الباب الثانى الطعن فى المواد الجزئية
الباب الثانى
الطعن فى المواد الجزئية
لكل من النيابة، والمحكوم عليه والمسئول عن الحقوق المدنية والمدعي بها الطعن بالنقض في الحكم النهائي الصادر من آخر درجة في مواد الجنايات والجنح، وذلك في الأحوال الآتية :
1- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله .
2- إذا وقع بطلان في الحكم .
3- إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم .
ويستثنى من ذلك الأحكام الصادرة في الجنح المعاقب عليها بالغرامة التي لاتجاوز عشرين ألف جنيه، كما لا يجوز الطعن فيما يتعلق بالدعوى المدنية إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تجاوز نصاب الطعن بالنقض المنصوص عليها في المرافعات المدنية والتجارية .
ولا يجوز الطعن من أي من الخصوم في الدعويين الجنائية والمدنية ،إلا فيما يتعلق بحقوقه ، ومع ذلك فللنائب العام الطعن لمصلحة المتهم .
والأصل اعتبار أن الإجراءات قد روعيت أثناء نظر الدعوى، ومع هذا فلصاحب الشأن أن يثبت بكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت ما لم تكن مذكورة في محضر الجلسة أو في الحكم فإذا ذكر في أحدهما أنها أتبعت فلا يجوز إثبات عدم إتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير.
المذكرة الإيضاحية للمادة 420 الملغاة من قانون الإجراءات الجنائية المقابلة للمادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض
بينت أحكام الطعن بطريق النقض فى المواد 449 : 468 ( أصبحت المواد 420 : 439 من القانون ) وقد ضمت كثيراً من المبادىء التى استقر عليها قضاء محكمة النقض والإبرام - ومن أهم ما استحدث اجازة الطعن فى الأحكام الصادرة فى مواد المخالفات فلم يقصر الطعن على أحكام الدرجة الصادرة فى مواد المخالفات فلم يقصر الطعن عن أحكام أخر درجة الصادرة فى مواد الجنايات والجنح كما تقضى به المادة 229 الحالية بل أطلق النص فى المادة 449 ( أصبحت المادة 420 من القانون ) وأجيز الطعن بطريق النقض فى أحكام أخر درجة بصفة عامة واجازة النقض فى المخالفات تكملة لا غنى عنها لما اتسع من عدم اجازة الإستئناف لخطأ فى تطبيق القانون والمحكمة فى التوسع واضحة فهناك كثير من المخالفات لها أهمية خاصة وتثير اشكالات يدور فيها البحث القانونى كمخالفات التنظيم والمحلات الخطرة والمضرة بالصحة وهذا المبدأ مقرر فى كثير من القوانين كالقانون الفرنسى والبلجيكى وقانون تحقيق الجنايات المختلط .
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونيتد للإصدارات القانونية
مادة 1280 – يكون الطعن بالنقض في الأحكام النهائية الصادرة من محكمة آخر درجة في الجنايات والجنح وهي الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا في جناية أو جنحة من المحكمة الاستئنافية في جنحة وكذلك من الدائرة الاستئنافية المختصة بنظر الطعون بالاستئناف في أحكام محكمة أمن الدولة الجزئية، ويحصل الطعن بتقرير في قلم كتاب المحكمة التي أصدرت الحكم أو في السجن أو برئاسة القوات المسلحة على النحو المبين بالأحكام العامة في هذا الباب .
ويجوز أن تكون المخالفة محلاً للطعن بالنقض إذا كانت مرتبطة بجنحة ارتباطاً لا يقبل التجزئة بشرط أن يرفع الطعن عنها وعن الجنحة معاً .
كما يجوز الطعن بالنقض في الأحكام التي تصدر في جنح الجلسات ولو من محكمة مدنية أو تجارية .
مادة 1281 – للنيابة والمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها، كل فيما يخصه الطعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الجنايات أو من محكمة أمن الدولة العليا في غيبة المتهم بجناية فور صدور الحكم المذكور لأنه غير قابل للمعارضة بل يسقط من تلقاء نفسه عند حضور المتهم أو القبض عليه ويجوز للنيابة الطعن في الحكم الصادر في الدعوى المدنية إذا كانت هي التي أقامتها على المسئولين عن الحقوق المدنية للحكم عليهم بالمصاريف المستحقة للحكومة .
مادة 1287 – يجب على النيابة إذا أرادت الطعن بطريق النقض في حكم غيابي أن تنتظر فوات ميعاد المعارضة أو الفصل فيها .
ويجب عند الاقتضاء المبادرة بالطعن في الميعاد القانوني في الحكم الغيابي الصادر في جنحة وذلك في الحالات الآتية :
1. إذا كان قد قضى بعدم جواز استئناف النيابة .
2. إذا أقام المتهم استئنافاً عن حكم لا يجوز استئنافه وقبلته المحكمة الاستئنافية وقضت بتخفيف العقوبة لصالحه .
3. إذا كان قد قضي في موضوع الدعوى بالبراءة .
4. إذا كان قد قضى بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى لانتفاء الولاية على الرغم من الاختصاص بها .
مادة 1288 – إذا صدر الحكم في الاستئناف حضورياً بالنسبة إلى متهم وغيابياً بالنسبة إلى متهم آخر فيجب المبادرة إلى الطعن بطريق النقض بالنسبة إلى المتهم المحكوم عليه حضورياً دون انتظار صيرورة الحكم نهائياً بالنسبة إلى المتهم المحكوم عليه غيابياً .
مادة 1289 – لا يجوز الطعن بطريق النقض إلا في الأحوال المبينة بالمادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 المعدل بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض وهذه الأحوال هي :
1. إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو تأويله .
2. إذا وقع بطلان في الحكم .
3. إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم .
وللنيابة الطعن بالنقض في هذه الحالات حتى ولو كان ذلك في صالح المتهم .
وعلى المحامي العام مراجعة القضايا للتحقق من سلامة المحاكمة وصحة الحكم قانوناً بالنسبة إلى المتهم – أسوة بما تفعله النيابة إذا أرادت الطعن بطريق النقض لمصلحة المتهم .
مادة 1291 – إذا كان الطعن بطريق النقض للمرة الأولى وكان مبنياً على خطأ في تطبيق القانون أو تأويله أو خطأ في ذكر نصوصه فيراعي مع طلب النقض طلب التصحيح إلا إذا كانت المحكمة لم تبين الواقعة بياناً كافياً واقتصرت على مناقشة القانون فيطلب النقض والإحالة .
أما إذا الطعن مبنياً على بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم فيطلب النقض والإحالة، ما لم ينتف الداعي إليها بصدور قانون لاحق يجعل الفعل غير معاقب عليه .
مادة 1292 – لا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الصادر من القضاء العادي بعدم اختصاصه بنظر الدعوى استناداً منه إلى أن القضاء العسكري هو المختص بنظرها لأن هذا الحكم غير منه للخصومة .
مادة 1297 – لا يجوز للنيابة أن تنزل عن طعن رفعته.
1- لما كانت المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 المستبدل بالقانون رقم 74 لسنة 2007 قد قصرت الطعن على الأحكام النهائية الصادرة في مواد الجنايات والجنح دون المخالفات إلَّا ما كان فيها مرتبطاً بها ، وكان البيّن من الأوراق أن النيابة العامة أقامت الدعوى الجنائية ضد الطاعن بوصف أنه قام بتشغيل مصعد دون الحصول على ترخيص بذلك وهى الجريمة المعاقب عليها بنص المادة 108 من القانون رقم 119 لسنة 2008 بشأن البناء الموحد بعقوبة غرامة يومية مائة جنيه تتعدد بعدد أيام المخالفة ، فضلاً عن إيقاف تشغيل المصعد بالطريق الإداري حتى إزالة أسباب المخالفة ، مما يدخلها في عداد المخالفات طبقاً لنص المادة 12 من قانون العقوبات بعد تعديلها بالقانون رقم 169 لسنة 1981 ، ولا يغير من ذلك ما نص عليه الشارع من توقيع عقوبة الغرامة عن كل يوم تتعدد فيه المخالفة ، إذ لا يعدو أن يكون استثناءً من مبدأ وحدة الواقعة في الجرائم المستمرة اعتبر فيه الشارع كل يوم تتعدد فيه المخالفة واقعة قائمة بذاتها يعاقب عليها بغرامة مائة جنيه ، ومن ثم فإنه مهما تعددت أيام المخالفة وارتفع تبعاً لتعددها إجمالي مبلغ الغرامة المقضي بها ، فإن ذلك لا يغير من نوع الجريمة باعتبارها مخالفة ، لا يجوز الطعن في الحكم الصادر فيها بطريق النقض ، مما يتعين معه عدم قبول الطعن ، ولا يغير من هذا النظر إغفال التوقيع على مذكرة الأسباب في أصلها أو صورها حتى فوات مواعيد الطعن أو أن الدعوى الجنائية قد انقضت بمضي المدة لمرور أكثر من سنة على تاريخ الجلسة التي نظر فيها والطعن ، إذ إن عدم جوازه يحول دون النظر في ذلك ؛ لما هو مقرر من أن المناط في بحث هذا الأمر هو اتصال الطعن بمحكمة النقض اتصالاً صحيحاً يبيح لها أن تتصدى لبحثه وإبداء حكمها فيه .
( الطعن رقم 32587 لسنة 4 ق - جلسة 27 / 7 / 2015 )
2- المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه لا يجوز أن يختصم في الطعن - بطريق النقض – إلا من كان خصماً في النزاع الذى فصل فيه الحكم المطعون فيه ، وأن الخصم الذى لم يقض له أو عليه بشيء ولم توجه إليه طلبات في الدعوى ، لا يكون خصماً حقيقياً في الدعوى ولا يقبل اختصامه في الطعن . لما كان ذلك ، وكان الثابت في الأوراق أن المطعون ضدهم من الثاني حتى الأخير ليسوا خصوماً حقيقيين في النزاع الذى فصل فيه الحكم المطعون فيه ، ومن ثم يضحى اختصامهم في الطعن بالنقض غير مقبول .
( الطعن رقم 4838 لسنة 89 ق - جلسة 23 / 2 / 2020 )
3ـ لما كانت المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 لا تجيز الطعن إلا فى الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة فى مواد الجنايات والجنح، وكانت المادة 32- من ذات القانون - تنص على أنه لا يقبل الطعن بطريق النقض فى الحكم مادام الطعن فيه بطريق المعارضة جائزاً ولما كان الثابت من مذكرة نيابة النقض الجنائي المرفقة ، أن الحكم المطعون فيه لم يُعلن للطاعن حتى يوم التقرير بالطعن وإيداع الأسباب ، وكان الإعلان هو الذى يبدأ به سريان الميعاد المحدد فى القانون للطعن فى الحكم بالمعارضة - على ما سلف القول - فإن باب المعارضة فى هذا الحكم لما يزل مفتوحاً - وقت الطعن فيه بطريق النقض - ويكون الطعن عليه بطريق النقض غير جائز ويتعين مع الحكم بإلغاء الحكم المعروض القضاء بعدم جواز الطعن .
( الطعن رقم 4 لسنة 2010 ق هيئة عامة - جلسة 2012/03/19 - س 55 ص 27 )
4ـ لما كانت المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض قد أجازت للمسئول عن الحقوق المدنية فيما يتعلق بالحقوق المدنية أمام محكمة النقض فى الأحكام النهائية الصادرة من أخر درجة فى مواد الجنايات والجنح فى الأحوال المنصوص عليها فيها، فإن مناط الحق فى ذلك الطعن هو أن يكون الطاعن طرفاً فى الحكم النهائى الصادر من محكمة أخر درجة وأن يكون هذا الحكم قد أضر به،فإذا تخلف هذا الشرط فأنه طعنه فى الحكم الصادر منها بطريق النقض يكون غير جائز لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن شركة مياه الشرب بكفر الشيخ المسئولة عن الحقوق المدنية لم تستأنف الحكم الابتدائى وإما استأنفه المتهم وحده،ولم تختصم هى فى الاستئناف ومن ثم يتعين القضاء بعدم جواز الطعن من المسئولة عن الحقوق المدنية .
( الطعن رقم 17296 لسنة 59 ق - جلسة 1993/04/29 - س 44 ع 1 ص 425 ق 59 )
5ـ من المقرر أنه إذا فوتت النيابة العامة على نفسها حق استئناف حكم محكمة أول درجة، فأن هذا الحكم يحوز قوة الأمر المقضى وينغلق أمامها طريق الطعن بالنقض، إلا أن ذلك مشروط بأن يكون الحكم الصادر بناء على استئناف المتهم قد جاء مؤيدا لحكم محكمة أول درجة فيصدق القول بأن الحكمين الابتدائى والاستئنافى قد أندمجا وكونا قضاءا واحدا، أما إذا الغى الحكم الابتدائى فى الاستئناف أو عدل، فأن الحكم الصادر فى الاستئناف يكون قضاءا جديدا منفصلا تماما عن قضاء محكمة أول درجة ويصح قانوناً أن يكون محلا للطعن بالنقض من جانب النيابة مع مراعاة إلا ينبنى على طعنها-ما دامت لم تستأنف حكم محكمة أول درجة تسوئ مركز المتهم لما كان ذلك، وكانت النيابة العامة-الطاعنة-وأن ارتضت الحكم الصادر من محكمة أول درجة بتغريم المطعون ضده خمسمائة جنيه والمصادرة عن التهمة المسندة إليه بعدم استئنافها له إلا أنه لما كانت المحكمة الاستئنافية قد قضت-فى الاستئناف المرفوع من المطعون ضده-بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بتغريم المتهم مائة جنيه وتأييده فيما عدا ذلك، فقد عدل هذا الحكم الذى ارتضته النيابة وبالتالى يكون طعنها فيه بطريق النقض جائزاً ويكون الطعن قد استوفى الشكل المقرر فى القانون .
( الطعن رقم 17708 لسنة 59 ق - جلسة 1993/02/16 - س 44 ع 1 ص 193 ق 23 )
6ـ من المقرر أن الأصل فى اختصاص الدوائر الجنائية لمحكمة النقض على التحديد الوارد فى المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض ، أنه مقصور على الأحكام النهائية الصادرة من محكمة آخر درجة فى مواد الجنايات والجنح . لما كان ذلك ، وكان البيِّن من استقراء نصوص قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 وتعديلاته أنه قد حدد على سبيل الحصر القرارات التي يجوز الطعن فيها أمام الدوائر الجنائية بمحكمة النقض - باختصاص استثنائي - وليس من بينها القرارات الصادرة بإعلان نتيجة انتخابات النقابات الفرعية للمحامين ، كما أورد نصاً خاصاً يحكم هذه الحالة الماثلة ، وأفرد الاختصاص بشأنها لمجلس النقابة العامة للمحامين ، وحدد الإجراءات التي يرفع بها الطعن ، فإن طعن الطاعن أمام هذه المحكمة - محكمة النقض - فى قرار فوز ..... بمقعد محكمة ..... الجزئية بالنقابة الفرعية للمحامين ب ...... يكون غير جائز ويتعين القضاء بعدم جواز الطعن .
( الطعن رقم 1519 لسنة 82 ق - جلسة 2013/01/12 )
7ـ إن الطعن بطريق النقض، وفقا للمادتين 30، 31 من لقانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، لا يجوز إلا بعد أن يكون قد صدر فى موضوع الدعوى حكم منه للخصومة أو مانعا من السير فى الدعوى، وكان الحكم المطعون فيه لم يفصل فى موضوع الدعوى المدنية، كما أنه لا يعد مانعا من السير فيها، فإن طعن المدعي بالحقوق المدنية فيه بطريق النقض يكون غير جائز. الأمر الذي يكون معه الطعن قد أفصح عن عدم قبوله موضوعاً ويتعين التقرير بذلك مع مصادرة الكفالة عملاً بالمادة 36 من القانون رقم 57 لسنة 1959 المشار إليه .
( الطعن رقم 13106 لسنة 60 ق - جلسة 1999/06/07 - س 50 ص 376 ق 88 )
8ـ لما كانت المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن امام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 إذ نصت على ان لكل من النيابة العامة والمحكوم عليه والمسئول عن الحقوق المدنية والمدعى بها ، الطعن امام محكمة النقض فى الاحكام النهائية الصادرة من اخر درجة فى مواد الجنايات والجنح ، وذلك فى الاحوال الاتيه (1) ............(2).............(3)........... قد قصرت حق الطعن بالنقض على الاحكام النهائية الصادرة من اخر درجة فى مواد الجنايات والجنح مما مفاده ان الاصل عدم جواز الطعن بطريق النقض ،و وهو طريق استثنائى الا فى الاحكام الصادرة فى الموضوع والتى تنتهى بها الدعوى ، اما القرارات والاوامر المتعلقة بالتحقيق او بالاحالة أياً كان نوعها فانه لا يجوز الطعن فيها بالنقض .
( الطعن رقم 13103 لسنة 60 ق - جلسة 1997/12/09 - س 48 ع 1 ص 1387 ق 211 )
9ـ لما كان المدعى بالحقوق المدنية قد قرر بالطعن بطريق النقض فى قرار المحكمة الصادر بوقف الدعوى لحين الفصل فى الطعن بعدم الدستورية . وكانت المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 قد قصرت الطعن بالنقض على الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة فى مواد الجنايات والجنح مما مفاده أن الأصل هو عدم جواز الطعن بطريق النقض - وهو طريق استثنائى - إلا فى الأحكام الصادرة فى الموضوع والتى تنتهى بها الدعوى ، أما القرارات والأوامر - أياً كان نوعها - فإنه لايجوز الطعن فيها بالنقض إلا بنص خاص . لما كان ذلك ،وكان قرار المحكمة بوقف الدعوى لحين الفصل فى الطعن بعدم الدستورية ما هو إلا إجراء سابق على صدور الحكم ولكنه ليس حكماً تنتهى به الدعوى مما يفصح عن أن الطعن فيه بطريق النقض غير جائز .
( الطعن رقم 439 لسنة 61 ق - جلسة 1997/11/25 - س 48 ع 1 ص 1310 ق 198 )
10ـ لما كان الحكم المطعون فيه عند بيانه لواقعة الدعوى وأدلة الثبوت فيها قال " أن النيابة العامة أسندت إلى المتهم ..... أنه أحرز بقصد الاتجار جوهراً مخدراً ( هيروين ) فى غير الأحوال المصرح بها قانوناً ..... وذلك ارتكاناً إلى ما شهد به الملازم أول ... الضابط بقسم شرطة ... وما شهد به النقيب ... ضابط مباحث قسم شرطة ... وما أسفر عنه بحث المعمل الكيماوى بمصلحة الطب الشرعى بشأن المادة المضبوطة ، فقد شهد الشاهد الأول بأنه أثناء مروره والشاهد الثانى لتفقد حالة الأمن بدائرة قسم شرطة ..... مترجلين شاهدا المتهم يسير فى وقت متأخر من الليل فتوجها إليه للتحقق من شخصيته وما أن شاهدهما المتهم حتى ألقى بكيس من أكياس المناديل وفر هارباً فتتبعا ذلك الكيس حتى استقر على الأرض وقام الشاهد المذكور بالتقاطه وبفضه تبين أن بداخله خمس لفافات صغيرة الحجم من الورق الأبيض المسطر بكل مادة الهيروين المخدر وأضاف الشاهد أنه والشاهد الثانى تتبعا المتهم وضبطاه حتى قام الشاهد بتفتيشه بعد أن تحفظ عليه الشاهد الثانى فعثر على مبلغ نقدى قدره مائة وثمانية جنيهات وقد شهد الشاهد الثانى بمضمون شهادة شاهد الواقعة الأول وقد أسفر بحث المعمل الكيماوى أن المادة المضبوطة هى مادة الهيروين المخدر .... وإذ الثابت للمحكمة من شهادة شاهدى الواقعة أن أياً منهما لم يتبين كنه المادة المخدرة محل الضبط وهى بداخل كيس المناديل الذى ألقى به المتهم حال مشاهدته لهما وحسبما صورا بالأوراق بأية حاسه من الحواس كما أن المظاهر الخارجية التى تبنئ بوقوع جريمة تسوغ لمأمور الضبط القاء القبض على المتهم وتفتيشه افتقدتها أوراق الدعوى حيث لم يقم دليلاً عليها ومن ثم بات الدليل المستمد من ذلك القبض الباطل باطلاً وباتت الدعوى بهذه المثابه خالية من دليل سيما وقد أنكر المتهم التهمة المسندة إليه بتحقيقات النيابة العامة واعتصم بالإنكار بجلسة المحاكمة وباتت الدعوى بهذه المثابة خالية من الدليل " . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يكفى لقيام حالة التلبس أن تكون هناك مظاهر خارجية تنبئ بذاتها عن وقوع الجريمة والتحقق من ذلك يكون بأى حاسة من الحواس متى كان هذا التحقق بطريقة يقينية لا تحمل شكاً , ويستوى فى ذلك أن يكون المخدر ظاهراً أو غير ظاهر . لما كان ذلك ، وكانت صورة الواقعة حسبما أوردها الحكم فى مدوناته أن ضبط المخدر الذى كان فى حيازة الطاعن قد تم عقب تخليه اختيارياً عن الكيس الذى كان بداخله اللفافات التى تحتوى عليه والتقاط الشاهد الأول له وإذ تبين له والشاهد الآخر أن بداخلها مخدر الهيروين تتبعا المتهم وضبطاه وما أثبته الحكم على هذا النحو يوفر حالة التلبس بجريمة إحراز مخدر بوجود مظاهر خارجية تبنئ بذاتها عن وقوع الجريمة مما يسوغ قانوناً القبض على الطاعن , وإذ خالف الحكم المطعون فيه النظر السابق وأبطل الدليل المستمد من ضبط المخدر حال التلبس بإحرازه وقضى بالبراءة على سند من القول بانتفاء حالة التلبس تأسيساً على أنه لم يثبت من شهادة الشاهدين أن أياً منهما قد تبين كنه المخدر المضبوط وهو بداخل الكيس الذى القاه الطاعن - على خلاف ما أورده فيما سلف - فإنه يكون قد خالف الثابت فى الأوراق وانطوى على فساد فى الاستدلال مما يعيبه ويوجب نقضه والإحالة .
( الطعن رقم 5843 لسنة 66 ق - جلسة 2005/11/17 )
11ـ متى كان الواضح من الحكم المطعون فيه أن المحكمة قضت ببراءة المطعون ضدهما لتشككها فى صحة الواقعة، فإنه لا جدوى للنيابة العامة من النعي على الحكم المطعون فيه أنه لم يرد على ما أثارته فى أسباب استئنافها لحكم البراءة الصادر من محكمة أول درجة من أن الواقعة تنطوي على جريمة أخرى هي الشروع فى النصب، ما دامت البراءة قد قامت على أساس عدم ثبوت الواقعة فى حق المطعون ضدهما .
( الطعن رقم 223 لسنة 45 ق - جلسة 1975/03/30 - س 26 ص 289 ق 67 )
12ـ من المقرر بنص المادة (30) من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959 المستبدلة بالقانون 74 لسنة 2007 أنها لا تجيز الطعن فى الأحكام الصادرة فى مواد الجنح المعاقب عليها بالغرامة التى لا تجاوز عشرين ألف جنيه ،وكانت الجريمة التى دين بها الطاعن السب المعاقب عليها بالمادتين 171/ 3-4 ، 306 من قانون العقوبات تعاقب بالغرامة التى لا تزيد على عشرة آلاف جنيه ، فيكون الطعن مفصحاً عن عدم جوازه وهو ما يتعين التقرير به مع مصادرة الكفالة وتغريم الطاعنة مبلغاً مساوياً لمبلغ الكفالة عملاً بنص المادة 36 من القانون رقم 57 لسنة 1959 المارِّ ذكره وألزمتها المصاريف .
( الطعن رقم 678 لسنة 4 ق - جلسة 2013/07/04 )
13ـ ما كان العبرة فى تحديد ما اذا كان الطعن واردا على الحكم ام قرار هى بحقيقة الواقع لا بما تذكره عنه المحكمة التى اصدرته ولا بما تصفه به من اوصاف ، وكان البين من الأوراق ان الطاعن بوصفه مدعيا بالحقوق المدنية . وقد طعن على قرار المحكمة بشطب الدعوى فهو ليس حكما بالمعنى القانونى الوارد فى المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن امام محكمة النقض ولا يغير من طبيعته تلك ما وصفته به المحكمة من انه حكم وعنونته باسم الشعب ونطقت به فى جلسة علنية . لما هو مقرر من ان العبرة فى هذا المنحى هى بحقيقة الواقع .
( الطعن رقم 13103 لسنة 60 ق - جلسة 1997/12/09 - س 48 ع 1 ص 1387 ق 211 )
14 ـ لما كانت المادة 167 من قانون الإجراءات الجنائية بعد تعديلها بالقانون رقم 170 لسنة 1981 قد نصت على أن يرفع الإستئناف فى الأمر الصادر من قاضى التحقيق فى مواد الجنح والمخالفات إلى محكمة الجنح المستأنفة متعقدة فى غرفة مشورة، كما نصت فى فقرتها الأخيرة على أن تكون القرارات الصادرة من غرفة المشورة فى جميع الأحوال نهائية لما كان ذلك، وكانت المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض قد نظمت طرق الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة فى مواد الجنايات والجنح مما مفاده أن الأصل عدم جواز الطعن الطعن بطريق النقض وهو طريق استئنائى - إلا فى الأحكام النهائية الصادرة فى الموضوع والتى تنتهى بها الدعوى أما القرارت والأوامر فإنه لا يجوز الطعن فيها إلا بنص لما كان ذلك، وكان قانون الإجراءات الجنائية قد حرص على تسمية ما يصدر من محكمة الجنح المستأنفة فى غرفة مشورة فى الطعون إليها فى الأوامر الصادرة من قاضى التحقيق والنيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية فى مواد الجنح والمخالفات قرارات لا أحكاما واعتبر هذه القرارات نهائية، فإن الطعن فيها بطريق النقض يكون غير جائز ولا يغير من ذلك أن تكون غرفة المشورة قد اسبغت على القرار المطعون فيه وصف الحكم. إذ العبرة فى تحديد ما هيته هى بحقيقة الواقع لا بما تذكره المحكمة عنه لما كان ما تقدم فإنه بتعين القضاء بعدم جواز الطعن ومصادرة الكفالة عملاً بالمادة 2/36 من القانون سالف الذكر .
( الطعن رقم 19144 لسنة 59 ق - جلسة 1993/12/28 - س 44 ع 1 ص 1271 ق 194 )
15ـ لما كان الطعن أمام محكمة النقض فى الأمر الصادر من مستشار الإحالة بأن لا وجه لإقامة الدعوى لا يجوز وفق المادة 193 من قانون الإجراءات الجنائية إلا للمدعي بالحقوق المدنية وللنائب العام بنفسه أو للمحامي العام فى دائرة اختصاصه عملاً بالمادة 25 من قانون السلطة القضائية - الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972 - والتي خولته جميع حقوق واختصاصات النائب العام المنصوص عليها فى القوانين - أو من وكيل خاص عن أيهما، وكان القانون فى مادتيه سالفتي الذكر إنما أراد أن يصدر الطعن عن النائب العام أو المحامي العام حتى يكون فى ذلك ضمانة للمتهم، فإذا وكل أحدهما، أحد أعوانه بالتقرير بالطعن فى قلم الكتاب - وهو عمل مادي تستوي فيه أن يباشره أيهما بنفسه أو يكل أمره إلى غيره بتوكيل منه إلا أن عليه أن يتولى هو وضع أسباب الطعن فإذا كلف أحد أعوانه بوضعها فيجب عليه أن يوقع ورقتها بما يفيد إقراره إياها إذ أن الأسباب إنما هي فى الواقع جوهر الطعن وأساسه ووضعها من أخص خصائصه أما إيداع ورقة الأسباب قلم الكتاب فلا مانع فى حصوله بتوكيل كما هو الشأن فى التقرير بالطعن. لما كان ذلك، وكانت المادة 195 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت فى صدر فقرتها الثانية على أن "يحصل الطعن وينظر فيه بالأوضاع المقررة للطعن بطريق النقض" وكان من المقرر أنه عندما يشترط القانون لصحة الطعن بطريق النقض - بوصفه عملاً إجرائياً - شكلاً معيناً فإنه يجب أن يستوفي هذا العمل الإجرائي بذاته شروط صحته الشكلية دون تكملته بوقائع أخرى خارجة عنه، وإذ كانت الحال فى الطعن الماثل أن أسبابه لم تعرض على النائب العام أو المحامي العام المختص للموافقة عليها واعتمادها قبل إيداعها قلم الكتاب بواسطة من وكله فإن الطعن يكون غير مقبول لتخلف شرط الصفة فيمن وقع أسبابه .
( الطعن رقم 1336 لسنة 45 ق - جلسة 1975/12/28 - س 26 ص 871 ق 191 )
16ـ الأصل طبقاً للمادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض - إعتبار أن الإجراءات قد روعيت أثناء نظر الدعوى وأنه متى ذكر فى الحكم أنها إتبعت فلا يجوز إثبات عدم إتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير ، وليس يقدح فى ذلك أن يكون إثبات إجراء تلاوة تقرير التلخيص قد ورد فى ديباجة الحكم ما دام أن رئيس الدائرة قد وقع عليها مع كاتبها طبقاً للمادة 312 من قانون الإجراءات الجنائية بما يفيد إقراره ما ورد به من بيانات .
( الطعن رقم 1542 لسنة 41 ق - جلسة 1972/04/03 - س 23 ع 2 ص 518 ق 114 )
17- لما كانت المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض تنص على أن : " لكل من النيابة العامة والمحكوم عليه والمسئول عن الحقوق المدنية والمدعي بها الطعن بالنقض فى الحكم النهائي الصادر من آخر درجة فى مواد الجنايات والجنح " والمراد بالحكم النهائي هو الحكم الذي انسد فيه طريق الطعن العادي وأصبح قابلاً للطعن بالنقض ، ولا ريب حكم البراءة ورفض الدعوى المدنية من هذا القبيل هو وغيره من الأحكام القاضية بغير الإدانة من محكمة الجنايات فى غيبة المتهم بجناية ، فهو حكم نهائي من وقت صدوره لأنه لا يعتبر أنه أضر به لأنه لم يدنه بشئ ، ومن ثم فهو لا يسقط بحضوره أو بالقبض عليه لأن السقوط وإعادة نظر الدعوى أمام محكمة الجنايات مقصوران على الحكم الصادر بالعقوبة أو التعويضات فى غيبة المتهم بجناية - حسبما يبين من صريح نص الفقرة الأولى من المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية - المستبدلة بموجب القانون رقم 95 لسنة 2003 - ، ومن ثم فهو حكم نهائي ، ويكون طعن النيابة العامة والمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها بطريق النقض عليه جائزاً ، خلافاً للأحكام الصادرة من محكمة الجنايات بالإدانة فى غيبة المتهم بجناية التي أوصد القانون رقم 74 لسنة 2007 - المار ذكره - باب الطعن بالنقض أمام النيابة والمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها ، ومن ثم فإن الهيئة تنتهي - بالأغلبية المنصوص عليها بالفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 المعدل - إلى جواز طعن النيابة العامة والمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها فى الحكم الصادر بالبراءة وبرفض الدعوى المدنية وما فى حكمهما من محكمة الجنايات فى غيبة المتهم فى جناية ، والعدول عن المبدأ القانوني الذي تضمنته الأحكام المخالفة لما انتهت إليه الهيئة .
( الطعن رقم 7703 لسنة 81 ق - جلسة 2017/03/21 )
18- لما كانت المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 والمعدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007 قد نصت على عدم جواز الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في مواد الجنح المعاقب عليها بالغرامة التي لا تجاوز عشرين ألف جنيه ، ومن ثم فإن مناط عدم جواز الطعن ، هو قدر العقوبة المقررة بالحدود التي تضمنها النص ، تقديراً من المشرع أن العقوبة المذكورة في قصارى حدها الأقصى ليست من الخطورة أو الأهمية التي تتناسب مع إجازة الطعن فيها بطريق النقض ، ومن ثم فإن الحكم الصادر في هذه الجرائم إذا لم يلتزم الحد الأقصى للعقوبة المقررة ، بأن جاوزه أو أوقع عقوبة أشد منها فلا يسوغ أن يغلق أمام المحكوم عليه طريق هذا الطعن بعد أن أهدر الحكم الاعتبارات التي قدرها المشرع وكانت أساس هذا الحظر ، والقول بغير ذلك أمر تأباه العدالة وينفر منه منطق القانون ، لما فيه من التسليم بعقوبة محكوم بها نهائياً لم ينص عليها القانون وهو أمر يخالف قاعدة شرعية الجرائم والعقاب ويجب استدراكه بإجازة الطعن في هذا الحكم بطريق النقض . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه ، وقد دان الطاعن بجريمة البلاغ الكاذب والمعاقب عليها بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة عشر ألف جنيه ، إلا أنه لم يلزم الحد الأقصى للعقوبة المقررة ، بل جاوزها إلى عقوبة نوعية أخرى أشد بأن عاقبه بالحبس ، فإنه يكون من المتعين إجازة الطعن فيه بطريق النقض باعتبار أنه السبيل القانوني أمام المحكوم عليه لتصحيح الخطأ الذي تردى فيه الحكم . لما كان ذلك ، وكان الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون فإنه يكون مقبول شكلاً .
) الطعن رقم 8907لسنة 4 جلسة 2014/02/23 (
19- من المقرر ان القصد الجنائي فى جريمة حيازة وترويج عملة ورقية مقلدة التى دين الطاعن بها يقتضى علم الجاني وقت ارتكاب الجريمة علما يقينيا بتوافر اركانها ، فاذا ما نازع المتهم فى توافر هذا القصد ، كان لزاما على المحكمة استظهاره استظهاراً كافياً . كما انه من المقرر ان جريمة الحيازة بقصد الترويج تستلزم فضلاً عن القصد الجنائي العام قصداً خاصاً هو نية دفع العملة المقلدة الى التداول ، مما يتعين معه على الحكم استظهاره صراحة وايراد الدليل على توافره متى كان محل منازعة من الجاني . لما كان ذلك ، وكان الطاعن قد انكر التهمة المسندة اليه برمتها ،ونازع فى توافر القصد الجنائي - بشقيه - فى حقه ، وكان القدر الذى اورده الحكم فى سبيل التدليل على توافر القصد الجنائي لدى الطاعن لا يكفى لتوافره ولا يسوغ به الاستدلال عليه ، فان الحكم المطعون فيه يكون معيباً فضلاً عن القصور فى التسبيب بالفساد فى الاستدلال .
( الطعن رقم 13497 لسنة 65 ق - جلسة 1997/09/18 - س 48 ع 1 ص 892 ق 134 )
20- لما كان الطعن بطريق النقض ، وفقاً للمادتين 30 ، 31 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 ، لا يجوز إلا بعد أن يكون قد صدر فى موضوع الدعوى حكم منه للخصومة أو مانعاً من السير فى الدعوى ، وكان الحكم المطعون فيه لم يفصل فى موضوع الدعوى المدنية كما أنه لا يعد مانعاً من السير فيها ، فإن طعن المدعى بالحقوق المدنية فيه بطريق النقض يكون غير جائز . لما كان ما تقدم ، فإنه يتعين الحكم بعدم جواز الطعن مع مصادرة الكفالة عملاً بالمادة 36 من القانون رقم 57 لسنة 1959 المشار إليه و إلزام الطاعن المصروفات بالتطبيق لحكم المادة 320 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 7322 لسنة 54 ق - جلسة 29 / 1 / 1985 )
21- لما كان الثابت من الاطلاع على محاضر الجلسات أن الطاعنة لم توكل محامياً للدفاع عنها وانتدبت لها المحكمة الأستاذ " ... " المحامى والذى حضر إجراءات المحاكمة وقام بالدفاع عن المحكوم عليها ، إلا أن المحكمة لم تقف على صحة أمر قيده أمام المحاكم الابتدائية وما يعلوها ، إذ أفادت نقابة المحامين أنه لم يستدل عليه . لما كان ذلك ، وكانت المادتان 67 من الدستور و 214 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبتا تعيين محام لكل متهم فى جناية تحال إلى محكمة الجنايات ما لم يكن قد وكل محامياً للدفاع عنه ، وكانت المادة 377 من قانون الإجراءات الجنائية تقضى بأن المحامين المقبولين للمرافعة أمام محاكم الاستئناف أو المحاكم الابتدائية يكونون مختصين دون غيرهم بالمرافعة أمام محاكم الجنايات . لما كان ما تقدم بيانه , وكانت هذه المحكمة – محكمة النقض – لم تقف على صحيح أمر قيد الأستاذ " ... " المحامى أمام المحاكم الابتدائية وما يعلوها حتى يستقيم القول بأن حضوره إجراءات المحاكمة و مرافعته عن المحكوم عليها قد تم صحيحاً ، وإذ غلب الظن على الأوراق فى هذا الشأن ، وكان يتعين حتى تكون إجراءات المحاكمة قد تمت صحيحة أن يكون القطع فى صحة هذا الأمر قائماً ولا تحوطه شكوك ولا ريب ، لأنه يتعلق بضمانه أوردها الدستور وعينها المشرع تحديداً فى المادتين 214، 377 من قانون الإجراءات الجنائية، ولاينال من ذلك القول بأن الأصل فى الأحكام أن تكون الإجراءات قد روعيت أثناء نظرالدعوى إعمالاً للمادة 30 من القانون 57رقم لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، إذ أن مناط ذلك أن تكون الإجراءات مذكورة فى محضر الجلسة أو الحكم وهو ما خلا كل منهما من بيان قيد المحامى الذى تولى المرافعة عن المحكوم عليها بالإعدام ، مما يُصم إجراءات المحاكمة بالبطلان .
( الطعن رقم 54932 لسنة 75 ق - جلسة 2005/12/06 - س 56 ص 677 )
22- لما كانت العبرة فى وصف الحكم هي بحقيقة الواقع لا بما تذكره المحكمة عنه، لما كان ذلك وكانت الدعوى الجنائية قد رفعت ضد المحكوم عليه السابع - ........... - بجريمة الجنحة المنصوص عليها فى المادة 116 مكرراً (أ) من قانون العقوبات وأحيلت إلى محكمة الجنايات لارتباطها بجناية وقد دانه الحكم المطعون فيه بهذه الجريمة وهي من الجرائم التي يجوز فيها الحبس فلا يجوز للمتهم بها أن ينيب عنه وكيلا للدفاع عنه، بل يجب أن يحضر بنفسه طبقا للمادة 237 من قانون الإجراءات الجنائية، وإذ كان البين من محاضر جلسات المحاكمة أن المحكوم عليه المذكور لم يحضر بنفسه جلسات المرافعة بل حضر عنه وكيله فإن الحكم المطعون فيه يكون فى حقيقته حكما غيابيا ولو وصفته المحكمة بأنه حضوري، ولما كانت المادة 397 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه "إذا غاب متهم بجنحة مقدمة إلى محكمة الجنايات تتبع فى شأنه الإجراءات المعمول بها أمام محكمة الجنح ويكون الحكم الصادر منها قابلا للمعارضة" وكانت المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 لا تجيز الطعن بالنقض إلا فى الأحكام النهائية الصادرة فى مواد الجنايات والجنح، كما تقضي المادة 32 من القانون ذاته بعدم قبول الطعن بالنقض فى الحكم ما دام الطعن فيه بطريق المعارضة جائزا، وكان الحكم المطعون فيه قد صدر غيابيا ولم يعلن بعد للمحكوم عليه المذكور ولم يعارض فيه لأن الإعلان هو الذي يفتح باب المعارضة - وذلك على ما أفصحت عنه مذكرة نيابة النقض المرفقة - فإن باب المعارضة فيه لما يزال مفتوحا ومن ثم فإن الطعن المقدم من المحكوم عليه........... يكون غير جائز.
( الطعن رقم 636 لسنة 71 جلسة 2002/03/03 س 53 ص 346 ق 62 )
23- الأصل طبقاً للمادة 30 من القانون 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض اعتبار أن الإجراءات قد روعيت أثناء نظر الدعوى وأن على صاحب الشأن أن يثبت بكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت وما دام المحكوم عليه أو المدافع عنه لم يقدم الدليل على هذا الادعاء وإذ كان الطاعن لم يسلك هذا السبيل في خصوص مقاطعة المحكمة المدافع عنه عند طلبه باستخراج شهادة نهائية الحكم المشار إليه بأسباب طعنه ، فمن ثم يكون ما يثيره الطاعن في هذا الصدد غير سديد .
( الطعن رقم 11294 لسنة 92 ق - جلسة 12 / 12 / 2023 )
المادة 30
نصت المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض على أنه "لكل من النيابة، والمحكوم عليه والمسئول عن الحقوق المدنية والمدعي بها الطعن بالنقض في الحكم النهائي الصادر من آخر درجة في مواد الجنايات والجنح، وذلك في الأحوال الآتية :
1- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله.
2- إذا وقع بطلان في الحكم.
3- إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم.
ويستثنى من ذلك الأحكام الصادرة في الجنح المعاقب عليها بالغرامة التي لاتجاوز عشرين ألف جنيه، كما لا يجوز الطعن فيما يتعلق بالدعوى المدنية إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تجاوز نصاب الطعن بالنقض المنصوص عليها في المرافعات المدنية والتجارية .
ولا يجوز الطعن من أي من الخصوم في الدعويين الجنائية والمدنية،إلا فيما يتعلق بحقوقه، ومع ذلك فللنائب العام الطعن لمصلحة المتهم .
والأصل اعتبار أن الإجراءات قد روعيت أثناء نظر الدعوى، ومع هذا فلصاحب الشأن أن يثبت بكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت مالم تكن مذكورة في محضر الجلسة أو في الحكم فإذا ذكر في أحدهما أنها أتبعت فلا يجوز إثبات عدم إتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير" .
وتتناول هذه المادة الموضوعات التالية :
أولاً : الصفة في الطعن بالنقض .
ثانياً : الأحكام الجائز الطعن عليها بطريق النقض .
ثالثاً : حالات وأسباب الطعن بالنقض .
رابعاً : القرينة القانونية البسيطة المتعلقة بصحة الإجراءات .
وفيما يلي الشرح والتفصيل لهذه الموضوعات :
أولاً : الصفة في الطعن بالنقض .
يتعين أن تكون للطاعن صفة في الطعن، ومناط الصفة أن يكون طرفاً في الدعوى التي صدر فيها الحكم المطعون فيه . وقد عبرت محكمة النقض عن هذا الشرط في قولها «الطعن بطريق النقض لا يكون إلا ممن كان طرفاً في الحكم المطعون فيه، وبصفته التي كان متصفاً بها، وكانت له مصلحة في الطعن. وليس يكفي لاعتباره كذلك أن يكون قد اختصم أمام محكمة أول درجة دون محكمة ثاني درجة» . ويعني ذلك أنه لا يقبل الطعن بالنقض ممن لم يكن طرفاً في الدعوى في أي من مراحلها، ولا يقبل كذلك ممن لم يكن طرفاً في الدعوى في مرحلتها التي صدر فيها الحكم المطعون فيه، وإن كان طرفاً في مرحلة سابقة من مراحلها .
لا يقبل الطعن بالنقض ممن لم يكن طرفاً في الدعوى في أي من مراحلها، وإن كانت له علاقة وثيقة بأحد أطرافها. وتطبيقاً لذلك، فإنه لا يقبل الطعن من والد المحكوم عليه أو من زوج المحكوم عليها ولا يقبل الطعن من المدعي المدني في الحكم الذي اقتصر على الفصل في الدعوى الجنائية، أو كان المدعي المدني قد ترك دعواه وإذا تعدد المتهمون أو كان إلى جانب المتهم مسئول مدني أو وجد مدع مدني، فثمة استقلال بينهم من حيث الصفة، فلا يقبل الطعن إذا لم يكن للطاعن صفة، ولو كان لطرف آخر في الدعوى صفة. وتطبيقاً لذلك، فإنه لا صفة للمتهم في التحدث عن خطأ الحكم في قضائه ببراءة متهمين آخرين، ولا يقبل طعن المتهم لأن المحكمة عدلت وصف التهمة بالنسبة لمتهم آخر، أو لأن الإجراءات شابها عيب بالنسبة لمتهم آخر ولا يقبل الطعن ممن ليست له صفة، ولو قدمت أسباب الطعن ممن له صفة .
والبحث في صفة الطاعن يسبق البحث في مصلحته، فإذا لم تكن للطاعن صفة لم يكن طعنه مقبولاً، ولو كانت له مصلحة في الطعن .
ولا يقبل طعن النيابة العامة في الحكم الصادر في الدعوى المدنية. إذ لا صفة لها في ذلك. ولا يقبل طعن المدعي المدني أو المسئول المدني في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية، لانتفاء صفتهما في ذلك وصفة النيابة العامة في الطعن بالنقض مستقلة عن صفة المتهم، وتطبيقاً لذلك، فليس للمتهم أن يطعن بالنقض في الحكم الذي قضى بعدم قبول استئناف النيابة، إذ لا صفة في ذلك، ولا عبرة بأنه كان من المحتمل أن يستفيد من هذا الاستئناف إذا قبل، ذلك أن البحث في الصفة يسبق - على ما قدمنا - البحث في المصلحة .
ولا يقبل الطعن بالنقض ممن لم يكن طرفاً في الدعوى في مرحلتها التي صدر فيها الحكم المطعون فيه، وإن كان طرفاً في مرحلة سابقة من مراحلها. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان الطاعن طرفاً في الدعوى أمام محكمة الدرجة الأولى، ولكنه لم يكن طرفاً فيها أمام محكمة الدرجة الثانية. فلا يقبل طعنه في حكم هذه المحكمة : فالمدعي المدني أو المسئول المدني الذي لم يطعن بالاستئناف في حكم محكمة الدرجة الأولى لا يكون له أن يطعن بالنقض في الحكم الذي تصدره محكمة الدرجة الثانية في شأن الدعوى المدنية بناء على استئناف خصم آخر .
المصلحة في الطعن : لا يقبل الطعن بالنقض إلا من خصم له مصلحة في هذا الطعن، وذلك مجرد تطبيق للقواعد العامة في الطعن. ويفترض هذا الشرط أن يكون الحكم المطعون فيه قد رفض للطاعن طلباً أو دفعاً أو أنزل به ضرراً، فتكون مصلحته في الطعن أن يقبل ما رفض من طلباته أو دفوعه، أو أن يطرأ تحسن على وضعه الذي حدده له الحكم المطعون فيه «والعبرة في قيام المصلحة هي بقيامها وقت صدور الحكم المطعون فيه، فلا يعتد بانعدامها بعد ذلك» ويفهم اشتراط «المصلحة» على نحو خاص بالنسبة للنيابة العامة: فليست مصلحتها في الطعن أن تتوصل إلى إلغاء البراءة أو تشديد العقوبة، بل إن مصلحتها هي التطبيق السليم للقانون، أي أن «تكون الإجراءات في كل مراحل الدعوى الجنائية صحيحة وأن تبنى الأحكام فيها على تطبيق قانوني صحيح خال مما يشوبه من أسباب الخطأ والبطلان»، ولذلك كان طعنها مقبولاً، ولو كان من يستفيد من الطعن في النهاية هو المتهم .
وتطبيقاً لذلك، فإنه لا يقبل من المتهم الطعن بالنقض، لأن الحكم الذي قضى بإدانته لم يفصل في الدعوى المدنية المقامة ضده. ولا يقبل طعن المتهم في الحكم الذي أدانه باعتبار جريمته جنحة محتجاً بأنها في حقيقتها جناية، أو لأن الحكم نزل بالعقوبة دون الحد الأدنى المقرر لها، ولا يقبل طعنه في حكم قضى بمصادرة سيارة استناداً إلى أنها ليست ملكاً له، وإذا قضي ببراءة المتهم، فلا يقبل طعنه استناداً إلى أنه لم يرد الواقعة إلى وصف قانوني بعينه. ولا مصلحة له في طلب إدخال أشخاص آخرين في الدعوى كمساهمين في الجريمة، طالما أنه ليس من شأن ذلك نفي مسئوليته عنها. ولا يقبل طعن المدعي الذي قضى له الحكم المطعون فيه بكل طلباته، ولا يقبل طعن المسئول المدني الذي لم يلزمه الحكم بتعويض ما .
وإذا كان طعن النيابة العامة يقبل، ولو لم تكن لها «كسلطة اتهام» مصلحة وإنما كانت لها مصلحة - كممثل للمجتمع - في التطبيق السليم للقانون، فكانت مستهدفة نقض حكم شابه عيب قانوني، فإنه يترتب على ذلك أنه إذا لم تكن النيابة مصلحة قط في الطعن (حتى من وجهة اعتبارها ممثلاً للمجتمع) فإن طعنها يكون غير مقبول، ولو كانت لها مصلحة نظرية صرفة. وتطبيقاً لذلك، قضى بأنه لا يقبل طعن النيابة العامة في الحكم الذي قضى بقبول استئناف المتهم شكلاً وتأييد الحكم المستأنف موضوعاً، إذ لا مصلحة لها في هذا الطعن وقضى بأنه لا مصلحة للنيابة في الجدل في وصف الواقعة إذا كان الحكم بالبراءة قد استند إلى عدم ثبوت الواقعة .
النيابة العامة : ينصرف طعن النيابة العامة إلى الدعوى الجنائية وحدها، فلا تأثير له على الدعوى المدنية، ومن ثم لا يقبل منها أن تناقش في طعنها التعويض الذي قضى به الحكم للمدعي المدني. ويترتب على ذلك أن المدعي المدني لا يستفيد بوجه ما من طعن النيابة العامة. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان المدعي المدني لم يطعن بالنقض في حكم المحكمة الاستئنافية الذي قضى برفض دعواه، ولكن النيابة طعنت في هذا الحكم (في شقه الجنائي) فنقضته محكمة النقض وأحالت الدعوى إلى المحكمة الإستئنافية . فإنه يجوز لهذه المحكمة أن تقبل تدخل المدعي المدني، إذ يجوز أن يستفيد من طعن النيابة. وقد تقدم التفسير الواسع لمصلحة النيابة العامة في الطعن، وأنه يعني المصلحة العامة في التطبيق الصحيح للقانون، ومن ثم يقبل طعنها استناداً إلى هذه المصلحة .
ولا يقبل نزول النيابة عن حقها في الطعن قبل انقضاء میعاده أو بعد رفعه، إذ أن ذلك نوع من التصرف في الدعوى الجنائية محظور على النيابة العامة .
ويصدر طعن النيابة العامة عن أحد أعضائها دون اشتراط كونه في درجة معينة من حيث الترتيب الوظيفي لأعضاء النيابة العامة، وما لم يشترط القانون خلاف ذلك. ويجب أن يكون التقرير وأسباب الطعن موقعين من محام عام على الأقل : (المادة 34 من قانون النقض، الفقرة الثالثة المستبدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007). ويمثل النيابة العامة أمام محكمة النقض عضو نيابة لا تقل درجته عن درجة وكيل نيابة من الفئة الممتازة (المادة 24 من قانون السلطة القضائية) .
المتهم : للمتهم أن يطعن في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية أو الحكم الصادر في الدعوى المدنية، أو فيهما معاً حسب تقديره، ذلك أن له الصفة بالنسبة للدعويين. ويتعين أن تتوافر له المصلحة في الطعن، على التفصيل الذي سلف بيانه .
ولا يقبل نزول المتهم عن حقه في الطعن قبل انقضاء ميعاده. وتطبيقاً لذلك، فإن قبوله الحكم المطعون فيه، بل وتنفيذه اختياراً لا يجعل طعنه فيه بعد ذلك غير مقبول. وإذا لم يستأنف المتهم الحكم الابتدائي واستأنفته النيابة وحدها، كان للمتهم أن يطعن في الحكم الاستئنافي ولو كان مؤيداً للحكم الابتدائي الذي لم يستأنفه، ذلك أنه طرف في الدعوى الجنائية أمام المحكمة الاستئنافية بناء على استئناف النيابة، فله الصفة في الطعن بالنقض، ولا يحتج عليه بقبوله الضمني المستمد من عدم استئنافه. ولكن يجوز للمتهم بعد طعنه بالنقض أن ينزل عن طعنه، فقد كان له الحق في ألا يطعن ابتداء، فينبغي أن يكون له حق النزول عن طعنه بعد رفعه .
المدعي المدني : ينصرف طعن المدعي المدني إلى الدعوى المدنية وحدها، وقد نصت المادة 30 من قانون النقض - المستبدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007 - على أنه «لا يجوز الطعن من أي من الخصوم في الدعويين الجنائية والمدنية إلا فيما يتعلق بحقوقه». وبناء على ذلك، فإنه لا يقبل طعنه في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية، ولو كان هو الذي حرك هذه الدعوى. ولكن يجوز للمدعي المدني إذا طعن بالنقض في الحكم الصادر في الدعوى المدنية أن يستند إلى أوجه متعلقة بالدعوى الجنائية طالما أن لها تأثيراً على الدعوى المدنية، ولا يعد المدعي المدني بذلك مجاوزاً صفته ومصلحته وعلى سبيل المثال، فإنه إذا قضت محكمة الموضوع بعدم قبول الدعوى الجنائية لرفعها من غير ذي صفة وعدم قبول الدعوى المدنية استناداً إلى صفتها التابعة للدعوى الجنائية، فإن للمدعي المدني أن يسند طعنه في الحكم بعدم قبول دعواه إلى أن الدعوى الجنائية مقبولة وأنها رفعت ممن له صفة في ذلك .
ويتعين لقبول طعن المدعي المدني أن يكون قد ادعى مدنياً أمام محكمة الموضوع طبقاً للقانون، وكان بذلك طرفاً في الدعوى المدنية التي فصل فيها الحكم المطعون فيه، فلا يكفي أنه كانت له صفة الشاكي . ويتعين أن يكون التعويض الذي طالب به مجاوزاً النصاب النهائي للقاضي الجزئي .
ويقبل من المدعي المدني نزوله عن حقه في الطعن بالنقض قبل انقضاء میعاده، ويعد نزولاً ضمنياً رضاؤه بالحكم المستفاد من اقتضائه التعويض، الذي حكم له به. ويجوز - من باب أولى - نزوله عن الطعن بعد رفعه. وتعليل ذلك أن الدعوى المدنية خالصة له، فيقبل نزوله عنها في أية مرحلة من مراحلها. وإذا توفي المدعي المدني أثناء نظر طعنه حل محله ورثته .
المسئول المدني : ينصرف طعن المسئول المدني إلى الدعوى المدنية وحدها، ولكن يجوز له - على ما قدمنا بالنسبة للمدعي المدني - أن يستند في طعنه في الحكم الصادر في الدعوى المدنية إلى أوجه متعلقة بالدعوى الجنائية لها مساس بحقوقه، كما لو قضى برفض الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية وإدانة المتهم وإلزامه والمسئول المدني بالتعويض، مستنداً إلى عدم قبول الدعوى الجنائية، وما كان يستتبعه ذلك من عدم قبول الدعوى المدنية . ويتعين لقبول طعن المسئول المدني أن تكون له الصفة في ذلك، بأن يكون طرفاً في الدعوى أمام المحكمة التي صدر منها الحكم المطعون فيه. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا قضت محكمة الدرجة الأولى بإلزام المسئول المدني بالتعويض فلم يستأنف الحكم، وإنما استأنفه المتهم وحده، فلا يكون للمسئول المدني أن يطعن بالنقض في الحكم الذي تصدره المحكمة الاستئنافية في الدعوى المدنية ولا يكفي لتوافر هذه الصفة أن يكون المسئول المدني قد تدخل في الدعوى الجنائية أمام المحكمة الاستئنافية وفقاً للمادة 254 من قانون الإجراءات الجنائية ليكون له الطعن في الحكم الذي تصدره هذه المحكمة، فذلك مجرد" تدخل انضمامي" لا يسبغ عليه صفة الخصم .
ويشترط لقبول طعن المسئول المدني أن يكون التعويض المدعى به مجاوزاً النصاب النهائي للقاضي الجزئي. وللمسئول المدني النزول عن حقه في الطعن أثناء ميعاده وبعد رفعه. وإذا توفي أثناء نظر طعنه حل محله ورثته . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني ، الصفحة : 1398 )
أن يكون الحكم نهائياً وصادراً من مواد الجنايات والجنح فقد أخرج المشرع المخالفات من نطاق الطعن بالنقض . ويقصد بالحكم النهائي هنا ألا يكون قابلاً للطعن بالطرق العادية وهي المعارضة والاستئناف .
ونظرا لأن اصطلاح الحكم النهائي ينصرف إلى الأحكام الغير جائز الطعن فيها بطريق الاستئناف حتى ولو كان قابلاً للطعن بالمعارضة فقد أورد المشرع نصاً خاصاً بالمعارضة وهو نص المادة 32 وقرر فيه صراحة أنه لا يقبل الطعن بطريق النقض في الحكم مادام الطعن فيه بطريق المعارضة جائزاً .
ويستوي لجواز الطعن بالنقض في الحكم النهائي أن يكون الحكم غير جائز الطعن فيه بالاستئناف قانوناً كالأحكام الصادرة من محكمة الجنايات أو كان الحكم ذاته قد صدر من المحكمة الاستئنافية وغير قابلة للطعن بالمعارضة أو كان صادراً من محكمة أول درجة إلا أن المشرع حظر استئنافه . أما إذا صار الحكم نهائياً بفوات الاستئناف فلا يجوز الطعن فيه لتخلف شروط آخر للطعن وهو ضرورة لم يكون الحكم من آخر درجة .
وتطبيقاً لذلك لا يجوز الطعن بطريق النقض في الحكم الغيابي الصادر من المحكمة الاستئنافية بعدم جواز الاستئناف المرفوع من النيابة عن حكم أول درجة القاضي بالإدانة ولو كان المتهم لم يستأنفه . لذا حق المتهم في المعارضة يكون قائماً. وإذا عارض المتهم في الحكم الغيابي الصادر من المحكمة الاستئنافية فلا يجوز الطعن بالنقض قبل صدور الحكم بالمعارضة .
ويلاحظ أن الحكم لا يجوز الطعن فيه بالنقض حتى ولو كان نهائياً بالنسبة لبعض الخصوم إلا أنه قابل للطعن بالاستئناف أو المعارضة بالنسبة الأخر .
فلا يجوز للمدعى المدنى مثلاً الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر برفض التعويض وإدانة المتهم طالما أن طريق المعارضة مفتوحاً. كذلك لا يجوز للنيابة العامة الطعن بالنقض طالما أن طريق الطعن بالمعارضة أو الاستئناف مفتوحاً لأي من الخصوم .
ومع ذلك إذا تعدد المتهمون وقابل هذا تعدداً في الجرائم والتهم المنسوبة إليهم دون أن يكون هناك ارتباط غير قابل للتجزئة فالعبرة هي بصيرورة الحكم نهائياً بالنسبة لكل منهم على حدة . أما إذا كان ارتباط غیر قابل للتجزئة فلا يجوز للطعن بالنقض من أحد المتهمين إلا إذا كان الحكم نهائياً بالنسبة للباقين والحال كذلك إذا تعددت التهم المنسوبة للمتهم الواحد . فإذا كانت مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة فلا يجوز الطعن بالنقض من قبل أي من الخصوم طالما أن الحكم لم يصبح نهائياً بالنسبة لبعض التهم، كما إذا صدر الحكم من محكمة الدرجة الثانية غيابياً بالإدانة عن بعض التهم وبالبراءة عن البعض الأخر . فلا يجوز للنيابة العامة الطعن بالنقض في حكم البراءة حتى تنتهي مواعيد المعارضة أو الفصل فيها بالنسبة للتهم الصادر فيها الحكم بالإدانة، أما إذا كانت التهم المتعددة ليست مبنية على وحدة في الواقعة فالعبرة بصيرورة الحكم نهائياً بالنسبة لكل تهمة على حدة .
فخلاصة القول إذن هو أن اشتراط كون الحكم نهائياً لإمكان الطعن فيه بطريق النقض يجب أن ينصرف إلى جميع الخصوم ، أي أن يكون نهائياً بالنسبة للخصوم جميعهم . فإذا كان أحدهم يمكنه سلوك طريق عادي للطعن فلا يجوز الطعن بالنقض إلا بعد فوات مواعيد الطعن بالطرق العادية دون مباشرة الطعن أو بعد صدور الحكم في الطعن .
وجدير بالذكر أن المشرع قصر الطعن بالنقض على الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح . والعبرة في تحديد طبيعة الجريمة الصادر في شأنها الحكم المطعون فيه هي بالوصف الذي انتهت إليه محكمة الموضوع التي أصدرت الحكم وليست بالعبرة بالوصف الوارد بقرار الإحالة أو بالوصف القانوني الذي تنتهي إليه محكمة النقض . فاتصال محكمة النقض بالطعن يكون صحيحاً إذا انصب على حكم صادر في جنحة ولو انتهت محكمة النقض إلى أن الواقعة في وصفها القانوني الصحيح هي مخالفة .
أن يكون الحكم صادراً من آخر درجة :
وهذا الشرط نصت عليه صراحة المادة 30 إجراءات حيث جاء بها أن لكل من النيابة، والمحكوم عليه وكذا المسئول عن الحقوق المدنية والمدعي بها فيما يختص بحقوقهم فقط الطعن أمام محكمة النقض في الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة .
ويقصد بالحكم الصادر من آخر درجة الأحكام التي لا يجوز فيها الطعن بالنسبة للموضوع أمام درجة أعلى من درجات التقاضي بمقتضى القانون ، إما لكون الحكم صادراً من المحكمة الاستئنافية وهي الدرجة الثانية والأخيرة من درجات التقاضي ، وإما لأن المشرع حظر الطعن في الحكم أمام درجة أعلى أما إذا كان عدم جواز الطعن في الحكم أمام درجة أعلى لفوات الدرجة الثانية أن يطعن بالنقض طالما قبل حكم درجة أو فوت على نفسه ميعاد الاستئناف .
وعلى ذلك فالحكم يعتبر صادراً من آخر درجة في الأحوال الآتية :
أولاً : إذا كان صادراً من المحكمة الاستئنافية ولو كان قابلاً للطعن بالمعارضة . ثانياً : إذا كان صادراً من محكمة الجنايات ولو كان بصدد جنحة وقابلاً للطعن بالمعارضة . ففي هاتين الحالتين لا خلاف في اكتساب الحكم بصفة كونه صادراً من آخر درجة وبالتالي يكون قابلاً للطعن بالنقض ولو توافرت باقي الشروط ، ثالثاً : إذا كان صادراً في جنحة من المحكمة الجزئية إلا أن المشرع حظ استئنافه .
غير أن هذا النوع من الأحكام والتي تعتبر صدرت من آخر درجة رغم صدورها من المحكمة الجزئية ، تثير إشكالاً بالنسبة لجواز الطعن فيها بالنقض . ومصدر الصعوبة هو أن هذه الأحكام رغم كونها صادرة من أخر درجة بالمفهوم السابق إلا أن المشرع أجاز استئنافها لخطأ في تطبيق القانون أو تأويله . وهذا واضح من نص المادة 402 فقرة ثالثة بالنسبة للأحكام الجزئية غير الداخلة في أحوال الاستئناف . أما الأحكام التي منع المشرع استئنافها كلية فقد رأينا كيف أن قضاء النقض ذاته أجاز الاستئناف للخطأ في تطبيق القانون وتأويله وقصر حظر الاستئناف على تقدير الوقائع والعقوبة . وطالما أن أحكام المحكمة الجزئية حتى ولو كانت لها صفة أخر درجة يمكن الطعن فيها بطريق الاستئناف لذات السبب المنصوص عليه بطريق النقض ، وهو الخطأ في القانون بمفهومه العام الذي يشمل البطلان ، فإذا فوت الخصم طريق الاستئناف فلا يجوز له الطعن بالنقض . ويترتب على ذلك نتيجة أخرى ألا وهي عدم جواز الطعن بالنقض في أحكام المحاكم الجزئية أيا كانت صفتها ، أي حتى في الأحوال التي تكون لها صفة أخر درجة . وهذا فعلاً ما اتجه إليه قضاء النقض في السنوات الأخيرة حيث صاغت مبدأ عاماً بمقتضاه أنه متى انغلق طريق الاستئناف انغلق النقض من باب أولى وعلى ذلك فالأحكام الصادرة من المحكمة الاستئنافية والصادرة من محكمة الجنايات ، أما الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية بوصفها أخر درجة فلا يجوز الطعن فيها بالنقض متی فوت الطاعن الاستئناف .
وبالنسبة للحكم الصادر في الدعوى المدنية من محكمة الجنايات أو من محكمة الجنح المستأنفة فلا يجوز الطعن بالنقض فيما يتعلق بالدعوى المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تجاوز نصاب الطعن بالنقض المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية. وتنص المادة 248 من قانون المرافعات المدنية والتجارية على أن للخصوم أن يطعنوا أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف إذا كانت قيمة الدعوى تجاوز مائة الف جنيه وعلى ذلك لا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الصادر في الدعوى المدنية التبعية فقط إلا إذا كانت قيمة الإدعاء المدني تجاوز مائة ألف جنيه ، إذ لا يقبل أن يكون في الوقت الذي أوصد فيه باب الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام الصادرة عن محكمة الجنح لقلة النصاب أن يترك الباب مفتوحاً للطعن بالنقض وسوى في ذلك بين الأحكام الصادرة من محكمة الجنح ومحكمة الجنايات إذ القول بغير ذلك يؤدي إلى المغايرة في الحكم في ذات المسالة الواحدة بغير مبرر وهو ما يتنزه عنه الشارع، ويخرج عن مقصده ، فلا يتصور أن يكون الحكم في الدعوى المدنية الصادر من محكمة الجنح غير جائز الطعن فيه بالنقض لقلة النصاب ويكون في ذات الوقت قابلاً لهذا الطعن لمجرد صدوره من محكمة الجنايات ، رغم أن ضمان العدالة فيها أكثر توافراً .
أن يكون الحكم الذى توافرت فيه الشروط السابقة صادراً من محكمة عادية :
أن الطعن بطريق النقض قاصر على الأحكام التي تصدر من المحاكم العادية ومن محكمة الأحداث . أما الأحكام الصادرة من محاكم استثنائية أو خاصة سواء أكانت محاكم عسكرية وفقاً للإجراءات العسكرية أم كانت مشكلة وفقاً لقانون الأحكام العرفية أو قوانين أخرى خاصة فلا يقبل الطعن في هذه الأحكام بطرق الطعن المنصوص عليها في قانون الإجراءات وإنما يخضع الطعن في أحكامها للإجراءات الخاصة بتلك المحاكم والمنصوص عليها في القوانين المنظمة لها . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 2051 )
المصلحة في الطعن :
إن ثبوت الحق في الطعن لا يكفي لقبوله وإنما يلزم زيادة على ذلك توافر شروط مباشرة حق الطعن، وهو أن يكون للطاعن مصلحة في إلغاء الحكم موضوع الطعن بناء على الأسباب التي ساقها وأوجه الطعن التي تقدم لها فإذا انتفت تلك المصلحة كان الطعن غير مقبول ولذلك فإن شرط قبول الطعن هو وجود مصلحة للطاعن تضفي عليه الصفة في رفعه، ومناط ذلك هو ما يدعيه الطاعن من حق ينسبه لنفسه . لذلك إذا حكم للخصم بما طلب فلا يقبل بعد ذلك الطعن بالنقض لانتفاء المصلحة. فلا يقبل مثلاً من المتهم الطعن في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية بالبراءة إذ لا مصلحة له في ذلك، وإذا حكم للمدعي بطلباته فلا تكون له صفة في الطعن في الحكم الصادر بالبراءة وذلك لانتفاء صفة الخصم وانتفاء المصلحة في الوقت ذاته لذلك لا مصلحة للطاعن متى كانت العقوبة المحكوم بها تدخل في نطاق المادة التي يقول بانطباقها عليه دون تلك التي طبقتها المحكمة .
ومما سبق يتبين أن المصلحة التي لابد من توافرها لقبول الطعن يلزم أن تكون شخصية أي أن يكون الطعن يحقق مصلحة خاصة بالطاعن ولذلك لا يقبل التمسك بأوجه الطعن التي تتصل بالخصوم الأخرين . حقاً أن الخصم قد يستفيد بطريق غير مباشر من إلغاء الحكم، إلا أن شخصية المصلحة تتطلب أيضاً أن تكون مباشرة بمعنى أن يكون وجه الطعن الذي يستند إليه الطاعن في طعنه قد أضر بمصلحة خاصة به، فلا يكفي أن يستفيد الخصم من إلغاء الحكم طالما أن وجه الطعن لم يضر بمصلحة شخصية تتعلق به . ولذلك لا يجوز للمسئول عن الحقوق المدنية أن يطعن في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية بناء على إغفاله الرد على دفع المتهم ببطلان القبض والتفتيش كذلك لا يجوز الطعن على حكم لاستناده إلى دليل مستمد من إجراء باطل لمخالفته لقواعد جوهرية من غير من وضعت تلك القواعد لصالحه .
ويجب أن تكون المصلحة حقيقية، يستوي بعد ذلك أن تكون أدبية ومالية . كما يجب أن تقوم المصلحة وقت ثبوت الحق في الطعن وهو وقت صدور الحكم فيه وتستمر حتى وقت نظر الطعن والحكم فيه . فإذا طرأت ظروف بعد الطعن وقبل صدور حكم فيه وكان شأن هذه الظروف نفي المصلحة في إلغاء الحكم تعين على محكمة النقض الحكم بعدم قبول الطعن والحكم في موضوعه . ذلك أن العبرة في قبول الطعن ليست بثبوت الحق فيه وقت مباشرته وإنما أيضاً في قيام المصلحة في الإلغاء، فإذا انتفت المصلحة وقت الحكم فلا مبرر للإلغاء .
وتطبيقاً لما سبق لا تكون هناك مصلحة حقيقة للطعن المقدم من المتهم في الحكم الصادر بالإدانة إذا كان وجه الطعن هو الخطأ في تطبيق القانون لا يستفيد المتهم من تصحيحه لأن العقوبة المقضي بها تدخل في حدود العقوبة التي يجب الحكم بها وفقاً للتطبيق السليم للقانون، وهذا ما يطلق عليه بنظرية العقوبة المبررة والتي سنعرض لها عند دراسة الحكم في النقض .
وعلى هذا الأساس قضى بأن حكم ظرف الترصد في تشديد العقوبة هو کحكم ظرف سبق الإصرار ولذلك فإن إثبات توافر أحدهما يغني عن إثبات توافر الأخر، ومن ثم فلا مصلحة للطاعن فيما يثيره عن خطأ الحكم في إثبات ظرف سبق الإصرار في حقه طالما أنه يسلم بتوافر الترصد .
كذلك لا مصلحة للطاعن في إثارة توافر أركان الجريمة التي حوكم بها طالما أن العقوبة المقضي بها مقررة للجنحة التي يسلم بقيامها في حقه . وإن كان الحكم قد طبق حكم القانون بالنسبة للجرائم المرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة وقضي بعقوبة تدخل في نطاق العقوبة المقررة لإحدى هذه الجرائم فلا مصلحة للطاعن في النعي على الحكم بالنسبة لجريمة أخرى من الجرائم المسندة إليه فإذا كان الحكم قد وقع على الطاعن العقوبة المقررة لجريمة إحراز المخدر بقصد الاتجار باعتبارها الجريمة الأشد فلا مصلحة للطاعن في إثارة قصور الحكم فيما يتعلق بجريمتي الإهانة والتعدي المرتبطتان بجريمة الإحراز ارتباطاً لا يقبل التجزئة. كذلك لا مصلحة للمتهم في الطعن المستند إلى أن الحكم لم يظهر في حقه أركان جريمة الاختلاس من موظف عام المنسوبة إليه طالما أن المحكمة قد أدانته بعقوبة جناية عرض الرشوة على موظف عام المسندة إليه .
النيابة العامة وشرط المصلحة :
أن شرط المصلحة في الطعن يجب أن يتوافر بالنسبة لجميع الخصوم بما فيهم النيابة العامة غير أن هذا الشرط بالنسبة للنيابة العامة يختلف مضمونه عن باقي الخصوم وذلك باعتبار أنها ليست لها مصلحة خاصة وإنما تستهدف في جميع تصرفاتها المصلحة العامة في التطبيق السليم للقانون .
ونظراً للوضع الخاص بالنيابة العامة فإن شرط المصلحة يعتبر متوافراً متى كان الطعن بالنقض من شأنه أن يحقق المصلحة العامة المتمثلة في التطبيق السليم للقانون، ولذلك فإن الطعن بالنقض يكون مقبولاً، أولاً : إذا كان فيه مصلحة للإتهام واقتضاء حق الدولة في العقاب وهنا تكون المصلحة خاصة بالنيابة العامة بوصفها سلطة اتهام والأمينة على الدعوى العمومية باعتبارها وسيلة الدولة لاقتضاء حقها في العقاب، ثانياً : إذا كان الطعن يحقق مصلحة للمتهم وهنا نجد أن المصلحة العامة في تحقيق العدالة بتطبيق القانون تطبيقاً سليماً هي التي تشكل شرط المصلحة في الطعن فالنيابة هي خصم عادل ولذلك يجوز لها الطعن لمصلحة المتهم مادام في ذلك تحقيق العدالة والتطبيق السليم للقانون .
وإذا لم تكن هناك مصلحة خاصة بالاتهام أو مصلحة للمتهم فيكاد ينعقد الإجماع على أنه لا يجوز للنيابة العامة الطعن في الحكم بالنقض ولو كان لتصويب الإجراءات وصحة تطبيق القانون غير أننا نرى خلاف ذلك، فإذا كان الفقه والقضاء يسلم بجواز الطعن المقدم من النيابة العامة حتی لصالح المتهم فإن ذلك لا يشكل المصلحة المباشرة في الطعن، وإنما تتمثل تلك المصلحة في المحافظة على صحة الإجراءات والضمانات التي فرضها القانون بغية تحقيق عدالة جنائية سليمة . ولذلك فإن النيابة العامة هي خصم يتمتع بمركز قانوني خاص يجيز له الطعن لتصحيح الإجراءات والأخطاء التي وقع فيها الحكم منافياً لما يفرضه القانون حتى ولو استفاد من هذا الطعن المتهم أو باقي الخصوم ذلك أن هذه الفائدة التي يحصل عليها المتهم في الطعن ليست هي الغاية من الطعن وإنما تتمثل هذه المصلحة في التطبيق السليم للقانون ولذلك فإننا نرى أن المصلحة تتحقق أيضاً بالنسبة للنيابة العامة متى كان الغرض من الطعن هو صحة تطبيق القانون، خاصة وأن هذه الوظيفة الرئيسية لمحكمة النقض تحققها عن طريق الطعون التي يتقدم بها الخصوم وفي مقدمتهم النيابة العامة . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 2064 )
ثانياً : الأحكام الجائز الطعن عليها بطريق النقض .
توجيه الطعن بالنقض إلى حكم :
يتعين أن يكون موضوع الطعن بالنقض «حكماً»، ويفترض كل حكم وجود نزاع، تم الفصل في موضوعه أو في مسألة يتعين حسمها قبل التعرض لموضوعه. وتطبيقاً لذلك، لا يجوز الطعن بالنقض في أعمال التحقيق وأوامره، ولا يجوز الطعن بالنقض في الإجراءات الخاصة بنظام الجلسة وضبطها، كجعلها سرية أو إخراج شخص منها. وأهم نتيجة تترتب على ذلك أنه لا يجوز الطعن بالنقض في أسباب الحكم استقلالاً عن منطوقه، ذلك أن الحكم يراد به منطوقه باعتباره جزءه الذي يحسم النزاع. وتطبيقاً لذلك، لا يقبل من متهم قضي ببراءته أن يطعن في الحكم استناداً إلى أن أسبابه قررت البراءة لمانع عقاب أو مانع مسئولية، وأنه يرى أن البراءة يجب أن تستند إلى سبب إباحة أو إلى انتفاء أحد أركان الجريمة ولا يقبل الطعن بالنقض من أجل حذف عبارات وردت في أسباب الحكم، ويراها الطعن ماسه باعتباره . بل إنه لا يجوز الطعن بالنقض في أسباب الحكم إذا انطوت على خطأ قانوني إذا كان إصلاح هذا الخطأ لا يؤثر على ما قرره منطوقه .
ولكن لهذه القواعد حدودها : فإذا كان لا يجوز الطعن في عمل التحقيق ذاته، فإن بطلانه وبطلان الدليل الذي تولد عنه واستند الحكم إليه، قد يكون سبب الطعن في الحكم إذا كان الطاعن قد تمسك به أمام محكمة الموضوع .
بل يجوز أن يكون عيب عمل التحقيق سبباً للطعن في الحكم إذا كان هذا العيب قد أهدر قاعدة تتصل بالنظام العام، وإن لم يكن هذا العمل قد تولد عنه الدليل. ويعني ذلك أن الطعن لا يقبل في عمل التحقيق لذاته، ولكن يجوز أن يكون تعييب عمل التحقيق وجه الطعن في الحكم . وإذا كان لا يجوز الطعن في أسباب الحكم استقلالاً، فإنه يجوز الطعن في الحكم استناداً إلى عدم تسبيبه أو قصور أسبابه أو تناقضها فيما بينها، أو فيما بينها وبين المنطوق .
وإذا أغفلت المحكمة الفصل في الدعوى المدنية المقامة بالتبعية للدعوى الجنائية، فلا يجوز الطعن بالنقض في ذلك الإغفال، لعدم وجود حكم يوجه إليه الطعن .
توجيه الطعن بالنقض إلى حكم صادر عن القضاء الجنائي العادي : يفترض الطعن بالنقض اتجاهه إلى حكم صادر عن القضاء الجنائي العادي، سواء صدر هذا الحكم في الدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية التي يختص بها هذا القضاء استثناء. ويتصل هذا الشرط بوظيفة محكمة النقض، باعتبارها قمة هذا القضاء والهيئة المنوط بها رقابة التزامه القانون . بل إن خضوع الأحكام التي تصدر عن محكمة معينة لرقابة محكمة النقض هي الدليل على انتماء هذه المحكمة إلى القضاء الجنائي العادي، في حين أن عدم خضوع أحكام محكمة ما لهذه الرقابة يعني عدم انتمائها إلى هذا القضاء. وتطبيقاً لذلك، فإنه لا يجوز الطعن بالنقض في حكم صادر عن محكمة إدارية أو عن سلطة تأديبية. ولا يجوز أن يطعن بالنقض الجنائي، أي أمام الدائرة الجنائية لمحكمة النقض في حكم صادر عن محكمة مدنية. ولا يجوز الطعن بالنقض في حكم صادر عن محكمة عسكرية (المادة 117 من قانون الأحكام العسكرية). ولا يجوز الطعن بالنقض في أحكام محاكم أمن الدولة التي أنشأها القانون رقم 62 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ (المادة 12) . ويجوز الطعن بالنقض في الحكم الصادر من محكمة مدنية في شأن جريمة ارتكبت في جلستها واختصت بها، إذ تعد هذه المحكمة استثناء - وفي خصوص هذه الجريمة - «قضاءً جنائياً». ويجوز الطعن بالنقض في حكم محكمة الأطفال، إذ تعد هذه المحكمة قضاءً جنائياً عادياً ذا اختصاص شخصي محدود .
ويتبع الحكم الصادر في الإشكال في التنفيذ الحكم في موضوع الدعوى من حيث جواز أو عدم جواز الطعن فيه بالنقض. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان الحكم صادراً في إشكال في تنفيذ حكم صادر في مخالفة، أو كان صادراً في إشكال في تنفيذ حكم صادر من محكمة أمن الدولة طوارئ، أو من محكمة عسكرية، فإن الطعن بالنقض فيه لا يكون جائزاً. ويفترض الطعن بالنقض في الإشكال الوقتي في التنفيذ أن الحكم المستشكل فيه لم يصر بعد باتاً، أما إذا صار باتاً (لعدم الطعن فيه) أو لاستنفاد الطعن فيه فإن الطعن بالنقض في الإشكال يكون غير مقبول . ولا يقبل كذلك الطعن بالنقض في إشكال في حكم قضى بنقضه، ذلك أنه قد ألغى السند التنفيذي فلم يعد التنفيذ محل، ولم يعد بناء على ذلك للإشكال فيه محل .
صدور الحكم في جناية أو جنحة :
علة القاعدة : قصر الشارع الطعن بالنقض على الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح، ويعني ذلك عدم جواز الطعن بالنقض في الحكم الصادر في مخالفة، أياً كانت جسامة العيب الذي انطوى عليه الحكم. وتطبق هذه القاعدة، ولو قضي في المخالفة بعقوبة تكميلية أو تدبير ثقيل الوطأة على المتهم. وعلة القاعدة تضاؤل العقوبة التي يقضي بها في المخالفة، فلا تكون المصلحة ظاهرة في إلغائها، بالإضافة إلى بساطة أركان المخالفة في الغالب، وعدم إثارتها مشاكل يقوم بحسمها احتمال الخطأ في القانون. وتعلل القاعدة كذلك بأن الشارع أجاز استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات «للخطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم» دون نظر إلى العقوبة التي يحكم بها، وفي إجازة الاستئناف لذات الأسباب التي يجوز الطعن بالنقض من أجلها ما يغني عن إجازة النقض. وفي النهاية، فإن في استبعاد المخالفات من نطاق النقض تخفيف من أعباء محكمة النقض بما يتيح لها التفرغ للأحكام الصادرة في الجرائم الهامة .
ولذات العلة فقد استثنى الشارع من الطعن بالنقض الأحكام الصادرة في الجنح المعاقب عليها بالغرامة التي لا تجاوز عشرين ألف جنيه. كذلك لا يجوز الطعن فيما يتعلق بالدعوى المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تجاوز نصاب الطعن بالنقض المنصوص عليه في قانون المرافعات المدنية والتجارية (الفقرة الثالثة من المادة 30 من قانون النقض المستبدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007) .
تطبيق القاعدة :
العبرة في تحديد وصف الجريمة، وما إذا كانت مخالفة فلا يقبل الطعن بالنقض في الحكم الصادر في شأنها، أم كانت جنحة أو جناية فيكون الطعن بهذا الطريق مقبولاً، هي بالوصف الذي رفعت به الدعوى، وليست بالوصف الذي أسبغته المحكمة عليها. وتطبيقاً لذلك، فإذا رفعت الدعوى باعتبار الواقعة جنحة، ولكن المحكمة اعتبرتها مخالفة وقضت فيها على هذا الأساس، فإن حكمها يقبل الطعن بالنقض .
ويفترض تطبيق هذه القاعدة أن الواقعة لا تحتمل إلا وصف المخالفة، أما إذا كانت تحتمل وصفين أو أكثر أحدهما أنها مخالفة والثاني أنها جنحة، فالعبرة - تطبيقاً - للقواعد العامة - بوصفه الأشد، أي اعتبارها جنحة، ومن ثم يكون الطعن بالنقض في الحكم الصادر فيها جائزاً، ويتناول الطعن بالضرورة أوصافها جميعاً، ومن بينها وصفها بأنها مخالفة .
ويفترض تطبيق هذه القاعدة كذلك أن الواقعة بسيطة، أما إذا ارتبطت واقعتان (أو أكثر) ارتباطاً غير قابل للتجزئة، وكانت إحداهما جنحة، مما يجوز الطعن في الحكم الصادر فيها بالنقض، والأخرى مخالفة بحيث صدر في شأنهما حكم واحد يقضي بعقوبة واحدة، فإن هذا الحكم يقبل الطعن بالنقض. وينصرف الطعن إلى كل ما قضى به الحكم، بما في ذلك ما يكون قد قرره في شأن الجريمة الأخف .
وينصرف تطبيق هذه القاعدة إلى الحكم الصادر في الدعوى المدنية الناشئة عن المخالفة، فهذا الحكم لا يجوز الطعن فيه بالنقض أياً كان المبلغ المدعى به أو الذي قضى به، ذلك أن هذه الدعوى تتبع الدعوى الجنائية، فلا يكون الحكم الصادر فيها قابلاً للطعن بالنقض طالما كان الحكم في الدعوى الجنائية غير قابل لذلك .
اشتراط أن يكون الحكم نهائياً :
علة القاعدة : علة اشتراط أن يكون الحكم نهائياً كي يكون الطعن فيه بالنقض جائزاً مستمداً من الطابع غير العادي للطعن بالنقض: فلا يجوز الالتجاء إليه إلا إذا استنفدت طرق الطعن العادية في الحكم، فلم تجد الطاعن في إزالة العيب الذي ينعاه على الحكم. أما إذا كان بعض هذه الطرق ما يزال متاحاً، فمن المتعين الالتجاء إليه، فقد يجدي في إزالة عيب الحكم .
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطعن بالنقض في حكم قابل للطعن بالمعارضة أو الاستئناف يخلق مشكلة: فقد يلغى الحكم بناء على المعارضة أو الاستئناف، فيصير النقض غير ذي موضوع ينصرف إليه، وإذا قيل إن الطعن بالنقض ينهي سلطة محكمة المعارضة أو الاستئناف، فمؤدى ذلك حرمان الخصم من حقه في الطعن بالطريق العادي .
تطبيق القاعدة : الأصل أن ينصرف تعبير «الحكم النهائي» إلى الحكم الذي لا يقبل الطعن بالاستئناف، وإن كان قابلاً للطعن بالمعارضة، ولكنه في تطبيق هذا الشرط يعني الحكم الذي لا يقبل الطعن بالاستئناف أو المعارضة. فلا يجوز الطعن بالنقض في حكم ما يزال قابلاً للطعن بالمعارضة، أو طعن فيه فعلاً بالمعارضة، وقد نصت على ذلك المادة 32 من قانون النقض. ولا يجوز كذلك الطعن بالنقض في حكم ما يزال قابلاً للطعن بالاستئناف، أو طعن فيه فعلاً بالاستئناف .
وتطبيقاً لذلك ، فإنه لا يجوز الطعن بالنقض في حكم استئنافي غيابي لم يعلن للمتهم، إذ عدم إعلانه يعني عدم ابتداء ميعاد المعارضة فيه. ولا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الغيابي ولو وصف خطأ بأنه حضوري، فالعبرة بحقيقة وصف الحكم وفقاً للقانون وإذا كان الحكم غيابياً بالنسبة لأحد الخصوم وحضورياً بالنسبة لخصم آخر، فلا يجوز للأخير الطعن فيه بالنقض إلا بعد أن يصير غير قابل للطعن بالمعارضة من الخصم الذي اعتبر غيابياً بالنسبة له. فإذا صدر الحكم غيابياً بالنسبة للمتهم، فلا يجوز للنيابة العامة أن تطعن فيه بالنقض على الرغم من أنه حضوري بالنسبة لها طالما بقى الحكم قابلاً لمعارضة المتهم، وطالما بقيت المعارضة مطروحة على المحكمة المختصة بها . وإذا طعنت النيابة العامة بالنقض في الحكم الغيابي كان طعنها غير مقبول، ولا يصححه أن الحكم قد صار بعد التقرير بالنقض غير قابل للمعارضة لإعلانه وفوات ميعاد المعارضة دون الطعن بها، أو للحكم في المعارضة بعدم جوازها: ذلك أن صحة الطعن بالنقض تقدر وقت التقرير به ولا عبرة بما يطرأ بعد ذلك وإذا كان الحكم حضورياً بالنسبة للمسئول المدني وغيابياً بالنسبة للمتهم، فلا يجوز للمسئول المدني الطعن بالنقض حتى ينقضي ميعاد المعارضة أو يستنفد المتهم حقه فيها، فقد يؤدي طعن المتهم بالمعارضة إلى «ثبوت أنه لم يرتكب الواقعة الجنائية التي أسندت إليه، وهو ما ينبني عليه بطريق التبعية تغيير الأساس الذي بني عليه القضاء في الدعوى المدنية» وتطبق هذه القواعد على الحكم الحضوري الاعتباري الذي يجوز الطعن فيه بالمعارضة، فطالما بقي قابلاً للطعن بالمعارضة أو طعن فيه بالمعارضة، فلا يجوز الطعن فيه بالنقض، أما إذا كان لا يجوز الطعن فيه بالمعارضة، فإن الطعن فيه بالنقض يكون جائزاً، وإذا كان للمتهم المعارضة في بعض ما قضى به الحكم دون البعض الآخر، كما لو حكم غيابياً ببراءته من بعض ما نسب إليه وإدانته في البعض الآخر، أو حكم بإدانته ورفض إلزامه بالتعويض، فإنه لا يجوز الطعن بالنقض قبل استنفاذ طريق المعارضة، أو فوات ميعادها .
وإذا ألغى الحكم الغيابي الاستئنافي بالحكم المطعون فيه، اعتبر هذا الحكم الأخير هو وحده الصادر من محكمة آخر درجة، ومن ثم كان الطعن فيه بالنقض جائزاً .
ولكن لا يجوز الطعن بالنقض في حكم استئنافي بتأييد الحكم الابتدائي بعدم جواز المعارضة، إذ مؤدى ذلك أن يصير الحكم الابتدائي حائزاً قوة الأمر المقضي .
الطعن بالنقض في الحكم الغيابي الذي لا يقبل الطعن بالمعارضة : إذا كان الحكم الغيابي لا يقبل الطعن بالمعارضة (أو لن يطعن فيه بالمعارضة لانتفاء شروطها بالنسبة لمن له الحق فيها ) فإنه يجوز الطعن فيه بالنقض بمجرد صدوره . وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان الحكم الاستئنافي الغيابي صادراً ببراءة المتهم، فللنيابة أن تطعن فيه بالنقض بمجرد صدوره، وللمدعي المدني كذلك أن يطعن في هذا الحكم بمجرد صدوره. وإذا صدر الحكم الغيابي في المعارضة جاز الطعن فيه بمجرد صدوره، إذا لا يقبل معارضة. وتطبيقاً لذلك، فإنه يجوز الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي الغيابي باعتبار المعارضة كأن لم تكن، وينصرف النقض في هذه الحالة إلى الحكم الغيابي في موضوع الدعوى. ويجوز الطعن في الحكم الاستئنافي الغيابي الذي قضى بعدم قبول المعارضة شكلاً، والحكم الاستئنافي الغيابي في المعارضة فصلاً في موضوع الدعوى. وإذا حظر الشارع الطعن بالمعارضة في حكم غيابي، جاز الطعن فيه بالنقض بمجرد صدوره. وإذا لم تكن للمتهم مصلحة في الطعن في الحكم بالمعارضة، جاز طعن النيابة العامة فيه بالنقض بمجرد صدوره .
اشتراط أن يكون الحكم صادراً عن آخر درجة :
بيان القاعدة وعلتها : نصت على هذه القاعدة المادة 30 من قانون النقض ، فاشترطت فى الأحكام التى يجوز الطعن فيها بالنقض أن تكون «صادرة عن آخر درجة» . ويعني ذلك أنه لا يقبل الطعن بالنقض إلا في حكم «انتهائي»، أي حكم استنفد فيه طريق الطعن بالاستئناف، أما إذا كان الحكم يجوز الطعن فيه بالاستئناف، فقبله المحكوم عليه، أو فوت على نفسه ميعاد استئنافه، فصار الحكم بذلك نهائياً، فلا يجوز له الطعن فيه بالنقض .
وعلة هذه القاعدة مستمدة من الطابع غير العادي للطعن بالنقض، إذ ينبني على ذلك أنه لا يجوز الالتجاء إليه إلا إذا كان المحكوم عليه قد التجأ إلى طريق الطعن العادي، فلم يجده لإصلاح عيب الحكم . أما إذا فوت على نفسه الطعن العادي، فهو مهمل، ولا محل لتخويله طريق الطعن غير العادي . وقد عبرت محكمة النقض عن هذه العلة في قولها «إن النقض ليس طريقاً عادياً للطعن على الأحكام وإنما هو طريق استثنائي لم يجزه الشارع إلا بشروط مخصوصة لتدارك خطأ الأحكام النهائية في القانون، فإذا كان الخصم قد أوصد على نفسه باب الاستئناف - وهو طريق عادي - حيث كان يسعه استدراك ما شاب الحكم من خطأ في الواقع أو القانون لم يجز له من بعد أن يلج سبيل الطعن بالنقض» .
وتطبق هذه القاعدة على المتهم والنيابة على السواء، فإذا كانت النيابة لم تستأنف الحكم الصادر من محكمة أول درجة، فلا يجوز لها الطعن بالنقض . وتطبق هذه القاعدة على المدعي المدني والمسئول المدني كذلك .
ولكن لا تطبق هذه القاعدة على المعارضة على الرغم من أنها طريق عادي للطعن في الأحكام : فإذا فوت المتهم على نفسه الطعن في الحكم الغيابي الاستئنافي بالمعارضة جاز له بعد ذلك الطعن فيه بالنقض، إذ أن تفويت ميعاد المعارضة يجعل الحكم الغيابي في منزلة الحكم الحضوري، فتطبق عليه قواعده، وهي تجيز الطعن فيه بالنقض .
لا يجوز أن ينعطف الطعن بالنقض على الحكم الابتدائي : إذا طعن في الحكم الابتدائي بالاستئناف ثم طعن في الحكم الاستئنافي بالنقض، فإنه يجب أن تقتصر أوجه النقض على الحكم الاستئنافي، إذ هو الحكم الصادر عن آخر درجة، ولا يجوز أن توجه أسباب الطعن بالنقض إلى الحكم الابتدائي، إذ يخالف ذلك قاعدة اقتصار الطعن بالنقض على الحكم الصادر عن آخر درجة، أي «الحكم الاستئنافي».
وبالإضافة إلى ذلك، فإن العيوب التي تنعي على الحكم الابتدائي كان يتعين التذرع بها أمام المحكمة الاستئنافية، فإن كان الطاعن قد أغفل ذلك فهو مهمل، ومن ثم لا يسمح له بالاحتجاج بها أمام محكمة النقض، وإذا كان قد تذرع بها أمام المحكمة الاستئنافية فلم تصلحها، فإنها تمتد بالضرورة إلى الحكم الاستئنافي فيصير مشوباً بها، فيوجه الطعن إليه. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان الحكم الابتدائي لم يوقع عليه في خلال ثلاثين يوماً، أو لم يتضمن تاريخاً، أو لم يذكر نص القانون الذي طبقه، أو خلا من الأسباب، أو كانت غير كافية أو متناقضة، فلا يجوز أن تثار هذه العيوب أمام محكمة النقض. وإذا طعن بالنقض في الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي بعدم جواز المعارضة، فلا يجوز أن يتعدى إلى الحكم الابتدائي في موضوع الدعوى. وإذا طعن بالنقض في الحكم الاستئنافي الذي قضى بعدم قبول الاستئناف شكلاً، فإنه لا يجوز الطعن عليه إلا من حيث ما قضى به من عدم قبول الاستئناف شكلاً، ولا يجوز أن يمتد الطعن إلى الحكم الابتدائي .
ولا يجوز - من باب أولى - أن يستند الطعن بالنقض إلى تعييب الإجراءات السابقة على المحاكمة، إذ «العبرة في الأحكام هي بإجراءات المحاكمة وبالتحقيقات التي تحصل أمام المحكمة».
يمتنع الطعن بالنقض حيث يحظر القانون الطعن بالاستئناف : وضعت محكمة النقض مبدأ قررت فيه أنه «حيث ينسد طريق الاستئناف وهو طريق عادي من طرق الطعن ينسد من باب أولى الطعن بطريق النقض». وقد عللت ذلك بأنه «لا يعقل أن يكون الشارع قد أقفل باب الاستئناف في هذه الدعاوى لتفاهة قيمتها وفي الوقت ذاته يسمح بالطعن فيها بطريق النقض» وتعني هذه القاعدة أنه إذا حظر الشارع الطعن بالاستئناف في حكم ما، فإن باب الطعن فيه بالنقض يكون محظوراً كذلك، ومن باب أولى. وقد جعلت محكمة النقض لهذه القاعدة نطاقاً عاماً، فهي تطبق على الحكم بعقوبة أو تدبير إذا حظر الشارع استئنافه، فقد قضت بأنه إذا حظر القانون استئناف الحكم بتدبير حكم به على طفل، فإن الطعن بالنقض في هذا الحكم يكون غير جائز .
ولكن أهم تطبيق لهذه القاعدة هو في الدعوى المدنية حيث يكون استئناف الحكم الصادر فيها غير جائز : فإذا كان التعويض المدعى به لا يزيد على خمسة آلاف جنيه، فالحكم الصادر فيه يكون استئنافه غير جائز، وتبعاً لذلك يكون الطعن فيه بالنقض غير جائز كذلك وامتناع الطعن بالنقض يسري في هذه الحالة على المدعي المدني والمسئول المدني على السواء، ويسري على المتهم إذا لم يكن قد استأنف الحكم الصادر ضده بالعقوبة. وتطبق هذه القاعدة، ولو كان الحكم برفض الدعوى المدنية صادراً من المحكمة الاستئنافية: فإذا كان التعويض المدعى به دون النصاب النهائي، فاستأنف المتهم الحكم الصادر في شأنه مع استئنافه حكم الإدانة، فألغت المحكمة الاستئنافية الحكم بالتعويض أو أنقصته، فليس للمدعي المدني الطعن بالنقض في حكم المحكمة الاستئنافية، ذلك أن قضاء هذه المحكمة ليس من شأنه أن ينشئ له حقاً في الطعن بالنقض متى امتنع عليه حق الطعن ابتداء بطريق الاستئناف ومنع طعن المدعي المدني بالنقض في هذا الفرض يقر المساواة بينه وبين المسئول المدني الذي لا يجوز له الطعن - بأي طريق من طرق الطعن - في الحكم بإلزامه بالتعويض المطالب به الذي لا يجاوز النصاب النهائي للمحكمة الجزئية والأصل أن تطبق هذه القاعدة كذلك إذا كان الحكم بالتعويض صادراً من محكمة الجنايات، فإذا كان التعويض المطالب به أمام هذه المحكمة لا يزيد على خمسة آلاف جنيه، فلا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الصادر في شأن هذا التعويض. وقد عللت محكمة النقض سريان القاعدة في هذه الحالة بأنه «لا يتصور أن يكون الحكم في الدعوى المدنية - الصادر من محكمة الجنح - غير جائز الطعن فيه لقلة النصاب، ويكون في الوقت ذاته قابلاً لهذا الطعن، لمجرد صدوره من محكمة الجنايات، رغم أن ضمان العدالة فيها أكثر توافراً» ولكن محكمة النقض عدلت بعد ذلك عن تطبيق القاعدة في هذا الفرض، فأجازت الطعن بالنقض في حكم محكمة الجنايات في شأن الدعوى المدنية، أياً كان مقدار التعويض المدعى به .
ومذهب محكمة النقض في حظر الطعن بالنقض حيث يحظر القانون الطعن بالاستئناف لا يستند إلى نص صريح في القانون، ومن هذه الوجهة فقد تعرض لنقد بعض الفقهاء، باعتباره يقرر حرماناً دون سند من القانون ولكن يبدو أن لهذا القضاء ما يبرره: فمن الوجهة العملية أرادت محكمة النقض الحد من الطعون التي تقدم إليها، ومن الوجهة النظرية فإن نطاق الطعن بالنقض لا يتسع لجميع الأحكام، وإنما يستبعد منه بعضها، وكما يكون الاستبعاد استناداً إلى نص صريح، فقد يستند إلى تفسير صحيح للقانون. وقد رأت محكمة النقض أن ضابط استبعاد بعض الأحكام من نطاق النقض هو تضاؤل أهمية الدعوى التي صدرت فيها، وقد استخلصت من تضاؤل قيمة التعويض المدعى به إلى الحد الذي جعل الشارع يستبعد الحكم الصادر فيه من نطاق الاستئناف، ما يقتضي كذلك استبعاده من نطاق النقض. وقد قارنت المحكمة بين الاستئناف والنقض: فالأول طريق طعن عادي والثاني طريق طعن غير عادي، والوضع الطبيعي أن يكون الأول أوسع نطاقاً من الثاني، ولا يتسق مع هذه العلاقة المنطقية بينهما أن يكون الطعن بالنقض في حالة معينة (أي بالنسبة لنوع معين من الأحكام) أوسع نطاقاً من الاستئناف. وقد يبرر هذا القضاء تفسير «اشتراط صدور الحكم عن آخر درجة» بأنه يعني صدوره عن محكمة لا يجوز استئناف أحكامها عامة، أي عن محكمة الجنح المستأنفة أو محكمة الجنايات، ومن ثم تستبعد الأحكام الصادرة عن محكمة يجوز استئناف أحكامها كقاعدة عامة، ولكن حظر القانون استئناف بعضها استثناء، إذ يكون الطعن بالنقض غير جائز في الأحكام المستثناة من أصل جواز الاستئناف . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني ، الصفحة : 1370 )
يشترط في الحكم الجنائي ما يأتي :
(أ) أن تتوافر فيه مقومات الحكم :
الأصل أن الطعن بالنقض لا يرد إلا على الأحكام فلا ينصب على أوامر التحقيق أو الإحالة. وكان القانون قد نص على سبيل الاستثناء على جواز الطعن بالنقض في بعض الأوامر، وهو الأمر الصادر من مستشار الإحالة أو من محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة برفض الاستئناف المرفوع من المدعي المدني في الأمر الصادر من النيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى ( المادة 212 إجراءات، والأمر الصادر من مستشار الإحالة بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى إلى المحكمة الجزئية باعتبار الواقعة جنحة أو مخالفة وقد ألغي هذا الاستثناء بالقرار بقانون رقم 173 لسنة 1981 ) .
والقرار الصادر بشطب الدعوى، والقرار الصادر بندب محام للدفاع عن متهم في جناية، كما لا يجوز الطعن على امتناع المحكمة عن إصدار الحكم، فإذا كانت المحكمة قد قضت في الدعوى الجنائية فأرجأت الفصل في الدعوى المدنية فلم يصدر فيها حكم، فإن الطعن بالنسبة للدعوى المدنية يكون غير جائز لعدم صدور حكم فيها. كذلك لا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الذي أغفل الفصل في الدعوى المدنية، بل السبيل هو الرجوع إلى ذات المحكمة للفصل فيما أغفلته، عملاً بنص المادة 193 من قانون المرافعات المدنية .
والعبرة في تحديد ما إذا كان الطعن وارداً على حكم أو على أمر متعلق بالتحقيق أو بالإحالة، هي بحقيقة الواقع .
والعبرة في الحكم هي بما يرد في منطوقه، فلا يجوز الطعن استقلالاً على ما يرد في الأسباب إذا كان المنطوق صحيحاً، بل كانت تبرره أسباب أخرى قائمة بذاتها يمكن حمل المنطوق عليها. فإذا حكمت ببراءة المتهم واشتملت الأسباب على عبارات لوم جارحة، فلا يجوز الطعن على هذه الأسباب وحدها .
كما لا يجوز الطعن على رأي أبداه رئيس المحكمة، سواء في الجلسة أو في نطاق أسباب الحكم .
(ب) أن يكون الحكم جنائياً :
ويشترط لقبول الطعن بالنقض أمام الدائرة الجنائية، أن يكون الحكم صادراً من محكمة جنائية مصرية، ويترتب على ذلك ما يأتي :
(أ) عدم جواز الطعن بالنقض أمام الدائرة الجنائية في الأحكام الصادرة من المحكمة المدنية ولو قضت بتعويض عن الجريمة : ومع ذلك، فإن الطعن بالنقض يكون جائزاً إذا قضت المحكمة المدنية في إحدى جرائم الجلسات. على أنه في هذه الحالة تتحول المحكمة المدنية إلى محكمة جنائية في خصوصية الدعوى التي تقيمها عن جريمة الجلسة ويكون حكمها جنائياً .
ب) عدم جواز الطعن بالنقض في الأحكام التأديبية، مهما قيل بالطابع الجزائي لهذه الأحكام : فالطعن في تلك الأحكام يكون من اختصاص مجلس الدولة في حدود القانون ويخرج عن ولاية محكمة النقض وقد أكدت هذه المحكمة انفصال الدعوى الجنائية عن الدعوى التأديبية بقولها : «من المقرر أن الدعوى الجنائية تنفصل تماماً عن الدعوى التأديبية لاختلاف الدعويين سبباً وموضوعاً، وأن قوة الأمر المقضي أمام المحكمة الجنائية لا تكون إلا للأحكام الجنائية العامة، ومن ثم فإن الأحكام الصادرة من المحاكم التأديبية لا تنقضي بها الدعوى الجنائية، وليس لها قوة الشيء المحكوم فيه أمام المحاكم الجنائية» .
(ج) أن يصدر الحكم من محكمة عادية : ويشترط في الأحكام التي تخضع للطعن بالنقض أن تصدر من محاكم القانون العام، فلا تخضع للطعن بالنقض الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية، ولا المحاكم المشكلة بناء على حالة الطوارئ. ومن ثم فلا يجوز الطعن بالنقض في أحكام محكمة أمن الدولة العليا المنشأة طبقاً لقانون الطوارئ، فهي محكمة استثنائية شرعت لمواجهة الظروف الاستثنائية التي اقتضت إعلان حالة الطوارئ وتخضع أحكامها لنظام التصديق بواسطة الحاكم العسكري ولا تخضع للطعن القضائي. ولا يجوز القياس على ما كان ينص عليه القانون رقم 105 لسنة 1980 بإنشاء محاكم أمن الدولة العليا، والذي أجاز الطعن بالنقض في أحكامها، وذلك لأن القانون المذكور لم يكن ينظم سوی محاكم أمن الدولة في الظروف العادية، لا محاكم أمن الدولة الاستثنائية التي تنشأ بعد إعلان حالة الطوارئ فقط .
(د) أن يصدر الحكم من محكمة مصرية : وغني عن البيان فإنه يشترط في الحكم المطعون فيه أن يكون صادراً من محكمة مصرية، فلا ولاية لمحكمة النقض على الأحكام الأجنبية، حتى ولو صدرت على مصري .
يتطلب القانون في الأحكام التي يجوز فيها الطعن بالنقض شروطاً خاصة تتمثل فيما يأتي :
(أ) أن تصدر في مواد الجنايات والجنح .
(ب) أن تكون نهائية وصادرة من آخر درجة .
(ج) أن تكون منهية للخصومة .
(أ) الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح :
لا يجوز الطعن بالنقض إلا في الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح فقط دون المخالفات ( المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن بالنقض ) . وقد أجاز قانون الإجراءات الجنائية عند صدوره الطعن بالنقض في المخالفات، ثم جاء المرسوم بقانون رقم 253 لسنة 1952 بتعديل هذا القانون ، فلم يجز الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في المخالفات اكتفاء بجواز استئنافها، وهو ما سار عليه قانون حالات وإجراءات الطعن بالنقض رقم 57 لسنة 1959 .
وقد استقر قضاء محكمة النقض - تطبيقاً لذلك على عدم جواز الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في المخالفات، إلا إذا كان هناك ارتباط بينها وبين إحدى الجنايات أو الجنح المنسوبة إلى الطاعن، أو كان الدفاع يقوم فيها على أسس واحدة .
ويشار إلى أن مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد قد اتجه إلى تقييد حق الطعن في الجنح، فلم يجز للمحكوم عليه الطعن في الأحكام الصادرة فيها بالغرامة والمصاريف، أو بعقوبة الحبس الذي لا تزيد مدته على ستة أشهر، أو المشمول بإيقاف التنفيذ، ما لم يكن الحكم صادراً في جريمة ماسة بالشرف أو الاعتبار، كذلك فإن المشروع لا يجيز الطعن فيما يتعلق بالدعوى المدنية وحدها إلا إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على خمسة آلاف جنيه (المادة 386 من المشروع) .
ولا يشترط في الأحكام المطعون فيها. عندما تكون بالإدانة - أن تقضي بجزاء قضائي معين مما أورده قانون العقوبات. وقد كانت محكمة النقض ترى قديماً أن التدابير التقويمية المقررة للأحداث المجرمين ليست داخلة ضمن البيان الرسمي للعقوبات الأصلية والعقوبات التبعية كما هي مقررة في القانون. وقد رتبت على ذلك أنه لا يجوز الطعن فيها بالنقض، إلا أنها عدلت بحق عن هذا القضاء، فقضت مما مؤداه أنه ليس من الصواب القول بأن ما رتبه القانون من تدابير احترازية على الحدث لا يعد عقوبة بالمعنى الحقيقي . فلا يجوز الطعن فيها بطريق النقض؛ لأن هذه الجزاءات وإن كانت لم تذكر ضمن العقوبات الأصلية والتبعية التي أوردها القانون، إلا أنها في الواقع عقوبات حقيقية نص عليها قانون العقوبات في مواد أخرى لصنف خاص من الجناة هو الأحداث وهذا القضاء الأخير يتفق مع مقتضيات السياسة الجنائية الحديثة التي لا تتقيد بالعقوبات بمعناها التقليدي .
وعدم جواز الطعن في المخالفات يسري على الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية التبعية سواء بسواء .
ويلاحظ أن القانون قد يستثنى بنص صريح بعض الأحكام من مجال الطعن بالنقض، مثال ذلك ما نص عليه القانون رقم 48 لسنة 1945 بشأن المتشردين والمشتبه فيهم من عدم جواز الطعن في الحكم القاضي بإنذار المحكوم عليه بأن يسلك سلوكاً مستقيماً على أنه في هذه الحالة يكون مناط عدم جواز الطعن هو صدور هذه الأحكام في موضعها القانوني، فإذا صدرت في غير الأحوال التي يسمح بها القانون أمكن الطعن فيها بالنقض .
ولا يجوز الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في إشكالات التنفيذ، إذا كان الحكم المستشكل في تنفيذه قد حاز قوة الأمر المقضي، وذلك باعتبار أن الحكم الصادر في الإشكال بحسب طبيعته هو حكم مؤقت حتى يفصل في النزاع نهائياً ، فإذا حاز الحكم المستشكل في تنفيذه قوة الأمر المقضي بعدم الطعن فيه قبلا ، فإن الحكم الصادر في الإشكال ينقضي أثره، مما لا يجوز الطعن فيه بالنقض .
الحكم الصادر في الدعوى المدنية التبعية :
يبين من استقراء نصوص المواد 266 و 381 و 403 من قانون الإجراءات الجنائية، ومما جرى به قضاء محكمة النقض، أن مراد الشارع بما نص عليه في المادة 403 إجراءات في باب الاستئناف من أن شرط جواز الطعن في الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية، من المدعي بالحقوق المدنية، هو تجاوز التعويض المطالب به حد النصاب النهائي للقاضي الجزئي ولو وصف هذا التعويض بأنه مؤقت، وقد اتجهت محكمة النقض بادئ الأمر إلى أن الشارع قد انصرف إلى وضع قاعدة عامة تسري على جميع طرق الطعن فيمتد أثرها إلى الطعن بالنقض، فقضت بأنه لا يقبل أن يكون في الوقت الذي أوصد فيه باب الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام الصادرة من محكمة الجنح لقلة النصاب أن يترك الباب مفتوحاً للطعن فيها بالنقض، وسوى في ذلك بين الأحكام الصادرة من محكمة الجنح ومحكمة الجنايات، إذ القول بغير ذلك يؤدي إلى المغايرة في الحكم في ذات المسألة الواحدة بغير مبرر، وهو ما يتنزه عنه الشارع ويخرج عن مقصده، فلا يتصور أن يكون الحكم في الدعوى المدنية الصادر من محكمة الجنح غير جائز الطعن فيه بالنقض لقلة النصاب، ويكون في الوقت ذاته قابلاً لهذا الطعن لمجرد صدوره من محكمة الجنايات إلا أن محكمة النقض ترددت في تقرير هذا إذ ذهبت في بعض أحكامها إلى أن نص المادة 30 من القانون رقم 75 لسنة 1959 جاء صريحاً ومطلقاً وقاطعاً في الدلالة على إجازة الطعن بالنقض في الأحكام النهائية الصادرة في موضوع الدعوى المدنية من محاكم الجنايات دون التقيد بنصاب معين، إلا أنها استقرت بعد ذلك إلى اشتراط مجاوزة النصاب النهائي للقاضي الجزئي لجواز الطعن في الحكم الصادر من محكمة الجنايات في الدعوى المدنية التبعية، إذ القول بغير ذلك يؤدي إلى المغايرة في الحكم في ذات المسألة الواحدة بغير مبرر .
ولا يجوز الطعن بالنقض إلا فيما فصلت فيه محكمة الموضوع في الدعوى المدنية صراحة أو ضمناً، ومن ثم فإنه إذا أغفلت المحكمة الجنائية الفصل في الدعوى المدنية ولم يعرض حكمها لهذه الدعوى في مدوناته فإن الطريق السوي أمام المدعي المدني هو الرجوع إلى المحكمة الجنائية للفصل في الدعوى المدنية إعمالا لحكم المادة 193 من قانون المرافعات التي يعد حكمها قاعدة عامة واجبة الإعمال أمام المحاكم الجنائية لخلو قانون الإجراءات من نص يحكم هذه الحالة، وباعتبارها من القواعد التي لا تتأبى طبيعة المحاكم الجنائية على إعمالها على الدعويين الجنائية والمدنية التابعة لها .
الضابط في جواز الطعن:
العبرة فيما يتعلق بتطبيق الضوابط التي يضعها القانون لتحديد الطعن في الأحكام هی طبقاً للقواعد العامة بوصف الواقعة كما رفعت بها الدعوى إلا ما تقضي به المحكمة .
فمثلاً إذا رفعت الدعوى بوصف الجناية أو الجنحة ثم رأت المحكمة أنها مخالفة، فإن العبرة بجواز الطعن تكون بالوصف كما ورد في ورقة التكليف بالحضور أو في أمر الإحالة، لا بالوصف الذي انتهت إليه المحكمة، فكما تقول محكمة النقض «لا يقبل أن يكون الحكم المتظلم منه هو المناط في جواز هذا التظلم أو عدم جوازه». وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأنه «إذا كانت الدعوى قد أقيمت على المتهم على أساس أنها جنحة عرض لبن للبيع مخالف للمواصفات القانونية مع العلم بذلك، فقضت المحكمة الاستئنافية بالحكم المطعون فيه باعتبارها مخالفة على أثر ما تبينته من حسن نية المتهم - فإن الطعن في هذا الحكم بطريق النقض يكون جائزاً» .
على أن النص على عدم جواز الطعن بطريق النقض في الحكم الصادر في المخالفة محله الطعن الموجه إلى الحكم الذي يصدر في المخالفة وحدها، أما إذا کون الفعل جرائم متعددة مما يصح وصفه في القانون بأكثر من وصف، مخالفة أو جنحة في وقت واحد، أو كانت المخالفة مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة بالجنحة، فإن الحكم الصادر في المخالفة يجوز أن يكون محلاً للطعن الذي يرفع عنها وعن الجنحة معاً، وهو ما أكدناه فيما تقدم .
وإذا تعددت المخالفات وارتفع تبعاً لعددها إجمالي مبلغ الغرامة بها، فإن ذلك لا يغير من نوع الجريمة باعتبارها مخالفة .
كما أن الحكم الصادر في الإشكال يتبع الحكم الصادر في موضوع الدعوى الجنائية من حيث جواز أو عدم جواز الطعن فيه بطريق النقض، فإذا كان الحكم صادراً في إشكال في تنفيذ حكم صادر في مخالفة، فإن الطعن بالنقض في هذا الحكم لا يكون جائزاً .
(ب) الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة :
لا يجوز الطعن بالنقض إلا في الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة من درجات قضاء الموضوع والحكم النهائي هو الذي يصدر من المحكمة الاستئنافية أو من محكمة الجنايات، وقد يصدر الحكم من محكمة أول درجة إذا كان استئنافه غیر جائز أو انقضی میعاده، إلا أن القانون قد قصر الطعن على الأحكام النهائية بشرط أن تكون صادرة من آخر درجة والعبرة في تقرير عدم قابلية الحكم للطعن هي بحقيقة الواقع لا وفق ما تقرره المحكمة المطعون في حكمها .
( ج ) الأحكام المنهية للخصومة الجنائية :
لم يفتح القانون باب الطعن بالنقض إلا بعد أن يكون قد صدر فى موضوع الدعوى حكم منه للخصومة . ويبدو هذا المبدأ واضحاً مما نصت عليه المادة 31 من قانون حالات وإجراءات الطعن بالنقض من أنه " لا يجوز الطعن بطريق النقض فى الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع إلا إذا انبنى عليها منع السير فى الدعوى " .
والأصل أن تنتهى الخصومة الجنائية بحكم فاصل فى الموضوع ، إلا أنه قد يصدر فى الدعوى حكم إجرائى يحول دون نظر الموضوع ، فيعد من قبيل الأحكام المنهية للخصومة الجنائية .
وقد نص قانون الإجراءات الجنائية الفرنسى على جواز الطعن بالنقض فى الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع إذا رأى رئيس الدائرة الجنائية أن هذا الطعن يتجاوب مع ضرورات النظام العام أو حسن سير العدالة ( المادة 570 / 1 إجراءات فرنسى ) . وقرار رئيس الدائرة الجنائية فى هذا الشأن غير قابل للطعن . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، النقض الجنائي، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2011 ، الصفحة : 49 )
ثالثاً : حالات وأسباب الطعن بالنقض .
بيان أوجه الطعن بالنقض على سبيل الحصر :
حدد الشارع أوجه الطعن بالنقض في الأوجه الثلاثة فى المادة 30 من قانون النقض على سبيل الحصر، فلا تجوز الإضافة إليها أو القياس على أحدها. وعلة حصر أوجه الطعن بالنقض مستمدة من الطابع غير العادي لهذا الطعن، ووجوب انحصاره في نطاق محدود، ومستمدة كذلك من وظيفة محكمة النقض واقتصارها على رقابة صحة تطبيق القانون، وانحسارها عن النظر في الوقائع. فالطعن بالنقض لا ينقل الدعوى برمتها إلى محكمة النقض، وإنما ينقل شطراً منها فحسب، هو شطر القانون، ومن ثم كان دور أوجه النقض بيان هذا الشطر الذي يسع محكمة النقض أن تنظر فيه. وليست وظيفة محكمة النقض أن تكون درجة ثالثة للتقاضي، ومن ثم فهي لا تنظر في الدعوى من جديد، وإنما وظيفتها أن تنظر في «الحكم» الذي أصدرته محكمة الموضوع لتقيمه، وترى هل خالف القانون فتنقضه أم لم يخالفه، فترفض الطعن فيه، ومن ثم كان دور أوجه النقض بیان عيوب الحكم التي يجوز عرضها على محكمة النقض .
ويجمع بين أوجه الطعن بالنقض أنها تفترض مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون، سواء في ذلك القانون الموضوعي أو القانون الإجرائي .
ما لا يعد وجهاً للطعن بالنقض
إن أهم ما لا يعد وجهاً للطعن بالنقض هو وقائع الدعوى، أي موضوعها. ولا يصلح كذلك وجهاً للنقض ما يشوب الحكم من أخطاء مادية، فلتصحيح ذلك الطريق الذي رسمه القانون .
ولا يصلح وجهاً للطعن بالنقض إلا العيوب التي تشوب الحكم المطعون فيه والإجراءات التي استند إليها، أما العيوب التي تشوب الإجراءات السابقة على إحالة الدعوى إلى القضاء، أو التي تشوب حكم محكمة الدرجة الأولى والإجراءات التي استند إليها، فلا تجوز إثارتها لأول مرة أمام محكمة النقض، وذلك ما لم تكن متعلقة بالنظام العام، ولم يكن البحث فيها مقتضياً تحقيقاً موضوعياً .
التمييز بين الواقع والقانون :
إن التمييز بين الواقع والقانون هو الذي يرسم حدود اختصاص محكمة النقض، ويميز بينه وبين اختصاص محاكم الموضوع. فكل ما يعد من قبيل الوقائع في الدعوى والحكم المطعون فيه يخرج بالضرورة عن اختصاص محكمة النقض، ويعد قضاء محكمة الموضوع في شأنه نهائياً، فلا يحق لمحكمة النقض أن تناقش قضاءها في هذا الشأن، أو تنسب إليه خطأ ما، أو تجري فيه تعديلاً ما. إن وظيفة محكمة النقض تفرض عليها أن تسلم بالوقائع التي أثبتها الحكم المطعون فيه، وتفترض صحتها المطلقة، وترفض كل محاولة من أحد الخصوم لإقحامها في أي بحث موضوعي، وتقصر وظيفتها - بناء على ذلك - على مجرد النظر في مدى صواب تطبيق القانون على هذه الوقائع، أي تنظر في العلاقة المنطقية القانونية بين هذه الوقائع وقواعد القانون .
والوقائع تعني الأحداث، أي كل ما حصل، وكان له كيان ذاتي، وصار بذلك منتمياً إلى الماضي. ويستوي في ذلك أن يكون للواقعة كيان مادي ملموس، أو أن تكون محض ظاهرة نفسية. وعلى هذا النحو يعد من الوقائع عناصر الركن المادي من فعل ونتيجة وعلاقة سببية، وما قد يلحق به من ظروف وشروط عقاب وعناصر مفترضة، والركن المادي وقائع مادية. ويعد من الوقائع كذلك الركن المعنوي للجريمة، سواء كان قصداً أو خطأ، والركن المعنوي بذلك وقائع نفسية. أما الركن الشرعي وما يتصل به من تجريم وإباحة ووصف (تكييف) فيمثل جانب القانون في الجريمة والدعوى الجنائية .
لا يصلح وجهاً للنقض إثبات الوقائع وتقديرها الواقعي : لا يصلح وجهاً للنقض الجدل حول ما إذا كانت الواقعة ثابتة أم غير ثابتة. وإذا سلم بثبوتها فلا يصلح وجهاً للنقض الجدل حول تقديرها في ذاتها، أي كيفية حصولها، وما لها من خصائص واقعية تحدد حجمها ونطاقها ومدلولها الواقعي. وعلى سبيل المثال، فإن القول بأن المتهم أطلق الرصاص، وأن سلاحه من نوع أو عيار معين، وأنه أطلقه في اتجاه محدد، وأن المجني عليه مات أو أصيب بجروح، وأن هذه الجروح خطيرة أو يسيرة، وأن علاقة السببية قد توافرت بين الفعل والنتيجة، وأن القصد الجنائي قد توافر لدى المتهم استخلاصاً من قرائن واقعية محددة، وأن سبق الإصرار قد توافر لديه استخلاصاً من هذه القرائن أو من قرائن أخرى، أو أن الخطأ قد توافر لديه، كل ذلك بحث في وقائع الدعوى لا تختص به محكمة النقض .
خروج قواعد الإثبات عن اختصاص محكمة النقض : إذا كان هدف قواعد الإثبات - على ما قدمنا - هو إقامة الدليل على حصول الواقعة وما اتصفت به من خصائص، فمؤدى ذلك بالضرورة اعتبار الإثبات في مجموعة متعلقاً بموضوع الدعوى ووقائعها بحيث لا يجوز الجدل في شأنه أمام محكمة النقض. ويدعم هذه النتيجة أن الشارع قد تبني مبدأ «الاقتناع القضائي» الذي يطلق لقاضي الموضوع أن يستمد اقتناعه من أي دليل، ويجعل أمر تكوين القاضي هذا الاقتناع خارجاً عن رقابة محكمة النقض. وعلى هذا النحو يمكن القول بأن مجال الإثبات هو أهم مجال للبحث الواقعي الموضوعي الذي لا تختص به محكمة النقض وتطبيقاً لذلك، فإن أخذ القاضي بدليل معين لأنه اطمأن إليه، ورفضه دليلاً آخر لأنه لم يطمئن إليه، وتفسيره الدليل الذي أخذ به على أنه يعني حصول الواقعة أو عدم حصولها، أو يعني حصولها بكيفية دون أخرى أو اتصافها بخصائص دون أخرى، كل ذلك بحث في موضوع الدعوى. وتطبيقاً لذلك، فإن قول القاضي إن قرينة معينة يستخلص منها توافر القصد أو سبق الإصرار أو لا تكفي لأن يستخلص منها ذلك، هذا القول لا يخضع لرقابة محكمة النقض .
اختصاص محكمة النقض في شأن إثبات الوقائع وتضمينها أسباب الحكم : على الرغم من أن محكمة النقض لا تختص بالنسبة للوقائع، إلا أن لها دوراً في رقابة التزام قاضي الموضوع سلطاته في شأن الوقائع، ذلك أن لسلطاته حدودها، ولهذه الحدود طابع قانوني باعتبار أن القانون هو الذي وضعها، ومن ثم تكون رقابة محكمة النقض من هذه الوجهة هي رقابة قانونية وإن اتصلت بالوقائع. وأهم مجالين لاختصاص محكمة النقض في هذا الشأن هما: الإثبات وتسبيب الحكم. فمن حيث الإثبات، فقد تقدم أن الشارع لم يطلق مبدأ الاقتناع القضائي، وإنما وضع له الحدود، فإن جاوز قاضي الموضوع هذه الحدود فقد أخطأ، وكان لمحكمة النقض أن ترده إلى الصواب: فإذا استمد القاضي اقتناعه من دليل غير مشروع، أو انتفت عنه بعض شروطه (كالشهادة بغير يمين)، أو لم يطرحه للمناقشة الشفوية والمواجهة بين الخصوم ، أو قضى بعلمه الشخصي، أو تعرض لمجال استبعد فيه الشارع مبدأ الاقتناع القضائي وحصر الأدلة التي يعتد بها فأخذ القاضي بدليل غيرها، فإن محكمة النقض تراقب قضاءه ويلتزم القاضي في تفسيره للدليل واستخلاصه منه نتيجة معينة في شأن ثبوت الواقعة أو عدم ثبوتها بأن يكون استنتاجه متفقاً مع المنطق السليم، فإن جافاه كان لمحكمة النقض أن ترده إلى الاستنتاج المنطقي السليم .
ومن حيث تسبيب قاضي الموضوع حكمه، فإن التزامه بأن تكون أسباب حكمه كافية يفرض عليه أن يضمنها بياناً كافياً ومفصلاً ومتسقاً لوقائع الدعوى، وقد فرضت هذا الالتزام المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية، وهذا البيان ضروري لتستطيع محكمة النقض رقابة صحة تطبيق القانون، إذ هي تراقب ذلك في خصوص وقائع معينة، ومن ثم كان بيان هذه الوقائع شرطاً لأداء محكمة النقض وظيفتها. وعلى هذا النحو، فإن محكمة النقض تبطل الحكم الذي لا يتضمن تسبيباً كافياً من حيث الوقائع .
تطبيقات للتمييز بين الواقع والقانون : تقدم تحديد مدلول الوقائع التي يستأثر قاضى الموضوع بالفصل فيها ويقول في شأنها الكلمة الأخيرة التي تلتزم محكمة النقض بها، والتمييز بين جانب الوقائع في الدعوى وجانب القانون فيها يغدو على هذا النحو میسوراً : فإثبات حصول الواقعة وكيفية حصولها وما لها من خصائص واقعية يمثل جانب الوقائع أو الموضوع في الدعوى، أما نسبة وصف قانوني إليها وتكييفها على وجه قانوني محدد، واستخلاص النتائج المترتبة على هذا التكييف، فهو جانب القانون فيها. وتطبيقاً لذلك، فإن القول بأنه صدر عن المتهم فعل معين هو فصل في الوقائع، أي فصل في الموضوع، ولكن القول بأن هذا الفعل يصلح ليقوم به الركن المادي لجريمة معينة هو فصل في القانون. والقول بأن هذا الفعل اتصف بخصيصة واقعية معينة هو فصل في الوقائع، ولكن القول بأنه يقوم بهذه الخصيصة ظرف مشدد للجريمة هو فصل في القانون. والقول بتوافر صلة سببية مادية أو منطقية بين الفعل والنتيجة هو فصل في الواقع، ولكن القول بمعيار معين لعلاقة السببية وأنه وفقاً لهذا المعيار قد توافرت بين الفعل والنتيجة صلة سببية يعتد بها القانون هو فصل في القانون. والقول بأن الفعل أحدث آثاراً معينة هو فصل في الوقائع، ولكن القول بأن هذه الآثار تقوم بها النتيجة الإجرامية المتطلبة في جريمة معينة هو فصل في القانون. والقول بأن توافر لدى المتهم القصد الجنائي استخلاصه من قرائن معينة (كاستعمال سلاح قاتل أو توجيهه إلى مقتل أو سبق تهديد المجني عليه) إذا كنا بصدد القصد الجنائي في القتل العمد أو الجرح أو الضرب هو فصل في الواقع، ولكن القول بأن هذا القصد هو ما يعتد به القانون في جريمة معينة هو فصل في القانون. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا نفي قاضي الموضوع القصد لنبل الباعث أو للجهل بالقانون أو لتطلب القصد الخاص، فذلك فصل في القانون تراقبه فيه محكمة النقض والقول بأنه صدر عن المتهم إهمال أو عدم احتياط هو فصل في الواقع، ولكن القول بأن هذا الإهمال وعدم الاحتياط يقوم بهما الخطأ المتطلب في جريمة معينة هو فصل في القانون .
تنظر محكمة النقض في الحكم المطعون فيه والإجراءات التي استند إليها : يقتصر اختصاص محكمة النقض على النظر في الحكم المطعون فيه (أي الحكم الصادر عن آخر درجة) وفحص ما شابه من عيوب، والنظر في الإجراءات التي استند إليها بالقدر الذي تمتد فيه عيوبها إلى هذا الحكم، فتجعله بدوره معيباً. ويترتب على ذلك أن محكمة النقض لا تنظر في العيوب التي شابت حكم محكمة الدرجة الأولى، أو الإجراءات التي استند إليها، وهي من باب أولى لا تنظر في العيوب التي شابت الإجراءات السابقة على المحاكمة، فلا تنظر فيما شاب إجراءات التحقيق الابتدائي من عيوب، أو ما شاب إجراءات الاستدلال وتطبيقاً لذلك، فإن أي وجه النقض مستمد من أحد العيوب السابقة يكون غير مقبول. وقد أقرت محكمة النقض هذه القاعدة في قولها «ليس لمحكمة النقض أن تنظر إلا في صحة إجراءات المحاكمة أمام محكمة ثاني درجة وفي عدم صحتها. وكل طعن يتعلق بإجراءات المحاكمة أمام محكمة أول درجة يجب التمسك به أمام المحكمة الاستئنافية التي هي صاحبة الحق في الفصل فيه» وقد قنن الشارع الفرنسي هذه القاعدة، فالمادة 599 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي نصت على أنه «في مواد الجنح لا يقبل من المتهم أن يتذرع كوجه النقض بأسباب البطلان في إجراءات محكمة الدرجة الأولى ما لم يكن قد تذرع بها أمام المحكمة الاستئنافية».
وعلة هذه القاعدة أن محكمة النقض لا تنظر في الدعوى، ومن ثم لم يكن لها أن تنظر في جميع إجراءاتها، وما ثار فيها على مراحلها المتعاقبة من مشاكل موضوعية وإجرائية، وإنما هي تنظر في الحكم المطعون فيه فقط لتقدره، وترى ما إذا كانت تنقضه أو ترفض نقضه، ومن ثم فهي تنظر فيما ينسب إليه من عيوب، سواء كانت عيوباً ذاتية، أو امتدت إليه من الإجراءات التي استند إليها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن نظر محكمة النقض فيما سبق ذلك من مراحل الدعوى يتطلب - في الغالب - فحصاً موضوعياً يخرج بطبيعته عن اختصاصها .
لا يجوز استمداد وجه الطعن بالنقض من عيب شاب الحكم الابتدائى أو غجراءات المحاكمة التى استند إليها :
لا يجوز أن يستند وجه الطعن بالنقض إلى عيب شاب الحكم الابتدائي، كعدم تسبيبه أو إغفاله بیان الواقعة أو ذكر نص القانون الذي طبقه، فالفرض أن الحكم الاستئنافي قد حل محل هذا الحكم وأمحاه، فإذا كان الحكم الاستئنافي لم تشبه هذه العيوب فلا وجه لإثارتها. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان متعيناً على الطاعن أن يثير هذه العيوب أمام المحكمة الاستئنافية باعتبارها أسباباً لاستئنافه، فإذا كان لم يثرها فهو مقصر، ولا يقبل منه أن يستمد من تقصيره وجهاً للنقض .
ولا يجوز أن يستند وجه الطعن بالنقض إلى عيوب شابت إجراءات المحاكمة أمام محكمة الدرجة الأولى، كانتفاء العلانية، أو استمداد المحكمة اقتناعها من دليل غير مشروع، أو عدم إجابتها طلب المتهم سماع شهود، أو تعديلها وصف التهمة دون تنبيهه إلى ذلك، أو عدم إعلانه الجلسة المعارضة. أو عدم إعلانه بالحضور أمام محكمة أول درجة إعلاناً قانونياً صحيحاً .
لا يجوز استمداد وجه الطعن بالنقض من عيب شاب إجراءات التحقيق الابتدائي أو إجراءات الاستدلال : لا يجوز أن يستند وجه الطعن بالنقض إلى عيب شاب إجراءات التحقيق الابتدائي، كبطلان إجراءات القبض والتفتيش لعدم صدور إذن بهما من النيابة العامة، أو بطلان الاعتراف لصدوره أثر تفتيش باطل، أو صدوره تحت تأثير الإكراه، أو عيب شاب إجراءات الإحالة إلى المحكمة .
ولا يجوز من باب أولى أن يستمد وجه النقض من عيب شاب الإجراءات في مرحلة الاستدلال، كعدم توافر التلبس وبطلان الإجراءات التي تفترض توافره .
وتعلل هذه القاعدة بأن العيوب التي تشوب الإجراءات السابقة على مرحلة المحاكمة يتعين إثارتها أمام محكمة الموضوع التي يجب عليها إذا ما تحققت منها أن تهدر الدليل المستمد من الإجراء الباطل أو تعيده وتستمد اقتناعها من الإجراء الصحيح الذي أحلته محله، فإذا كان الخصم لم يثر سبب البطلان أمام محكمة الموضوع اعتبر ذلك نزولاً ضمنياً عن الاحتجاج به، وبالإضافة إلى ذلك فإن عدم إثارته هو تقصير، ولا يجوز أن يستمد وجه النقض من تقصير .
حالات استمداد وجه النقض من عيوب شابت إجراءات محكمة الدرجة الأولى أو الإجراءات السابقة على مرحلة المحاكمة : أهم هذه الحالات أن يكون المتهم قد أثار هذه العيوب أمام المحكمة الاستئنافية ولكنها لم تجبه إلى وجهة نظره، فلم تصلح العيب، ولم تهدر الدليل الذي رآه باطلاً، إذ يكون له أن يحتج بهذه العيوب أمام محكمة النقض: ذلك أن عدم إصلاح المحكمة الاستئنافية ذلك العيب يجعله ممتداً إلى الحكم الاستئنافي، فيصير هذا الحكم بالتالي معيباً. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحرص على إثارة العيب أمام محكمة الموضوع ينفي مظنة الإهمال. وفي النهاية، فإن امتداد العيب إلى الحكم المطعون فيه يجعل محكمة النقض في غير حاجة إلى فحص أوراق الدعوى في مراحلها السابقة والدخول في بحث موضوعي يخرج عن اختصاصها .
أوجه الطعن بالنقض ثلاثة :
1- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله .
2- إذا وقع بطلان في الحكم .
3- إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم .
وهذه الأوجه على تنوعها تجتمع في افتراضها الخطأ في تطبيق القانون، سواء في ذلك القانون الموضوعي أو القانون الإجرائي. وهذا التأصيل هو الذي يتفق مع دور محكمة النقض باعتباره ينحصر في رقابة تطبيق القانون على الوقائع التي أثبتها قاضي الموضوع على نحو يتعين أن تسلم به محكمة النقض . ومن السائغ تقسيم هذه الأوجه بردها إلى قسمين: الخطأ في تطبيق القانون الموضوعي، ويندرج فيه الوجه الأول، والخطأ في تطبيق القانون الإجرائي، ويندرج فيه الوجهان الثاني والثالث ولهذا التقسيم أهمية نظرية من حيث تحديد مدلول وفحوى كل وجه، وله أهمية عملية من حيث اختصاص محكمة النقض وسلطتها: فإذا استند الطعن بالنقض إلى الوجه الأول، فإن محكمة النقض تصحح الخطأ بنفسها وتحكم بمقتضى القانون (المادة 39 من قانون النقض، الفقرة الأولى). أما إذا استند إلى أحد الوجهين الثاني أو الثالث، فإنه إذا نقضت المحكمة الحكم، فإنها تعيد الدعوى إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتحكم فيها من جديد مشكلة من قضاة آخرين ( المادة 39، الفقرة الثانية )
ونفصل فيما يلي هذه الأوجه .
مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله : يعني الشارع بهذا الوجه الخطأ في تطبيق القانون الموضوعي، أي قواعد القانون التي تحدد أركان الجرائم وعناصر كل ركن، وعقوبات الجرائم، وما يعرض من أسباب تزيل أحد أركان الجريمة أو تمنع عقوبتها أو تشددها أو تخففها وجوباً ويشمل القانون الموضوعي مجموعات أربع من القواعد القانونية: قانون العقوبات، والقوانين المكملة لقانون العقوبات، والقوانين غير العقابية التي أحال إليها الشارع في تحديد أركان بعض الجرائم، كقواعد القانون المدني التي تحدد الملكية في جريمة السرقة، أو التي تحدد عقود الأمانة في جريمة خيانة الأمانة، أو قواعد قانون الأحوال الشخصية التي تحدد الزواج في جريمة الزنا، ويشمل القانون الموضوعي كذلك القواعد القانونية غير المكتوبة كالعرف ومبادئ العدالة والقانون الطبيعي إذا كان لها دور في تحديد أسباب الإباحة في بعض الجرائم ، وتشمل كذلك الشريعة الإسلامية حين يكون لها هذا الدور. وقد ذهبت محكمة النقض إلى جعل تعبير «القانون» في هذا الوجه للنقض شاملاً كذلك (أي بالإضافة إلى القواعد السابقة) قانون الإجراءات الجنائية فيما يتضمنه من قواعد موضوعية. وقد ساندها في ذلك بعض الفقه، وذكر أمثلة لذلك: قواعد الاختصاص والقبول والحدود الإجرائية. ولكنا لا نرى هذا الرأي، إذ يجعل من العسير جداً رسم الفواصل بين أوجه النقض المختلفة، مع أهمية ذلك في تحديد سلطة محكمة النقض إذا نقضت الحكم، ذلك أن الوجهين الثاني والثالث يشيران إلى مخالفة قواعد إجرائية انبنى عليها بطلان الحكم أو الإجراءات التي استند إليها، ولا تفرقة بين أنواع القواعد الإجرائية، فمخالفتها تؤدي في النهاية إلى بطلان الحكم أو الإجراءات، باعتبار أن دورها هو تحديد شروط صحة الإجراءات. ويبدو لنا أن الذي حمل محكمة النقض على التوسع في تحديد مدلول «مخالفة القانون»، وجعله شاملاً «مخالفة القواعد الموضوعية التي ينص عليها قانون الإجراءات الجنائية» أن بعض حالات مخالفة قواعد قانون الإجراءات الجنائية تستطيع محكمة النقض تصحيحها بنفسها، دون حاجة إلى إحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع لتحكم فيها من جديد، فسعت محكمة النقض إلى إدخالها في نطاق الوجه الأول للطعن بالنقض، وهو «مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله» ليكون لها تصحيح الخطأ بنفسها، ولا يكون عليها التزام بالإحالة .
وقد تدخل المشرع فقنن هذا الاتجاه القضائي بالقانون رقم 74 لسنة 2007 الذی عدل المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض فأصبحت الفقرة السادسة من هذه المادة تنص على أنه: «مع ذلك إذا حكمت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه، وكان الموضوع صالحاً للفصل فيه بحالته يجوز لها أن تحدد جلسة تالية لنظره والحكم فيه.»
وقد استعمل الشارع تعبيرات ثلاثة للدلالة على هذا الوجه هي: مخالفة القانون، والخطأ في تطبيقه، والخطأ في تأويله، والأول منها يغني عن سائرها: فالخطأ في تطبيق القانون، وهو ما يعني - في مدلول ضيق - تطبيق النص في غير المجال الذي قرره له الشارع هو مخالفة للقانون. والخطأ في تأويل القانون، أي الخطأ في تفسيره ينبني عليه بالضرورة مخالفته، إذ يعقب تفسيره الخاطئ أن يطبق على غير ما قصده الشارع به، مما يعني مخالفته .
بطلان الحكم : يعني هذا الوجه للنقض أن الحكم قد شابه عيب من حيث إجراءات نشوئه أو إجراءات تحريره وتوقيعه أو من حيث البيانات التي يتعين أن يشتمل عليها، وفي تعبير آخر فإن الحكم - كإجراء - قد خالف قاعدة قانونية يقتضيها وجوده وصحته، فلم يعد حكماً صحيحاً، وإنما صار منعدماً أو باطلاً. ويقتضي تفصيل هذا الوجه الرجوع إلى القواعد القانونية التي تحدد أركان الحكم وشروط صحته، فإذا تبين مخالفة إحداها تحقق هذا الوجه. ونذكر فيما يلي أهم حالات هذا الوجه: 1- إذا لم يصدر الحكم بعد مداولة قانونية، كما لو صدر دون أن تسبقه مداولة قط، أو سبقته مداولة ولكن لم تتوافر لها شروط صحتها، إذ لم تكن سرية، أو اشترك فيها قضاة لم يسمعوا المرافعة، أو خولفت قواعد التصويت فلم يصدر الحكم بأغلبية الآراء، أو لم يصدر بالإجماع أو لم يتضمن النص على صدوره بالإجماع في الحالات التي تطلبه القانون فيها .
2- إذا لم ينطق الحكم علناً. ويدخل في هذه الحالة ألا ينطق بالحكم اكتفاء بتحريره، أو ينطق به في غير علانية .
3- إذا لم يحرر الحكم ويوقع على نسخته الأصلية طبقاً للقانون في خلال ثلاثين يوماً من تاريخ النطق به. وتتوافر هذه الحالة إذا لم يحرر الحكم ويوقع أصلاً، أو تراخي ذلك إلى ما بعد مضي ثلاثين يوماً على تاريخ النطق به. ويثبت عدم التوقيع على الحكم في هذا الميعاد، وبطلانه تبعاً لذلك بالشهادة السلبية التي يعطيها قلم كتاب المحكمة للمحكوم عليه - بعد مضي الثلاثين يوماً - بأن الحكم لم يودع بعد في ملف الدعوى. ولا تتوافر هذه الحالة إذا كان الحكم صادراً بالبراءة، إذ لا يبطل لعدم التوقيع عليه في خلال هذا الميعاد .
4- إذا لم يتضمن الحكم أجزاءه التي تطلبها القانون، وأجزاء الحكم هي ديباجته وأسبابه ومنطوقه. وثمة بيانات يتعين أن تتضمنها ديباجة الحكم، وإلا كان باطلاً، وهي تاريخ صدوره، وأسماء القضاة، وأسماء أطراف الدعوى، وتاريخ ارتكاب الجريمة ومحلها، وبيان الواقعة المستوجبة للعقوبة، والإشارة إلى نص القانون الذي طبقه. ويتعين أن يتضمن الحكم أسبابه، وأن تتوافر لهذه الأسباب شروطها، وشروط الأسباب أن تكون مفصلة واضحة، وأن تكون متسقة فيما بينها، ومتسقة مع منطوق الحكم. ولأهمية التسبيب في تحديد هذا الوجه للنقض نشير إليه - فيما يلي - تفصيلاً. ويتعين أن يتضمن الحكم منطوقاً، وإلا كان باطلاً .
تسبيب الحكم : يبطل الحكم إذا لم يتضمن أسباباً قط، إذ يخالف بذلك قاعدة إجرائية جوهرية (المادتان 310، 311 من قانون الإجراءات الجنائية). ويبطل الحكم إذا لم يتضمن أسباباً توافرت لها شروطها، بأن كانت مفصلة ومتسقة فيما بينها، وفيما بينها وبين المنطوق، فالحكم الذي يتضمن أسباباً مجملة أو مبهمة، أو يتضمن أسباباً متناقضة فيما بينها بحيث يهدم بعضها البعض، أو يتضمن أسباباً تناقض المنطوق بحيث لا تصلح لأداء دورها القانوني في تدعيمه، هو حكم باطل .
ويلاحظ أن ما تختص به محكمة النقض هو التحقق من تضمن الحكم أسباباً، وتوافر شروطها القانونية. وللأسباب شقان: شق واقعي متعلق بإثبات الوقائع وتقديرها الواقعي، وشق قانوني متعلق بعرض الأسانيد والمبادئ القانونية التي طبقها الحكم. ولا تختص محكمة النقض بفحص الشق الواقعي من الأسباب وتقدير مدى صحتها. أما شقها القانوني، فلمحكمة النقض أن تراقبه وتبطل الحكم إذا استند إلى فهم غير صحيح للقانون .
وثمة قيد يرد على هذه القاعدة: فإذا تضمن الشق القانوني من الأسباب خطأ، ولكن هذا الخطأ لم يمتد إلى المنطوق، إذ كان في ذاته مطابقاً للقانون، وكان هو ذات ما تخلص إليه المحكمة لو كانت الأسباب صحيحة، فإن محكمة النقض لا تبطل الحكم تطبيقاً لنظرية «العقوبة المبررة». ويعني ذلك أن شرط نقض الحكم لانطواء أسبابه على خطأ هو امتداد هذا الخطأ إلى المنطوق .
ورقابة محكمة النقض على تسبيب الحكم ذات أهمية كبيرة: ذلك أن عدم تسبيب الحكم أو غموض أسبابه أو تناقضها يجعل من المستحيل على محكمة النقض أن تراقب تطبيق محكمة الموضوع للقانون وصواب تحديدها أركان الجريمة وعقوبتها. وإذا كان إثبات الوقائع غير واضح، فإن محكمة النقض لا تستطيع أن تراقب العلاقة بين القانون والوقائع، أي لا تستطيع أن تتبين مفترضات تطبيق القانون، ومن ثم لا تستطيع أن تراقب صحة تطبيق القانون . وفي حالات غير نادرة قد يكون إجمال الأسباب وغموضها ستاراً يخفي سوء فهم محكمة الموضوع للقانون .
بطلان الإجراءات الذي أثر في الحكم : يفترض هذا الوجه للنقض أن إجراء من إجراءات الدعوى قد شابه البطلان، ويفترض بالإضافة إلى ذلك أن الإجراء الباطل قد أثر في الحكم، ويعني ذلك أنه إذا شاب البطلان إجراء لم يؤثر في الحكم المطعون فيه، فلا يصلح ذلك وجهاً للنقض .
ويفترض البطلان - على ما قدمنا - مخالفة الإجراء لقاعدة جوهرية ومن ثم لا يصلح وجهاً للنقض مخالفة الإجراء لقاعدة إرشادية، فلا يجوز أن يستند الطعن إلى مخالفة ترتيب الإجراءات الذي نصت عليه المادتان 271، 272 من قانون الإجراءات الجنائية، أو مخالفة إجراءات النداء على الشهود واحتجازهم بعد إجابتهم على الأسئلة التي وجهت إليهم (المادة 278 من قانون الإجراءات الجنائية)، إذ لا يترتب البطلان على مخالفة القواعد الإجرائية الإرشادية .
ويتوافر وجه الطعن سواء كان بطلان الإجراء مطلقاً أم كان نسبياً. ولكن بين نوعي البطلان فرقاً من حيث جواز إثارة سببه لأول مرة أمام محكمة النقض (أي في تقرير النقض): فإذا كان البطلان مطلقاً ساغ الاحتجاج به لأول مرة أمام محكمة النقض (المادة 332 من قانون الإجراءات الجنائية)، ولكن يشترط أن يكون سبب البطلان واضحاً من الاطلاع على مدونات الحكم المطعون فيه، فلا يكون مقتضياً تحقيقاً موضوعياً لا تختص به محكمة النقض. أما إذا كان البطلان نسبياً فيسقط الحق في الدفع به في الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه، وفي مواد المخالفات يعتبر الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة، ويسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه (المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية) .
وهذه أمثلة لأهم حالات بطلان الإجراءات الذي يقوم به هذا الوجه للنقض :
أولاً : في مرحلتي الاستدلال والتحقيق الابتدائي : 1- عدم اختصاص مأمور الضبط القضائي أو المحقق . 2- مباشرة مأمور الضبط القضائي إجراء تحقيق دون أن تتوافر حالة التلبس أو دون أن يستند إلى ندب صحيح من سلطة التحقيق . 3- اتخاذ المحقق إجراء تحقيق لم تتوافر مفترضاته التي نص عليها القانون، كما لو أمر بتفتيش المسكن أو القبض أو الحبس الاحتياطي دون أن تتوافر شروطه . 4- مباشرة المحقق إجراء توافرت مفترضاته، ولكن على غير النحو الذي اشترطه القانون، كما لو فتش أنثى دون أن يندب لذلك أنثى، أو لم يدع محامي المتهم في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوباً لحضور استجوابه ولم يضع الملف تحت تصرفه في اليوم السابق على الاستجواب. 5- مخالفة المحقق للقواعد الجوهرية الخاصة بنشوء دليل يعتد به القانون، كما لو استمع إلى شاهد دون حلف يمين، أو حصل على اعتراف المتهم عن طريق إكراهه . 6- مخالفة قواعد الإحالة إلى القضاء، كما لو صدر أمر الإحالة على الرغم من سبق صدور أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى ما زالت له قوته .
ثانياً : في مرحلة المحاكمة : 1- الخلل في تشكيل المحكمة، كما لو جلس فيها عدد أقل مما يتطلبه القانون، أو توافرت حالة لعدم الصلاحية بالنسبة لأحد أعضائها، أو لم تكن النيابة العامة ممثلة. 2- عدم اختصاص المحكمة بالدعوى، أياً كان وجه عدم الاختصاص . 3- عدم قبول الدعوى، أياً كان سبب عدم القبول، كما لو رفعت من غير ذي صفة، أو كانت قد انقضت بسبب من أسباب الانقضاء، كالتقادم أو سبق صدور حكم بات فيها . 4- الإخلال بالقواعد الجوهرية في إجراءات المحاكمة، كما لو نظرت المحكمة الدعوى في غير علانية، أو لم يكن للمتهم بالجناية مدافع أو حوكم عن واقعة غير التي وردت بأمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور، أو تولي محام واحد الدفاع عن عدد من المتهمين تعارضت مصالحهم، أو استجوب المتهم دون قبوله، أو لم يطرح الدليل في الجلسة على وجه يحقق مبدأ الشفوية والمواجهة، أو لم يكن المتهم آخر من تكلم، أو اعتبرت المحكمة الاستئنافية نفسها - وهي تنظر في الدعوى المدنية - مقيدة بالحكم الصادر في الدعوى الجنائية .
ولا يكفي أن يلحق البطلان أحد إجراءات المحاكمة، وإنما اشترط الشارع أن يكون هذا البطلان قد «أثر» في الحكم. ومعيار التأثير أن يكون الحكم قد استند إلى هذا الإجراء بحيث يمكن القول بأن عيب الإجراء قد امتد إلى الحكم فصار بدوره معيباً. وأهم صورة لذلك أن يكون الدليل الذي اعتمد عليه الحكم مستمداً من هذا الإجراء، ومن صوره كذلك أن يكون دخول الدعوى في حوزة القضاء الذي أصدر الحكم المطعون فيه معتمداً على هذا الإجراء الباطل. فإذا كان البطلان قد لحق إجراءات المحاكمة أمام محكمة الدرجة الثانية اعتبر البطلان مؤثراً في الحكم، وإذا كان قد لحق إجراءات المحاكمة أمام محكمة الدرجة الأولى، فشرط اعتبار البطلان مؤثراً في الحكم المطعون فيه أن تكون محكمة الدرجة الثانية قد رفضت تصحيح البطلان، فلم تحل إجراء صحيحاً محل الإجراء الباطل، مما يعني أنها اعتمدت في حكمها على هذا الإجراء الباطل، ومثال ذلك أن تؤدى الشهادة أمام محكمة الدرجة الأولى دون حلف يمين، فيثير المتهم هذا العيب أمام محكمة الدرجة الثانية التي ترفض إصلاحه باستدعاء الشاهد ومطالبته بإعادة شهادته بعد حلف يمين، وتعتمد بذلك على الشهادة التي أديت بدون يمين. وإذا كان البطلان قد لحق أحد إجراءات التحقيق الابتدائي، فشرط تأثيره في الحكم أن يكون قد تولد عنه دليل اعتمد الحكم عليه، وهو ما يفترض أمرين: أنه لم يصحح في مرحلة المحاكمة، وأنه لا يوجد في الدعوى دليل آخر يمكن أن يستقيم به الحكم. فإذا استحصل المحقق على اعتراف المتهم عن طريق الإكراه، فاستند إليه حكم محكمة الدرجة الأولى، ثم حكم محكمة الدرجة الثانية، ولم يكن في الدعوى دليل إدانة آخر فقد توافر هذا الوجه للنقض. أما إذا طالبت المحكمة المتهم بأن يعيد اعترافه ففعل وهو مختار، فلا يعد البطلان مؤثراً في الحكم الذي اعتمد على هذا الاعتراف. وإذا لم يعد المتهم اعترافه أمام المحكمة، ولكن كان في الدعوى دليل آخر يمكن أن يستقیم به حكم الإدانة كشهادة صحيحة، وقرر الحكم طرح الاعتراف والاعتماد على الشهادة، فإن بطلان الاعتراف لا يعد مؤثراً في الحكم . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني ، الصفحة : 1410 )
التمييز بين الخطأ في القانون بالمعنى الضيق والبطلان :
إن التفرقة بين البطلان والخطأ في القانون أمر بالغ الدقة، وقد اختلفت الآراء في تحديد معیار هذه التفرقة، فذهب رأي إلى أن المقصود بالخطأ في القانون هو الخطأ في قانون العقوبات أو غيره من القوانين الموضوعية التي قد يقتضي الأمر أن تطبقها المحاكم الجنائية كالقانون المدني والتجاري .
وداخل هذا الرأي ذهب البعض إلى التمييز بين خطأ القاضي عند الفصل في الموضوع وبين خطئه الإجرائي، على أساس أن الخطأ الأول يقع من القاضي عند تحديد الآثار القانونية المترتبة على وقائع الدعوى، وأن الخطأ الثاني يقع عند اتباع الوسائل الإجرائية. وهو خطأ من نوعين: الأول جسیم، ويترتب عليه البطلان، والآخر غير جسيم ولا يترتب عليه البطلان. وعيب هذا الرأي أنه يحصر الخطأ في القانون فيما يمس موضوع النزاع، على الرغم من أن الخطأ في القانون قد يشوب الأحكام الإجرائية التي لا تمس الموضوع. فمثلاً إذا دفع بعدم اختصاص المحكمة ففصلت المحكمة خطأ في هذا الدفع وقضت باختصاصها، فإن الحكم بالاختصاص هو حكم مخالف للقانون لا حكم باطل، وذلك لأن المحكمة تكون مختصة دائماً الفصل في مدى اختصاصها . أما الإجراءات التي تباشرها المحكمة بعد الحكم خطأ باختصاصها فهي وحدها التي يصيبها البطلان. هذا بالإضافة إلى أن الطبيعة الموضوعية أو الإجرائية للقانون لا تصح أن تكون أساساً للتمييز بين الخطأ في القانون والبطلان، قد تكون القاعدة الإجرائية محلاً للخطأ في القانون كما قد تكون مخالفتها سبباً للبطلان .
وواقع الأمر، فإنه لحل مشكلة التفرقة بين الخطأ في القانون والبطلان يجب تحديد وظيفة القاضي، والتي تتمثل أساساً في الفصل في النزاع المعروض عليه طبقاً للقانون من خلال الإجراءات التي ينص عليها القانون. وعلى هذا الأساس فإن مباشرة القاضي الإجراءات يتمحص إلى سلوك إجرائي في مقام مباشرة الوسيلة القانونية التي يتحتم الالتجاء إليها قبل أو في أثناء الفصل في النزاع المعروض عليه . وهذا النزاع ليس بالضرورة متصلاً بالقانون الموضوعي، فقد يكون النزاع إجرائياً كما إذا انصب على بحث مدى اختصاص المحكمة أو مدى قبول الدعوى المعروضة عليها. ووفقاً لهذا التحديد يجب التمييز بين عمل يباشره القاضي في مقام مباشرة الإجراءات كوسيلة قانونية يلتجئ إليها قبل أو عند الفصل في النزاع المعروض عليه، وبين عمل يباشره لحظة الفصل في النزاع المعروض عليه إجرائياً كان أو موضوعياً .
فالقاضي بصفته الأولى يلتزم باحترام القواعد الإجرائية مثل قاعدة شفوية المرافعة وقاعدة مباشرة الإجراءات في حضور الخصوم، والالتزام بالأشكال التي يوجبها القانون عند إصدار حكمه وتحریر نسخته الأصلية. وكل خطأ يرتكبه في هذا الصدد يعرض إجراءاته للبطلان. والقاضي بصفته الثانية يطبق القانون في مرحلة إصدار الحكم الذي يصدره على النزاع المعروض عليه. وقد يكون هذا النزاع موضوعياً كالدفع بعدم توافر أركان الجريمة أو بامتناع المسئولية أو بامتناع العقاب أو توافر سبب من أسباب الإباحة. كما قد يكون النزاع إجرائياً متصلاً بتطبيق القواعد الإجرائية، كالدفع ببطلان الإجراءات السابقة على المحاكمة أو الدفع بعدم الاختصاص أو بعدم قبول الدعوى .
والخلاصة، فإن الخطأ الذي يشوب تطبيق القواعد القانونية التي تحكم الفصل في النزاع هو خطأ في القانون، أما الخطأ الذي يشوب اتباع الإجراءات الجوهرية بمناسبة الفصل في هذا النزاع سواء قبله أو بعده، فهو الذي يترتب عليه البطلان. ويقترن الخطأ في القانون بالبطلان إذا ترتب على الفصل في النزاع الإجرائي خطأ في القانون أسلم المحكمة إلى الاعتماد في الإدانة على دليل باطل كان ثمرة للإجراء الباطل الذي أخطأت المحكمة في القانون عند الفصل في النزاع حول صحته قانوناً .
وننبه إلى أن كل خطأ من القاضي في الفصل في هذا النزاع، سواء تعلق بقانون العقوبات أو بقانون الإجراءات الجنائية، هو محض خطأ في القانون ولا يشترط في النزاع الذي يفصل فيه القاضي أن يتمسك به أحد الخصوم، بل يعد نزاعاً كل ما يجب على القاضي إثارته من تلقاء نفسه ( حسن تطبيق القانون أو البطلان المتعلق بالنظام العام ) .
وهذا المعيار يتفق مع قضاء محكمة النقض التي جرت على عدم قصر مدلول الخطأ في القانون على الخطأ في تطبيق قانون العقوبات . مثال ذلك ما قضت به محكمة النقض من تلقاء نفسها . وهو ما لا يجوز إلا عند الخطأ في القانون. بنقض الحكم الاستئنافي المطعون فيه الصادر بعدم قبول الاستئناف شكلاً لرفعه بعد الميعاد بعد أن تبينت محكمة النقض أن الاستئناف في واقع الأمر صادف الميعاد القانوني . وكذلك قضت محكمة النقض بأن القضاء في المعارضة الاستئنافية - دون إجماع - بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي الصادر الإجماع بإلغاء الحكم بالبراءة وبرفض الدعوى المدنية، هو من حالات مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله التي تجيز للمحكمة من تلقاء نفسها الحكم بنقض الحكم المطعون فيه لمصلحة المتهم .
ويجدر التنبيه في هذا الصدد إلى ملحوظتين مهمتين :
1ـ قد يحتوي الدستور على بعض الضمانات الإجرائية التي تحكم سلوك القاضي في أثناء مباشرة الإجراءات، مثل استعانة المتهم في جناية بمحام. في هذه الحالة يعد الخطأ في احترام هذا الضمان مجرد خطأ إجرائي يترتب عليه البطلان .
ولا يعني ورود القاعدة الإجرائية في صلب الدستور أن مخالفتها تعد خطأ في القانون؛ لأن التمييز بين الخطأ الإجرائي والخطأ في القانون لا يرتكز على مصدر القاعدة القانونية وإنما على نطاق تطبيقها: هل هو السلوك الإجرائي للقاضي؟ أم مضمون الحكم الذي أصدره؟ فإذا شاب الخطأ السلوك الإجرائي وحده أسفر عن خطأ إجرائي، أما إذا تعلق الخطأ بقضاء القاضي، أسفر عن خطأ في القانون .
2- إن الخطأ الإجرائي المؤدي إلى البطلان يجب أن ينبعث من الإجراءات المعيبة ذاتها، ولا يسمح بتقديم دليل خارجي عنها لإثبات هذا العيب ؛ لأن كل إجراء يجب أن ينطق بذاته عن مدى صحته أو بطلانه. وإذا أراد الخصم إثبات عكس عدم توافر الإجراء أو عدم توافر أحد الأشكال المبينة فيه، فعليه أن يطعن بالتزوير أما حجية الدليل المنبعث من الإجراء فإنها تخضع للمناقشة الموضوعية ولا تحتاج إلى الطعن بالتزوير .
يتخذ الخطأ في القانون بالمعنى الضيق ثلاث صور، هي مخالفة القانون، والخطأ في تطبيقه، والخطأ في تأويله وجميع هذه الصور تفيد عدم إعمال القانون على وجهه الصحيح، الأمر الذي يقتضي تدخل محكمة النقض لكي تراقب سلامة الحكم المطعون فيه بالنظر إلى القانون الواجب التطبيق .
وتتحقق مخالفة القانون عند عدم تطبيق قاعدة قانونية واضحة المعنى لا تحتمل تأويلاً على واقعة يجب تطبيقها عليها أما الخطأ في تطبيق القانون، فيتحقق بتطبيق قاعدة قانونية واضحة المعنى لا تحتمل تأويلاً على واقعة لا يجوز تطبيقها عليها، وقد يرجع هذا الخطأ في التطبيق إلى الخطأ في التكييف القانوني للواقعة التي ثبتت لدى المحكمة في حدود سلطتها التقديرية. أما الخطأ في تأويل القانون، فيكون عند الانحراف بمعنى النص القانوني سواء بالتضييق من نطاق القاعدة القانونية المستخلصة من توسيعه أو تشويه هذا المعنى .
ولا تنفصل هذه الصور عن بعضها ، فالخطأ فى تطبيق القانون يقود عادة إلى الخطأ فى تطبيق القانون أو مخالفته .
وقد يقترن الخطأ في القانون بالبطلان إذا ما تمثل الواقع في إجراء معين استمدت منه المحكمة دليل الإدانة، ثم نشأ نزاع حول مدى مشروعية هذا الإجراء. فقد تخطىء المحكمة في القانون عند الفصل في هذا النزاع، ثم تعتمد بناء على هذا الخطأ على الدليل الباطل المستمد من الإجراء الباطل الذي أخطأت المحكمة في رفضها القضاء ببطلانه. وقد يؤدي اعتماد المحكمة على الدليل الباطل إلى وقوع المحكمة في الخطأ في القانون، وكل ذلك يؤدي إلى اقتران الخطأ في القانون بالبطلان .
مخالفة القانون :
هي الخطأ المباشر في القانون. ويتحقق بتجاهل القاعدة القانونية الواجبة التطبيق وعدم إعمال الحكم القانوني الذي تنص عليه . فهذا الخطأ هو بمثابة رفض لتطبيق نص قانوني ينطبق على الواقعة المعروضة على المحكمة. مثال ذلك عدم الحكم بعقوبة تكميلية وجوبية .
أو إغفال تطبيق القانون الأصلح للمتهم، أو الحكم بوقف التنفيذ في جرائم نص القانون على عدم جواز شمول عقوبتها بوقف التنفيذ، أو توقيع عقوبة الحبس والوضع تحت مراقبة الشرطة على الحدث الطفل الذي لا تجاوز سنه خمس عشرة سنة بالمخالفة لقانون الأحداث ( حالياً قانون الطفل ) ، وقبول الدعوى المدنية التبعية في أحوال نص القانون على عدم جواز رفعها أمام المحكمة الجنائية (كما هو الشأن بالنسبة إلى محكمة الأحداث)، وعدم قبول الدعوى المدنية التبعية في مرحلة المعارضة أمام محكمة أول درجة كما تتحقق مخالفة القانون بتجاهل القاعدة التي تنص على وجوب الحكم بعقوبة الجريمة الأشد في حالة الارتباط الذي لا يقبل التجزئة .
الخطأ في تطبيق القانون :
يتحقق بإعمال قاعدة قانونية لا تنطبق على الواقعة بسبب الخطأ في التكييف القانوني للواقعة التي ثبتت لدى المحكمة في حدود سلطتها التقديرية. مثال ذلك الحكم على المتهم غير العائد بالعقوبة المقررة للعائد، والحكم بعقوبة جريمة غير التي أدين المتهم بها، والحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بسبب العفو عن جريمة لا يشملها قانون العفو، أو بسبب التقادم رغم انقطاع مدته . ومثال ذلك أيضاً تطبيق نص المادة 62 عقوبات بشأن امتناع مسئولية السكران بغير اختياره على من يتعاطى الخمر بمحض اختياره، في هذه الأحوال السابقة أنزلت المحكمة حكم القانون بسبب خطأ في التكييف القانوني للواقعة، مما يعد خطأ في تطبيق القانون .
الخطأ في تأويل القانون :
قد ترجع مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه بالمعنيين السالف بيانهما إلى سوء تفسير المحكمة للقانون الواجب التطبيق. إلا أن الصورة الحالية تتميز عن الصورتين السابقتين في أن المحكمة لا تتجاهل القانون الواجب التطبيق، بل تطبقه على الواقعة أو على إجراءات الخصومة الجنائية، ولكنها عند هذا التطبيق تعطي للقانون معنى غير معناه الحقيقي، أي تسيء تفسيره. وهذا الخطأ في تأويل القانون. مثال ذلك الخطأ في تفسير معنى السلاح والليل كظرفين مشددين في السرقة، والخطأ في تفسير معنى المسكن عند الدفع ببطلان تفتیشه، والخطأ في تحديد معنى الشيك في جريمة إصدار شيك بدون رصيد، والخطأ في تحديد المقصود بالإكراه کظرف مشدد في السرقة .
ويلاحظ أن الخطأ في تكييف الواقعة الذي يقود إلى الخطأ في تطبيق القانون قد ينطوي على خطأ في تأويل القانون عندما يقع القاضي في خطأ عند تعريف الفكرة القانونية التي استخدمت أساساً للتكييف، مثل سوء تفسير القانون في تحديد معنى السرقة، مما أدى إلى تكييف الواقعة - خطأ - بأنها سرقة. إلا أن الخطأ في تكييف الواقعة ينطوي عادة على خطأ في تطبيق القانون عندما يضفي القاضي - خطأ - على الواقعة تكييفاً قانونياً لا ينطبق عليها .
ومن أمثلة قضاء محكمة النقض في تفسير القانون ما قضت به من أن اختصاص محاكم أمن الدولة العليا «طوارئ» بنظر جناية إحراز المخدر لارتباطها بجريمة حيازة السلاح الأبيض بدون ترخيص لا يتفق والتفسير الصحيح للمادة الثانية من أمر رئيس الجمهورية رقم 1 لسنة 1981، ذلك أن قواعد التفسير الصحيح للقانون تستوجب - بحكم اللزوم العقلي - أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف ذات العقوبة الأشد المرتبطة بها في التحقيق والإحالة والمحاكمة، وتدور في فلكها بموجب الأثر القانوني للارتباط، اعتباراً بأن عقوبة الجريمة الأشد هي الواجبة التطبيق على الجريمتين وفقاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات. وبناء على ذلك، فإن محكمة الجنايات وحدها هي المختصة بنظر جناية إحراز المخدر، وهي المحكمة الأعلى درجة من محكمة أمن الدولة الجزئية «طوارئ» التي تشترك مع القضاء العام والأصيل في الاختصاص بنظر جريمة حيازة السلاح الأبيض بدون ترخيص .
يتعلق الوجه الثاني للطعن ببطلان الحكم أو الأمر المطعون فيه، ويستوي في هذا البطلان أن يمس الحكم نفسه مباشرة أو أن يمس الإجراءات التي بني عليها الحكم ( المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن بالنقض والمادة 195 إجراءات ) .
وأساس هذا الوجه من الطعن أن محكمة النقض وهي تباشر وظيفتها في ضمان حسن تطبيق القانون، تراقب مدى صحة الأحكام من الناحية الإجرائية، فالقانون الذي تسهر على حسن تطبيقه محكمة النقض ليس هو فقط القانون الذي يطبقه القاضي حين يفصل في الدعوى، وإنما هو أيضاً القانون الذي يحكم النشاط الإجرائي للقاضي .
والرقابة القانونية التي تباشرها محكمة النقض هي رقابة قضائية، نظراً إلى الارتباط الوثيق بين القانون الذي يتوقف عليه الفصل في الدعوى، والقانون الذي يحكم سير إجراءاتها . فالقانون يتحدد نطاق تطبيقه القضائي من خلال الضمانات الإجرائية التي حددها القانون، وهذا الالتزام يؤثر بلا شك في سلطة القاضي في تطبيق القانون، وكل تطبيق للقانون على حساب الضمانات الإجرائية هو تطبيق خاطئ .
بطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم :
من المقرر أن الإجراء الباطل لا ينتج أثراً. وينبني على ذلك بطلان الإجراءات المترتبة عليه، وأهمها الحكم الجنائي .
يتحقق هذا التأثير في إحدى المسائل الآتية :
1- عدم قبول الدعوى الجنائية :
إذا كان الإجراء الباطل شرطاً لصحة نشأة الخصومة الجنائية فإنه يترتب عليه عدم قبول الدعوى الجنائية كما إذا شاب البطلان إجراء الشكوى أو الطلب أو الإذن في الجرائم التي تخضع لهذه القيود، أو التكليف بالحضور أو أمر الإحالة. فهذا البطلان يترتب عليه عدم توافر شروط قبول الدعوى الجنائية، مما يجرد محكمة الموضوع من سلطتها في الفصل في موضوع الدعوى. فإذا هي فصلت في الموضوع رغم عدم قبول الدعوى الجنائية كان حكمها مشوباً بالبطلان .
2- عدم قيام الخصومة الجنائية في مرحلة المحاكمة أو عدم صحتها :
إذا لم تقم الخصومة الجنائية في مرحلة المحاكمة فإن الحكم يكون منعدماً، وإذا تخلف أحد شروط صحة إجراءاتها، مثل عدم الاختصاص أو الخطأ في تشكيل المحكمة أو إذا توافر سبب من أسباب عدم الصلاحية أو سبب من أسبابه بعد تقديم طلب الرد برد القاضي أو عدم احترام مبدأ العلانية أو شفوية المرافعة أو عدم تمكين الخصوم من الحضور والإخلال بحقهم في الدفاع، كانت إجراءات المحاكمة باطلة بطلاناً متعلقاً بالنظام العام وكذلك الحكم الجنائي المترتب عليها .
وكذلك الأمر، يكون بطلان الحكم إذا تعلق البطلان بأحد الإجراءات الجوهرية في المحاكمة، مما يلزم مباشرته قبل إصدار الحكم، مثل تلاوة تقرير التلخيص في المحكمة الاستئنافية .
3- عدم سلامة مصادر الأدلة :
قد يشوب البطلان أحد إجراءات الإثبات التي ينتج عنها الدليل الذي اعتمدت عليه المحكمة في اقتناعها، كالقبض والتفتيش والاستجواب وسماع الشهود. ويستوي أن تكون هذه الإجراءات في مرحلة الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو المحاكمة. وفي هذه الحالة يترتب على بطلان الإجراء بطلان الحكم الذي اعتمد عليه كدليل في الدعوى، مما لا يجوز معه الاستناد إليه، وإلا كان الحكم مشوباً بالفساد في الاستدلال .
وهنا يلاحظ أن مجرد بطلان هذه الإجراءات ليس مؤثراً في حد ذاته ما لم يعتمد الحكم على الدليل المترتب عليه، فإذا وقع التفتيش باطلاً مثلاً إلا أن المحكمة لم تعول في اقتناعها على الدليل المنبعث منه، فلا بطلان. وليس صحيحاً على إطلاقه أن تعييب التحقيق الذي جرى في المرحلة السابقة على المحاكمة لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم؛ لأن العبرة هي بتأثير هذا العيب في الدليل المستمد من هذه الإجراءات، فإذا كان الإجراء السابق على المحاكمة باطلاً واستمدت منه المحكمة دليلاً من أدلة الإدانة كان الحكم باطلاً .
ومن المقرر أن استبعاد الدليل المستمد من إجراء باطل ليس من شأنه أن يمنع المحكمة من الأخذ بعناصر الإثبات الأخرى التي ترى من وقائع الدعوى وظروفها أنها مستقلة عن تلك الواقعة وقائمة بذاتها .
ومتى تقرر بطلان الدليل بسبب بطلان مصدره ( إذن التفتيش مثلاً ) استفاد من البطلان سائر المتهمين إذا كان القائم ضدهم هو الدليل المستمد من الإجراء الباطل ولو لم يكن أحدهم قد دفع بالبطلان .
4- الاخلال بحق الدفاع :
يعد حق الدفاع ضماناً جوهرياً في جميع الإجراءات الجنائية، ومن قبيل ذلك الحق في الاطلاع على التحقيق قبل استجواب المتهم وحق المتهم في الاستعانة بمحام، والحق في الاستجواب والحق في أن يكون المتهم آخر من يتكلم والحق في الامتناع عن الإجابة، دون أن يتخذ هذا الامتناع قرينة ضده .
ويعد أيضاً من حقوق الدفاع الحق في إبداء الدفاع شفاهاً، فلا يجوز أن يجبر الخصوم على الاكتفاء بالمذكرات في دفاعهم؛ لأن الأصل في الدعوى الجنائية أن يكون الدفاع شفاهاً، إلا أن يطلب الخصوم تقديمه مسطوراً، اعتباراً بأن القضاء الجنائي إنما يتعلق في صميمه بالأرواح والحريات، وينبني في أساسه على اقتناع القاضي وما يستقر في وجدانه .
وقد أكدت محكمة النقض على أن الأصل المقرر في المادة 289 من قانون الإجراءات الجنائية أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على التحقيق الشفوي الذي تجريه المحكمة بالجلسة وتسمع فيه الشهود، ما دام ذلك ممكناً، وأنه لا يجوز الافتئات على هذا الأصل الذي فرضه المشرع لأية أسباب مهما كانت، إلا بتنازل الخصوم صراحة أو ضمناً .
ومن المقرر أن نزول الدفاع عن طلب سماع الشاهد لا يسلبه حقه في العدول عن ذلك النزول والتمسك بتحقيق ما يطلبه ما دامت المرافعة دائرة .
ومن المقرر كذلك أن الدفاع المكتوب في مذكرة مصرح بها هو تتمة للدفاع الشفوي المبدی بجلسة المرافعة أو هو بديل عنها إن لم يكن قد أبدى فيها .
وبناء على ذلك، قضت محكمة النقض بأنه يكون للمتهم أن يضمن مذكرة دفاعه المكتوب ما يشاء من أوجه الدفاع، بل له إذا لم يسبقها دفاع شفوي أن يضمنها ما يعن له من طلبات التحقيق المنتجة في الدعوى والمتعلقة بها، ومنها سماع شاهد الواقعة. ولا يجوز مصادرة الدفاع فيما تمسك به من سماع هذا الشاهد؛ لأن ذلك لا يتحقق به الأصل المقرر في المادة 289 من قانون الإجراءات الجنائية، وهو وجوب أن تبنى المحاكمة الجنائية على التحقيق الشفوي . ومع ذلك، فإن محكمة النقض اتجهت في قضاء آخر إلى أن المحكمة ليست ملزمة بإجابة طلب التحقيق الذي يبديه المتهم في مذكرته التي قدمت في فترة حجز القضية للحكم أو الرد عليها سواء قدمها بتصريح منها أو بغیر تصریح، ما دام لم يطلب ذلك بجلسة المحاكمة وقبل إقفال المرافعة في الدعوى ونحن لا نتفق مع هذا القضاء طالما أن الدفاع المكتوب كان مصرحاً به من المحكمة، وذلك باعتبار أن هذا الدفاع ليس إلا تتمة للدفاع الشفوي المبدی بجلسة المرافعة. ولا يشترط في المواد الجنائية أن تصرح المحكمة للدفاع بتقديم المستندات إذا أرفق المستندات بمذكرة دفاعه المكتوب المصرح به؛ لأن هذه المستندات ليست إلا نوعاً من الدفاع المكتوب لا يحتاج إلى تصريح خاص وكذلك لا يجوز الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن إذا كان تخلف المعارض عن الحضور بالجلسة التي صدر فيها هذا الحكم حاصلاً بدون عذر، فهذا الحكم يكون باطلاً لحرمان المعارض من استعمال حقه في الدفاع .
ويشترط أن يكون المتهم قادراً على الدفاع عن نفسه، فإذا ثبت أنه ليس كذلك بسبب عاهة فى عقله طرأت بعد وقوع الجريمة يوقف رفع الدعوى عليه أو محاكمته حتى يعود إليه رشده (المادة 339 إجراءات). وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه متى اطمأنت المحكمة على ما أوضحت عنه في حكمها إلى ما جاء في التقرير الطبي من أن الطاعن يعاني من اكتئاب تفاعلي ثانوي مع بعض نوبات القلق والتوتر، فإنه كان عليها أن تتثبت عن طريق المختص فنياً من أن هذا الذي يعاني منه الطاعن لا يعد عاهة في عقله تجعله غير قادر على الدفاع عن نفسه إبان المحاكمة .
وعلى ذلك، فإنه إذا كان القانون قد أوجب حضور محام مع المتهم في جناية وكانت المحكمة بعد أن امتنع المحامي الحاضر عن إبداء الدفاع وطلب التأجيل وأصر عليه حتى يحضر محامي الطاعن الأصيل، ورأت عدم إجابته إلى طلبه، وفصلت في الدعوى بالإدانة دون أن تتيح للمتهم الفرصة لإبداء دفاعه كاملاً، فإن هذا التصرف من جانب المحكمة ينطوي على إخلال بحق الدفاع مبطل لإجراءات المحاكمة .
وتقتضي حتمية الاستعانة بمحام لكل متهم بجناية أن يكفل له دفاع حقيقي لا شكلي ويعد إنهاء المحكمة لمرافعة الدفاع قبل استكمالها تجريداً للمتهم من معاونة الدفاع له في درء الاتهام، ولا ينال من ذلك وجود محام آخر مع الطاعن الأول ترافع في الدعوى، طالما كان الدفاع مقسماً بين الاثنين .
القضاء خطأ بقبول الدفع بالبطلان :
قد يدفع الخصم ببطلان أحد الإجراءات السابقة عليه، فتقبل المحكمة الدفع وترتب عليه النتيجة المبنية عليه، فهل نحن في هذه الحالة بصدد حكم مخالف للقانون؟
الواضح في هذا المثال أن المحكمة قد أخطأت في تطبيق قاعدة إجرائية من قواعد قانون الإجراءات الجنائية ويتوافر هذا الخطأ إذا انصب على مضمون الحكم الجنائي دون أن يمتد إلى الكيان الإجرائي للحكم ذاته ومن ثم، فهو يعد خطأ في القانون لا بطلاناً .
القضاء خطأ برفض الدفع بالبطلان :
إذا دفع المتهم بالبطلان إلا أن المحكمة التفتت عن هذا الدفع أو ردت عليه بصورة خاطئة، فإن حكمها يكون مشوباً بالبطلان. ويرتكز هذا البطلان بوجه خاص على هذين الاعتبارين :
(أ) الاعتماد على إجراءات باطلة بسبب الاستناد إلى الأدلة التي تولدت عن هذه الإجراءات، مما يشوب أسباب الحكم بالإدانة بالفساد في الاستدلال .
(ب) أن يكون الإجراء الباطل، مما يتصل بقبول الدعوى الجنائية، فيترتب على رفضه أن تقبل المحكمة الدعوى وتسير في إجراءات باطلة تصل إلى حكم باطل .
وجوب تسبيب الحكم :
دلالته :
تعد أسباب الحكم الدعامة التي تبرر المنطوق، فإذا خلا الحكم من أسبابه تعذر مراقبة مدى سلامة الحكم في تطبيق القانون. لهذا كان وجود الأسباب ضماناً مهماً لتمكين محكمة النقض من مراقبة حسن تطبيق القانون .
ولا يتوافر التسبيب عندما يكون الحكم خالياً تماماً من الأسباب، أو عندما يكون في عبارة عامة مجملة خالية من التفصيل، أو عبارة غامضة. وعلى هذا النحو، فإن هذا العيب يمكن كشفه في صورتين :
(أولاً) خلو الحكم تماماً من التسبيب .
(ثانياً) ورود التسبيب بصورة عامة مجملة أو غامضة .
(أولاً) خلو الحكم من التسبيب :
استقر قضاء محكمة النقض على أنه إذا كان الحكم المطعون فيه قد خلا فعلاً من أسبابه لاستحالة قراءتها، فإن الحكم يعد باطلاً .
ولا يجوز للمحكمة أن تتخفف من واجب تسبيب الأحكام بالإحالة إلى حكم آخر صادر من محكمة أخرى لم تكن لها ولاية الفصل في الدعوى . وإنه وإن كان للمحكمة أن تأخذ في حكمها بأسباب حكم آخر، إلا أن ذلك لا يجوز إلا إذا كان هذا الحكم صادراً بين الخصوم أنفسهم، فإذا اكتفت محكمة الجنح في تسبيب حكمها القاضي بتزویر ورقة بقولها إنها تأخذ بأسباب حكم المحكمة الجزئية برد وبطلان هذه الورقة، وكان الثابت أن المتهمين لم يكونوا جميعاً أطرافاً في الدعوى المدنية، فهذا لا يصلح سبباً يبني الحكم عليه، بل إنه يجب لصحة الحكم الذي يستند إلى أسباب حكم آخر صادر في ذات الدعوى بين الخصوم أنفسهم أن يكون صريحاً في الدلالة على أن المحكمة قدرت ما جاء بهذا الحكم من وقائع وأدلة واعتبرته صحيحاً وأنها تأخذ به وتجعله أساساً لقضائها كأنه مدون فعلاً في حكمها .
وقد قضت محكمة النقض بأن نقل كثير من أسباب الحكم المنقوض في الحكم الذي أصدرته المحكمة التي أعيدت إليها الدعوى للفصل فيها لا يبطله ما دامت هذه المحكمة قد أقرت تلك الأسباب واعتبرته من وضعها .
ويلاحظ أن تحرير الحكم على نموذج مطبوع لا يعني انعدام التسبيب ما دام الثابت أن الحكم قد استوفى أسبابه في النموذج المطبوع بما يتفق مع منطوق الحكم بل وصل الأمر إلى الحد الذي فصلت فيه محكمة النقض بأنه لا يؤثر في سلامة التسبيب طبقاً لنموذج مطبوع إغفال ملء بعض بیانات الأسباب المطبوعة بالنموذج أو تعديلها بما يتفق مع منطوق الحكم ما دام الثابت أن الحكم قد استوفى أوضاعه الشكلية، والبيانات الجوهرية التي نص عليها القانون .
(ثانياً) التسبيب المجمل أو الغامض :
يعد التسبيب غير متوافر إذا كان بصيغة غامضة ومبهمة لأنه لا يحقق الغرض الذي قصد الشارع من تسبيب الأحكام وفي هذا المعنى تقول محكمة النقض إن المراد بالتسبيب المعتبر للحكم هو تحرير الأسانيد والحجج المبني هو عليها والمنتجة هي له، سواء من حيث الواقع أو من حيث القانون، ولكي يحقق الغرض منه يجب أن يكون في بيان جلي مفصل بحيث يستطاع الوقوف على مسوغات ما قضى به، أما إفراغ الحكم في عبارات عامة أو وضعه في صورة مجهلة فلا يتحقق به الغرض الذي قصده الشارع من استیجاب تسبيب الأحكام، ومن قبيل ذلك أيضاً تحریر الحكم بخط غير مقروء .
القصور في البيان :
دلالته :
تعد أسباب الحكم مشوبة بالقصور فى البيان إذا انطوت على عيب سلامة استقراء الأدلة ، وهذا الاستقراء يعد معيباً فى الأحوال الآتية :
1. عدم بيان مضمون الأدلة التي استند إليها .
2- عدم مناقشة الأدلة بطريقة موضوعية ( ويشمل عدم الرد على أوجه الدفاع الجوهرى ) .
3- عدم بيان العناصر الأساسية لواقعة الدعوى .
1. عدم بيان مضمون الأدلة التي استند إليها الحكم
يجب على المحكمة أن تبين مضمون الأدلة التي استند إليها الحكم بياناً كافياً. وقد عبرت محكمة النقض عن ذلك في قولها إنه «يجب ألا يجهل الحكم أدلة الثبوت في الدعوى بل عليه أن يبينها بوضوح بأن يورد مؤداها في بيان متصل يتحقق به الغرض الذي قصده الشارع من تسبيب الأحكام وتتمكن معه محكمة النقض من إعمال رقابتها على تطبيق القانوني تطبيقاً صحيحاً وهذا البيان يعبر عن استقراء المحكمة عن علم وبصيرة للأدلة التي أسست عليها اقتناعها وعقيدتها، حتى تستنبط في ضوئها وجه الحقيقة ومن هنا يتضح أن العيب في هذا البيان يمس جوهر المنطق القضائي القائم على الاستقراء قبل الاستنباط .
ومن أمثلة ذلك أن يخلو الحكم في جريمة تقليد العلامة التجارية من وصف العلامة الصحيحة والعلامة المقلدة ومن بيان أوجه التشابه والتطابق بينهما، أو أن يخلو الحكم في جريمة إهانة موظف عام من ذكر ألفاظ الإهانة التي بني عليها قضاء ومثاله أيضاً أن يقول الحكم «إن التهمة ثابتة من التحقيقات وشهادة الشهود والتحليل الكيمياوي والكشف الطبي» دون بيان مضمون هذه الأدلة .
وقد قضي أنه متى كان الحكم قد خلا من بيان أقوال الشهود الذين أيدوا شهادة المجني عليه فإنه يكون قاصر وحكم بأنه إذا أدان الحكم المتهم في جريمة القتل الخطأ دون أن يورد مضمون ما قاله شاهد الإثبات في الدعوى، ولا حاصل ما جاء في المعاينة وفي تقرير المهندس الفني وتقرير الصفة التشريحية، مع تعويله في الإدانة على الأدلة المستمدة من ذلك، فإنه يكون قاصراً وقضي أنه إذا اقتصر الحكم على القول بثبوت التهمة من شهادة شاهدي الإثبات التي يستفاد منها تسليم المتهم للمبلغ المبدد دون أن يذكر أسماء هؤلاء الشهود ولا مؤدی شهادتهم فإنه يكون قاصراً وقضى أن إدانة الطاعن استناداً إلى أقوال المجني عليها والأوراق وجوازات السفر دون بيان مضمون كل منها والطرق الاحتيالية التي استخدمها والصلة بينها وبين تسليم المجنى عليها المال موضوع الاتهام يجعل الحكم مشوباً بالقصور .
2- عدم الرد على أوجه الدفاع الجوهري أو الرد عليها بطريقة غير كافية
تتطلب المحاكمة القانونية المنصفة احترام حق الدفاع، ولضمان هذا الاحترام تلتزم المحكمة بالرد على أوجه الدفاع الجوهري ومن ثم، فإن الحكم الذي يخل بهذا الالتزام يكون مشوباً بعيب إجرائي هو الإخلال بحق الدفاع .
ومن ناحية أخرى، فإن إغفال الرد على أوجه الدفاع الجوهري يخل بمقومات الأدلة التي أسست عليها المحكمة اقتناعها، مما يشوب سلامة الاستقراء ويعيب الحكم في ذات الوقت بالقصور في التسبيب ووجه القصور هو ما شاب الاستقراء من عيب بسبب عدم الإحاطة بالأسباب التي أدت إلى إطراح الدفاع الجوهري .
أوجه الدفاع التي تستأهل رداً صريحاً :
تلتزم المحكمة بالرد على أوجه الدفاع التي تتوافر فيها الشروط الآتية :
1- أن يتضمن الدفاع طلبات حقيقية :
فلا يعد كذلك كل مناحي الدفاع الموضوعي التي تتجه إلى إثارة انتباه المحكمة، أو تحريك وجدانها، أو مجرد التشكيك في الأدلة المعروضة عليها. ويشترط لكي تكون الطلبات حقيقية شرطان :
( أولهما ) أن يستند إلى أمر محدد، فلا يعد من قبيل ذلك المزاعم التي تفتقر إلى التحديد والأقوال المرسلة.
وقد قضت محكمة النقض أن المحكمة لا تلتزم بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي وفي كل شبهة يثيرها والرد على ذلك ما دام الرد يستفاد ضمناً من القضاء بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت السائغة التى أوردها الحكم . ( نقض 7 ديسمبر سنة 1987، مجموعة الأحكام س 29 رقم 182 ص 879 )
وقضت أن الدفع بشيوع التهمة من الدفوع الموضوعية التي لا تستلزم من المحكمة رداً خاصاً اكتفاءً بما تورده من أدلة الإثبات التي تطمئن إليها بما يفيد إطراحه . ( نقض 30 يناير سنة 1977، مجموعة الأحكام س 28 رقم 34 ص 156 )
( ثانيهما ) يجب أن يترتب على الواقعة محل الدفاع أثر قانونى ، فمجرد إثارة الشبهة فى الدليل مثل طلب إجراء تجربة رؤية لمكان الحادث دون المنازعة فى قوة إبصار شهود الرؤية ، أو طلب إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات استئجار الطاعن عين النزاع لنفى الباعث على اصطناع عقد الإيجار ، فهذا الطلب فى حد ذاته لا يترتب عليه أثر قانونى ، بخلاف ما إذا كان قد ادعى أن الشاهد لا يستطيع الرؤية وقدم طلبات لإثبات ذلك
ومن أمثلة ذلك أيضاً عرض الحجج والبراهين، فإنها لا تعد من قبيل الطلبات الحقيقية التي تلتزم المحكمة بالرد عليها .
2- أن يكون طلب الدفاع جازماً :
الطلب الجازم هو الذي يصر عليه مقدمه ولا ينفك عن التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية . ( نقض 6 مارس سنة 1972، مجموعة الأحكام س 22 رقم 70 ص 301، 15 مارس سنة 1978 و 29 رقم 94 ص 507، 8 يناير سنة 1979 س 30 رقم 6 ص 41، 12 نوفمبر سنة 1996 الطعن رقم 16404 لسنة 64 ق )
وقد عرفته محكمة النقض بأنه الطلب الذي يقرع سمع المحكمة ويشتمل على بيان ما يرمي إليه ويصر عليه مقدمه في طلباته الختامية . ( نقض 13 فبراير سنة 1977، مجموعة الأحكام س 28 رقم 5 ص 230 )
وبناء على ما تقدم، لا تلتزم المحكمة بالرد على الدفاع الذي يبدي في صورة قول مرسل ، أو في غير مطالبة جازمة ولا إصرار ، أو فى غير صراحة .
ولا يعد من قبيل ذلك الطلبات الاحتياطية . إلا أنه يعد من قبيل الطلبات الجازمة الطلبات الاحتياطية التى تأتى عقب تقديم طلب أصلى هو البراءة .
3 - أن يكون الدفاع جوهرياً :
يعد الدفاع جوهرياً إذا كان تحقيقه لازماً للفصل في الدعوى، وذلك لو صح لتغير وجه الرأي في الدعوى . ويستوي في هذا الدفاع أن يصيب سلامة إجراءات الدعوى الجنائية أو سلامة الحكم أو سلامة الأدلة، سواء من ناحية قبولها قانوناً أو صلاحيتها للاقتناع الموضوعي وفقاً للعقل والمنطق .
ومن أمثلة ذلك الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها . كذلك الدفع ببطلان أقوال الشاهد لصدورها تحت تأثير إكراه ، والدفع ببطلان الاعتراف لصدوره بناء على إكراه، والدفع بوجود فرق ملحوظ بين وزن المخدر عند ضبطه ووزنه عند تحليله، والدفع ببطلان القبض والتفتيش ، والدفع بعدم قدرة المجني عليه على التكلم بتعقل عقب إصابته، والدفع بطلب سماع أحد شهود الواقعة ولم يكن ضمن شهود الإثبات المعلنين من قبل النيابة العامة، وطلب سماع الشاهد الذي كان يجب سماعه أمام محكمة أول درجة، وتمسك المتهم بالتبديد بأنه لم يكن يعلم بيوم البيع وطلبه ضم أوراق لإثبات ذلك، والدفع بجنون المتهم، والدفع بتوافر العذر القهري الذي حال دون حضور المعارض جلسة المعارضة مما أدى إلى الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن، والدفع بتوافر حالة الدفاع الشرعي، والطعن على شهادة الشاهد بأنه غير ممیز، والدفع بأن الواقعة لا تشكل جريمة النصب وإنما هي مدنية بحتة، والمنازعة في تحديد وقت الوفاة لأنها مسألة فنية بحتة يجب تحقيقها عن طريق المختص فنياً ، وهو ما يعد دفاعاً جوهرياً، والمنازعة في ملكية الشيء المدعى الاستيلاء عليه؛ لأنه دفاع جوهري يجب أن يتعرض له الحكم، والدفع بانقضاء ستين يوماً على تاريخ تقديم طلب الترخيص بالبناء دون رفض بقرار مسبب، مما يعد موافقة ضمنية على الترخيص .
ويشترط في الدفاع الجوهري أن يكون منتجاً في الدعوى المطروح خلالها. فلا يعد من قبيل ذلك الدفاع ظاهر البطلان، أو الطلب الذي لا يتجه إلى نفي الواقعة، بل يهدف إلى مجرد التشكيك في الدليل إذا كانت المحكمة قد وضحت لديها الواقعة من أدلة أخرى .
ومثال الدفاع ظاهر البطلان الدفع بعدم جواز نظر الدعوى في جريمة التبديد أو عدم قبولها لرفعها قبل الأوان، تأسيساً على أن المتهم لا يلتزم برد منقولات الشقة إلا عند انتهاء الإجازة، بينما أن المتهم لا يدعي أن المنقولات ما زالت موجودة بالعين المؤجرة . ومثال الطلب الذي لا يتجه إلى نفى الواقعة طلب إجراء المعاينة الذي لا يتجه إلى نفى الفعل المكون للجريمة ولا إلى إثبات استحالة حصول الواقعة كما رواها الشهود، بل يهدف إلى إثارة الشبهة في الدليل الذي اطمأنت إليه المحكمة . وطلب مناقشة الطبيب الشرعي ما دام أن الواقعة قد وضحت لدى المحكمة ولم تر هى من جانبها حاجة إلى اتخاذ هذا الإجراء، وكذلك الدفع بأن استعمال السلاح الأبيض يستتبع حتماً أن تكون الإصابة الناتجة عنه قطعية، بل يصح أن تكون كما وصفها تقرير الصفة التشريحية حسبما كانت عليه الجثة وقت وقوع الفعل وكذلك النعي على المحكمة قعودها عن ندب لجنة من ثلاثة خبراء ما دامت الواقعة قد وضحت لديها .
ويتضح الأثر المنتج للدفاع الجوهري من الأمثلة السابق بيانها، ومما قضى به بأنه يعد دفاعاً منتجاً، دفاع المتهم لأنه ليس المقصود بالاتهام؛ إذ يتعين على المحكمة تحقيقه بلوغاً إلى غاية الأمر فيه، وأن إنكار الشاهد أن الأقوال المبينة بمحضر الضبط صدرت منه وقوله بأن محرر المحضر هدده بالاعتقال فوقع عليه هو دفاع جوهري على المحكمة تمحيصه، وأن الحكم يعد قاصراً إذا التفت عن دفاع المتهم في تهمة الغش في إنتاج الأغذية بعدم مراعاة ما أوجبه القانون عند أخذ العينة وطرق التحليل حسب المواصفات القياسية .
4- أن يبدى هذا الدفاع قبل قفل باب المرافعة :
ينتهي الدفاع بإقفال باب المرافعة، وكل دفاع يقدم بعد ذلك لا تلتزم المحكمة بإجابته أو الرد عليه كما لا تلتزم المحكمة بإجابة طلب إعادة القضية للمرافعة . وفي هذا المعنى تقول محكمة النقض بأن الدفاع إذا كانت له الحرية المطلقة في إبداء ما یرید وطلب ما يريد مما يتعلق بالدعوى، إلا أنه متى أتم كلامه وأقفل باب المرافعة فقد استوفى قسطه من الحرية، وليس على المحكمة إن هو قصر أو سها، فإن للمرافعات مدی يجب أن تنتهي إليه .
وفيما يتعلق بأوجه الدفاع التي يضمنها الخصم في مذكرة قدمها بغير إذن منها بعد قفل باب المرافعة، فإن المحكمة في حل من الالتفات إليها، فإن صرحت بتقديمها، فعليه أن يلتزم بالموعد الذي حددته المحكمة لتقديمها، وعلى المحكمة أن تمكن الخصم الآخر من الاطلاع على المذكرة التي قدمها الخصم في فترة حجز القضية للحكم .
ضوابط الرد التي تلتزم المحكمة باتباعها في حكمها :
لا ينصب التزام المحكمة بالرد على أوجه الدفاع الجوهري على بيان أدلة الإدانة، فالمحكمة لا تلتزم إلا بإقامة حكمها على قدر كاف من تمحيص الأدلة لتبرير قضائها دونما إخلال بحق الدفاع. وعلى المحكمة في سبيل ذلك إما أن تجيب الدفاع إلى طلباته في تحقيق الدعوى أو أن ترد عليها في حالة رفضها. ويعد الرفض مبرراً بالرد على أوجه الدفاع الجوهري دون الجري وراء أدلته وملاحقتها دليلاً دليلاً، طالما بني على أسباب سائغة، فيكفي قيام الحكم على أسباب تكفي لحمل قضائه بطرح الدفاع الجوهري، فلا على المحكمة إن هي لم تتعقب ما يثيره الدفاع لمبنى دفاع المتهم ولو لم ترد على كل دلیل ساقه مثال ذلك إذا ما تمسك المتهم بأنه كان في حالة دفاع شرعي ثم رفضت المحكمة هذا الدفاع بناء على أسباب سائغة دلت على عدم توافر الشروط اللازمة لقيامه، فلا تثريب على المحكمة إذا هى لم تتبع حجج المتهم لإثبات هذا الدفاع بالرد حجة حجة؛ لأن الأسباب التي أقنعتها بعدم توافر هذا الدفاع تفيد ضمناً طرحها لكل هذه الحجج .
وكذلك الشأن إذا استندت المحكمة في رفضها للدفاع إلى سلطتها في تقدير الدليل. مثال ذلك التفات المحكمة عن إنكار الطاعن للصورة الضوئية العرفية من المستند المقدم من المدعية بالحق المدني، دون أن يقدم الطاعن الأصل الذي يدعي باستحصاله عليه لقاء تسلم المطعون ضدها للمنقولات، استخلاصاً من المحكمة إلى عدم جدية منازعته في صورة الورقة العرفية، واستناداً لسلطتها في تقدير الأدلة والأخذ بها فيما تصلح لإثباتها أو الالتفات عنها دونما التزام ببيان ذلك . (نقض 18 سبتمبر سنة 2001 الطعن رقم 10304 لسنة 62 ق )
كل ذلك مشروط بأن يكون الدفاع جوهرياً بالمعنى السالف بيانه . أما إذا كان الدفاع غير جوهري، فإن المحكمة لا تلتزم بالرد عليه صراحة في حكمها .
3- عدم بيان العناصر الأساسية لواقعة الدعوى :
يصيب هذا العيب الاستقراء الذي تستنبط منه المحكمة الصورة النهائية للنتيجة متمثلة في واقعة الدعوى ومنطوق الحكم .
وفى هذا الصدد يجب التمييز بين ثلاثة أنواع من الأحكام :
الحكم الصادر بالبراءة .
الحكم الصادر بالإدانة .
الحكم الصادر قبل الفصل فى الموضوع .
أولاً : الحكم الصادر بالبراءة :
يكفي لصحة هذا الحكم أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة لكي يقضي بالبراءة، ولا يصح النعي على المحكمة أنها قضت بالبراءة بناء على احتمال ترجح لديها بدعوى قيام احتمالات أخرى قد تصح لدى غيرها؛ لأن ملاك الأمر كله يرجع إلى وجدان قاضيها .
كما أن تعييب الحكم في إحدى دعاماته بالخطأ في تطبيق القانون بفرض صحته - يكون غير منتج، إذا كانت المحكمة قد قضت بالبراءة بناء على الشك وعدم الاطمئنان إلى أدلة الثبوت في الدعوى بعد أن ألم بها ولم يطمئن وجدانها إلى صحتها .
ثانياً : الحكم الصادر بالإدانة :
يجب على المحكمة عند قضائها بالإدانة أن تبين واقعة الدعوى کما ارتسمت في ذهن المحكمة مع بيان الوقائع التي تفيد توافر الجريمة ؛ حتى تبرر حكم القانون الذي نطقت به المحكمة، لكي تتمكن محكمة النقض من مراقبتها في صحة تطبيق القانون .
ولم يرسم القانون شكلاً خاصاً لصياغة الحكم لواقعة الدعوى، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان ذلك محققا لحكم القانون . وقد قضت محكمة النقض بأن المقصود من عبارة بيان الواقعة الوارد بالمادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية هو أن يثبت قاضي الموضوع في حكمه كل الأفعال والمقاصد التي تتكون منها الجريمة . فإفراغ الحكم في عبارات عامة معماة أو وضعه في صورة مجملة لا يحقق غرض الشارع من إيجاب تسبيب الأحكام، ولا يمكن محكمة النقض من مراقبة صحة تطبيق القانون .
وفي بيان ذلك يجب أن يستوفي الحكم بالإدانة ما يأتي :
( أ ) توافر الشرط المفترض في الجريمة : مثال ذلك التسليم بناء على عقد الأمانة في جريمة خيانة الأمانة، فإذا لم يدلل الحكم على ثبوت قيام هذا العقد وانتقال حيازة المنقول إلى المتهم على نحو يجعل يده عليه يد أمانة، فإنه يكون معيباً بالقصور .
( ب ) توافر الركن المادى بجميع عناصره : كما إذا أغفل الحكم فى جريمة القتل الخطأ استظهار عناصر الخطأ والضرر ورابطة السببية ، أو إذا أغفل الحكم فى جريمة النصب استظهار الصلة بين الطرق الاحتيالية وتسليم المجنى عليه المال ، أو إذا أغفل الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التى وقعت فيها .
( ج ) توافر الركن المعنوى : استقر قضاء محكمة النقض على أن تحدث المحكمة استقلالاً عن قصد السرقة غير لازم ، إلا إذا كان مدار دفاع المتهم هو انتفاء هذا القصد ، وأن تحدث المحكمة استقلالاً عن القصد الجنائى فى جريمة اختلاس الأشياء المحجوزة غير لازم ، وأن ركن العلم فى جريمة إخفاء الأشياء المسروقة لا تلتزم المحكمة بالتحدث عنه صراحة ما دامت الوقائع الثابتة بالحكم تفيد توافره .
( د ) توافر الظروف المشددة التى أدين المتهم بمقتضاها : مثل سبق الإصرار ، والاقتران بجناية ، وصفة الطبيب أو الصيدلى أو القابلة فى جرائم الإجهاض عند توقيع العقوبة المشددة بسبب توافر هذه الصفة .
ثالثاً : الحكم الصادر قبل الفصل فى الموضوع :
لا يشترط في هذا الحكم أن يبين الواقعة محل الإتهام، فذلك لازم في أحكام الإدانة فحسب .
ويجب أن يستوفي هذا الحكم الوقائع الإجرائية التي تبرر صدور الحكم الصادر قبل الفصل في الموضوع، فالحكم بعدم القبول شکلاً مثلاً يجب أن يبين الإجراءات أو الشروط التي أغفلت في الدعوى، كما أن الحكم بسقوط الاستئناف يجب أن يبين واقعة عدم تقدم المستأنف للتنفيذ قبل يوم الجلسة، ويجب أن يبين الحكم الصادر في شأن الاختصاص العناصر التي تفيد توافر هذا الاختصاص أو نفيه .
يتحقق الخطأ في الإسناد بتوافر شرطين، هما :
(أولاً) أن يكون ما أثبته الحكم من أدلة لا مصدر له في أوراق الدعوى فلا يمكن الاعتداد بدليل أسندته المحكمة إلى مصدر معين على خلاف الحقيقة، كأن يسند الحكم أقوالاً إلى شاهد معين لم يقلها، أو يسند اعترافاً إلى متهم لم يصدر منه، أو إلى نتيجة معينة في تقرير خبير فني لم ترد به .
ويعد من قبيل ذلك تدخل المحكمة في عرض الدليل وأخذه على وجه يخالف الثابت في الأوراق، وتدخل المحكمة في رواية الشاهد وأخذها على وجه يخالف صریح عباراتها وإقامة قضائها على فروض تناقض صریح روايته .
ويتطلب ذلك الاطلاع على مفردات الدعوى للتحقق مما إذا كان الدليل الذي أسنده الحكم إلى مصدر معين قد تضمنه هذا المصدر أو لا. ولا يعد هذا الاطلاع تحقيقاً موضوعياً من جانب محكمة النقض؛ لأنه لا يتطلب مراجعة محكمة الموضوع في تقديرها الأول، بل هو محض مراقبة لسلامة المصدر الذي اعتمد عليه منطق المحكمة. كما أنه لا عبرة بخطأ الحكم فيما أورده من أن الطاعن أشهد آخر لم يؤيده في واقعة سرقة المتهم الأول ما دام أن ما أورده الحكم من ذلك لم يكن قوام جوهر الواقعة التي اعتنقها ولا أثر له في منطق الحكم واستدلاله .
(ثانياً) أن يكون الخطأ فى الإسناد مؤثراً . ويتحقق ذلك إذا شاب هذا الخطأ أدلة تؤثر فى عقيدة المحكمة ، فلا عبرة إذا كان بفرض وجوده غير منصب على واقعة لها أثر قانونى ، كما إذا انصب على دفاع غير جوهرى فى الدعوى .
حالات الفساد في الاستدلال
1- الاستناد إلى أدلة غير مقبولة قانوناً أو غير صالحة بذاتها من الناحية الموضوعية : إن الأدلة غير المقبولة أو غير الصالحة لا تصلح مصدراً للاستنباط، وبالتالي يتعين عدم الالتفات إليها في مقام الاستنباط . فإذا استندت إليها المحكمة رغم ذلك كان حكمها مشوباً بالفساد فى الاستدلال ومناط الأدلة غير المقبولة هو نص القانون أو مقتضاه، أما الأدلة غير الصالحة فمناطها هو سلامة الاستنباط من حيث المنطق .
أ- الاستناد إلى أدلة غير مقبولة من الناحية القانونية : ويتحقق ذلك عندما يكون الحكم بالإدانة مبنياً على إجراءات باطلة أو أدلة غير مشروعة. مثال ذلك أن يستدل الحكم على ثبوت التهمة من دلیل مبني على تفتیش باطل أو استجواب باطل .
ويلاحظ أن هذا المبدأ لا يمتد إلى الحكم الصادر بالبراءة، إذ يجوز أن يصدر هذا الحكم بناء على أدلة غير مشروعة؛ لأن الأصل في المتهم البراءة ولا يجوز الاستناد في إثبات الزنى على الشريك في الزني إلا طبقاً للأدلة التي نصت عليها المادة 276 عقوبات، وما عداها يعد غير مقبول قانوناً. على أنه متى توافر دليل من هذه الأدلة لا يشترط أن يكون صريحاً في الدلالة على ثبوت فعل الزنى، بل يكفي أن تطمئن المحكمة من هذا الدليل إلى أن فعل الزني قد تم . على أنه لا يشترط القانون بشأن الزوج الزاني أدلة خاصة، بل ترك الأمر للقواعد العامة في الإثبات .
وكذلك الشأن، يتوافر هذا العيب إذا بنت المحكمة قضاءها على دليل لم يطرح أمامها في الجلسة، بالمخالفة للمادة 302 إجراءات، فهذا الدليل غير مقبول قانوناً ، وذلك كي يتسنى للخصوم الاطلاع عليه والإدلاء برأيهم فيه كما لا يجوز لها أيضاً أن تبدي رأياً في دليل لم يعرض عليها لاحتمال أن يسفر هذا الدليل من اطلاعها على فحواه ومناقشة الدفاع له عن حقيقة قد يتغير بها وجه الرأي في الدعوى .
ب- الاستناد إلى أدلة غير مقبولة من الناحية الموضوعية : إذا كانت قواعد القانون هي الحدود التي لا يجوز للأدلة أن تتخطاها، فإن معاییر المنطق القضائي القائمة على سلامة الاستنباط تعد حدوداً لا يجوز للمحكمة أن تتجاوزها لمجافاتها للعقل والمنطق في تقديرها للأدلة . وننبه في هذا الشأن إلى المبادئ الآتية :
1- لا يشترط القانون في الأدلة التي تقام عليها الأحكام أن تكون مباشرة، أي شاهدة بذاتها ومن غير واسطة على الحقيقة المطلوب إثباتها، بل يكفي أن يكون من شأنها أن تؤدي إلى تلك الحقيقة بعملية منطقية تجريها المحكمة .
وتطبيقاً لذلك لا تلتزم المحكمة في أخذها باعتراف المتهم أن تلتزم نصه وظاهره، بل لها تجزئته واستنباط الحقيقة منه .
ولا تملك محكمة النقض مراقبة مدى كفاية هذه الأدلة إثباتاً أو نفياً، وكل ما تملكه في نطاق رقابتها للمنطق القضائي هو التثبت من مدى صلاحية الأدلة الواردة في الحكم من الناحية الموضوعية البحتة لأن تكون للوقائع المختلفة عناصر إثبات أو نفي سائغة، فمثلاً القرائن القضائية لا تصلح للإثبات إلا إذا كانت أكيدة في دلالتها لا افتراضية بحتة، فمجرد تأجير الأرض المزروع بها النبات المخدر لا يدل بذاته على مباشرة المستأجر لزراعة النبات المخدر ولا يجوز الاعتماد على مجرد الدلائل في الإثبات؛ لأنها بحكم طبيعتها لا تدل على الواقعة المراد إثباتها بطبيعة متينة غير قابلة للتأويل. وتطبيقاً لذلك قضى بأن استعراف الكلب البوليسي لا يصلح دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة، وإنما يمكن به تعزيز أدلة الثبوت .
2- لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة بوصفها معززة لما ساقته من أدلة، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة .
3- وفيما يتعلق بالمسائل الفنية، استقر قضاء محكمة النقض على أنه لا يجوز للمحكمة أن تحل نفسها محل الخبير في مسألة فنية بحتة، بل عليها ألا تشق طريقها لإبداء الرأي فيها دون الاستعانة بخبير يخضع رأيه لتقديرها، كل ذلك دون إخلال بسلطة المحكمة في تقدير رأي هذا الخبير وفقاً لاقتناعها .
ووفقاً لهذا المبدأ، قضت محكمة النقض أنه لا يجوز للقاضي أن يجزم بحدوث خلل في بناء في تاريخ سابق على الحادث، ما دام أن الخبير شهد بأنه لا يستطيع نفي أو إثبات حصول هذا الخلل في ذلك التاريخ، باعتبار هذا الأمر من الأمور الفنية البحتة .
وقد أجاز قضاء محكمة النقض لمحكمة الموضوع أن تستند إلى الحقائق العلمية الثابتة بشرط ألا تلجأ إلى ما يحوطه منها خلاف في الرأي .
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أنه لا يجوز للقاضي أن يلجأ إلى تقدير السن إلى أهل الخبرة أو إلى ما يراه بنفسه إلا ذا كانت هذه السن غير محققة بأوراق رسمية، سواء كانت شهادة الميلاد أو إفادة رسمية من إحدى جهات الاختصاص .
4- من المقرر أن تقدير الدليل في دعوى لا ينسحب أثره إلى أخرى؛ لأن قوة الأمر المقضي للحكم تكمن في منطوقه دون الأدلة المقدمة في الدعوى، ولانتفاء الحكمة في دعويين مختلفتين موضوعاً وسبباً .
5- من المقرر أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، وإنما له أن يستند في قضائه إلى المعلومات العامة التي يفترض في الشخص العادي أن يكون ملماً بها مما لا تلتزم المحكمة قانوناً ببيان الدليل عليه .
6- قضت محكمة النقض أنه لا يتأتى في منطق العقل أن يتخذ الحكم من دفاع المتهم دليلاً عليه .
7- قد تكون الأدلة صالحة للاقتناع بها من الناحية الموضوعية، إلا أنها لا تكفي بذاتها لإثبات أركان جريمة معينة تتطلب وقائع إضافية لا تشير إليها الأدلة الأولى، فمثلاً مجرد الأقوال والادعاءات الكاذبة لا تكفي لوقوع جريمة النصب مهما بالغ قائلها فى توكيد صحتها؛ إذ يجب أن تكون مصحوبة بأعمال مادية خارجية تحمل المجني عليه على الاعتماد بصحتها .
8- إن استبعاد الدليل سواء لعدم قبوله قانوناً أو لعدم صلاحيته من الناحية الموضوعية ليس من شأنه أن يمنع المحكمة من الأخذ بعناصر الإثبات الأخرى التي ترى المحكمة أنها مستقلة عنه .
2- الاستناد إلى وقائع متناقضة كمصدر للاستنباط دون رفع هذا التناقض :
يجب على المحكمة عند استقراء وقائع متناقضة في دلالتها أن تعمل على رفع هذه الوقائع المتناقضة، فلا يجوز لها أن تجري استنباطاً من وقائع متناقضة إذا لم تستطع إجراء الملاءمة بينها.
ويقع هذا العيب إذا توافر التناقض بين أسباب الحكم بحيث ينفي بعضه بعضاً، ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة فيما يتعلق بواقعة الدعوى فهذا التناقض يجعل الدليل متهاوياً متساقطاً لا شيء فيه باقياً يمكن أن يعد قواماً لنتيجة سليمة يصحه معه الاعتماد عليها والأخذ بها .
3- عدم اللزوم المنطقي للنتيجة التي انتهت إليها المحكمة بناء على الوقائع التي ثبتت لديها أو اتخذتها مصدراً للاستنباط
يتحقق ذلك إذا كانت المقدمات التي انتهت إليها المحكمة لا تؤدي من الناحية المنطقية إلى النتيجة التي خلصت إليها .
الاستدلال الظني (غير اليقيني) :
من المقرر أن الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة يجب أن تبنى على الجزم واليقين وعلى الواقع الذي يثبت بالدليل المعتبر، ولا تؤسس على الظن والاحتمال من المفروض والاعتبارات المجردة . وهذا المبدأ نتيجة طبيعية للأصل في المتهم البراءة، ومن ثم فإنه يتممه بذات القيمة الدستورية التي ينالها هذا الأصل العام. فإذا كان الدليل الذي ساقه الحكم وعول عليه في إدانته للمتهم دليلاً ظنياً مبنياً على مجرد الاحتمال، فإن الحكم يكون معيباً وإذا كان الحكم بعد أن بين واقعة الدعوى وذكر أدلة الثبوت فيها قد عقب على ذلك بقوله إن المحكمة ترجح ثبوت التهمة من الأدلة المتقدمة، فإنه يكون معيباً؛ إذ إن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والاحتمال .
ومع ذلك، فإن أخذ الحكم بدلیل احتمالي لا يقدح في صحته إذا كانت المحكمة قد أسست الإدانة على اليقين هذا بخلاف الحكم بالبراءة، فإنه يكفي استناده إلى الشك في أدلة الإثبات، ويشترط أن تكون المحكمة قد محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت ووازنت بينها وبين أدلة النفي فرجحت دفاع المتهم غير أن ذلك لا يعني أن المحكمة ملزمة في حالة القضاء بالبراءة بالرد على كل دليل من أدلة الاتهام؛ لأن في إغفالها التحدث عنها ما يفيد أنها أطرحتها ولم تر فيها ما تطمئن معه إلى إدانة المتهم .
ويلاحظ أن الاستدلال الظني يرد على الاستنباط الواقعي، فلا علاقة له بالاستنباط القانوني الذي يدخل في إطار التفسير القانوني؛ إذ القانون لا يرد عليه ظن أو احتمال، فالمحكمة مكلفة بتطبيق صحيح القانون ولو أوردت في أسباب حكمها حججاً ظنية طالما أن النتيجة القانونية التي انتهت إليها تتفق مع صحيح القانون .
إطار الاستنباط (تساند الأدلة) :
تستنبط المحكمة الواقعة الصحيحة من مجموع الأدلة التي اقتنعت بها، فإذا سقط دلیل من هذه الأدلة أثر ذلك في سلامة استنباط المحكمة للواقعة، ومن هنا نشأ مبدأ تساند الأدلة في الإثبات الجنائي. ومؤدى هذا المبدأ أن الأدلة في المواد الجنائية متساندة متكاملة، بحيث إذا سقط أحدها تعذر التعرف على مبلغ الأثر الذى كان للدليل الساقط في الرأي الذي انتهت إليه. وقد عبرت عن ذلك محكمة النقض في قولها «لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى، إذ الأدلة فى المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا، ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضى، فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة، بل يكفي أن تكون الأدلة فى مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال قناعة المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه .
ويسري هذا المبدأ على الأدلة المستمدة من إجراءات باطلة، فلا يجوز الاعتماد عليها مع أدلة أخرى صحيحة. ومن تطبيقات ذلك ما قضت به محكمة النقض من أنه إذا كان ضمن ما استند إليه الحكم في ثبوت التهمة دليل مرده محضر تفتيش باطل مما لا يجوز الاستدلال به، فإن الحكم وإن أضافه إلى أدلة أخرى تعرض لبيانها وقال إنها مستقلة عن إجراء التفتيش، يكون مشوباً بفساد الاستدلال وقد أكد هذا المبدأ المؤتمر الدولي العاشر للقانون الجنائي المنعقد في هامبورج في الفترة من 16 إلى 22 سبتمبر سنة 1969 حين رفض الأخذ بمشروع قرار يسمح بالاعتماد على الأدلة المبنية على مخالفة حقوق الإنسان ولو أيدتها أدلة صحيحة .
ويلاحظ أن محكمة النقض قد التزمت بمبدأ تساند الأدلة في أحكام الإدانة، أما أحكام البراءة فقد استثنتها من تطبيق هذا المبدأ؛ لأنها رجوع إلى أصل البراءة المفترض في الإنسان، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأنه لا يقدح في سلامة الحكم أن تكون إحدى دعاماته معيبة، ما دام قد أقيم على دعامات أخرى تكفي لحمل قضائه .
أساس واجب القاضى الجنائى فى التكييف القانونى للواقعة الجنائية :
يجب على القاضي الجنائي أن يتحقق من مدى توافر الخصائص التي أوجبها القانون لتوافر الجريمة، ويكون ذلك بالتحقق من مدى تحقق الشرط المفترض وفقاً للقانون. وتوافر النموذج القانوني للجريمة على هذا النحو ينبع أساساً من مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، فاحترام هذا المبدأ يتطلب أن تتوافر شروط التجريم والعقاب كما أوجبها القانون في الوقائع المعروضة على القاضي. والخطأ في التكييف القانوني في هذا الشأن ينطوي على مخالفة لهذا المبدأ، ذلك أن الدستور حين جعل تحديد الجرائم والعقوبات بناء على قانون جعل الكلمة الأولى في التجريم والعقاب للمشرع وحده، فليس للقاضي أن يضفي التكييف القانوني على الواقعة على نحو يخالف شروط التجريم والعقاب كما نص عليها القانون، سواء بالإضافة أو بالنقصان أو بالتعديل على أي نحو كان . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، النقض الجنائي، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2011 ، الصفحة : 140 )
البطلان :
مضمون وجه البطلان :
إذا شاب الحكم إجراء من إجراءات الدعوى المؤثرة في الحكم جاز الطعن بالنقض . وهذا هو الوجه الثاني من أوجه الطعن بالنقض .
وقد رأينا أن البطلان هو جزاء إجرائي يترتب على مخالفة الشكليات الجوهرية للإجراء والتي ينص القانون على وجوب مراعاتها. ولذلك إذا كانت هذه الشكليات الجوهرية متعلقة بالحكم ذاته وقع باطلاً، كما لو كان الحكم قد جاء خلواً من البيانات الجوهرية، أو إذا كان شابه قصور في بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة، أو كان هناك عيب من عيوب التسبيب أو لم يوقع عليه القاضي خلال الثلاثين يوماً التالية لصدوره. والتي يترتب على تخلفها بطلان الحكم، ومثال ذلك القواعد المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها .
غير أن الطعن بالنقض لا يتوقف عند حالة بطلان الحكم وإنما يمتد أيضاً ليشمل حالة بطلان أي إجراء من الإجراءات التي أثرت في الحكم .
فالشرط اللازم لإمكان الطعن بالنقض أن يكون الإجراء الذي شابه البطلان قد أثر في الحكم، فإذا لم يكن له ذلك الأثر فلا يقبل كسبب للطعن، فبطلان القبض والتفتيش لا يجيز الطعن بالنقض طالما أن المحكمة لم تستند إلى الدليل المستفاد منهما في الحكم . كما أن بطلان إجراء المعاينة الذي قامت بها المحكمة دون حضور المتهم ودون إعلانه لا يبيح الطعن إذا كانت المحكمة قد استبعدت الدليل المستمد منها . غير أنه لا يجوز الدفع ببطلان إجراء سابق على المحاكمة لأول مرة أمام محكمة النقض ما دام لم يدفع به أمام محكمة الموضوع، كما لا يجوز تعيب الإجراءات التي جرت في المحاكمة الصادرة بناء عليها الحكم المطعون فيه ما دام الطاعن لم يطلب من المحكمة تحقيقاً معيناً بشأنه . وتطبيقاً لذلك استقر قضاء النقض علي أن أسباب الموجهة إلى إجراءات محكمة الدرجة الأولى لا يصح عرضها لأول مرة على محكمة النقض .
ويستوي أن يكون الإجراء الباطل قد أثر في الحكم بطريق مباشر أم كان تأثيره قد تحقق عن طريق التسلسل السببي في إجراءات أخرى أثرت مباشرة في الحكم . فبطلان القبض والتفتيش يستتبع بطلان الاعتراف الناتج عنهما فإذا استندت المحكمة إلى الاعتراف الباطل حتى مع استبعدها الدليل المستمد منهما كان ذلك سبباً موجباً للنقض . مع ملاحظة أن تقدير ما إذا كان الاعتراف مرتبطاً بالإجراء الباطل السابق عليه من عدمه فهو من اطلاقات محكمة الموضوع . كذلك أيضاً إذا كانت الدعوى قد رفعت إلى محكمة بإجراء باطل فإن الحكم بناء على الإجراءات المترتبة على هذا الإجراء الباطل يجيز الطعن بالنقض باعتبار أن الإجراء الأخرى بالبطلان . ولذلك فإن المعول عليه للطعن بالنقض في حالة بطلان الإجراء هو مدى ارتباط هذا الإجراء بالحكم الصادر في الدعوى . فإذا كان مؤثراً فيه بأي طريق كان؛ جاز الطعن بالنقض وإلا انتقت هذه الحالة في حالات الطعن .
أهمية التفرقة بين البطلان المطلق والنسبي :
القاعدة هي أن البطلان الذي يشوب الحكم أو أي إجراء مؤثر فيه يمثل وجهاً للطعن سواء أكان نسبياً أي سواء أكان متعلقاً بالنظام العام أم كان متعلقاً بالخصوم . غير أن هناك خلافاً بين نوعي البطلان من حيث إمكان تأسيس الطعن بالنقض على توافرها في إجراء من الإجراءات المؤثرة في الحكم وفي البطلان المتعلق بالنظام العام غير قابل للتصحيح كقاعدة عامة إلا بقوة الشيء المقضي فيه . ومن أجل ذلك يجوز الطعن بالنقض تأسيساً على توافر هذا النوع من البطلان ولو لأول مرة أي دون أن يكون الخصم قد سبق له إثارته أمام محكمة الموضوع . أما البطلان المتعلق بالخصوم فلا يجوز الاستناد إليه الطعن طالما تم تصحيحه وفقاً للقواعد الخاصة بالبطلان النسبي. أما إذا كان قد تمسك به الخصم في حينه ودفع به أمام محكمة الموضوع فإن قبول الدفع من المحكمة والحكم رغم ذلك استناداً إلى الإجراء المطعون فيه بالبطلان يجيز للخصم الطعن بالنقض . كما يجوز الطعن أيضاً من الخصوم الأخرين إذا قبلت المحكمة خطأ الدفع بالبطلان وقضت ببطلان الإجراء الذي هو في حقيقته صحيح إلا أن سبب الطعن هنا يؤسس على وجه الطعن المتمثل في البطلان وإنما على الخطأ في القانون كما سبق وأن بينا في التفرقة بين الوجهين للطعن . وتأسيساً على ذلك قد يجوز الطعن استناداً إلى بطلان متعلق بمصلحة إذا لم يكن قد دفع به أمام محكمة أول درجة قبل الحكم . ومن ناحية أخرى لا يجوز الطعن بناء على دفع بالبطلان يمتزج فيها بالوقائع وبالتالي تحتاج إلى تحقيق موضوعي إلا في الأحوال الاستثنائية التي نص عليها القانون وليست هذه من بينها . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 2095 )
عدم قبول الأسباب الجديدة :
فكرة عامة :
تقتضي طبيعة محكمة النقض بوصفها خارج درجات التقاضي، أن ينحصر اختصاصها في بحث العيوب التي شابت الحكم المطعون فيه، ولذلك فإن أسباب الطعن يجب أن تنصرف إلى ما أخطأ فيه هذا الحكم، وهو ما يتحدد في ضوء ما سبق أن أثير أمام محكمة الموضوع من أسباب في شكل دفوع وطلبات، أو ما كان يجب عليها إثارته من تلقاء نفسها .
وبناء على ذلك، فيجب التمييز بين نوعين من أسباب الطعن :
1- أسباب سبق أن أبداها الطاعن أمام محكمة الموضوع إلا أنها لم تأخذ بها، ويثيرها الطاعن من جديد أمام محكمة النقض .
2- أسباب لم يسبق إبداؤها أمام محكمة الموضوع، ويثيرها الطاعن لأول مرة أمام محكمة النقض. ويطلق على هذا النوع الثاني من الأسباب «الأسباب الجديدة» .
والأصل هو قبول إعادة إثارة الأسباب التي سبق عرضها على محكمة الموضوع إذا لم تأخذ بها المحكمة، ويترتب على ذلك أن يكون الحكم مشوباً بالبطلان أو الخطأ في القانون، بشرط ألا يتطلب ذلك تحقيقاً موضوعياً في الدعوى مما يخرج عن وظيفة محكمة النقض .
والأصل أيضاً هو عدم قبول إثارة الأسباب الجديدة لأول مرة أمام محكمة النقض، ما لم تكن من الأسباب المتعلقة بالنظام العام في الحدود التي بينها القانون، ولا يحتاج بحثها إلى تحقيق موضوعي في الدعوى .
وهكذا يتضح أن الأسباب الجديدة من نوعين : نوع غیر مقبول أمام محكمة النقض . وهو الأصل العام - ونوع آخر مقبول أمام محكمة النقض .
الأسباب الجديدة المقبولة :
تتحدد الأسباب الجديدة المقبولة وفقاً لعنصرين، هما :
(أولاً) طبيعة الأسباب من حيث تعلقها بالنظام العام .
(ثانياً) وظيفة محكمة النقض فيما يتعلق بضمان حسن تطبيق القانون، وعدم إجراء تحقيق موضوعي في الدعوى .
(أولاً) أن تكون الأسباب متعلقة بالنظام العام :
يجب على محكمة الموضوع أن تقضي وفقاً للقانون وأن تثير من تلقاء نفسها جميع المسائل المتعلقة بالنظام العام. فإذا هي أخطأت في ذلك كان حكمها مشوباً بالخطأ فى القانون. ولا يحول دون ذلك عدم قيام أحد الخصوم بإثارة المسألة أمام محكمة الموضوع من قبل؛ لأن هذه المسألة - بحكم تعلقها بالنظام العام. تعد مطروحة بنفسها على الدوام أمام المحكمة، وعليها أن تبحثها من تلقاء نفسها. ومن ثم، فإن طرح هذه المسألة لأول مرة أمام محكمة النقض لا يعد في واقع الأمر - طرحاً جديداً بمعنى الكلمة. فمحكمة الموضوع يجب عليها من تلقاء نفسها أن تتعرض لجميع المسائل القانونية المتعلقة بالنظام العام دون انتظار لطلبات الخصوم أو دفوعهم .
ومحكمة النقض عندما تنظر الحكم المطعون فيها لا تقصر بحثها على حالة الواقعة، وإنما تنظر ما يجب أن يكون عليه وفقاً للقانون .
ويعد السبب متعلقاً بالنظام العام في هذا الصدد في حالتين :
1- إذا تعلق بخطأ في القانون، سواء كان الخطأ في التكييف القانوني للواقعة، أو في إنزال حكم القانون على الدعوى وذلك باعتبار أن محكمة الموضوع مكلفة بتمحيص الواقعة بجميع کيوفها القانونية طبقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وإنزال حكم القانون في إطار هذا المبدأ. وكل ذلك أمر يتعلق بالنظام العام. هذا فضلاً عن أن الخطأ في القانون يمس وظيفة الحكم في الدعوى، وممارستها وفقاً للقانون أمر من النظام العام .
2- إذا تعلق ببطلان يمس النظام العام. فهذا النوع من البطلان لا يسقط بعدم إثارته أمام محكمة الموضوع، ويجوز التمسك به لأول مرة أمام محكمة النقض طالما لا يتطلب تحقيقاً موضوعياً. مثال ذلك بطلان استجواب المتهم لاستخدام الإكراه ضده، وحرمان المتهم من محام أمام محكمة الجنايات .
ويعد من النظام العام أيضاً الدفع بعدم اختصاص المحكمة الجنائية، أو بانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم أو لقوة الأمر المقضي، أو بسبب محاكمة المتهم أمام المحكمة الاستئنافية مباشرة عن واقعة لم يسبق عرضها على محكمة أول درجة .
(ثانياً) ألا تتطلب الأسباب من محكمة النقض تحقيقاً موضوعياً :
لا تملك محكمة النقض - بوصفها محكمة قانون لا محكمة موضوع - التحقق مما يثيره الطاعن من أسباب متعلقة بالنظام العام مما يقتضي تحقيقاً موضوعياً. وفي هذا المعنى قضت محكمة النقض أنه يشترط لقبول الأسباب المتعلقة بالنظام العام لأول مرة أمام هذه المحكمة أن تكون هذه الأسباب مستفادة من الأوراق التي سبق عرضها على محكمة الموضوع، وألا يخالطها أي عنصر واقعي لم يسبق عرضه عليها .
وقد قضت محكمة النقض أنه يشترط لقبول الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها لأول مرة أمام محكمة النقض أن تكون مقوماته واضحة من مدونات الحكم أو تكون عناصر الحكم مؤدية إلى قبوله بغير تحقيق موضوعي ؛ لأن هذا التحقيق خارج عن وظيفة محكمة النقض . وقضت أن إبداء الدفع بعدم اختصاص محكمة الجنايات بمحاكمة الحدث لأول مرة أمام محكمة النقض غير جائز ما لم تكن مدونات الحكم تظاهره .
وهذا المعنى هو ما عبرت عنه محكمة النقض بشأن سائر الدفوع بعدم الاختصاص، والدفع بخلو طلب تحريك الدعوى الجنائية من تاريخ صدوره ، والدفع بقصور الحكم عن بحث حالة الدفاع الشرعي، والدفع بانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم . وقد قضت بعدم جواز إثارة الدفع ببطلان التفتيش لأول مرة أمام محكمة النقض إلا إذا كانت مدونات الحكم تحمل مقوماته .
ويلاحظ أنه بصدد الدفع ببطلان التفتيش وإجراءات التحقيق الابتدائي، كانت محكمة النقض في بعض أحكامها ترفض التمسك به لأول مرة أمام محكمة النقض دون تعليل ثم عنيت بعد ذلك بتبرير هذا الرفض بأنه من الدفوع الموضوعية التي يختلط فيها القانون بالواقع، وهو لا شأن لمحكمة النقض به، وقالت صراحة في أحد أحكامها إن الأحكام التي صرحت فيها محكمة النقض بأن الدفع ببطلان التفتيش هو من الدفوع الموضوعية التي لا يجوز إثارتها لأول مرة أمامها لا يقصد بها على وجه التأكيد استبعاد التفتيش وجميع أحكامه من حظيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام، بل لهذا القول علة أخرى، هي أن مثل هذا الطلب يستدعي تحقيقاً وبحثاً عن الوقائع، وهو ما يخرج بطبيعته عن سلطة محكمة النقض .
وفي حكم آخر لها، أكدت محكمة النقض أن الدفع ببطلان القبض والتفتيش يتعلق بمشروعية الدليل، وأوردت في ذلك قولها «لما كان الدفع ببطلان القبض والتفتيش هو من الدفوع القانونية المختلطة بالواقع والتي لا تجوز إثارتها لأول مرة أمام محكمة النقض ما لم يكن قد دفع بها أمام محكمة الموضوع؛ لأنها تقتضي تحقيقاً تنأى عنه وظيفة هذه المحكمة، غير أنه إذا كان ما جاء في الحكم من الوقائع دالاً بذاته على وقوع البطلان جازت إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض، ولو لم يدفع به أمام محكمة الموضوع، وذلك لتعلقه بمشروعية الدليل، إذ يتعين أن يكون الدليل الذي يعول عليه الحكم الصادر بالإدانة مشروعاً .
والتحقيق الموضوع المحظور هو ما يثير سلطة المحكمة في التقدير والإثبات، أما الاطلاع على ملف الدعوى للتحقق من الدفع بالخطأ في إسناد أقوال الشاهد، أو التحقق من سبق الدفع بالبطلان في أثناء الاستجواب، أو الاطلاع على الشهادة التي حددت سن المتهم، فذلك لا يثير تقديراً معيناً، وإنما هو مجرد بحث مادي لا يحتاج إلى تحقيق موضوعي .
الأسباب الجديدة غير المقبولة
تعد الأسباب غير مقبولة وفقاً لعنصرين :
(أولاً) طبيعة الأسباب من حيث عدم إثارتها من قبل أمام محكمة الموضوع، وعدم تعلقها بالنظام العام .
(ثانياً) وظيفة محكمة النقض فيما يتعلق بعدم إجراء أي تحقيق موضوعي في الدعوى .
أولاً - الأسباب التي لم يسبق إثارتها أمام محكمة الموضوع ولا تتعلق بالنظام العام :
لا يجوز التمسك لأول مرة بهذه الأسباب أمام محكمة النقض، ولو كانت واضحة في مدونات الحكم غیر محتاجة إلى تحقيق موضوعی. وعلى ذلك هو سقوط حق صاحب الشأن في الدفع بهذا السبب، فمجاله كان محصوراً في ساحة محكمة الموضوع دون محكمة النقض . وعندئذ، يكون الحكم المطعون فيه غير مشوب بعيب البطلان أو الخطأ في القانون، مما لا يجوز معه رميه بهذا العيب عن طريق التمسك لأول مرة أمام محكمة النقض بسبب غیر متعلق بالنظام العام .
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه لا محل لما يثيره الطاعن حول استدعاء المحكمة للطبيب الشرعى لمناقشته بالجلسة، مع أنه لم يكن صاحب التقرير المقدم في الدعوى ؛ لأن كل ذلك تم بحضور الطاعن ومحاميه ولم يعترضا عليه، بل اشترك محامي الطاعن في هذه المناقشة ثم ترافع في الدعوى على أساس ما جرى منها بالجلسة وقضى أن ما ينعاه المتهم على الحكم من سماعه أقوال الطبيب الشرعي والمترجم الذي تولى ترجمة أقوال الشاهد دون تحليفهما اليمين القانونية مردود بأن هذا الإجراء قد تم بحضور محامي المتهم في جلسة المحاكمة دون اعتراض منه، مما يسقط الحق في الدفع ببطلانه وقضي أنه متى كان الطاعن لم يوجه أمام المحكمة الاستئنافية طعناً ما على إجراءات محكمة أول درجة أو على الحكم الابتدائي فلا يقبل منه التمسك بذلك لأول مرة أمام محكمة النقض .
ولا يجوز الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض بسقوط حق المدعي المدني في الالتجاء إلى الطريق الجنائي بسبب اختيار الطريق المدني في الوقت الذي كان الطريق الجنائي مفتوحاً، باعتبار أن هذا الدفع غير متعلق بالنظام العام ولا يجوز الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض باتباع قواعد الإثبات المدني بالنسبة إلى عقود الأمانة؛ لأن مسائل الإثبات المدني ليست من النظام العام، فيجوز الاتفاق على خلافها صراحة أو ضمناً .
وقد قضت محكمة النقض أنه لا يقبل إثارة أمر بطلان قرار الإحالة - بوصفه إجراء سابقاً على المحاكمة لأول مرة أمام محكمة النقض وهذا المبدأ على إطلاقه محل نظر. فإذا كان قرار الإحالة باطلاً بطلاناً متعلقاً بالنظام العام . كما إذا صدر من رئيس النيابة العامة في جناية لا تحال إلا من المحامي العام، فإن هذا البطلان يمس قبول الدعوى الجنائية، ويجب على محكمة الجنايات أن تقضي به من تلقاء نفسها. ولا يجوز في هذا الصدد القياس على المادة 594 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي التي نصت على أنه إذا أصبح قرار الإحالة نهائياً فإنه يغطي عيوب الإجراءات السابقة على المحاكمة، ذلك أن هذا القانون قد فتح باب الطعن في قرار الإحالة أمام محكمة النقض . فإذا استنفد هذا الطريق حاز القرار قوة الأمر المقضي فيما يتعلق بأثره في دخول الدعوى صحيحة في حوزة محكمة الجنايات. والحال ليست كذلك في القانون المصري الذي لم يفتح باب الطعن أمام محكمة النقض في قرار الإحالة، تاركاً مجال الطعن فيه مفتوحاً أمام محكمة الموضوع .
ثانياً : الأسباب التي تقتضي تحقيقاً موضوعياً :
لا يقبل على الإطلاق التمسك بأي سبب يتطلب من محكمة النقض تحقيقاً موضوعياً، سواء أكان السبب متعلقاً بالنظام العام أم بغيره، وسواء أثير السبب لأول مرة أمام محكمة النقض أو لا. ويستوي أن يكون السبب موضوعياً بحتاً أو خليطاً بين الواقع والقانون .
ومن أمثلة ذلك التمسك أمام محكمة النقض بما يمس مسلك الشاهد في التحقيق واتصاله بالشهود، أو إثارة أساس جديد للدفع ببطلان القبض والتفتيش أمام محكمة النقض، باعتبار أنه في عداد الدفوع القانونية المختلطة بالواقع، ما لم يكن قد أثير أمام محكمة الموضوع، أو كانت مدونات الحكم ترشح لقيام ذلك البطلان، أو إثارة عدم استطاعة المجني عليها الكلام بعد إصابتها، أو الدفع بعدم العلم باليوم المحدد للبيع في التبديد، أو إثارة الارتباط بين الجرائم لأنه يحتاج تحقيقاً موضوعياً . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، النقض الجنائي، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2011 ، الصفحة : 470 )
التمييز بين الأسباب الموضوعية والأسباب القانونية :
أن الأسباب الموضوعية التي لا يجوز أن يبنى عليها الطعن هي تلك المتعلقة بحرية القاضي في تكوين عقيدته من حيث ثبوت التهمة أو عدم ثبوتها وتقييمه للأدلة المستقلة في الدعوى ومع ذلك فإن هناك القواعد القانونية ما يجب على المحكمة مراعاتها في استخلاص الأدلة ومباشرتها لإجراءات التحقيق النهائي كما أن هناك من القيود ما يرد على حرية القاضى تكوين عقيدته . ولذلك فإن هذا الوجه القانوني هو الذي يمكن أن يبنى عليه الطعن بالنقض . غير أن محكمة النقض في بحثها للأسباب المقام عليها الطعن لا يمكنها أن تتجنب دائماً التعرض للموضوع لأعمال سلطتها في التكييف ومراقبة التطبيق السليم للقانون، سواء أكان وجه الطعن هو الخطأ في القانون أو كان هو بطلان الحكم أو بطلان إجراء أثر في الحكم. ومن هنا يتعين وضع الحد الفاصل بين الأسباب الموضوعية التي يجب استبعادها والأسباب القانونية التي يلزم الفصل فيها التعرض قبل الموضوع في حدود ما انتهت إليه محكمة الموضوع في حكمها من حيث الثبوت المادي .
وهذا الحد الفاصل يبني على المعيار الأتي : إذا كان السبب المقام عليه الطعن يتطلب تحقیق واقعة انتهى الحكم إلى ثبوتها أو نفيها كان السبب موضوعها، إذ لا تجوز مجادلة محكمة الموضوع فيما انتهت إليه من تحقيقها أو تقييم عقيدتها التي خلصت إليها من بحثها للأدلة . أما إذا كان السبب المبني عليه الطعن يتعلق بالتكييف القانوني أو بالضوابط التي استخدمتها محكمة الموضوع في الانتهاء إلى ما حكمت به فإن السبب يكون قانونياً ومن هنا كان المقصود في التسبيب أو فساد الاستدلال أو التناقض في الأسباب هي من أوجه النقض التي يمكن إقامة الطعن فيها، ذلك أن السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع تخضع لرقابة محكمة النقض ليس من ناحية حرية القاضي في الاقتناع وإنما من حيث ضوابط التسبيب .
ولذلك فإن محكمة النقض في بحثها لأوجه الطعن تكون مقيدة بما أثبته الحكم من واقع، وكل ما لها هو مراقبة القاضي في إعمال النصوص القانونية عليها وفي استخدمها لضوابط تسبيب حكمه . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 2087 )
رابعاً : القرينة القانونية البسيطة المتعلقة بصحة الإجراءات
نصت المادة 30 من قانون النقض المستبدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007 (في فقرتها السادسة) على أن « الأصل اعتبار أن الإجراءات قد روعيت في أثناء نظر الدعوى، ومع هذا فلصاحب الشأن أن يثبت بكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت، ما لم تكن مذكورة في محضر الجلسة أو في الحكم، فإذا ذكر فی أحدهما أنها اتبعت، فلا يجوز إثبات عدم اتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير ». وضع الشارع بهذا النص قرينة مؤداها أن جميع إجراءات الدعوى قد اتخذت على وجهها الصحيح ولو لم تكن ثابتة في المحضر أو الحكم، أي أنه ليس بشرط لإعتبار الإجراء قد اتخذ، وأن شروط صحته قد توافرت أن يثبت ذلك في المحضر أو الحكم، فلا يقبل الطعن بالنقض استناداً إلى أنه لم يذكر في المحضر أو الحكم أن جلسات المحاكمة كانت علنية، فالفرض أنها كانت كذلك، أو استناداً إلى أنه لم يذكر فيهما أو في أحدهما أن الشهود حلفوا اليمين قبل أداء الشهادة، فالفرض أنهم قد حلفوها. ولكن يجوز للطاعن أن يثبت في هذه الحالة عدم اتخاذ الإجراء أو عدم توافر شروط صحته، أي يثبت مثلاً أن إحدى جلسات المحاكمة لم تكن علنية، وله اثبات ذلك بجميع الطرق، فلا يلتزم بالطعن بالتزوير، ذلك أنه لا يثبت عكس ما ورد في المحضر أو الحكم. أما إذا ذكر في المحضر أو الحكم اتخاذ إجراء ما أو توافر شروط صحته، فلا يجوز إثبات عكس ذلك إلا بطريق الطعن بالتزوير، ذلك أنه يثبت عكس ما ورد في الحكم أو المحضر. ولهذه القرينة أهميتها في حصر نطاق وجه الطعن بالنقض: فلا يكفي أن يتذرع الطاعن بعدم ذكر الإجراء، وإنما يتعين أن يثبت عدم اتخاذه. وإذا ذكر اتخاذ الإجراء، فلا يجوز أن يثبت عكس ذلك بأي طريق، وإنما يتعين أن يثبته بطريق الطعن بالتزوير . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني ، الصفحة : 1439 )
دعوى التزوير الفرعية :
نصت المادة 30 / 2 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض على أن الأصل اعتبار أن الإجراءات قد روعيت أثناء الدعوى. ومع هذا، فلصاحب الشأن أن يثبت بكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت، وذلك إذا لم تكن مذكورة في محضر الجلسة ولا في الحكم. فإذا ذكر في أحدهما أنها اتبعت فلا يجوز إثبات عدم اتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير . وقد نظم قانون الإجراءات الجنائية إجراءات دعوى التزوير الفرعية فى المواد من 295 إلى 299. وتسري هذه الإجراءات على أوراق الطعن أو غيرها من الأوراق المعروضة على محكمة النقض للفصل في الطعن . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، النقض الجنائي، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2011 ، الصفحة : 468 )
المادة 30
نصت المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض على أنه "لكل من النيابة، والمحكوم عليه والمسئول عن الحقوق المدنية والمدعي بها الطعن بالنقض في الحكم النهائي الصادر من آخر درجة في مواد الجنايات والجنح، وذلك في الأحوال الآتية :
1- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله.
2- إذا وقع بطلان في الحكم.
3- إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم.
ويستثنى من ذلك الأحكام الصادرة في الجنح المعاقب عليها بالغرامة التي لاتجاوز عشرين ألف جنيه، كما لا يجوز الطعن فيما يتعلق بالدعوى المدنية إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تجاوز نصاب الطعن بالنقض المنصوص عليها في المرافعات المدنية والتجارية .
ولا يجوز الطعن من أي من الخصوم في الدعويين الجنائية والمدنية،إلا فيما يتعلق بحقوقه، ومع ذلك فللنائب العام الطعن لمصلحة المتهم .
والأصل اعتبار أن الإجراءات قد روعيت أثناء نظر الدعوى، ومع هذا فلصاحب الشأن أن يثبت بكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت مالم تكن مذكورة في محضر الجلسة أو في الحكم فإذا ذكر في أحدهما أنها أتبعت فلا يجوز إثبات عدم إتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير" .
وتتناول هذه المادة الموضوعات التالية :
أولاً : الصفة في الطعن بالنقض .
ثانياً : الأحكام الجائز الطعن عليها بطريق النقض .
ثالثاً : حالات وأسباب الطعن بالنقض .
رابعاً : القرينة القانونية البسيطة المتعلقة بصحة الإجراءات .
وفيما يلي الشرح والتفصيل لهذه الموضوعات :
أولاً : الصفة في الطعن بالنقض .
يتعين أن تكون للطاعن صفة في الطعن، ومناط الصفة أن يكون طرفاً في الدعوى التي صدر فيها الحكم المطعون فيه . وقد عبرت محكمة النقض عن هذا الشرط في قولها «الطعن بطريق النقض لا يكون إلا ممن كان طرفاً في الحكم المطعون فيه، وبصفته التي كان متصفاً بها، وكانت له مصلحة في الطعن. وليس يكفي لاعتباره كذلك أن يكون قد اختصم أمام محكمة أول درجة دون محكمة ثاني درجة» . ويعني ذلك أنه لا يقبل الطعن بالنقض ممن لم يكن طرفاً في الدعوى في أي من مراحلها، ولا يقبل كذلك ممن لم يكن طرفاً في الدعوى في مرحلتها التي صدر فيها الحكم المطعون فيه، وإن كان طرفاً في مرحلة سابقة من مراحلها .
لا يقبل الطعن بالنقض ممن لم يكن طرفاً في الدعوى في أي من مراحلها، وإن كانت له علاقة وثيقة بأحد أطرافها. وتطبيقاً لذلك، فإنه لا يقبل الطعن من والد المحكوم عليه أو من زوج المحكوم عليها ولا يقبل الطعن من المدعي المدني في الحكم الذي اقتصر على الفصل في الدعوى الجنائية، أو كان المدعي المدني قد ترك دعواه وإذا تعدد المتهمون أو كان إلى جانب المتهم مسئول مدني أو وجد مدع مدني، فثمة استقلال بينهم من حيث الصفة، فلا يقبل الطعن إذا لم يكن للطاعن صفة، ولو كان لطرف آخر في الدعوى صفة. وتطبيقاً لذلك، فإنه لا صفة للمتهم في التحدث عن خطأ الحكم في قضائه ببراءة متهمين آخرين، ولا يقبل طعن المتهم لأن المحكمة عدلت وصف التهمة بالنسبة لمتهم آخر، أو لأن الإجراءات شابها عيب بالنسبة لمتهم آخر ولا يقبل الطعن ممن ليست له صفة، ولو قدمت أسباب الطعن ممن له صفة .
والبحث في صفة الطاعن يسبق البحث في مصلحته، فإذا لم تكن للطاعن صفة لم يكن طعنه مقبولاً، ولو كانت له مصلحة في الطعن .
ولا يقبل طعن النيابة العامة في الحكم الصادر في الدعوى المدنية. إذ لا صفة لها في ذلك. ولا يقبل طعن المدعي المدني أو المسئول المدني في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية، لانتفاء صفتهما في ذلك وصفة النيابة العامة في الطعن بالنقض مستقلة عن صفة المتهم، وتطبيقاً لذلك، فليس للمتهم أن يطعن بالنقض في الحكم الذي قضى بعدم قبول استئناف النيابة، إذ لا صفة في ذلك، ولا عبرة بأنه كان من المحتمل أن يستفيد من هذا الاستئناف إذا قبل، ذلك أن البحث في الصفة يسبق - على ما قدمنا - البحث في المصلحة .
ولا يقبل الطعن بالنقض ممن لم يكن طرفاً في الدعوى في مرحلتها التي صدر فيها الحكم المطعون فيه، وإن كان طرفاً في مرحلة سابقة من مراحلها. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان الطاعن طرفاً في الدعوى أمام محكمة الدرجة الأولى، ولكنه لم يكن طرفاً فيها أمام محكمة الدرجة الثانية. فلا يقبل طعنه في حكم هذه المحكمة : فالمدعي المدني أو المسئول المدني الذي لم يطعن بالاستئناف في حكم محكمة الدرجة الأولى لا يكون له أن يطعن بالنقض في الحكم الذي تصدره محكمة الدرجة الثانية في شأن الدعوى المدنية بناء على استئناف خصم آخر .
المصلحة في الطعن : لا يقبل الطعن بالنقض إلا من خصم له مصلحة في هذا الطعن، وذلك مجرد تطبيق للقواعد العامة في الطعن. ويفترض هذا الشرط أن يكون الحكم المطعون فيه قد رفض للطاعن طلباً أو دفعاً أو أنزل به ضرراً، فتكون مصلحته في الطعن أن يقبل ما رفض من طلباته أو دفوعه، أو أن يطرأ تحسن على وضعه الذي حدده له الحكم المطعون فيه «والعبرة في قيام المصلحة هي بقيامها وقت صدور الحكم المطعون فيه، فلا يعتد بانعدامها بعد ذلك» ويفهم اشتراط «المصلحة» على نحو خاص بالنسبة للنيابة العامة: فليست مصلحتها في الطعن أن تتوصل إلى إلغاء البراءة أو تشديد العقوبة، بل إن مصلحتها هي التطبيق السليم للقانون، أي أن «تكون الإجراءات في كل مراحل الدعوى الجنائية صحيحة وأن تبنى الأحكام فيها على تطبيق قانوني صحيح خال مما يشوبه من أسباب الخطأ والبطلان»، ولذلك كان طعنها مقبولاً، ولو كان من يستفيد من الطعن في النهاية هو المتهم .
وتطبيقاً لذلك، فإنه لا يقبل من المتهم الطعن بالنقض، لأن الحكم الذي قضى بإدانته لم يفصل في الدعوى المدنية المقامة ضده. ولا يقبل طعن المتهم في الحكم الذي أدانه باعتبار جريمته جنحة محتجاً بأنها في حقيقتها جناية، أو لأن الحكم نزل بالعقوبة دون الحد الأدنى المقرر لها، ولا يقبل طعنه في حكم قضى بمصادرة سيارة استناداً إلى أنها ليست ملكاً له، وإذا قضي ببراءة المتهم، فلا يقبل طعنه استناداً إلى أنه لم يرد الواقعة إلى وصف قانوني بعينه. ولا مصلحة له في طلب إدخال أشخاص آخرين في الدعوى كمساهمين في الجريمة، طالما أنه ليس من شأن ذلك نفي مسئوليته عنها. ولا يقبل طعن المدعي الذي قضى له الحكم المطعون فيه بكل طلباته، ولا يقبل طعن المسئول المدني الذي لم يلزمه الحكم بتعويض ما .
وإذا كان طعن النيابة العامة يقبل، ولو لم تكن لها «كسلطة اتهام» مصلحة وإنما كانت لها مصلحة - كممثل للمجتمع - في التطبيق السليم للقانون، فكانت مستهدفة نقض حكم شابه عيب قانوني، فإنه يترتب على ذلك أنه إذا لم تكن النيابة مصلحة قط في الطعن (حتى من وجهة اعتبارها ممثلاً للمجتمع) فإن طعنها يكون غير مقبول، ولو كانت لها مصلحة نظرية صرفة. وتطبيقاً لذلك، قضى بأنه لا يقبل طعن النيابة العامة في الحكم الذي قضى بقبول استئناف المتهم شكلاً وتأييد الحكم المستأنف موضوعاً، إذ لا مصلحة لها في هذا الطعن وقضى بأنه لا مصلحة للنيابة في الجدل في وصف الواقعة إذا كان الحكم بالبراءة قد استند إلى عدم ثبوت الواقعة .
النيابة العامة : ينصرف طعن النيابة العامة إلى الدعوى الجنائية وحدها، فلا تأثير له على الدعوى المدنية، ومن ثم لا يقبل منها أن تناقش في طعنها التعويض الذي قضى به الحكم للمدعي المدني. ويترتب على ذلك أن المدعي المدني لا يستفيد بوجه ما من طعن النيابة العامة. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان المدعي المدني لم يطعن بالنقض في حكم المحكمة الاستئنافية الذي قضى برفض دعواه، ولكن النيابة طعنت في هذا الحكم (في شقه الجنائي) فنقضته محكمة النقض وأحالت الدعوى إلى المحكمة الإستئنافية . فإنه يجوز لهذه المحكمة أن تقبل تدخل المدعي المدني، إذ يجوز أن يستفيد من طعن النيابة. وقد تقدم التفسير الواسع لمصلحة النيابة العامة في الطعن، وأنه يعني المصلحة العامة في التطبيق الصحيح للقانون، ومن ثم يقبل طعنها استناداً إلى هذه المصلحة .
ولا يقبل نزول النيابة عن حقها في الطعن قبل انقضاء میعاده أو بعد رفعه، إذ أن ذلك نوع من التصرف في الدعوى الجنائية محظور على النيابة العامة .
ويصدر طعن النيابة العامة عن أحد أعضائها دون اشتراط كونه في درجة معينة من حيث الترتيب الوظيفي لأعضاء النيابة العامة، وما لم يشترط القانون خلاف ذلك. ويجب أن يكون التقرير وأسباب الطعن موقعين من محام عام على الأقل : (المادة 34 من قانون النقض، الفقرة الثالثة المستبدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007). ويمثل النيابة العامة أمام محكمة النقض عضو نيابة لا تقل درجته عن درجة وكيل نيابة من الفئة الممتازة (المادة 24 من قانون السلطة القضائية) .
المتهم : للمتهم أن يطعن في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية أو الحكم الصادر في الدعوى المدنية، أو فيهما معاً حسب تقديره، ذلك أن له الصفة بالنسبة للدعويين. ويتعين أن تتوافر له المصلحة في الطعن، على التفصيل الذي سلف بيانه .
ولا يقبل نزول المتهم عن حقه في الطعن قبل انقضاء ميعاده. وتطبيقاً لذلك، فإن قبوله الحكم المطعون فيه، بل وتنفيذه اختياراً لا يجعل طعنه فيه بعد ذلك غير مقبول. وإذا لم يستأنف المتهم الحكم الابتدائي واستأنفته النيابة وحدها، كان للمتهم أن يطعن في الحكم الاستئنافي ولو كان مؤيداً للحكم الابتدائي الذي لم يستأنفه، ذلك أنه طرف في الدعوى الجنائية أمام المحكمة الاستئنافية بناء على استئناف النيابة، فله الصفة في الطعن بالنقض، ولا يحتج عليه بقبوله الضمني المستمد من عدم استئنافه. ولكن يجوز للمتهم بعد طعنه بالنقض أن ينزل عن طعنه، فقد كان له الحق في ألا يطعن ابتداء، فينبغي أن يكون له حق النزول عن طعنه بعد رفعه .
المدعي المدني : ينصرف طعن المدعي المدني إلى الدعوى المدنية وحدها، وقد نصت المادة 30 من قانون النقض - المستبدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007 - على أنه «لا يجوز الطعن من أي من الخصوم في الدعويين الجنائية والمدنية إلا فيما يتعلق بحقوقه». وبناء على ذلك، فإنه لا يقبل طعنه في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية، ولو كان هو الذي حرك هذه الدعوى. ولكن يجوز للمدعي المدني إذا طعن بالنقض في الحكم الصادر في الدعوى المدنية أن يستند إلى أوجه متعلقة بالدعوى الجنائية طالما أن لها تأثيراً على الدعوى المدنية، ولا يعد المدعي المدني بذلك مجاوزاً صفته ومصلحته وعلى سبيل المثال، فإنه إذا قضت محكمة الموضوع بعدم قبول الدعوى الجنائية لرفعها من غير ذي صفة وعدم قبول الدعوى المدنية استناداً إلى صفتها التابعة للدعوى الجنائية، فإن للمدعي المدني أن يسند طعنه في الحكم بعدم قبول دعواه إلى أن الدعوى الجنائية مقبولة وأنها رفعت ممن له صفة في ذلك .
ويتعين لقبول طعن المدعي المدني أن يكون قد ادعى مدنياً أمام محكمة الموضوع طبقاً للقانون، وكان بذلك طرفاً في الدعوى المدنية التي فصل فيها الحكم المطعون فيه، فلا يكفي أنه كانت له صفة الشاكي . ويتعين أن يكون التعويض الذي طالب به مجاوزاً النصاب النهائي للقاضي الجزئي .
ويقبل من المدعي المدني نزوله عن حقه في الطعن بالنقض قبل انقضاء میعاده، ويعد نزولاً ضمنياً رضاؤه بالحكم المستفاد من اقتضائه التعويض، الذي حكم له به. ويجوز - من باب أولى - نزوله عن الطعن بعد رفعه. وتعليل ذلك أن الدعوى المدنية خالصة له، فيقبل نزوله عنها في أية مرحلة من مراحلها. وإذا توفي المدعي المدني أثناء نظر طعنه حل محله ورثته .
المسئول المدني : ينصرف طعن المسئول المدني إلى الدعوى المدنية وحدها، ولكن يجوز له - على ما قدمنا بالنسبة للمدعي المدني - أن يستند في طعنه في الحكم الصادر في الدعوى المدنية إلى أوجه متعلقة بالدعوى الجنائية لها مساس بحقوقه، كما لو قضى برفض الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية وإدانة المتهم وإلزامه والمسئول المدني بالتعويض، مستنداً إلى عدم قبول الدعوى الجنائية، وما كان يستتبعه ذلك من عدم قبول الدعوى المدنية . ويتعين لقبول طعن المسئول المدني أن تكون له الصفة في ذلك، بأن يكون طرفاً في الدعوى أمام المحكمة التي صدر منها الحكم المطعون فيه. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا قضت محكمة الدرجة الأولى بإلزام المسئول المدني بالتعويض فلم يستأنف الحكم، وإنما استأنفه المتهم وحده، فلا يكون للمسئول المدني أن يطعن بالنقض في الحكم الذي تصدره المحكمة الاستئنافية في الدعوى المدنية ولا يكفي لتوافر هذه الصفة أن يكون المسئول المدني قد تدخل في الدعوى الجنائية أمام المحكمة الاستئنافية وفقاً للمادة 254 من قانون الإجراءات الجنائية ليكون له الطعن في الحكم الذي تصدره هذه المحكمة، فذلك مجرد" تدخل انضمامي" لا يسبغ عليه صفة الخصم .
ويشترط لقبول طعن المسئول المدني أن يكون التعويض المدعى به مجاوزاً النصاب النهائي للقاضي الجزئي. وللمسئول المدني النزول عن حقه في الطعن أثناء ميعاده وبعد رفعه. وإذا توفي أثناء نظر طعنه حل محله ورثته . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني ، الصفحة : 1398 )
أن يكون الحكم نهائياً وصادراً من مواد الجنايات والجنح فقد أخرج المشرع المخالفات من نطاق الطعن بالنقض . ويقصد بالحكم النهائي هنا ألا يكون قابلاً للطعن بالطرق العادية وهي المعارضة والاستئناف .
ونظرا لأن اصطلاح الحكم النهائي ينصرف إلى الأحكام الغير جائز الطعن فيها بطريق الاستئناف حتى ولو كان قابلاً للطعن بالمعارضة فقد أورد المشرع نصاً خاصاً بالمعارضة وهو نص المادة 32 وقرر فيه صراحة أنه لا يقبل الطعن بطريق النقض في الحكم مادام الطعن فيه بطريق المعارضة جائزاً .
ويستوي لجواز الطعن بالنقض في الحكم النهائي أن يكون الحكم غير جائز الطعن فيه بالاستئناف قانوناً كالأحكام الصادرة من محكمة الجنايات أو كان الحكم ذاته قد صدر من المحكمة الاستئنافية وغير قابلة للطعن بالمعارضة أو كان صادراً من محكمة أول درجة إلا أن المشرع حظر استئنافه . أما إذا صار الحكم نهائياً بفوات الاستئناف فلا يجوز الطعن فيه لتخلف شروط آخر للطعن وهو ضرورة لم يكون الحكم من آخر درجة .
وتطبيقاً لذلك لا يجوز الطعن بطريق النقض في الحكم الغيابي الصادر من المحكمة الاستئنافية بعدم جواز الاستئناف المرفوع من النيابة عن حكم أول درجة القاضي بالإدانة ولو كان المتهم لم يستأنفه . لذا حق المتهم في المعارضة يكون قائماً. وإذا عارض المتهم في الحكم الغيابي الصادر من المحكمة الاستئنافية فلا يجوز الطعن بالنقض قبل صدور الحكم بالمعارضة .
ويلاحظ أن الحكم لا يجوز الطعن فيه بالنقض حتى ولو كان نهائياً بالنسبة لبعض الخصوم إلا أنه قابل للطعن بالاستئناف أو المعارضة بالنسبة الأخر .
فلا يجوز للمدعى المدنى مثلاً الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر برفض التعويض وإدانة المتهم طالما أن طريق المعارضة مفتوحاً. كذلك لا يجوز للنيابة العامة الطعن بالنقض طالما أن طريق الطعن بالمعارضة أو الاستئناف مفتوحاً لأي من الخصوم .
ومع ذلك إذا تعدد المتهمون وقابل هذا تعدداً في الجرائم والتهم المنسوبة إليهم دون أن يكون هناك ارتباط غير قابل للتجزئة فالعبرة هي بصيرورة الحكم نهائياً بالنسبة لكل منهم على حدة . أما إذا كان ارتباط غیر قابل للتجزئة فلا يجوز للطعن بالنقض من أحد المتهمين إلا إذا كان الحكم نهائياً بالنسبة للباقين والحال كذلك إذا تعددت التهم المنسوبة للمتهم الواحد . فإذا كانت مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة فلا يجوز الطعن بالنقض من قبل أي من الخصوم طالما أن الحكم لم يصبح نهائياً بالنسبة لبعض التهم، كما إذا صدر الحكم من محكمة الدرجة الثانية غيابياً بالإدانة عن بعض التهم وبالبراءة عن البعض الأخر . فلا يجوز للنيابة العامة الطعن بالنقض في حكم البراءة حتى تنتهي مواعيد المعارضة أو الفصل فيها بالنسبة للتهم الصادر فيها الحكم بالإدانة، أما إذا كانت التهم المتعددة ليست مبنية على وحدة في الواقعة فالعبرة بصيرورة الحكم نهائياً بالنسبة لكل تهمة على حدة .
فخلاصة القول إذن هو أن اشتراط كون الحكم نهائياً لإمكان الطعن فيه بطريق النقض يجب أن ينصرف إلى جميع الخصوم ، أي أن يكون نهائياً بالنسبة للخصوم جميعهم . فإذا كان أحدهم يمكنه سلوك طريق عادي للطعن فلا يجوز الطعن بالنقض إلا بعد فوات مواعيد الطعن بالطرق العادية دون مباشرة الطعن أو بعد صدور الحكم في الطعن .
وجدير بالذكر أن المشرع قصر الطعن بالنقض على الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح . والعبرة في تحديد طبيعة الجريمة الصادر في شأنها الحكم المطعون فيه هي بالوصف الذي انتهت إليه محكمة الموضوع التي أصدرت الحكم وليست بالعبرة بالوصف الوارد بقرار الإحالة أو بالوصف القانوني الذي تنتهي إليه محكمة النقض . فاتصال محكمة النقض بالطعن يكون صحيحاً إذا انصب على حكم صادر في جنحة ولو انتهت محكمة النقض إلى أن الواقعة في وصفها القانوني الصحيح هي مخالفة .
أن يكون الحكم صادراً من آخر درجة :
وهذا الشرط نصت عليه صراحة المادة 30 إجراءات حيث جاء بها أن لكل من النيابة، والمحكوم عليه وكذا المسئول عن الحقوق المدنية والمدعي بها فيما يختص بحقوقهم فقط الطعن أمام محكمة النقض في الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة .
ويقصد بالحكم الصادر من آخر درجة الأحكام التي لا يجوز فيها الطعن بالنسبة للموضوع أمام درجة أعلى من درجات التقاضي بمقتضى القانون ، إما لكون الحكم صادراً من المحكمة الاستئنافية وهي الدرجة الثانية والأخيرة من درجات التقاضي ، وإما لأن المشرع حظر الطعن في الحكم أمام درجة أعلى أما إذا كان عدم جواز الطعن في الحكم أمام درجة أعلى لفوات الدرجة الثانية أن يطعن بالنقض طالما قبل حكم درجة أو فوت على نفسه ميعاد الاستئناف .
وعلى ذلك فالحكم يعتبر صادراً من آخر درجة في الأحوال الآتية :
أولاً : إذا كان صادراً من المحكمة الاستئنافية ولو كان قابلاً للطعن بالمعارضة . ثانياً : إذا كان صادراً من محكمة الجنايات ولو كان بصدد جنحة وقابلاً للطعن بالمعارضة . ففي هاتين الحالتين لا خلاف في اكتساب الحكم بصفة كونه صادراً من آخر درجة وبالتالي يكون قابلاً للطعن بالنقض ولو توافرت باقي الشروط ، ثالثاً : إذا كان صادراً في جنحة من المحكمة الجزئية إلا أن المشرع حظ استئنافه .
غير أن هذا النوع من الأحكام والتي تعتبر صدرت من آخر درجة رغم صدورها من المحكمة الجزئية ، تثير إشكالاً بالنسبة لجواز الطعن فيها بالنقض . ومصدر الصعوبة هو أن هذه الأحكام رغم كونها صادرة من أخر درجة بالمفهوم السابق إلا أن المشرع أجاز استئنافها لخطأ في تطبيق القانون أو تأويله . وهذا واضح من نص المادة 402 فقرة ثالثة بالنسبة للأحكام الجزئية غير الداخلة في أحوال الاستئناف . أما الأحكام التي منع المشرع استئنافها كلية فقد رأينا كيف أن قضاء النقض ذاته أجاز الاستئناف للخطأ في تطبيق القانون وتأويله وقصر حظر الاستئناف على تقدير الوقائع والعقوبة . وطالما أن أحكام المحكمة الجزئية حتى ولو كانت لها صفة أخر درجة يمكن الطعن فيها بطريق الاستئناف لذات السبب المنصوص عليه بطريق النقض ، وهو الخطأ في القانون بمفهومه العام الذي يشمل البطلان ، فإذا فوت الخصم طريق الاستئناف فلا يجوز له الطعن بالنقض . ويترتب على ذلك نتيجة أخرى ألا وهي عدم جواز الطعن بالنقض في أحكام المحاكم الجزئية أيا كانت صفتها ، أي حتى في الأحوال التي تكون لها صفة أخر درجة . وهذا فعلاً ما اتجه إليه قضاء النقض في السنوات الأخيرة حيث صاغت مبدأ عاماً بمقتضاه أنه متى انغلق طريق الاستئناف انغلق النقض من باب أولى وعلى ذلك فالأحكام الصادرة من المحكمة الاستئنافية والصادرة من محكمة الجنايات ، أما الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية بوصفها أخر درجة فلا يجوز الطعن فيها بالنقض متی فوت الطاعن الاستئناف .
وبالنسبة للحكم الصادر في الدعوى المدنية من محكمة الجنايات أو من محكمة الجنح المستأنفة فلا يجوز الطعن بالنقض فيما يتعلق بالدعوى المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تجاوز نصاب الطعن بالنقض المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية. وتنص المادة 248 من قانون المرافعات المدنية والتجارية على أن للخصوم أن يطعنوا أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف إذا كانت قيمة الدعوى تجاوز مائة الف جنيه وعلى ذلك لا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الصادر في الدعوى المدنية التبعية فقط إلا إذا كانت قيمة الإدعاء المدني تجاوز مائة ألف جنيه ، إذ لا يقبل أن يكون في الوقت الذي أوصد فيه باب الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام الصادرة عن محكمة الجنح لقلة النصاب أن يترك الباب مفتوحاً للطعن بالنقض وسوى في ذلك بين الأحكام الصادرة من محكمة الجنح ومحكمة الجنايات إذ القول بغير ذلك يؤدي إلى المغايرة في الحكم في ذات المسالة الواحدة بغير مبرر وهو ما يتنزه عنه الشارع، ويخرج عن مقصده ، فلا يتصور أن يكون الحكم في الدعوى المدنية الصادر من محكمة الجنح غير جائز الطعن فيه بالنقض لقلة النصاب ويكون في ذات الوقت قابلاً لهذا الطعن لمجرد صدوره من محكمة الجنايات ، رغم أن ضمان العدالة فيها أكثر توافراً .
أن يكون الحكم الذى توافرت فيه الشروط السابقة صادراً من محكمة عادية :
أن الطعن بطريق النقض قاصر على الأحكام التي تصدر من المحاكم العادية ومن محكمة الأحداث . أما الأحكام الصادرة من محاكم استثنائية أو خاصة سواء أكانت محاكم عسكرية وفقاً للإجراءات العسكرية أم كانت مشكلة وفقاً لقانون الأحكام العرفية أو قوانين أخرى خاصة فلا يقبل الطعن في هذه الأحكام بطرق الطعن المنصوص عليها في قانون الإجراءات وإنما يخضع الطعن في أحكامها للإجراءات الخاصة بتلك المحاكم والمنصوص عليها في القوانين المنظمة لها . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 2051 )
المصلحة في الطعن :
إن ثبوت الحق في الطعن لا يكفي لقبوله وإنما يلزم زيادة على ذلك توافر شروط مباشرة حق الطعن، وهو أن يكون للطاعن مصلحة في إلغاء الحكم موضوع الطعن بناء على الأسباب التي ساقها وأوجه الطعن التي تقدم لها فإذا انتفت تلك المصلحة كان الطعن غير مقبول ولذلك فإن شرط قبول الطعن هو وجود مصلحة للطاعن تضفي عليه الصفة في رفعه، ومناط ذلك هو ما يدعيه الطاعن من حق ينسبه لنفسه . لذلك إذا حكم للخصم بما طلب فلا يقبل بعد ذلك الطعن بالنقض لانتفاء المصلحة. فلا يقبل مثلاً من المتهم الطعن في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية بالبراءة إذ لا مصلحة له في ذلك، وإذا حكم للمدعي بطلباته فلا تكون له صفة في الطعن في الحكم الصادر بالبراءة وذلك لانتفاء صفة الخصم وانتفاء المصلحة في الوقت ذاته لذلك لا مصلحة للطاعن متى كانت العقوبة المحكوم بها تدخل في نطاق المادة التي يقول بانطباقها عليه دون تلك التي طبقتها المحكمة .
ومما سبق يتبين أن المصلحة التي لابد من توافرها لقبول الطعن يلزم أن تكون شخصية أي أن يكون الطعن يحقق مصلحة خاصة بالطاعن ولذلك لا يقبل التمسك بأوجه الطعن التي تتصل بالخصوم الأخرين . حقاً أن الخصم قد يستفيد بطريق غير مباشر من إلغاء الحكم، إلا أن شخصية المصلحة تتطلب أيضاً أن تكون مباشرة بمعنى أن يكون وجه الطعن الذي يستند إليه الطاعن في طعنه قد أضر بمصلحة خاصة به، فلا يكفي أن يستفيد الخصم من إلغاء الحكم طالما أن وجه الطعن لم يضر بمصلحة شخصية تتعلق به . ولذلك لا يجوز للمسئول عن الحقوق المدنية أن يطعن في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية بناء على إغفاله الرد على دفع المتهم ببطلان القبض والتفتيش كذلك لا يجوز الطعن على حكم لاستناده إلى دليل مستمد من إجراء باطل لمخالفته لقواعد جوهرية من غير من وضعت تلك القواعد لصالحه .
ويجب أن تكون المصلحة حقيقية، يستوي بعد ذلك أن تكون أدبية ومالية . كما يجب أن تقوم المصلحة وقت ثبوت الحق في الطعن وهو وقت صدور الحكم فيه وتستمر حتى وقت نظر الطعن والحكم فيه . فإذا طرأت ظروف بعد الطعن وقبل صدور حكم فيه وكان شأن هذه الظروف نفي المصلحة في إلغاء الحكم تعين على محكمة النقض الحكم بعدم قبول الطعن والحكم في موضوعه . ذلك أن العبرة في قبول الطعن ليست بثبوت الحق فيه وقت مباشرته وإنما أيضاً في قيام المصلحة في الإلغاء، فإذا انتفت المصلحة وقت الحكم فلا مبرر للإلغاء .
وتطبيقاً لما سبق لا تكون هناك مصلحة حقيقة للطعن المقدم من المتهم في الحكم الصادر بالإدانة إذا كان وجه الطعن هو الخطأ في تطبيق القانون لا يستفيد المتهم من تصحيحه لأن العقوبة المقضي بها تدخل في حدود العقوبة التي يجب الحكم بها وفقاً للتطبيق السليم للقانون، وهذا ما يطلق عليه بنظرية العقوبة المبررة والتي سنعرض لها عند دراسة الحكم في النقض .
وعلى هذا الأساس قضى بأن حكم ظرف الترصد في تشديد العقوبة هو کحكم ظرف سبق الإصرار ولذلك فإن إثبات توافر أحدهما يغني عن إثبات توافر الأخر، ومن ثم فلا مصلحة للطاعن فيما يثيره عن خطأ الحكم في إثبات ظرف سبق الإصرار في حقه طالما أنه يسلم بتوافر الترصد .
كذلك لا مصلحة للطاعن في إثارة توافر أركان الجريمة التي حوكم بها طالما أن العقوبة المقضي بها مقررة للجنحة التي يسلم بقيامها في حقه . وإن كان الحكم قد طبق حكم القانون بالنسبة للجرائم المرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة وقضي بعقوبة تدخل في نطاق العقوبة المقررة لإحدى هذه الجرائم فلا مصلحة للطاعن في النعي على الحكم بالنسبة لجريمة أخرى من الجرائم المسندة إليه فإذا كان الحكم قد وقع على الطاعن العقوبة المقررة لجريمة إحراز المخدر بقصد الاتجار باعتبارها الجريمة الأشد فلا مصلحة للطاعن في إثارة قصور الحكم فيما يتعلق بجريمتي الإهانة والتعدي المرتبطتان بجريمة الإحراز ارتباطاً لا يقبل التجزئة. كذلك لا مصلحة للمتهم في الطعن المستند إلى أن الحكم لم يظهر في حقه أركان جريمة الاختلاس من موظف عام المنسوبة إليه طالما أن المحكمة قد أدانته بعقوبة جناية عرض الرشوة على موظف عام المسندة إليه .
النيابة العامة وشرط المصلحة :
أن شرط المصلحة في الطعن يجب أن يتوافر بالنسبة لجميع الخصوم بما فيهم النيابة العامة غير أن هذا الشرط بالنسبة للنيابة العامة يختلف مضمونه عن باقي الخصوم وذلك باعتبار أنها ليست لها مصلحة خاصة وإنما تستهدف في جميع تصرفاتها المصلحة العامة في التطبيق السليم للقانون .
ونظراً للوضع الخاص بالنيابة العامة فإن شرط المصلحة يعتبر متوافراً متى كان الطعن بالنقض من شأنه أن يحقق المصلحة العامة المتمثلة في التطبيق السليم للقانون، ولذلك فإن الطعن بالنقض يكون مقبولاً، أولاً : إذا كان فيه مصلحة للإتهام واقتضاء حق الدولة في العقاب وهنا تكون المصلحة خاصة بالنيابة العامة بوصفها سلطة اتهام والأمينة على الدعوى العمومية باعتبارها وسيلة الدولة لاقتضاء حقها في العقاب، ثانياً : إذا كان الطعن يحقق مصلحة للمتهم وهنا نجد أن المصلحة العامة في تحقيق العدالة بتطبيق القانون تطبيقاً سليماً هي التي تشكل شرط المصلحة في الطعن فالنيابة هي خصم عادل ولذلك يجوز لها الطعن لمصلحة المتهم مادام في ذلك تحقيق العدالة والتطبيق السليم للقانون .
وإذا لم تكن هناك مصلحة خاصة بالاتهام أو مصلحة للمتهم فيكاد ينعقد الإجماع على أنه لا يجوز للنيابة العامة الطعن في الحكم بالنقض ولو كان لتصويب الإجراءات وصحة تطبيق القانون غير أننا نرى خلاف ذلك، فإذا كان الفقه والقضاء يسلم بجواز الطعن المقدم من النيابة العامة حتی لصالح المتهم فإن ذلك لا يشكل المصلحة المباشرة في الطعن، وإنما تتمثل تلك المصلحة في المحافظة على صحة الإجراءات والضمانات التي فرضها القانون بغية تحقيق عدالة جنائية سليمة . ولذلك فإن النيابة العامة هي خصم يتمتع بمركز قانوني خاص يجيز له الطعن لتصحيح الإجراءات والأخطاء التي وقع فيها الحكم منافياً لما يفرضه القانون حتى ولو استفاد من هذا الطعن المتهم أو باقي الخصوم ذلك أن هذه الفائدة التي يحصل عليها المتهم في الطعن ليست هي الغاية من الطعن وإنما تتمثل هذه المصلحة في التطبيق السليم للقانون ولذلك فإننا نرى أن المصلحة تتحقق أيضاً بالنسبة للنيابة العامة متى كان الغرض من الطعن هو صحة تطبيق القانون، خاصة وأن هذه الوظيفة الرئيسية لمحكمة النقض تحققها عن طريق الطعون التي يتقدم بها الخصوم وفي مقدمتهم النيابة العامة . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 2064 )
ثانياً : الأحكام الجائز الطعن عليها بطريق النقض .
توجيه الطعن بالنقض إلى حكم :
يتعين أن يكون موضوع الطعن بالنقض «حكماً»، ويفترض كل حكم وجود نزاع، تم الفصل في موضوعه أو في مسألة يتعين حسمها قبل التعرض لموضوعه. وتطبيقاً لذلك، لا يجوز الطعن بالنقض في أعمال التحقيق وأوامره، ولا يجوز الطعن بالنقض في الإجراءات الخاصة بنظام الجلسة وضبطها، كجعلها سرية أو إخراج شخص منها. وأهم نتيجة تترتب على ذلك أنه لا يجوز الطعن بالنقض في أسباب الحكم استقلالاً عن منطوقه، ذلك أن الحكم يراد به منطوقه باعتباره جزءه الذي يحسم النزاع. وتطبيقاً لذلك، لا يقبل من متهم قضي ببراءته أن يطعن في الحكم استناداً إلى أن أسبابه قررت البراءة لمانع عقاب أو مانع مسئولية، وأنه يرى أن البراءة يجب أن تستند إلى سبب إباحة أو إلى انتفاء أحد أركان الجريمة ولا يقبل الطعن بالنقض من أجل حذف عبارات وردت في أسباب الحكم، ويراها الطعن ماسه باعتباره . بل إنه لا يجوز الطعن بالنقض في أسباب الحكم إذا انطوت على خطأ قانوني إذا كان إصلاح هذا الخطأ لا يؤثر على ما قرره منطوقه .
ولكن لهذه القواعد حدودها : فإذا كان لا يجوز الطعن في عمل التحقيق ذاته، فإن بطلانه وبطلان الدليل الذي تولد عنه واستند الحكم إليه، قد يكون سبب الطعن في الحكم إذا كان الطاعن قد تمسك به أمام محكمة الموضوع .
بل يجوز أن يكون عيب عمل التحقيق سبباً للطعن في الحكم إذا كان هذا العيب قد أهدر قاعدة تتصل بالنظام العام، وإن لم يكن هذا العمل قد تولد عنه الدليل. ويعني ذلك أن الطعن لا يقبل في عمل التحقيق لذاته، ولكن يجوز أن يكون تعييب عمل التحقيق وجه الطعن في الحكم . وإذا كان لا يجوز الطعن في أسباب الحكم استقلالاً، فإنه يجوز الطعن في الحكم استناداً إلى عدم تسبيبه أو قصور أسبابه أو تناقضها فيما بينها، أو فيما بينها وبين المنطوق .
وإذا أغفلت المحكمة الفصل في الدعوى المدنية المقامة بالتبعية للدعوى الجنائية، فلا يجوز الطعن بالنقض في ذلك الإغفال، لعدم وجود حكم يوجه إليه الطعن .
توجيه الطعن بالنقض إلى حكم صادر عن القضاء الجنائي العادي : يفترض الطعن بالنقض اتجاهه إلى حكم صادر عن القضاء الجنائي العادي، سواء صدر هذا الحكم في الدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية التي يختص بها هذا القضاء استثناء. ويتصل هذا الشرط بوظيفة محكمة النقض، باعتبارها قمة هذا القضاء والهيئة المنوط بها رقابة التزامه القانون . بل إن خضوع الأحكام التي تصدر عن محكمة معينة لرقابة محكمة النقض هي الدليل على انتماء هذه المحكمة إلى القضاء الجنائي العادي، في حين أن عدم خضوع أحكام محكمة ما لهذه الرقابة يعني عدم انتمائها إلى هذا القضاء. وتطبيقاً لذلك، فإنه لا يجوز الطعن بالنقض في حكم صادر عن محكمة إدارية أو عن سلطة تأديبية. ولا يجوز أن يطعن بالنقض الجنائي، أي أمام الدائرة الجنائية لمحكمة النقض في حكم صادر عن محكمة مدنية. ولا يجوز الطعن بالنقض في حكم صادر عن محكمة عسكرية (المادة 117 من قانون الأحكام العسكرية). ولا يجوز الطعن بالنقض في أحكام محاكم أمن الدولة التي أنشأها القانون رقم 62 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ (المادة 12) . ويجوز الطعن بالنقض في الحكم الصادر من محكمة مدنية في شأن جريمة ارتكبت في جلستها واختصت بها، إذ تعد هذه المحكمة استثناء - وفي خصوص هذه الجريمة - «قضاءً جنائياً». ويجوز الطعن بالنقض في حكم محكمة الأطفال، إذ تعد هذه المحكمة قضاءً جنائياً عادياً ذا اختصاص شخصي محدود .
ويتبع الحكم الصادر في الإشكال في التنفيذ الحكم في موضوع الدعوى من حيث جواز أو عدم جواز الطعن فيه بالنقض. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان الحكم صادراً في إشكال في تنفيذ حكم صادر في مخالفة، أو كان صادراً في إشكال في تنفيذ حكم صادر من محكمة أمن الدولة طوارئ، أو من محكمة عسكرية، فإن الطعن بالنقض فيه لا يكون جائزاً. ويفترض الطعن بالنقض في الإشكال الوقتي في التنفيذ أن الحكم المستشكل فيه لم يصر بعد باتاً، أما إذا صار باتاً (لعدم الطعن فيه) أو لاستنفاد الطعن فيه فإن الطعن بالنقض في الإشكال يكون غير مقبول . ولا يقبل كذلك الطعن بالنقض في إشكال في حكم قضى بنقضه، ذلك أنه قد ألغى السند التنفيذي فلم يعد التنفيذ محل، ولم يعد بناء على ذلك للإشكال فيه محل .
صدور الحكم في جناية أو جنحة :
علة القاعدة : قصر الشارع الطعن بالنقض على الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح، ويعني ذلك عدم جواز الطعن بالنقض في الحكم الصادر في مخالفة، أياً كانت جسامة العيب الذي انطوى عليه الحكم. وتطبق هذه القاعدة، ولو قضي في المخالفة بعقوبة تكميلية أو تدبير ثقيل الوطأة على المتهم. وعلة القاعدة تضاؤل العقوبة التي يقضي بها في المخالفة، فلا تكون المصلحة ظاهرة في إلغائها، بالإضافة إلى بساطة أركان المخالفة في الغالب، وعدم إثارتها مشاكل يقوم بحسمها احتمال الخطأ في القانون. وتعلل القاعدة كذلك بأن الشارع أجاز استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات «للخطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها أو لوقوع بطلان فى الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم» دون نظر إلى العقوبة التي يحكم بها، وفي إجازة الاستئناف لذات الأسباب التي يجوز الطعن بالنقض من أجلها ما يغني عن إجازة النقض. وفي النهاية، فإن في استبعاد المخالفات من نطاق النقض تخفيف من أعباء محكمة النقض بما يتيح لها التفرغ للأحكام الصادرة في الجرائم الهامة .
ولذات العلة فقد استثنى الشارع من الطعن بالنقض الأحكام الصادرة في الجنح المعاقب عليها بالغرامة التي لا تجاوز عشرين ألف جنيه. كذلك لا يجوز الطعن فيما يتعلق بالدعوى المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة لا تجاوز نصاب الطعن بالنقض المنصوص عليه في قانون المرافعات المدنية والتجارية (الفقرة الثالثة من المادة 30 من قانون النقض المستبدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007) .
تطبيق القاعدة :
العبرة في تحديد وصف الجريمة، وما إذا كانت مخالفة فلا يقبل الطعن بالنقض في الحكم الصادر في شأنها، أم كانت جنحة أو جناية فيكون الطعن بهذا الطريق مقبولاً، هي بالوصف الذي رفعت به الدعوى، وليست بالوصف الذي أسبغته المحكمة عليها. وتطبيقاً لذلك، فإذا رفعت الدعوى باعتبار الواقعة جنحة، ولكن المحكمة اعتبرتها مخالفة وقضت فيها على هذا الأساس، فإن حكمها يقبل الطعن بالنقض .
ويفترض تطبيق هذه القاعدة أن الواقعة لا تحتمل إلا وصف المخالفة، أما إذا كانت تحتمل وصفين أو أكثر أحدهما أنها مخالفة والثاني أنها جنحة، فالعبرة - تطبيقاً - للقواعد العامة - بوصفه الأشد، أي اعتبارها جنحة، ومن ثم يكون الطعن بالنقض في الحكم الصادر فيها جائزاً، ويتناول الطعن بالضرورة أوصافها جميعاً، ومن بينها وصفها بأنها مخالفة .
ويفترض تطبيق هذه القاعدة كذلك أن الواقعة بسيطة، أما إذا ارتبطت واقعتان (أو أكثر) ارتباطاً غير قابل للتجزئة، وكانت إحداهما جنحة، مما يجوز الطعن في الحكم الصادر فيها بالنقض، والأخرى مخالفة بحيث صدر في شأنهما حكم واحد يقضي بعقوبة واحدة، فإن هذا الحكم يقبل الطعن بالنقض. وينصرف الطعن إلى كل ما قضى به الحكم، بما في ذلك ما يكون قد قرره في شأن الجريمة الأخف .
وينصرف تطبيق هذه القاعدة إلى الحكم الصادر في الدعوى المدنية الناشئة عن المخالفة، فهذا الحكم لا يجوز الطعن فيه بالنقض أياً كان المبلغ المدعى به أو الذي قضى به، ذلك أن هذه الدعوى تتبع الدعوى الجنائية، فلا يكون الحكم الصادر فيها قابلاً للطعن بالنقض طالما كان الحكم في الدعوى الجنائية غير قابل لذلك .
اشتراط أن يكون الحكم نهائياً :
علة القاعدة : علة اشتراط أن يكون الحكم نهائياً كي يكون الطعن فيه بالنقض جائزاً مستمداً من الطابع غير العادي للطعن بالنقض: فلا يجوز الالتجاء إليه إلا إذا استنفدت طرق الطعن العادية في الحكم، فلم تجد الطاعن في إزالة العيب الذي ينعاه على الحكم. أما إذا كان بعض هذه الطرق ما يزال متاحاً، فمن المتعين الالتجاء إليه، فقد يجدي في إزالة عيب الحكم .
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطعن بالنقض في حكم قابل للطعن بالمعارضة أو الاستئناف يخلق مشكلة: فقد يلغى الحكم بناء على المعارضة أو الاستئناف، فيصير النقض غير ذي موضوع ينصرف إليه، وإذا قيل إن الطعن بالنقض ينهي سلطة محكمة المعارضة أو الاستئناف، فمؤدى ذلك حرمان الخصم من حقه في الطعن بالطريق العادي .
تطبيق القاعدة : الأصل أن ينصرف تعبير «الحكم النهائي» إلى الحكم الذي لا يقبل الطعن بالاستئناف، وإن كان قابلاً للطعن بالمعارضة، ولكنه في تطبيق هذا الشرط يعني الحكم الذي لا يقبل الطعن بالاستئناف أو المعارضة. فلا يجوز الطعن بالنقض في حكم ما يزال قابلاً للطعن بالمعارضة، أو طعن فيه فعلاً بالمعارضة، وقد نصت على ذلك المادة 32 من قانون النقض. ولا يجوز كذلك الطعن بالنقض في حكم ما يزال قابلاً للطعن بالاستئناف، أو طعن فيه فعلاً بالاستئناف .
وتطبيقاً لذلك ، فإنه لا يجوز الطعن بالنقض في حكم استئنافي غيابي لم يعلن للمتهم، إذ عدم إعلانه يعني عدم ابتداء ميعاد المعارضة فيه. ولا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الغيابي ولو وصف خطأ بأنه حضوري، فالعبرة بحقيقة وصف الحكم وفقاً للقانون وإذا كان الحكم غيابياً بالنسبة لأحد الخصوم وحضورياً بالنسبة لخصم آخر، فلا يجوز للأخير الطعن فيه بالنقض إلا بعد أن يصير غير قابل للطعن بالمعارضة من الخصم الذي اعتبر غيابياً بالنسبة له. فإذا صدر الحكم غيابياً بالنسبة للمتهم، فلا يجوز للنيابة العامة أن تطعن فيه بالنقض على الرغم من أنه حضوري بالنسبة لها طالما بقى الحكم قابلاً لمعارضة المتهم، وطالما بقيت المعارضة مطروحة على المحكمة المختصة بها . وإذا طعنت النيابة العامة بالنقض في الحكم الغيابي كان طعنها غير مقبول، ولا يصححه أن الحكم قد صار بعد التقرير بالنقض غير قابل للمعارضة لإعلانه وفوات ميعاد المعارضة دون الطعن بها، أو للحكم في المعارضة بعدم جوازها: ذلك أن صحة الطعن بالنقض تقدر وقت التقرير به ولا عبرة بما يطرأ بعد ذلك وإذا كان الحكم حضورياً بالنسبة للمسئول المدني وغيابياً بالنسبة للمتهم، فلا يجوز للمسئول المدني الطعن بالنقض حتى ينقضي ميعاد المعارضة أو يستنفد المتهم حقه فيها، فقد يؤدي طعن المتهم بالمعارضة إلى «ثبوت أنه لم يرتكب الواقعة الجنائية التي أسندت إليه، وهو ما ينبني عليه بطريق التبعية تغيير الأساس الذي بني عليه القضاء في الدعوى المدنية» وتطبق هذه القواعد على الحكم الحضوري الاعتباري الذي يجوز الطعن فيه بالمعارضة، فطالما بقي قابلاً للطعن بالمعارضة أو طعن فيه بالمعارضة، فلا يجوز الطعن فيه بالنقض، أما إذا كان لا يجوز الطعن فيه بالمعارضة، فإن الطعن فيه بالنقض يكون جائزاً، وإذا كان للمتهم المعارضة في بعض ما قضى به الحكم دون البعض الآخر، كما لو حكم غيابياً ببراءته من بعض ما نسب إليه وإدانته في البعض الآخر، أو حكم بإدانته ورفض إلزامه بالتعويض، فإنه لا يجوز الطعن بالنقض قبل استنفاذ طريق المعارضة، أو فوات ميعادها .
وإذا ألغى الحكم الغيابي الاستئنافي بالحكم المطعون فيه، اعتبر هذا الحكم الأخير هو وحده الصادر من محكمة آخر درجة، ومن ثم كان الطعن فيه بالنقض جائزاً .
ولكن لا يجوز الطعن بالنقض في حكم استئنافي بتأييد الحكم الابتدائي بعدم جواز المعارضة، إذ مؤدى ذلك أن يصير الحكم الابتدائي حائزاً قوة الأمر المقضي .
الطعن بالنقض في الحكم الغيابي الذي لا يقبل الطعن بالمعارضة : إذا كان الحكم الغيابي لا يقبل الطعن بالمعارضة (أو لن يطعن فيه بالمعارضة لانتفاء شروطها بالنسبة لمن له الحق فيها ) فإنه يجوز الطعن فيه بالنقض بمجرد صدوره . وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان الحكم الاستئنافي الغيابي صادراً ببراءة المتهم، فللنيابة أن تطعن فيه بالنقض بمجرد صدوره، وللمدعي المدني كذلك أن يطعن في هذا الحكم بمجرد صدوره. وإذا صدر الحكم الغيابي في المعارضة جاز الطعن فيه بمجرد صدوره، إذا لا يقبل معارضة. وتطبيقاً لذلك، فإنه يجوز الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي الغيابي باعتبار المعارضة كأن لم تكن، وينصرف النقض في هذه الحالة إلى الحكم الغيابي في موضوع الدعوى. ويجوز الطعن في الحكم الاستئنافي الغيابي الذي قضى بعدم قبول المعارضة شكلاً، والحكم الاستئنافي الغيابي في المعارضة فصلاً في موضوع الدعوى. وإذا حظر الشارع الطعن بالمعارضة في حكم غيابي، جاز الطعن فيه بالنقض بمجرد صدوره. وإذا لم تكن للمتهم مصلحة في الطعن في الحكم بالمعارضة، جاز طعن النيابة العامة فيه بالنقض بمجرد صدوره .
اشتراط أن يكون الحكم صادراً عن آخر درجة :
بيان القاعدة وعلتها : نصت على هذه القاعدة المادة 30 من قانون النقض ، فاشترطت فى الأحكام التى يجوز الطعن فيها بالنقض أن تكون «صادرة عن آخر درجة» . ويعني ذلك أنه لا يقبل الطعن بالنقض إلا في حكم «انتهائي»، أي حكم استنفد فيه طريق الطعن بالاستئناف، أما إذا كان الحكم يجوز الطعن فيه بالاستئناف، فقبله المحكوم عليه، أو فوت على نفسه ميعاد استئنافه، فصار الحكم بذلك نهائياً، فلا يجوز له الطعن فيه بالنقض .
وعلة هذه القاعدة مستمدة من الطابع غير العادي للطعن بالنقض، إذ ينبني على ذلك أنه لا يجوز الالتجاء إليه إلا إذا كان المحكوم عليه قد التجأ إلى طريق الطعن العادي، فلم يجده لإصلاح عيب الحكم . أما إذا فوت على نفسه الطعن العادي، فهو مهمل، ولا محل لتخويله طريق الطعن غير العادي . وقد عبرت محكمة النقض عن هذه العلة في قولها «إن النقض ليس طريقاً عادياً للطعن على الأحكام وإنما هو طريق استثنائي لم يجزه الشارع إلا بشروط مخصوصة لتدارك خطأ الأحكام النهائية في القانون، فإذا كان الخصم قد أوصد على نفسه باب الاستئناف - وهو طريق عادي - حيث كان يسعه استدراك ما شاب الحكم من خطأ في الواقع أو القانون لم يجز له من بعد أن يلج سبيل الطعن بالنقض» .
وتطبق هذه القاعدة على المتهم والنيابة على السواء، فإذا كانت النيابة لم تستأنف الحكم الصادر من محكمة أول درجة، فلا يجوز لها الطعن بالنقض . وتطبق هذه القاعدة على المدعي المدني والمسئول المدني كذلك .
ولكن لا تطبق هذه القاعدة على المعارضة على الرغم من أنها طريق عادي للطعن في الأحكام : فإذا فوت المتهم على نفسه الطعن في الحكم الغيابي الاستئنافي بالمعارضة جاز له بعد ذلك الطعن فيه بالنقض، إذ أن تفويت ميعاد المعارضة يجعل الحكم الغيابي في منزلة الحكم الحضوري، فتطبق عليه قواعده، وهي تجيز الطعن فيه بالنقض .
لا يجوز أن ينعطف الطعن بالنقض على الحكم الابتدائي : إذا طعن في الحكم الابتدائي بالاستئناف ثم طعن في الحكم الاستئنافي بالنقض، فإنه يجب أن تقتصر أوجه النقض على الحكم الاستئنافي، إذ هو الحكم الصادر عن آخر درجة، ولا يجوز أن توجه أسباب الطعن بالنقض إلى الحكم الابتدائي، إذ يخالف ذلك قاعدة اقتصار الطعن بالنقض على الحكم الصادر عن آخر درجة، أي «الحكم الاستئنافي».
وبالإضافة إلى ذلك، فإن العيوب التي تنعي على الحكم الابتدائي كان يتعين التذرع بها أمام المحكمة الاستئنافية، فإن كان الطاعن قد أغفل ذلك فهو مهمل، ومن ثم لا يسمح له بالاحتجاج بها أمام محكمة النقض، وإذا كان قد تذرع بها أمام المحكمة الاستئنافية فلم تصلحها، فإنها تمتد بالضرورة إلى الحكم الاستئنافي فيصير مشوباً بها، فيوجه الطعن إليه. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا كان الحكم الابتدائي لم يوقع عليه في خلال ثلاثين يوماً، أو لم يتضمن تاريخاً، أو لم يذكر نص القانون الذي طبقه، أو خلا من الأسباب، أو كانت غير كافية أو متناقضة، فلا يجوز أن تثار هذه العيوب أمام محكمة النقض. وإذا طعن بالنقض في الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي بعدم جواز المعارضة، فلا يجوز أن يتعدى إلى الحكم الابتدائي في موضوع الدعوى. وإذا طعن بالنقض في الحكم الاستئنافي الذي قضى بعدم قبول الاستئناف شكلاً، فإنه لا يجوز الطعن عليه إلا من حيث ما قضى به من عدم قبول الاستئناف شكلاً، ولا يجوز أن يمتد الطعن إلى الحكم الابتدائي .
ولا يجوز - من باب أولى - أن يستند الطعن بالنقض إلى تعييب الإجراءات السابقة على المحاكمة، إذ «العبرة في الأحكام هي بإجراءات المحاكمة وبالتحقيقات التي تحصل أمام المحكمة».
يمتنع الطعن بالنقض حيث يحظر القانون الطعن بالاستئناف : وضعت محكمة النقض مبدأ قررت فيه أنه «حيث ينسد طريق الاستئناف وهو طريق عادي من طرق الطعن ينسد من باب أولى الطعن بطريق النقض». وقد عللت ذلك بأنه «لا يعقل أن يكون الشارع قد أقفل باب الاستئناف في هذه الدعاوى لتفاهة قيمتها وفي الوقت ذاته يسمح بالطعن فيها بطريق النقض» وتعني هذه القاعدة أنه إذا حظر الشارع الطعن بالاستئناف في حكم ما، فإن باب الطعن فيه بالنقض يكون محظوراً كذلك، ومن باب أولى. وقد جعلت محكمة النقض لهذه القاعدة نطاقاً عاماً، فهي تطبق على الحكم بعقوبة أو تدبير إذا حظر الشارع استئنافه، فقد قضت بأنه إذا حظر القانون استئناف الحكم بتدبير حكم به على طفل، فإن الطعن بالنقض في هذا الحكم يكون غير جائز .
ولكن أهم تطبيق لهذه القاعدة هو في الدعوى المدنية حيث يكون استئناف الحكم الصادر فيها غير جائز : فإذا كان التعويض المدعى به لا يزيد على خمسة آلاف جنيه، فالحكم الصادر فيه يكون استئنافه غير جائز، وتبعاً لذلك يكون الطعن فيه بالنقض غير جائز كذلك وامتناع الطعن بالنقض يسري في هذه الحالة على المدعي المدني والمسئول المدني على السواء، ويسري على المتهم إذا لم يكن قد استأنف الحكم الصادر ضده بالعقوبة. وتطبق هذه القاعدة، ولو كان الحكم برفض الدعوى المدنية صادراً من المحكمة الاستئنافية: فإذا كان التعويض المدعى به دون النصاب النهائي، فاستأنف المتهم الحكم الصادر في شأنه مع استئنافه حكم الإدانة، فألغت المحكمة الاستئنافية الحكم بالتعويض أو أنقصته، فليس للمدعي المدني الطعن بالنقض في حكم المحكمة الاستئنافية، ذلك أن قضاء هذه المحكمة ليس من شأنه أن ينشئ له حقاً في الطعن بالنقض متى امتنع عليه حق الطعن ابتداء بطريق الاستئناف ومنع طعن المدعي المدني بالنقض في هذا الفرض يقر المساواة بينه وبين المسئول المدني الذي لا يجوز له الطعن - بأي طريق من طرق الطعن - في الحكم بإلزامه بالتعويض المطالب به الذي لا يجاوز النصاب النهائي للمحكمة الجزئية والأصل أن تطبق هذه القاعدة كذلك إذا كان الحكم بالتعويض صادراً من محكمة الجنايات، فإذا كان التعويض المطالب به أمام هذه المحكمة لا يزيد على خمسة آلاف جنيه، فلا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الصادر في شأن هذا التعويض. وقد عللت محكمة النقض سريان القاعدة في هذه الحالة بأنه «لا يتصور أن يكون الحكم في الدعوى المدنية - الصادر من محكمة الجنح - غير جائز الطعن فيه لقلة النصاب، ويكون في الوقت ذاته قابلاً لهذا الطعن، لمجرد صدوره من محكمة الجنايات، رغم أن ضمان العدالة فيها أكثر توافراً» ولكن محكمة النقض عدلت بعد ذلك عن تطبيق القاعدة في هذا الفرض، فأجازت الطعن بالنقض في حكم محكمة الجنايات في شأن الدعوى المدنية، أياً كان مقدار التعويض المدعى به .
ومذهب محكمة النقض في حظر الطعن بالنقض حيث يحظر القانون الطعن بالاستئناف لا يستند إلى نص صريح في القانون، ومن هذه الوجهة فقد تعرض لنقد بعض الفقهاء، باعتباره يقرر حرماناً دون سند من القانون ولكن يبدو أن لهذا القضاء ما يبرره: فمن الوجهة العملية أرادت محكمة النقض الحد من الطعون التي تقدم إليها، ومن الوجهة النظرية فإن نطاق الطعن بالنقض لا يتسع لجميع الأحكام، وإنما يستبعد منه بعضها، وكما يكون الاستبعاد استناداً إلى نص صريح، فقد يستند إلى تفسير صحيح للقانون. وقد رأت محكمة النقض أن ضابط استبعاد بعض الأحكام من نطاق النقض هو تضاؤل أهمية الدعوى التي صدرت فيها، وقد استخلصت من تضاؤل قيمة التعويض المدعى به إلى الحد الذي جعل الشارع يستبعد الحكم الصادر فيه من نطاق الاستئناف، ما يقتضي كذلك استبعاده من نطاق النقض. وقد قارنت المحكمة بين الاستئناف والنقض: فالأول طريق طعن عادي والثاني طريق طعن غير عادي، والوضع الطبيعي أن يكون الأول أوسع نطاقاً من الثاني، ولا يتسق مع هذه العلاقة المنطقية بينهما أن يكون الطعن بالنقض في حالة معينة (أي بالنسبة لنوع معين من الأحكام) أوسع نطاقاً من الاستئناف. وقد يبرر هذا القضاء تفسير «اشتراط صدور الحكم عن آخر درجة» بأنه يعني صدوره عن محكمة لا يجوز استئناف أحكامها عامة، أي عن محكمة الجنح المستأنفة أو محكمة الجنايات، ومن ثم تستبعد الأحكام الصادرة عن محكمة يجوز استئناف أحكامها كقاعدة عامة، ولكن حظر القانون استئناف بعضها استثناء، إذ يكون الطعن بالنقض غير جائز في الأحكام المستثناة من أصل جواز الاستئناف . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني ، الصفحة : 1370 )
يشترط في الحكم الجنائي ما يأتي :
(أ) أن تتوافر فيه مقومات الحكم :
الأصل أن الطعن بالنقض لا يرد إلا على الأحكام فلا ينصب على أوامر التحقيق أو الإحالة. وكان القانون قد نص على سبيل الاستثناء على جواز الطعن بالنقض في بعض الأوامر، وهو الأمر الصادر من مستشار الإحالة أو من محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة برفض الاستئناف المرفوع من المدعي المدني في الأمر الصادر من النيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى ( المادة 212 إجراءات، والأمر الصادر من مستشار الإحالة بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى إلى المحكمة الجزئية باعتبار الواقعة جنحة أو مخالفة وقد ألغي هذا الاستثناء بالقرار بقانون رقم 173 لسنة 1981 ) .
والقرار الصادر بشطب الدعوى، والقرار الصادر بندب محام للدفاع عن متهم في جناية، كما لا يجوز الطعن على امتناع المحكمة عن إصدار الحكم، فإذا كانت المحكمة قد قضت في الدعوى الجنائية فأرجأت الفصل في الدعوى المدنية فلم يصدر فيها حكم، فإن الطعن بالنسبة للدعوى المدنية يكون غير جائز لعدم صدور حكم فيها. كذلك لا يجوز الطعن بالنقض في الحكم الذي أغفل الفصل في الدعوى المدنية، بل السبيل هو الرجوع إلى ذات المحكمة للفصل فيما أغفلته، عملاً بنص المادة 193 من قانون المرافعات المدنية .
والعبرة في تحديد ما إذا كان الطعن وارداً على حكم أو على أمر متعلق بالتحقيق أو بالإحالة، هي بحقيقة الواقع .
والعبرة في الحكم هي بما يرد في منطوقه، فلا يجوز الطعن استقلالاً على ما يرد في الأسباب إذا كان المنطوق صحيحاً، بل كانت تبرره أسباب أخرى قائمة بذاتها يمكن حمل المنطوق عليها. فإذا حكمت ببراءة المتهم واشتملت الأسباب على عبارات لوم جارحة، فلا يجوز الطعن على هذه الأسباب وحدها .
كما لا يجوز الطعن على رأي أبداه رئيس المحكمة، سواء في الجلسة أو في نطاق أسباب الحكم .
(ب) أن يكون الحكم جنائياً :
ويشترط لقبول الطعن بالنقض أمام الدائرة الجنائية، أن يكون الحكم صادراً من محكمة جنائية مصرية، ويترتب على ذلك ما يأتي :
(أ) عدم جواز الطعن بالنقض أمام الدائرة الجنائية في الأحكام الصادرة من المحكمة المدنية ولو قضت بتعويض عن الجريمة : ومع ذلك، فإن الطعن بالنقض يكون جائزاً إذا قضت المحكمة المدنية في إحدى جرائم الجلسات. على أنه في هذه الحالة تتحول المحكمة المدنية إلى محكمة جنائية في خصوصية الدعوى التي تقيمها عن جريمة الجلسة ويكون حكمها جنائياً .
ب) عدم جواز الطعن بالنقض في الأحكام التأديبية، مهما قيل بالطابع الجزائي لهذه الأحكام : فالطعن في تلك الأحكام يكون من اختصاص مجلس الدولة في حدود القانون ويخرج عن ولاية محكمة النقض وقد أكدت هذه المحكمة انفصال الدعوى الجنائية عن الدعوى التأديبية بقولها : «من المقرر أن الدعوى الجنائية تنفصل تماماً عن الدعوى التأديبية لاختلاف الدعويين سبباً وموضوعاً، وأن قوة الأمر المقضي أمام المحكمة الجنائية لا تكون إلا للأحكام الجنائية العامة، ومن ثم فإن الأحكام الصادرة من المحاكم التأديبية لا تنقضي بها الدعوى الجنائية، وليس لها قوة الشيء المحكوم فيه أمام المحاكم الجنائية» .
(ج) أن يصدر الحكم من محكمة عادية : ويشترط في الأحكام التي تخضع للطعن بالنقض أن تصدر من محاكم القانون العام، فلا تخضع للطعن بالنقض الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية، ولا المحاكم المشكلة بناء على حالة الطوارئ. ومن ثم فلا يجوز الطعن بالنقض في أحكام محكمة أمن الدولة العليا المنشأة طبقاً لقانون الطوارئ، فهي محكمة استثنائية شرعت لمواجهة الظروف الاستثنائية التي اقتضت إعلان حالة الطوارئ وتخضع أحكامها لنظام التصديق بواسطة الحاكم العسكري ولا تخضع للطعن القضائي. ولا يجوز القياس على ما كان ينص عليه القانون رقم 105 لسنة 1980 بإنشاء محاكم أمن الدولة العليا، والذي أجاز الطعن بالنقض في أحكامها، وذلك لأن القانون المذكور لم يكن ينظم سوی محاكم أمن الدولة في الظروف العادية، لا محاكم أمن الدولة الاستثنائية التي تنشأ بعد إعلان حالة الطوارئ فقط .
(د) أن يصدر الحكم من محكمة مصرية : وغني عن البيان فإنه يشترط في الحكم المطعون فيه أن يكون صادراً من محكمة مصرية، فلا ولاية لمحكمة النقض على الأحكام الأجنبية، حتى ولو صدرت على مصري .
يتطلب القانون في الأحكام التي يجوز فيها الطعن بالنقض شروطاً خاصة تتمثل فيما يأتي :
(أ) أن تصدر في مواد الجنايات والجنح .
(ب) أن تكون نهائية وصادرة من آخر درجة .
(ج) أن تكون منهية للخصومة .
(أ) الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح :
لا يجوز الطعن بالنقض إلا في الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح فقط دون المخالفات ( المادة 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن بالنقض ) . وقد أجاز قانون الإجراءات الجنائية عند صدوره الطعن بالنقض في المخالفات، ثم جاء المرسوم بقانون رقم 253 لسنة 1952 بتعديل هذا القانون ، فلم يجز الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في المخالفات اكتفاء بجواز استئنافها، وهو ما سار عليه قانون حالات وإجراءات الطعن بالنقض رقم 57 لسنة 1959 .
وقد استقر قضاء محكمة النقض - تطبيقاً لذلك على عدم جواز الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في المخالفات، إلا إذا كان هناك ارتباط بينها وبين إحدى الجنايات أو الجنح المنسوبة إلى الطاعن، أو كان الدفاع يقوم فيها على أسس واحدة .
ويشار إلى أن مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد قد اتجه إلى تقييد حق الطعن في الجنح، فلم يجز للمحكوم عليه الطعن في الأحكام الصادرة فيها بالغرامة والمصاريف، أو بعقوبة الحبس الذي لا تزيد مدته على ستة أشهر، أو المشمول بإيقاف التنفيذ، ما لم يكن الحكم صادراً في جريمة ماسة بالشرف أو الاعتبار، كذلك فإن المشروع لا يجيز الطعن فيما يتعلق بالدعوى المدنية وحدها إلا إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على خمسة آلاف جنيه (المادة 386 من المشروع) .
ولا يشترط في الأحكام المطعون فيها. عندما تكون بالإدانة - أن تقضي بجزاء قضائي معين مما أورده قانون العقوبات. وقد كانت محكمة النقض ترى قديماً أن التدابير التقويمية المقررة للأحداث المجرمين ليست داخلة ضمن البيان الرسمي للعقوبات الأصلية والعقوبات التبعية كما هي مقررة في القانون. وقد رتبت على ذلك أنه لا يجوز الطعن فيها بالنقض، إلا أنها عدلت بحق عن هذا القضاء، فقضت مما مؤداه أنه ليس من الصواب القول بأن ما رتبه القانون من تدابير احترازية على الحدث لا يعد عقوبة بالمعنى الحقيقي . فلا يجوز الطعن فيها بطريق النقض؛ لأن هذه الجزاءات وإن كانت لم تذكر ضمن العقوبات الأصلية والتبعية التي أوردها القانون، إلا أنها في الواقع عقوبات حقيقية نص عليها قانون العقوبات في مواد أخرى لصنف خاص من الجناة هو الأحداث وهذا القضاء الأخير يتفق مع مقتضيات السياسة الجنائية الحديثة التي لا تتقيد بالعقوبات بمعناها التقليدي .
وعدم جواز الطعن في المخالفات يسري على الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية التبعية سواء بسواء .
ويلاحظ أن القانون قد يستثنى بنص صريح بعض الأحكام من مجال الطعن بالنقض، مثال ذلك ما نص عليه القانون رقم 48 لسنة 1945 بشأن المتشردين والمشتبه فيهم من عدم جواز الطعن في الحكم القاضي بإنذار المحكوم عليه بأن يسلك سلوكاً مستقيماً على أنه في هذه الحالة يكون مناط عدم جواز الطعن هو صدور هذه الأحكام في موضعها القانوني، فإذا صدرت في غير الأحوال التي يسمح بها القانون أمكن الطعن فيها بالنقض .
ولا يجوز الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في إشكالات التنفيذ، إذا كان الحكم المستشكل في تنفيذه قد حاز قوة الأمر المقضي، وذلك باعتبار أن الحكم الصادر في الإشكال بحسب طبيعته هو حكم مؤقت حتى يفصل في النزاع نهائياً ، فإذا حاز الحكم المستشكل في تنفيذه قوة الأمر المقضي بعدم الطعن فيه قبلا ، فإن الحكم الصادر في الإشكال ينقضي أثره، مما لا يجوز الطعن فيه بالنقض .
الحكم الصادر في الدعوى المدنية التبعية :
يبين من استقراء نصوص المواد 266 و 381 و 403 من قانون الإجراءات الجنائية، ومما جرى به قضاء محكمة النقض، أن مراد الشارع بما نص عليه في المادة 403 إجراءات في باب الاستئناف من أن شرط جواز الطعن في الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية، من المدعي بالحقوق المدنية، هو تجاوز التعويض المطالب به حد النصاب النهائي للقاضي الجزئي ولو وصف هذا التعويض بأنه مؤقت، وقد اتجهت محكمة النقض بادئ الأمر إلى أن الشارع قد انصرف إلى وضع قاعدة عامة تسري على جميع طرق الطعن فيمتد أثرها إلى الطعن بالنقض، فقضت بأنه لا يقبل أن يكون في الوقت الذي أوصد فيه باب الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام الصادرة من محكمة الجنح لقلة النصاب أن يترك الباب مفتوحاً للطعن فيها بالنقض، وسوى في ذلك بين الأحكام الصادرة من محكمة الجنح ومحكمة الجنايات، إذ القول بغير ذلك يؤدي إلى المغايرة في الحكم في ذات المسألة الواحدة بغير مبرر، وهو ما يتنزه عنه الشارع ويخرج عن مقصده، فلا يتصور أن يكون الحكم في الدعوى المدنية الصادر من محكمة الجنح غير جائز الطعن فيه بالنقض لقلة النصاب، ويكون في الوقت ذاته قابلاً لهذا الطعن لمجرد صدوره من محكمة الجنايات إلا أن محكمة النقض ترددت في تقرير هذا إذ ذهبت في بعض أحكامها إلى أن نص المادة 30 من القانون رقم 75 لسنة 1959 جاء صريحاً ومطلقاً وقاطعاً في الدلالة على إجازة الطعن بالنقض في الأحكام النهائية الصادرة في موضوع الدعوى المدنية من محاكم الجنايات دون التقيد بنصاب معين، إلا أنها استقرت بعد ذلك إلى اشتراط مجاوزة النصاب النهائي للقاضي الجزئي لجواز الطعن في الحكم الصادر من محكمة الجنايات في الدعوى المدنية التبعية، إذ القول بغير ذلك يؤدي إلى المغايرة في الحكم في ذات المسألة الواحدة بغير مبرر .
ولا يجوز الطعن بالنقض إلا فيما فصلت فيه محكمة الموضوع في الدعوى المدنية صراحة أو ضمناً، ومن ثم فإنه إذا أغفلت المحكمة الجنائية الفصل في الدعوى المدنية ولم يعرض حكمها لهذه الدعوى في مدوناته فإن الطريق السوي أمام المدعي المدني هو الرجوع إلى المحكمة الجنائية للفصل في الدعوى المدنية إعمالا لحكم المادة 193 من قانون المرافعات التي يعد حكمها قاعدة عامة واجبة الإعمال أمام المحاكم الجنائية لخلو قانون الإجراءات من نص يحكم هذه الحالة، وباعتبارها من القواعد التي لا تتأبى طبيعة المحاكم الجنائية على إعمالها على الدعويين الجنائية والمدنية التابعة لها .
الضابط في جواز الطعن:
العبرة فيما يتعلق بتطبيق الضوابط التي يضعها القانون لتحديد الطعن في الأحكام هی طبقاً للقواعد العامة بوصف الواقعة كما رفعت بها الدعوى إلا ما تقضي به المحكمة .
فمثلاً إذا رفعت الدعوى بوصف الجناية أو الجنحة ثم رأت المحكمة أنها مخالفة، فإن العبرة بجواز الطعن تكون بالوصف كما ورد في ورقة التكليف بالحضور أو في أمر الإحالة، لا بالوصف الذي انتهت إليه المحكمة، فكما تقول محكمة النقض «لا يقبل أن يكون الحكم المتظلم منه هو المناط في جواز هذا التظلم أو عدم جوازه». وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأنه «إذا كانت الدعوى قد أقيمت على المتهم على أساس أنها جنحة عرض لبن للبيع مخالف للمواصفات القانونية مع العلم بذلك، فقضت المحكمة الاستئنافية بالحكم المطعون فيه باعتبارها مخالفة على أثر ما تبينته من حسن نية المتهم - فإن الطعن في هذا الحكم بطريق النقض يكون جائزاً» .
على أن النص على عدم جواز الطعن بطريق النقض في الحكم الصادر في المخالفة محله الطعن الموجه إلى الحكم الذي يصدر في المخالفة وحدها، أما إذا کون الفعل جرائم متعددة مما يصح وصفه في القانون بأكثر من وصف، مخالفة أو جنحة في وقت واحد، أو كانت المخالفة مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة بالجنحة، فإن الحكم الصادر في المخالفة يجوز أن يكون محلاً للطعن الذي يرفع عنها وعن الجنحة معاً، وهو ما أكدناه فيما تقدم .
وإذا تعددت المخالفات وارتفع تبعاً لعددها إجمالي مبلغ الغرامة بها، فإن ذلك لا يغير من نوع الجريمة باعتبارها مخالفة .
كما أن الحكم الصادر في الإشكال يتبع الحكم الصادر في موضوع الدعوى الجنائية من حيث جواز أو عدم جواز الطعن فيه بطريق النقض، فإذا كان الحكم صادراً في إشكال في تنفيذ حكم صادر في مخالفة، فإن الطعن بالنقض في هذا الحكم لا يكون جائزاً .
(ب) الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة :
لا يجوز الطعن بالنقض إلا في الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة من درجات قضاء الموضوع والحكم النهائي هو الذي يصدر من المحكمة الاستئنافية أو من محكمة الجنايات، وقد يصدر الحكم من محكمة أول درجة إذا كان استئنافه غیر جائز أو انقضی میعاده، إلا أن القانون قد قصر الطعن على الأحكام النهائية بشرط أن تكون صادرة من آخر درجة والعبرة في تقرير عدم قابلية الحكم للطعن هي بحقيقة الواقع لا وفق ما تقرره المحكمة المطعون في حكمها .
( ج ) الأحكام المنهية للخصومة الجنائية :
لم يفتح القانون باب الطعن بالنقض إلا بعد أن يكون قد صدر فى موضوع الدعوى حكم منه للخصومة . ويبدو هذا المبدأ واضحاً مما نصت عليه المادة 31 من قانون حالات وإجراءات الطعن بالنقض من أنه " لا يجوز الطعن بطريق النقض فى الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع إلا إذا انبنى عليها منع السير فى الدعوى " .
والأصل أن تنتهى الخصومة الجنائية بحكم فاصل فى الموضوع ، إلا أنه قد يصدر فى الدعوى حكم إجرائى يحول دون نظر الموضوع ، فيعد من قبيل الأحكام المنهية للخصومة الجنائية .
وقد نص قانون الإجراءات الجنائية الفرنسى على جواز الطعن بالنقض فى الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع إذا رأى رئيس الدائرة الجنائية أن هذا الطعن يتجاوب مع ضرورات النظام العام أو حسن سير العدالة ( المادة 570 / 1 إجراءات فرنسى ) . وقرار رئيس الدائرة الجنائية فى هذا الشأن غير قابل للطعن . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، النقض الجنائي، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2011 ، الصفحة : 49 )
ثالثاً : حالات وأسباب الطعن بالنقض .
بيان أوجه الطعن بالنقض على سبيل الحصر :
حدد الشارع أوجه الطعن بالنقض في الأوجه الثلاثة فى المادة 30 من قانون النقض على سبيل الحصر، فلا تجوز الإضافة إليها أو القياس على أحدها. وعلة حصر أوجه الطعن بالنقض مستمدة من الطابع غير العادي لهذا الطعن، ووجوب انحصاره في نطاق محدود، ومستمدة كذلك من وظيفة محكمة النقض واقتصارها على رقابة صحة تطبيق القانون، وانحسارها عن النظر في الوقائع. فالطعن بالنقض لا ينقل الدعوى برمتها إلى محكمة النقض، وإنما ينقل شطراً منها فحسب، هو شطر القانون، ومن ثم كان دور أوجه النقض بيان هذا الشطر الذي يسع محكمة النقض أن تنظر فيه. وليست وظيفة محكمة النقض أن تكون درجة ثالثة للتقاضي، ومن ثم فهي لا تنظر في الدعوى من جديد، وإنما وظيفتها أن تنظر في «الحكم» الذي أصدرته محكمة الموضوع لتقيمه، وترى هل خالف القانون فتنقضه أم لم يخالفه، فترفض الطعن فيه، ومن ثم كان دور أوجه النقض بیان عيوب الحكم التي يجوز عرضها على محكمة النقض .
ويجمع بين أوجه الطعن بالنقض أنها تفترض مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون، سواء في ذلك القانون الموضوعي أو القانون الإجرائي .
ما لا يعد وجهاً للطعن بالنقض
إن أهم ما لا يعد وجهاً للطعن بالنقض هو وقائع الدعوى، أي موضوعها. ولا يصلح كذلك وجهاً للنقض ما يشوب الحكم من أخطاء مادية، فلتصحيح ذلك الطريق الذي رسمه القانون .
ولا يصلح وجهاً للطعن بالنقض إلا العيوب التي تشوب الحكم المطعون فيه والإجراءات التي استند إليها، أما العيوب التي تشوب الإجراءات السابقة على إحالة الدعوى إلى القضاء، أو التي تشوب حكم محكمة الدرجة الأولى والإجراءات التي استند إليها، فلا تجوز إثارتها لأول مرة أمام محكمة النقض، وذلك ما لم تكن متعلقة بالنظام العام، ولم يكن البحث فيها مقتضياً تحقيقاً موضوعياً .
التمييز بين الواقع والقانون :
إن التمييز بين الواقع والقانون هو الذي يرسم حدود اختصاص محكمة النقض، ويميز بينه وبين اختصاص محاكم الموضوع. فكل ما يعد من قبيل الوقائع في الدعوى والحكم المطعون فيه يخرج بالضرورة عن اختصاص محكمة النقض، ويعد قضاء محكمة الموضوع في شأنه نهائياً، فلا يحق لمحكمة النقض أن تناقش قضاءها في هذا الشأن، أو تنسب إليه خطأ ما، أو تجري فيه تعديلاً ما. إن وظيفة محكمة النقض تفرض عليها أن تسلم بالوقائع التي أثبتها الحكم المطعون فيه، وتفترض صحتها المطلقة، وترفض كل محاولة من أحد الخصوم لإقحامها في أي بحث موضوعي، وتقصر وظيفتها - بناء على ذلك - على مجرد النظر في مدى صواب تطبيق القانون على هذه الوقائع، أي تنظر في العلاقة المنطقية القانونية بين هذه الوقائع وقواعد القانون .
والوقائع تعني الأحداث، أي كل ما حصل، وكان له كيان ذاتي، وصار بذلك منتمياً إلى الماضي. ويستوي في ذلك أن يكون للواقعة كيان مادي ملموس، أو أن تكون محض ظاهرة نفسية. وعلى هذا النحو يعد من الوقائع عناصر الركن المادي من فعل ونتيجة وعلاقة سببية، وما قد يلحق به من ظروف وشروط عقاب وعناصر مفترضة، والركن المادي وقائع مادية. ويعد من الوقائع كذلك الركن المعنوي للجريمة، سواء كان قصداً أو خطأ، والركن المعنوي بذلك وقائع نفسية. أما الركن الشرعي وما يتصل به من تجريم وإباحة ووصف (تكييف) فيمثل جانب القانون في الجريمة والدعوى الجنائية .
لا يصلح وجهاً للنقض إثبات الوقائع وتقديرها الواقعي : لا يصلح وجهاً للنقض الجدل حول ما إذا كانت الواقعة ثابتة أم غير ثابتة. وإذا سلم بثبوتها فلا يصلح وجهاً للنقض الجدل حول تقديرها في ذاتها، أي كيفية حصولها، وما لها من خصائص واقعية تحدد حجمها ونطاقها ومدلولها الواقعي. وعلى سبيل المثال، فإن القول بأن المتهم أطلق الرصاص، وأن سلاحه من نوع أو عيار معين، وأنه أطلقه في اتجاه محدد، وأن المجني عليه مات أو أصيب بجروح، وأن هذه الجروح خطيرة أو يسيرة، وأن علاقة السببية قد توافرت بين الفعل والنتيجة، وأن القصد الجنائي قد توافر لدى المتهم استخلاصاً من قرائن واقعية محددة، وأن سبق الإصرار قد توافر لديه استخلاصاً من هذه القرائن أو من قرائن أخرى، أو أن الخطأ قد توافر لديه، كل ذلك بحث في وقائع الدعوى لا تختص به محكمة النقض .
خروج قواعد الإثبات عن اختصاص محكمة النقض : إذا كان هدف قواعد الإثبات - على ما قدمنا - هو إقامة الدليل على حصول الواقعة وما اتصفت به من خصائص، فمؤدى ذلك بالضرورة اعتبار الإثبات في مجموعة متعلقاً بموضوع الدعوى ووقائعها بحيث لا يجوز الجدل في شأنه أمام محكمة النقض. ويدعم هذه النتيجة أن الشارع قد تبني مبدأ «الاقتناع القضائي» الذي يطلق لقاضي الموضوع أن يستمد اقتناعه من أي دليل، ويجعل أمر تكوين القاضي هذا الاقتناع خارجاً عن رقابة محكمة النقض. وعلى هذا النحو يمكن القول بأن مجال الإثبات هو أهم مجال للبحث الواقعي الموضوعي الذي لا تختص به محكمة النقض وتطبيقاً لذلك، فإن أخذ القاضي بدليل معين لأنه اطمأن إليه، ورفضه دليلاً آخر لأنه لم يطمئن إليه، وتفسيره الدليل الذي أخذ به على أنه يعني حصول الواقعة أو عدم حصولها، أو يعني حصولها بكيفية دون أخرى أو اتصافها بخصائص دون أخرى، كل ذلك بحث في موضوع الدعوى. وتطبيقاً لذلك، فإن قول القاضي إن قرينة معينة يستخلص منها توافر القصد أو سبق الإصرار أو لا تكفي لأن يستخلص منها ذلك، هذا القول لا يخضع لرقابة محكمة النقض .
اختصاص محكمة النقض في شأن إثبات الوقائع وتضمينها أسباب الحكم : على الرغم من أن محكمة النقض لا تختص بالنسبة للوقائع، إلا أن لها دوراً في رقابة التزام قاضي الموضوع سلطاته في شأن الوقائع، ذلك أن لسلطاته حدودها، ولهذه الحدود طابع قانوني باعتبار أن القانون هو الذي وضعها، ومن ثم تكون رقابة محكمة النقض من هذه الوجهة هي رقابة قانونية وإن اتصلت بالوقائع. وأهم مجالين لاختصاص محكمة النقض في هذا الشأن هما: الإثبات وتسبيب الحكم. فمن حيث الإثبات، فقد تقدم أن الشارع لم يطلق مبدأ الاقتناع القضائي، وإنما وضع له الحدود، فإن جاوز قاضي الموضوع هذه الحدود فقد أخطأ، وكان لمحكمة النقض أن ترده إلى الصواب: فإذا استمد القاضي اقتناعه من دليل غير مشروع، أو انتفت عنه بعض شروطه (كالشهادة بغير يمين)، أو لم يطرحه للمناقشة الشفوية والمواجهة بين الخصوم ، أو قضى بعلمه الشخصي، أو تعرض لمجال استبعد فيه الشارع مبدأ الاقتناع القضائي وحصر الأدلة التي يعتد بها فأخذ القاضي بدليل غيرها، فإن محكمة النقض تراقب قضاءه ويلتزم القاضي في تفسيره للدليل واستخلاصه منه نتيجة معينة في شأن ثبوت الواقعة أو عدم ثبوتها بأن يكون استنتاجه متفقاً مع المنطق السليم، فإن جافاه كان لمحكمة النقض أن ترده إلى الاستنتاج المنطقي السليم .
ومن حيث تسبيب قاضي الموضوع حكمه، فإن التزامه بأن تكون أسباب حكمه كافية يفرض عليه أن يضمنها بياناً كافياً ومفصلاً ومتسقاً لوقائع الدعوى، وقد فرضت هذا الالتزام المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية، وهذا البيان ضروري لتستطيع محكمة النقض رقابة صحة تطبيق القانون، إذ هي تراقب ذلك في خصوص وقائع معينة، ومن ثم كان بيان هذه الوقائع شرطاً لأداء محكمة النقض وظيفتها. وعلى هذا النحو، فإن محكمة النقض تبطل الحكم الذي لا يتضمن تسبيباً كافياً من حيث الوقائع .
تطبيقات للتمييز بين الواقع والقانون : تقدم تحديد مدلول الوقائع التي يستأثر قاضى الموضوع بالفصل فيها ويقول في شأنها الكلمة الأخيرة التي تلتزم محكمة النقض بها، والتمييز بين جانب الوقائع في الدعوى وجانب القانون فيها يغدو على هذا النحو میسوراً : فإثبات حصول الواقعة وكيفية حصولها وما لها من خصائص واقعية يمثل جانب الوقائع أو الموضوع في الدعوى، أما نسبة وصف قانوني إليها وتكييفها على وجه قانوني محدد، واستخلاص النتائج المترتبة على هذا التكييف، فهو جانب القانون فيها. وتطبيقاً لذلك، فإن القول بأنه صدر عن المتهم فعل معين هو فصل في الوقائع، أي فصل في الموضوع، ولكن القول بأن هذا الفعل يصلح ليقوم به الركن المادي لجريمة معينة هو فصل في القانون. والقول بأن هذا الفعل اتصف بخصيصة واقعية معينة هو فصل في الوقائع، ولكن القول بأنه يقوم بهذه الخصيصة ظرف مشدد للجريمة هو فصل في القانون. والقول بتوافر صلة سببية مادية أو منطقية بين الفعل والنتيجة هو فصل في الواقع، ولكن القول بمعيار معين لعلاقة السببية وأنه وفقاً لهذا المعيار قد توافرت بين الفعل والنتيجة صلة سببية يعتد بها القانون هو فصل في القانون. والقول بأن الفعل أحدث آثاراً معينة هو فصل في الوقائع، ولكن القول بأن هذه الآثار تقوم بها النتيجة الإجرامية المتطلبة في جريمة معينة هو فصل في القانون. والقول بأن توافر لدى المتهم القصد الجنائي استخلاصه من قرائن معينة (كاستعمال سلاح قاتل أو توجيهه إلى مقتل أو سبق تهديد المجني عليه) إذا كنا بصدد القصد الجنائي في القتل العمد أو الجرح أو الضرب هو فصل في الواقع، ولكن القول بأن هذا القصد هو ما يعتد به القانون في جريمة معينة هو فصل في القانون. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا نفي قاضي الموضوع القصد لنبل الباعث أو للجهل بالقانون أو لتطلب القصد الخاص، فذلك فصل في القانون تراقبه فيه محكمة النقض والقول بأنه صدر عن المتهم إهمال أو عدم احتياط هو فصل في الواقع، ولكن القول بأن هذا الإهمال وعدم الاحتياط يقوم بهما الخطأ المتطلب في جريمة معينة هو فصل في القانون .
تنظر محكمة النقض في الحكم المطعون فيه والإجراءات التي استند إليها : يقتصر اختصاص محكمة النقض على النظر في الحكم المطعون فيه (أي الحكم الصادر عن آخر درجة) وفحص ما شابه من عيوب، والنظر في الإجراءات التي استند إليها بالقدر الذي تمتد فيه عيوبها إلى هذا الحكم، فتجعله بدوره معيباً. ويترتب على ذلك أن محكمة النقض لا تنظر في العيوب التي شابت حكم محكمة الدرجة الأولى، أو الإجراءات التي استند إليها، وهي من باب أولى لا تنظر في العيوب التي شابت الإجراءات السابقة على المحاكمة، فلا تنظر فيما شاب إجراءات التحقيق الابتدائي من عيوب، أو ما شاب إجراءات الاستدلال وتطبيقاً لذلك، فإن أي وجه النقض مستمد من أحد العيوب السابقة يكون غير مقبول. وقد أقرت محكمة النقض هذه القاعدة في قولها «ليس لمحكمة النقض أن تنظر إلا في صحة إجراءات المحاكمة أمام محكمة ثاني درجة وفي عدم صحتها. وكل طعن يتعلق بإجراءات المحاكمة أمام محكمة أول درجة يجب التمسك به أمام المحكمة الاستئنافية التي هي صاحبة الحق في الفصل فيه» وقد قنن الشارع الفرنسي هذه القاعدة، فالمادة 599 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي نصت على أنه «في مواد الجنح لا يقبل من المتهم أن يتذرع كوجه النقض بأسباب البطلان في إجراءات محكمة الدرجة الأولى ما لم يكن قد تذرع بها أمام المحكمة الاستئنافية».
وعلة هذه القاعدة أن محكمة النقض لا تنظر في الدعوى، ومن ثم لم يكن لها أن تنظر في جميع إجراءاتها، وما ثار فيها على مراحلها المتعاقبة من مشاكل موضوعية وإجرائية، وإنما هي تنظر في الحكم المطعون فيه فقط لتقدره، وترى ما إذا كانت تنقضه أو ترفض نقضه، ومن ثم فهي تنظر فيما ينسب إليه من عيوب، سواء كانت عيوباً ذاتية، أو امتدت إليه من الإجراءات التي استند إليها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن نظر محكمة النقض فيما سبق ذلك من مراحل الدعوى يتطلب - في الغالب - فحصاً موضوعياً يخرج بطبيعته عن اختصاصها .
لا يجوز استمداد وجه الطعن بالنقض من عيب شاب الحكم الابتدائى أو غجراءات المحاكمة التى استند إليها :
لا يجوز أن يستند وجه الطعن بالنقض إلى عيب شاب الحكم الابتدائي، كعدم تسبيبه أو إغفاله بیان الواقعة أو ذكر نص القانون الذي طبقه، فالفرض أن الحكم الاستئنافي قد حل محل هذا الحكم وأمحاه، فإذا كان الحكم الاستئنافي لم تشبه هذه العيوب فلا وجه لإثارتها. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان متعيناً على الطاعن أن يثير هذه العيوب أمام المحكمة الاستئنافية باعتبارها أسباباً لاستئنافه، فإذا كان لم يثرها فهو مقصر، ولا يقبل منه أن يستمد من تقصيره وجهاً للنقض .
ولا يجوز أن يستند وجه الطعن بالنقض إلى عيوب شابت إجراءات المحاكمة أمام محكمة الدرجة الأولى، كانتفاء العلانية، أو استمداد المحكمة اقتناعها من دليل غير مشروع، أو عدم إجابتها طلب المتهم سماع شهود، أو تعديلها وصف التهمة دون تنبيهه إلى ذلك، أو عدم إعلانه الجلسة المعارضة. أو عدم إعلانه بالحضور أمام محكمة أول درجة إعلاناً قانونياً صحيحاً .
لا يجوز استمداد وجه الطعن بالنقض من عيب شاب إجراءات التحقيق الابتدائي أو إجراءات الاستدلال : لا يجوز أن يستند وجه الطعن بالنقض إلى عيب شاب إجراءات التحقيق الابتدائي، كبطلان إجراءات القبض والتفتيش لعدم صدور إذن بهما من النيابة العامة، أو بطلان الاعتراف لصدوره أثر تفتيش باطل، أو صدوره تحت تأثير الإكراه، أو عيب شاب إجراءات الإحالة إلى المحكمة .
ولا يجوز من باب أولى أن يستمد وجه النقض من عيب شاب الإجراءات في مرحلة الاستدلال، كعدم توافر التلبس وبطلان الإجراءات التي تفترض توافره .
وتعلل هذه القاعدة بأن العيوب التي تشوب الإجراءات السابقة على مرحلة المحاكمة يتعين إثارتها أمام محكمة الموضوع التي يجب عليها إذا ما تحققت منها أن تهدر الدليل المستمد من الإجراء الباطل أو تعيده وتستمد اقتناعها من الإجراء الصحيح الذي أحلته محله، فإذا كان الخصم لم يثر سبب البطلان أمام محكمة الموضوع اعتبر ذلك نزولاً ضمنياً عن الاحتجاج به، وبالإضافة إلى ذلك فإن عدم إثارته هو تقصير، ولا يجوز أن يستمد وجه النقض من تقصير .
حالات استمداد وجه النقض من عيوب شابت إجراءات محكمة الدرجة الأولى أو الإجراءات السابقة على مرحلة المحاكمة : أهم هذه الحالات أن يكون المتهم قد أثار هذه العيوب أمام المحكمة الاستئنافية ولكنها لم تجبه إلى وجهة نظره، فلم تصلح العيب، ولم تهدر الدليل الذي رآه باطلاً، إذ يكون له أن يحتج بهذه العيوب أمام محكمة النقض: ذلك أن عدم إصلاح المحكمة الاستئنافية ذلك العيب يجعله ممتداً إلى الحكم الاستئنافي، فيصير هذا الحكم بالتالي معيباً. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحرص على إثارة العيب أمام محكمة الموضوع ينفي مظنة الإهمال. وفي النهاية، فإن امتداد العيب إلى الحكم المطعون فيه يجعل محكمة النقض في غير حاجة إلى فحص أوراق الدعوى في مراحلها السابقة والدخول في بحث موضوعي يخرج عن اختصاصها .
أوجه الطعن بالنقض ثلاثة :
1- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله .
2- إذا وقع بطلان في الحكم .
3- إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم .
وهذه الأوجه على تنوعها تجتمع في افتراضها الخطأ في تطبيق القانون، سواء في ذلك القانون الموضوعي أو القانون الإجرائي. وهذا التأصيل هو الذي يتفق مع دور محكمة النقض باعتباره ينحصر في رقابة تطبيق القانون على الوقائع التي أثبتها قاضي الموضوع على نحو يتعين أن تسلم به محكمة النقض . ومن السائغ تقسيم هذه الأوجه بردها إلى قسمين: الخطأ في تطبيق القانون الموضوعي، ويندرج فيه الوجه الأول، والخطأ في تطبيق القانون الإجرائي، ويندرج فيه الوجهان الثاني والثالث ولهذا التقسيم أهمية نظرية من حيث تحديد مدلول وفحوى كل وجه، وله أهمية عملية من حيث اختصاص محكمة النقض وسلطتها: فإذا استند الطعن بالنقض إلى الوجه الأول، فإن محكمة النقض تصحح الخطأ بنفسها وتحكم بمقتضى القانون (المادة 39 من قانون النقض، الفقرة الأولى). أما إذا استند إلى أحد الوجهين الثاني أو الثالث، فإنه إذا نقضت المحكمة الحكم، فإنها تعيد الدعوى إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتحكم فيها من جديد مشكلة من قضاة آخرين ( المادة 39، الفقرة الثانية )
ونفصل فيما يلي هذه الأوجه .
مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله : يعني الشارع بهذا الوجه الخطأ في تطبيق القانون الموضوعي، أي قواعد القانون التي تحدد أركان الجرائم وعناصر كل ركن، وعقوبات الجرائم، وما يعرض من أسباب تزيل أحد أركان الجريمة أو تمنع عقوبتها أو تشددها أو تخففها وجوباً ويشمل القانون الموضوعي مجموعات أربع من القواعد القانونية: قانون العقوبات، والقوانين المكملة لقانون العقوبات، والقوانين غير العقابية التي أحال إليها الشارع في تحديد أركان بعض الجرائم، كقواعد القانون المدني التي تحدد الملكية في جريمة السرقة، أو التي تحدد عقود الأمانة في جريمة خيانة الأمانة، أو قواعد قانون الأحوال الشخصية التي تحدد الزواج في جريمة الزنا، ويشمل القانون الموضوعي كذلك القواعد القانونية غير المكتوبة كالعرف ومبادئ العدالة والقانون الطبيعي إذا كان لها دور في تحديد أسباب الإباحة في بعض الجرائم ، وتشمل كذلك الشريعة الإسلامية حين يكون لها هذا الدور. وقد ذهبت محكمة النقض إلى جعل تعبير «القانون» في هذا الوجه للنقض شاملاً كذلك (أي بالإضافة إلى القواعد السابقة) قانون الإجراءات الجنائية فيما يتضمنه من قواعد موضوعية. وقد ساندها في ذلك بعض الفقه، وذكر أمثلة لذلك: قواعد الاختصاص والقبول والحدود الإجرائية. ولكنا لا نرى هذا الرأي، إذ يجعل من العسير جداً رسم الفواصل بين أوجه النقض المختلفة، مع أهمية ذلك في تحديد سلطة محكمة النقض إذا نقضت الحكم، ذلك أن الوجهين الثاني والثالث يشيران إلى مخالفة قواعد إجرائية انبنى عليها بطلان الحكم أو الإجراءات التي استند إليها، ولا تفرقة بين أنواع القواعد الإجرائية، فمخالفتها تؤدي في النهاية إلى بطلان الحكم أو الإجراءات، باعتبار أن دورها هو تحديد شروط صحة الإجراءات. ويبدو لنا أن الذي حمل محكمة النقض على التوسع في تحديد مدلول «مخالفة القانون»، وجعله شاملاً «مخالفة القواعد الموضوعية التي ينص عليها قانون الإجراءات الجنائية» أن بعض حالات مخالفة قواعد قانون الإجراءات الجنائية تستطيع محكمة النقض تصحيحها بنفسها، دون حاجة إلى إحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع لتحكم فيها من جديد، فسعت محكمة النقض إلى إدخالها في نطاق الوجه الأول للطعن بالنقض، وهو «مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله» ليكون لها تصحيح الخطأ بنفسها، ولا يكون عليها التزام بالإحالة .
وقد تدخل المشرع فقنن هذا الاتجاه القضائي بالقانون رقم 74 لسنة 2007 الذی عدل المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض فأصبحت الفقرة السادسة من هذه المادة تنص على أنه: «مع ذلك إذا حكمت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه، وكان الموضوع صالحاً للفصل فيه بحالته يجوز لها أن تحدد جلسة تالية لنظره والحكم فيه.»
وقد استعمل الشارع تعبيرات ثلاثة للدلالة على هذا الوجه هي: مخالفة القانون، والخطأ في تطبيقه، والخطأ في تأويله، والأول منها يغني عن سائرها: فالخطأ في تطبيق القانون، وهو ما يعني - في مدلول ضيق - تطبيق النص في غير المجال الذي قرره له الشارع هو مخالفة للقانون. والخطأ في تأويل القانون، أي الخطأ في تفسيره ينبني عليه بالضرورة مخالفته، إذ يعقب تفسيره الخاطئ أن يطبق على غير ما قصده الشارع به، مما يعني مخالفته .
بطلان الحكم : يعني هذا الوجه للنقض أن الحكم قد شابه عيب من حيث إجراءات نشوئه أو إجراءات تحريره وتوقيعه أو من حيث البيانات التي يتعين أن يشتمل عليها، وفي تعبير آخر فإن الحكم - كإجراء - قد خالف قاعدة قانونية يقتضيها وجوده وصحته، فلم يعد حكماً صحيحاً، وإنما صار منعدماً أو باطلاً. ويقتضي تفصيل هذا الوجه الرجوع إلى القواعد القانونية التي تحدد أركان الحكم وشروط صحته، فإذا تبين مخالفة إحداها تحقق هذا الوجه. ونذكر فيما يلي أهم حالات هذا الوجه: 1- إذا لم يصدر الحكم بعد مداولة قانونية، كما لو صدر دون أن تسبقه مداولة قط، أو سبقته مداولة ولكن لم تتوافر لها شروط صحتها، إذ لم تكن سرية، أو اشترك فيها قضاة لم يسمعوا المرافعة، أو خولفت قواعد التصويت فلم يصدر الحكم بأغلبية الآراء، أو لم يصدر بالإجماع أو لم يتضمن النص على صدوره بالإجماع في الحالات التي تطلبه القانون فيها .
2- إذا لم ينطق الحكم علناً. ويدخل في هذه الحالة ألا ينطق بالحكم اكتفاء بتحريره، أو ينطق به في غير علانية .
3- إذا لم يحرر الحكم ويوقع على نسخته الأصلية طبقاً للقانون في خلال ثلاثين يوماً من تاريخ النطق به. وتتوافر هذه الحالة إذا لم يحرر الحكم ويوقع أصلاً، أو تراخي ذلك إلى ما بعد مضي ثلاثين يوماً على تاريخ النطق به. ويثبت عدم التوقيع على الحكم في هذا الميعاد، وبطلانه تبعاً لذلك بالشهادة السلبية التي يعطيها قلم كتاب المحكمة للمحكوم عليه - بعد مضي الثلاثين يوماً - بأن الحكم لم يودع بعد في ملف الدعوى. ولا تتوافر هذه الحالة إذا كان الحكم صادراً بالبراءة، إذ لا يبطل لعدم التوقيع عليه في خلال هذا الميعاد .
4- إذا لم يتضمن الحكم أجزاءه التي تطلبها القانون، وأجزاء الحكم هي ديباجته وأسبابه ومنطوقه. وثمة بيانات يتعين أن تتضمنها ديباجة الحكم، وإلا كان باطلاً، وهي تاريخ صدوره، وأسماء القضاة، وأسماء أطراف الدعوى، وتاريخ ارتكاب الجريمة ومحلها، وبيان الواقعة المستوجبة للعقوبة، والإشارة إلى نص القانون الذي طبقه. ويتعين أن يتضمن الحكم أسبابه، وأن تتوافر لهذه الأسباب شروطها، وشروط الأسباب أن تكون مفصلة واضحة، وأن تكون متسقة فيما بينها، ومتسقة مع منطوق الحكم. ولأهمية التسبيب في تحديد هذا الوجه للنقض نشير إليه - فيما يلي - تفصيلاً. ويتعين أن يتضمن الحكم منطوقاً، وإلا كان باطلاً .
تسبيب الحكم : يبطل الحكم إذا لم يتضمن أسباباً قط، إذ يخالف بذلك قاعدة إجرائية جوهرية (المادتان 310، 311 من قانون الإجراءات الجنائية). ويبطل الحكم إذا لم يتضمن أسباباً توافرت لها شروطها، بأن كانت مفصلة ومتسقة فيما بينها، وفيما بينها وبين المنطوق، فالحكم الذي يتضمن أسباباً مجملة أو مبهمة، أو يتضمن أسباباً متناقضة فيما بينها بحيث يهدم بعضها البعض، أو يتضمن أسباباً تناقض المنطوق بحيث لا تصلح لأداء دورها القانوني في تدعيمه، هو حكم باطل .
ويلاحظ أن ما تختص به محكمة النقض هو التحقق من تضمن الحكم أسباباً، وتوافر شروطها القانونية. وللأسباب شقان: شق واقعي متعلق بإثبات الوقائع وتقديرها الواقعي، وشق قانوني متعلق بعرض الأسانيد والمبادئ القانونية التي طبقها الحكم. ولا تختص محكمة النقض بفحص الشق الواقعي من الأسباب وتقدير مدى صحتها. أما شقها القانوني، فلمحكمة النقض أن تراقبه وتبطل الحكم إذا استند إلى فهم غير صحيح للقانون .
وثمة قيد يرد على هذه القاعدة: فإذا تضمن الشق القانوني من الأسباب خطأ، ولكن هذا الخطأ لم يمتد إلى المنطوق، إذ كان في ذاته مطابقاً للقانون، وكان هو ذات ما تخلص إليه المحكمة لو كانت الأسباب صحيحة، فإن محكمة النقض لا تبطل الحكم تطبيقاً لنظرية «العقوبة المبررة». ويعني ذلك أن شرط نقض الحكم لانطواء أسبابه على خطأ هو امتداد هذا الخطأ إلى المنطوق .
ورقابة محكمة النقض على تسبيب الحكم ذات أهمية كبيرة: ذلك أن عدم تسبيب الحكم أو غموض أسبابه أو تناقضها يجعل من المستحيل على محكمة النقض أن تراقب تطبيق محكمة الموضوع للقانون وصواب تحديدها أركان الجريمة وعقوبتها. وإذا كان إثبات الوقائع غير واضح، فإن محكمة النقض لا تستطيع أن تراقب العلاقة بين القانون والوقائع، أي لا تستطيع أن تتبين مفترضات تطبيق القانون، ومن ثم لا تستطيع أن تراقب صحة تطبيق القانون . وفي حالات غير نادرة قد يكون إجمال الأسباب وغموضها ستاراً يخفي سوء فهم محكمة الموضوع للقانون .
بطلان الإجراءات الذي أثر في الحكم : يفترض هذا الوجه للنقض أن إجراء من إجراءات الدعوى قد شابه البطلان، ويفترض بالإضافة إلى ذلك أن الإجراء الباطل قد أثر في الحكم، ويعني ذلك أنه إذا شاب البطلان إجراء لم يؤثر في الحكم المطعون فيه، فلا يصلح ذلك وجهاً للنقض .
ويفترض البطلان - على ما قدمنا - مخالفة الإجراء لقاعدة جوهرية ومن ثم لا يصلح وجهاً للنقض مخالفة الإجراء لقاعدة إرشادية، فلا يجوز أن يستند الطعن إلى مخالفة ترتيب الإجراءات الذي نصت عليه المادتان 271، 272 من قانون الإجراءات الجنائية، أو مخالفة إجراءات النداء على الشهود واحتجازهم بعد إجابتهم على الأسئلة التي وجهت إليهم (المادة 278 من قانون الإجراءات الجنائية)، إذ لا يترتب البطلان على مخالفة القواعد الإجرائية الإرشادية .
ويتوافر وجه الطعن سواء كان بطلان الإجراء مطلقاً أم كان نسبياً. ولكن بين نوعي البطلان فرقاً من حيث جواز إثارة سببه لأول مرة أمام محكمة النقض (أي في تقرير النقض): فإذا كان البطلان مطلقاً ساغ الاحتجاج به لأول مرة أمام محكمة النقض (المادة 332 من قانون الإجراءات الجنائية)، ولكن يشترط أن يكون سبب البطلان واضحاً من الاطلاع على مدونات الحكم المطعون فيه، فلا يكون مقتضياً تحقيقاً موضوعياً لا تختص به محكمة النقض. أما إذا كان البطلان نسبياً فيسقط الحق في الدفع به في الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه، وفي مواد المخالفات يعتبر الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة، ويسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه (المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية) .
وهذه أمثلة لأهم حالات بطلان الإجراءات الذي يقوم به هذا الوجه للنقض :
أولاً : في مرحلتي الاستدلال والتحقيق الابتدائي : 1- عدم اختصاص مأمور الضبط القضائي أو المحقق . 2- مباشرة مأمور الضبط القضائي إجراء تحقيق دون أن تتوافر حالة التلبس أو دون أن يستند إلى ندب صحيح من سلطة التحقيق . 3- اتخاذ المحقق إجراء تحقيق لم تتوافر مفترضاته التي نص عليها القانون، كما لو أمر بتفتيش المسكن أو القبض أو الحبس الاحتياطي دون أن تتوافر شروطه . 4- مباشرة المحقق إجراء توافرت مفترضاته، ولكن على غير النحو الذي اشترطه القانون، كما لو فتش أنثى دون أن يندب لذلك أنثى، أو لم يدع محامي المتهم في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوباً لحضور استجوابه ولم يضع الملف تحت تصرفه في اليوم السابق على الاستجواب. 5- مخالفة المحقق للقواعد الجوهرية الخاصة بنشوء دليل يعتد به القانون، كما لو استمع إلى شاهد دون حلف يمين، أو حصل على اعتراف المتهم عن طريق إكراهه . 6- مخالفة قواعد الإحالة إلى القضاء، كما لو صدر أمر الإحالة على الرغم من سبق صدور أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى ما زالت له قوته .
ثانياً : في مرحلة المحاكمة : 1- الخلل في تشكيل المحكمة، كما لو جلس فيها عدد أقل مما يتطلبه القانون، أو توافرت حالة لعدم الصلاحية بالنسبة لأحد أعضائها، أو لم تكن النيابة العامة ممثلة. 2- عدم اختصاص المحكمة بالدعوى، أياً كان وجه عدم الاختصاص . 3- عدم قبول الدعوى، أياً كان سبب عدم القبول، كما لو رفعت من غير ذي صفة، أو كانت قد انقضت بسبب من أسباب الانقضاء، كالتقادم أو سبق صدور حكم بات فيها . 4- الإخلال بالقواعد الجوهرية في إجراءات المحاكمة، كما لو نظرت المحكمة الدعوى في غير علانية، أو لم يكن للمتهم بالجناية مدافع أو حوكم عن واقعة غير التي وردت بأمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور، أو تولي محام واحد الدفاع عن عدد من المتهمين تعارضت مصالحهم، أو استجوب المتهم دون قبوله، أو لم يطرح الدليل في الجلسة على وجه يحقق مبدأ الشفوية والمواجهة، أو لم يكن المتهم آخر من تكلم، أو اعتبرت المحكمة الاستئنافية نفسها - وهي تنظر في الدعوى المدنية - مقيدة بالحكم الصادر في الدعوى الجنائية .
ولا يكفي أن يلحق البطلان أحد إجراءات المحاكمة، وإنما اشترط الشارع أن يكون هذا البطلان قد «أثر» في الحكم. ومعيار التأثير أن يكون الحكم قد استند إلى هذا الإجراء بحيث يمكن القول بأن عيب الإجراء قد امتد إلى الحكم فصار بدوره معيباً. وأهم صورة لذلك أن يكون الدليل الذي اعتمد عليه الحكم مستمداً من هذا الإجراء، ومن صوره كذلك أن يكون دخول الدعوى في حوزة القضاء الذي أصدر الحكم المطعون فيه معتمداً على هذا الإجراء الباطل. فإذا كان البطلان قد لحق إجراءات المحاكمة أمام محكمة الدرجة الثانية اعتبر البطلان مؤثراً في الحكم، وإذا كان قد لحق إجراءات المحاكمة أمام محكمة الدرجة الأولى، فشرط اعتبار البطلان مؤثراً في الحكم المطعون فيه أن تكون محكمة الدرجة الثانية قد رفضت تصحيح البطلان، فلم تحل إجراء صحيحاً محل الإجراء الباطل، مما يعني أنها اعتمدت في حكمها على هذا الإجراء الباطل، ومثال ذلك أن تؤدى الشهادة أمام محكمة الدرجة الأولى دون حلف يمين، فيثير المتهم هذا العيب أمام محكمة الدرجة الثانية التي ترفض إصلاحه باستدعاء الشاهد ومطالبته بإعادة شهادته بعد حلف يمين، وتعتمد بذلك على الشهادة التي أديت بدون يمين. وإذا كان البطلان قد لحق أحد إجراءات التحقيق الابتدائي، فشرط تأثيره في الحكم أن يكون قد تولد عنه دليل اعتمد الحكم عليه، وهو ما يفترض أمرين: أنه لم يصحح في مرحلة المحاكمة، وأنه لا يوجد في الدعوى دليل آخر يمكن أن يستقيم به الحكم. فإذا استحصل المحقق على اعتراف المتهم عن طريق الإكراه، فاستند إليه حكم محكمة الدرجة الأولى، ثم حكم محكمة الدرجة الثانية، ولم يكن في الدعوى دليل إدانة آخر فقد توافر هذا الوجه للنقض. أما إذا طالبت المحكمة المتهم بأن يعيد اعترافه ففعل وهو مختار، فلا يعد البطلان مؤثراً في الحكم الذي اعتمد على هذا الاعتراف. وإذا لم يعد المتهم اعترافه أمام المحكمة، ولكن كان في الدعوى دليل آخر يمكن أن يستقیم به حكم الإدانة كشهادة صحيحة، وقرر الحكم طرح الاعتراف والاعتماد على الشهادة، فإن بطلان الاعتراف لا يعد مؤثراً في الحكم . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني ، الصفحة : 1410 )
التمييز بين الخطأ في القانون بالمعنى الضيق والبطلان :
إن التفرقة بين البطلان والخطأ في القانون أمر بالغ الدقة، وقد اختلفت الآراء في تحديد معیار هذه التفرقة، فذهب رأي إلى أن المقصود بالخطأ في القانون هو الخطأ في قانون العقوبات أو غيره من القوانين الموضوعية التي قد يقتضي الأمر أن تطبقها المحاكم الجنائية كالقانون المدني والتجاري .
وداخل هذا الرأي ذهب البعض إلى التمييز بين خطأ القاضي عند الفصل في الموضوع وبين خطئه الإجرائي، على أساس أن الخطأ الأول يقع من القاضي عند تحديد الآثار القانونية المترتبة على وقائع الدعوى، وأن الخطأ الثاني يقع عند اتباع الوسائل الإجرائية. وهو خطأ من نوعين: الأول جسیم، ويترتب عليه البطلان، والآخر غير جسيم ولا يترتب عليه البطلان. وعيب هذا الرأي أنه يحصر الخطأ في القانون فيما يمس موضوع النزاع، على الرغم من أن الخطأ في القانون قد يشوب الأحكام الإجرائية التي لا تمس الموضوع. فمثلاً إذا دفع بعدم اختصاص المحكمة ففصلت المحكمة خطأ في هذا الدفع وقضت باختصاصها، فإن الحكم بالاختصاص هو حكم مخالف للقانون لا حكم باطل، وذلك لأن المحكمة تكون مختصة دائماً الفصل في مدى اختصاصها . أما الإجراءات التي تباشرها المحكمة بعد الحكم خطأ باختصاصها فهي وحدها التي يصيبها البطلان. هذا بالإضافة إلى أن الطبيعة الموضوعية أو الإجرائية للقانون لا تصح أن تكون أساساً للتمييز بين الخطأ في القانون والبطلان، قد تكون القاعدة الإجرائية محلاً للخطأ في القانون كما قد تكون مخالفتها سبباً للبطلان .
وواقع الأمر، فإنه لحل مشكلة التفرقة بين الخطأ في القانون والبطلان يجب تحديد وظيفة القاضي، والتي تتمثل أساساً في الفصل في النزاع المعروض عليه طبقاً للقانون من خلال الإجراءات التي ينص عليها القانون. وعلى هذا الأساس فإن مباشرة القاضي الإجراءات يتمحص إلى سلوك إجرائي في مقام مباشرة الوسيلة القانونية التي يتحتم الالتجاء إليها قبل أو في أثناء الفصل في النزاع المعروض عليه . وهذا النزاع ليس بالضرورة متصلاً بالقانون الموضوعي، فقد يكون النزاع إجرائياً كما إذا انصب على بحث مدى اختصاص المحكمة أو مدى قبول الدعوى المعروضة عليها. ووفقاً لهذا التحديد يجب التمييز بين عمل يباشره القاضي في مقام مباشرة الإجراءات كوسيلة قانونية يلتجئ إليها قبل أو عند الفصل في النزاع المعروض عليه، وبين عمل يباشره لحظة الفصل في النزاع المعروض عليه إجرائياً كان أو موضوعياً .
فالقاضي بصفته الأولى يلتزم باحترام القواعد الإجرائية مثل قاعدة شفوية المرافعة وقاعدة مباشرة الإجراءات في حضور الخصوم، والالتزام بالأشكال التي يوجبها القانون عند إصدار حكمه وتحریر نسخته الأصلية. وكل خطأ يرتكبه في هذا الصدد يعرض إجراءاته للبطلان. والقاضي بصفته الثانية يطبق القانون في مرحلة إصدار الحكم الذي يصدره على النزاع المعروض عليه. وقد يكون هذا النزاع موضوعياً كالدفع بعدم توافر أركان الجريمة أو بامتناع المسئولية أو بامتناع العقاب أو توافر سبب من أسباب الإباحة. كما قد يكون النزاع إجرائياً متصلاً بتطبيق القواعد الإجرائية، كالدفع ببطلان الإجراءات السابقة على المحاكمة أو الدفع بعدم الاختصاص أو بعدم قبول الدعوى .
والخلاصة، فإن الخطأ الذي يشوب تطبيق القواعد القانونية التي تحكم الفصل في النزاع هو خطأ في القانون، أما الخطأ الذي يشوب اتباع الإجراءات الجوهرية بمناسبة الفصل في هذا النزاع سواء قبله أو بعده، فهو الذي يترتب عليه البطلان. ويقترن الخطأ في القانون بالبطلان إذا ترتب على الفصل في النزاع الإجرائي خطأ في القانون أسلم المحكمة إلى الاعتماد في الإدانة على دليل باطل كان ثمرة للإجراء الباطل الذي أخطأت المحكمة في القانون عند الفصل في النزاع حول صحته قانوناً .
وننبه إلى أن كل خطأ من القاضي في الفصل في هذا النزاع، سواء تعلق بقانون العقوبات أو بقانون الإجراءات الجنائية، هو محض خطأ في القانون ولا يشترط في النزاع الذي يفصل فيه القاضي أن يتمسك به أحد الخصوم، بل يعد نزاعاً كل ما يجب على القاضي إثارته من تلقاء نفسه ( حسن تطبيق القانون أو البطلان المتعلق بالنظام العام ) .
وهذا المعيار يتفق مع قضاء محكمة النقض التي جرت على عدم قصر مدلول الخطأ في القانون على الخطأ في تطبيق قانون العقوبات . مثال ذلك ما قضت به محكمة النقض من تلقاء نفسها . وهو ما لا يجوز إلا عند الخطأ في القانون. بنقض الحكم الاستئنافي المطعون فيه الصادر بعدم قبول الاستئناف شكلاً لرفعه بعد الميعاد بعد أن تبينت محكمة النقض أن الاستئناف في واقع الأمر صادف الميعاد القانوني . وكذلك قضت محكمة النقض بأن القضاء في المعارضة الاستئنافية - دون إجماع - بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي الصادر الإجماع بإلغاء الحكم بالبراءة وبرفض الدعوى المدنية، هو من حالات مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويله التي تجيز للمحكمة من تلقاء نفسها الحكم بنقض الحكم المطعون فيه لمصلحة المتهم .
ويجدر التنبيه في هذا الصدد إلى ملحوظتين مهمتين :
1ـ قد يحتوي الدستور على بعض الضمانات الإجرائية التي تحكم سلوك القاضي في أثناء مباشرة الإجراءات، مثل استعانة المتهم في جناية بمحام. في هذه الحالة يعد الخطأ في احترام هذا الضمان مجرد خطأ إجرائي يترتب عليه البطلان .
ولا يعني ورود القاعدة الإجرائية في صلب الدستور أن مخالفتها تعد خطأ في القانون؛ لأن التمييز بين الخطأ الإجرائي والخطأ في القانون لا يرتكز على مصدر القاعدة القانونية وإنما على نطاق تطبيقها: هل هو السلوك الإجرائي للقاضي؟ أم مضمون الحكم الذي أصدره؟ فإذا شاب الخطأ السلوك الإجرائي وحده أسفر عن خطأ إجرائي، أما إذا تعلق الخطأ بقضاء القاضي، أسفر عن خطأ في القانون .
2- إن الخطأ الإجرائي المؤدي إلى البطلان يجب أن ينبعث من الإجراءات المعيبة ذاتها، ولا يسمح بتقديم دليل خارجي عنها لإثبات هذا العيب ؛ لأن كل إجراء يجب أن ينطق بذاته عن مدى صحته أو بطلانه. وإذا أراد الخصم إثبات عكس عدم توافر الإجراء أو عدم توافر أحد الأشكال المبينة فيه، فعليه أن يطعن بالتزوير أما حجية الدليل المنبعث من الإجراء فإنها تخضع للمناقشة الموضوعية ولا تحتاج إلى الطعن بالتزوير .
يتخذ الخطأ في القانون بالمعنى الضيق ثلاث صور، هي مخالفة القانون، والخطأ في تطبيقه، والخطأ في تأويله وجميع هذه الصور تفيد عدم إعمال القانون على وجهه الصحيح، الأمر الذي يقتضي تدخل محكمة النقض لكي تراقب سلامة الحكم المطعون فيه بالنظر إلى القانون الواجب التطبيق .
وتتحقق مخالفة القانون عند عدم تطبيق قاعدة قانونية واضحة المعنى لا تحتمل تأويلاً على واقعة يجب تطبيقها عليها أما الخطأ في تطبيق القانون، فيتحقق بتطبيق قاعدة قانونية واضحة المعنى لا تحتمل تأويلاً على واقعة لا يجوز تطبيقها عليها، وقد يرجع هذا الخطأ في التطبيق إلى الخطأ في التكييف القانوني للواقعة التي ثبتت لدى المحكمة في حدود سلطتها التقديرية. أما الخطأ في تأويل القانون، فيكون عند الانحراف بمعنى النص القانوني سواء بالتضييق من نطاق القاعدة القانونية المستخلصة من توسيعه أو تشويه هذا المعنى .
ولا تنفصل هذه الصور عن بعضها ، فالخطأ فى تطبيق القانون يقود عادة إلى الخطأ فى تطبيق القانون أو مخالفته .
وقد يقترن الخطأ في القانون بالبطلان إذا ما تمثل الواقع في إجراء معين استمدت منه المحكمة دليل الإدانة، ثم نشأ نزاع حول مدى مشروعية هذا الإجراء. فقد تخطىء المحكمة في القانون عند الفصل في هذا النزاع، ثم تعتمد بناء على هذا الخطأ على الدليل الباطل المستمد من الإجراء الباطل الذي أخطأت المحكمة في رفضها القضاء ببطلانه. وقد يؤدي اعتماد المحكمة على الدليل الباطل إلى وقوع المحكمة في الخطأ في القانون، وكل ذلك يؤدي إلى اقتران الخطأ في القانون بالبطلان .
مخالفة القانون :
هي الخطأ المباشر في القانون. ويتحقق بتجاهل القاعدة القانونية الواجبة التطبيق وعدم إعمال الحكم القانوني الذي تنص عليه . فهذا الخطأ هو بمثابة رفض لتطبيق نص قانوني ينطبق على الواقعة المعروضة على المحكمة. مثال ذلك عدم الحكم بعقوبة تكميلية وجوبية .
أو إغفال تطبيق القانون الأصلح للمتهم، أو الحكم بوقف التنفيذ في جرائم نص القانون على عدم جواز شمول عقوبتها بوقف التنفيذ، أو توقيع عقوبة الحبس والوضع تحت مراقبة الشرطة على الحدث الطفل الذي لا تجاوز سنه خمس عشرة سنة بالمخالفة لقانون الأحداث ( حالياً قانون الطفل ) ، وقبول الدعوى المدنية التبعية في أحوال نص القانون على عدم جواز رفعها أمام المحكمة الجنائية (كما هو الشأن بالنسبة إلى محكمة الأحداث)، وعدم قبول الدعوى المدنية التبعية في مرحلة المعارضة أمام محكمة أول درجة كما تتحقق مخالفة القانون بتجاهل القاعدة التي تنص على وجوب الحكم بعقوبة الجريمة الأشد في حالة الارتباط الذي لا يقبل التجزئة .
الخطأ في تطبيق القانون :
يتحقق بإعمال قاعدة قانونية لا تنطبق على الواقعة بسبب الخطأ في التكييف القانوني للواقعة التي ثبتت لدى المحكمة في حدود سلطتها التقديرية. مثال ذلك الحكم على المتهم غير العائد بالعقوبة المقررة للعائد، والحكم بعقوبة جريمة غير التي أدين المتهم بها، والحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بسبب العفو عن جريمة لا يشملها قانون العفو، أو بسبب التقادم رغم انقطاع مدته . ومثال ذلك أيضاً تطبيق نص المادة 62 عقوبات بشأن امتناع مسئولية السكران بغير اختياره على من يتعاطى الخمر بمحض اختياره، في هذه الأحوال السابقة أنزلت المحكمة حكم القانون بسبب خطأ في التكييف القانوني للواقعة، مما يعد خطأ في تطبيق القانون .
الخطأ في تأويل القانون :
قد ترجع مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه بالمعنيين السالف بيانهما إلى سوء تفسير المحكمة للقانون الواجب التطبيق. إلا أن الصورة الحالية تتميز عن الصورتين السابقتين في أن المحكمة لا تتجاهل القانون الواجب التطبيق، بل تطبقه على الواقعة أو على إجراءات الخصومة الجنائية، ولكنها عند هذا التطبيق تعطي للقانون معنى غير معناه الحقيقي، أي تسيء تفسيره. وهذا الخطأ في تأويل القانون. مثال ذلك الخطأ في تفسير معنى السلاح والليل كظرفين مشددين في السرقة، والخطأ في تفسير معنى المسكن عند الدفع ببطلان تفتیشه، والخطأ في تحديد معنى الشيك في جريمة إصدار شيك بدون رصيد، والخطأ في تحديد المقصود بالإكراه کظرف مشدد في السرقة .
ويلاحظ أن الخطأ في تكييف الواقعة الذي يقود إلى الخطأ في تطبيق القانون قد ينطوي على خطأ في تأويل القانون عندما يقع القاضي في خطأ عند تعريف الفكرة القانونية التي استخدمت أساساً للتكييف، مثل سوء تفسير القانون في تحديد معنى السرقة، مما أدى إلى تكييف الواقعة - خطأ - بأنها سرقة. إلا أن الخطأ في تكييف الواقعة ينطوي عادة على خطأ في تطبيق القانون عندما يضفي القاضي - خطأ - على الواقعة تكييفاً قانونياً لا ينطبق عليها .
ومن أمثلة قضاء محكمة النقض في تفسير القانون ما قضت به من أن اختصاص محاكم أمن الدولة العليا «طوارئ» بنظر جناية إحراز المخدر لارتباطها بجريمة حيازة السلاح الأبيض بدون ترخيص لا يتفق والتفسير الصحيح للمادة الثانية من أمر رئيس الجمهورية رقم 1 لسنة 1981، ذلك أن قواعد التفسير الصحيح للقانون تستوجب - بحكم اللزوم العقلي - أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف ذات العقوبة الأشد المرتبطة بها في التحقيق والإحالة والمحاكمة، وتدور في فلكها بموجب الأثر القانوني للارتباط، اعتباراً بأن عقوبة الجريمة الأشد هي الواجبة التطبيق على الجريمتين وفقاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات. وبناء على ذلك، فإن محكمة الجنايات وحدها هي المختصة بنظر جناية إحراز المخدر، وهي المحكمة الأعلى درجة من محكمة أمن الدولة الجزئية «طوارئ» التي تشترك مع القضاء العام والأصيل في الاختصاص بنظر جريمة حيازة السلاح الأبيض بدون ترخيص .
يتعلق الوجه الثاني للطعن ببطلان الحكم أو الأمر المطعون فيه، ويستوي في هذا البطلان أن يمس الحكم نفسه مباشرة أو أن يمس الإجراءات التي بني عليها الحكم ( المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن بالنقض والمادة 195 إجراءات ) .
وأساس هذا الوجه من الطعن أن محكمة النقض وهي تباشر وظيفتها في ضمان حسن تطبيق القانون، تراقب مدى صحة الأحكام من الناحية الإجرائية، فالقانون الذي تسهر على حسن تطبيقه محكمة النقض ليس هو فقط القانون الذي يطبقه القاضي حين يفصل في الدعوى، وإنما هو أيضاً القانون الذي يحكم النشاط الإجرائي للقاضي .
والرقابة القانونية التي تباشرها محكمة النقض هي رقابة قضائية، نظراً إلى الارتباط الوثيق بين القانون الذي يتوقف عليه الفصل في الدعوى، والقانون الذي يحكم سير إجراءاتها . فالقانون يتحدد نطاق تطبيقه القضائي من خلال الضمانات الإجرائية التي حددها القانون، وهذا الالتزام يؤثر بلا شك في سلطة القاضي في تطبيق القانون، وكل تطبيق للقانون على حساب الضمانات الإجرائية هو تطبيق خاطئ .
بطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم :
من المقرر أن الإجراء الباطل لا ينتج أثراً. وينبني على ذلك بطلان الإجراءات المترتبة عليه، وأهمها الحكم الجنائي .
يتحقق هذا التأثير في إحدى المسائل الآتية :
1- عدم قبول الدعوى الجنائية :
إذا كان الإجراء الباطل شرطاً لصحة نشأة الخصومة الجنائية فإنه يترتب عليه عدم قبول الدعوى الجنائية كما إذا شاب البطلان إجراء الشكوى أو الطلب أو الإذن في الجرائم التي تخضع لهذه القيود، أو التكليف بالحضور أو أمر الإحالة. فهذا البطلان يترتب عليه عدم توافر شروط قبول الدعوى الجنائية، مما يجرد محكمة الموضوع من سلطتها في الفصل في موضوع الدعوى. فإذا هي فصلت في الموضوع رغم عدم قبول الدعوى الجنائية كان حكمها مشوباً بالبطلان .
2- عدم قيام الخصومة الجنائية في مرحلة المحاكمة أو عدم صحتها :
إذا لم تقم الخصومة الجنائية في مرحلة المحاكمة فإن الحكم يكون منعدماً، وإذا تخلف أحد شروط صحة إجراءاتها، مثل عدم الاختصاص أو الخطأ في تشكيل المحكمة أو إذا توافر سبب من أسباب عدم الصلاحية أو سبب من أسبابه بعد تقديم طلب الرد برد القاضي أو عدم احترام مبدأ العلانية أو شفوية المرافعة أو عدم تمكين الخصوم من الحضور والإخلال بحقهم في الدفاع، كانت إجراءات المحاكمة باطلة بطلاناً متعلقاً بالنظام العام وكذلك الحكم الجنائي المترتب عليها .
وكذلك الأمر، يكون بطلان الحكم إذا تعلق البطلان بأحد الإجراءات الجوهرية في المحاكمة، مما يلزم مباشرته قبل إصدار الحكم، مثل تلاوة تقرير التلخيص في المحكمة الاستئنافية .
3- عدم سلامة مصادر الأدلة :
قد يشوب البطلان أحد إجراءات الإثبات التي ينتج عنها الدليل الذي اعتمدت عليه المحكمة في اقتناعها، كالقبض والتفتيش والاستجواب وسماع الشهود. ويستوي أن تكون هذه الإجراءات في مرحلة الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو المحاكمة. وفي هذه الحالة يترتب على بطلان الإجراء بطلان الحكم الذي اعتمد عليه كدليل في الدعوى، مما لا يجوز معه الاستناد إليه، وإلا كان الحكم مشوباً بالفساد في الاستدلال .
وهنا يلاحظ أن مجرد بطلان هذه الإجراءات ليس مؤثراً في حد ذاته ما لم يعتمد الحكم على الدليل المترتب عليه، فإذا وقع التفتيش باطلاً مثلاً إلا أن المحكمة لم تعول في اقتناعها على الدليل المنبعث منه، فلا بطلان. وليس صحيحاً على إطلاقه أن تعييب التحقيق الذي جرى في المرحلة السابقة على المحاكمة لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم؛ لأن العبرة هي بتأثير هذا العيب في الدليل المستمد من هذه الإجراءات، فإذا كان الإجراء السابق على المحاكمة باطلاً واستمدت منه المحكمة دليلاً من أدلة الإدانة كان الحكم باطلاً .
ومن المقرر أن استبعاد الدليل المستمد من إجراء باطل ليس من شأنه أن يمنع المحكمة من الأخذ بعناصر الإثبات الأخرى التي ترى من وقائع الدعوى وظروفها أنها مستقلة عن تلك الواقعة وقائمة بذاتها .
ومتى تقرر بطلان الدليل بسبب بطلان مصدره ( إذن التفتيش مثلاً ) استفاد من البطلان سائر المتهمين إذا كان القائم ضدهم هو الدليل المستمد من الإجراء الباطل ولو لم يكن أحدهم قد دفع بالبطلان .
4- الاخلال بحق الدفاع :
يعد حق الدفاع ضماناً جوهرياً في جميع الإجراءات الجنائية، ومن قبيل ذلك الحق في الاطلاع على التحقيق قبل استجواب المتهم وحق المتهم في الاستعانة بمحام، والحق في الاستجواب والحق في أن يكون المتهم آخر من يتكلم والحق في الامتناع عن الإجابة، دون أن يتخذ هذا الامتناع قرينة ضده .
ويعد أيضاً من حقوق الدفاع الحق في إبداء الدفاع شفاهاً، فلا يجوز أن يجبر الخصوم على الاكتفاء بالمذكرات في دفاعهم؛ لأن الأصل في الدعوى الجنائية أن يكون الدفاع شفاهاً، إلا أن يطلب الخصوم تقديمه مسطوراً، اعتباراً بأن القضاء الجنائي إنما يتعلق في صميمه بالأرواح والحريات، وينبني في أساسه على اقتناع القاضي وما يستقر في وجدانه .
وقد أكدت محكمة النقض على أن الأصل المقرر في المادة 289 من قانون الإجراءات الجنائية أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على التحقيق الشفوي الذي تجريه المحكمة بالجلسة وتسمع فيه الشهود، ما دام ذلك ممكناً، وأنه لا يجوز الافتئات على هذا الأصل الذي فرضه المشرع لأية أسباب مهما كانت، إلا بتنازل الخصوم صراحة أو ضمناً .
ومن المقرر أن نزول الدفاع عن طلب سماع الشاهد لا يسلبه حقه في العدول عن ذلك النزول والتمسك بتحقيق ما يطلبه ما دامت المرافعة دائرة .
ومن المقرر كذلك أن الدفاع المكتوب في مذكرة مصرح بها هو تتمة للدفاع الشفوي المبدی بجلسة المرافعة أو هو بديل عنها إن لم يكن قد أبدى فيها .
وبناء على ذلك، قضت محكمة النقض بأنه يكون للمتهم أن يضمن مذكرة دفاعه المكتوب ما يشاء من أوجه الدفاع، بل له إذا لم يسبقها دفاع شفوي أن يضمنها ما يعن له من طلبات التحقيق المنتجة في الدعوى والمتعلقة بها، ومنها سماع شاهد الواقعة. ولا يجوز مصادرة الدفاع فيما تمسك به من سماع هذا الشاهد؛ لأن ذلك لا يتحقق به الأصل المقرر في المادة 289 من قانون الإجراءات الجنائية، وهو وجوب أن تبنى المحاكمة الجنائية على التحقيق الشفوي . ومع ذلك، فإن محكمة النقض اتجهت في قضاء آخر إلى أن المحكمة ليست ملزمة بإجابة طلب التحقيق الذي يبديه المتهم في مذكرته التي قدمت في فترة حجز القضية للحكم أو الرد عليها سواء قدمها بتصريح منها أو بغیر تصریح، ما دام لم يطلب ذلك بجلسة المحاكمة وقبل إقفال المرافعة في الدعوى ونحن لا نتفق مع هذا القضاء طالما أن الدفاع المكتوب كان مصرحاً به من المحكمة، وذلك باعتبار أن هذا الدفاع ليس إلا تتمة للدفاع الشفوي المبدی بجلسة المرافعة. ولا يشترط في المواد الجنائية أن تصرح المحكمة للدفاع بتقديم المستندات إذا أرفق المستندات بمذكرة دفاعه المكتوب المصرح به؛ لأن هذه المستندات ليست إلا نوعاً من الدفاع المكتوب لا يحتاج إلى تصريح خاص وكذلك لا يجوز الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن إذا كان تخلف المعارض عن الحضور بالجلسة التي صدر فيها هذا الحكم حاصلاً بدون عذر، فهذا الحكم يكون باطلاً لحرمان المعارض من استعمال حقه في الدفاع .
ويشترط أن يكون المتهم قادراً على الدفاع عن نفسه، فإذا ثبت أنه ليس كذلك بسبب عاهة فى عقله طرأت بعد وقوع الجريمة يوقف رفع الدعوى عليه أو محاكمته حتى يعود إليه رشده (المادة 339 إجراءات). وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه متى اطمأنت المحكمة على ما أوضحت عنه في حكمها إلى ما جاء في التقرير الطبي من أن الطاعن يعاني من اكتئاب تفاعلي ثانوي مع بعض نوبات القلق والتوتر، فإنه كان عليها أن تتثبت عن طريق المختص فنياً من أن هذا الذي يعاني منه الطاعن لا يعد عاهة في عقله تجعله غير قادر على الدفاع عن نفسه إبان المحاكمة .
وعلى ذلك، فإنه إذا كان القانون قد أوجب حضور محام مع المتهم في جناية وكانت المحكمة بعد أن امتنع المحامي الحاضر عن إبداء الدفاع وطلب التأجيل وأصر عليه حتى يحضر محامي الطاعن الأصيل، ورأت عدم إجابته إلى طلبه، وفصلت في الدعوى بالإدانة دون أن تتيح للمتهم الفرصة لإبداء دفاعه كاملاً، فإن هذا التصرف من جانب المحكمة ينطوي على إخلال بحق الدفاع مبطل لإجراءات المحاكمة .
وتقتضي حتمية الاستعانة بمحام لكل متهم بجناية أن يكفل له دفاع حقيقي لا شكلي ويعد إنهاء المحكمة لمرافعة الدفاع قبل استكمالها تجريداً للمتهم من معاونة الدفاع له في درء الاتهام، ولا ينال من ذلك وجود محام آخر مع الطاعن الأول ترافع في الدعوى، طالما كان الدفاع مقسماً بين الاثنين .
القضاء خطأ بقبول الدفع بالبطلان :
قد يدفع الخصم ببطلان أحد الإجراءات السابقة عليه، فتقبل المحكمة الدفع وترتب عليه النتيجة المبنية عليه، فهل نحن في هذه الحالة بصدد حكم مخالف للقانون؟
الواضح في هذا المثال أن المحكمة قد أخطأت في تطبيق قاعدة إجرائية من قواعد قانون الإجراءات الجنائية ويتوافر هذا الخطأ إذا انصب على مضمون الحكم الجنائي دون أن يمتد إلى الكيان الإجرائي للحكم ذاته ومن ثم، فهو يعد خطأ في القانون لا بطلاناً .
القضاء خطأ برفض الدفع بالبطلان :
إذا دفع المتهم بالبطلان إلا أن المحكمة التفتت عن هذا الدفع أو ردت عليه بصورة خاطئة، فإن حكمها يكون مشوباً بالبطلان. ويرتكز هذا البطلان بوجه خاص على هذين الاعتبارين :
(أ) الاعتماد على إجراءات باطلة بسبب الاستناد إلى الأدلة التي تولدت عن هذه الإجراءات، مما يشوب أسباب الحكم بالإدانة بالفساد في الاستدلال .
(ب) أن يكون الإجراء الباطل، مما يتصل بقبول الدعوى الجنائية، فيترتب على رفضه أن تقبل المحكمة الدعوى وتسير في إجراءات باطلة تصل إلى حكم باطل .
وجوب تسبيب الحكم :
دلالته :
تعد أسباب الحكم الدعامة التي تبرر المنطوق، فإذا خلا الحكم من أسبابه تعذر مراقبة مدى سلامة الحكم في تطبيق القانون. لهذا كان وجود الأسباب ضماناً مهماً لتمكين محكمة النقض من مراقبة حسن تطبيق القانون .
ولا يتوافر التسبيب عندما يكون الحكم خالياً تماماً من الأسباب، أو عندما يكون في عبارة عامة مجملة خالية من التفصيل، أو عبارة غامضة. وعلى هذا النحو، فإن هذا العيب يمكن كشفه في صورتين :
(أولاً) خلو الحكم تماماً من التسبيب .
(ثانياً) ورود التسبيب بصورة عامة مجملة أو غامضة .
(أولاً) خلو الحكم من التسبيب :
استقر قضاء محكمة النقض على أنه إذا كان الحكم المطعون فيه قد خلا فعلاً من أسبابه لاستحالة قراءتها، فإن الحكم يعد باطلاً .
ولا يجوز للمحكمة أن تتخفف من واجب تسبيب الأحكام بالإحالة إلى حكم آخر صادر من محكمة أخرى لم تكن لها ولاية الفصل في الدعوى . وإنه وإن كان للمحكمة أن تأخذ في حكمها بأسباب حكم آخر، إلا أن ذلك لا يجوز إلا إذا كان هذا الحكم صادراً بين الخصوم أنفسهم، فإذا اكتفت محكمة الجنح في تسبيب حكمها القاضي بتزویر ورقة بقولها إنها تأخذ بأسباب حكم المحكمة الجزئية برد وبطلان هذه الورقة، وكان الثابت أن المتهمين لم يكونوا جميعاً أطرافاً في الدعوى المدنية، فهذا لا يصلح سبباً يبني الحكم عليه، بل إنه يجب لصحة الحكم الذي يستند إلى أسباب حكم آخر صادر في ذات الدعوى بين الخصوم أنفسهم أن يكون صريحاً في الدلالة على أن المحكمة قدرت ما جاء بهذا الحكم من وقائع وأدلة واعتبرته صحيحاً وأنها تأخذ به وتجعله أساساً لقضائها كأنه مدون فعلاً في حكمها .
وقد قضت محكمة النقض بأن نقل كثير من أسباب الحكم المنقوض في الحكم الذي أصدرته المحكمة التي أعيدت إليها الدعوى للفصل فيها لا يبطله ما دامت هذه المحكمة قد أقرت تلك الأسباب واعتبرته من وضعها .
ويلاحظ أن تحرير الحكم على نموذج مطبوع لا يعني انعدام التسبيب ما دام الثابت أن الحكم قد استوفى أسبابه في النموذج المطبوع بما يتفق مع منطوق الحكم بل وصل الأمر إلى الحد الذي فصلت فيه محكمة النقض بأنه لا يؤثر في سلامة التسبيب طبقاً لنموذج مطبوع إغفال ملء بعض بیانات الأسباب المطبوعة بالنموذج أو تعديلها بما يتفق مع منطوق الحكم ما دام الثابت أن الحكم قد استوفى أوضاعه الشكلية، والبيانات الجوهرية التي نص عليها القانون .
(ثانياً) التسبيب المجمل أو الغامض :
يعد التسبيب غير متوافر إذا كان بصيغة غامضة ومبهمة لأنه لا يحقق الغرض الذي قصد الشارع من تسبيب الأحكام وفي هذا المعنى تقول محكمة النقض إن المراد بالتسبيب المعتبر للحكم هو تحرير الأسانيد والحجج المبني هو عليها والمنتجة هي له، سواء من حيث الواقع أو من حيث القانون، ولكي يحقق الغرض منه يجب أن يكون في بيان جلي مفصل بحيث يستطاع الوقوف على مسوغات ما قضى به، أما إفراغ الحكم في عبارات عامة أو وضعه في صورة مجهلة فلا يتحقق به الغرض الذي قصده الشارع من استیجاب تسبيب الأحكام، ومن قبيل ذلك أيضاً تحریر الحكم بخط غير مقروء .
القصور في البيان :
دلالته :
تعد أسباب الحكم مشوبة بالقصور فى البيان إذا انطوت على عيب سلامة استقراء الأدلة ، وهذا الاستقراء يعد معيباً فى الأحوال الآتية :
1. عدم بيان مضمون الأدلة التي استند إليها .
2- عدم مناقشة الأدلة بطريقة موضوعية ( ويشمل عدم الرد على أوجه الدفاع الجوهرى ) .
3- عدم بيان العناصر الأساسية لواقعة الدعوى .
1. عدم بيان مضمون الأدلة التي استند إليها الحكم
يجب على المحكمة أن تبين مضمون الأدلة التي استند إليها الحكم بياناً كافياً. وقد عبرت محكمة النقض عن ذلك في قولها إنه «يجب ألا يجهل الحكم أدلة الثبوت في الدعوى بل عليه أن يبينها بوضوح بأن يورد مؤداها في بيان متصل يتحقق به الغرض الذي قصده الشارع من تسبيب الأحكام وتتمكن معه محكمة النقض من إعمال رقابتها على تطبيق القانوني تطبيقاً صحيحاً وهذا البيان يعبر عن استقراء المحكمة عن علم وبصيرة للأدلة التي أسست عليها اقتناعها وعقيدتها، حتى تستنبط في ضوئها وجه الحقيقة ومن هنا يتضح أن العيب في هذا البيان يمس جوهر المنطق القضائي القائم على الاستقراء قبل الاستنباط .
ومن أمثلة ذلك أن يخلو الحكم في جريمة تقليد العلامة التجارية من وصف العلامة الصحيحة والعلامة المقلدة ومن بيان أوجه التشابه والتطابق بينهما، أو أن يخلو الحكم في جريمة إهانة موظف عام من ذكر ألفاظ الإهانة التي بني عليها قضاء ومثاله أيضاً أن يقول الحكم «إن التهمة ثابتة من التحقيقات وشهادة الشهود والتحليل الكيمياوي والكشف الطبي» دون بيان مضمون هذه الأدلة .
وقد قضي أنه متى كان الحكم قد خلا من بيان أقوال الشهود الذين أيدوا شهادة المجني عليه فإنه يكون قاصر وحكم بأنه إذا أدان الحكم المتهم في جريمة القتل الخطأ دون أن يورد مضمون ما قاله شاهد الإثبات في الدعوى، ولا حاصل ما جاء في المعاينة وفي تقرير المهندس الفني وتقرير الصفة التشريحية، مع تعويله في الإدانة على الأدلة المستمدة من ذلك، فإنه يكون قاصراً وقضي أنه إذا اقتصر الحكم على القول بثبوت التهمة من شهادة شاهدي الإثبات التي يستفاد منها تسليم المتهم للمبلغ المبدد دون أن يذكر أسماء هؤلاء الشهود ولا مؤدی شهادتهم فإنه يكون قاصراً وقضى أن إدانة الطاعن استناداً إلى أقوال المجني عليها والأوراق وجوازات السفر دون بيان مضمون كل منها والطرق الاحتيالية التي استخدمها والصلة بينها وبين تسليم المجنى عليها المال موضوع الاتهام يجعل الحكم مشوباً بالقصور .
2- عدم الرد على أوجه الدفاع الجوهري أو الرد عليها بطريقة غير كافية
تتطلب المحاكمة القانونية المنصفة احترام حق الدفاع، ولضمان هذا الاحترام تلتزم المحكمة بالرد على أوجه الدفاع الجوهري ومن ثم، فإن الحكم الذي يخل بهذا الالتزام يكون مشوباً بعيب إجرائي هو الإخلال بحق الدفاع .
ومن ناحية أخرى، فإن إغفال الرد على أوجه الدفاع الجوهري يخل بمقومات الأدلة التي أسست عليها المحكمة اقتناعها، مما يشوب سلامة الاستقراء ويعيب الحكم في ذات الوقت بالقصور في التسبيب ووجه القصور هو ما شاب الاستقراء من عيب بسبب عدم الإحاطة بالأسباب التي أدت إلى إطراح الدفاع الجوهري .
أوجه الدفاع التي تستأهل رداً صريحاً :
تلتزم المحكمة بالرد على أوجه الدفاع التي تتوافر فيها الشروط الآتية :
1- أن يتضمن الدفاع طلبات حقيقية :
فلا يعد كذلك كل مناحي الدفاع الموضوعي التي تتجه إلى إثارة انتباه المحكمة، أو تحريك وجدانها، أو مجرد التشكيك في الأدلة المعروضة عليها. ويشترط لكي تكون الطلبات حقيقية شرطان :
( أولهما ) أن يستند إلى أمر محدد، فلا يعد من قبيل ذلك المزاعم التي تفتقر إلى التحديد والأقوال المرسلة.
وقد قضت محكمة النقض أن المحكمة لا تلتزم بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي وفي كل شبهة يثيرها والرد على ذلك ما دام الرد يستفاد ضمناً من القضاء بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت السائغة التى أوردها الحكم . ( نقض 7 ديسمبر سنة 1987، مجموعة الأحكام س 29 رقم 182 ص 879 )
وقضت أن الدفع بشيوع التهمة من الدفوع الموضوعية التي لا تستلزم من المحكمة رداً خاصاً اكتفاءً بما تورده من أدلة الإثبات التي تطمئن إليها بما يفيد إطراحه . ( نقض 30 يناير سنة 1977، مجموعة الأحكام س 28 رقم 34 ص 156 )
( ثانيهما ) يجب أن يترتب على الواقعة محل الدفاع أثر قانونى ، فمجرد إثارة الشبهة فى الدليل مثل طلب إجراء تجربة رؤية لمكان الحادث دون المنازعة فى قوة إبصار شهود الرؤية ، أو طلب إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات استئجار الطاعن عين النزاع لنفى الباعث على اصطناع عقد الإيجار ، فهذا الطلب فى حد ذاته لا يترتب عليه أثر قانونى ، بخلاف ما إذا كان قد ادعى أن الشاهد لا يستطيع الرؤية وقدم طلبات لإثبات ذلك
ومن أمثلة ذلك أيضاً عرض الحجج والبراهين، فإنها لا تعد من قبيل الطلبات الحقيقية التي تلتزم المحكمة بالرد عليها .
2- أن يكون طلب الدفاع جازماً :
الطلب الجازم هو الذي يصر عليه مقدمه ولا ينفك عن التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية . ( نقض 6 مارس سنة 1972، مجموعة الأحكام س 22 رقم 70 ص 301، 15 مارس سنة 1978 و 29 رقم 94 ص 507، 8 يناير سنة 1979 س 30 رقم 6 ص 41، 12 نوفمبر سنة 1996 الطعن رقم 16404 لسنة 64 ق )
وقد عرفته محكمة النقض بأنه الطلب الذي يقرع سمع المحكمة ويشتمل على بيان ما يرمي إليه ويصر عليه مقدمه في طلباته الختامية . ( نقض 13 فبراير سنة 1977، مجموعة الأحكام س 28 رقم 5 ص 230 )
وبناء على ما تقدم، لا تلتزم المحكمة بالرد على الدفاع الذي يبدي في صورة قول مرسل ، أو في غير مطالبة جازمة ولا إصرار ، أو فى غير صراحة .
ولا يعد من قبيل ذلك الطلبات الاحتياطية . إلا أنه يعد من قبيل الطلبات الجازمة الطلبات الاحتياطية التى تأتى عقب تقديم طلب أصلى هو البراءة .
3 - أن يكون الدفاع جوهرياً :
يعد الدفاع جوهرياً إذا كان تحقيقه لازماً للفصل في الدعوى، وذلك لو صح لتغير وجه الرأي في الدعوى . ويستوي في هذا الدفاع أن يصيب سلامة إجراءات الدعوى الجنائية أو سلامة الحكم أو سلامة الأدلة، سواء من ناحية قبولها قانوناً أو صلاحيتها للاقتناع الموضوعي وفقاً للعقل والمنطق .
ومن أمثلة ذلك الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها . كذلك الدفع ببطلان أقوال الشاهد لصدورها تحت تأثير إكراه ، والدفع ببطلان الاعتراف لصدوره بناء على إكراه، والدفع بوجود فرق ملحوظ بين وزن المخدر عند ضبطه ووزنه عند تحليله، والدفع ببطلان القبض والتفتيش ، والدفع بعدم قدرة المجني عليه على التكلم بتعقل عقب إصابته، والدفع بطلب سماع أحد شهود الواقعة ولم يكن ضمن شهود الإثبات المعلنين من قبل النيابة العامة، وطلب سماع الشاهد الذي كان يجب سماعه أمام محكمة أول درجة، وتمسك المتهم بالتبديد بأنه لم يكن يعلم بيوم البيع وطلبه ضم أوراق لإثبات ذلك، والدفع بجنون المتهم، والدفع بتوافر العذر القهري الذي حال دون حضور المعارض جلسة المعارضة مما أدى إلى الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن، والدفع بتوافر حالة الدفاع الشرعي، والطعن على شهادة الشاهد بأنه غير ممیز، والدفع بأن الواقعة لا تشكل جريمة النصب وإنما هي مدنية بحتة، والمنازعة في تحديد وقت الوفاة لأنها مسألة فنية بحتة يجب تحقيقها عن طريق المختص فنياً ، وهو ما يعد دفاعاً جوهرياً، والمنازعة في ملكية الشيء المدعى الاستيلاء عليه؛ لأنه دفاع جوهري يجب أن يتعرض له الحكم، والدفع بانقضاء ستين يوماً على تاريخ تقديم طلب الترخيص بالبناء دون رفض بقرار مسبب، مما يعد موافقة ضمنية على الترخيص .
ويشترط في الدفاع الجوهري أن يكون منتجاً في الدعوى المطروح خلالها. فلا يعد من قبيل ذلك الدفاع ظاهر البطلان، أو الطلب الذي لا يتجه إلى نفي الواقعة، بل يهدف إلى مجرد التشكيك في الدليل إذا كانت المحكمة قد وضحت لديها الواقعة من أدلة أخرى .
ومثال الدفاع ظاهر البطلان الدفع بعدم جواز نظر الدعوى في جريمة التبديد أو عدم قبولها لرفعها قبل الأوان، تأسيساً على أن المتهم لا يلتزم برد منقولات الشقة إلا عند انتهاء الإجازة، بينما أن المتهم لا يدعي أن المنقولات ما زالت موجودة بالعين المؤجرة . ومثال الطلب الذي لا يتجه إلى نفى الواقعة طلب إجراء المعاينة الذي لا يتجه إلى نفى الفعل المكون للجريمة ولا إلى إثبات استحالة حصول الواقعة كما رواها الشهود، بل يهدف إلى إثارة الشبهة في الدليل الذي اطمأنت إليه المحكمة . وطلب مناقشة الطبيب الشرعي ما دام أن الواقعة قد وضحت لدى المحكمة ولم تر هى من جانبها حاجة إلى اتخاذ هذا الإجراء، وكذلك الدفع بأن استعمال السلاح الأبيض يستتبع حتماً أن تكون الإصابة الناتجة عنه قطعية، بل يصح أن تكون كما وصفها تقرير الصفة التشريحية حسبما كانت عليه الجثة وقت وقوع الفعل وكذلك النعي على المحكمة قعودها عن ندب لجنة من ثلاثة خبراء ما دامت الواقعة قد وضحت لديها .
ويتضح الأثر المنتج للدفاع الجوهري من الأمثلة السابق بيانها، ومما قضى به بأنه يعد دفاعاً منتجاً، دفاع المتهم لأنه ليس المقصود بالاتهام؛ إذ يتعين على المحكمة تحقيقه بلوغاً إلى غاية الأمر فيه، وأن إنكار الشاهد أن الأقوال المبينة بمحضر الضبط صدرت منه وقوله بأن محرر المحضر هدده بالاعتقال فوقع عليه هو دفاع جوهري على المحكمة تمحيصه، وأن الحكم يعد قاصراً إذا التفت عن دفاع المتهم في تهمة الغش في إنتاج الأغذية بعدم مراعاة ما أوجبه القانون عند أخذ العينة وطرق التحليل حسب المواصفات القياسية .
4- أن يبدى هذا الدفاع قبل قفل باب المرافعة :
ينتهي الدفاع بإقفال باب المرافعة، وكل دفاع يقدم بعد ذلك لا تلتزم المحكمة بإجابته أو الرد عليه كما لا تلتزم المحكمة بإجابة طلب إعادة القضية للمرافعة . وفي هذا المعنى تقول محكمة النقض بأن الدفاع إذا كانت له الحرية المطلقة في إبداء ما یرید وطلب ما يريد مما يتعلق بالدعوى، إلا أنه متى أتم كلامه وأقفل باب المرافعة فقد استوفى قسطه من الحرية، وليس على المحكمة إن هو قصر أو سها، فإن للمرافعات مدی يجب أن تنتهي إليه .
وفيما يتعلق بأوجه الدفاع التي يضمنها الخصم في مذكرة قدمها بغير إذن منها بعد قفل باب المرافعة، فإن المحكمة في حل من الالتفات إليها، فإن صرحت بتقديمها، فعليه أن يلتزم بالموعد الذي حددته المحكمة لتقديمها، وعلى المحكمة أن تمكن الخصم الآخر من الاطلاع على المذكرة التي قدمها الخصم في فترة حجز القضية للحكم .
ضوابط الرد التي تلتزم المحكمة باتباعها في حكمها :
لا ينصب التزام المحكمة بالرد على أوجه الدفاع الجوهري على بيان أدلة الإدانة، فالمحكمة لا تلتزم إلا بإقامة حكمها على قدر كاف من تمحيص الأدلة لتبرير قضائها دونما إخلال بحق الدفاع. وعلى المحكمة في سبيل ذلك إما أن تجيب الدفاع إلى طلباته في تحقيق الدعوى أو أن ترد عليها في حالة رفضها. ويعد الرفض مبرراً بالرد على أوجه الدفاع الجوهري دون الجري وراء أدلته وملاحقتها دليلاً دليلاً، طالما بني على أسباب سائغة، فيكفي قيام الحكم على أسباب تكفي لحمل قضائه بطرح الدفاع الجوهري، فلا على المحكمة إن هي لم تتعقب ما يثيره الدفاع لمبنى دفاع المتهم ولو لم ترد على كل دلیل ساقه مثال ذلك إذا ما تمسك المتهم بأنه كان في حالة دفاع شرعي ثم رفضت المحكمة هذا الدفاع بناء على أسباب سائغة دلت على عدم توافر الشروط اللازمة لقيامه، فلا تثريب على المحكمة إذا هى لم تتبع حجج المتهم لإثبات هذا الدفاع بالرد حجة حجة؛ لأن الأسباب التي أقنعتها بعدم توافر هذا الدفاع تفيد ضمناً طرحها لكل هذه الحجج .
وكذلك الشأن إذا استندت المحكمة في رفضها للدفاع إلى سلطتها في تقدير الدليل. مثال ذلك التفات المحكمة عن إنكار الطاعن للصورة الضوئية العرفية من المستند المقدم من المدعية بالحق المدني، دون أن يقدم الطاعن الأصل الذي يدعي باستحصاله عليه لقاء تسلم المطعون ضدها للمنقولات، استخلاصاً من المحكمة إلى عدم جدية منازعته في صورة الورقة العرفية، واستناداً لسلطتها في تقدير الأدلة والأخذ بها فيما تصلح لإثباتها أو الالتفات عنها دونما التزام ببيان ذلك . (نقض 18 سبتمبر سنة 2001 الطعن رقم 10304 لسنة 62 ق )
كل ذلك مشروط بأن يكون الدفاع جوهرياً بالمعنى السالف بيانه . أما إذا كان الدفاع غير جوهري، فإن المحكمة لا تلتزم بالرد عليه صراحة في حكمها .
3- عدم بيان العناصر الأساسية لواقعة الدعوى :
يصيب هذا العيب الاستقراء الذي تستنبط منه المحكمة الصورة النهائية للنتيجة متمثلة في واقعة الدعوى ومنطوق الحكم .
وفى هذا الصدد يجب التمييز بين ثلاثة أنواع من الأحكام :
الحكم الصادر بالبراءة .
الحكم الصادر بالإدانة .
الحكم الصادر قبل الفصل فى الموضوع .
أولاً : الحكم الصادر بالبراءة :
يكفي لصحة هذا الحكم أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة لكي يقضي بالبراءة، ولا يصح النعي على المحكمة أنها قضت بالبراءة بناء على احتمال ترجح لديها بدعوى قيام احتمالات أخرى قد تصح لدى غيرها؛ لأن ملاك الأمر كله يرجع إلى وجدان قاضيها .
كما أن تعييب الحكم في إحدى دعاماته بالخطأ في تطبيق القانون بفرض صحته - يكون غير منتج، إذا كانت المحكمة قد قضت بالبراءة بناء على الشك وعدم الاطمئنان إلى أدلة الثبوت في الدعوى بعد أن ألم بها ولم يطمئن وجدانها إلى صحتها .
ثانياً : الحكم الصادر بالإدانة :
يجب على المحكمة عند قضائها بالإدانة أن تبين واقعة الدعوى کما ارتسمت في ذهن المحكمة مع بيان الوقائع التي تفيد توافر الجريمة ؛ حتى تبرر حكم القانون الذي نطقت به المحكمة، لكي تتمكن محكمة النقض من مراقبتها في صحة تطبيق القانون .
ولم يرسم القانون شكلاً خاصاً لصياغة الحكم لواقعة الدعوى، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان ذلك محققا لحكم القانون . وقد قضت محكمة النقض بأن المقصود من عبارة بيان الواقعة الوارد بالمادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية هو أن يثبت قاضي الموضوع في حكمه كل الأفعال والمقاصد التي تتكون منها الجريمة . فإفراغ الحكم في عبارات عامة معماة أو وضعه في صورة مجملة لا يحقق غرض الشارع من إيجاب تسبيب الأحكام، ولا يمكن محكمة النقض من مراقبة صحة تطبيق القانون .
وفي بيان ذلك يجب أن يستوفي الحكم بالإدانة ما يأتي :
( أ ) توافر الشرط المفترض في الجريمة : مثال ذلك التسليم بناء على عقد الأمانة في جريمة خيانة الأمانة، فإذا لم يدلل الحكم على ثبوت قيام هذا العقد وانتقال حيازة المنقول إلى المتهم على نحو يجعل يده عليه يد أمانة، فإنه يكون معيباً بالقصور .
( ب ) توافر الركن المادى بجميع عناصره : كما إذا أغفل الحكم فى جريمة القتل الخطأ استظهار عناصر الخطأ والضرر ورابطة السببية ، أو إذا أغفل الحكم فى جريمة النصب استظهار الصلة بين الطرق الاحتيالية وتسليم المجنى عليه المال ، أو إذا أغفل الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التى وقعت فيها .
( ج ) توافر الركن المعنوى : استقر قضاء محكمة النقض على أن تحدث المحكمة استقلالاً عن قصد السرقة غير لازم ، إلا إذا كان مدار دفاع المتهم هو انتفاء هذا القصد ، وأن تحدث المحكمة استقلالاً عن القصد الجنائى فى جريمة اختلاس الأشياء المحجوزة غير لازم ، وأن ركن العلم فى جريمة إخفاء الأشياء المسروقة لا تلتزم المحكمة بالتحدث عنه صراحة ما دامت الوقائع الثابتة بالحكم تفيد توافره .
( د ) توافر الظروف المشددة التى أدين المتهم بمقتضاها : مثل سبق الإصرار ، والاقتران بجناية ، وصفة الطبيب أو الصيدلى أو القابلة فى جرائم الإجهاض عند توقيع العقوبة المشددة بسبب توافر هذه الصفة .
ثالثاً : الحكم الصادر قبل الفصل فى الموضوع :
لا يشترط في هذا الحكم أن يبين الواقعة محل الإتهام، فذلك لازم في أحكام الإدانة فحسب .
ويجب أن يستوفي هذا الحكم الوقائع الإجرائية التي تبرر صدور الحكم الصادر قبل الفصل في الموضوع، فالحكم بعدم القبول شکلاً مثلاً يجب أن يبين الإجراءات أو الشروط التي أغفلت في الدعوى، كما أن الحكم بسقوط الاستئناف يجب أن يبين واقعة عدم تقدم المستأنف للتنفيذ قبل يوم الجلسة، ويجب أن يبين الحكم الصادر في شأن الاختصاص العناصر التي تفيد توافر هذا الاختصاص أو نفيه .
يتحقق الخطأ في الإسناد بتوافر شرطين، هما :
(أولاً) أن يكون ما أثبته الحكم من أدلة لا مصدر له في أوراق الدعوى فلا يمكن الاعتداد بدليل أسندته المحكمة إلى مصدر معين على خلاف الحقيقة، كأن يسند الحكم أقوالاً إلى شاهد معين لم يقلها، أو يسند اعترافاً إلى متهم لم يصدر منه، أو إلى نتيجة معينة في تقرير خبير فني لم ترد به .
ويعد من قبيل ذلك تدخل المحكمة في عرض الدليل وأخذه على وجه يخالف الثابت في الأوراق، وتدخل المحكمة في رواية الشاهد وأخذها على وجه يخالف صریح عباراتها وإقامة قضائها على فروض تناقض صریح روايته .
ويتطلب ذلك الاطلاع على مفردات الدعوى للتحقق مما إذا كان الدليل الذي أسنده الحكم إلى مصدر معين قد تضمنه هذا المصدر أو لا. ولا يعد هذا الاطلاع تحقيقاً موضوعياً من جانب محكمة النقض؛ لأنه لا يتطلب مراجعة محكمة الموضوع في تقديرها الأول، بل هو محض مراقبة لسلامة المصدر الذي اعتمد عليه منطق المحكمة. كما أنه لا عبرة بخطأ الحكم فيما أورده من أن الطاعن أشهد آخر لم يؤيده في واقعة سرقة المتهم الأول ما دام أن ما أورده الحكم من ذلك لم يكن قوام جوهر الواقعة التي اعتنقها ولا أثر له في منطق الحكم واستدلاله .
(ثانياً) أن يكون الخطأ فى الإسناد مؤثراً . ويتحقق ذلك إذا شاب هذا الخطأ أدلة تؤثر فى عقيدة المحكمة ، فلا عبرة إذا كان بفرض وجوده غير منصب على واقعة لها أثر قانونى ، كما إذا انصب على دفاع غير جوهرى فى الدعوى .
حالات الفساد في الاستدلال
1- الاستناد إلى أدلة غير مقبولة قانوناً أو غير صالحة بذاتها من الناحية الموضوعية : إن الأدلة غير المقبولة أو غير الصالحة لا تصلح مصدراً للاستنباط، وبالتالي يتعين عدم الالتفات إليها في مقام الاستنباط . فإذا استندت إليها المحكمة رغم ذلك كان حكمها مشوباً بالفساد فى الاستدلال ومناط الأدلة غير المقبولة هو نص القانون أو مقتضاه، أما الأدلة غير الصالحة فمناطها هو سلامة الاستنباط من حيث المنطق .
أ- الاستناد إلى أدلة غير مقبولة من الناحية القانونية : ويتحقق ذلك عندما يكون الحكم بالإدانة مبنياً على إجراءات باطلة أو أدلة غير مشروعة. مثال ذلك أن يستدل الحكم على ثبوت التهمة من دلیل مبني على تفتیش باطل أو استجواب باطل .
ويلاحظ أن هذا المبدأ لا يمتد إلى الحكم الصادر بالبراءة، إذ يجوز أن يصدر هذا الحكم بناء على أدلة غير مشروعة؛ لأن الأصل في المتهم البراءة ولا يجوز الاستناد في إثبات الزنى على الشريك في الزني إلا طبقاً للأدلة التي نصت عليها المادة 276 عقوبات، وما عداها يعد غير مقبول قانوناً. على أنه متى توافر دليل من هذه الأدلة لا يشترط أن يكون صريحاً في الدلالة على ثبوت فعل الزنى، بل يكفي أن تطمئن المحكمة من هذا الدليل إلى أن فعل الزني قد تم . على أنه لا يشترط القانون بشأن الزوج الزاني أدلة خاصة، بل ترك الأمر للقواعد العامة في الإثبات .
وكذلك الشأن، يتوافر هذا العيب إذا بنت المحكمة قضاءها على دليل لم يطرح أمامها في الجلسة، بالمخالفة للمادة 302 إجراءات، فهذا الدليل غير مقبول قانوناً ، وذلك كي يتسنى للخصوم الاطلاع عليه والإدلاء برأيهم فيه كما لا يجوز لها أيضاً أن تبدي رأياً في دليل لم يعرض عليها لاحتمال أن يسفر هذا الدليل من اطلاعها على فحواه ومناقشة الدفاع له عن حقيقة قد يتغير بها وجه الرأي في الدعوى .
ب- الاستناد إلى أدلة غير مقبولة من الناحية الموضوعية : إذا كانت قواعد القانون هي الحدود التي لا يجوز للأدلة أن تتخطاها، فإن معاییر المنطق القضائي القائمة على سلامة الاستنباط تعد حدوداً لا يجوز للمحكمة أن تتجاوزها لمجافاتها للعقل والمنطق في تقديرها للأدلة . وننبه في هذا الشأن إلى المبادئ الآتية :
1- لا يشترط القانون في الأدلة التي تقام عليها الأحكام أن تكون مباشرة، أي شاهدة بذاتها ومن غير واسطة على الحقيقة المطلوب إثباتها، بل يكفي أن يكون من شأنها أن تؤدي إلى تلك الحقيقة بعملية منطقية تجريها المحكمة .
وتطبيقاً لذلك لا تلتزم المحكمة في أخذها باعتراف المتهم أن تلتزم نصه وظاهره، بل لها تجزئته واستنباط الحقيقة منه .
ولا تملك محكمة النقض مراقبة مدى كفاية هذه الأدلة إثباتاً أو نفياً، وكل ما تملكه في نطاق رقابتها للمنطق القضائي هو التثبت من مدى صلاحية الأدلة الواردة في الحكم من الناحية الموضوعية البحتة لأن تكون للوقائع المختلفة عناصر إثبات أو نفي سائغة، فمثلاً القرائن القضائية لا تصلح للإثبات إلا إذا كانت أكيدة في دلالتها لا افتراضية بحتة، فمجرد تأجير الأرض المزروع بها النبات المخدر لا يدل بذاته على مباشرة المستأجر لزراعة النبات المخدر ولا يجوز الاعتماد على مجرد الدلائل في الإثبات؛ لأنها بحكم طبيعتها لا تدل على الواقعة المراد إثباتها بطبيعة متينة غير قابلة للتأويل. وتطبيقاً لذلك قضى بأن استعراف الكلب البوليسي لا يصلح دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة، وإنما يمكن به تعزيز أدلة الثبوت .
2- لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة بوصفها معززة لما ساقته من أدلة، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة .
3- وفيما يتعلق بالمسائل الفنية، استقر قضاء محكمة النقض على أنه لا يجوز للمحكمة أن تحل نفسها محل الخبير في مسألة فنية بحتة، بل عليها ألا تشق طريقها لإبداء الرأي فيها دون الاستعانة بخبير يخضع رأيه لتقديرها، كل ذلك دون إخلال بسلطة المحكمة في تقدير رأي هذا الخبير وفقاً لاقتناعها .
ووفقاً لهذا المبدأ، قضت محكمة النقض أنه لا يجوز للقاضي أن يجزم بحدوث خلل في بناء في تاريخ سابق على الحادث، ما دام أن الخبير شهد بأنه لا يستطيع نفي أو إثبات حصول هذا الخلل في ذلك التاريخ، باعتبار هذا الأمر من الأمور الفنية البحتة .
وقد أجاز قضاء محكمة النقض لمحكمة الموضوع أن تستند إلى الحقائق العلمية الثابتة بشرط ألا تلجأ إلى ما يحوطه منها خلاف في الرأي .
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أنه لا يجوز للقاضي أن يلجأ إلى تقدير السن إلى أهل الخبرة أو إلى ما يراه بنفسه إلا ذا كانت هذه السن غير محققة بأوراق رسمية، سواء كانت شهادة الميلاد أو إفادة رسمية من إحدى جهات الاختصاص .
4- من المقرر أن تقدير الدليل في دعوى لا ينسحب أثره إلى أخرى؛ لأن قوة الأمر المقضي للحكم تكمن في منطوقه دون الأدلة المقدمة في الدعوى، ولانتفاء الحكمة في دعويين مختلفتين موضوعاً وسبباً .
5- من المقرر أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، وإنما له أن يستند في قضائه إلى المعلومات العامة التي يفترض في الشخص العادي أن يكون ملماً بها مما لا تلتزم المحكمة قانوناً ببيان الدليل عليه .
6- قضت محكمة النقض أنه لا يتأتى في منطق العقل أن يتخذ الحكم من دفاع المتهم دليلاً عليه .
7- قد تكون الأدلة صالحة للاقتناع بها من الناحية الموضوعية، إلا أنها لا تكفي بذاتها لإثبات أركان جريمة معينة تتطلب وقائع إضافية لا تشير إليها الأدلة الأولى، فمثلاً مجرد الأقوال والادعاءات الكاذبة لا تكفي لوقوع جريمة النصب مهما بالغ قائلها فى توكيد صحتها؛ إذ يجب أن تكون مصحوبة بأعمال مادية خارجية تحمل المجني عليه على الاعتماد بصحتها .
8- إن استبعاد الدليل سواء لعدم قبوله قانوناً أو لعدم صلاحيته من الناحية الموضوعية ليس من شأنه أن يمنع المحكمة من الأخذ بعناصر الإثبات الأخرى التي ترى المحكمة أنها مستقلة عنه .
2- الاستناد إلى وقائع متناقضة كمصدر للاستنباط دون رفع هذا التناقض :
يجب على المحكمة عند استقراء وقائع متناقضة في دلالتها أن تعمل على رفع هذه الوقائع المتناقضة، فلا يجوز لها أن تجري استنباطاً من وقائع متناقضة إذا لم تستطع إجراء الملاءمة بينها.
ويقع هذا العيب إذا توافر التناقض بين أسباب الحكم بحيث ينفي بعضه بعضاً، ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة فيما يتعلق بواقعة الدعوى فهذا التناقض يجعل الدليل متهاوياً متساقطاً لا شيء فيه باقياً يمكن أن يعد قواماً لنتيجة سليمة يصحه معه الاعتماد عليها والأخذ بها .
3- عدم اللزوم المنطقي للنتيجة التي انتهت إليها المحكمة بناء على الوقائع التي ثبتت لديها أو اتخذتها مصدراً للاستنباط
يتحقق ذلك إذا كانت المقدمات التي انتهت إليها المحكمة لا تؤدي من الناحية المنطقية إلى النتيجة التي خلصت إليها .
الاستدلال الظني (غير اليقيني) :
من المقرر أن الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة يجب أن تبنى على الجزم واليقين وعلى الواقع الذي يثبت بالدليل المعتبر، ولا تؤسس على الظن والاحتمال من المفروض والاعتبارات المجردة . وهذا المبدأ نتيجة طبيعية للأصل في المتهم البراءة، ومن ثم فإنه يتممه بذات القيمة الدستورية التي ينالها هذا الأصل العام. فإذا كان الدليل الذي ساقه الحكم وعول عليه في إدانته للمتهم دليلاً ظنياً مبنياً على مجرد الاحتمال، فإن الحكم يكون معيباً وإذا كان الحكم بعد أن بين واقعة الدعوى وذكر أدلة الثبوت فيها قد عقب على ذلك بقوله إن المحكمة ترجح ثبوت التهمة من الأدلة المتقدمة، فإنه يكون معيباً؛ إذ إن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والاحتمال .
ومع ذلك، فإن أخذ الحكم بدلیل احتمالي لا يقدح في صحته إذا كانت المحكمة قد أسست الإدانة على اليقين هذا بخلاف الحكم بالبراءة، فإنه يكفي استناده إلى الشك في أدلة الإثبات، ويشترط أن تكون المحكمة قد محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت ووازنت بينها وبين أدلة النفي فرجحت دفاع المتهم غير أن ذلك لا يعني أن المحكمة ملزمة في حالة القضاء بالبراءة بالرد على كل دليل من أدلة الاتهام؛ لأن في إغفالها التحدث عنها ما يفيد أنها أطرحتها ولم تر فيها ما تطمئن معه إلى إدانة المتهم .
ويلاحظ أن الاستدلال الظني يرد على الاستنباط الواقعي، فلا علاقة له بالاستنباط القانوني الذي يدخل في إطار التفسير القانوني؛ إذ القانون لا يرد عليه ظن أو احتمال، فالمحكمة مكلفة بتطبيق صحيح القانون ولو أوردت في أسباب حكمها حججاً ظنية طالما أن النتيجة القانونية التي انتهت إليها تتفق مع صحيح القانون .
إطار الاستنباط (تساند الأدلة) :
تستنبط المحكمة الواقعة الصحيحة من مجموع الأدلة التي اقتنعت بها، فإذا سقط دلیل من هذه الأدلة أثر ذلك في سلامة استنباط المحكمة للواقعة، ومن هنا نشأ مبدأ تساند الأدلة في الإثبات الجنائي. ومؤدى هذا المبدأ أن الأدلة في المواد الجنائية متساندة متكاملة، بحيث إذا سقط أحدها تعذر التعرف على مبلغ الأثر الذى كان للدليل الساقط في الرأي الذي انتهت إليه. وقد عبرت عن ذلك محكمة النقض في قولها «لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى، إذ الأدلة فى المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا، ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضى، فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة، بل يكفي أن تكون الأدلة فى مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال قناعة المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه .
ويسري هذا المبدأ على الأدلة المستمدة من إجراءات باطلة، فلا يجوز الاعتماد عليها مع أدلة أخرى صحيحة. ومن تطبيقات ذلك ما قضت به محكمة النقض من أنه إذا كان ضمن ما استند إليه الحكم في ثبوت التهمة دليل مرده محضر تفتيش باطل مما لا يجوز الاستدلال به، فإن الحكم وإن أضافه إلى أدلة أخرى تعرض لبيانها وقال إنها مستقلة عن إجراء التفتيش، يكون مشوباً بفساد الاستدلال وقد أكد هذا المبدأ المؤتمر الدولي العاشر للقانون الجنائي المنعقد في هامبورج في الفترة من 16 إلى 22 سبتمبر سنة 1969 حين رفض الأخذ بمشروع قرار يسمح بالاعتماد على الأدلة المبنية على مخالفة حقوق الإنسان ولو أيدتها أدلة صحيحة .
ويلاحظ أن محكمة النقض قد التزمت بمبدأ تساند الأدلة في أحكام الإدانة، أما أحكام البراءة فقد استثنتها من تطبيق هذا المبدأ؛ لأنها رجوع إلى أصل البراءة المفترض في الإنسان، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأنه لا يقدح في سلامة الحكم أن تكون إحدى دعاماته معيبة، ما دام قد أقيم على دعامات أخرى تكفي لحمل قضائه .
أساس واجب القاضى الجنائى فى التكييف القانونى للواقعة الجنائية :
يجب على القاضي الجنائي أن يتحقق من مدى توافر الخصائص التي أوجبها القانون لتوافر الجريمة، ويكون ذلك بالتحقق من مدى تحقق الشرط المفترض وفقاً للقانون. وتوافر النموذج القانوني للجريمة على هذا النحو ينبع أساساً من مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، فاحترام هذا المبدأ يتطلب أن تتوافر شروط التجريم والعقاب كما أوجبها القانون في الوقائع المعروضة على القاضي. والخطأ في التكييف القانوني في هذا الشأن ينطوي على مخالفة لهذا المبدأ، ذلك أن الدستور حين جعل تحديد الجرائم والعقوبات بناء على قانون جعل الكلمة الأولى في التجريم والعقاب للمشرع وحده، فليس للقاضي أن يضفي التكييف القانوني على الواقعة على نحو يخالف شروط التجريم والعقاب كما نص عليها القانون، سواء بالإضافة أو بالنقصان أو بالتعديل على أي نحو كان . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، النقض الجنائي، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2011 ، الصفحة : 140 )
البطلان :
مضمون وجه البطلان :
إذا شاب الحكم إجراء من إجراءات الدعوى المؤثرة في الحكم جاز الطعن بالنقض . وهذا هو الوجه الثاني من أوجه الطعن بالنقض .
وقد رأينا أن البطلان هو جزاء إجرائي يترتب على مخالفة الشكليات الجوهرية للإجراء والتي ينص القانون على وجوب مراعاتها. ولذلك إذا كانت هذه الشكليات الجوهرية متعلقة بالحكم ذاته وقع باطلاً، كما لو كان الحكم قد جاء خلواً من البيانات الجوهرية، أو إذا كان شابه قصور في بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة، أو كان هناك عيب من عيوب التسبيب أو لم يوقع عليه القاضي خلال الثلاثين يوماً التالية لصدوره. والتي يترتب على تخلفها بطلان الحكم، ومثال ذلك القواعد المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها .
غير أن الطعن بالنقض لا يتوقف عند حالة بطلان الحكم وإنما يمتد أيضاً ليشمل حالة بطلان أي إجراء من الإجراءات التي أثرت في الحكم .
فالشرط اللازم لإمكان الطعن بالنقض أن يكون الإجراء الذي شابه البطلان قد أثر في الحكم، فإذا لم يكن له ذلك الأثر فلا يقبل كسبب للطعن، فبطلان القبض والتفتيش لا يجيز الطعن بالنقض طالما أن المحكمة لم تستند إلى الدليل المستفاد منهما في الحكم . كما أن بطلان إجراء المعاينة الذي قامت بها المحكمة دون حضور المتهم ودون إعلانه لا يبيح الطعن إذا كانت المحكمة قد استبعدت الدليل المستمد منها . غير أنه لا يجوز الدفع ببطلان إجراء سابق على المحاكمة لأول مرة أمام محكمة النقض ما دام لم يدفع به أمام محكمة الموضوع، كما لا يجوز تعيب الإجراءات التي جرت في المحاكمة الصادرة بناء عليها الحكم المطعون فيه ما دام الطاعن لم يطلب من المحكمة تحقيقاً معيناً بشأنه . وتطبيقاً لذلك استقر قضاء النقض علي أن أسباب الموجهة إلى إجراءات محكمة الدرجة الأولى لا يصح عرضها لأول مرة على محكمة النقض .
ويستوي أن يكون الإجراء الباطل قد أثر في الحكم بطريق مباشر أم كان تأثيره قد تحقق عن طريق التسلسل السببي في إجراءات أخرى أثرت مباشرة في الحكم . فبطلان القبض والتفتيش يستتبع بطلان الاعتراف الناتج عنهما فإذا استندت المحكمة إلى الاعتراف الباطل حتى مع استبعدها الدليل المستمد منهما كان ذلك سبباً موجباً للنقض . مع ملاحظة أن تقدير ما إذا كان الاعتراف مرتبطاً بالإجراء الباطل السابق عليه من عدمه فهو من اطلاقات محكمة الموضوع . كذلك أيضاً إذا كانت الدعوى قد رفعت إلى محكمة بإجراء باطل فإن الحكم بناء على الإجراءات المترتبة على هذا الإجراء الباطل يجيز الطعن بالنقض باعتبار أن الإجراء الأخرى بالبطلان . ولذلك فإن المعول عليه للطعن بالنقض في حالة بطلان الإجراء هو مدى ارتباط هذا الإجراء بالحكم الصادر في الدعوى . فإذا كان مؤثراً فيه بأي طريق كان؛ جاز الطعن بالنقض وإلا انتقت هذه الحالة في حالات الطعن .
أهمية التفرقة بين البطلان المطلق والنسبي :
القاعدة هي أن البطلان الذي يشوب الحكم أو أي إجراء مؤثر فيه يمثل وجهاً للطعن سواء أكان نسبياً أي سواء أكان متعلقاً بالنظام العام أم كان متعلقاً بالخصوم . غير أن هناك خلافاً بين نوعي البطلان من حيث إمكان تأسيس الطعن بالنقض على توافرها في إجراء من الإجراءات المؤثرة في الحكم وفي البطلان المتعلق بالنظام العام غير قابل للتصحيح كقاعدة عامة إلا بقوة الشيء المقضي فيه . ومن أجل ذلك يجوز الطعن بالنقض تأسيساً على توافر هذا النوع من البطلان ولو لأول مرة أي دون أن يكون الخصم قد سبق له إثارته أمام محكمة الموضوع . أما البطلان المتعلق بالخصوم فلا يجوز الاستناد إليه الطعن طالما تم تصحيحه وفقاً للقواعد الخاصة بالبطلان النسبي. أما إذا كان قد تمسك به الخصم في حينه ودفع به أمام محكمة الموضوع فإن قبول الدفع من المحكمة والحكم رغم ذلك استناداً إلى الإجراء المطعون فيه بالبطلان يجيز للخصم الطعن بالنقض . كما يجوز الطعن أيضاً من الخصوم الأخرين إذا قبلت المحكمة خطأ الدفع بالبطلان وقضت ببطلان الإجراء الذي هو في حقيقته صحيح إلا أن سبب الطعن هنا يؤسس على وجه الطعن المتمثل في البطلان وإنما على الخطأ في القانون كما سبق وأن بينا في التفرقة بين الوجهين للطعن . وتأسيساً على ذلك قد يجوز الطعن استناداً إلى بطلان متعلق بمصلحة إذا لم يكن قد دفع به أمام محكمة أول درجة قبل الحكم . ومن ناحية أخرى لا يجوز الطعن بناء على دفع بالبطلان يمتزج فيها بالوقائع وبالتالي تحتاج إلى تحقيق موضوعي إلا في الأحوال الاستثنائية التي نص عليها القانون وليست هذه من بينها . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 2095 )
عدم قبول الأسباب الجديدة :
فكرة عامة :
تقتضي طبيعة محكمة النقض بوصفها خارج درجات التقاضي، أن ينحصر اختصاصها في بحث العيوب التي شابت الحكم المطعون فيه، ولذلك فإن أسباب الطعن يجب أن تنصرف إلى ما أخطأ فيه هذا الحكم، وهو ما يتحدد في ضوء ما سبق أن أثير أمام محكمة الموضوع من أسباب في شكل دفوع وطلبات، أو ما كان يجب عليها إثارته من تلقاء نفسها .
وبناء على ذلك، فيجب التمييز بين نوعين من أسباب الطعن :
1- أسباب سبق أن أبداها الطاعن أمام محكمة الموضوع إلا أنها لم تأخذ بها، ويثيرها الطاعن من جديد أمام محكمة النقض .
2- أسباب لم يسبق إبداؤها أمام محكمة الموضوع، ويثيرها الطاعن لأول مرة أمام محكمة النقض. ويطلق على هذا النوع الثاني من الأسباب «الأسباب الجديدة» .
والأصل هو قبول إعادة إثارة الأسباب التي سبق عرضها على محكمة الموضوع إذا لم تأخذ بها المحكمة، ويترتب على ذلك أن يكون الحكم مشوباً بالبطلان أو الخطأ في القانون، بشرط ألا يتطلب ذلك تحقيقاً موضوعياً في الدعوى مما يخرج عن وظيفة محكمة النقض .
والأصل أيضاً هو عدم قبول إثارة الأسباب الجديدة لأول مرة أمام محكمة النقض، ما لم تكن من الأسباب المتعلقة بالنظام العام في الحدود التي بينها القانون، ولا يحتاج بحثها إلى تحقيق موضوعي في الدعوى .
وهكذا يتضح أن الأسباب الجديدة من نوعين : نوع غیر مقبول أمام محكمة النقض . وهو الأصل العام - ونوع آخر مقبول أمام محكمة النقض .
الأسباب الجديدة المقبولة :
تتحدد الأسباب الجديدة المقبولة وفقاً لعنصرين، هما :
(أولاً) طبيعة الأسباب من حيث تعلقها بالنظام العام .
(ثانياً) وظيفة محكمة النقض فيما يتعلق بضمان حسن تطبيق القانون، وعدم إجراء تحقيق موضوعي في الدعوى .
(أولاً) أن تكون الأسباب متعلقة بالنظام العام :
يجب على محكمة الموضوع أن تقضي وفقاً للقانون وأن تثير من تلقاء نفسها جميع المسائل المتعلقة بالنظام العام. فإذا هي أخطأت في ذلك كان حكمها مشوباً بالخطأ فى القانون. ولا يحول دون ذلك عدم قيام أحد الخصوم بإثارة المسألة أمام محكمة الموضوع من قبل؛ لأن هذه المسألة - بحكم تعلقها بالنظام العام. تعد مطروحة بنفسها على الدوام أمام المحكمة، وعليها أن تبحثها من تلقاء نفسها. ومن ثم، فإن طرح هذه المسألة لأول مرة أمام محكمة النقض لا يعد في واقع الأمر - طرحاً جديداً بمعنى الكلمة. فمحكمة الموضوع يجب عليها من تلقاء نفسها أن تتعرض لجميع المسائل القانونية المتعلقة بالنظام العام دون انتظار لطلبات الخصوم أو دفوعهم .
ومحكمة النقض عندما تنظر الحكم المطعون فيها لا تقصر بحثها على حالة الواقعة، وإنما تنظر ما يجب أن يكون عليه وفقاً للقانون .
ويعد السبب متعلقاً بالنظام العام في هذا الصدد في حالتين :
1- إذا تعلق بخطأ في القانون، سواء كان الخطأ في التكييف القانوني للواقعة، أو في إنزال حكم القانون على الدعوى وذلك باعتبار أن محكمة الموضوع مكلفة بتمحيص الواقعة بجميع کيوفها القانونية طبقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وإنزال حكم القانون في إطار هذا المبدأ. وكل ذلك أمر يتعلق بالنظام العام. هذا فضلاً عن أن الخطأ في القانون يمس وظيفة الحكم في الدعوى، وممارستها وفقاً للقانون أمر من النظام العام .
2- إذا تعلق ببطلان يمس النظام العام. فهذا النوع من البطلان لا يسقط بعدم إثارته أمام محكمة الموضوع، ويجوز التمسك به لأول مرة أمام محكمة النقض طالما لا يتطلب تحقيقاً موضوعياً. مثال ذلك بطلان استجواب المتهم لاستخدام الإكراه ضده، وحرمان المتهم من محام أمام محكمة الجنايات .
ويعد من النظام العام أيضاً الدفع بعدم اختصاص المحكمة الجنائية، أو بانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم أو لقوة الأمر المقضي، أو بسبب محاكمة المتهم أمام المحكمة الاستئنافية مباشرة عن واقعة لم يسبق عرضها على محكمة أول درجة .
(ثانياً) ألا تتطلب الأسباب من محكمة النقض تحقيقاً موضوعياً :
لا تملك محكمة النقض - بوصفها محكمة قانون لا محكمة موضوع - التحقق مما يثيره الطاعن من أسباب متعلقة بالنظام العام مما يقتضي تحقيقاً موضوعياً. وفي هذا المعنى قضت محكمة النقض أنه يشترط لقبول الأسباب المتعلقة بالنظام العام لأول مرة أمام هذه المحكمة أن تكون هذه الأسباب مستفادة من الأوراق التي سبق عرضها على محكمة الموضوع، وألا يخالطها أي عنصر واقعي لم يسبق عرضه عليها .
وقد قضت محكمة النقض أنه يشترط لقبول الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها لأول مرة أمام محكمة النقض أن تكون مقوماته واضحة من مدونات الحكم أو تكون عناصر الحكم مؤدية إلى قبوله بغير تحقيق موضوعي ؛ لأن هذا التحقيق خارج عن وظيفة محكمة النقض . وقضت أن إبداء الدفع بعدم اختصاص محكمة الجنايات بمحاكمة الحدث لأول مرة أمام محكمة النقض غير جائز ما لم تكن مدونات الحكم تظاهره .
وهذا المعنى هو ما عبرت عنه محكمة النقض بشأن سائر الدفوع بعدم الاختصاص، والدفع بخلو طلب تحريك الدعوى الجنائية من تاريخ صدوره ، والدفع بقصور الحكم عن بحث حالة الدفاع الشرعي، والدفع بانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم . وقد قضت بعدم جواز إثارة الدفع ببطلان التفتيش لأول مرة أمام محكمة النقض إلا إذا كانت مدونات الحكم تحمل مقوماته .
ويلاحظ أنه بصدد الدفع ببطلان التفتيش وإجراءات التحقيق الابتدائي، كانت محكمة النقض في بعض أحكامها ترفض التمسك به لأول مرة أمام محكمة النقض دون تعليل ثم عنيت بعد ذلك بتبرير هذا الرفض بأنه من الدفوع الموضوعية التي يختلط فيها القانون بالواقع، وهو لا شأن لمحكمة النقض به، وقالت صراحة في أحد أحكامها إن الأحكام التي صرحت فيها محكمة النقض بأن الدفع ببطلان التفتيش هو من الدفوع الموضوعية التي لا يجوز إثارتها لأول مرة أمامها لا يقصد بها على وجه التأكيد استبعاد التفتيش وجميع أحكامه من حظيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام، بل لهذا القول علة أخرى، هي أن مثل هذا الطلب يستدعي تحقيقاً وبحثاً عن الوقائع، وهو ما يخرج بطبيعته عن سلطة محكمة النقض .
وفي حكم آخر لها، أكدت محكمة النقض أن الدفع ببطلان القبض والتفتيش يتعلق بمشروعية الدليل، وأوردت في ذلك قولها «لما كان الدفع ببطلان القبض والتفتيش هو من الدفوع القانونية المختلطة بالواقع والتي لا تجوز إثارتها لأول مرة أمام محكمة النقض ما لم يكن قد دفع بها أمام محكمة الموضوع؛ لأنها تقتضي تحقيقاً تنأى عنه وظيفة هذه المحكمة، غير أنه إذا كان ما جاء في الحكم من الوقائع دالاً بذاته على وقوع البطلان جازت إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض، ولو لم يدفع به أمام محكمة الموضوع، وذلك لتعلقه بمشروعية الدليل، إذ يتعين أن يكون الدليل الذي يعول عليه الحكم الصادر بالإدانة مشروعاً .
والتحقيق الموضوع المحظور هو ما يثير سلطة المحكمة في التقدير والإثبات، أما الاطلاع على ملف الدعوى للتحقق من الدفع بالخطأ في إسناد أقوال الشاهد، أو التحقق من سبق الدفع بالبطلان في أثناء الاستجواب، أو الاطلاع على الشهادة التي حددت سن المتهم، فذلك لا يثير تقديراً معيناً، وإنما هو مجرد بحث مادي لا يحتاج إلى تحقيق موضوعي .
الأسباب الجديدة غير المقبولة
تعد الأسباب غير مقبولة وفقاً لعنصرين :
(أولاً) طبيعة الأسباب من حيث عدم إثارتها من قبل أمام محكمة الموضوع، وعدم تعلقها بالنظام العام .
(ثانياً) وظيفة محكمة النقض فيما يتعلق بعدم إجراء أي تحقيق موضوعي في الدعوى .
أولاً - الأسباب التي لم يسبق إثارتها أمام محكمة الموضوع ولا تتعلق بالنظام العام :
لا يجوز التمسك لأول مرة بهذه الأسباب أمام محكمة النقض، ولو كانت واضحة في مدونات الحكم غیر محتاجة إلى تحقيق موضوعی. وعلى ذلك هو سقوط حق صاحب الشأن في الدفع بهذا السبب، فمجاله كان محصوراً في ساحة محكمة الموضوع دون محكمة النقض . وعندئذ، يكون الحكم المطعون فيه غير مشوب بعيب البطلان أو الخطأ في القانون، مما لا يجوز معه رميه بهذا العيب عن طريق التمسك لأول مرة أمام محكمة النقض بسبب غیر متعلق بالنظام العام .
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه لا محل لما يثيره الطاعن حول استدعاء المحكمة للطبيب الشرعى لمناقشته بالجلسة، مع أنه لم يكن صاحب التقرير المقدم في الدعوى ؛ لأن كل ذلك تم بحضور الطاعن ومحاميه ولم يعترضا عليه، بل اشترك محامي الطاعن في هذه المناقشة ثم ترافع في الدعوى على أساس ما جرى منها بالجلسة وقضى أن ما ينعاه المتهم على الحكم من سماعه أقوال الطبيب الشرعي والمترجم الذي تولى ترجمة أقوال الشاهد دون تحليفهما اليمين القانونية مردود بأن هذا الإجراء قد تم بحضور محامي المتهم في جلسة المحاكمة دون اعتراض منه، مما يسقط الحق في الدفع ببطلانه وقضي أنه متى كان الطاعن لم يوجه أمام المحكمة الاستئنافية طعناً ما على إجراءات محكمة أول درجة أو على الحكم الابتدائي فلا يقبل منه التمسك بذلك لأول مرة أمام محكمة النقض .
ولا يجوز الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض بسقوط حق المدعي المدني في الالتجاء إلى الطريق الجنائي بسبب اختيار الطريق المدني في الوقت الذي كان الطريق الجنائي مفتوحاً، باعتبار أن هذا الدفع غير متعلق بالنظام العام ولا يجوز الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض باتباع قواعد الإثبات المدني بالنسبة إلى عقود الأمانة؛ لأن مسائل الإثبات المدني ليست من النظام العام، فيجوز الاتفاق على خلافها صراحة أو ضمناً .
وقد قضت محكمة النقض أنه لا يقبل إثارة أمر بطلان قرار الإحالة - بوصفه إجراء سابقاً على المحاكمة لأول مرة أمام محكمة النقض وهذا المبدأ على إطلاقه محل نظر. فإذا كان قرار الإحالة باطلاً بطلاناً متعلقاً بالنظام العام . كما إذا صدر من رئيس النيابة العامة في جناية لا تحال إلا من المحامي العام، فإن هذا البطلان يمس قبول الدعوى الجنائية، ويجب على محكمة الجنايات أن تقضي به من تلقاء نفسها. ولا يجوز في هذا الصدد القياس على المادة 594 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي التي نصت على أنه إذا أصبح قرار الإحالة نهائياً فإنه يغطي عيوب الإجراءات السابقة على المحاكمة، ذلك أن هذا القانون قد فتح باب الطعن في قرار الإحالة أمام محكمة النقض . فإذا استنفد هذا الطريق حاز القرار قوة الأمر المقضي فيما يتعلق بأثره في دخول الدعوى صحيحة في حوزة محكمة الجنايات. والحال ليست كذلك في القانون المصري الذي لم يفتح باب الطعن أمام محكمة النقض في قرار الإحالة، تاركاً مجال الطعن فيه مفتوحاً أمام محكمة الموضوع .
ثانياً : الأسباب التي تقتضي تحقيقاً موضوعياً :
لا يقبل على الإطلاق التمسك بأي سبب يتطلب من محكمة النقض تحقيقاً موضوعياً، سواء أكان السبب متعلقاً بالنظام العام أم بغيره، وسواء أثير السبب لأول مرة أمام محكمة النقض أو لا. ويستوي أن يكون السبب موضوعياً بحتاً أو خليطاً بين الواقع والقانون .
ومن أمثلة ذلك التمسك أمام محكمة النقض بما يمس مسلك الشاهد في التحقيق واتصاله بالشهود، أو إثارة أساس جديد للدفع ببطلان القبض والتفتيش أمام محكمة النقض، باعتبار أنه في عداد الدفوع القانونية المختلطة بالواقع، ما لم يكن قد أثير أمام محكمة الموضوع، أو كانت مدونات الحكم ترشح لقيام ذلك البطلان، أو إثارة عدم استطاعة المجني عليها الكلام بعد إصابتها، أو الدفع بعدم العلم باليوم المحدد للبيع في التبديد، أو إثارة الارتباط بين الجرائم لأنه يحتاج تحقيقاً موضوعياً . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، النقض الجنائي، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2011 ، الصفحة : 470 )
التمييز بين الأسباب الموضوعية والأسباب القانونية :
أن الأسباب الموضوعية التي لا يجوز أن يبنى عليها الطعن هي تلك المتعلقة بحرية القاضي في تكوين عقيدته من حيث ثبوت التهمة أو عدم ثبوتها وتقييمه للأدلة المستقلة في الدعوى ومع ذلك فإن هناك القواعد القانونية ما يجب على المحكمة مراعاتها في استخلاص الأدلة ومباشرتها لإجراءات التحقيق النهائي كما أن هناك من القيود ما يرد على حرية القاضى تكوين عقيدته . ولذلك فإن هذا الوجه القانوني هو الذي يمكن أن يبنى عليه الطعن بالنقض . غير أن محكمة النقض في بحثها للأسباب المقام عليها الطعن لا يمكنها أن تتجنب دائماً التعرض للموضوع لأعمال سلطتها في التكييف ومراقبة التطبيق السليم للقانون، سواء أكان وجه الطعن هو الخطأ في القانون أو كان هو بطلان الحكم أو بطلان إجراء أثر في الحكم. ومن هنا يتعين وضع الحد الفاصل بين الأسباب الموضوعية التي يجب استبعادها والأسباب القانونية التي يلزم الفصل فيها التعرض قبل الموضوع في حدود ما انتهت إليه محكمة الموضوع في حكمها من حيث الثبوت المادي .
وهذا الحد الفاصل يبني على المعيار الأتي : إذا كان السبب المقام عليه الطعن يتطلب تحقیق واقعة انتهى الحكم إلى ثبوتها أو نفيها كان السبب موضوعها، إذ لا تجوز مجادلة محكمة الموضوع فيما انتهت إليه من تحقيقها أو تقييم عقيدتها التي خلصت إليها من بحثها للأدلة . أما إذا كان السبب المبني عليه الطعن يتعلق بالتكييف القانوني أو بالضوابط التي استخدمتها محكمة الموضوع في الانتهاء إلى ما حكمت به فإن السبب يكون قانونياً ومن هنا كان المقصود في التسبيب أو فساد الاستدلال أو التناقض في الأسباب هي من أوجه النقض التي يمكن إقامة الطعن فيها، ذلك أن السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع تخضع لرقابة محكمة النقض ليس من ناحية حرية القاضي في الاقتناع وإنما من حيث ضوابط التسبيب .
ولذلك فإن محكمة النقض في بحثها لأوجه الطعن تكون مقيدة بما أثبته الحكم من واقع، وكل ما لها هو مراقبة القاضي في إعمال النصوص القانونية عليها وفي استخدمها لضوابط تسبيب حكمه . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث ، الصفحة : 2087 )
رابعاً : القرينة القانونية البسيطة المتعلقة بصحة الإجراءات
نصت المادة 30 من قانون النقض المستبدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007 (في فقرتها السادسة) على أن « الأصل اعتبار أن الإجراءات قد روعيت في أثناء نظر الدعوى، ومع هذا فلصاحب الشأن أن يثبت بكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت، ما لم تكن مذكورة في محضر الجلسة أو في الحكم، فإذا ذكر فی أحدهما أنها اتبعت، فلا يجوز إثبات عدم اتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير ». وضع الشارع بهذا النص قرينة مؤداها أن جميع إجراءات الدعوى قد اتخذت على وجهها الصحيح ولو لم تكن ثابتة في المحضر أو الحكم، أي أنه ليس بشرط لإعتبار الإجراء قد اتخذ، وأن شروط صحته قد توافرت أن يثبت ذلك في المحضر أو الحكم، فلا يقبل الطعن بالنقض استناداً إلى أنه لم يذكر في المحضر أو الحكم أن جلسات المحاكمة كانت علنية، فالفرض أنها كانت كذلك، أو استناداً إلى أنه لم يذكر فيهما أو في أحدهما أن الشهود حلفوا اليمين قبل أداء الشهادة، فالفرض أنهم قد حلفوها. ولكن يجوز للطاعن أن يثبت في هذه الحالة عدم اتخاذ الإجراء أو عدم توافر شروط صحته، أي يثبت مثلاً أن إحدى جلسات المحاكمة لم تكن علنية، وله اثبات ذلك بجميع الطرق، فلا يلتزم بالطعن بالتزوير، ذلك أنه لا يثبت عكس ما ورد في المحضر أو الحكم. أما إذا ذكر في المحضر أو الحكم اتخاذ إجراء ما أو توافر شروط صحته، فلا يجوز إثبات عكس ذلك إلا بطريق الطعن بالتزوير، ذلك أنه يثبت عكس ما ورد في الحكم أو المحضر. ولهذه القرينة أهميتها في حصر نطاق وجه الطعن بالنقض: فلا يكفي أن يتذرع الطاعن بعدم ذكر الإجراء، وإنما يتعين أن يثبت عدم اتخاذه. وإذا ذكر اتخاذ الإجراء، فلا يجوز أن يثبت عكس ذلك بأي طريق، وإنما يتعين أن يثبته بطريق الطعن بالتزوير . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني ، الصفحة : 1439 )
دعوى التزوير الفرعية :
نصت المادة 30 / 2 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض على أن الأصل اعتبار أن الإجراءات قد روعيت أثناء الدعوى. ومع هذا، فلصاحب الشأن أن يثبت بكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت، وذلك إذا لم تكن مذكورة في محضر الجلسة ولا في الحكم. فإذا ذكر في أحدهما أنها اتبعت فلا يجوز إثبات عدم اتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير . وقد نظم قانون الإجراءات الجنائية إجراءات دعوى التزوير الفرعية فى المواد من 295 إلى 299. وتسري هذه الإجراءات على أوراق الطعن أو غيرها من الأوراق المعروضة على محكمة النقض للفصل في الطعن . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، النقض الجنائي، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2011 ، الصفحة : 468 )