الباب الثانى
الباب الثانى
فى شرائط النكاح وأركانه وأحكامه
ينعقد النكاح بإيجاب من أحد العاقدين وقبول من الأخر ولافرق بين أن يكون الموجب هو الزوج أو وليه أو وكيله والقابل هو الزوجة أو وليها أو وكيلها إن كانت مكلفة أو بالعكس .
1 ـ المقرر - فى قضاء محكمة النقض - أن عقد الزواج شرعاً عقد رضائى يقوم على الإيجاب والقبول ، ويُلزِم الولى ، وتطلَّب القانون توثيق هذا العقد لا ينفى عنه طبيعته الأصلية ولا يمس القواعد الشرعية المقررة .
(الطعن رقم 463 لسنة 73 جلسة 2005/04/23 س 56 ص 400 ق 71)
2 ـ إذا استوفى عقد الزواج أركانه الشرعية فلا عبرة بعدم توثيقه إذ إن التوثيق ليس من أركانه الشكلية أو الموضوعية .
(الطعن رقم 463 لسنة 73 جلسة 2005/04/23 س 56 ص 400 ق 71)
3 ـ مؤدى نص المادة الثالثة من قانون التوثيق رقم 68 لسنة 1947 بعد تعديلها بالقانون رقم 629 لسنة 1955 - على ما هو مقرر فى قضاء هذه المحكمة - أن المشرع انتزع عملية توثيق الزواج عند الطوائف المسيحية من رجال الدين الذين يقومون بطقوسه وأعطاها لمكاتب التوثيق بالنسبة للمصريين غير المسلمين عند اختلاف الملة أو الطائفة، وخولها لموثق منتدب له إلمام بالأحكام الدينية للجهة التي يتولى التوثيق بها بالنسبة للمصريين غير المسلمين متحدي الطائفة والملة، دون أن يجعل من التوثيق شرطا لازما لصحة العقد، واقتصر على جعله من قبيل إعداد الدليل لإثبات الزواج، بمعنى أن عدم توثيق عقد الزواج أصلا أو عدم مراعاة الإجراءات الصحيحة فيه أو التراخي فى توثيقه لا يؤثر فى صحة الزواج اعتباراً بأن التوثيق إجراء لاحق على انعقاد العقد وليس من أركانه الشكلية أو الموضوعية.
(الطعن رقم 350 لسنة 68 جلسة 2002/02/09 س 53 ع 1 ص 260 ق 48)
4 ـ المقرر فى فقه الأحناف أنه لكي يكون الزواج صحيحاً له وجود يحترمه المشرع ويرتب أثاره الشرعية أن تكون المرأة محلا لعقد الزواج عليها بالنسبة لمن يريد زواجها وأن يحضر زواجها شاهدان. وكان سبق عقد قرانها على آخر أو عدم بكارتها إن ثبت لا يؤثر فى محليتها لزوجها ولا يحرمها عليه أو يبطل عقد زواجهما. وأن المقرر شرعا أن الزوج ليس له خيار الفسخ إذا وجد فى امرأته عيبا ما لأنه يقدر أن يدفع الضرر عن نفسه بالطلاق.
(الطعن رقم 760 لسنة 67 جلسة 2002/02/09 س 53 ع 1 ص 248 ق 45)
5 ـ لئن كان الغش فى بكارة الزوجة يعيب إرادة الزوج باعتباره غلطا فى صفة جوهرية ويجيز له طلب إبطال العقد استنادا إلى نص المادة العاشرة من قانون المجلس العمومي الإنجيلي التي تنص على أنه لا يجوز أن يعقد الزواج إلا بعد الرضا بالإيجاب والقبول بين الزوجين إلا أن هذا البطلان نسبي يزول بالإجازة اللاحقة من الزوج وكان الثابت بالأوراق أن الطاعن قد تزوج بالمطعون ضدها بتاريخ 25/3/1995 وكان سكوت الطاعن عن طلب بطلان الزواج رغم علمه بما يدعيه من عدم بكارة المطعون ضدها طوال هذه الفترة يفيد تنازله عن طلب بطلان الزواج.
(الطعن رقم 374 لسنة 66 جلسة 2001/07/10 س 52 ع 2 ص 1019 ق 198)
6 ـ عقد الزواج شرعا عقد رضائي يقوم على الإيجاب والقبول، ويلزم الولي طبقا للقواعد السالف بيانها، وتطلب القانون توثيق هذا العقد لا ينفى عنه طبيعته الأصلية، ولا يمس القواعد الشرعية المقررة، فإذا ثار بين ذوى الشأن نزاع حول صحة العقد أو نفاذه أو لزومه شرعا كان لهم الحق فى الالتجاء إلى القضاء قبل توثيقه طبقا للقانون، ولا تعارض بين الشروط الموضوعية لصحة الزواج والشروط الشكلية أو الإجرائية لتوثيق العقد، إذ أن بحث الشروط الموضوعية وحسم ما يثار حولها من خلاف منوط بالقضاء دون جهة التوثيق، وإذ أقيمت الدعوى بطلب إثبات العلاقة الزوجية بين المطعون ضدها الأولى السعودية الجنسية والثاني المصري الجنسية ونازع الطاعن فى لزوم هذا العقد بالنسبة له كولي للزوجة، فإنه لا على الحكم الابتدائي - المؤيد بالحكم المطعون فيه - إذ فصل فى الدعوى طبقا للقواعد الشرعية المقررة، وفقا للتكييف الصحيح للدعوى على ضوء الطلبات المطروحة فيها.
(الطعن رقم 194 لسنة 64 جلسة 1998/10/19 س 49 ع 2 ص 611 ق 149)
7 ـ الرأى فى المذهب الحنفى أنه إذ زوج المجنون نفسه فلا ينعقد عقده لأن عبارته ملغاة لا أثر لها و لا إرتباط ينشأ بوجودها ، و إذ كان الثابت فى الأوراق أن زوج الطاعنة سبق الحكم بتوقيع الحجر عليه لجنونه قبل زواجه بها و أنه باشر عقد الزواج بنفسه فإن العقد لا ينعقد بعبارته و لا تترتب عليه آثار الزواج الشرعى و يكون طلاقه لها فى هذه الحالة وارداً على غير محل .
(الطعن رقم 64 لسنة 54 جلسة 1987/04/28 س 38 ع 1 ص 640 ق 139)
8 ـ العشرة أو المساكنة لا تعتبر وحدها دليلا شرعيا على قيام الزوجية و الفراش ، و إنما نص فقهاء الحنفية على أنه يحل للشاهد أن يشهد بالنكاح و إن لم يعاينه متى إشتهر عنده ذلك بأحد نوعى الشهرة الشرعية الحقيقية أو الحكمية فمن شهد رجلا و إمرأة يسكنان فى موضع أو بينهما إنبساط الأزواج و شهد لديه رجلان عدلان بلفظ الشهادة أنها زوجته حل له أن يشهد بالنكاح و إن لم يحضر وقت العقد ، و هذا عند الصاحبين أما عند أبى حنيفة فلا يجوز للشاهدان أن يشهد على النكاح بالتسامع إلا إذا إشتهر شهرة حقيقية و هى ما تكون بالتواتر .
(الطعن رقم 12 لسنة 36 جلسة 1968/03/27 س 19 ع 1 ص 614 ق 93)
الزواج
تعريفه : الزواج في اللغة هو الاقتران والازدواج يقال زوج الرجل إبله إذا قرن بعضها ببعض ومنه قوله تعالى : ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) أي وقرناءهم، والفعل يتعدى بنفسه وبالحرف يقال تزوجت فلانة وتزوجت بها ، وزوجنيها وليها وزوجني بها .
وفي الشرع هو عقد يفيد حل استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع. ويجعل لكل منهما حقوقا قبل صاحبه وواجبات عليه، فهو من عقود التمليك والملك فيه وارد قصدا على متعة كل واحد من الزوجين بالآخر ولذا عرفه بعض الفقهاء بقوله : هو عقد يرد على ملك المتعة قصدا .
فمتى تحققت أركان العقد وتوفرت شرائطه الشرعية حل استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر بعدما كان حراما عليهما . واستحقت الزوجة على زوجها المهر، والنفقة، والعدل بينها وبين ضرائرها إذا تعددت الزواجات واستحق الزوج على زوجته الطاعة، وولاية التأديب المشروع، وعدم خروجها عن إذنه، واستحق كل منهما على الآخر حسن المعاشرة، وحرمة المصاهرة، والتوارث، وسنبين بالتفصيل حقوق الزوجية وواجباتها الخاصة المشتركة .
حكمة تشريعه : شرع الله الزواج وأحكامه لحكم عدة :
(أولها) - بقاء النوع الإنساني على أكمل وجوه البقاء إلى الأجل الذي قدر الله أن ينتهى بقاء الإنسان إليه ، وبيان ذلك أن مجرد بقاء النوع يتحقق بمجرد الاختلاط بين ذكوره وإناثه وتوالدهما . كما بقيت أنواع الحيوانات بمجرد اجتماع ذكورها بإناثها . ولكن الله سبحانه تكريما للنوع الإنساني شرع الزواج وأحكامه نظام الاجتماع أفراده ليكون بقاؤهم على أكمل وجوه البقاء لأن موجب الزواج الشرعي الاختصاص وأن تكون الزوجة حلالا لزوجها وحده لا يملك غيره حق الاستمتاع بها . وهذا الاختصاص يجعل بقاء النوع الإنساني على أكمل وجوه البقاء من ناحيتين، إحداهما أنه يحول دون تزاحم عدة من الرجال على امرأة واحدة فيأمن الناس النظام والتقاتل اللذين يؤدي إليهما ذاك التزاحم . والثانية أنه يحفظ الأنساب ويجعل لأولاد كل زوجة أبا معروفا يتكفل برعايتهم والمحافظة عليهم في طفولتهم وبعدها حتى يبلغوا أشدهم فيأمنوا الضياع والفناء.
ففي سد الذريعة إلى التقاتل والتظالم . وفي قيام كل أب بالمحافظة على بنيه والعناية بهم بقاء لأفراد النوع على أكمل وجوه البقاء .
ولا كذلك إذا كان الاجتماع على غير نظام الزواج الشرعي ولم يكن الاختصاص بل كان الشيوع والاشتراك فإن هذا يؤدي إلى التقاتل ولا يعرف معه نسب لمولود فينشأ الطفل لا يعرف له أب يدفع عنه غوائل الهلاك في طفولته ويرعاه فيما بعد ذلك حتى يبلغ أشده فإن نجا من الفناء بقى بقاء الهمل .
فالتناسل، وتوزيع مسئولية المحافظة على النسل والقيام بشؤونه بين الآباء وتأمين أفراد النوع من التظالم والتقاتل هي أولى الأغراض من تشريع الزواج .
ومن هذا تفهم الحكمة فيما رواه أبو داود عن معقل بن يسار أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها . فنهاه . ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك . ثم أتاه الثالثة فقال : « تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ».
( وثانيها ) - تحديد العلاقة بين الزوجين وبيان حقوق كل منهما قبل الآخر وواجباته عليه . لأنه مادام اجتماع الذكور بالإناث من الضرورات التي اقتضتها الفطرة الجنسية لابد من تشريع نظام يقوم على أساسه هذا الاجتماع حتى يأمن أحدهما عدوان صاحبه ويثمر الاجتماع ثمرته المقصودة من تعاون الزوجين وقيام الزوج بأعباء الحياة الخارجية وقيام الزوجة بالشئون المنزلية وسكون أحدهما إلى الآخر وأنسه به واطمئنانه إليه وتبادلهما المودة والرحمة التي أشار الله سبحانه إليها بقوله في سورة الروم : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .
( وثالثها ) - تحصين النفس وقضاء حاجاتها الجنسية من الطريق التي أحلها الله والبعد بها عن انتهاك الحرمات . وفي هذا حفظ الأخلاق والأعراض ووقاية من الشحناء والبغضاء . قال الله تعالى في سورة النساء بعد بيان المحرمات : ( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ) أي أن الله سبحانه أحل لكم من النساء ما عدا هذه المحرمات التي بينها لتبتغوها بأموالكم ومهوركم حلائل لكم قاصدين تحصين أنفسكم من الوقوع في الحرام غير زناة . وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » .
وروى البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الباقي ».
فالزواج نظام إلهي شرعه الله المصلحة المجتمع الإنساني وسعادة أفراده وحفظ كيان الأسرة التي هي عماد الأمة ، ولهذا حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغب فيه بعدة أحاديث صحيحة .
منها ما رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمروبن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة »
وما رواه أبو داود والحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء . المرأة الصالحة . إذا نظر إليها سرته . وإذا غاب عنها حفظته . وإذا أمرها أطاعته ).
وما رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر ».
وما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن . ولا تزوجوهن الأمواطن فعسى أموالهن أن تطغيهن . ولكن تزوجوهن على الدين . ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل ».
وليس شيء أضر بالأمة وأدعى إلى فنائها وانتشار الفسق والفجور فيها من إعراض شبابها عن الزواج . وإذا رئي أن الزواج بين بعض الأزواج مصدر للخصومات والشقاء وتبادل الكيد والإضرار فليس منشأ هذا أن الزواج نظام غير صالح وإنما منشؤه أن هؤلاء الأزواج أساءوا استعمال هذا النظام ولم يسيروا على سنن الدين لا في خطبة الزوجات ولا في العشرة الزوجية ولم يقفوا عند حدوده فكانت زوجيتهم مصدر شقائهم . وكذلك كل قانون عادل أو نظام صالح إذا أسيء تطبيقه أنتج نقيض ما شرع لأجله ولو أن الحياة الزوجية قامت على أساس . ما شرعه الله من حسن المعاشرة وقيام كل واحد من الزوجين بواجبه ما كانت مصدر نزاع أو شقاء .
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 15ـ 16 )
تعريف الزواج وحكمته ووصفه الشرعي :
تعريف الزواج :
الزواج في اللغة (الاقتران) فهو اقتران أحد الشيئين بالآخر وارتباطهما بعد أن كان كل منهما منفصلا عن الآخر، ومنه قوله تعالى:( وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ )، فمعناه: قرناهم بهن.
وقد ذاع استعمال كلمة (الزواج في اقتران الرجل بالمرأة على سبيل الدوام التكوين المنزل والأسرة بحيث إذا أطلق (الزواج لا يقصد منه إلا هذا المعنى).
والزواج شرعا هو عقد يقصد به حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به، طلبا للنسل، على الوجه المشروع .
ويطلق على عقد الزواج أيضا عقد النكاح) .
حكمة الزواج:
ليس الغرض من الزواج هو قضاء الوطر الجنسي فقط - بل للزواج أغراض أخرى تسمو على هذا الغرض نذكر منها ما يأتي:
١- أن الزواج رابطة روحية تجمع بين الزوجين أساسها المودة والرحمة إذا يسكن الرجل إلى امرأته فتكون أمينة على سره، وحافظة لماله في غيبته وصاحبته في خلواته، وهو ما يشيع الاستئناس والبهجة في حياة الزوجين، ويكون ذخيرة لهما في مواجهة أعباء الحياة ومتاعبها. . وفي هذا يقول الله تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .
وقد بنت محكمة الخليفة الجزئية قضاءها في الدعوى رقم 373 لسنة 1958 وهي دعوى طاعة، على ما تقدم، فقد دفعت فيها المدعى عليها بأنها طعنت في السن وانتابها الأمراض وتراكمت عليها العلل وفقدت بصرها وشبابها وصارت حطاما باليا لا تصلح لأغراض الزوجية ومقاصدها الشرعية التي شرعها الله سبحانه وتعالى، وعلى ذلك فلا طاعة لزوجها (المدعى ) عليها وصار من الواجب تسريحها بإحسان، وردت المحكمة بأسباب حكمها على هذا الدفع فقالت: «أن الزواج كما يقصد للمتعة وابتغاء النسل فمن مقاصده أيضا أن يأنس الزوج بزوجته - وأن تكون أمينة على سره وحافظة لماله في غيبته، وصاحبته في خلواته، وهذا المقصد متحقق، سواء كانت الزوجة شابة أم عجوزة، صحيحة أو مريضة، مبصرة أو عمياء».
وقد تأيد هذا الحكم استئنافيا بتاريخ 1959/11/16 .
٢- الزواج هو الوسيلة المنظمة الحقيقة لإنجاب الأولاد وزيادة النسل حفاظا على استمرار النوع البشري، مع الحفاظ على الأنساب وقد ندبت الشريعة إلى النسل.
فقد قال النبي عليه السلام: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة».
ويروى أن الأحنف بن قيس دخل على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا به - فقال يا أبا عمر ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد - فقال: يا أمير المؤمنين هم عماد ظهورنا، وتمر قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف لمن بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة وسماء ظليلة إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك (طلبوا منك الرضى) فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك (عطائك) فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك ».
فقال : الله درك يا أبا عمر، هم كما وصفت.
3- الزواج هو أساس الأسرة، والأسرة هي الخلية الأولى في بناء المجتمع، وفي هذه الأسرة يتربى الفرد، ويعرف فيها ما له من حقوق وما عليه من واجبات، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع كله لأنه يتكون من جماع ما به من أسر.
4- الزواج يكفل توزيع الأعباء بين الزوجين بما يحقق راحة كل منهما وانتظام معيشة الأسرة من ناحية، وانتظام العدل في المجتمع من ناحية أخرى. فالزوج يختص بالعمل خارج المنزل والحصول على المال اللازم للإنفاق، بينما تختص الزوجة برعاية منزلها وتربية أولادها وتهيئة الجو الصالح للرجل الذي يذهب بعنائه ويجدد نشاطه.
بل إن الزواج بما يرتبه من تبعات على الرجل في الحصول على النفقة اللازمة لزوجته وأولاده، يحفزه على المزيد من العمل، وهو ما يحقق زيادة في الإنتاج.
ومن أجل هذه المعاني الطيبة للزواج حث الإسلام على الزواج في الكتاب والسنة:
فقال تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .
وقوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) .
وقوله تعالى: ( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ).
وقال النبي عليه السلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» .
وقوله عليه السلام: «إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه، فليتق الله في النصف الثاني».
وقوله عليه السلام: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».
وقوله عليه السلام: «ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته».
وقد روى أن نفرا من أصحاب الرسول عليه السلام قال بعضهم لا أتزوج، وقال بعضهم: أصلي ولا أنام، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فبلغ ذلك الرسول عليه السلام فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا، وكذا، لكني أصوم وأفطر - وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
الوصف الشرعي للزواج :
المقصود بالوصف الشرعي، ما يسمى في اصطلاح الأصوليين بالحكم التكليفي، أي ما يحكم به الشارع على أفعال الإنسان أو أقواله: من وجوب، أو حرمة، أو ندب، أو إباحة. أو غير ذلك.
والوصف الشرعي للزواج يختلف باختلاف الزوج في طبيعته البشرية وقدرته المالية.
فالزواج قد يكون فرضا، أو واجبا، أو حراما، أو مكروها.
ونتناول ذلك بالتفصيل الأتي :
1- يكون الزواج فرضا، إذا كان المكلف يتأكد الوقوع في الزنا إذا لم يتزوج، وكان قارا على مطالب الزواج المالية من مهر ونفقة، وواثقا من العدل في المعاملة مع زوجته إذا تزوج.
وأساس ذلك، أن ترك الزنى فرض، وعدم الزواج يوقع فيه حتما، فلزم الزواج، لأن من المقرر في الشريعة أن ما لا يتحقق الفرض إلا به فهو فرض.
2- يكون الزواج واجبا إذا كان المكلف قادرا على مطالب الزواج المالية وإقامته العدل مع زوجته إذا تزوج، ويغلب على ظنه الوقوع في الزنى إذا لم يتزوج.
والالتزام هنا دونه في الحالة السابقة إذ اللزوم في الواجب أقل مرتبة من اللزوم في الفرض.
3- يكون الزواج حراما إذا كان المكلف غير قادر على مطالب الزواج المالية أو متيقنا أنه سيظلم زوجته إذا تزوج - والزواج حرام في هذه الحالة لأنه سيؤدي إلى الإضرار بالزوجة والإضرار بالغير حرام شرعا، وكل ما يوصل إلى الحرام فهو حرام.
وحرمة الزواج هنا ليست لذاته بل تغيره لأنه يؤدي إلى الحرام.
4 - يكون الزواج مكروها، إذا كان المكلف قادرا على مطالب الزواج المالية ويغلب على ظنه أنه يقع في الظلم في معاملة زوجته إذا تزوج.
5- يكون الزواج مندوبا، إذا كان المكلف في حال اعتدال، وقادرا على مطالب الزواج المالية، ولا يقع في الظلم مع زوجته، ولا يقع في الزنا لو لم يتزوج ولا يخشى الوقوع فيه.
وهذه الحال هي الأصل، ولذلك قال فقهاء الحنفية أن الأصل في النكاح أنه سنة أو مندوب أو مستحب - على اختلاف العبارات الواردة بالكتب، أما الفرضية والوجوب والكراهة والتحريم فتجئ لأمور نفسية عارضة ترفع النكاح إلى مرتبة اللزوم أو تنزل به إلى درجة المحرم.
أما إذا تعارض ما يجعل الزواج فرضا، وما يجعله حراما، كما إذا تيقن المكلف أنه سيرتكب معصية الزني إن لم يتزوج، وتيقن أيضا أنه سيظلم زوجته إن تزوج. في هذه الحالة يجب على المكلف أن يجاهد النفس لكي يعدل مع زوجته إذا اختار الزواج، وعليه أن يجاهد نفسه ويكبح جماح شهوته إذا اختار عدم الزواج، يدل على ذلك قوله تعالى: ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ ) . وقول الرسول عليه السلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» .
أركان عقد الزواج
تعريف:
ركن الشيء، هو ما لا يوجد الشيء إلا به لأنه جزء منه، فالركن قوام الشيء، كالركوع والسجود بالنسبة للصلاة، وكالورق بالنسبة للكتاب.
أما الشرط فهو ما يتوقف وجود الشيء عليه دون أن يكون جزءا منه فالشرط خارج عن حقيقة الشيء، كالوضوء بالنسبة للصلاة، والكاتب بالنسبة للكتاب .
وعلى هذا يكون ركن الزواج هو صيغة العقد والزوجان، ولما كان وجمود الصيغة شرعا يقتضي وجود الزوجين فقد اقتصر أكثر الفقهاء في عد أركان الزواج على الصيغة.
وتتألف صيغة عقد الزواج - كما تتألف صيغ كل العقود - من الإيجاب والقبول. والإيجاب عبارة تصدر من أحد المتعاقدين - سواء الرجل أو المرأة - يريد إنشاء الارتباط و إيجاده، والقبول عبارة تصدر من المتعاقد الآخر يريد بها الموافقة على الإيجاب - وباجتماع الإرادتين على المعنى المقصود وهو الزواج يتحقق العقد، أو بمعنى آخر ينعقد العقد.
ألفاظ العقد:
اتفق الفقهاء على أن الزواج يعقد بلفظ (النكاح)، كما يعقد بلفظ (الزواج) أو ما اشتق من هذين اللفظين، لأن اللفظين المذكورين هما الموضوعان له شرعا.
. غير أن هناك بعض الألفاظ التي لم توضع أصلا لإفادة معنى الزواج، ولكنها تدل عليه بطريق المجاز لا الحقيقة، لوجود العلاقة بين المعاني التي وضعت لها هذه الألفاظ، وبين المعنى المجازي وهو الزواج، وهذا المجاز إما أن يكون مشهورا وصل إلى درجة الحقيقة اللغوية، أو مجازا وضحت فيه القرينة على أن المقصود بالألفاظ إنشاء عقد الزواج، لا المعاني الحقيقية لها، كأن ينطق بهذه الألفاظ في مجلس مهيأ لعقد الزواج، أو أن يكون هناك خطبة أو تسمية مهر .
وقد اختلف الفقهاء في شأن انعقاد العقد بهذه الألفاظ على التفصيل الآتي:
1- ألفاظ المجاز التي تدل على تمليك الأعيان في الحال بغير عوض، كلفظ الهبة والصدقة، والتمليك والجعل، كأن يقول الأب للرجل جعلت بنتى لك بألف جنيه.
وقد أجاز الحنفية انعقاد العقد بهذه الألفاظ، وكذلك أجازها الإمام مالك وأحمد بن حنبل. وسندهم في ذلك أن هذه الألفاظ مجاز مشهور، وأن الكتاب والسنة يدلان على انعقاد الزواج بغير لفظي الزواج والنكاح.
وقد ورد في السنة لفظ الملك بمعنى الزواج، فقد قال النبي عليه السلام لمن رغب في الزواج ولم يجد مالا يتزوج به «ملكتكها بما معك من القرآن»، ومن ثم يأخذ حكم لفظي الهبة والتمليك غيرهما من الألفاظ التي تفيد ملك العين في الحال دون عوض.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 14 ربيع ثان 1369 هـ . فبراير 1950 م بانعقاد النكاح بلفظ الهبة.
فقد جاء بفتواها :
«إن النكاح ينعقد بلفظ الهبة فإذا وهبت المرأة نفسها لرجل بحضور شاهدين كان عقد النكاح صحيحا متى استوفى شرائطه الشرعية فتحل به الزوجة لزوجها شرعا غير أنه يلزم إثباته رسميا تفاديا للأضرار التي تلحق الزوجين من عدم إثباته والله أعلم».
2- ألفاظ المجاز التي تدل على تمليك الأعيان في الحال بعوض مثل البيع و الشراء)، كأن تقول المرأة للرجل بعت نفسي لك، أو يقول الرجل لها: أشتريك لنفسي.
وقد اختلف فقهاء المذهب الحنفي في انعقاد الزواج بها. والصحيح عندهم انعقاد الزواج بها، وذلك لأن اللفظ اقترن بما يدل على إرادة الزواج، وهو يفيد ملك العين التي تقتضي حل المتعة كان مستعملا في حقيقة معنى الزواج فيجوز.
3- ألفاظ المجازر التي تكلل على تمليك المنفعة في الحال مثل لفظ الإجارة، والصحيح عند الحنفية أن الزواج لا ينعقد بهذه الأفعال الألفاظ للمنافاة مما تدل عليه لحقيقة الزواج لأن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتة وهو ما ينافي معنى الزواج لأنه بعقد الدوام .
ولا يعقد النكاح باتفاق الأحناف بألفاظ الإباحة والإحلال والإعارة والإيداع والرهن لأنها لا تقعيد ملك العين ولا مالك المتعة فلا تتحقق بها العلاقة .
والنكاح لا ينعقد بفعل كالتعاطي، على خلاف العقود الأخرى كالبيع، فلو قالت امرأة بحضرة الشهود لرجل زوجتك نفسي بمائة جنيه فلها المائة جنيه في المجلس ولم يأت بلفظ معين يفيد القبول لم ينعقد هذا من ناحية الإيجاب ، أما القبول فيتحقق بكل لفظ يدل على موافقة الطرق التي ورضاه بالإيجاب الذي صدر من الطرف الأول، لإتمام العقد. قبلت ورضيت ، وأجزت ، ووافقت، وما إلى ذلك، بدون اشتراط القظ معيين، ولا مادة مخصوصة .
انعقاد العقد بغير اللغة العربية :
اتفق الفقهاء على أن الزواج ينعقد بغير اللغة العربية إذا كان المتعاقدان أو أحدهما لا يفهم العربية.
أما إذا كان العاقدان يفهمان العربية، فقد تهي ألبو حنيفة ومالك والمصعد إلى انعقاد العقد بغير اللغة العربية بالألفاظ الدالة عالية التي أختالاها منها ، لأن الإسلام لم يحرم التحدث بغير اللغة العربية، وربما كانت اللغة التي استعملها الطرفان في العقد هي لغتهما الأصلية، كالتركية بالنسبة للأتراك ، والأردية بالنسبة للهنود.
ما الشافعي فذهب إلى أنه إذا كان العاقدان يفهمان اللغة العربية، فإن العقد لا ينعقد بغيرها، مثل الصلاة لا تصح ممن يلم بالعربية بغير القراءة العربية.(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 53)
الأحكام العامة للزواج
الزواج : هو عقد يفيد حل الاستمتاع الحد الزوجين بالآخر شرعا بقصد الاحصان وإنشاء أسرة مستقرة تقوم على المودة والرحمة .
فموضوع عقد الزواج هو امتلاك المتعة على الوجه المشروع ، ولكن ليس هذا كل أغراضه ، بل إن الغرض الأسمى من ذلك هو التناسل وحفظ النوع الإنساني وأن يجد في كل من العاقدين في صاحبه الأنس الروحي الذي يؤلف الله به بينهما ، فتكون به الراحة وسط متاعب الحياة وشدائدها ، وقد عبر عن ذلك القرآن الكريم {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ }} وقوله تعالى {{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً }} والزواج سنة من سنن الفطرة ، وضرين من ضرورات الحياة ، به تحفظ الأنساب والأحساب ، وبه تصان الأعراض والحرمات ، وبه تتوثق الصلات بين الأفراد والأسر والمجتمعات .
فعقد الزواج يبيح لكل من الزوجين الاستمتاع بالآخر ويترتب عليه حقوق وواجبات متبادلة بين طرفيه ، وهو من أشرف العقود وأوثقها ، لذلك فقد سمي بالميثاق الغليظ الذي يباركه الله ويحب استدامته ، كما قال الله تعالى {{ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا }} أي أخذن منكم عهدة وثيقة مؤكدة ، هو العقد الشرعي " عقد النكاح " وهو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حجة الوداع {{ اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله }} رواه مسلم فالمرأة سكن للرجل يجد بجوارها الراحة والأنس والاستقرار وجعل بينهما المحبة والشفقة ، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما { المودة } حب الرجل امرأته ، { والرحمة } شفقته عليها أن يصيبها بسوء ، ولولا هذه المودة والرحمة ما عطف رجل على امرأة ، وبذلك يصبح كل من الزوجين لباسا للآخر يخالطه مخالطة تامة ويسكن كما قال تعالى {{ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ }} فقد شبه الله تعالى المرأة باللباس ، الذي يزين الإنسان ويستر قبحه ، فلولا اللباس لبدت سوأة الرجل ، فالمرأة كاللباس للرجل تزينه وتكمله وتجمله ، والرجل سترا لها وسكن يزينها ويجملها ويسترها .
حكم الزواج:
الزواج القادر على أعبائه المادية والمعنوية ، دون أن يخشى على نفسه من الوقوع في الحرام إذا لم يتزوج فهو من السنة يحسن فعله ولا يأثم بترکه .
وذهب المالكية إلى أن الزواج ترد عليه أحكام أربعة :
(1) قد يكون واجبا في حق من وجد القدرة على الجماع والنفقة ويخشى على نفسه من الزنا إذا لم يتزوج وليس في استطاعته كف نفسه بالصيام وذلك حماية لدينه وصيانة لعرضه .
(2) وقد يكون حراما على من كان عاجزا عن النفقة أو الجماع ولا يخشى على نفسه من الزنا - ما لم ترض به المرأة فيجوز له أن يتزوج .
(3) وقد يكون مندوبة إذا لم يكن له رغبة في الزواج رجاء النسل بشرط أن يكون قادرا على النفقة والقدرة على الجماع .
(4) وقد يكون مكروها لما ليس له رغبة في الزواج أو ليس لدية القدرة على الأنفاق وهو قادر على الجماع ولا يخشى على نفسه من الوقوع في الزنا .
أركان عقد الزواج
1. العاقدان { الزوج والولي }
2.الحل .
3. الإيجاب والقبول .
الأصل في العقود أن يتولى إنشاءها عاقدان ينشئ أحدهما الإيجاب ، والآخر القبول ولا يجوز أن يتولى عاقد واحد إنشاء العقد من الجانبين في العقود المالية إلا في أحوال استثنائية مثل أن يبيع الأب لابنه أو أن يشتري من أبيه الذي هو في ولايته .
ولقد اختص عقد الزواج من بين العقود التي يمكن أن يتولاها عاقد واحد يقوم مقام العاقدين ، وتقوم عباراته مقام عبارتين ، وذلك بأن يكون له ولاية إنشاء العقد عن كلا الطرفين ، ولم يكن فضوليا بالنسبة لأحدهما ، بأن تكون له الولاية من الطرفين بأن يكون وليا عن الرجل والمرأة ، أو كان وكيلا من جانب وأصيلا من جانب كأن توكله من أن يزوجها من نفسه ، أو يكون وليا من الطرفين بأن يزوج حفيدته من أبن عمها الذي يعتبر حفيده أيضا وكلاهما في ولايته ، أو يكون وليا من جانب وأصيلا من جانب آخر كأن يزوج نفسه من أبنة عمه الذي هي في ولايته إذا رضيت به زوجا .
أولا : العاقدان :
يشترط أن تتوافر فيهما أهلية الأداء ولو ناقصة ، فيشترط فيمن يتولى إجراء العقد أن يكون متمتعة بالصفات التي تسوغ له شرعا مباشرة العقد ، فلا يصح أن يتولى العقد مجنون أو صبي غير مميز ، فإذا باشر العقد الصغير المميز إجراء العقد بنفسه كان عقدة صحيحة و موقوفا على إجازة الولى لأن له أهلية ناقصة ، فإذا أجازه فلا يحتاج إلى إجراء عقد جديد .
ثانيا : المحل:
وهو حل استمتاع كل من الرجل والمرأة بالآخر ، فلا يكون هناك ما يمنع حل الاستمتاع سواء أكان المانع على سبيل التأبيد أو التأقيت .
ثالثا : الإيجاب والقبول :
ويقصد بالإيجاب الكلام الذي يصدر أولا من أحد العاقدين دالا على رضاه بالعقد ويقصد بالقبول الكلام الذي يصدر من العاقد الثاني دالا على موافقته على ما أبداه الأول كأن يقول الولي زوجتك أبنتي أو أختي ، فيقول الزوج قبلت زواجي من أبنتك أو أختك ، ولا بأس أن يكون الإيجاب من الزوج والقبول من وإلى الزوجة فلا يشترط أن يصدر الإيجاب من جانب معين باللفظ الذي يصدر من أى العاقدين أولا يعتبر إيجابا والثاني يعتبر قبولا .
ويشترط في ذلك رضا المتعاقدين ، فلا يصح إكراه أحدهما ، لأن زواج المكره لا يصح عند جمهور الفقهاء .(الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للإصدارات القانونية ، الصفحة : 12)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 205
نِكَاحٌ
التَّعْرِيفُ:
النِّكَاحُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ نَكَحَ، يُقَالُ: نَكَحَ يَنْكِحُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ نِكَاحًا: مِنْ بَابِ ضَرَبَ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ: يُطْلَقُ عَلَى الْوَطْءِ، وَعَلَى الْعَقْدِ دُونَ الْوَطْءِ، وَيُقَالُ: نُكِحَتِ الْمَرْأَةُ: تَزَوَّجَتْ، وَنَكَحَ فُلاَنٌ امْرَأَةً: تَزَوَّجَهَا، قَالَ تَعَالَى: ) فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) وَنَكَحَ الْمَرْأَةَ: بَاضَعَهَا.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ النِّكَاحِ:
فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: النِّكَاحُ عَقْدٌ يُفِيدُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ بِالأُْنْثَى قَصْدًا، أَيْ يُفِيدُ حِلَّ اسْتِمْتَاعِ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَةٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ نِكَاحِهَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: النِّكَاحُ عَقْدٌ لِحِلِّ تَمَتُّعٍ بِأُنْثَى غَيْرِ مَحْرَمٍ وَمَجُوسِيَّةٍ وَأَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ بِصِيغَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: النِّكَاحُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إِبَاحَةَ وَطْءٍ بِلَفْظِ إِنْكَاحٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ تَرْجَمَتِهِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: النِّكَاحُ عَقْدُ التَّزْوِيجِ، أَيْ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ نِكَاحٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ تَرْجَمَتُهُ.
حَقِيقَةُ النِّكَاحِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ النِّكَاحِ إِلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ: أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي مِنْهُمْ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ مُجَرَّدًا عَنِ الْقَرَائِنِ - أَيْ مُحْتَمِلاً لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ بِلاَ مُرَجِّحٍ خَارِجٍ - يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ؛ لأِنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ، فَتَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهَا، كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ) وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) بِخِلاَفِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ) حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) لإِِسْنَادِهِ إِلَيْهَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا الْعَقْدُ لاَ الْوَطْءُ إِلاَّ مَجَازًا.
الرَّأْيُ الثَّانِي:
أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ لَفْظَ النِّكَاحِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْعَقْدِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ دَلِيلٌ لأِنَّهُ الْمَشْهُورُ فِي الْقُرْآنِ وَالأَْخْبَارِ، وَلأِنَّ النِّكَاحَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنْعَقِدُ بِهِمَا عَقْدُ النِّكَاحِ، فَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ كَاللَّفْظِ الآْخَرِ، وَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْكِتَابِ لَفْظُ النِّكَاحِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ إِلاَّ قوله تعالى: ) حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) لِخَبَرِ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» وَلِصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنِ الْوَطْءِ، وَلأِنَّ هُ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ وَلاَ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إِلاَّ إِلَيْهِ فَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْعُرْفُ.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ فِيهِمَا أَوْ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ فِيهِمَا.
وَقَالَ بَهْرَامُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَيُسْتَعْمَلُ لَفْظُ النِّكَاحِ - فِي الشَّرْعِ - فِي الْوَجْهَيْنِ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا بِالاِشْتِرَاكِ كَالْعَيْنِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: هُوَ مُشْتَرَكٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ، قَالَ الْمَرْدَاوِيُّ: وَعَلَيْهِ الأَْكْثَرُ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا مَعًا، فَلاَ يُقَالُ: هُوَ حَقِيقَةٌ عَلَى أَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ، بَلْ عَلَى مَجْمُوعِهِمَا، فَهُوَ مِنَ الأَْلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ، قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: هُوَ الأَْشْبَهُ، قَالَ الْمَرْدَاوِيُّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِشْتِرَاكِ وَالتَّوَاطُؤِ: أَنَّ الاِشْتِرَاكَ يُقَالُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ حَقِيقَةً بِخِلاَفِ الْمُتَوَاطِئِ، فَإِنَّهُ لاَ يُقَالُ حَقِيقَةً إِلاَّ عَلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ- الْخِطْبَةُ:
الْخِطْبَةُ - بِكَسْرِ الْخَاءِ - فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ خَطَبَ، يُقَالُ: خَطَبَ الْمَرْأَةَ خَطْبًا وَخِطْبَةً: طَلَبُهَا لِلزَّوَاجِ، وَخَطَبَهَا إِلَى أَهْلِهَا: طَلَبَهَا مِنْهُمْ لِلزَّوَاجِ، وَاخْتَطَبَ الْقَوْمُ فُلاَنًا: إِذَا دَعَوْهُ إِلَى تَزْوِيجِ صَاحِبَتِهِمْ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْخِطْبَةُ مُقَدِّمَةٌ لِلنِّكَاحِ.
ب- السِّفَاحُ:
السِّفَاحُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ سَافَحَ، يُقَالُ: سَافَحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ سِفَاحًا وَمُسَافَحَةً، وَهُوَ الْمُزَانَاةُ وَالْفُجُورُ؛ لأِنَّ الْمَاءَ يُصَبُّ ضَائِعًا، وَفِي النِّكَاحِ غُنْيَةٌ عَنِ السِّفَاحِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالسِّفَاحُ ضِدُّ النِّكَاحِ؛ لأِنَّ الْوَطْءَ فِي السِّفَاحِ حَرَامٌ، وَفِي النِّكَاحِ حَلاَلٌ.
ج- الطَّلاَقُ:
الطَّلاَقُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ طَلَقَ - بِفَتْحِ اللاَّمِ وَضَمِّهَا - يُقَالُ: طَلَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا طَلاَقًا: بَانَتْ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الطَّلاَقُ حَلُّ عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَمَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ: حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْضِهِ - أَيْ بَعْضِ قَيْدِ النِّكَاحِ - إِذَا طَلَّقَهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّلاَقَ حَلٌّ لِقَيْدِ النِّكَاحِ.
مَشْرُوعِيَّةُ النِّكَاحِ وَحِكْمَتُهُ:
ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ النِّكَاحِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ) وَأَنْكِحُوا الأَْيَامَى مِنْكُمْ).
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ».
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَشْرُوعٌ، وَنَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ مِنْ عَهْدِ آدَمَ عليه السلام، وَاسْتَمَرَّتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ، بَلْ هُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي الْجَنَّةِ.
وَأَمَّا حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ النِّكَاحِ فَهِيَ مُتَعَدِّدَةُ الْجَوَانِبِ، مِنْهَا: حِفْظُ النَّسْلِ، وَإِخْرَاجُ الْمَاءِ الَّذِي يَضُرُّ احْتِبَاسُهُ بِالْبَدَنِ، وَنَيْلُ اللَّذَّةِ، وَهَذِهِ الأَْخِيرَةُ هِيَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ؛ إِذْ لاَ تَنَاسُلَ هُنَاكَ وَلاَ احْتِبَاسَ.
وَقَالَ الْبَابَرْتِيُّ: مَا اتُّفِقَ فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِثْلَ مَا اتُّفِقَ فِي النِّكَاحِ مِنَ اجْتِمَاعِ دَوَاعِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالطَّبْعِ، فَأَمَّا دَوَاعِي الشَّرْعِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا دَوَاعِي الْعَقْلِ: فَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يُحِبُّ أَنْ يَبْقَى اسْمُهُ وَلاَ يَنْمَحِيَ رَسْمُهُ، وَمَا ذَلِكَ غَالِبًا إِلاَّ بِبَقَاءِ النَّسْلِ، وَأَمَّا دَوَاعِي الطَّبْعِ: فَإِنَّ الطَّبْعَ الْبَهِيمِيَّ مِنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى يَدْعُو إِلَى تَحْقِيقِ مَا أُعِدَّ مِنَ الْمُبَاضَعَاتِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْمُضَاجَعَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَلاَ مَزْجَرَةَ فِيهَا إِذَا كَانَتْ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ بِدَوَاعِي الطَّبْعِ بَلْ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْعَقْدِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، مِنْ ذَلِكَ حِفْظُ النِّسَاءِ وَالْقِيَامُ عَلَيْهِنَّ وَالإِْنْفَاقُ، وَصِيَانَةُ النَّفْسِ عَنِ الزِّنَا، وَتَكْثِيرُ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَتَحْقِيقُ مُبَاهَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَْنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه - كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي لأََتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَمَا لِي فِيهَا حَاجَةٌ، وَأَطَؤُهَا وَمَا أَشْتَهِيهَا، قِيلَ لَهُ: وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: حُبِّي أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنِّي مَنْ يُكَاثِرُ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّبِيِّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَأَضَافَ السَّرَخْسِيُّ قَوْلَهُ: وَسَبَبُهُ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمَقْدُورِ بِهِ إِلَى وَقْتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِبَقَاءِ الْعَالَمِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَبِالتَّنَاسُلِ يَكُونُ هَذَا الْبَقَاءُ، وَهَذَا التَّنَاسُلُ يَحْصُلُ عَادَةً بِالْوَطْءِ، فَجَعَلَ الشَّرْعُ طَرِيقَ ذَلِكَ الْوَطْءِ النِّكَاحَ؛ لأِنَّ فِي التَّغَالُبِ فَسَادًا، وَفِي الإِْقْدَامِ بِغَيْرِ مِلْكٍ اشْتِبَاهَ الأَْنْسَابِ وَهُوَ سَبَبٌ لِضَيَاعِ النَّسْلِ، وَهَذَا الْمِلْكُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْلُ الآْدَمِيِّ مِنَ الْحُرِّيَّةِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِطَرِيقِ النِّكَاحِ، فَهَذَا مَعْنَى أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ الْبَقَاءُ الْمَقْدُورُ إِلَى وَقْتِهِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ تَجْرِي عَلَيْهِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، فَيَكُونُ وَاجِبًا - أَوْ فَرْضًا - أَوْ مُسْتَحَبًّا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
أَوَّلاً: الْوُجُوبُ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: النِّكَاحُ يَكُونُ وَاجِبًا عِنْدَ التَّوَقَانِ، أَيْ شِدَّةِ الاِشْتِيَاقِ بِحَيْثُ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ؛ إِذْ لاَ يَلْزَمُ مِنَ الاِشْتِيَاقِ إِلَى الْجِمَاعِ الْخَوْفُ الْمَذْكُورُ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَكَذَا فِيمَا يَظْهَرُ لَوْ كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ مَنْعُ نَفْسِهِ عَنِ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ أَوْ عَنِ الاِسْتِمْنَاءِ بِالْكَفِّ، فَيَجِبُ التَّزَوُّجُ وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا.
وَيَكُونُ النِّكَاحُ فَرْضًا إِنْ تَيَقَّنَ الزِّنَا إِلاَّ بِهِ، بِأَنْ كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ الاِحْتِرَازُ عَنِ الزِّنَا إِلاَّ بِهِ؛ لأِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّلُ إِلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ النِّكَاحِ أَوْ فَرْضِهِ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ قَامَتْ بِهِ حَالَةُ الْوُجُوبِ أَوِ الْفَرْضِ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَزَادَ فِي الْبَحْرِ شَرْطًا آخَرَ فِيهِمَا وَهُوَ: عَدَمُ الْجَوْرِ أَيِ الظُّلْمِ، فَإِنْ وُجِدَتِ الشُّرُوطُ كَانَ الْحُكْمُ، وَإِلاَّ فَلاَ إِثْمَ بِتَرْكِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ النِّكَاحُ عَلَى الرَّاغِبِ إِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ، أَوْ أَدَّى إِلَى عَدَمِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا مَعَ وُجُوبِ إِعْلاَمِهَا بِذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ النِّكَاحُ لَوْ خَافَ الْعَنَتَ وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ، وَحَكَى ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ هَذَا الْحُكْمَ وَجْهًا فَقَالَ: وَوَجْهٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ خَافَ زِنًا، قِيلَ: مُطْلَقًا لأِنَّ الإِْحْصَانَ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ بِهِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُرِدِ التَّسَرِّيَ، وَتَلْحَقُ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَيَجِبُ النِّكَاحُ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لاَ يَنْدَفِعُ عَنْهَا الْفَجَرَةُ إِلاَّ بِالنِّكَاحِ.
وَقَالُوا: يَجِبُ النِّكَاحُ بِالنَّذْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، قَالَ الشَّرْوَانِيُّ: خِلاَفًا لِنِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ وَالشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ.
وَقَالَ الشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ: لاَ يُلْزَمُ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا وَإِنِ اسْتَحَبَّ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ رحمه الله تعالى، قَالَ الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: سَوَاءٌ احْتَاجَ إِلَيْهِ أَمْ لاَ، تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ أَمْ لاَ.
وَقِيلَ: النِّكَاحُ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الأُْمَّةِ لاَ يَسُوغُ لِجَمَاعَتِهِمِ الإِْعْرَاضُ عَنْهُ لِبَقَاءِ النَّسْلِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ النِّكَاحُ عَلَى مَنْ يَخَافُ الزِّنَا بِتَرْكِ النِّكَاحِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، سَوَاءً كَانَ خَوْفُهُ ذَلِكَ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا، لأِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ نَفْسِهِ وَصَرْفُهَا عَنِ الْحَرَامِ، وَطَرِيقُهُ النِّكَاحُ، وَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ عَلَى حَجٍّ وَاجِبٍ نَصًّا لِخَشْيَةِ الْمَحْظُورِ بِتَأْخِيرِهِ بِخِلاَفِ الْحَجِّ.
وَفَصَّلَ الْبُهُوتِيُّ بَعْضَ الْمَسَائِلِ فَقَالَ: وَلاَ يَكْتَفِي فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ يَكُونُ التَّزْوِيجُ فِي مَجْمُوعِ الْعُمُرِ لِتَنْدَفِعَ خَشْيَةُ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ.
وَلاَ يَكْتَفِي فِي الاِمْتِثَالِ بِالْعَقْدِ فَقَطْ، بَلْ يَجِبُ الاِسْتِمْتَاعُ لأِنَّ خَشْيَةَ الْمَحْظُورِ لاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِهِ.
وَيُجْزِئُ تَسَرٍّ عَنْهُ لقوله تعالى: ) فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).
وَمَنْ أَمَرَهُ بِالنِّكَاحِ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا قَالَ أَحْمَدُ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِوُجُوبِ بِرِّ وَالِدَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالَّذِي يَحْلِفُ بِالطَّلاَقِ لاَ يَتَزَوَّجُ أَبَدًا إِنْ أَمَرَهُ بِهِ أَبُوهُ تَزَوَّجَ، قَالَ الشَّيْخُ: وَلَيْسَ - لأَِبَوَيْهِ - إِلْزَامُهُ بِنِكَاحِ مَنْ لاَ يُرِيدُ نِكَاحَهَا لِعَدَمِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا.
وَيَجِبُ النِّكَاحُ بِالنَّذْرِ مِنْ ذِي الشَّهْوَةِ، لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»
وَأَمَّا نَحْوُ الْعِنِّينِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ إِذَا نَذَرَهَا.
ثَانِيًا: النَّدْبُ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: النِّكَاحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الأَْصَحِّ - وَهُوَ مَحْمَلُ الْقَوْلِ بِالاِسْتِحْبَابِ - فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، لأِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ مُؤْثِمٌ، وَيُثَابُ إِنْ نَوَى وَلَدًا وَتَحْصِينًا، أَيْ مَنْعَ نَفْسِهِ وَنَفْسِهَا عَنِ الْحَرَامِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى مُجَرَّدَ الاِتِّبَاعِ وَامْتِثَالِ الأَْمْرِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ نَوَى مُجَرَّدَ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَاللَّذَّةِ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِي حَالِ الاِعْتِدَالِ، أَيِ الْقُدْرَةِ عَلَى وَطْءٍ وَمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ، وَأَمَّا حَالُ الاِعْتِدَالِ فِي التَّوَقَانِ فَذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَكُونَ بِالْمَعْنَى الْمَارِّ فِي الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ وَهُوَ شِدَّةُ الاِشْتِيَاقِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي غَايَةِ الْفُتُورِ كَالْعِنِّينِ، بَلْ يَكُونُ بَيْنَ الْفُتُورِ وَالشَّوْقِ، وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فَلأِنَّ الْعَجْزَ عَنْهُمَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ فَيُسْقِطُ السُّنِّيَّةَ بِالأَْوْلَى.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ النِّكَاحَ مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ فَإِنَّهُ يُرَجِّحُهُ عَلَى النَّوَافِلِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي» وَالسُّنَنُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّوَافِلِ، وَلأِنَّ هُ أَوْعَدَ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَلاَ وَعِيدَ عَلَى تَرْكِ النَّوَافِلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوَاظَبَ عَلَيْهِ، أَيْ دَاوَمَ وَثَبَتَ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لَمْ يُخِلَّ عَنْهُ، بَلْ كَانَ يَزِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى تَزَوَّجَ عَدَدًا مِمَّا أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَوْ كَانَ التَّخَلِّي أَفْضَلَ لَمَا فَعَلَ، لأِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لاَ يَتْرُكُونَ الأَْفْضَلَ فِيمَا لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ، لأِنَّ تَرْكَ الأَْفْضَلِ فِيمَا لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ يُعَدُّ زَلَّةً مِنْهُمْ، وَإِذَا ثَبَتَ أَفْضَلِيَّةُ النِّكَاحِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَبَتَ فِي حَقِّ الأُْمَّةِ، لأِنَّ الأَْصْلَ فِي الشَّرَائِعِ هُوَ الْعُمُومُ، وَالْخُصُوصُ بِدَلِيلٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَقْصُودٍ هُوَ مُفَضَّلٌ عَلَى النَّوَافِلِ، لأِنَّهُ سَبَبٌ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنِ الْفَاحِشَةِ، وَسَبَبٌ لِصِيَانَةِ نَفْسِهَا - أَيِ الزَّوْجَةِ - عَنِ الْهَلاَكِ بِالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَاللِّبَاسِ لِعَجْزِهَا عَنِ الْكَسْبِ، وَسَبَبٌ لِحُصُولِ الْوَلَدِ الْمُوَحِّدِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ مُفَضَّلٌ عَلَى النَّوَافِلِ، فَكَذَا السَّبَبُ الْمُوَصِّلُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: الشَّخْصُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي النِّكَاحِ رَغْبَةٌ أَوْ لاَ: فَالرَّاغِبُ إِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَدَّى إِلَى الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ أَوْ أَدَّى إِلَى عَدَمِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، أَوْ مَعَ وُجُودِ مُقْتَضَى تَحْرِيمِ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ إِعْلاَمِهَا بِذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَخْشَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا نُدِبَ لَهُ النِّكَاحُ إِلاَّ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى حَرَامٍ فَيُحَرَّمُ. وَغَيْرُ الرَّاغِبِ إِنْ أَدَّاهُ إِلَى قَطْعٍ مَنْدُوبٍ كُرِهَ وَإِلاَّ أُبِيحَ إِلاَّ أَنْ يَرْجُوَ نَسْلاً أَوْ يَنْوِيَ خَيْرًا مِنْ نَفَقَةٍ عَلَى فَقِيرَةٍ أَوْ صَوْنٍ لَهَا فَيُنْدَبُ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى مُحَرَّمٍ وَإِلاَّ حُرِّمَ. وَالأَْصْلُ فِي النِّكَاحِ النَّدْبُ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ النَّدْبَ بِأَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا ذَا أُهْبَةٍ، وَزَادَ الْحَطَّابُ بِأَنْ لاَ يَخْشَى الْعَنَتَ.
وَنَقَلَ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّ الإِْنْفَاقَ مِنَ الْكَسْبِ الْحَرَامِ لاَ يَجُوزُ مَعَهُ النِّكَاحُ وَإِنْ عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: النِّكَاحُ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، أَيْ تَائِقٍ لَهُ، بِأَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ إِلَى الْوَطْءِ، وَلَوْ خَصِيًّا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلاَمُ الإِْحْيَاءِ، يَجِدُ أُهْبَتَهُ مِنْ مَهْرٍ، وَكُسْوَةِ فَصْلِ التَّمْكِينِ، وَنَفَقَةِ يَوْمِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا، تَحْصِينًا لِدِينِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ بَقَاءِ النَّسْلِ وَحِفْظِ النَّسَبِ، وَلِلاِسْتِعَانَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ، وَلِخَبَرِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لقوله تعالى ) فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)
إِذِ الْوَاجِبُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالاِسْتِطَابَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ) مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) وَلاَ يَجِبُ الْعَدَدُ بِالإِْجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ) أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ وَلاَ يَخَافُ الزِّنَا يُسَنُّ لَهُ النِّكَاحُ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ»، عَلَّلَ أَمْرَهُ بِأَنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَخَاطَبَ الشَّبَابَ لأِنَّهُمْ أَغْلَبُ شَهْوَةً، وَذَكَرَهُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى لِلأَْمْنِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورِ النَّظَرِ وَالزِّنَا، وَيُسَنُّ لَهُ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا عَاجِزًا عَنِ الإِْنْفَاقِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَلأِنَّ هُ صلى الله عليه وسلم «زَوَّجَ رَجُلاً لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَلاَ وَجَدَ إِلاَّ إِزَارَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ»
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ قَلِيلِ الْكَسْبِ يَضْعُفُ قَلْبُهُ عَنِ التَّزَوُّجِ: اللَّهُ يَرْزُقُهُمُ، التَّزَوُّجُ أَحْصَنُ لَهُ.
هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُمْكِنُهُ التَّزَوُّجُ، فَأَمَّا مَنْ لاَ يُمْكِنُهُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) وَنَقَلَ صَالِحٌ: يَقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ، وَاشْتِغَالُ ذِي الشَّهْوَةِ بِالنِّكَاحِ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ وَمِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجْلِي إِلاَّ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا وَلِي طَوْلُ النِّكَاحِ فِيهِنَّ لَتَزَوَّجْتُ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَتِ الْعُزُوبَةُ مِنْ أَمْرِ الإِْسْلاَمِ فِي شَيْءٍ، وَلأِنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْ مَصَالِحِ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، لاِشْتِمَالِهِ عَلَى تَحْصِينِ فَرْجِ نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَحِفْظِهَا، وَالْقِيَامِ بِهَا، وَإِيجَادِ النَّسْلِ، وَتَكْثِيرِ الأُْمَّةِ، وَتَحْقِيقِ مُبَاهَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحِ أَحَدُهَا عَلَى نَفْلِ الْعِبَادَةِ.
ثَالِثًا: الْكَرَاهَةُ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَكُونُ النِّكَاحُ مَكْرُوهًا أَيْ تَحْرِيمًا - لِخَوْفِ الْجَوْرِ، فَإِنْ تَعَارَضَ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَخَوْفَ الْجَوْرِ لَوْ تَزَوَّجَ قُدِّمَ الثَّانِي، فَلاَ افْتِرَاضَ بَلْ يُكْرَهُ، لأِنَّ الْجَوْرَ مَعْصِيَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعِبَادِ، وَالْمَنْعُ مِنَ الزِّنَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عِنْدَ التَّعَارُضِ لاِحْتِيَاجِهِ وَغِنَى الْمَوْلَى تَعَالَى.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ النِّكَاحُ لِمَنْ لاَ يَشْتَهِيهِ وَيَقْطَعُهُ عَنْ عِبَادَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلنِّكَاحِ بِأَنْ لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ لَهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، أَوْ لِعَارِضٍ كَمَرَضٍ أَوْ عَجْزٍ.. كُرِهَ لَهُ إِنْ فَقَدَ الأُْهْبَةَ، لِمَا فِيهِ مِنِ الْتِزَامٍ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، قَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَحُكْمُ الاِحْتِيَاجِ لِلتَّزْوِيجِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ غَيْرِ النِّكَاحِ كَخِدْمَةٍ وَتَأَنُّسٍ كَالاِحْتِيَاجِ لِلنِّكَاحِ كَمَا بَحَثَهُ الأَْذْرَعِيُّ، وَفِي الإِْحْيَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنِ الْبَلْقِينِيِّ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ فِيمَنْ يَصِحُّ نِكَاحُهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، أَمَّا مَنْ لاَ يَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ كَالسَّفِيهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ عِنْدَهُمْ حُكِيَ بِقِيلَ يُكْرَهُ النِّكَاحُ لِمَنْ لاَ شَهْوَةَ لَهُ، قَالَ الْمَرْدَاوِيُّ فِي الإِْنْصَافِ: وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ عَنْ هَذِهِ الأَْزْمِنَةِ لِمَنْعِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا مِنَ التَّحْصِينِ بِغَيْرِهِ، وَيَضُرُّهَا بِحَبْسِهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِوَاجِبَاتٍ وَحُقُوقٍ لَعَلَّهُ لاَ يَقُومُ بِهَا، وَيَشْتَغِلُ عَنِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِمَا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ.
رَابِعًا: الْحُرْمَةُ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَكُونُ النِّكَاحُ حَرَامًا إِنْ تَيَقَّنَ الْجَوْرَ، لأِنَّ النِّكَاحَ إِنَّمَا شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ تَحْصِينِ النَّفْسِ وَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ بِالْوَلَدِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُوَحِّدُهُ، وَبِالْجَوْرِ يَأْثَمُ وَيَرْتَكِبُ الْمُحَرَّمَاتِ، فَتَنْعَدِمُ الْمَصَالِحُ لِرُجْحَانِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ إِذَا لَمْ يَخْشَ الزِّنَا، وَكَانَ نِكَاحُهُ يَضُرُّ بِالْمَرْأَةِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، أَوِ التَّكَسُّبِ مِنْ حَرَامٍ أَوْ تَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا لاِشْتِغَالِهِ بِتَحْصِيلِ نَفَقَتِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ لاَ يَصِحُّ نِكَاحُهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَالسَّفِيهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ.
وَقَالُوا: مَنْ لاَ تَحْتَاجُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَى النِّكَاحِ وَعَلِمَتْ مِنْ نَفْسِهَا عَدَمَ الْقِيَامِ بِحَاجَةِ الزَّوْجِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ حَرُمَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَيْسَ لِمُسْلِمٍ دَخَلَ دَارَ كُفَّارٍ بِأَمَانٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، وَلاَ يَتَسَرَّى إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، وَلاَ يَطَأُ زَوْجَتَهُ إِنْ كَانَتْ مَعَهُ وَلاَ أَمَتَهُ وَلاَ أَمَةً اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ وَلَوْ مَسْلِمَةً، وَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَوَّجَ أَبَا بَكْرٍ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهُمْ تَحْتَ الرَّايَاتِ». وَلأِنَّ الْكُفَّارَ لاَ يَدَ لَهُمْ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَنْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَأَمَّا الأَْسِيرُ فَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ: لاَ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ مَا دَامَ أَسِيرًا، لأِنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ إِذَا أُسِرَتْ مَعَهُ مَعَ صِحَّةِ نِكَاحِهِمَا، قَالَ الْبُهُوتِيُّ: فَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الْمُنْتَهَى.
خَامِسًا: الإِْبَاحَةُ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَكُونُ النِّكَاحُ مُبَاحًا إِنْ خَافَ الْعَجْزَ عَنِ الإِْيفَاءِ بِمَوَاجِبِهِ خَوْفًا غَيْرَ رَاجِحٍ، لأِنَّ عَدَمَ الْجَوْرِ مِنْ وَاجِبِهِ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ إِقَامَةَ السُّنَّةِ، بَلْ قَصَدَ مُجَرَّدَ التَّوَصُّلِ إِلَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَلَمْ يَخَفْ شَيْئًا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهِ، إِذْ لاَ ثَوَابَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، فَيَكُونُ مُبَاحًا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُبَاحُ النِّكَاحُ لِمَنْ لاَ يُولَدُ لَهُ وَلاَ يَرْغَبُ فِي النِّسَاءِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: إِذَا كَانَ لاَ إِرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ وَلاَ يَرْجُو نَسْلاً - لأِنَّهُ حَصُورٌ أَوْ خَصِيٌّ أَوْ مَجْبُوبٌ أَوْ شَيْخٌ فَانٍ أَوْ عَقِيمٌ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ - كَانَ مُبَاحًا، وَيُقَيَّدُ هَذَا بِمَا إِذَا لَمْ يَقْطَعْهُ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمِ الْمَرْأَةُ مِنْهُ كَوْنَهُ حَصُورًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ وَجَدَ الأُْهْبَةَ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَى النِّكَاحِ وَلاَ عِلَّةَ بِهِ فَلاَ يُكْرَهُ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
وَمَقَاصِدُ النِّكَاحِ لاَ تَنْحَصِرُ فِي الْجِمَاعِ، لَكِنَّ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ مِنَ الْمُتَعَبِّدِ أَفْضَلُ لَهُ مِنَ النِّكَاحِ إِذَا كَانَ يَقْطَعُهُ عَنْهَا، وَفِي مَعْنَى التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ التَّخَلِّي لِلاِشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهَا.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يُبَاحُ النِّكَاحُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ لِمَنْ لاَ شَهْوَةَ لَهُ كَالْعِنِّينِ وَالْمَرِيضِ وَالْكَبِيرِ، لأِنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لَهَا يَجِبُ النِّكَاحُ أَوْ يُسْتَحَبُّ، وَهِيَ خَوْفُ الزِّنَا أَوْ وُجُودُ الشَّهْوَةِ مَفْقُودَةٌ فِيهِ، وَلأِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَلَدُ وَهُوَ فِيمَنْ لاَ شَهْوَةَ لَهُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، فَلاَ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الْخِطَابُ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ لِعَدَمِ مَنْعِ الشَّرْعِ مِنْهُ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مُسَاوِيَةٌ لِلرَّجُلِ فِي هَذِهِ الأَْحْكَامِ إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَسَرَّى.
النِّكَاحُ وَالْعِبَادَةُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ النِّكَاحِ عِبَادَةً، وَفِي كَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنَ النَّوَافِلِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
أ- كَوْنُ النِّكَاحِ عِبَادَةً:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: النِّكَاحُ أَقْرَبُ إِلَى الْعِبَادَاتِ.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فِي النِّكَاحِ هَلْ هُوَ عِبَادَةٌ أَمْ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ: فَصَرَّحَ جَمْعٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ مَرْدُودٌ وَأَنَّهُ عِبَادَةٌ، بِدَلِيلِ أَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهِ وَالْعِبَادَةُ تُتَلَقَّى مِنَ الشَّرْعِ، وَصِحَّةُ النِّكَاحِ مِنَ الْكَافِرِ - مَعَ أَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَعِبَادَةُ الْكَافِرِ لاَ تَصِحُّ - لِمَا فِيهِ مِنْ عِمَارَةِ الدُّنْيَا كَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ وَالْعِتْقِ، فَإِنَّ هَذِهِ تَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ وَهِيَ مِنْهُ عِبَادَةٌ، وَتَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ عِبَادَةٌ، وَأَفْتَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالنَّوَوِيُّ بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ بِالنِّكَاحِ طَاعَةً مِنْ وَلَدٍ صَالِحٍ أَوْ إِعْفَافٍ كَانَ مِنْ عَمَلِ الآْخِرَةِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ كَانَ مُبَاحًا.
وَمَحَلُّ اخْتِلاَفِهِمْ فِي غَيْرِ نِكَاحِهِ صلى الله عليه وسلم، أَمَّا هُوَ فَقُرْبَةٌ وَعِبَادَةٌ قَطْعًا وَمُطْلَقًا، لأِنَّ فِيهِ نَشْرَ الشَّرِيعَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَحَاسِنِهِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلاَّ النِّسَاءُ، وَمِنْ ثَمَّ وَسَّعَ لَهُ فِي عَدَدِ الزَّوْجَاتِ مَا لَمْ يُوَسِّعْ لِغَيْرِهِ، لِيَحْفَظَ كُلَّ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُ، لِتَعَذُّرِ إِحَاطَةِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ بِهَا لِكَثْرَتِهَا بَلْ لِخُرُوجِهَا عَنِ الْحَصْرِ.
ب- الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالنَّوَافِلِ:
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّ النِّكَاحَ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ، قَالَ إِنَّ الاِشْتِغَالَ بِهِ مَعَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ أَوْلَى مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ مَعَ تَرْكِ النِّكَاحِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ، لأِنَّ الاِشْتِغَالَ بِالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ كَيْفَ مَا كَانَ أَوْلَى مِنْ الاِشْتِغَالِ بِالتَّطَوُّعِ.
وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ، فَإِنَّهُ يُرَجِّحُهُ عَلَى النَّوَافِلِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي» وَالسُّنَنُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّوَافِلِ بِالإِْجْمَاعِ، وَلأِنَّ هُ أَوْعَدَ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَلاَ وَعِيدَ عَلَى تَرْكِ النَّوَافِلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوَاظَبَ عَلَيْهِ أَيْ دَاوَمَ وَثَبَتَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْلُ عَنْهُ، بَلْ كَانَ يَزِيدُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَزَوَّجَ عَدَدًا مِمَّا أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَوْ كَانَ التَّخَلِّي لِلنَّوَافِلِ أَفْضَلَ لَمَا فَعَلَ، لأِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لاَ يَتْرُكُونَ الأَْفْضَلَ فِيمَا لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ، لأِنَّ تَرْكَ الأَْفْضَلِ فِيمَا لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ عُدَّ زَلَّةً مِنْهُمْ، وَإِذَا ثَبَتَ أَفْضَلِيَّةُ النِّكَاحِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ فِي حَقِّ الأُْمَّةِ، لأِنَّ الأَْصْلَ فِي الشَّرَائِعِ هُوَ الْعُمُومُ، وَالْخُصُوصُ بِدَلِيلٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَقْصُودٍ هُوَ مُفَضَّلٌ عَلَى النَّوَافِلِ، لأِنَّهُ سَبَبٌ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنِ الْفَاحِشَةِ، وَسَبَبٌ لِصِيَانَةِ نَفْسِهَا عَنِ الْهَلاَكِ بِالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَاللِّبَاسِ لِعَجْزِهَا عَنِ الْكَسْبِ، وَسَبَبٌ لِحُصُولِ الْوَلَدِ الْمُوَحِّدِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ مُفَضَّلٌ عَلَى النَّوَافِلِ، فَكَذَا السَّبَبُ الْمُوصِلُ إِلَيْهِ كَالْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرَّاغِبَ فِي النِّكَاحِ إِنْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ نُدِبَ لَهُ النِّكَاحُ رَجَا النَّسْلَ أَوْ لاَ وَلَوْ قَطَعَهُ عَنْ عِبَادَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ مِنَ الْمُتَعَبِّدِ أَفْضَلُ لَهُ مِنَ النِّكَاحِ إِذَا كَانَ يَقْطَعُهُ عَنْهَا، وَفِي مَعْنَى التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ التَّخَلِّي لِلاِشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهَا.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ النِّكَاحَ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ وَمِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: لاَ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ التَّخَلِّي إِلاَّ إِذَا قَصَدَ بِهِ الْمَصَالِحَ الْمَعْلُومَةَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْهَا فَلاَ يَكُونُ أَفْضَلَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ كَمَا لَوْ كَانَ مَعْدُومَ الشَّهْوَةِ.
خَصَائِصُ عَقْدِ النِّكَاحِ:
يَتَمَيَّزُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِخَصَائِصَ مِنْهَا:
أ- التَّأْبِيدُ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ لاَ يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ، فَلاَ يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِلَفْظِ الْمُتْعَةِ أَمْ بِغَيْرِهِ مِنْ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّأْقِيتُ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ أَمْ قَصِيرَةٍ، مَعْلُومَةٍ أَمْ مَجْهُولَةٍ.
أَمَّا إِذَا كَانَ التَّأْقِيتُ مُضْمَرًا فِي نَفْسِ الزَّوْجِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ. وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِكَرَاهَتِهِ وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ حُكِيَ بِقِيلَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ بَهْرَامَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَأْقِيت ف 14 - 16، نِكَاحٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ).
ب - اللُّزُومُ:
النِّكَاحُ عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَمِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ لَهُ رَفْعَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْفَسْخِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهِ، أَمَّا فَسْخُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسْخِ فَلاَ يَتَأَتَّى لاَ مِنَ الرَّجُلِ وَلاَ مِنَ الْمَرْأَةِ.
مَا يُسَنُّ فِي النِّكَاحِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ تُسَنُّ فِي النِّكَاحِ أُمُورٌ، اتَّفَقُوا عَلَى بَعْضِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي:
أ- أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَزِيدَ الرَّجُلُ فِي النِّكَاحِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ، إِنْ حَصَلَ بِهَا الإِْعْفَافُ لِمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْمُحَرَّمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ إِلَى إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ».
وَقَالَ الأَْذْرَعِيُّ: لَوْ أَعَفَّتْهُ وَاحِدَةٌ لَكِنَّهَا عَقِيمٌ اسْتُحِبَّ لَهُ نِكَاحُ وَلُودٍ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ إِبَاحَةَ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ إِلَى أَرْبَعٍ إِذَا أَمِنَ عَدَمَ الْجَوْرِ بَيْنَهُنَّ فَإِنْ لَمْ يَأْمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ الْعَدْلُ بَيْنَهُنَّ، فَإِنْ لَمْ يَأْمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ لقوله تعالى ) فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).
ب- أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي شَوَّالٍ وَيَدْخُلَ فِيهِ:
نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي شَوَّالَ وَيَدْخُلَ فِيهِ، «لِقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ». وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَعْضُ الْعَوَامِّ يَكْرَهُونَ التَّزَوُّجَ وَالتَّزْوِيجَ فِي شَوَّالَ وَيَتَطَيَّرُونَ بِذَلِكَ لِمَا فِي اسْمِ شَوَّالٍ مِنَ الإِْشَالَةِ وَالرَّفْعِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّرْغِيبُ فِي صَفَرٍ، لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَوَّجَ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ عَلِيًّا رضي الله تعالى عنهما فِي شَهْرِ صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ».
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَنُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي شَوَّالٍ حَيْثُ كَانَ يُمْكِنُهُ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ عَلَى السَّوَاءِ، فَإِنْ وُجِدَ سَبَبٌ لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرِهِ فَعَلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْبَزَّازِيَّةِ: وَالْبِنَاءُ وَالنِّكَاحُ بَيْنَ الْعِيدَيْنِ جَائِزٌ، وَكُرِهَ الزِّفَافُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لأِنَّه عليه الصلاة والسلام تَزَوَّجَ بِالصِّدِّيقَةِ رضي الله عنها فِي شَوَّالٍ وَبَنَى بِهَا فِيهِ.
ج - أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ فِي الْمَسْجِدِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُنْدَبُ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لِحَدِيثِ: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ».
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ جَائِزٌ.
د- أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ عَقْدُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لأِنَّ جَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ، مِنْهُمْ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَحَبِيبُ بْنُ عُتْبَةَ، وَلأِنَّ هُ يَوْمٌ شَرِيفٌ، وَيَوْمُ عِيدٍ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عليه السلام.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ النَّهَارِ لِخَبَرِ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُِمَّتِي فِي بُكُورِهَا»
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الإِْمْسَاءُ بِالنِّكَاحِ أَوْلَى، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَمْسُوا بِالْمِلاَكِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» وَلأِنَّ هُ أَقْرَبُ لِمَقْصُودِهِ وَأَقَلُّ لاِنْتِظَارِهِ، وَلأِنَّ فِي آخِرِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ سَاعَةَ الإِْجَابَةِ.
وَنَقَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنِ الطِّرَازِ وَأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ الْخِطْبَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَذَلِكَ لِقُرْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَسُكُونِ النَّاسِ فِيهِ وَالْهُدُوءِ فِيهِ.
هـ - أَنْ يَكُونَ بِعَاقِدٍ رَشِيدٍ وَشُهُودٍ عُدُولٍ:
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ بِعَاقِدٍ رَشِيدٍ وَشُهُودٍ عُدُولٍ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْقِدَ مَعَ الْمَرْأَةِ بِلاَ أَحَدٍ مِنْ عَصَبَتِهَا، وَلاَ مَعَ عَصَبَةِ فَاسِقٍ، وَلاَ عِنْدَ شُهُودٍ غَيْرِ عُدُولٍ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ الَّذِي يُجْرِي الْعَقْدَ وَلِيُّهَا.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ تَفْوِيضُ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ وَمِثْلُهُ الزَّوْجُ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ الْعَقْدِ لِغَيْرِ فَاضِلٍ فَهُوَ خِلاَفُ الأَْوْلَى
وَ- أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ يُرِيدُ نِكَاحَ امْرَأَةٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا، وَلِلأَْحَادِيثِ وَالآْثَارِ فِي ذَلِكَ.
وَالْمَذْهَبُ عَنِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ هَذَا النَّظَرَ مُبَاحٌ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (خِطْبَة ف 24 - 29).
ز- ذِكْرُ الصَّدَاقِ وَحُلُولُهُ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ وَالإِْشْهَادِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، لِمَا فِيهِ مِنَ اطْمِئْنَانِ النَّفْسِ وَدَفْعِ تَوَهُّمِ الاِخْتِلاَفِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: وَمَحَلُّ نَدَبِهِ إِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ: أَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ، لاَ وَهَبْتُ فَيَجِبُ ذِكْرُهُ.
وَقَالُوا: يُنْدَبُ حُلُولُ كُلِّهِ بِلاَ تَأْجِيلٍ لِبَعْضِهِ، وَتَأْجِيلُهُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا خِلاَفُ الأَْوْلَى، حَيْثُ أُجِّلَ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ
ح- الاِسْتِدَانَةُ لِلنِّكَاحِ:
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ الاِسْتِدَانَةُ لِلنِّكَاحِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، لأِنَّ ضَمَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَْدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ».
ط- الْخُطْبَةُ قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَالْعَقْدِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ فِي النِّكَاحِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفَصَّلُوا:
فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُنْدَبُ قَبْلَ إِجْرَاءِ الْعَقْدِ تَقْدِيمُ خُطْبَةٍ، وَلاَ تَتَعَيَّنُ بِأَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ، بَلْ يُجْزِئُ الْحَمْدُ وَالتَّشَهُّدُ، وَإِنْ خَطَبَ بِمَا وَرَدَ فَهُوَ أَحْسَنُ، وَمِنْهُ مَا نُقِلَ مِنْ لَفْظِهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِخُطْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهِيَ كَمَا قَالَ رضي الله عنه: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التَّشَهُّدَ فِي الصَّلاَةِ وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ: إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضَلِّلُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلاَثَ آيَاتٍ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ) وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَْرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) وَ ) اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا)».
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بَعْدَ خُطْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه ، يَخْطُبُهَا الْعَاقِدُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْحَاضِرِينَ قَبْلَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: وَإِنْ أَخَّرَ الْخُطْبَةَ عَنِ الْعَقْدِ جَازَ، وَقَالَ فِي الإِْنْصَافِ: يَنْبَغِي أَنْ تُقَالَ- مَعَ النِّسْيَانِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَكَانَ أَحْمَدُ إِذَا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ وَلَمْ يُخْطَبْ فِيهِ بِهَا قَامَ وَتَرَكَهُمْ، وَهَذَا مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِهَا لاَ عَلَى الإِْيجَابِ، فَإِنَّ حَرْبَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْتُ لأَِحْمَدَ: فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ خُطْبَةُ النِّكَاحِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً لأِنَّ «رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وَلَمْ يَذْكُرْ خُطْبَةً، وَرُوِيَ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: خَطَبْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ» وَلأِنَّ هُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ خُطْبَةٌ كَالْبَيْعِ.
وَالاِقْتِصَارُ عَلَى خُطْبَةٍ هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أَنَّهُ كَانَ إِذَا دُعِيَ لِيُزَوِّجَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ فُلاَنًا يَخْطُبُ إِلَيْكُمْ فُلاَنَةً، فَإِنْ أَنْكَحْتُمُوهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنْ رَدَدْتُمُوهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ.
وَالْمُسْتَحَبُّ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ لأِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم وَعَنِ السَّلَفِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَوْلَى مَا اتُّبِعَ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يُسْتَحَبُّ فِي النِّكَاحِ أَرْبَعُ خُطَبٍ:
الأُْولَى: خُطْبَةٌ قَبْلَ الْخِطْبَةِ مِنَ الْخَاطِبِ أَوْ نَائِبِهِ تَتَضَمَّنُ الْتِمَاسَ النِّكَاحِ.
الثَّانِيَةُ: خُطْبَةٌ مِنَ الْوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ تَتَضَمَّنُ إِجَابَةَ الْخَاطِبِ أَوْ الاِعْتِذَارَ لَهُ.
وَفِيهَا تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (خِطْبَة ف 37).
الثَّالِثَةُ: قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنَ الْوَلِيِّ بِالإِْيجَابِ.
الرَّابِعَةُ: قَبْلَ تَمَامِ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنَ الزَّوْجِ بِالْقَبُولِ.
وَقَالُوا: الْفَصْلُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ بِخُطْبَةِ الزَّوَاجِ مُغْتَفَرٌ، لأِنَّهُ مُقَدِّمَةُ الْقَبُولِ مَعَ قِصَرِهِ، فَلَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ.
ي- إِعْلاَنُ النِّكَاحِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ إِعْلاَنُ النِّكَاحِ، أَيْ إِظْهَارُ عَقْدِهِ، حَتَّى يُشْهَرَ وَيُعْرَفَ وَيَبْعُدَ عَنْ تُهْمَةِ الزِّنَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ».
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِعْلاَن ف 7).
ك- الْوَلِيمَةُ لِلنِّكَاحِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَلِيمَةَ - وَهِيَ طَعَامُ الْعُرْسِ- مُسْتَحَبٌّ لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا، أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِثُبُوتِهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَوْلاً وَفِعْلاً، «فَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» «وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ».
«وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ تَزَوَّجَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ.
وَفِي تَفْصِيلِ حُكْمِ الْوَلِيمَةِ وَوَقْتِهَا، وَمَا يُجْزِئُ مِنْهَا، وَالإِْجَابَةُ إِلَيْهَا، وَمَا يَجُوزُ أَوْ لاَ يَجُوزُ فِيهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (وَلِيمَة).
ل- الدُّعَاءُ لِلزَّوْجَيْنِ وَالتَّهْنِئَةُ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلزَّوْجَيْنِ أَوْ لأَِحَدِهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ بِالْبَرَكَةِ وَالسَّعَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَيُنْدَبُ تَهْنِئَةُ الزَّوْجَيْنِ وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ عَلَيْهِمَا.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ لِلزَّوْجِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ: بَارَكَ اللَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا فِي صَاحِبِهِ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ».
وَفِي لَفْظِ التَّهْنِئَةِ بِالنِّكَاحِ، وَوَقْتِ التَّهْنِئَةِ، وَمَنْ تُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَهْنِئَة ف 6 - 8).
م- دُعَاءُ مَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ:
قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرَهَا، وَيَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ شَرِّهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ- الزَّوْجُ- اللَّهَ تَعَالَى، وَيَأْخُذَ بِنَاصِيَةِ الزَّوْجَةِ أَوَّلَ مَنْ يَلْقَاهَا، وَيَقُولَ: بَارَكَ اللَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي صَاحِبِهِ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله تعالى عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوِ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلَتْهَا عَلَيْهِ، وَأُعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلَتْهَا عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ لْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ».
وَنَقَلَ الْحَطَّابُ عَنِ النَّوَادِرِ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ: رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَنِ ابْتَنَى بِزَوْجَتِهِ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تُصَلِّيَ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَأْخُذَ بِنَاصِيَتِهَا وَيَدْعُوَ بِالْبَرَكَةِ».
وَوَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي أُسَيْدٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَحُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم فَقَالُوا لَهُ: إِذَا أُدْخِلَ عَلَيْكَ أَهْلُكَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَمُرْهَا فَلْتُصَلِّ خَلْفَكَ، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَسَلِ اللَّهَ خَيْرًا، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا.
. وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ (عُرْس ف 5).
مَا يُسْتَحَبُّ فِي الزَّوْجَةِ مِنْ أَوْصَافٍ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ النِّكَاحَ أَنْ يَتَخَيَّرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا الأَْوْصَافُ التَّالِيَةُ، أَوْ بَعْضُهَا:
أ- أَنْ تَكُونَ ذَاتَ دِينٍ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِلنِّكَاحِ الْمَرْأَةَ ذَاتَ الدِّينِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَِرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» أَيِ اسْتَغْنَيْتَ إِنْ فَعَلْتَ، أَوِ افْتَقَرْتَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ.
وَفَسَّرَ الشَّافِعِيَّةُ ذَاتَ الدِّينِ بِالَّتِي تُوجَدُ فِيهَا صِفَةُ الْعَدَالَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالأَْعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْعِفَّةِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، لاَ الْعِفَّةِ عَنِ الزِّنَا فَقَطْ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُنْدَبُ أَنْ يَخْتَارَ الزَّوْجُ مَنْ فَوْقَهُ خُلُقًا وَأَدَبًا وَوَرَعًا.
ب- أَنْ تَكُونَ بِكْرًا:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اخْتِيَارُ الْبِكْرِ لِلنِّكَاحِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالأَْبْكَارِ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» أَيْ أَطْيَبُ كَلاَمًا وَأَكْثَرُ أَوْلاَدًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الثَّيِّبَ أَوْلَى لِمَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ أَرْجَحُ فِي نِكَاحِ الثَّيِّبِ فَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْبِكْرِ مُرَاعَاةً لِلْمَصْلَحَةِ، كَالْعَاجِزِ عَنْ الاِفْتِضَاضِ، وَمِنْ عِنْدِهِ عِيَالٌ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ كَمَا اسْتَصْوَبَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، فَقَدَ «رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: فَهَلاَّ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ؟ فَقَالَ جَابِرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي- أَوِ اسْتُشْهِدَ - وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ فَلاَ تُؤَدِّبَهُنَّ وَلاَ تَقُومَ عَلَيْهِنَّ فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُمَشِّطُهُنَّ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: أَصَبْتَ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «فَقَالَ جَابِرٌ: إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ كُنَّ لِي تِسْعَ أَخَوَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ مِثْلَهُنَّ، وَلَكِنِ امْرَأَةً تُمَشِّطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: أَصَبْتَ». ج- أَنْ تَكُونَ حَسِيبَةً:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ الرَّجُلُ لِنِكَاحِهِ الْمَرْأَةَ الْحَسِيبَةَ النَّسِيبَةَ، أَيْ طَيِّبَةَ الأَْصْلِ، وَذَاتُ الْحَسَبِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ أُصُولُهَا ذَوِي شَرَفٍ وَكَرَمٍ وَدِيَانَةٍ، لِنِسْبَتِهَا إِلَى الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، «لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا تُنْكَحُ لَهُ الْمَرْأَةُ: لِحَسَبِهَا» وَلِيَكُونَ وَلَدُهَا نَجِيبًا، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَهْلَهَا وَنَزَعَ إِلَيْهِمْ.
لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: يُنْدَبُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ دُونَ زَوْجِهَا حَسَبًا لِتَنْقَادَ لَهُ وَلاَ تَحْتَقِرَهُ، وَإِلاَّ تَرَفَّعَتْ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ دَنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلاَّ لِيَغُضَّ بَصَرَهُ، أَوْ لِيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ».
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: وَسُنَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيْتٍ مَعْرُوفٍ بِالدِّينِ وَالْقَنَاعَةِ لأِنَّهُ مَظِنَّةُ دِينِهَا وَقَنَاعَتِهَا.
د - أَنْ تَكُونَ وَدُودًا وَلُودًا:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تُخْتَارُ لِلنِّكَاحِ وَدُودًا وَلُودًا لِحَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه : «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُْمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَيُعْرَفُ كَوْنُ الْبِكْرِ وَلُودًا بِكَوْنِهَا مِنْ نِسَاءٍ يُعْرَفْنَ بِذَلِكَ.
هـ - أَنْ تَكُونَ جَمِيلَةً:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُخْتَارَ لِلنِّكَاحِ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ ذَاتُ الْجَمَالِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلاَ تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ». وَلِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُ فَائِدَةٍ أَفَادَهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَهَا، وَتَحْفَظُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهَا.»، وَلأِنَّ جَمَالَ الزَّوْجَةِ أَسْكَنُ لِنَفْسِ الزَّوْجِ وَأَغَضُّ لِبَصَرِهِ وَأَكْمَلُ لِمَوَدَّتِهِ، وَلِذَلِكَ جَازَ النَّظَرُ إِلَيْهَا قَبْلَ النِّكَاحِ.
و- أَنْ تَكُونَ عَاقِلَةً حَسَنَةَ الْخُلُقِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تُخْتَارُ لِلنِّكَاحِ وَافِرَةَ الْعَقْلِ، حَسَنَةَ الْخُلُقِ، لاَ حَمْقَاءَ وَلاَ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ، لأِنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلْعِشْرَةِ الْحَسَنَةِ، وَلاَ تَصْلُحُ الْعِشْرَةُ مَعَ الْحَمْقَاءِ، وَلاَ يَطِيبُ مَعَهَا عَيْشٌ، وَرُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى وَلَدِهَا، وَقَدْ قِيلَ: اجْتَنِبُوا الْحَمْقَاءَ فَإِنَّ وَلَدَهَا ضَيَاعٌ وَصُحْبَتَهَا بَلاَءٌ.
ز - أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيمَنْ تُخْتَارُ لِلنِّكَاحِ أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً مِنَ الزَّوْجِ وَلاَ تَكُونَ ذَاتَ قَرَابَةٍ قَرِيبَةٍ، وَقَالُوا: يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَتَزَوَّجَ مِنْ عَشِيرَتِهِ لأِنَّ وَلَدَ الأَْجْنَبِيَّةِ يَكُونُ أَنْجَبَ، وَلأِنَّ هُ لاَ يَأْمَنُ الطَّلاَقَ فَيُفْضِي مَعَ الْقَرَابَةِ إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا.
ح- أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةَ الْمَهْرِ وَالْمُؤْنَةِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَرَّى الرَّجُلُ فِيمَنْ يَنْكِحُهَا أَنْ تَكُونَ أَيْسَرَ النِّسَاءِ خِطْبَةً وَمُؤْنَةً، وَأَنْ تَكُونَ خَفِيفَةَ الْمَهْرِ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا،» وَقَالَ عُرْوَةُ: وَأَنَا أَقُولُ مِنْ أَوَّلِ شُؤْمِهَا أَنْ يَكْثُرَ صَدَاقُهَا.
ط- أَنْ لاَ تَكُونَ ذَاتَ وَلَدٍ:
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَرَّى الرَّجُلُ فِيمَنْ يَنْكِحُهَا أَنْ لاَ تَكُونَ ذَاتَ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِهِ إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَصْلَحَةٌ فَلاَ قَيْدَ لأِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ أَمَّ سَلَمَةَ وَمَعَهَا وَلَدُ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنهم».
ي- أَنْ لاَ تَكُونَ مُطَلَّقَةً وَلاَ فِي حِلِّهَا خِلاَفٌ:
نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يُرَادُ نِكَاحُهَا مُطَلَّقَةً، لَهَا إِلَى مُطَلِّقِهَا رَغْبَةٌ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي حِلِّهَا لِمَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا خِلاَفٌ فِقْهِيٌّ كَأَنْ زَنَى أَوْ تَمَتَّعَ بِأُمِّهَا، أَوْ بِهَا، فَرْعَهُ أَوْ أَصْلَهُ، أَوْ شَكَّ بِنَحْوِ رَضَاعٍ.
تَرْتِيبُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَمَا يَسْأَلُ عَنْهُ أَوَّلاً:
نَصَّ شَمْسُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَتِ الصِّفَاتُ الْمُسْتَحَبَّةُ فِيمَنْ تُخْتَارُ لِلنِّكَاحِ فَالأَْوْجَهُ تَقْدِيمُ ذَاتِ الدِّينِ مُطْلَقًا، ثُمَّ الْعَقْلِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، ثُمَّ النَّسَبِ، ثُمَّ الْبَكَارَةِ، ثُمَّ الْوِلاَدَةِ، ثُمَّ الْجَمَالِ، ثُمَّ مَا الْمَصْلَحَةُ فِيهِ أَظْهَرُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ امْرَأَةً سَأَلَ عَنْ جَمَالِهَا أَوَّلاً، فَإِنْ حُمِدَ سَأَلَ عَنْ دِينِهَا، فَإِنْ حُمِدَ تَزَوَّجَ، وَإِنْ لَمْ يُحْمَدْ يَكُونُ رَدًّا لأَِجْلِ الدِّينِ، وَلاَ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ أَوَّلاً، فَإِنْ حُمِدَ سَأَلَ عَنِ الْجَمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُحْمَدْ رَدَّهَا لِلْجَمَالِ لاَ لِلدِّينِ.
مَا يُسْتَحَبُّ فِي الزَّوْجِ مِنْ أَوْصَافٍ:
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَوْصَافًا تُتَحَرَّى فِي الرَّجُلِ عِنْدَ إِنْكَاحِهِ:
فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تَخْتَارُ الْمَرْأَةُ الزَّوْجَ الدَّيِّنَ الْحَسَنَ الْخُلُقِ، الْجَوَادَ الْمُوسِرَ، وَلاَ تَتَزَوَّجُ فَاسِقًا، وَلاَ يُزَوِّجُ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الشَّابَّةَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَلاَ رَجُلاً دَمِيمًا، وَيُزَوِّجُهَا الْكُفْءَ، فَإِنْ خَطَبَهَا لاَ يُؤَخِّرُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ إِلاَّ مِنْ بِكْرٍ لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ. وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ وَلِوَلِيِّهَا أَنْ يَتَحَرَّى كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الزَّوْجِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَنُّ تَحَرِّيهَا فِي الْمَرْأَةِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ أَنْ يَنْظُرَ لَهَا شَابًّا وَسِيمًا حَسَنَ الصُّورَةِ، وَلاَ يُزَوِّجَهَا دَمِيمًا، وَقَالُوا: وَمِنَ التَّغْفِيلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الشَّيْخُ صَبِيَّةً أَيْ شَابَّةً.
الْمَرْأَةُ الَّتِي يُكْرَهُ نِكَاحُهَا:
نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَوْصَافٍ فِي الْمَرْأَةِ تَجْعَلُ نِكَاحَهَا مَكْرُوهًا، وَمِنْ ذَلِكَ:
قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: كُرِهَ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ مَشْهُورَةٍ بِالزِّنَا وَلَوْ بِقَرَائِنِ الأَْحْوَالِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، أَيْ هَذَا إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، بَلْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ، وَأَمَّا مَنْ يُتَكَلَّمُ فِيهَا وَلَيْسَتْ مَشْهُورَةً بِذَلِكَ فَلاَ كَرَاهَةَ فِي زَوَاجِهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ تَزَوُّجُ الْمَرْأَةِ الَّتِي اشْتَهَرَتْ بِالزِّنَا إِذَا لَمْ تُحَدَّ، أَمَّا إِذَا حُدَّتْ فَلاَ كَرَاهَةَ فِي زَوَاجِهَا.
وَقَالُوا: وَكُرِهَ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ صَرَّحَ لَهَا بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ، وَنُدِبَ فِرَاقُ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تُكْرَهُ بِنْتُ الزِّنَا وَالْفَاسِقِ - أَيْ يُكْرَهُ نِكَاحُ كُلٍّ مِنْهُمَا- وَأُلْحِقَ بِهِمَا اللَّقِيطَةُ وَمَنْ لاَ يُعْرَفُ أَبُوهَا، لِخَبَرِ: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَأَنْكِحُوا الأَْكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ» وَلأِنَّ هُ رُبَّمَا يُعَيَّرُ بِكُلٍّ مِنْهُنَّ لِدَنَاءَةِ أَصْلِهَا، وَرُبَّمَا اكْتَسَبَتْ مِنْ طِبَاعِ أَبِيهَا.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَنْبَغِي تَزَوُّجُ بِنْتِ زِنًا وَلَقِيطَةٍ وَدَنِيئَةِ نَسَبٍ وَمَنْ لاَ يُعْرَفُ أَبُوهَا.
حُكْمُ الزِّفَافِ:
الزِّفَافُ: إِهْدَاءُ الْمَرْأَةِ إِلَى زَوْجِهَا، أَيْ نَقْلُ الْعَرُوسِ مِنْ بَيْتِ أَبَوَيْهَا إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْمُرَادُ بِهِ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِذَلِكَ، لأِنَّهُ لاَزِمٌ لَهُ عُرْفًا.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ - عَلَى أَنَّ الزِّفَافَ إِذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلاَ يُكْرَهُ.
قَالَ الْكَمَالُ: اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الزِّفَافِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» وَعَنْهَا قَالَتْ: «زُفَّتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَْنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الأَْنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ» وَرُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْمُرَادُ بِالدُّفِّ مَا لاَ جَلاَجِلَ لَهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ عَنِ الذَّخِيرَةِ: ضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْعُرْسِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ كَرَاهَتِهِ كَضَرْبِ الدُّفِّ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِمَاع ف 22، عُرْس ف 7، مَعَازِف ف 5 وَمَا بَعْدَهَا).
أَرْكَانُ النِّكَاحِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ النِّكَاحِ هُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ فَقَطْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَهُ: وَلِيٌ، وَمَحَلٌّ (زَوْجٌ وَزَوْجَةٌ)، وَصِيغَةٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَهُ خَمْسَةٌ: صِيغَةٌ، وَزَوْجٌ، وَزَوْجَةٌ، وَشَاهِدَانِ، وَوَلِيٌّ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَهُ ثَلاَثَةٌ: زَوْجَانِ، وَالإِْيجَابُ، وَالْقَبُولُ.
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي إِيضَاحِ هَذِهِ الأَْرْكَانِ.
أَوَّلاً: الصِّيغَةُ فِي النِّكَاحِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَذَلِكَ بِاللَّفْظِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ.
أَمَّا الإِْيجَابُ فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - هُوَ مَا يَصْدُرُ مِنْ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ، وَالْقَبُولُ هُوَ مَا يَصْدُرُ مِنَ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلِهِ.
لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ يَسْتَوِي عِنْدَهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الإِْيجَابِ أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ مَا دَامَ قَدْ تَحَدَّدَ الْمُوجِبُ وَالْقَابِلُ، فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِلْوَلِيِّ: زَوِّجْنِي أَوْ تَزَوَّجْتُ بِنْتَكَ كَانَ قَبُولاً، وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ: زَوَّجْتُكَ أَوْ أَنَكَحْتُكَ كَانَ إِيجَابًا، وَانْعَقَدَ النِّكَاحُ بِذَلِكَ.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: يُنْدَبُ تَقَدَّمُ الإِْيجَابِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ الإِْيجَابُ عَلَى الْقَبُولِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَيْهِ، قَالُوا: لأِنَّ الْقَبُولَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلإِْيجَابِ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولاً لِعَدَمِ مَعْنَاهُ فَلَمْ يَصِحَّ، فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا، لَمْ يَصِحَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَالإِْيجَابُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يَصْدُرُ أَوَّلاً، سَوَاءً أَكَانَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ كَلاَمَ الزَّوْجِ أَمْ كَانَ كَلاَمَ الزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا، وَالْقَبُولُ هُوَ مَا يَصْدُرُ مُؤَخَّرًا، سَوَاءً أَكَانَ صُدُورُهُ مِنَ الزَّوْجِ أَمْ كَانَ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: زَوِّجْنِي أَوْ تَزَوَّجْتُ بِنْتَكَ كَانَ إِيجَابًا، فَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ أَوِ الزَّوْجَةُ: قَبِلْتُ كَانَ قَبُولاً، وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ.
الأَْلْفَاظُ الَّتِي يَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ:
يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الإِْنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَهُمَا اللَّفْظَانِ الصَّرِيحَانِ فِي النِّكَاحِ.
وَاقْتَصَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَنْعَقِدُ عِنْدَهُمُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ قَالُوا: لأِنَّ نَصَّ الْكِتَابِ وَرَدَ بِهِمَا وَذَلِكَ فِي قوله تعالى: ) وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) وقوله تعالى: ) فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) وَلَمْ يُذْكَرْ سِوَاهُمَا فِي الْقِرَانِ الْكَرِيمِ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ مَعَهُمَا تَعَبُّدًا وَاحْتِيَاطًا، لأِنَّ النِّكَاحَ يَنْزِعُ إِلَى الْعِبَادَاتِ لِوُرُودِ النَّدْبِ فِيهِ، وَالأَْذْكَارُ فِي الْعِبَادَاتِ تُتَلَقَّى مِنَ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظَيِ التَّزْوِيجِ وَالإِْنْكَاحِ.
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ أَجَازُوا عَقْدَ النِّكَاحِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِنَايَةً فِي الْجُمْلَةِ، وَقَسَّمُوا الأَْلْفَاظَ مِنْ حَيْثُ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ مِنْهَا وَمَا لاَ يَنْعَقِدُ بِهِ مِنْهَا إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، إِلاَّ أَنَّ لِكُلِّ مَذْهَبٍ اتِّجَاهَهُ فِي بَيَانِ هَذِهِ الأَْقْسَامِ، وَذَلِكَ كَمَا يَلِي:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ كَمَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ وَهُوَ الإِْنْكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ يَنْعَقِدُ بِأَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، وَقَسَّمُوا هَذِهِ الأَْلْفَاظَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أ- الْقِسْمُ الأَْوَّلِ: لاَ خِلاَفَ فِي الاِنْعِقَادِ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، بَلِ الْخِلاَفُ مِنْ خَارِجِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مَا سِوَى لَفْظَيِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، مِنْ لَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْجَعْلِ، نَحْوَ: جَعَلْتُ بِنْتِي لَكَ بِأَلْفٍ، لأِنَّ التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ، وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقُ الْمَجَازِ.
ب- الْقِسْمُ الثَّانِي: وَفِيهِ خِلاَفٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَالصَّحِيحُ الاِنْعِقَادُ بِهِ، وَهُوَ لَفْظُ الْبَيْعِ، نَحْوَ:
بِعْتُ نَفْسِي مِنْكَ أَوِ ابْنَتِي أَوِ اشْتَرَيْتُكِ بِكَذَا، قَالَتْ: نَعَمْ، يَنْعَقِدُ، وَالاِنْعِقَادُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ هُوَ الصَّحِيحُ لِوُجُودِ طَرِيقِ الْمَجَازِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الاِنْعِقَادِ بِلَفْظِ السَّلَمِ فَقِيلَ: لاَ يَنْعَقِدُ لأِنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ لاَ يَصِحُّ، وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ لأِنَّهُ ثَبَتَ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ تُمْلَكُ بِهِ الرِّقَابُ يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ، وَالسَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ يَنْعَقِدُ حَتَّى وَلَوِ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُفْسِدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِلَّفْظِ يُفْسِدُ مَجَازِيَّهُ لِعَدَمِ لُزُومِ اشْتِرَاكِ الْمُفْسِدِ فِيهِمَا.
وَفِي الاِنْعِقَادِ بِلَفْظِ الصَّرْفِ رِوَايَتَانِ قِيلَ: لاَ يَنْعَقِدُ لأِنَّهُ وُضِعَ لإِِثْبَاتِ مِلْكِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي لاَ تَتَعَيَّنُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَا يَتَعَيَّنُ.
وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ، لأِنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مَلِكُ الْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، قَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمَا قَوْلاَنِ وَكَانَ مَنْشَؤُهُمَا الرِّوَايَتَيْنِ.
وَأَمَّا الْقَرْضُ، فَقِيلَ: يَنْعَقِدُ بِهِ لِثُبُوتِ مِلْكِ الْعَيْنِ بِهِ، وَقِيلَ: لاَ يَنْعَقِدُ لأِنَّهُ فِي مَعْنَى الإِْعَارَةِ، قِيلَ: الأَْوَّلُ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَالثَّانِي قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
وَأَمَّا لَفْظُ الصُّلْحِ فَذَكَرَ صَاحِبُ الأَْجْنَاسِ أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ بِهِ، وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ جَائِزٌ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلاَفٌ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الاِنْعِقَادِ بِهِ، وَذَلِكَ لَفْظُ الإِْجَارَةِ فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ فِي الصَّحِيحِ، لأِنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْعَقِدُ إِلاَّ مُؤَقَّتَةً، وَالنِّكَاحَ يُشْتَرَطُ فِيهِ نَفْيُهُ، فَتَضَادَّا فَلاَ يُسْتَعَارُ أَحَدُهُمَا لِلآْخَرِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ اسْتِدْلاَلَ الْكَرْخِيِّ فَقَالَ: لأِنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالنِّكَاحِ مَنْفَعَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ جُعِلَ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْعِوَضَ أَجْرًا فِي قوله تعالى ) فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الإِْجَارَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ: إِنَّمَا لاَ يَجُوزُ انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ - فِي الصَّحِيحِ - إِذَا جُعِلَتِ الْمَرْأَةُ مُسْتَأْجَرَةً، أَمَّا إِذَا جُعِلَتِ الْمَرْأَةُ بَدَلَ إِجَارَةٍ أَوْ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ كَأَنْ يُقَالُ: اسْتَأْجَرْتُ دَارَكَ بِابْنَتِي هَذِهِ، أَوْ أَسْلَمْتُهَا إِلَيْكَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُخْتَلَفَ فِي جَوَازِهِ.
وَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْوَصِيَّةِ، لأِنَّهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مُضَافًا إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَعَنِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْوَصِيَّةِ لأِنَّهُ يَتَثَبَّتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَعَنِ الْكَرْخِيِّ: إِنْ قَيَّدَ الْوَصِيَّةَ بِالْحَالِ بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَكَ بِبِنْتِي هَذِهِ الآْنَ يَنْعَقِدُ لِلْحَالِ، لأِنَّهُ بِهِ صَارَ مَجَازًا عَنِ التَّمْلِيكِ، قَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ: وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُخْتَلَفَ فِي صِحَّتِهِ حِينَئِذٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا قُيِّدَتْ بِالْحَالِ يَصِحُّ.
وَإِنْ قَيَّدَ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَكَ بِابْنَتِي بَعْدَ مَوْتِي لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا.
وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ لاَ بِالْحَالِ وَلاَ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَكَ بِهَا وَلَمْ يَزِدْ، فَقِيلَ لاَ يَكُونُ نِكَاحًا، وَعَنِ الطَّحَاوِيِّ: يَنْعَقِدُ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَا لاَ خِلاَفَ فِي عَدَمِ الاِنْعِقَادِ بِهِ، وَهُوَ لَفْظُ الإِْبَاحَةِ وَالإِْحْلاَلِ وَالإِْعَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالتَّمَتُّعِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ تَمْلِيكِ الْمُتْعَةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا، أَيْ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مِنْ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ.
وَلاَ يَنْعَقِدُ أَيْضًا بِلَفْظِ الإِْقَالَةِ وَالْخُلْعِ لأِنَّهُمَا لِفَسْخِ عَقْدٍ ثَابِتٍ.
كَمَا لاَ يَنْعَقِدُ بِأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ كَتَجَوَّزْتُ، بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الزَّايِ، وَذَلِكَ لِصُدُورِهِ لاَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، بَلْ عَنْ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ فَلَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً وَلاَ مَجَازًا لِعَدَمِ الْعَلاَقَةِ بَلْ غَلَطًا، فَلاَ اعْتِبَارَ بِهِ أَصْلاً.
لَكِنْ لَوِ اتَّفَقَ قَوْمٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ، وَصَدَرَتْ عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ مِنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ وَضْعًا جَدِيدًا، وَقَدْ أَفْتَى بِجَوَازِ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ شَيْخُ الإِْسْلاَمِ أَبُو السُّعُودِ.
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَحَاصِلُ كَلاَمِ الدُّرِّ: أَنَّهُمْ إِنِ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِعْمَالِ التَّجْوِيزِ فِي النِّكَاحِ بِوَضْعٍ جَدِيدٍ قَصْدًا يَكُونُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، مِثْلَ الْحَقَائِقِ الْمُرْتَجَلَةِ، وَمِثْلَ الأَْلْفَاظِ الأَْعْجَمِيَّةِ الْمَوْضُوعَةِ لِلنِّكَاحِ، فَيَصِحُّ بِهِ الْعَقْدُ لِوُجُودِ طَلَبِ الدَّلاَلَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَإِرَادَتِهِ مِنَ اللَّفْظِ قَصْدًا وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ أَلْفَاظَ الْكِنَايَةِ فِي النِّكَاحِ كَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ مَعَ قَرِينَةٍ أَوْ تَصْدِيقِ الْقَابِلِ لِلْمُوجِبِ وَفَهْمِ الشُّهُودِ الْمُرَادِ أَوْ إِعْلاَمِهِمْ بِهِ.
وَالأَْصْلُ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ إِنْ ذَكَرَ الْمَهْرَ، وَإِلاَّ فَالنِّيَّةُ، وَمَا لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لَهُ لاَ يَنْعَقِدُ بِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِهِ بِلَفْظٍ لاَ يَعْلَمَانِ أَنَّهُ نِكَاحٌ فَلَوْ لُقِّنَتِ الْمَرْأَةُ زَوَّجْتُ نَفْسِي بِالْعَرَبِيَّةِ وَلاَ تَعْلَمُ مَعْنَاهُ وَقَبِلَ الزَّوْجُ، وَالشُّهُودُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَوْ لاَ يَعْلَمُونَ صَحَّ كَالطَّلاَقِ، وَقِيلَ: لاَ كَالْبَيْعِ. وَمِثْلُ هَذَا فِي جَانِبِ الرَّجُلِ.
وَقَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الأَْلْفَاظَ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّكَاحِ - بِمَا فِي ذَلِكَ لَفْظَيِ الإِْنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ- إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّلُ: مَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ سَمَّى صَدَاقًا أَوْ لاَ، وَهُوَ: أَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ.
الثَّانِي: مَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ إِنْ سَمَّى صَدَاقًا وَإِلاَّ فَلاَ، وَهُوَ لَفْظُ وَهَبْتُ، مِثْلُ: وَهَبْتُ لَكَ ابْنَتِي بِكَذَا، فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا لَمْ يَنْعَقِدْ.
الثَّالِثُ: مَا فِيهِ التَّرَدُّدُ بَيْنَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِهِ وَعَدَمِ انْعِقَادِهِ، وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ مِثْلَ بِعْتُ، وَمَلَكْتُ وَأَحْلَلْتُ، وَأَعْطَيْتُ وَمَنَحْتُ، فَقِيلَ: يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ إِنَّ سَمَّى صَدَاقًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ فِي الإِْشْرَاقِ وَالْبَاجِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ.
وَقِيلَ: لاَ يَنْعَقِدُ بِهِ مُطْلَقًا، أَيْ وَلَوْ سَمَّى صَدَاقًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
الرَّابِعُ: مَا لاَ يَنْعَقِدُ بِهِ اتِّفَاقًا مُطْلَقًا، وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ لاَ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ كَالْحَبْسِ وَالإِْجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ.
الْمُعَاطَاةُ:
صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي احْتِرَامًا لِلْفُرُوجِ أَيْ لِخَطَرِ أَمْرِهَا وَشِدَّةِ حُرْمَتِهَا فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إِلاَّ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ قَوْلَهُ: وَهَلْ يَكُونُ الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ كَالْقَبُولِ بِاللَّفْظِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَجَابَ صَاحِبُ الْبِدَايَةِ فِي امْرَأَةٍ زَوَّجْتَ نَفْسَهَا بِأَلْفٍ مِنْ رَجُلٍ عِنْدَ الشُّهُودِ فَلَمْ يَقُلِ الزَّوْجُ شَيْئًا لَكِنْ أَعْطَاهَا الْمَهْرَ فِي الْمَجْلِسِ أَنَّهُ يَكُونُ قَبُولاً، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَقَالَ: لاَ، مَا لَمْ يَقُلْ بِلِسَانِهِ قَبِلْتُ بِخِلاَفِ الْبَيْعِ لأِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي، وَالنِّكَاحُ لِخَطَرِهِ لاَ يَنْعَقِدُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَلَى الشُّهُودِ.
آثَارُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ:
الآْثَارُ الَّتِي رَتَّبَهَا الشَّارِعُ الْحَكِيمُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، أَوْ خَاصَّةً بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
أَوَّلاً: الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:
أ- الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُعَاشَرَةَ بِالْمَعْرُوفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيَلْزَمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الآْخَرِ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الصُّحْبَةِ الْجَمِيلَةِ، وَكَفِّ الأَْذَى، وَأَنْ لاَ يُمَاطِلَ بِحَقِّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ، وَلاَ يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ، بَلْ يَبْذُلُهُ بِبِشْرٍ وَطَلاَقَةٍ، وَلاَ يُتْبِعَهُ مِنَّةً وَلاَ أَذًى، لأِنَّ هَذَا مِنَ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ، لقوله تعالى ) وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وَقَوْلِهِ ) وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ أَبُو زَيْدٍ: تَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنِّي لأَُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي لأِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ) وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وَحَقُّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ لقوله تعالى ) وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ).
وَيُسَنُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحْسِينُ الْخُلُقِ لِصَاحِبِهِ، وَالرِّفْقُ لَهُ، وَاحْتِمَالُ أَذَاهُ لقوله تعالى ) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) قِيلَ: الصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مُعَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ بِالتَّلَطُّفِ لِئَلاَّ تَقَعَ النَّفْرَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَعَ إِقَامَةِ هَيْبَةِ الزَّوْجِ لِئَلاَّ تَسْقُطَ حُرْمَتُهُ عِنْدَهَا.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: هِيَ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَمُسْتَحَبٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ) وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) قِيلَ: الْمُعَاشَرَةُ بِالْفَضْلِ وَالإِْحْسَانِ قَوْلاً وَفِعْلاً وَخُلُقًا، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَِهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَِهْلِي».
اسْتِمْتَاعُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالآْخَرِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الاِسْتِمْتَاعُ بِالآْخَرِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الاِسْتِمْتَاعُ بِالآْخَرِ، كَمَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ صَاحِبِهِ وَكَذَا لَمْسُهُ لِحَدِيثِ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ».
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الأَْصْلِيَّةِ حِلَّ وَطْءِ الزَّوْجِ لِزَوْجِهِ إِلاَّ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالإِْحْرَامِ وَفِي الظِّهَارِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، قَالَ تَعَالَى ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الإِْنْكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ، وَلأِنَّ النِّكَاحَ ضَمٌّ وَتَزْوِيجٌ لُغَةً فَيَقْتَضِي الاِنْضِمَامَ وَالاِزْدِوَاجَ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلاَّ بِحِلِّ الْوَطْءِ وَالاِسْتِمْتَاعِ، وَحِلُّ الاِسْتِمْتَاعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ كَمَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا فَزَوْجُهَا يَحِلُّ لَهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُطَالِبَهَا بِالْوَطْءِ مَتَى شَاءَ إِلاَّ عِنْدَ اعْتِرَاضِ أَسْبَابٍ مَانِعَةٍ مِنَ الْوَطْءِ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالظِّهَارِ وَالإِْحْرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تُطَالِبَ زَوْجَهَا بِالْوَطْءِ، لأِنَّ حِلَّهُ لَهَا حَقُّهَا، كَمَا أَنَّ حِلَّهَا لَهُ حَقُّهُ، وَإِذَا طَالَبَتْهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَجِبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَاسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
وَأَضَافَ الْكَاسَانِيُّ: وَمِنَ الأَْحْكَامِ الأَْصْلِيَّةِ لِلنِّكَاحِ الصَّحِيحِ حِلُّ النَّظَرِ وَالْمَسِّ مِنْ رَأْسِهَا - أَيِ الزَّوْجَةِ - إِلَى قَدَمَيْهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، لأِنَّ الْوَطْءَ فَوْقَ النَّظَرِ وَالْمَسِّ فَكَانَ إِحْلاَلُهُ إِحْلاَلاً لِلْمَسِّ وَالنَّظَرِ مِنْ طَرِيقِ الأَْوْلَى.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ النَّظَرُ لِسَائِرِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ، وَيَحِلُّ بِالنِّكَاحِ وَالْمِلْكِ لِلأُْنْثَى تَمَتَّعٌ بِغَيْرِ وَطْءِ دُبُرٍ.
ج- الإِْرْثُ:
مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ التَّوَارُثُ، فَيَرِثُ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ كَمَا تَرِثُ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مَتَى تَوَافَرَتِ الشُّرُوطُ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مِيرَاثَ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ).
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْث ف 36 - 38).
د- حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ:
تَحْرُمُ الزَّوْجَةُ عَلَى آبَاءِ الزَّوْجِ وَأَجْدَادِهِ وَأَبْنَائِهِ وَفُرُوعِ أَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ أُمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ وَجَدَّاتُهَا وَبَنَاتُهَا وَبَنَاتُ أَبْنَائِهَا وَإِنْ نَزَلْنَ، لأِنَّهُنَّ مِنْ بَنَاتِهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، كَمَا تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ زَوْجَةُ الأَْبِ
وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلاَ مِنَ الْعَصَابَاتِ أَوْ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ، وَكَذَلِكَ تَحْرُمُ زَوْجَةُ الْفَرْعِ وَإِنْ سَفَلَ.
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (مُحَرِّمَات النِّكَاحِ ف9، 12، 23).
هـ ثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدِ:
يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ صَاحِبِ الْفِرَاشِ فِي الزَّوْجِيَّةِ الصَّحِيحَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مَتَى تَوَافَرَتْ سَائِرُ شُرُوطِ ثُبُوتِ النَّسَبِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ».
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نَسَب ف11).
ثَانِيًا: حُقُوقُ الزَّوْجِ:
حُقُوقُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَعْظَمُ مِنْ حُقُوقِهَا عَلَيْهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ) وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) قَالَ الْجَصَّاصُ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ حَقًّا، وَأَنَّ الزَّوْجَ مُخْتَصٌّ بِحَقٍّ لَهُ عَلَيْهَا لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قوله تعالى ) وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الزَّوْجَ مُفَضَّلٌ عَلَيْهَا، مُقَدَّمٌ فِي النِّكَاحِ فَوْقَهَا.
وَمِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ:
أ - طَاعَةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجَةِ، لقوله تعالى ) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ) وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ طَاعَةِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ لاَ تَكُونَ فِي مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى، لأِنَّهُ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (طَاعَة ف 10 وَمَا بَعْدَهَا، عِشْرَة ف 12، زَوْج ف 2).
ب- تَسْلِيمُ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا إِلَى الزَّوْجِ:
مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَإِذَا كَانَتْ مُطِيقَةً لِلْجِمَاعِ وَتَسَلَّمَتْ مُعَجَّلَ صَدَاقِهَا وَطَلَبَ الزَّوْجُ تَسَلُّمَهَا وَجَبَ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ وَتَمْكِينُهُ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تَسْلِيم ف 19، 20، زَوْج ف 3، عِشْرَة ف 8 - 14).
ج- عَدَمُ إِذْنِ الزَّوْجَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ لِمَنْ يَكْرَهُ دُخُولَهُ:
مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لاَ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ لأَِحَدٍ يَكْرَهُ دُخُولَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ».
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عِشْرَة ف 16، زَوْج ف 4).
د- عَدَمُ خُرُوجِ الزَّوْجَةِ مِنَ الْبَيْتِ إِلاَّ بِإِذْنِ الزَّوْجِ:
مِنْ حَقَّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَلاَّ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ بِدُونِ إِذْنِهِ فَقَدِ ارْتَكَبَتْ مَعْصِيَةً، لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اشْتَرَطُوا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ صَالِحًا لِلْبَقَاءِ فِيهِ، وَأَلاَّ يُوجَدَ سَبَبٌ يُجِيزُ لَهَا الْخُرُوجَ مِنَ الْبَيْتِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ لِحَدِيثِ: «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ؟ فَقَالَ: حَقُّهُ عَلَيْهَا أَلاَّ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا مَلاَئِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ حَتَّى تَرْجِعَ».
هـ - سَفَرُ الزَّوْجِ بِامْرَأَتِهِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ - فِي الْجُمْلَةِ - إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ السَّفَرَ بِامْرَأَتِهِ، وَالاِنْتِقَالَ بِهَا إِلَى حَيْثُ يَنْتَقِلُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلُ:
فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الأَْحْوَالِ الَّتِي يَحِقُّ فِيهَا لِلزَّوْجِ السَّفَرُ بِزَوْجَتِهِ:
قَالَ الْكَمَالُ: إِذَا أَوْفَاهَا مَهْرَهَا أَوْ كَانَ مُؤَجَّلاً نَقَلَهَا إِلَى حَيْثُ شَاءَ مِنْ بِلاَدِ اللَّهِ، وَكَذَا إِذَا وَطِئَهَا بِرِضَاهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، لقوله تعالى: ) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ).
وَقِيلَ: لاَ يُخْرِجُهَا إِلَى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهَا لأِنَّ الْغَرِيبَ يُؤْذَى، وَاخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ، قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمِرْغِينَانِيُّ: الأَْخْذُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى مِنَ الأَْخْذِ بِقَوْلِ الْفَقِيهِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ)، وَأَفْتَى كَثِيرٌ مِنَ الْمَشَايِخِ بِقَوْلِ الْفَقِيهِ لأِنَّ النَّصَّ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْمُضَارَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ) وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ) بَعْدَ ) أَسْكِنُوهُنَّ) وَالنَّقْلُ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهَا مُضَارَّةٌ، فَيَكُونُ قوله تعالى: ) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) مِمَّا لاَ مُضَارَّةَ فِيهَا، وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ جَوَانِبِ مِصْرِهَا وَأَطْرَافِهِ وَالْقُرَى الْقَرِيبَةِ الَّتِي لاَ تَبْلُغُ مُدَّةَ سَفَرٍ، فَيَجُوزُ نَقْلُهَا مِنَ الْمِصْرِ إِلَى الْقَرْيَةِ، وَمِنَ الْقَرْيَةِ إِلَى الْمِصْرِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إِذَا أَوْفَاهَا الْمُعَجَّلَ وَالْمُؤَجَّلَ وَكَانَ رَجُلاً مَأْمُونًا فَلَهُ نَقْلُهَا.
وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَفْصِيلِ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ:
قَالَ الدَّرْدِيرُ: إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ الْمُعَيَّنَ أَوْ حَالَّ الصَّدَاقِ الْمَضْمُونِ فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا مِنَ الدُّخُولِ حَتَّى تَسْلِيمِهِ لَهَا، وَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا مِنَ الْوَطْءِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَهَا الْمَنْعُ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا مَا حَلَّ مِنَ الْمَهْرِ أَصَالَةً أَوْ بَعْدَ التَّأْجِيلِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ وَطْءٌ وَلاَ تَمْكِينٌ مِنْهُ، فَإِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا لَهُ - وَطِئَ أَوْ لَمْ يَطَأْ - فَلَيْسَ لَهَا مَنْعٌ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَطْءٍ وَلاَ سَفَرٍ مَعَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَإِنَّمَا لَهَا الْمُطَالَبَةُ فَقَطْ وَرَفْعُهُ إِلَى الْحَاكِمِ كَالْمَدِينِ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ مِنْ يَدِهَا بَعْدَ الْوَطْءِ فَلَهَا الْمَنْعُ بَعْدَ الاِسْتِحْقَاقِ حَتَّى تَقْبِضَ عِوَضَهُ، لأِنَّ مِنْ حُجَّتِهَا أَنْ تَقُولَ: مَكَّنْتُهُ حَتَّى يُتِمَّ الصَّدَاقَ لِي وَلَمْ يُتِمَّ، وَكَذَلِكَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَمْكِينِهَا بَعْدَ الاِسْتِحْقَاقِ حَتَّى يُسَلِّمَهَا بَدَلَهُ إِنْ غَرَّهَا بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُ، بَلْ وَلَوْ لَمْ يُغْرِهَا لاِعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِأَنْ وَرِثَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ السَّفَرُ مَعَ زَوْجِهَا، إِلاَّ أَنَّ لَهَا حَبْسَ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَالَّ، لاَ الْمُؤَجَّلَ لِرِضَاهَا بِالتَّأْجِيلِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لِلزَّوْجِ السَّفَرُ بِزَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ، إِلاَّ أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا، لأِنَّهُ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ رضوان الله عليهم كَانُوا يُسَافِرُونَ بِنِسَائِهِمْ، فَإِنِ اشْتَرَطَتْ بَلَدَهَا فَلَهَا شَرْطُهَا لِحَدِيثِ: «إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» وَإِلاَّ أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ سَفَرٌ بِهَا بِلاَ إِذْنِ سَيِّدِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهَا نَهَارًا عَلَى سَيِّدِهَا، وَلَيْسَ لِسَيِّدٍ سَفَرٌ بِأَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ بِلاَ إِذْنِ الزَّوْجِ لأِنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ مِنْهَا.
و- خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ خِدْمَةِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا، وَالأَْوْلَى لَهَا فِعْلُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ خِدْمَةِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا دِيَانَةً لاَ قَضَاءً.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةَ زَوْجِهَا فِي الأَْعْمَالِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِقِيَامِ الزَّوْجَةِ بِمِثْلِهَا.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عِشْرَة ف 18، خِدْمَة ف 18).
ز - تَأْدِيبُ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ لِنُشُوزِهَا وَمَا يَتَّصِلُ بِالْحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ).
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَأْدِيب ف 4، 8، 11، عِشْرَة ف 10، زَوْج ف 7، نُشُوز ف 12 وَمَا بَعْدَهَا).
ح- الطَّلاَقُ:
إِنْهَاءُ النِّكَاحِ بِالطَّلاَقِ حَقٌّ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَالأَْصْلُ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الإِْبَاحَةُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الأَْصْلَ فِيهِ الْحَظْرُ، لَكِنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ بِحَسَبِ مَا يُرَافِقُهُ مِنْ قَرَائِنَ وَأَحْوَالٍ.
وَفِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف9 وَمَا بَعْدَهَا).
ثَالِثًا: حُقُوقُ الزَّوْجَةِ:
يُرَتِّبُ عَقْدُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ حُقُوقًا لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا هِيَ:
أ- الْمَهْرُ:
يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ الْمَهْرُ لِلزَّوْجَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْوُجُوبُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
وَمِنَ السُّنَّةِ «قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمُرِيدِ النِّكَاحِ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» وَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْر ف 3).
ب- النَّفَقَةُ:
تَجِبُ لِلزَّوْجَةِ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجِهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».
وَفِي شُرُوطِ وُجُوبِ هَذِهِ النَّفَقَةِ، وَمِقْدَارِهَا، وَمَا تَتَوَقَّفُ بِهِ، وَمَا تَسْقُطُ بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَة).
ج - إِخْدَامُ الزَّوْجَةِ:
مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا إِخْدَامُهَا، لأِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَلأِنَّ هَذَا مِنْ كِفَايَتِهَا وَمِمَّا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (خِدْمَة ف 7 وَمَا بَعْدَهَا).
د- الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَعْدِلَ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ، وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ، لأِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ».
وَفِي الْقَسْمِ، وَمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَدْلُ فِيهِ، وَعِمَادُهُ مُدَّتُهُ، وَالزَّوْجُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ، وَالزَّوْجَةُ الَّتِي تَسْتَحِقُّهُ، وَقَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهُ، فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْقَسْمِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسْم بَيْنَ الزَّوْجَاتِ ف 5 وَمَا بَعْدَهَا).
هـ - الْبَيَاتُ عِنْدَ الزَّوْجَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ بَيَاتِ الزَّوْجِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ أَوْ عَدَمِ تَقْدِيرِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْبَيَاتُ عِنْدَ زَوْجَتِهِ وَإِنَّمَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عِشْرَة ف 23).
و- إِعْفَافُ الزَّوْجَةِ:
مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يَقُومَ بِإِعْفَافِهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَعِفَّ بِالْوَطْءِ الْحَلاَلِ عَنِ الْحَرَامِ.
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ وَطْءِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عَزْل ف 35، وَطْء، عِشْرَة ف 22).
انْتِهَاءُ النِّكَاحِ:
يَنْتَهِي النِّكَاحُ وَتَنْفَصِمُ عُقْدَتُهُ بِأُمُورٍ: مِنْهَا مَا يَكُونُ فَسْخًا لِعَقْدِ النِّكَاحِ يَرْفَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ يَمْنَعُ بَقَاءَهُ وَاسْتِمْرَارَهُ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ طَلاَقًا أَوْ فِي حُكْمِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
أ- الْمَوْتُ:
تَنْحَلُّ رَابِطَةُ الزَّوْجِيَّةِ إِذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّكَاحِ الَّذِي انْتَهَى بِالْمَوْتِ أَحْكَامٌ مِنْهَا: أَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَرِثُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا، وَأَنَّ الزَّوْجَةَ تَحُدُّ وَتَعْتَدُّ إِنْ تُوُفِّيَ الزَّوْجُ، وَيَحُلُّ مَا أُجِّلَ مِنْ صَدَاقِهَا إِنْ كَانَ الْمُتَوَفَّى أَحَدُهُمَا. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْدَاد ف9 وَمَا بَعْدَهَا، إِرْث ف 35 - 38، عِدَّة ف 8، 17 - 20، 58، 61، مَهْر ف 31، مَوْت).
ب- الطَّلاَقُ:
الطَّلاَقُ هُوَ رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ أَوِ الْمَآلِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَالنِّكَاحُ الَّذِي يَرْفَعُهُ الطَّلاَقُ هُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلاَقِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ وَبِالإِْجْمَاعِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الأَْصْلِيِّ لِلطَّلاَقِ هَلْ هُوَ الإِْبَاحَةُ أَوِ الْحَظْرُ؟ كَمَا بَيَّنُوا مَسَائِلَهُ بَيَانًا وَافِيًا.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف9 وَمَا بَعْدَهَا).
ج- الْخُلْعُ:
الْخُلْعُ - عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ، بِلَفْظِ خُلْعٍ أَوْ طَلاَقٍ.
وَالْخُلْعُ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَاسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ) فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ - فِي أَوَّلِ خُلْعٍ وَقَعَ فِي الإِْسْلاَمِ -: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالأُْمَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَجَوَازِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الْخُلْعِ وَمَسَائِلَهُ بَيَانًا شَافِيًا.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (خُلْع ف9 وَمَا بَعْدَهَا).
د- الإِْيلاَءُ:
إِذَا أَصَرَّ الزَّوْجُ الْمُولِي عَلَى عَدَمِ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ الَّتِي حَدَّدَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).، فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ بِمُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَإِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، بَلْ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي فَيَأْمُرَ الزَّوْجَ بِالْفَيْءِ، فَإِنْ أَبَى أَمَرَهُ بِتَطْلِيقِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ طَلَّقَهَا عَلَيْهِ الْقَاضِي.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِيلاَء ف 17 وَمَا بَعْدَهَا).
هـ - اللِّعَانُ:
إِذَا تَمَّ اللِّعَانُ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «الْمُتَلاَعِنَانِ إِذَا تَفَرَّقَا لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا»
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفُرْقَةِ الَّتِي تَقَعُ بِاللِّعَانِ، هَلْ تَقَعُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي، أَمْ لاَ بُدَّ لِوُقُوعِهَا مِنْ حُكْمِ الْقَاضِي؟ وَهَلْ تَتَوَقَّفُ عَلَى مُلاَعَنَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ عَلَى لِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ؟ وَهَلْ هِيَ طَلاَقٌ أَوْ فَسْخٌ؟ وَهَلِ الْحُرْمَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى اللِّعَانِ مُؤَبَّدَةٌ بِحَيْثُ لاَ تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِمَنْ لاَعَنَهَا وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، أَوْ هِيَ حُرْمَةٌ مُؤَقَّتَةٌ تَنْتَهِي إِذَا أَكْذَبَ الزَّوْجُ الْمُلاَعِنُ نَفْسَهُ؟ وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (فُرْقَة ف 12، لِعَان ف 23، 24).
و- إِعْسَارُ الزَّوْجِ:
إِعْسَارُ الزَّوْجِ قَدْ يَكُونُ بِصَدَاقِ زَوْجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِنَفَقَتِهَا.
فَإِذَا أُعْسِرَ بِالصَّدَاقِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ بِهَذَا الإِْعْسَارِ أَقْوَالٌ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ بِذَلِكَ، وَلِلزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ مَنْعُ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِلزَّوْجِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ مُعَجَّلَ صَدَاقِهَا. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ التَّفْرِيقَ بِإِعْسَارِ الزَّوْجِ عَنْ مُعَجَّلِ الصَّدَاقِ إِعْسَارًا لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ مَا لَمْ يَدْخُلِ الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وُجُوهٌ وَأَقْوَالٌ.
أَمَّا إِذَا أُعْسِرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ، وَثَبَتَ إِعْسَارُهُ، وَطَلَبَتِ الزَّوْجَةُ التَّفْرِيقَ بِذَلِكَ فُرِقَّ بَيْنَهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِعْسَار ف 14، 19، طَلاَق ف 79 - 86، فُرْقَة ف 8).
ز- الرِّدَّةُ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ حِيلَ بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَقْرَبُ الزَّوْجُ الزَّوْجَةَ وَلاَ يَخْلُو بِهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَيْنُونَتِهَا مِنْهُ؟ هَلْ تَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي؟ وَهَلْ تَكُونُ طَلاَقًا أَوْ فَسْخًا؟
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّة ف 44، فُرْقَة ف 10).
ح- غَيْبَةُ الزَّوْجِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ غَيْبَةِ الزَّوْجِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَوْتُ الزَّوْجِ أَوْ يَمْضِيَ مِنَ الزَّمَنِ مَا لاَ يَعِيشُ إِلَى مِثْلِهِ غَالِبًا. وَقَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ حَالاَتِ الْغَيْبَةِ، وَبَيَّنُوا حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (غَيْبَة ف 3، طَلاَق ف 87 وَمَا بَعْدَهَا، فُرْقَة ف 7، مَفْقُود ف 4).
ط- فَوْتُ الْكَفَاءَةِ:
إِذَا تَخَلَّفَتِ الْكَفَاءَةُ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُونَهَا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَهُمْ بَاطِلاً أَوْ فَاسِدًا، أَمَّا مَنْ لاَ يَعْتَبِرُونَ الْكَفَاءَةَ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَالأَْوْلِيَاءِ، فَإِنْ تَخَلَّفَتِ الْكَفَاءَةُ لاَ يَبْطُلُ النِّكَاحُ عِنْدَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ، بَلْ يَجْعَلُهُ عُرْضَةً لِلْفَسْخِ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (كَفَاءَة ف 21).
ي- التَّحْرِيمُ الطَّارِئُ بِالرَّضَاعِ:
الرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَى النِّكَاحِ يَقْطَعُهُ، كَمَا يَمْنَعُ الرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ قَبْلَ النِّكَاحِ انْعِقَادَهُ وَابْتِدَاءَهُ، لأِنَّ أَدِلَّةَ التَّحْرِيمِ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ رَضَاعٍ مُقَارِنٍ وَبَيْنَ طَارِئٍ عَلَيْهِ. وَمَتَى ثَبَتَ الرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسَيْهِمَا، وَإِلاَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ فَاسِدٌ.
وَهَذَا الرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ قَدْ يَقْتَضِي مَعَ قَطْعِهِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، وَقَدْ لاَ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (رَضَاع ف 27، مُحَرِّمَات النِّكَاحِ ف 15).
ك- الْعَيْبُ الَّذِي يُثْبِتُ الْخِيَارَ:
إِذَا وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ - وَقَدِ اسْتَوْفَى عَقْدُ النِّكَاحِ أَرْكَانَهُ وَشُرُوطَهُ - بِصَاحِبِهِ عَيْبًا مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تُثْبِتُ الْخِيَارَ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَسْبِقْ عِلْمُهُ بِهَذَا الْعَيْبِ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَرْضَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ اطِّلاَعِهِ عَلَيْهِ، وَاكْتَمَلَتِ الشُّرُوطُ اللاَّزِمَةُ لِلتَّفْرِيقِ بِالْعَيْبِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِهَذَا الزَّوْجِ - فِي الْجُمْلَةِ - فَسْخُ الْعَقْدِ وَرَدُّ النِّكَاحِ بِهَذَا الْعَيْبِ.
وَقَدْ أَحْصَى الْفُقَهَاءُ الْعُيُوبَ الَّتِي يُفَرَّقُ بِهَا وَبَيَّنُوهَا، كَمَا فَصَّلُوا شُرُوطَ التَّفْرِيقِ بِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، وَمَنْ تَكُونُ بِهِ هَذِهِ الْعُيُوبُ هَلْ هُوَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ أَوْ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ؟ وَنَوْعُ الْفُرْقَةِ بِالْعَيْبِ، وَمَا تَقَعُ بِهِ هَذِهِ الْفُرْقَةُ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف 93 - 107).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني والأربعون ، الصفحة / 281
حُكْمُ الْهَزْلِ فِي النِّكَاحِ
الْهَزْلُ فِي النِّكَاحِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، أَوْ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، وَنُبَيِّنُ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ فِيمَا يَلِي:
الصُّورَةُ الأُْولَى: الْهَزْلُ فِي أَصْلِ عَقْدِ النِّكَاحِ
إِذَا هَزَلَ الْعَاقِدَانِ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ، مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِمَهْرٍ هُوَ أَلْفٌ - مَثَلاً - وَلاَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ نِكَاحَ الْهَازِلِ صَحِيحٌ، وَالْهَزْلُ بَاطِلٌ، وَتَلْزَمُهُ مُوجِبَاتُ الْعَقْدِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِقَصْدِهِ، قَالَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ - وَالشَّافِعِيَّةُ - وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهم، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «ثَلاَثٌ لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ: الطَّلاَقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتْقُ».
وَلِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ إِيضَاحٌ وَتَفْصِيلٌ:
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْهَزْلَ بِأَصْلِ النِّكَاحِ جِدٌّ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ لاِمْرَأَةٍ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكِ بِأَلْفٍ تَزَوُّجًا بَاطِلاً وَهَزْلاً، وَوَافَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا عَلَى ذَلِكَ، وَحَضَرَ الشُّهُودُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، كَانَ النِّكَاحُ لاَزِمًا فِي الْقَضَاءِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا سَمَّيَا مِنَ الْمَهْرِ لِلْحَدِيثِ: «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ»؛ وَلأَِنَّ الْهَزْلَ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالنِّكَاحُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ؛ وَلِهَذَا لاَ يُجْرَى فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ، وَالْمَالُ فِي النِّكَاحِ تَبَعٌ؛ لأَِنَّ الْمَقْصِدَ الأَْصْلِيَّ فِيهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ الْحِلُّ لِلتَّوَالُدِ، وَكَذَا يَصِحُّ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ، وَيُتَحَمَّلُ فِي الْمَهْرِ مِنَ الْجَهَالَةِ مَا لاَ يُتَحَمَّلُ فِي غَيْرِهِ.
وَقَالُوا: إِنَّ عَقْدَ نِكَاحِ الْهَازِلِ لاَزِمٌ، وَالْهَزْلُ بَاطِلٌ سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْعَاقِدَانِ عَلَى بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوِ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنْهَا، أَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ أَوِ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوِ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا، أَوِ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ هَزْلَ النِّكَاحِ لاَزِمٌ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ الْهَزْلَ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّيُوخِ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ- وَهُوَ يَلْعَبُ - زَوِّجِ ابْنَتَكَ مِنِ ابْنِي، وَأَنَا أُمْهِرُهَا كَذَا، فَقَالَ الآْخَرُ- عَلَى ضَحِكٍ وَلَعِبٍ - أَتُرِيدُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ زَوِّجْهُ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُهُ، فَذَلِكَ نِكَاحٌ لاَزِمٌ.
الرَّأْيُ الثَّانِي: يَرَى أَنَّ هَزْلَ النِّكَاحِ هَزْلٌ، وَلاَ يَجُوزُ مِنْهُ إِلاَّ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْجِدِّ، وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: يَرَى أَنَّ هَزْلَ النِّكَاحِ جِدٌّ مَا لَمْ يُقَمِ الدَّلِيلُ عَلَى الْهَزْلِ، فَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْهَزْلِ لَمْ يَلْزَمِ النِّكَاحُ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس ، الصفحة / 257
إِمْلاَكٌ
التَّعْرِيفُ:
1 - الإْمْلاَكُ هُوَ: التَّزْوِيجُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ
الْحُكْمُ الإْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
2 - الإْمْلاَكُ بِمَعْنَى: عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَهُ مُصْطَلَحٌ خَاصٌّ بِهِ تُذْكَرُ فِيهِ أَحْكَامُهُ.
وَوَلِيمَةُ الإْمْلاَكِ بِمَعْنَى وَلِيمَةِ الْعَقْدِ، فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالإْجَابَةُ إِلَيْهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهَا مُبَاحَةٌ.
وَهَلْ تَتَعَدَّدُ مَعَ وَلِيمَةِ الدُّخُولِ ؟ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ. وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى حُكْمِ وَلِيمَةِ الإْمْلاَكِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ.
وَيَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ الإْمْلاَكِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (وَلِيمَة).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن ، الصفحة / 5
بَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الْبَاءَةُ لُغَةً: النِّكَاحُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الْجِمَاعِ. إِمَّا لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمَنْزِلِ غَالِبًا، أَوْ لأَِنَّ الرَّجُلَ يَتَبَوَّأُ مِنْ أَهْلِهِ - أَيْ يَسْتَمْكِنُ مِنْهَا - كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دَارِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ.وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
وَقَالَ شَارِحُ الْمِنْهَاجِ: الْبَاءَةُ: مُؤَنُ النِّكَاحِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَاهُ: هُوَ الْوَطْءُ.
ب - أُهْبَةُ النِّكَاحِ: الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤَنِهِ مِنْ مَهْرٍ وَغَيْرِهِ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْبَاءَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الْبَاءَةُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مَوْضُوعِهَا (ر: وَطْء).
أَمَّا بِمَعْنَى مُؤَنِ النِّكَاحِ فَإِنَّ مَنْ وَجَدَهَا، وَكَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الْوَطْءِ، وَلاَ يَخْشَى الْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمِ، اسْتُحِبَّ لَهُ النِّكَاحُ.لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ...» الْحَدِيثَ.
فَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّقُ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورِ، فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنِ الْحَرَامِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلأَِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّلُ إِلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
أَمَّا إِنْ وَجَدَ الأُْهْبَةَ، وَكَانَ بِهِ مَرَضٌ كَهَرَمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ كَرِهَ لَهُ النِّكَاحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ لإِِضْرَارِهِ بِالْمَرْأَةِ.
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَجَدَ الْبَاءَةَ، وَلَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ لِلْوَطْءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ أَفْضَلُ.وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ،
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع عشر ، الصفحة / 193
فِي النِّكَاحِ:
يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَتَوَلَّى شَخْصٌ طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ، عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَاحِدٌ بِإِيجَابٍ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبُولِ فِي خَمْسِ صُوَرٍ، كَأَنْ كَانَ وَلِيًّا، أَوْ وَكِيلاً مِنَ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ أَصِيلاً مِنْ جَانِبٍ وَوَكِيلاً، أَوْ وَلِيًّا مِنْ آخَرَ، أَوْ وَلِيًّا مِنْ جَانِبٍ وَكِيلاً مِنْ آخَرَ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لاِبْنِ عَمِّ الْمَرْأَةِ إِذَا وَكَّلَتْهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا، وَعَيَّنَ نَفْسَهُ لِمُ وَكِّلَتِهِ وَرَضِيَتْ بِهِ، أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَزَوَّجْتُك بِكَذَا مِنَ الْمَهْرِ وَلاَ يَحْتَاجُ لِقَبُولٍ بَعْدَ هَذَا؛ لِتَوَلِّي ابْنِ الْعَمِّ الإْيجَابَ وَالْقَبُولَ، عَلَى أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَةُ بِالْمَهْرِ الَّذِي سَمَّاهُ وَيَشْهَدُ عَدْلاَنِ عَلَى تَزْوِيجِهَا لِنَفْسِهِ، وَمِثْلُ ابْنِ الْعَمِّ الْحَاكِمُ وَالْوَصِيُّ وَالْكَافِلُ وَوَلِيُّ الإْسْلاَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَدِّ تَوَلِّي طَرَفَيْ عَقْدِ تَزْوِيجِ بِنْتِ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الآْخَرِ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الأْصَحِّ لِقُوَّةِ وِلاَيَةِ الْجَدِّ، وَالثَّانِي: لاَ يَصِحُّ لأِنَّ خِطَابَ الإْنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ لاَ يَنْتَظِمُ.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنَ الأْوْلِيَاءِ غَيْرِ الْجَدِّ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلاَ يُزَوِّجُ وَاحِدٌ مِنَ الأْوْلِيَاءِ مَوْلِيَتَهُ لِنَفْسِهِ بِتَوَلِّيهِ الطَّرَفَيْنِ بَلْ يُزَوِّجُهُ بِهَا نَظِيرُهُ فِي دَرَجَتِهِ وَيَقْبَلُ هُوَ لِنَفْسِهِ فَلاَ وِلاَيَةَ بِهِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ زَوَّجَهَا لَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا وَهُوَ ابْنُ الْعَمِّ، أَوِ الْمَوْلَى، أَوِ الْحَاكِمُ، أَوِ السُّلْطَانُ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ ذَلِكَ، وَفِي تَوَلِّيهِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ لأِمِّ حَكِيمٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَك إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُك وَلأِنَّهُ يَمْلِكُ الإْيجَابَ وَالْقَبُولَ فَجَازَ أَنْ يَتَوَلاَّهُمَا.
الثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ وَلَكِنْ يُوَكِّلُ رَجُلاً يُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا بِإِذْنِهَا؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَمَرَ رَجُلاً زَوَّجَهُ امْرَأَةً الْمُغِيرَةُ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ؛ وَلَِنَّهُ عَقْدٌ مَلَكَهُ بِالإْذْنِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ كَالْبَيْعِ.
انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَمُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَبِكُلِّ لَفْظٍ وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فِي الْحَالِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» حَيْثُ وَرَدَ فِي النِّكَاحِ؛ وَلأَِنَّ التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ فَأُطْلِقَ عَلَى النِّكَاحِ، وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ عَدَمَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» قَالُوا: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ التَّزْوِيجُ أَوِ الإِْنْكَاحُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ سِوَاهُمَا فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُمَا تَعَبُّدًا وَاحْتِيَاطًا، لأَِنَّ النِّكَاحَ يَنْزِعُ إِلَى الْعِبَادَاتِ لِوُرُودِ النَّدْبِ فِيهِ، وَالأَْذْكَارُ فِي الْعِبَادَاتِ تُتَلَقَّى مِنَ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظَيِ التَّزْوِيجِ وَالإِْنْكَاحِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع عشر ، الصفحة / 162
الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ :
يَرَى فَرِيقٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ، وَالتَّصْحِيفُ أَنْ يَقْرَأَ الشَّيْءَ عَلَى خِلاَفِ مَا أَرَادَهُ كَاتِبُهُ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، كَتَجَوَّزْتُ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الزَّاي؛ لأَِنَّهُ صَادِرٌ لاَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، بَلْ عَنْ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ فَلاَ يَكُونُ حَقِيقَةً وَلاَ مَجَازًا لِعَدَمِ الْعَلاَقَةِ، بَلْ غَلَطًا فَلاَ اعْتِبَارَ بِهِ أَصْلاً بِخِلاَفِ مَا لَوِ اتَّفَقَ قَوْمٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ وَصَدَرَتْ عَنْ قَصْدٍ صَحَّ، لأَِنَّ ذَلِكَ وَضْعٌ جَدِيدٌ وَبِهِ أَفْتَى أَبُو السُّعُودِ.
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْعَقْدُ بِلَفْظِ جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ إِذَا نَطَقَ بِهِ الْعَامِّيُّ قَاصِدًا بِهِ مَعْنَى النِّكَاحِ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ لَفْظَ جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ لاَ يَفْهَمُ مِنْهُ الْعَاقِدَانِ وَالشُّهُودُ إِلاَّ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّزْوِيجِ وَلاَ يُقْصَدُ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُحْمَلُ كَلاَمُ كُلِّ عَاقِدٍ وَحَالِفٍ وَوَاقِفٍ عَلَى عَرَفَةَ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ إِذَا لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (نِكَاحٌ).
ثَانِيًا - الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ :
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَأَشَارَ إِلَيْهَا، فَلاَ يَضُرُّ؛ لأَِنَّ تَعْرِيفَ الإِْشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ أَقْوَى مِنَ التَّسْمِيَةِ، لِمَا فِي التَّسْمِيَةِ مِنَ الاِشْتِرَاكِ لِعَارِضٍ فَتَلْغُو التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الإِْشَارَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: اقْتَدَيْتُ بِزَيْدٍ هَذَا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو فَإِنَّهُ يَصِحُّ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ وَأَرَادَ تَزْوِيجَ الْكُبْرَى فَغَلِطَ فَسَمَّاهَا بِاسْمِ الصُّغْرَى صَحَّ لِلصُّغْرَى بِأَنْ كَانَ اسْمُ الْكُبْرَى عَائِشَةَ وَالصُّغْرَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَقَبِلَ، انْعَقَدَ عَلَى فَاطِمَةَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَصِفْهَا بِالْكُبْرَى، فَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي الْكُبْرَى فَاطِمَةَ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ لاَ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ عَلَى إِحْدَاهُمَا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنَةٌ كُبْرَى بِهَذَا الاِسْمِ، وَلاَ تَنْفَعُ النِّيَّةُ هُنَا وَلاَ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ بَعْدَ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنِ الْمُرَادِ.
وَقَالَ شَمْسُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ قَالَ أَبُو بَنَاتٍ: زَوَّجْتُكَ إِحْدَاهُنَّ أَوْ بِنْتِي أَوْ فَاطِمَةَ وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً وَلَوْ غَيْرَ الْمُسَمَّاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، قَالَ الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ اخْتَلَفَتُ الزَّوْجَةُ مَعَ الزَّوْجِ فَقَالَتْ: لَسْتُ الْمُسَمَّاةَ فِي الْعَقْدِ، وَقَالَ الشُّهُودُ: بَلْ أَنْتِ الْمَقْصُودَةُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ سَمَّى غَيْرَكَ فِي الْعَقْدِ غَلَطًا وَوَافَقَهُمَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِهَا لأَِنَّ الأَْصْلَ عَدَمُ النِّكَاحِ، أَوِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِ الشُّهُودِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالأَْقْرَبُ الأَْوَّلُ، لأَِنَّ الأَْصْلَ عَدَمُ الْغَلَطِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَوْ سَمَّاهَا الْوَلِيُّ بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا صَحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إِنَّمَا جَاءَ مِنَ التَّعَدُّدِ وَلاَ تَعَدُّدَ هُنَا، وَكَذَا لَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَأَشَارَ إِلَيْهَا، بِأَنْ قَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةُ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لأَِنَّ الإِْشَارَةَ أَقْوَى، وَلَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَائِشَةُ فَقَبِلَ الزَّوْجُ، وَنَوَيَا فِي الْبَاطِنِ فَاطِمَةَ فَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَعَيَّنُ بِهِ، فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لاَ يُمَيِّزُهَا بَلْ يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا، وَلأَِنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ عَائِشَةُ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إِذَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِي مَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السابع والثلاثون ، الصفحة / 214
عَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ
اسْتَحَبَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَرَكَةِ، وَلأَِجْلِ شُهْرَتِهِ فَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ».
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ فِي إِجَازَتِهِمْ لِعَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شُرُوطٍ وَلاَ رَفْعِ صَوْتٍ أَوْ تَكْثِيرِ كَلاَمٍ وَإِلاَّ كُرِهَ فِيهِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الزِّفَافَ بِهِ لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ فَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا كُرِهَ فِيهِ.