاز فيه الطعن بالنقض من صور الخطأ في القانون الموضوعي أو الإجرائي، إذ كان الأمر سيكون سهلاً واضحاً : وهو أنه على المتظلم من الحكم أن يطرق أولاً طريق الإستئناف، فإذا لم ينل مبتغاه من تصحيح الخطأ في القانون الموضوعي أو الإجراءات كان له أن يطرق بعدئذ طريق الطعن بالنقض بطبيعة الحال .
غموض المادة 402 في شأن أحوال الاستئناف
لكن التقنين الإجرائي الحالي جاء في هذه النقطة بالذات - نقطة إستئناف الحكم الجزئي للخطأ في القانون - مشوباً ببعض الغموض، وهو الذي كان مدعاة للتردد وللبس، ذلك أن المادة 402 منه، بعد أن عينت الأحكام التي يجوز استئنافها لأسباب موضوعية صرف، جاءت في فقرتها الأخيرة تقول "وفيما عدا الأحوال السابقة لا يجوز رفع الاستئناف من المتهم أو من النيابة العامة إلا بسبب خطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها " .. فأي قانون هذا الذي تشير إليه ؟...هل هو قانون العقوبات، أم قانون الإجراءات، أم كلاهما معاً .
أن الخاطر الذي قد يخطر على البال لأول وهلة هو أنها تشير إلى القانونين معاً ما دامت لم تخص أحدهما بالذكر على وجه التحديد ومن قواعد التفسير ألا يقع دون صيغة التعميم التي قد يجئ بها النص، لكن هذا الخاطر لا يلبث أن يصطدم - بعد التأمل - بجملة أمور تتعارض معه وهي :
الأمر الأول
أن الشارع عندما قرر فى المادة 420 إجراءات - والتي أصبحت فيما بعد المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 – الخاصة بأوجه الطعن بالنقض أن الطعن يجوز " إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله " إنما قصد الخطأ فى قانون العقوبات دون الإجراءات بدليل أنه أردف بعد ذلك مباشرة بإجازة الطعن بالنقض "إذا وقع في الحكم بطلان أثر الحكم " ، فكأنه فصل فصلاً تاماً بين الخطأ في القانون الموضوعي ( قانون العقوبات وما قد يطبقه القاضي الجنائي من قوانین موضوعية أخرى ) ، وبين الخطأ في القانون الإجرائي ...فلم يستعمل عبارة " الخطأ في تطبيق القانون أو في تأويله "إلي للإشارة إلى القانون الأول دون الثاني ... ثم رددت نفس العبارة من جديد المادة 30 (أولاً) من القانون رقم 57 لسنة 1959 التي حلت محل المادة 20 الملغاة ... فلماذا يقال بغير ذلك بالنسبة لنفس العبارة عندما وردت - بألفاظها في المادة 402 عن الاستئناف ؟.
الأمر الثاني
ونفس هذا القول يصدق على الطعن بالنقض في أوامر غرفة الإتهام عندما كان نظام غرفة الإتهام لا يزال قائماً - وقبل أن يحل محله نظام مستشار الإحالة - فإن المادة 195 إجراءات كانت تنص - قبل تعديلها بالقرار بالقانون رقم 107 لسنة 1962 - على أنه لا يكون إلا " لخطأ فى تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها "، وقد أشارت الأعمال التحضيرية لهذا النص صراحة إلى أن المقصود بهذه العبارة هو الخطأ في تطبيق قانون العقوبات أو في تأويله، دون الخطأ في تطبيق قانون الإجراءات أو في تأويله .
وقد أكد هذا التأويل نص المادة 196 التي كانت تقرر أن محكمة النقض " تحكم في الطعن بعد سماع أقوال النيابة العامة وباقي الخصوم ، فإذا قبل الطعن تعيد المحكمة القضية إلى غرفة الإتهام معينة الجريمة المكونة لها الأفعال المرتكبة، وهذه العبارة الأخيرة كافية في الدلالة على أن نية الشارع كانت تنصرف إلى جعل الطعن في أوامر غرفة الإتهام مقصوراً على حالة الخطأ في تطبيق قانون العقوبات أو في تأويله دون غيرها، فهي لم تكن تتصور الطعن إلا إذا وقع خطأ من غرفة الاتهام فى تعيين الجريمة المكونة لها الأفعال المرتكبة : وهذا هو جوهر الخطأ في قانون العقوبات دون غيره، كما يتصور وقوعه من جهة إحالة إلى محكمة الجنايات .
وقد ذهبت محكمة النقض في أكثر من حكم لها إلى إعتناق هذا التأويل الأخير دون غيره، فكانت تجيز الطعن بالنقض في أوامر غرفة الإتهام للخطأ في قانون العقوبات، ولم تكن تجيزه لمجرد الخطأ في قانون الإجراءات، أي للبطلان في الإجراءات التي اتبعتها غرفة الإتهام، أو لعيب شكلي في الأمر الصادر منها، أما الآن فقد تغير الوضع بعد إذ أصبحت المادة 195 تنص - بعد تعديلها بالقرار بالقانون رقم 107 لسنة 1962 - على أنه يجوز الطعن في أوامر الإحالة – التي يجوز الطعن فيها - إذا كان الأمر المطعون فيه مبنياً على مخالفة للقانون، أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله أو إذا وقع بطلان في الأمر أو وقع في الإجراءات بطلان أثر فيه ولنا عودة تفصيلية إلى هذا الموضوع عندما نعالج نظام الطعن في أوامر الإحالة في الباب الأخير .
الأمر الثالث
من المستقر فقهاً في نطاق الطعن في الأحكام بوجه عام هو أن الخطأ في قانون العقوبات شئ وأن الخطأ في قانون الإجراءات شئ آخر، وضوابط التمييز بين الخطأ لم تكن يوماً محل خلاف ولا مصدر إضطراب، ونظام الطعن في الأحكام قائم على أساس من التمييز بين كل من هذين الوجهين من أوجهه الطعن، بحيث يكون لكل منهما نطاقه الخاص وحكمه بغير ما تداخل بينهما، ومما يؤكد استقرار هذا التمييز أن الشارع المصري رتب على نقض الحكم للخطأ في قانون العقوبات - وما يلحق به من قوانین موضوعية - أثر يختلف عن ذلك الذي رتبه على نقضه للبطلان فيه أو في الإجراءات إذا أثر فيه . فحين تصحح محكمة النقض الخطأ بنفسها في الحالة الأولى وتحكم طبقاً للقانون فإنها في الحالة الثانية تنقض الحكم وتعيد الدعوى إلى المحكمة التي أصدرته لتحكم فيها من جديد مشكلة من قضاة آخرين (م 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959) .
تأويل آخر للخطأ في القانون المشار إليه في المادة 402
هذا كله ثابت مقرر في شأن الطعن بالنقض سواء انصب الطعن على حكم في الموضوع أم على حكم في مسألة أولية مانع من السير الدعوى، فكيف تكون الحال بالنسبة لإجازة الاستئناف في الحكم الصادر من المحكمة الجزئية : هل ينبغي أن يبقى الوضع على ما هو عليه إزاء وحدة النص، ودلالة الأعمال التحضيرية، واتجاه المبادئ العامة نحو الفصل بين طعن للخطأ في القانون الموضوعي وآخر لخطأ في القانون الإجرائي ؟...
كان من الممكن جدا أن يقال ببقاء هذا الوضع، إلا أن محكمة النقض لاحظت أن هذا القول يترتب عليه أن يكون الإستئناف لمجرد بطلان في الحكم أو الإجراءات غير جائز حين يجوز الطعن بالنقض لنفس هذا السبب وحده " ومن غير المقبول أن ينغلق باب الطعن في الحكم بطريق الاستئناف في الأحوال المشار إليها في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 420 (م 30 من ق رقم 57 لسنة 1959) بينما يبقى الطعن فيها بطريق النقض جائزاً، ولا يوجد مسوغ أو حكمة تشريعية للتفرقة بين الحالتين - لما كان ذلك فإنه يجب التسوية بين الحالات الثلاث المشار إليه .
وهذا القضاء يبدو أنه لم يلتزم حرفية النص بقدر ما إلتزم الرغبة في تحقيق إعتبار عملي هام، هو إجازة الطعن بالاستئناف في جميع الأحوال التي يجوز فيها الطعن بالنقض لأنه "من غير المقبول أن ينغلق باب الطعن في الحكم بطريق الاستئناف في الأحوال المشار إليها في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 402 بينما يبقى الطعن فيها بطريق النقض جائزاً ، ولا يوجد مسوغ أو حكمة تشريعية للتفرقة بين الحالتين .
إلا أن نية واضع الفقرة الأخيرة من المادة 402 قد انصرفت فعلاً - فيما يبدو لنا - إلى تعمد التفرقة بين الحالتين لإعتبارات توخاها، منها أنه نظر نظرة خاصة إلى القانون الموضوعي من حيث العناية بطريقة تطبيقه وتأويله، بأن يجرى ذلك على وجه صحيح، فميزه على القانون الإجرائي بأن أباح الطعن بالإستئناف للخطأ فيه، ثم بالنقض لنفس السبب، حين أنه أراد أن يكون الطعن بالنقض مباشرة للخطأ في القانون الإجرائي وحده دون الإستئناف، وقد قابلنا صدى آخر لهذا التمييز إنما رأينا كيف أن الشارع كان في ذلك الوقت يبيح الطعن بالنقض في أوامر غرفة الإتهام للخطأ في تطبيق القانون الموضوعي وحده دون الإجرائي .
ومن هذه الإعتبارات أنه أراد التضييق من أحوال الاستئناف على قدر الإمكان - كقاعدة عامة . وكان إتجاهه في ذلك ملحوظاً عبرت عنه نفس المادة 402 عندما كانت تقصر إستئناف الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية في المخالفات وفي الجنح على نطاق محدود، فكانت تجيزه في حالتين فحسب :
أولاهما : من المتهم إذا حكم عليه بغير الغرامة والمصاريف، أو بغرامة تزيد على خمسة جنيهات .
وثانيهما من النيابة العامة إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف أو بغرامة تزيد على خمسة جنيهات، وحكم ببراءة المتهم لو لم يحكم بما طلبته .
ثم - وهذا هو المهم - إنما أضافت في فقرتها الثالثة أنه " فيما عدا الأحوال السابقة لا يجوز رفع الاستئناف من المتهم أو من النيابة العامة إلا بسبب خطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها"، قاصدة بذلك القانون الموضوعي دون الإجرائي، كما هي القاعدة المضطردة في جميع الأحوال التي إستعمل فيها الشارع هذا التعبير، سواء في حكم المادة 195 ، أم في حكم المادة 420 التي أصبحت فيما بعد هي المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 .
ولعل واضع هذه الفقرة الثالثة من المادة 402 قدر أنه إذا وقع بطلان في الحكم الصادر من المحكمة الجزئية، أو إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم في غير حالتي الفقرتين الأولى والثانية من نفس المادة - وأغلق دون الطعن بهذا البطلان باب الإستئناف فتح باب الطعن بالنقض مباشرة. ومحكمة النقض إذا قبلت الطعن للبطلان تنقض الحكم وتعيد الدعوى إلى المحكمة الجزئية التي أصدرته للحكم فيها من جديد مشكلة من قاض آخر طبقاً للفقرة الثالثة من المادة 432، فتزول بذلك شكوى المتضرر من الحكم الباطل من أقصر طريق، ودون ما حاجة به إلى سلوك سبيل الاستئناف أولاً، ولن تتيح له محكمة الاستئناف - على أية حال - فرصة إعادة المحاكمة على الوجه الذي يجري أمام المحكمة الجزئية - ومهما وقع في نفس الحكم من بطلان - بل كانت ستنظر الدعوى في حدود وضعها الخاص كدرجة ثانية للتقاضي لا تجرى بحسب الأصل تحقيقاً، ولا تسمع شهوداً إلا في نطاق معلوم .
أما إذا كان مبنى الطعن وقوع خطأ في القانون الموضوعي دون غيره، فهنا قد أباح الشارع استئناف هذا الحكم، لأن المحكمة الإستئنافية قد تصحح الخطأ وتحكم على مقتضى القانون بما يغني صاحب الشأن عن ولوج طريق الطعن بالنقض على وعورته، ومع ملاحظة أنه يجب على الطاعن أن يسلك أولاً طريق الإستئناف إذا شاء فيما بعد سلوك طريق الطعن بالنقض، فإذا ما وقعت المحكمة الاستئنافية في نفس خطأ المحكمة الجزئية فإن محكمة النقض كفيلة بعدئذ بإصلاحه، والحكم بمقتضى القانون الموضوعي الصحيح .
وعند إجتماع الخطأ في القانونين الموضوعي والإجرائي معاً فإن الوضع كان سيقتضي - في حدود التزام حرفية عجز المادة 402 - إستئناف الحكم لإصلاح الخطأ في القانون الموضوعي فحسب، والطعن فيه بالنقض للخطأ في القانون الإجرائي فحسب، وواضح من قضاء محكمة النقض أن هذا الوضع بدا لها على كثير من الغرابة ، وأغلب الظن أنها تساءلت في هذه الحالة عن أي الطعنين ينبغي أن يسبق الآخر، وأيهما موقف لأخيه ؟.. بطبيعة الحال كان الإستئناف سيكون موقفاً للنقض لأن هذا الأخير طريق غير عادي فلا يلجأ إليه إلا بعد إستنفاد الطرق العادية، لكن إذا قبلت محكمة النقض الطعن في الحكم الجزئي لبطلان فيه، أو في الإجراءات أثر فيه، أليس من مقتضى ذلك إعادة الدعوى إلى المحكمة الجزئية التي أصدرته ؟ وعلام إذا كان إستئناف هذا الحكم نفسه، ثم الفضل في الإستئناف، مع أن إصلاح الخطأ الموضوعي كان يمكن أن يصدر من المحكمة الجزئية - مشكلة تشكيلاً جديداً - عند الحكم في الدعوى من جديد بعد قبول النقض ؟.
هذه الصعوبة العملية كانت ولا ريب ماثلة أمام بصر محكمة النقض عندما أصدرت قضاءها سالف الذكر والذي أرادت به تذليلها .. ومع ذلك فقد كانت هذه الصعوبة قائمة - في صورة أخرى قريبة منها في ظل قانون تحقيق الجنايات الملغى عندما كانت غرفة المشورة درجة ثانية لقاضي الإحالة بالنسبة للموضوع فقط دون القانون، وكان لا يجوز الطعن بالنقض في أوامرها إلا للخطأ في تطبيق القانون الموضوعي أو في تأويله دون البطلان في الإجراءات، فعند إجتماع الخطأ في القانون مع الخطأ في الوقائع في قرار قاضي الإحالة كان الرأي السائد هو أن الطعن بالإستئناف موقف للطعن بالنقض، لأن أولهما طريق عادي على خلاف الثاني الذي هو طريق غير عادي .
وعلى أية حال لسنا ندافع هنا عن الإعتبارات التي حدت بالشارع إلى أن يحاول أن يقصر الطعن بالإستئناف في غير الفقرتين الأولى والثانية من المادة 402 على حالة الخطأ في القانون الموضوعي دون الإجرائي، وهو ما أدى في النهاية إلى إمكان القول بإفتراض فتح باب الطعن بالنقض مباشرة في الأحكام الجزئية في الجنح إذا كان مبناه البطلان فيها، أو في الإجراءات إذا أثر فيها، مع إغلاق باب الاستئناف في نفس هذه الحالة، بل أن الفقرة الثالثة من المادة 402 هذه وضعت على عجل عند تعديل قانون الإجراءات في عدة مواضع بالمرسوم بقانون رقم 353 لسنة 1952 دون أن تطرح على بساط المناقشة المألوفة، وربما دون أن يتدبر واضعها جميع النتائج المحتومة لوضعها على النحو الذي صيغت فيه، خصوصاً عند إجتماع خطأ القانون الموضوعي مع الإجرائي في الحكم الجزئي الجائز الطعن فيه بالاستئناف .
ولسنا نشك في شذوذ هذه الوضع وعدم الجدوى في بقائه، ولكن نعتقد أنه كان من الأولى مواجهة عيب التشريع مواجهة صريحة بالمطالبة بإجراء تعديل تشريعي لنص الفقرة الأخيرة من المادة 402 بدلاً من .. إجتهاد في التفسير بإرهاق النص إرهاقاً قد يقال عنه أن من شأنه أن يسبغ على عبارة واحدة هي " الخطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها " مدلولين مختلفين لغير سبب واضح، اللهم إلا في موضع ورودها في القانون، فيضيق من هذا المدلول مرة - وعلى أساس من القضاء والفقه المستقرين - ثم إذ به يضفي عليه في الثانية إتساعاً قد لا يعين عليه قضاء سابق أو فقه سائد .
كما قد لا يعين عليه أيضاً صریح نص المادة 420 إجراءات التي فصلت بين وجهي الطعن بالنقض وهما مخالفة القانون الموضوعي، أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله كوجه للطعن قائم بذاته ثم مخالفة القانون الإجرائي لبحت كوجه آخر له نطاقه الخاص وقواعده المستقلة، بالأخص عند قبول الطعن وما يرتبه من آثار، وهو نفس ما قررته فيما بعد المادتان 30 ، 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 .
وليس من سبب بعد ذلك للإعتقاد بأن الخطأ في القانون الموضوعي بأية صورة من صوره - يصح أن يكون قد اختلط في ذهن واضع نص المادة 402 بالبطلان في الإجراءات فأدخلهما معاً في مدلول عبارة واحدة - وفي مرة واحدة وفي هذه المادة دون غيرها من المواد - بغير سند واضح من الأعمال التحضيرية للنصوص، فضلاً عن رأي سابق مستقر في القضاء والتشريع اقتضى هذا الفصل بين الوجهين والتمييز بينهما تمييزاً تاماً على النحو الذي وضحناه .
لقد صححت المحكمة بقضائها هذا - على أية حال - من قصور وضع تشريع غير قويم، ولا يعنينا هنا أن نقرر أنها التزمت دقيق التأويل للنص، أم تجاوزت حد التأويل إلى التعديل، بقدر ما يعنينا أن نقرر أن هذا الوضع قد استقر فعلاً بين أوضاعنا الإجرائية، وأنه كان الأساس الذي انتهى بها إلى المبدأ الهام الجديد الذي نعالجه الآن وهو أنه " حيث لا يجوز طريق الاستئناف، لا يجوز من باب أولى الطعن بطريق النقض".
ذلك أنها مادامت قد فتحت بقضائها الآنف الذكر طريق الإستئناف لكل خطأ في القانون، أو في تطبيقه، أو في تأويله، وسواء أكان قانوناً موضوعياً أم إجرائياً ، فقد فرضت في نفس الوقت على صاحب الشأن أن يلجأ إلى طريق النقض، فإذا لم يجز أمامه طريق الاستئناف فمقتضى ذلك إنتفاء كل صور الخطأ في القانون الموضوعي والإجرائي أمامه، وهو ما يقتضي بالضرورة عدم جواز طريق النقض الذي لا يبنى بدوره إلا على إحدى صور هذا الخطأ بذاته، في نفس نطاقه وتطبيقاته ، بدون أدنى مغايرة .
ذلك يمثل الهدف الذي كانت تهدف إليه إنما أولت محكمة النقض عبارة "الخطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها" كما هي واردة بعجز المادة 402 إجراءات هذا التأويل الواسع فجعلتها تنصرف إلى الخطأ في القانون الإجرائي كما تنصرف إلى الخطأ في قانون العقوبات، فمهدت بهذا التأويل السبيل لقضائها هذا الجديد، والذي يعتبر بذاته نتيجة منطقية لقضائها ذالك السابق .
أو بعبارة أخرى كان هذا المبدأ الجديد في شأن جواز الطعن بالنقض أمراً طبيعياً متوقعاً بعد صدور قضائها الذي بيناه في شأن الطعن بالاستئناف ... فكلما كان الإستئناف جائزاً – للخطأ في قانون العقوبات أو للبطلان في الإجراءات - بمقتضى الفقرة الأخيرة من المادة 402 كان النقض بالتالي جائزاً بعد استنفاد طريق الإستئناف بمقتضى المادة 420 بفقرتيها الأولى والثانية - وهي التي أصبحت فيما بعد المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1957 بفقراتها الثلاث - وإلا فلا .
وفي نفس الوقت قد يجوز الاستئناف في أحوال معينة ولا يجوز مع ذلك النقض . وهذا أمر طبيعي إذ أن من المبادئ المستقرة أن طرق الطعن غير العادية - كالنقض – ينبغي أن تكون بحسب الأصل أضيق نطاقاً من الطرق العادية كالإستئناف لا أوسع منها نطاقاً، ولو أننا كنا نؤثر أن يكون تقرير هذا المبدأ بتعديل تشريعي صريح لنص الفقرة الأخيرة من المادة 402 إجراءات، حتى لا يقال أن هذه الكيفية في التأويل قد أرهقت النص وحملته ما لا يحتمله من معنى في صياغته الراهنة .
ويراعى أن هذه الققرة لا تزال على حالها إلى الآن، وذلك رغم تعديل باقي الفقرات بالقرار بالقانون رقم 107 لسنة 1962، حتى وإن تأثرت إلى حد كبير بهذا التعديل، بعد إذ فتح الشارع باب الاستئناف في الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية في جميع أحكام الجنح بوجه عام . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 729 )
الإستئناف هو طريق طعن في الأحكام الصادرة من محاكم الجنح والمخالفات ( أي المحاكم الجزئية ) في الدعوى الجنائية والدعوى المدنية، ويهدف إلى طرح الدعوى على محكمة أعلى درجة لإعادة الفصل فيها .
والاستئناف تطبيق لمبدأ "التقاضي على درجتين" الذي يعد أحد المبادئ التي يقوم عليها نظام الإجراءات الجنائية الحديث .
خصائص الإستئناف :
أهم خصائص الإستئناف أنه طريق طعن عادي، ومؤدي ذلك جواز إستعماله أياً كان العيب الذي ينعاه المستأنف على الحكم، ويقتصر نطاق الاستئناف على الأحكام الصادرة في الجنح والمخالفات، فالحكم الصادر في جناية لا يجوز إستثنائه؛ بل أن الإستئناف يقتصر على الأحكام الصادرة من محاكم الجنح والمخالفات، فالحكم الصادر من محكمة الجنايات في جنحة اختصت بها إستثناء لا يجوز الطعن فيه بالاستئناف، والاستئناف جائز في الأحكام الحضورية والغيابية على السواء، وهو جائز في الأحكام الصادرة في الدعويين الجنائية والمدنية، وهو جائز لجميع أطراف الدعويين، ويطرح الإستئناف الدعوى أمام محكمة أعلى درجة، وبطرحها في جميع عناصرها، من حيث الوقائع والقانون، وإن كان للمستأنف أن يقصر استئنافه على شطر بعينه من النزاع، فتنحصر فيه سلطة المحكمة الاستئنافية، وتتقيد المحكمة الاستئنافية بمبدأ "عدم جواز أن يضار الطاعن بطعنه" .
المقارنة بين المعارضة والاستئناف :
يجمع بين المعارضة والإستئناف أنهما طريقان عاديان للطعن في الأحكام، وبناء على ذلك يطرحان الدعوى في جميع جوانبها على قضاء الطعن، ويجمع بينهما كذلك إنحصار مجالهما في الأحكام الصادرة في الجنح والمخالفات .
ولكن بين المعارضة والاستئناف فروقاً أساسية، فالمعارضة تقتصر على الأحكام الغيابية في حين يجوز إستئناف الأحكام الحضورية والغيابية على السواء، والمعارضة تجوز في أحكام محكمة الجنايات الصادرة في جنحة اختصت بها إستثناء، في حين يقتصر نطاق الاستئناف على الأحكام الصادرة من محاكم الجنح والمخالفات، والمعارضة جائزة ضد الأحكام الغيابية سواء صدرت عن قضاء الدرجة الأولى أو عن قضاء الدرجة الثانية، أما الإستئناف فيقتصر نطاقه على الأحكام الصادرة عن قضاء الدرجة الأولى، والمعارضة لا تقبل إلا من المتهم والمسئول المدني في حين يقبل الإستئناف من جميع أطراف الدعويين الجنائية والمدنية، والمعارضة تطرح الدعوى على المحكمة التي أصدرت الحكم في حين يطرحها الإستئناف على محكمة أعلى درجة .
علة الاستئناف :
علة الإستئناف إحتمال أن يشوب الخطأ قضاء محكمة الدرجة الأولى، ومن ثم تقتضي إعتبارات العدالة أن يتاح السبيل إلى إعادة فحص الدعوى ومراجعة الحكم أملاً في تصحيح الخطأ وصدور حكم لا يشوبه عيب. وإحتمال هذا الخطأ مرده إلى أن الدعوى تفحص للمرة الأولى فيحتمل ألا تتضح عناصرها أو ألا يستجلي حكم القانون فيها على الوجه الصحيح، ثم أن محكمة الدرجة الأولى مشكلة من قاضي واحد، وقد تكون خبرته محدودة، ومن ثم يكون في فحص الدعوى للمرة الثانية وإعادة البحث في عناصرها عن طريق محكمة أعلى درجة مشكلة من ثلاثة من القضاة ما يقوم معه الإحتمال في أن يصدر حكم سليم، وبالإضافة إلى ذلك، فإن مجرد علم قاضي الدرجة الأولى بأن حكمه يحتمل أن يطعن فيه أمام محكمة أعلى درجة يحمله على الاهتمام بفحص الدعوى وتحري الصواب في حكمه .
الأشخاص الذين يجوز لهم إستئناف الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية :
لا يقبل الطعن بالاستئناف بصفة عامة إلا ممن كان طرفاً في الدعوى، ولذلك فإنه لا يجوز لغير النيابة العامة والمتهم الطعن في الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية بوصف أنهما وحدهما هم الخصوم في هذه الدعوى، وبالتالي لا يجوز للمدعي بالحق المدني ولا المسئول عنها الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام لانعدام صفة أيهما في هذا الطعن وتختلف شروط قبول الاستئناف في الدعوى الجنائية بالنسبة للنيابة العامة عنها بالنسبة للمتهم .
شروط قبول استئناف النيابة العامة :
تختلف سلطة النيابة العامة في استئناف الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية بحسب ما إذا كانت صادرة في جنحة أو صادرة في مخالفة والعبرة بوصف الواقعة بأنها جنحة أو مخالفة هي كما رفعت بها الدعوى أصلاً وليست بالوصف الذي تقضي به المحكمة، فبالنسبة للأحكام الصادرة في الجنح تملك النيابة العامة حق الطعن فيها بالإستئناف سواء كانت صادرة بالإدانة أو البراءة ما لم تكن الجنحة معاقباً عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف، والعبرة بالعقوبة الواردة في نص القانون لا بما يحكم به القاضي، حتى لو كان الحكم صادراً بالمطابقة لطلبات النيابة .
أما الأحكام الصادرة في المخالفات والجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فتملك النيابة العامة الحق في استئنافها في حالتين فقط دون غيرهما نصت عليهما المادة محل التعليق هما :
الحالة الأولى : إذا طلبت النيابة الحكم بغير الغرامة والمصاريف :
يجوز للنيابة العامة أن تستأنف الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية في المخالفات إذا كانت النيابة قد طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف، ولكن الحكم صدر ببراءة المتهم، أو صدر بإدانته ولكن وقع عليه عقوبة غير التي طلبت النيابة توقيعهما عليه، مثال ذلك أن تطلب النيابة من المحكمة الحكم على المتهم بالمصادرة أو غلق المنشأة أو إزالة المبني - وهذا هو المقصود بتعبير بغير الغرامة والمصاريف فلا تستجيب المحكمة لهذه الطلبات رغم حكمها بالإدانة فتوقع على المتهم عقوبة الغرامة التي لم تطلب النيابة توقيعها عليه، أما إذا كانت النيابة لم تطلب سوى الحكم بالغرامة والمصاريف، فلا يجوز لها إستئناف الحكم حتى ولو كان هذا الحكم لم يستجيب لطلباتها فحكم بعقوبات أخرى غير الغرامة والمصاريف، وقد يحدث أن تطلب النيابة من المحكمة تطبيق نص قانوني عقابي معين على المتهم، فإذا كان هذا النص الذي طلبت تطبيقه يوجب الحكم بعقوبة أخرى غير الغرامة، فيعتبر أن النيابة قد طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف، أما إذا كان النص الذي طلبت النيابة تطبيقه يجيز الحكم بالغرامة كما يجيز الحكم بغيرها من الجزاءات، فإن النيابة لا تعتبر أنها طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف، ما لم تحدد النيابة هذا الطلب من المحكمة سواء في ورقة التكليف بالحضور أو أبدته في مرافعتها في الجلسة سواء كان ذلك في مواجهة المتهم أو في غيبته بشرط أن يكون المتهم قد أعلن لهذه الجلسة إعلانأ صحيحاً، أما إذا لم يكن المتهم قد أعلن إعلاناً صحيحاً ولم يحضر الجلسة فلا يعتد بطلب النيابة .
الحالة الثانية : مخالفة القانون أو بطلان في الحكم أو الإجراءات :
إذا لم تتوافر للنيابة العامة شروط الحالة الأولى، فإنه يجوز مع ذلك للنيابة أن تطعن على الحكم بالإستئناف إذا كان الحكم الصادر في المخالفة أو الجنحة المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه منطوياً على مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم، ويعني هذا أن الحكم جائز استئنافه سواء كان هذا الخطأ في قانون العقوبات أو في قانون الإجراءات الجنائية .
شروط قبول استئناف المتهم :
يجوز للمتهم استئناف جميع الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية في جنحة بإدانته ما لم تكن الجنحة معاقباً عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف، أيا كان نوع العقوبة المحكوم بها أو مقدار هذه العقوبة والعبرة في الجنحة المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه أن تكون هذه هي العقوبة المقررة للجنحة في نص القانون بصرف النظر عما يحكم به القاضي، فإذا كان نص القانون يقرر للجنحة عقوبة الغرامة خمسمائة جنيه مثلاً كحد أقصى وحكم القاضي بالغرامة ثلاثمائة جنيه، فإن هذا الحكم يجوز استئنافه .
وفي مواد المخالفات والجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه، لا يجوز له إستئناف الأحكام الصادرة فيها إلا في حالتين :
الحالة الأولى : صدور حكم على المتهم بغير الغرامة والمصاريف :
إذا صدر على المتهم حكم بغير الغرامة والمصاريف، وصورة هذا الحكم أن يكون صادراً بتوقيع عقوبة الحبس والمصادرة أو غلق المحل أو الإزالة مثلاً، فكل هذه صور لجزاءات غير الغرامة والمصاريف بصرف النظر عن طلبات النيابة في الدعوى، ولا يعتد في مقام جواز إستئناف الحكم إلا بالعقوبات الجنائية دون غيرها، وتطبيقاً لذلك قضى بأن التعويض الذي يفرض القانون الحكم به على القاضي وينفرد القاضي بتقديره، وإن كان القانون قد راعى في تقديره إعتباره نوعاً من الجزاء، إذ أن ذلك لا يغير من طبيعته بإعتباره تعويضاً، ومن ثم لا يدخل في النصاب المقرر للحكم بالغرامة لجواز الإستئناف .
الحالة الثانية : مخالفة القانون أو بطلان في الحكم أو في الإجراءات :
إذا لم يتوافر في الحكم الشروط التي تجيز استئنافه طبقاً للحالة الأولى فإنه يجوز مع ذلك للمتهم استئنافه إذا كان الحكم الصادر في مخالفة أو جنحة قد صدر مخالفاً للقانون أو وقع في خطأ في تطبيق القانون أو تأويله أو لوقوع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم، وقد سبق شرح ذلك في بيان إستئناف النيابة العامة . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 765 )
هذه المادة معدلة بالقانون رقم 107 لسنة 1962 والفقرتان الأولي والأخيرة مستبدلتان بالقانون رقم 174 لسنة 1998 .
الإستئناف هو طريق طعن عادي في الأحكام الصادرة من المحاكم الجزئية في الجنح والمخالفات مقتضاه إعادة طرح الدعوى - في الشق المستأنف - من جديد أمام محكمة أعلى درجة للفصل فيها وبذلك يحقق مبدأ التقاضي على درجتين".
ويعتبر الإستئناف إذن من قبيل التظلم من الأحكام أمام هيئة أعلى من حيث التشكيل والخبرة لكي تنظر موضوع الدعوى أو الحكم الإبتدائي في حدود ما قضي به .
وتراقب المحكمة عن طريق الطعن بالاستئناف نظر الدعوى على درجتين :
الدرجة الأولى :
إذا نظرت محكمة أول درجة بموضوع الدعوى وفصلت فيه .
الدرجة الثانية :
نظر موضوع الدعوى مرة أخرى بمقتضى الطعن بالإستئناف وفي حدود ما جاء بتقرير الطعن .
ويتعين لكي تنظر المحكمة الاستئنافية الدعوى مرة أخرى أن تكون محكمة أول درجة قد استنفدت سلطتها بنظر موضوعها أما إذا منعها مانع من نظر الموضوع فإن المحكمة الاستئنافية تنظر في مدى صحة الحكم المذكور في حدود ما قضى به فإن ألغته لا تتعرض للموضوع بل تعيده إلى محكمة أول درجة لتنظره تحقيقاً لمبدأ التقاضي على درجتين .
الأحكام التي يجوز استئنافها :
كان نص الفقرة الأولى من المادة (402 ) من قانون الإجراءات الجنائية قبل تعديلها بالقانون رقم 174 لسنة 1998 تنص على أنه " يجوز لكل من المتهم والنيابة العامة أن يستأنف الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية في مواد الجنح " ومن مقتضى النص سالف الذكر أن حق المتهم والنيابة العامة في استئناف الجنحه الصادرة من المحكمة الجزئية كان عاماً مطلقاً لا يقيده ثمة قيد طالما أن الحكم جائزاً استئنافه ثم صدر القانون رقم 174 لسنة 1998 معدلاً هذه الفقرة وذلك بتقييد حق المتهم والنيابة العامة في استئناف الأحكام إذا كان الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فنص على أنه "ومع ذلك إذا كان الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فلا يجوز استئنافه إلا لمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى، الإجراءات أثر في الحكم".
ويلاحظ أن المعول عليه في مبلغ الثلاثمائة جنيه هو نص القانون ذاته وليست العقوبة التي يحكم بها القاضي، ومن ثم يتعين أن يكون نص القانون يعاقب على الجنحة بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف، حتى يمتنع على المتهم والنيابة العامة استئنافه إلا إذا توافرت إحدى الحالات الخمس المنصوص عليها بالمادة وهي مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم .
كما يلاحظ أن هذا التعديل لا يمنع من إستئناف حكم الغرامة مهما قلت قيمته إذا كان الحد المقرر للعقوبة في القانون يتجاوز مبلغ ثلاثمائة جنيه وذلك دون التقيد بالحدود الخمسة المنصوص عليها بالفقرة سالفة الذكر .
وعلى ذلك فإنه يجوز أن يصدر بغرامة من مائة جنيه ومع ذلك يجوز استئنافها بدون قيد إذا كان الحد المقرر في القانون لعقوبة هذه الجنحة يجاوز مبلغ الثلاثمائة جنيه .
الأحكام الصادرة في المخالفات :
كان نص الفقرة الثانية من المادة (402 ) قبل تعديلها بالقانون 174 - لسنة 1998 تنص على أنه أما الأحكام الصادرة منها في مواد المخالفات فيجوز استئنافها :
1)من المتهم إذا حكم عليه بغير الغرامة والمصاريف .
2) من النيابة العامة إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز رفع الاستئناف من المتهم أو من النيابة العامة إلا لخطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها وقد أضاف المشرع إلى هذه الأسباب بالقانون رقم 174 لسنة 1998 "أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم". ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 590 )
الاستئناف هو من الطرق العادية للطعن في الأحكام. وهو يشكل إلى جانب المعارضة طريقي الطعن العاديين في التشريع المصري. غير أنه يتميز عن المعارضة في جوانب كثيرة، فهو يرد على الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية في الجنح والمخالفات شأنه شأن المعارضة وإن كان المشرع حدد حالات الطعن بالاستئناف بالنسبة للمخالفات أما أوجه الخلاف بينه وبين المعارضة فهي عديدة، فالاستئناف يشمل في نطاقه دائرة أوسع من الأحكام الجزئية على حين أن المعارضة قاصرة على الأحكام الغيابية والحضورية الإعتبارية فقط، كما أنه حق لجميع الخصوم في الدعوى على حين أن المعارضة قاصرة على المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية، ومن ناحية أخرى نجد أن الاستئناف يقتصر على الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية بينما المعارضة جائزة في أي حكم غيابي سواء كان صادر من المحكمة الجزئية أو من المحكمة الاستئنافية أو من محكمة الجنايات .
ويتميز الاستئناف بأثره الناقل فالمحكمة التي تنظر الطعن تكون مختلفة عن المحكمة التي أصدرته من حيث كونها أعلى درجة وبالتالي قادرة على تقييم حكم محكمة أول درجة. وهذا التقاضي على درجتين لا شك أنه يحقق ضماناً أكبر في تحقيق العدالة الجنائية. وقد وجه البعض هجوماً على نظام التقاضي على درجتين بحجة أنه يؤدي إلى تأخير الفصل في القضايا بأحكام نهائية. غير أنه مما لا شك فيه أن نظر الدعوى على درجتين يتفادى الأخطاء القضائية التي قد يصعب تلافيها بنظام التقاضي على درجة واحدة خاصة وأن محكمة النقض في رقابتها تقف عند حد مراقبة التطبيق السليم للقانون دون التعرض للوقائع. ومن ثم كان من الضروري أن ينص المشرع على نظام الاستئناف باعتبار أن المحكمة الاستئنافية تكون أقدر على التقدير بحكم تشكيلها وبالتالي يتحقق الضمان الكافي لتحقيق عدالة جنائية سليمة ، إذ يكون الحكم النهائي في الدعوى الذي صدر بعد تحقيقها ونظرها على درجتين أكثر تعبيراً عن الحقيقة. وقد نظم المشرع طريق الطعن بالاستئناف في الباب الثاني من الكتاب الثالث المواد 402 وما بعدها من قانون الإجراءات .
صفة الطاعن :
أن حق الطعن بالاستئناف ينشأ بصدور الحكم من المحكمة الجزئية، وهو بذلك لا يثبت إلا بالنسبة للخصومة في الدعوى أمام المحكمة الجزئية والذين كان الحكم المطعون فيه ملزماً لهم. ويترتب على ذلك أنه لا يجوز الطعن بالاستئناف من شخص لم يختصم أمام محكمة أول درجة. فلا يجوز لصاحب الحق في الإدعاء المدني أن يطعن بالاستئناف إذا لم يكن قد إدعى مدنياً أمام محكمة أول درجة كما لا يجوز للمسئول عن الحقوق المدنية أن يطعن بالاستئناف إذا لم يكن قد أدخل أو دخل من تلقاء نفسه أمام محكمة أول درجة وصدر الحكم في مواجهته، وإن كان يجوز دخوله أمام المحكمة الاستئنافية عند نظرها للدعوى بناء على طعن من له حق فيه .
فإذا كان الطاعن خصماً في الدعوى أمام محكمة أول درجة فيستوي بعد ذلك الخصوم من حيث ثبوت حق الطاعن، فجميع الخصوم يحق لهم الطعن في الحكم متى توافرت الشروط الموضوعية المتعلقة بموضوع الطعن، ذلك أن المشرع رغم منحه حق الطعن لجميع الخصوم إلا إنه حدد موضوعه بالنسبة لكل منهم بأن اشترط في الأحكام الجائز استئنافها من النيابة العامة شروطاً تختلف عن تلك التي يجوز للمتهم استئنافها وذلك على التفصيل الذي سنراه، والذي يجب ملاحظته هنا هو أن المشرع لم يحرم خصماً من الطعن لمجرد صفته في الخصومة الجنائية على عكس ما رأينا بالنسبة للمعارضة التي قصرها على المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية .
فالنيابة العامة والمتهم والمدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية جميعهم لهم حق الطعن بالاستئناف متى توافرت شروطه الموضوعية المتعلقة بالأحكام الجائز استئنافها وطالما توافرت لهم صفة الخصومة أمام محكمة أول درجة .
وحق الطعن بالاستئناف يتعلق بالتنظيم القضائي وهو من أجل ذلك يتعلق بالنظام العام، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز التنازل عنه ويقع باطلاً أي تنازل عن حق الإستئناف سواء صدر من النيابة العامة أو من المتهم، أما المدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية فإن حقهما في الطعن يقتصر على الدعوى المدنية ولا يمس الدعوى الجنائية، ونظراً لأن الدعوى المدنية تتصل بمصلحة مالية للخصوم ومن ثم يجوز التنازل عن حق الطعن بالاستئناف، كما يجوز ذلك أيضاً بالنسبة للمتهم فيما يتعلق بالدعوى المدنية، أما الدعوى الجنائية فهي ملك للدولة تنظم وفقاً لقواعد تراعى فيها المصلحة العامة وليس مصلحة الخصوم ومن ثم يقع باطلاً أي تنازل عن الحق في الاستئناف . وإذا كان الاستئناف حقاً للخصوم فى الدعوى أمام محكمة أول درجة فيجب على المحكمة الاستئنافية أن تتأكد من صفة الطاعن قبل نظر الاستئناف وإلا قضت بعدم قبول الاستئناف لرفعه من غير ذى صفة، إلا أن ذلك لا يمنع من أن يكون التقرير بالاستئناف قد تم من قبل وكيل عن الخصم بمقتضى وكالة خاصة بالطعون في الأحكام ، أو من قبل الوصي بالنسبة للدعوى المدنية والولى على النفس بالنسبة للدعوى الجنائية .
المصلحة في الطعن :
غير أن ثبوت الحق في الاستئناف غير كاف لقبول الاستئناف وإنما يلزم أن يتوافر فضلاً عن ذلك الشرط الخاص بمباشرة هذا الحق وهو المصلحة .
فيجب أن يكون لدى الطاعن مصلحة في إبدال حكم محكمة أول درجة بحكم آخر من المحكمة الاستئنافية بمقتضاه يتفادى الإضرار بمصلحته بمقتضى الحكم المطعون فيه ذلك أن جميع طرق الطعن تدور حول فكرة الحصول على حكم جديد في الدعوى من المحكمة المنظورة أمامها الطعن يحقق مصلحة للطاعن. ومن هنا لزم التأكد من توافر عنصر المصلحة الذي يعتبر شرطاً جوهرياً وأساسياً لمباشرة الحق في الطعن ويستوي في ذلك جميع الخصوم أي سواء أكان الطاعن هو النيابة العامة أو المتهم أو المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية على التفصيل الذي رأيناه في دراسة الأحكام العامة في طرق الطعن .
الشروط العامة للاستئناف المتعلقة بالموضوع :
أن الأحكام الجائز استئنافها تختلف بحسب ما إذا كانت صارة في الدعوى الجنائية أم في الدعوى المدنية ، كما أنها تختلف بحسب ما إذا كانت فاصلة في الموضوع أم كانت صادرة قبل الفصل فيه ، كل ذلك على التفصيل الذي سنراه .
غير أننا قبل التعرض لتفصيل هذه الأحكام نود أن نشير إلى أن هناك شروطاً عامة للاستئناف تتعلق بالأحكام التي يجوز استئنافها أياً كان نوعها وأياً كانت شروطها. وهذه الشروط هي :
أولاً : أن يكون الحكم موضوع الطعن بالاستئناف صادراً من محكمة جزئية، فالاستئناف كطريق للطعن قاصر على أحكام المحاكم الجزئية. أما الأحكام الصادرة من محاكم الجنايات في الجنح والمخالفات فلا يجوز استئنافها ، وكذلك لا يجوز استئناف الأحكام الصادرة من المحاكم الاستئنافية أو المحاكم الإبتدائية في هيئة استئنافية حتى ولو كانت تعتبر الدرجة الأولى لنظر الدعوى كما هو الشأن في جرائم الجلسات، وغني عن البيان أن إشتراط صدور الحكم من المحكمة الجزئية مفاده أن الاستئناف لا يجوز إلا بالنسبة للجنح والمخالفات وأيضاً الجنايات التي تنظرها المحكمة الجزئية كمحكمة إحداث .
ثانياً : ألا يكون المشرع قد حظر استئنافها استثناء. ذلك أن بعض النصوص الخاصة قد تقضي بعدم جواز استئناف بعض الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية ومن ثم لزم لكي يمكن الطعن بالاستئناف أن يكون الحكم الصادر من المحكمة الجزئية لم يستثن من قاعدة جواز استئناف أحكام تلك المحكمة. ومن أمثلة ذلك ما نص عليه قانون الطفل رقم 12 لسنة 1999 م من أنه يجوز استئناف الأحكام الصادر من محكمة الأحداث عدا الأحكام التي تصدر بالتوبيخ وبتسليم الحدث لوالديه أو لمن له الولاية عليه ، فلا يجوز استئنافها إلا لخطأ في تطبيق القانون أو بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر فيه، وكما لوحظ بحق أن حظر الاستئناف أو الطعن عموماً قاصر على تقدير المحكمة الجزاء المقضي به في الحكم ولا يمتد إلى التطبيق الخاطئ للقانون .
ثالثاً : أن يكون الحكم فاصلاً في الموضوع فالأحكام الصادرة في المسائل الفرعية وكذلك الأحكام التحضيرية والتمهيدية لا يجوز استئنافها استقلالاً وإنما تبعاً لاستئناف الحكم الصادر في الموضوع، ولذلك نص المشرع على أن استئناف الحكم الصادر في الموضوع يترتب عليه حتماً استئناف هذه الأحكام (405) غير أن القانون أورد استثناء على هذا الشرط وأباح استئناف الأحكام الصادرة بعدم الإختصاص وكذلك تلك الصادرة بالإختصاص إذا لم يكن للمحكمة ولاية الحكم في الدعوى (م 405 / 3 ) .
الشروط الخاصة باستئناف الحكم في الدعوى الجنائية :
(أ) القاعدة العامة في مواد الجنح والمخالفات :
جميع الأحكام الصادرة من مواد الجنح من المحكمة الجزئية يجوز استئنافها سواء من النيابة العامة أو المتهم ما عدا الحكم الصادر في جنحة معاقب عليها بالغرامة التي لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فلا يجوز استئنافه إلا للأسباب التي تجيز الطعن بالنقض، أما تلك الصادرة في مواد المخالفات فإن الاستئناف يجد حدوداً تتعلق بصفة المستأنف، بمعنى أن القانون أورد شروطاً خاصة باستئناف الأحكام في مواد المخالفات تختلف بإختلاف ما إذا كان المستأنف هو النيابة العامة أم كان هو المتهم، وبطبيعة الحال لا يقبل استئناف الحكم في الدعوى الجنائية من المدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية بإعتبار أنهما ليسا من الخصوم في الدعوى الجنائية وإنما فقط في الدعوى المدنية .
أولاً : استئناف المتهم في مواد المخالفات :
للمتهم أن يستأنف الحكم الصادر عليه في الدعوى الجنائية، وذلك في حالتين :
الحالة الأولى :
ألا يكون الحكم عليه قد صدر بغير الغرامة والمصاريف .
ومعنى ذلك أن استئناف المتهم يكون مقبولاً دائماً طالما أن الحكم الصادر في مواجهته قد قضى عليه بغير عقوبة الغرامة والمصاريف .
ومثال ذلك أن يقضى عليه بالغلق أو المصادرة، ويستوي أن يكون الحكم قد صدر بعقوبة الغرامة والعقوبة الأخرى أو كان صادراً فقط بالعقوبة الأخرى دون الغرامة، ويترتب على ذلك أن جميع الأحكام الصادرة بتدابير وقائية يجوز استئنافها حتى ولو كانت صادرة من محكمة الأحداث بالنسبة للصغير طالما لا تدخل تحت خطر الاستئناف. كذلك يجوز استئناف جميع الأحكام الصادرة بالغرامة وعقوبة تكميلية أخرى. أما إذا كان صادراً فقط بالغرامة والمصاريف فلا يجوز استئنافه .
الحالة الثانية :
إذا كان هناك خطأ في تطبيق القانون وتأويله .
الاستئناف يجوز دائماً من المتهم في جميع الأحوال إذا كان الحكم الصادر من المحكمة الجزئية في الدعوى الجنائية قد أخطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها (م/402) .
وإذا كان ظاهر النص يوحي بأن الخطأ القانوني في الحكم الذي يبيح الاستئناف هو المتعلق بتطبيق نصوص قانون العقوبات وتأويلها، إلا أن قصد المشرع ينصرف إلى أي خطأ قانونی حتی المتعلق بالقواعد الإجرائية الجوهرية التي يرتب المشرع على مخالفتها البطلان، ولذلك فمعنى الخطأ في تطبيق القانون ينصرف إلى جميع الحالات التي تجيز الطعن بالنقض .
وما كان المشرع ليغفل عن ذلك ويقصر فقط حق الاستئناف على الخطأ في تطبيق نصوص قانون العقوبات وتأويلها ، لأن مراعاة القواعد الجوهرية الإجرائية هو أمر يتعلق إما بالنظام العام أو على الأقل بمصلحة الخصوم ويترتب على مخالفتها البطلان، ومن ثم فإن السبيل الوحيد لتصحيح ومراعاة التطبيق السليم للقانون في شقه الموضوعي وفي شقه الإجرائي هو باستئناف الحكم لتولي المحكمة الاستئنافية تلافي ما وقع فيه الحكم من أخطاء .
ثانياً : استئناف النيابة العامة في مواد المخالفات :
للنيابة العامة أن تستأنف الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية في الدعوى إذا توافرت إحدى الحالتين الآتيتين :
الحالة الأولى :
إذا كانت النيابة العامة قد طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وتتوافر هذه الحالة إذا كانت النيابة العامة قد طلبت الحكم بعقوبة تكميلية أخرى إلى جانب الغرامة أو كانت قد طلبت توقيع تدابير إلى جانب الغرامة أو كانت قد طلبت توقيع تدابير وقائية. أما إذا كانت قد طلبت الحكم بالغرامة والمصاريف فقط فلا يجوز لها الاستئناف إلا إذا توافرت الحالة الثانية .
ويلاحظ أن طلبات النيابة العامة إذا اقتصرت على تطبيق نصوص القانون المنطبقة على الجريمة دون أن تطلب توقيع أقصى العقوبة أو توقيع عقوبة معينة، فإن هذا الطلب ينصرف أيضاً إلى الحد الأدني. ولذلك فإذا كان الحد الأدنى للعقوبة المقررة للجريمة يصل إلى الغرامة بأن كانت الغرامة تخييرية مع تدبير إحترازي فإن الحكم الصادر بالغرامة في حدها الأدني يعتبر حكماً بما طلبته النيابة. ولذلك لا يجوز استئناف النيابة العامة إلا إذا كانت طلباتها غير الغرامة والمصاريف وحكمت المحكمة بالبراءة أو حکمت بالغرامة، إذ في هذين الفرضين تعتبر المحكمة قد قضت بغير طلبات النيابة ومن ثم يجوز لها الاستئناف، ويلاحظ أيضاً أنه إذا كان النص التجريمي يقرر للجريمة عقوبة الغرامة وعقوبة أخرى تكميلية جوازية فإن إكتفاء النيابة بطلب تطبيق النص القانوني ينصرف أيضاً إلى عقوبة الغرامة فقط، بإعتبار أن الحكم بالغرامة وحدها يعتبر تطبيقاً للنص طالما أن العقوبة التكميلية جوازية ومن ثم لا يجوز للنيابة الاستئناف إلا بتوافر شروط الحالة الثانية .
ومن أجل ذلك فلكي تحتفظ النيابة بحقها في الاستئناف في الحالة التي نحن بصددها يتعين عليها أن تطلب أقصى العقوبة، اللهم إلا إذا كان الحد الأقصى للعقوبة هو الغرامة، ففي هذه الحالة لا يمكن الاستئناف إلا لخطأ في تطبيق القانون كما سنرى.
الحالة الثانية :
الخطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها .
يجوز للنيابة العامة أن تستأنف جميع الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية في الدعوى الجنائية أياً كانت طلباتها وذلك إذا كان هناك خطأ في الحكم متعلقاً بتطبيق نصوص القانون وتأويلها .
لا ينصرف فقط إلى نصوص قانون العقوبات وإنما أيضاً إلى نصوص قانون الإجراءات ، والى جميع حالات مخالفة القانون التي تجيز الطعن بالنقض .
ويلاحظ أن الاستئناف لخطأ في تطبيق القانون يجوز بالنسبة لجميع الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية حتى تلك التي ينص القانون على عدم جواز الطعن فيها بأي طريق، فالمشرع حينما يحظر الطعن إنما يقصد الطعن في تقدير المحكمة الجزئية من حيث الوقائع أما الأخطاء القانونية التي يقع فيها الحكم فوسيلة إصلاحها هو الاستئناف .
حق النيابة العامة في استئناف الأحكام الغيابية والأحكام الصادرة في المعارضة :
للنيابة العامة أن تستأنف الأحكام الغيابية إذا توافرت حالات الاستئناف بصددها، ويستوي أن يكون المتهم قد عارض في الحكم الغيابي أم لم يعارض كل ما هنالك هو أن نظر الاستئناف يوقف إلى حين فوات مواعيد المعارضة أو الفصل فيها إذا كانت المعارضة قد تمت .
وبطبيعة الحال إذا كانت النيابة العامة قد استأنفت الحكم الغيابي وأوقف نظر الاستئناف إلى حين الفصل في المعارضة فإن استئنافها يشمل بالضرورة الحكم الصادر في المعارضة بتأييد الحكم الغيابي، والحكمة من قصر هذا الأثر على الحكم الصادر بالتأييد هي أن هذا الحكم يبقى على وجود الحكم الغيابي المستأنف، أما إذا ألغت المحكمة التي نظرت المعارضة للحكم الغيابي فيترتب على ذلك بطلان الاستئناف المرفوع من النيابة العامة إذا يصبح غير ذى موضوع .
غير أن الصعوبة تثور إذا كانت النيابة العامة لم تستأنف الحكم الغيابي رضاء منها بما فصل فيه بصدد الدعوى الجنائية ، فهل يجوز استئناف الحكم الصادر في المعارضة إذا قضى بالبراءة أو بتخفيف العقوبة المحكوم بها في الحكم الغيابي ؟
ذهبت بعض أحكام النقض مؤيداً بجانب من الفقه إلى جواز استئناف النيابة العامة للحكم الصادر في المعارضة حتى ولو كانت لم تستأنف من قبل الحكم الغيابي بإعتبار أن الحكم الصادر في المعارضة قائم بذاته ويجوز استئنافه دائماً .
والرأي عندنا أن الفيصل في بيان ما إذا كان للنيابة العامة استئناف الحكم الصادر في المعارضة من عدمه يتوقف على ثبوت حق النيابة العامة في استئنافه، فهذا الحق ينشأ للنيابة العامة بصدور الحكم بغير طلباتها في الحدود التي رسمها المشرع لتلك الطلبات، وعليه فإذا كان للنيابة العامة الحق في استئناف الحكم الغيابي إلا أنها إرتضت هذا الحكم فإن طلبائها عند نظر المعارضة تكون هي تأييد الحكم الغيابي فيما قضى به، وعليه فصدور الحكم في المعارضة بالتأييد يحول دون استئنافه بإعتبار أن المحكمة فقد حكمت بما طلبته النيابة، أما إذا كان الحكم في المعارضة قد صدر بالبراءة أو تخفيف العقوبة المقضي بها في الحكم فيكون للنيابة حق استئنافه بإعتبار أنه قضى بغير طلباتها .
ويلاحظ أنه يتساوى مع الحكم بتأييد الحكم الغيابي للقضاء في المعارضة بإعتبارها كأن لم تكن . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث، الصفحة : 1618 )
استئناف الأحكام الصادرة في الجنح :
يجوز - كقاعدة عامة - استئناف الأحكام الفاصلة في موضوع الدعوى الجنائية ، سواء أكانت حضورية أم غيابية، وسواء صدرت، بالإدانة أو بالبراءة. ويقبل الاستئناف من النيابة العامة والمتهم على السواء، حيث نصت المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الأولى) على أنه " يجوز لكل من المتهم والنيابة العامة أن يستأنف الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية في مواد الجنح"، أما الأحكام الصادرة في المخالفات فقد أخضعها الشارع لقواعد خاصة، ضيق بها من نطاق الاستئناف .
الدفع بجواز استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات :
نصت المادة 402 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه " أما الأحكام الصادرة منها (أي من المحكمة الجزئية) في مواد المخالفات فيجوز استئنافها من المتهم إذا حكم عليه بغير الغرامة والمصاريف من النيابة العامة إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته. وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز رفع استئناف من المتهم أو من النيابة العامة إلا لخطأ في تطبيق نصوص قانون أو تأويلها"، وقد حدد الشارع في هذا النص حالات ثلاث أجاز فيها استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات، نعرضها على التوالي :
أ- استئناف المتهم :
وصف الشارع هذه الحالة بأنها "حالة ما إذا حكم على المتهم بغير الغرامة والمصاريف"، أي أن يحكم عليه - بالإضافة إلى الغرامة – بعقوبة تكميلية ما أو بتدبير إحترازي، كما لو حكم عليه بالمصادرة أو بإغلاق مدة أو إزالة بناء أقامه أو ملصق وضعه أو ردم حفرة . ويعني ذلك أن حكم في مخالفة بالغرامة والمصاريف أياً كان مقدارهما لا يجوز للمتهم استئنافه بناء على هذه الحالة .
ولم يعد صحيحاً افتراض أن يحكم على المتهم بالحبس في المخالفات ، أو تطلب النيابة الحكم فيها بالحبس، فقد ألغيت هذه العقوبة في المخالفات : فالمادة 376 من قانون العقوبات تنص بعد تعديلها دون رقم 169لسنة 1981 - على أن "تلغي عقوبة الحبس الذي لا يزيد أقصى مدته على أسبوع في كل نص ورد في قانون العقوبات أو في أى قانون آخر، وفي هذه الأحوال تضاعف عقوبة الغرامة المقررة بكل هذه النصوص بحد أدنى مقداره عشرة جنيهات وبحد أقصى مقداره مائة جنيه".
ب- استئناف النيابة العامة :
وصف الشارع هذه الحالة بأنها "حالة ما إذا طلبت النيابة العامة الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته"، وتفترض هذه الحالة توافر شرطين : الأول، يتعلق بما طلبته النيابة، والثاني، يتعلق بما حكم به .
فيتعين أن تكون النيابة العامة قد طلبت الحكم على المتهم بغير الغرامة والمصاريف، أي طلبت الحكم عليه بالإضافة إلى الغرامة - بعقوبة تكميلية أو تدبير احترازي. أما إذا اقتصرت على طلب الحكم عليه بالغرامة والمصاريف أيا كان مقدارهما فلا يكون لها استئناف الحكم، ولو برأت المحكمة المتهم أو لم تحكم عليه بما طلبته النيابة، والمراد بطلب النيابة هو ما تطلبه صراحة في ورقة التكليف بالحضور أو شفوياً في جلسة المحاكمة، ويعني ذلك أنه يتعين أن تطلب النيابة صراحة الحكم على المتهم بعقوبة غير الغرامة والمصاريف، أي ما تطلبه النيابة في الجلسة أو ورقة التكليف بالحضور، أما مجرد طلب النيابة تطبيق نص القانون على واقعة الدعوى، فلا يحقق المعنى المقصود من عبارة الطلب كما قصده المشرع، وإذا أبدت النيابة طلبها فى الجلسة، فيتعين للاعتداد بهذا الطلب في جواز الاستئناف أن يكون المتهم حاضراً أو أن يكون قد أعلن بالجلسة وفقاً للقانون، فلا عبرة بطلب أبدته النيابة في جلسة لم يحضرها المتهم ولم يعلن بها، وإذا لم تكن النيابة قد طلبت صراحة الحكم بعقوبة معينة، وإنما اكتفت بطلب تطبيق نص القانون الخاص بالمخالفة، فإنه يتعين التفرقة بين حالتين : إذا كان هذا النص يقرر وجوباً عقوبة غير الغرامة، كما لو كان يقرر عقوبة تكميلية وجوبية، فإن النيابة تعتبر قد طلبت الحكم بهذه العقوبة، فيكون لها الاستئناف .
أما إذا كان هذا النص يقرر إلى جانب الغرامة عقوبة تكميلية جوازية، فإنها لا تعتبر بإحالتها إلى هذا النص قد طالبت بهذه العقوبة، ومن ثم لا يكون لها الاستئناف ، وإنما يتعين عليها أن تطلب صراحة توقيع هذه العقوبة .
وللنيابة حق استئناف الأحكام الصادرة في مواد الجنح من المحكمة الجزئية ومع ذلك إذا كان الحكم صادراً في إحدى الجنح المعاقب عليها بغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه فضلاً عن الرد والمصاريف فلا يجوز استئنافه إلا لمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في إجراءات أثره في الحكم .
ولها أيضاً استئنافه الأحكام الصادرة من المحكمة المذكورة في مواد مخالفات في حالتين :
1) إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته.ويجب ألا يكون طلب النيابة مجرد تطبيق نص القانون إذا كانت عقوبة تخييرية بل يتعين أن تكون قد طلبت صراحة توقيع العقوبة التي لا تقض به إلا إذا كان نص القانون يوجب الحكم فيها .
2) مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله أو وقوع بطلان في حكم أو في الإجراءات أثر في الحكم .
ويجوز للنيابة استئناف الحكم الصادر في المعارضة ولو لم تكن قد استأنفت من قبل الحكم الغيابي لأن الحكم الصادر في المعارضة قائم بذاته، إذا أنه لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تتجاوز العقوبة التي قضى بها الحكم الغيابي المعارض فيه، إلا إذا كانت النيابة قد استأنفته هو أيضاً .
ويجب على أعضاء النيابة مراقبة موظفي القلم الجنائي في أداء عملهم في شأن طعون النيابة بالاستئناف، وأن يوقعوا هذه التقارير في ذات يوم تحريرها .
وعلى رؤساء النيابة ومديري النيابات أن يراجعوا جميع الأحكام الصادرة بالبراءة لاستئناف ما يجب استئنافه .
ويجب عليهم العناية بمراجعة الأحكام التي تصدر في القضايا التي تمس الأمن العام وفي قضايا على الموظفين واستئناف ما يجب استئنافه منها .
وعلى عضو النيابة العامة الذي حضر الجلسة التي صدر فيها الحكم أن يبادر بعرض رول الجلسة على العضو المدير للنيابة عقب الجلسة ليبدي رأيه في استئناف الأحكام الصادرة فيها ويجب على العضو المدير لنيابة وحده دون بقية الأعضاء الذين معه التقرير بالاستئناف إلا في الأحوال التي يخشى فيها من فوات الوقت .
يرفق بالاستئناف المرفوع من النيابة مذكرة بأسبابه تبين فيها الأوجه التي دعت إلى استئناف الحكم ويقوم العضو الذي حضر جلسة المحاكمة بتحريرها إلا إذا كان من رأيه الموافقة على الحكم ففي هذه الحالة يحررها رافع الاستئناف ويجب ألا يتأخر الأعضاء في تحرير الأسباب حتى لا يكون ذلك سبباً في تعطيل إرسال القضايا إلى المحكمة الاستئنافية ويراعي عدم ذكر أوجه الاستئناف في التقرير بالطعن ذاته .
ويجب على رئيس النيابة الكلية العناية بمراجعة الأحكام التي ترسلها النيابات الجزئية وأن يستأنف منها بعد مطالعة القضايا ما فات النيابات الجزئية وأن أنذر بإحضار تلك النيابات فور صدور الأمر بالاستئناف لتحرير تقارير بالاستئناف وتوقيعها وأن يعيد إليها القضايا مرفقاً بها مذكرات أسباب الاستئناف لإرسالها إلى المحكمة الاستئنافية المختصة .
ولا ينبغي للنيابة استعمال حق الاستئناف إلا إذا كان هناك محل له حتى لا تكثر أعمال المحاكم الاستئنافية على غير طائل ولا يجوز استئناف أحكام البراءة إذا كان موضوع القضية عديم الأهمية وخصوصاً إذا كانت المسافة بعيدة بين محل المتهم ومركز المحكمة .
أما الشرط الثاني لجواز استئناف النيابة، فيتعلق بما تقضي به المحكمة بناءً على طلب النيابة : فإما أن تقضى بالبراءة، وكل أنواع البراءة سواء، وأما ألا تقضي بكل ما طلبته النيابة. والحالة الثانية تفترض المقارنة بين ما طلبته النيابة وما قضت به المحكمة، فإذا تبين أن بينهما فارقاً كان للنيابة استئناف الحكم. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا طلبت النيابة الحكم بالغرامة وبعقوبة تكميلية فقضت المحكمة بالغرامة فقط كان للنيابة استئناف الحكم .
وإذا طلبت النيابة تطبيق نص يقرر الغرامة دون أن تحدد مقدارها، فقضت بها المحكمة في الحدود التي يقررها هذا النص، ولو بحدها الأدنى، فلا يكون للنيابة استئناف الحكم، إذ قد قضى لها بما طلبته ولكن إذا طلبت النيابة في حالتها إلى هذا النص الحكم بالحد الأقصى للغرامة أو بمبلغ معين، فقضت محكمة بأقل من ذلك، كان للنيابة استئناف الحكم، إذ لم يقض بكل ما طلبته .
ج - استئناف الحكم من المتهم والنيابة العامة :
عندما يشوب الحكم "خطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها"، فللمتهم أن يستأنف الحكم إذا شابه هذه الخطأ ولو كان قد قضى بالغرامة والمصاريف فقط، وللنيابة أن تستأنف هذا الحكم ولو صدر مطابقاً تماماً لطلباتها .
وتعبير " الخطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها " هو ذات التعبير الذي استعمله الشارع في إشارته إلى الحالة الأولى من حالات الطعن بالنقض المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، أي الخطأ في تطبيق القانون الموضوعي، ولكن محكمة النقض وسعت من مدلول هذا التعبير، فجعلته شاملاً جميع حالات الطعن بالنقض التي نصت عليها المادة 30 من قانون حالات وإجراءات النقض، أي أضافت إلى الخطأ في تطبيق القانون الموضوعي حالتي "وقوع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم"، أي الخطأ في تطبيق القانون الإجرائي وتطبيقاً لذلك، فإنه يجوز للمتهم الذي حكم عليه، بالغرامة والمصاريف فقط أن يستأنف الحكم لأنه لم يوقع في ميعاد الثلاثين يوماً، أو لأنه لم يشر إلى نص القانون الذي طبقه، أو لأن إجراءات المحاكمة انطوت على إخلال بحقه في الدفاع، وللقول بالخطأ في تطبيق القانون يتعين النظر إلى الوقائع كما أثبتها الحكم ثم التساؤل عما إذا كان تطبيق القانون عليها قد انطوى على خطأ، وهي ذات الخطة التي تتبع عند الطعن في الحكم بالنقض .
وقد قرر الشارع بأن استئناف الحكم في هذه الحالة مخول للمتهم والنيابة العامة فقط، ومن ثم لم يكن للمدعي المدني أو المسئول المدني أن يستأنف الحكم إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً (المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية) ولو شابه خطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها .
الصفة في الاستئناف :
لا يقبل الاستئناف إلا ممن كان خصماً في الدعوى التي قامت أمام محكمة الدرجة الأولى وانتهت بالحكم المستأنف على التفصيل التالي :
1- فإذا طعن بالاستئناف شخص غير المتهم الذي صدر ضده حكم محكمة الدرجة الأولى، ولو كانت صلته به وثيقة كأبيه أو زوجته، فالاستئناف غير مقبول .
2- وإذا قرر بالاستئناف وكيل الخصم بعد زوال صفته بعزله من الوكالة أو وفاة موكله الذي كان مدعياً مدنياً أو مسئولاً مدنياً، فالاستئناف غير مقبول .
3- لا يقبل الاستئناف ممن لم يكن مدعياً مدنياً أما محكمة الدرجة الأولى، ولو كانت له صفة الشاكي حين كانت الدعوى قائمة أمام هذه المحكمة .
4- ويتصل ذلك بأصل عدم جواز الادعاء المدني لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية (المادة 251 من قانون الإجراءات الجنائية) ، الفقرة الأولى .
5- ولا يقبل استئناف المسئول المدني إلا إذا كان قد تدخل أو أدخل في الدعوى وهي قائمة أمام محكمة الدرجة الأولى فصار خصماً في الدعوى المدنية أمام هذه المحكمة، ولكن الشارع أجاز للمسئول المدني أن يتدخل من تلقاء نفسه في الدعوى الجنائية فى أية حالة كانت عليها (المادة 254 من قانون الإجراءات الجنائية)، ولا يعد هذا التدخل استئنافاً للحكم، وإنما هو تدخل مبتدأ .
المصلحة في الاستئناف :
لا يقبل الاستئناف إلا ممن له مصلحة فيه، وضابط المصلحة أن يكون حكم محكمة الدرجة الأولى قد ألحق به ضرراً أو رفض كل أو بعض طلباته، فيسعى عن طريق الاستئناف إلى رفع هذا الضرر أو إلى إقرار طلباته. فإذا انتفت المصلحة فلا يقبل الاستئناف، وتطبيقاً لذلك، فإن المتهم الذي قضى ببراءته لا يقبل استئنافه، ولو كان يعيب على أسباب الحكم سند البراءة الذي تضمنته، كما لو كانت البراءة قد استندت إلى مانع عقاب، وكان يرى وجوب استنادها إلى سبب إباحة أو إلى انتفاء أحد أركان الجريمة، وقد قالت محكمة النقض في ذلك بأنه "لا تصح مطالبة الخصم باستئناف الحكم بسبب وجود خطأ في أسبابه، متى كان الحكم قد قضى له بكل طلباته، فإن استئنافه في هذه الحالة لا يكون مقبولاً منه لعدم المصلحة "، ولا يقبل الاستئناف استناداً إلى محض مصلحة نظرية، ولا يقبل استئناف المدعي المدني الذي قضى له بكل طلباته، ولو استند إلى عدم اختصاص المحكمة التي أصدرت هذا الحكم، ولا يقبل استئناف المسئول المدني الحكم الذي رفض الدعوى المدنية، ولو كان قد أدان المتهم .
ولكن شرط المصلحة له دلالته الخاصة حين يصدر الاستئناف عن النيابة العامة، فليست مصلحتها في إدانة المتهم أو تشديد العقوبة التي حكم بها عليه، وإنما مصلحتها في التطبيق السليم للقانون، وبناء على ذلك كان لها أن تستأنف الحكم ولو صدر مطابقاً تماماً لطلباته، ولها أن تستأنف الحكم لمصلحة المتهم وحده، كما لو استأنفت حكم الإدانة مطالبة ببراءة المتهم أو بتطبيق الظروف المخففة عليه . ( الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الرابع، الصفحة : 12 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس ، الصفحة / 178
الاِسْتِئْنَافُ :
الاِسْتِئْنَافُ لاَ يُسْتَعْمَلُ إِلاَّ فِي إِعَادَةِ الْعَمَلِ أَوِ التَّصَرُّفِ مِنْ أَوَّلِهِ، كَاسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ،أَمَّا الإْعَادَةُ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي إِعَادَةِ التَّصَرُّفِ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ إِعَادَةِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، كَإِعَادَةِ غَسْلِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :
الإْعَادَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِخَلَلٍ فِي الْفِعْلِ الأْوَّلِ، أَوْ لِغَيْرِ خَلَلٍ فِيهِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 152
نَقْضُ الْقَضَاءِ :
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِنَقْضِ الْقَضَاءِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا خَالَفَ فِي حُكْمِهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا كَانَ قَضَاؤُهُ فَاقِدًا لِشَرْطٍ وَوَجَبَ نَقْضُهُ، إِذْ أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالاِجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ رضي الله عنه : «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو» وَلأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، إِذْ لاَ مَسَاغَ لِلاِجْتِهَادِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَزَادَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ زِيَادَاتٍ أُخْرَى كَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي حُكْمِ مَا يُنْقَضُ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ شَيْئًا لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَإِلَى أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمٌ أَصْلاً، غَيْرَ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ سُنَّةٍ آحَادٍ أَوْ خَالَفَ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بِخِلاَفِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ.
مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَ النَّقْضَ فِي نِطَاقِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ لِلنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَمَنَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْقَاضِي لاَ تَخْلُو عَنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
قِسْمٌ يُنْقَضُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ يُمْضَى بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِوَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الْقِسْمُ الأَْوَّلُ: مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ إِذَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِْجْمَاعَ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ: مَا يَشِذُّ مَدْرَكُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، أَوْ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَقَيَّدَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوِ الْقِيَاسَ أَوِ النَّصَّ - فَالْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَلاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيَجِبُ نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلأَْخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلاَفُ الإِْجْمَاعِ، لأََنَّ الأُْمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الأَْخَ، وَأَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأُْمَّةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّحْقِيقِ - نُقِضَ بِهِ حُكْمُهُ وَحُكْمُ غَيْرِهِ؛لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادٍ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمْلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَكَانَ لاَ يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَوَرَّثَهَا عُمَرُ».
وَقَضَى فِي الأَْصَابِعِ بِقَضَاءٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِلِ»وَنَقَضَ عَلِيٌّ رضي الله عنه قَضَاءَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لأُِمٍّ - بِأَنَّ الْمَالَ لِلأَْخِمُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ هَذِهِ الآْيَةِ. فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَتْ إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَصْلُ الإِْجْمَاعِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ ظَنًّا مُحْكَمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَيَلْزَمُهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ، فَلْيَحْكُمْ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِ الْحَادِثَةِ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا، وَلاَ يَنْقُضُ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً، بَلْ يُمْضِيهِ، ثُمَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتَتَبَّعُ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، وَلَهُ تَتَبُّعُ قَضَاءِ نَفْسِهِ لِيَنْقُضَهُ.
وَقَالَ: مَا يَنْقُضُ مِنَ الأَْحْكَامِ لَوْ كُتِبَ بِهِ إِلَيْهِ لاَ يَخْفَى أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ. وَأَمَّا مَا لاَ يَنْقُضُ وَيَرَى غَيْرَهُ أَصْوَبَ مِنْهُ فَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَطَأً، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لاَ أُحِبُّ تَنْفِيذَهُ. وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِتَجْوِيزِ تَنْفِيذِهِ.
وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ (الشَّافِعِيُّ) بِنَقْلِ الْخِلاَفِ فَقَالَ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ قَبْلَهُ فَلَمْ يَرَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي النَّقْضَ، لَكِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْرِضُ عَنْهُ، وَأَصَحُّهُمَا: يُنْفِذُهُ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ تَغَيُّرًا لاَ يَقْتَضِي النَّقْضَ، وَتَرَافَعَ الْخُصُومُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمْضِي حُكْمَهُ الأَْوَّلَ وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ.
وَيَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ مُخَالَفَةُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) فَإِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَزَوُّجِ امْرَأَةِ الأَْبِ وَجَارِيَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا الأَْبُ، فَلَوْ حَكَمَ قَاضٍ بِجَوَازِ ذَلِكَ نَقَضَهُ مَنْ رُفِعَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لِلزَّوْجِ الأَْوَّلِ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ بِدُونِ إِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْ جُلُّ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ، وَمُخَالَفَةُ
الْبَعْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ خِلاَفٌ لاَ اخْتِلاَفٌ، وَقَالُوا: يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ حُكْمًا لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ كُلُّ حُكْمٍ وَافَقَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، فَإِذَا أَصَابَ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ كَمَا إِذَا حَكَمَ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ نَافِذًا، لاَ يُتَعَقَّبُ بِفَسْخٍ وَلاَ نَقْضٍ، لأَِنَّ هَذَا الْقَضَاءَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ فَنَفَذَ، وَلَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَجُوزُ إِبْطَالُهُ، وَالأَْصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم كَانَ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ مَا قَضَى، فَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ»وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه «أَنَّهُ حَكَمَ بِحِرْمَانِ الإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ مِنَ التَّرِكَةِ فِي الْمُشْرِكَةِ، ثُمَّ شَرَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُضْ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي»، وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يَرُدَّ الأُْولَى، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلاً، لأَِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّالِثُ يُخَالِفُ الثَّانِيَ، فَلاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لَوْ قَضَى عَلَى خِلاَفِ قِيَاسٍ خَفِيٍّ - وَهُوَ مَا لاَ يُزِيلُ احْتِمَالَ الْمُفَارَقَةِ وَلاَ يَبْعُدُ كَقِيَاسِ الأُْرْزِ عَلَى الْبُرِّ فِي بَابِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الطَّعَامِ - فَلاَ يَنْقُضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفَ لَهُ، لأَِنَّ الظُّنُونَ الْمُتَعَادِلَةَ لَوْ نَقَضَ بَعْضُهَا بَعْضًا لَمَا اسْتَمَرَّ حُكْمٌ وَلَشَقَّ الأَْمْرُ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنِ اجْتَهَدَ مِنَ الْحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ خَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَمْ يَرُدَّهُ، وَحَكَمَ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ بِالَّذِي هُوَ أَصْوَبُ.
وَيُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ.
فَالْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِينِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَانَ الْقَاضِي يَرَى سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا، فَإِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لاَ يَرَى ذَلِكَ يُمْضِيهِ وَلاَ يَنْقُضْهُ. وَكَذَا لَوْ قَضَى لاِمْرَأَةٍ بِشَهَادَةِ زَوْجِهَا وَآخَرَ أَجْنَبِيٍّ، فَرُفِعَ لِمَنْ لاَ يُجِيزُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ أَمْضَاهُ، لأَِنَّ الأَْوَّلَ قَضَى بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، لأَِنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ، وَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلاَءِ هَلْ تَصِيرُ حُجَّةً لِلْحُكْمِ أَوْ لاَ؟
فَالْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ لاَ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ.
وَفَصَّلُوا مَسْأَلَةَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، فَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يَنْقُضْهُ الثَّانِي بَلْ يُنْفِذُهُ لِكَوْنِهِ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، لِمَا عُلِمَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِأَيِّ الأَْقْوَالِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَوْ نَقَضَهُ إِنَّمَا يَنْقُضُهُ بِقَوْلِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا صَحَّ بِالاِتِّفَاقِ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مَعَ الثَّانِي دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ بَلِ اجْتِهَادِيٌّ، وَصِحَّةُ قَضَاءِ الْقَاضِي الأَْوَّلِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَهُوَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِأَيِّ وَجْهٍ اتَّضَحَ لَهُ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا مَضَى بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُوجِبُ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْقَضَاءِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الاِجْتِهَادِ وَأَنْ لاَ يَجُوزَ نَقْضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ بِرَفْعِهِ إِلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الأَْوَّلِ فَيَنْقُضُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ الْمُدَّعِي إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَنْقُضُ نَقْضَهُ، وَيَقْضِي كَمَا قَضَى الأَْوَّلُ، فَيُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ تَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ وَالْمُنَازَعَةُ أَبَدًا، وَالْمُنَازَعَةُ فَسَادٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْفَسَادِ فَسَادٌ.
فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي رَدَّ الْحُكْمَ، فَرَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ - نُفِّذَ قَضَاءُ الأَْوَّلِ وَأُبْطِلَ قَضَاءُ الْقَاضِي الثَّانِي، لأَِنَّهُ لاَ مَزِيَّةَ لأَِحَدِ الاِجْتِهَادَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَْوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلاَ يُنْتَقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ كَانَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ بِالإِْجْمَاعِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ مِنَ
الثَّانِي مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ، فَيَكُونُ بَاطِلاً، وَلأَِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الاِجْتِهَادُ بِالاِجْتِهَادِ، وَالدَّعْوَى مَتَى فَصَلَتْ مَرَّةً بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لاَ تُنْتَقَضُ وَلاَ تُعَادُ، فَيَكُونُ قَضَاءُ الأَْوَّلِ صَحِيحًا، وَقَضَاءُ الثَّانِيَ بِالرَّدِّ بَاطِلاًوَشَرْطُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَدَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَإِنْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ كَانَ فَتْوَى لاَ حُكْمًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ نَفْسُهُ مُجْتَهَدًا فِيهِ، أَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّازِلَةِ مَوْضُوعِ الدَّعْوَى يَرْفَعُ الْخِلاَفَ، فَلاَ يَجُوزُ لِمُخَالِفٍ فِيهَا نَقْضُهَا، فَإِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ صِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ يَرَى ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لِقَاضٍ غَيْرِهِ وَلاَ لَهُ نَقْضُهُ، وَهَذَا فِي الْخِلاَفِ الْمُعْتَبَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ فَلاَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ، بَلْ يُمْضِيهِ وَيَحْكُمُ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي نَقْضِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ :
الأَْحْكَامُ الَّتِي يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بَيْنَ الْقَوْلِ بِنَقْضِهَا وَالْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهَا، وَأَهَمُّهَا:
أ- الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ: هُوَ مَا يَقَعُ الْخِلاَفُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الْحُكْمِ، فَقِيلَ: يَنْفُذُ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ عَلَى إِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَفَيَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَ الأَْوَّلِ إِذَا مَالَ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلاَفِ اجْتِهَادِ الأَْوَّلِ، لأَِنَّ قَضَاءَهُ لَمْ يُجَزْ بِقَوْلِ الْكُلِّ، بَلْ بِقَوْلِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَلَمْ يَكُنْ جَوَازُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَكَانَ مُحْتَمِلاً لِلنَّقْضِ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي بَطَلَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ كَمَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ لاِمْرَأَتِهِ، لأََنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا أَمْضَاهُ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ نَقْضُهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي مَحَلٍّ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ؛ لأَِنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَنْفُذُ لِوُقُوعِ الاِتِّفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَخَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ لاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - أَمَّا مُحَمَّدٌ فَيَرَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ، فَكَانَ هَذَا الْفَصْلُ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلاَ يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الاِجْتِهَادِ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لاَ يَنْفُذُ، بَلْ يَنْقُضُهُ لأَِنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلاً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ - فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ - فَحَكَمَ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ أَنَّ الصَّوَابَ خِلاَفُهُ فَلاَ يَنْقُضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ نَقْضُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلاَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلاَ يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالُوا: يُفْسَخُ الْحُكْمُ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاضِي حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَوَافَقَ قَوْلاً شَاذًّا نَقَضَ حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاذًّا لَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ لاَ يَرَى الْبَتَّةَ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً، فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَسْتُ أَرَاهُ، لاَ يَرْجِعُ الْقَاضِي عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ وَلاَ إِلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الأَْوْلَى خَطَأً بَيِّنًا صُرَاحًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْمُسْتَنِدِ إِلَى اجْتِهَادِهِ الْمُخَالِفِ خَبَرَ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي لاَ يَحْتَمِلُ إِلاَّ تَأْوِيلاً بَعِيدًا يَنْبُو الْفَهْمُ عَنْ قَبُولِهِ - يُنْقَضُ، وَقِيلَ: لاَ يُنْقَضُ، مِثَالُهُ الْقَضَاءُ بِنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ - عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ - وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِلاَ وَلِيٍّ. وَقِيلَ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِوَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، ثُمَّ بَانَ لَهُ فَسَادُ اجْتِهَادِهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلاَّ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ دُونَ الأَْوَّلِ، وَلَوْ بَانَ لَهُ فَسَادُ الاِجْتِهَادِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِهِ حَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ إِنْ بَانَ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ خَطَأُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اجْتِهَادِهِ قَبْلَ صَلاَتِهِ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، وَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَصَلَّى، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلاَةَ الثَّانِيَةَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا رَفَعَ إِلَى قَاضٍ حَكَمَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لاَ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنَفِّذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ فِي الأَْصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ صَحِيحًا، لأَِنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلاَفُ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِوَقِيلَ: يَحْرُمُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي لاَ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ قَبْلَهُ.
ب- عَدَمُ عِلْمِ الْقَاضِي بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ :
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ، أَيْ: أُلْزِمَ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، لَوْ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَالِمًا بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ، وَلاَ يُمْضِيهِ الثَّانِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ فِي الْخُلاَصَةِ: وَيُفْتَى بِخِلاَفِهِ - وَكَأَنَّهُ - تَيْسِيرًا.
وَأَضَافَ ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا قَضَى الْمُجْتَهِدُ فِي حَادِثَةٍ، لَهُ فِيهَا رَأْيٌ مُقَرَّرٌ قَبْلَ قَضَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ قَضَاءَهُ هَذَا عَلَى خِلاَفِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَحِينَئِذٍ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ رَأْيَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ قَضَائِهِ أَنَّ فِيهَا خِلاَفًا، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ بِأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي بِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلاَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ، لأَِنَّ
عِلْمَهُ بِالْخِلاَفِ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلاَ بُطْلاَنِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ.
ج- الْخَطَأُ فِي الْحُكْمِ :
يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَصَدَ الْحُكْمَ بِشَيْءٍ فَأَخْطَأَ عَمَّا قَصَدَهُ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوِ اشْتِغَالِ بَالٍ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَيَنْقُضُهُ الَّذِي أَصْدَرَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلاَ اجْتِهَادٍ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ، وَوَجْهُ النَّفَاذِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِيَقِينٍ لأَِنَّ رَأْيَهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ الصَّوَابَ، وَرَأْيُ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ خَطَأً، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَطَأً بِيَقِينٍ، فَكَانَ حَاصِلُهُ قَضَاءً فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، وَوَجْهُ عَدَمِ النَّفَاذِ أَنَّ قَضَاءَهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ عَبَثٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ. وَبِهَذَا أَخَذَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الأَْوْزَجَنْدِيُّ، وَبِالأَْوَّلِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ لأَِنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ.
د- إِذَا خَالَفَ مَا يَعْتَقِدُهُ أَوْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ :
إِذَا خَالَفَ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ مَذْهَبَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ، وَبِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُقَلِّدًا وَقَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ هُوَ حُكْمَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ، وَأَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْقَاضِي مُتَّبِعًا لإِِمَامٍ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ أَوْ قَلَّدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أَوْ أَتْقَى مِنْهُ فَحَسَنٌ، وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ خِلاَفَ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي أُمِرَ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، فَإِنْ عَمِلَ وَحَكَمَ لاَ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ الرَّأْيَ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي قَاضِيًا لِلْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْمَذْكُورِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُقَلِّدَ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ جَدَّتْ أُخْرَى مُمَاثِلَةً فَإِنَّ حُكْمَهُ لاَ يَتَعَدَّى لِلدَّعْوَى الأُْخْرَى، فَالْمُجْتَهِدُ يَجْتَهِدُ فِي النَّازِلَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالْمُقَلِّدُ يَحْكُمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً مِنْ رَاجِحِ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِضِدِّهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِفَسْخِ نِكَاحِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلاَ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَجَدَّدَ مِثْلُهَا، فَنَظَرَهَا قَاضٍ يَرَى صِحَّةَ الزَّوَاجِ بِدُونِ وَلِيٍّ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ارْتَفَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ نَقْضُهُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْقَضِيَّةِ الأُْولَى هِيَ ذَاتَ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِذَا خَالَفَ الْقَاضِي مَا يَعْتَقِدُهُ: بِأَنْ حَكَمَ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لاِعْتِقَادِهِ بُطْلاَنَهُ، فَإِنِ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَقْتَ الْحُكْمِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلاَ نَصَّ وَلاَ إِجْمَاعَ لَمْ يَنْقُضْهُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ.
هـ - صُدُورُ الْحُكْمِ مِنْ قَاضٍ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ:
إِذَا وَلِيَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لِجَهْلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، مَا أَصَابَ فِيهَا وَمَا أَخْطَأَ، أَمْ يَقْتَصِرُ النَّقْضُ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي يَشُوبُهَا الْخَطَأُ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا تُنْقَضُ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا، لأَِنَّهَا صَدَرَتْ مِمَّنْ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، لَكِنَّ صَاحِبَ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَلاَّهُ ذُو شَوْكَةٍ بِحَيْثُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ مَعَ الْجَهْلِ، أَوْ نَحْوِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مَا أَصَابَ فِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ أَمْ لاَ يَسُوغُ، لأَِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ كَعَدَمِهِ، لأَِنَّ شَرْطَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّ الأَْوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ. وَلاَ يُنْقَضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالْحَقُّ إِذَا وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَمْ يُغَيَّرْ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ مَضَى قَطْعًا وَلَمْ يُتَعَقَّبْ حُكْمُهُ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلاَّ مَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ هَذَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ زَمَنٍ وَلاَ يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِخِلاَفِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَأَعْطَى بِذَلِكَ حُجَّةً لاَ يُنَفَّذُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَلاَ يُعْمَلُ بِالْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ»أَيْ قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِخِلاَفِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَكَذَا قَاضٍ قَضَى عَلَى جَهْلٍ.
و- صُدُورُ حُكْمٍ مِنْ قَاضٍ جَائِرٍ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا الْقَاضِي إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجَوْرِ وَكَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ وَسِيرَتِهِ - عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلاً، ظَهَرَ جَوْرُهُ أَوْ خَفِيَ - هَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا جَانَبَ الصَّوَابَ وَمَا وَافَقَهُ، أَمْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْخَاطِئَةُ دُونَ غَيْرِهَا؟
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمَا - إِلَى وُجُوبِ نَقْضِ أَحْكَامِهِ كُلِّهَا، صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ حَيْفُهُ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا ظَهَرَ الصَّوَابُ وَالْعَدْلُ فِي قَضَائِهِ، وَكَانَ بَاطِنُ أَمْرِهِ فِيهِ جَوْرٌ، وَلَكِنْ عُرِفَ مِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّ حُكْمَهُ فِيهَا صَوَابٌ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ عَرَفَ الْقَضَايَا،فَإِنَّ أَحْكَامَهُ تَمْضِي وَلاَ تُنْقَضُ، لأَِنَّهَا إِذَا نُقِضَتْ وَقَدْ مَاتَتِ الْبَيِّنَةُ وَانْقَطَعَتِ الْحُجَّةُ كَانَ ذَلِكَ إِبْطَالاً لِلْحَقِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنَّ أَقْضِيَةَ الْخُلَفَاءِ وَالأُْمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ جَائِزَةٌ مَا عُدِلَ فِيهِ مِنْهَا، وَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ جَوْرٌ أَوِ اسْتُرِيبَ، مَا لَمْ يُعْرَفِ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَاضِي غَيْرِ الْعَدْلِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّلُ : تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي : عَدَمُ نَقْضِهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، مَا لَمْ يَثْبُتِ الْجَوْرُ، وَفِي التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ ضَرَرٌ لِلنَّاسِ وَوَهَنٌ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَعْدَاءٍ يَرْمُونَهُ بِالْجَوْرِ يُرِيدُونَ الاِنْتِقَامَ مِنْهُ بِنَقْضِ أَحْكَامِهِ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ تَمْكِينِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ : رَأْيُ أَصْبَغَ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عَدَلَ فِيهِ وَلَمْ يُسْتَرَبْ فِيهِ، وَيُنْقَضْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْجَوْرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُ مَنْ شَاعَ
جَوْرُهُ إِذَا أَثْبَتَ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاضِي تَعَمَّدَ الْجَوْرَ فِيمَا قَضَى وَأَقَرَّ بِهِ فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَيُعَزَّرُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ لاِرْتِكَابِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَيُعْزَلُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ جَوْرُهُ وَرِشْوَتُهُ رُدَّتْ قَضَايَاهُ وَشَهَادَتُهُ.
ز- الْحُكْمُ الْمَشُوبُ بِالْبُطْلاَنِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ أَوْ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ مَنْ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ : يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ - نَقْضَ الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ بَاطِلاً لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ، فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ شَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي : يَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ لَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَسِيرُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ تَظْهَرُ مِنْهُ تُهْمَةٌ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ هُوَ اعْتِرَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لاِبْنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهَا.
وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ إِذَا أَثْبَتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ عَدَاوَةٍ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الْقَاضِي، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ أَحَدِ وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ بِخِلاَفِ شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ.
ح- الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ فِيهَا خَلَلٌ :
إِذَا كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ بَيِّنَةً لاَ شِيَةَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ، وَإِنِ اعْتَوَرَ الْبَيِّنَةَ مَا يَعِيبُهَا، نُظِرَ: هَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ أَمْ لاَ؟ وَقَدْ فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ أَوْ صَغِيرَيْنِ :
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ إِذَا بُنِيَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَهَرَ كَوْنُهُمَا كَافِرَيْنِ، أَوْ صَغِيرَيْنِ فِيمَا عَدَا الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بَيْنَ الصِّغَارِ بِشُرُوطِهَا - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا .
فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا قَبْلَ الْحُكْمِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ لِفِسْقِهِمَا.
وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ لَكِنَّهُ إِذَا قَضَى بِمُوجِبِهِمَا لاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِلاَّ فِيمَا ذُكِرَ.
وَيَرَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ الْحُكْمِ بِفِسْقِ الشُّهُودِ إِلاَّ بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمَا، أَوْ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِوَيَرَى ابْنُ قُدَامَةَ وَأَبُو الْوَفَاءِ أَنَّهُ إِذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْقُضْهُ.
تَقْصِيرُ الْقَاضِي فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ :
إِذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَصَّرَ فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ وَأَتَى بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ بِمَا يَجْرَحُهُمْ كَالْفِسْقِ، فَفِي نَقْضِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ، وَبِالنَّقْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِعَدَمِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ.
الْجِهَةُ الَّتِي تَنْقُضُ الْحُكْمَ :
فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا نَقْضُ الْحُكْمِ: إِمَّا أَنْ يَنْقُضَهُ الْقَاضِي الَّذِي أَصْدَرَهُ أَوْ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُوَلَّى الْقَضَاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ سَلَفِهِ، أَوْ كَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَدَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ، أَصْدَرَهُ مَنْ تَلْحَقُهُ الشُّبْهَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ :
الأَْصْلُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ فَلَيْسَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نَقْضُ حُكْمِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ نَصُّوا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَهِمَ فِي قَضَائِهِ أَوْ نَسِيَ أَوْ قَضَى بِخِلاَفِ رَأْيِهِ - وَهُوَ لاَ يَذْكُرُ - وَلَكِنْ عَلَى مَا قَضَى بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً، فَيَنْقُضُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَقُولُ بِمُضِيِّ هَذَا الْفَصْلِ وَلاَ يُرْجَعُ فِيهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ لاَ يُعْرَفُ خَطَؤُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ كَمُخَالَفَتِهِ لِرَأْيِهِ السَّابِقِ فَلاَ يَنْقُضُهُ سِوَاهُ، مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، فَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
ب- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ :
لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَتَبُّعُ قَضَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ لأَِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا، لَكِنْ إِنْ وَجَدَ فِيهَا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً نَقَضَهَا، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ أَوْ يَنْقُضُ الْحُكْمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ج- نَقْضُ الأَْمِيرِ وَالْفُقَهَاءِ حُكْمَ الْقَاضِي :
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ جَمْعُ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، فَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِذَا اشْتُكِيَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الأَْمِيرِ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلاً فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ فَأَرَى أَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ الأَْمِيرُ فِي ذَلِكَ وَلاَ يَقْبَلَ شَكْوَى مَنْ شَكَاهُ وَلاَ يُجْلِسَ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ إِنْ فَعَلَهُ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ إِنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلاً بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَلِّ غَيْرَهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوا هُمْ أَيْضًا، أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَفَسَخَهُ الأَْمِيرُ أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إِلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ، فَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الأَْوَّلِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الأَْئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْقَاضِي بَعْضَ مَا لاَ يَنْبَغِي مِنَ الْقُضَاةِ وَلَكِنَّ الأَْمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَى الأَْمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِلْ مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشِيرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَلَ بَعْدُ فِي الْخُصُومَةِ فَصْلاً، فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا قَالَ: قَدْ حَكَمْتُ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ عَنِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا فَتَلْزَمُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَزَلَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الأَْمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَحَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْجَمَاعَةِ فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلاَحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْ عَلَيْهِ شَكْوَى وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلاَ يَفْعَلُ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ إِلاَّ أَنْ يُشْتَكَى مِنْهُ اسْتِبْدَادٌ بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكُ رَأْيِ مَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتِ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقْدَمَهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَزَلَهُ.
قَالَ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ وَكَتَبَ إِلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ كَتَبَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالأُْمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمُ بِأَفْضَلِ مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالَّذِي يَرَاهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لاَزِمًا لِمَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلاَفِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ الآْنَ عَلَى مِثْلِ مَا اشْتُكِيَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إِلَى الأَْمِيرِ فَيَكُونُ هُوَ الآْمِرَ بِالَّذِي يَرَاهُ وَالْحَاكِمَ فِيهِ دُونَهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالَ فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ وَرَدَ بِنَصِّهِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ.
طَلَبُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ نَقْضَ الْحُكْمِ :
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ النَّقْضَ إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - كَالطَّلاَقِ- نَقَضَهُ الْقَاضِي بِدُونِ طَلَبٍ، هَذَا فِيمَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَمَا لاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ الضَّمَانُ.
وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُهُ إِلاَّ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ حَتَّى وَإِنْ عَلِمَا بِذَلِكَ، لأَِنَّهُمَا قَدْ يَتَوَهَّمَانِ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَْصْحَابِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلاَفًا لاِبْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي قَالَ: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْهِ نَقَضَ الْحُكْمَ.
صِيغَةُ النَّقْضِ :
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ صِيغَةَ النَّقْضِ هِيَ: نَقَضْتُهُ، أَوْ فَسَخْتُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهُ، وَلَوْ قَالَ: بَاطِلٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَقْضًا؛ إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ.
تَسْبِيبُ حُكْمِ النَّقْضِ :
إِذَا نَقَضَ الْقَاضِي الْحُكْمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي نَقَضَ الْحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُنْسَبَ لِلْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالنَّقْضِ الْجَوْرُ وَالْهَوَى بِنَقْضِهِ الأَْحْكَامَ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الْقُضَاةُ.
تَسْجِيلُ حُكْمِ النَّقْضِ :
يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَجِّلَ النَّقْضَ كَمَا يُسَجِّلُ الْحُكْمَ؛ لِيَكُونَ تَسْجِيلُ الثَّانِي مُبْطِلاً لِلأَْوَّلِ كَمَا صَارَ الثَّانِي نَاقِضًا لِلْحُكْمِ الأَْوَّلِ .