الباب الثالث
الباب الثالث
فى موانع النكاح الشرعية
وبيان المحللات والمحرمات من النساء
يجوز للحر أن يتزوج أربع نسوة فى عقد واحد أو فى عقود متفرقة .
والحكمة في إباحة تعدد الزوجات أمور :
منها : أن الرجل قد لا تحصن نفسه واحدة فصونا له من الزنا واتخاذ الخليلات أباح الله له التزوج بأكثر من واحدة ، ولم يبح للمرأة أكثر من زوج لعلا تضيع الأولاد باختلاط الأنساب .
ومنها : أن عدد النساء في الغالب يزيد على عدد الرجال في أكثر الأمم فإذا لم يبح للرجل إلا واحدة بقي عدد من النساء بلا عائل يقوم بشؤونهن ومن غير زوج يحصن نفوسهن فيكن عرضة للسقوط .
ومنها : أن الغرض الأول من الزواج وهو التوالد والتناسل يكون أكثر تحققا بتعدد الزوجات .
ومنها : أن الزوج قد يجد زوجته عقيما ولا يرضى أن يفارقها لعقمها ولا يرضى أن يعيش محروما من نعمة الأبوة فأباح الله له أن يتزوج معها أخرى للخلاص من هذا الحرج .
ومما يعترض على إباحة التعدد أنه يؤدي إلى فساد الأسر لأن العداوة بين الضرائر لا تنقطع ولها أسوأ النتائج في حل الروابط بين أفراد الأسرة . ولأن أولاد الرجل الواحد من أمهات شتى ينشأون متعادين متباغضين . ولأن الرجل في الغالب لا يستطيع العدل بين الزوجات ولا القيام بشؤونهن جميعا فتكثر الخصومات والمنازعات .
ولكن الشارع رأى أن مضار إباحة التعدد أخف من مضار حظره . فاتقى أشد الضررين بإباحة أخفهما وأباح التعدد وقيد هذه الإباحة بالقدرة على العدل بين الزوجات فمن خاف أن لا يعدل بين المتعددات فلا تباح له إلا واحده .
وإن ما أباحه الشارع من التعدد مع تقييد العدد بقصره على أربع واشتراط القدرة على العدل بينهن هو وسط معتدل بين ما كانت عليه الجاهلية من إباحة التعدد إلى غير حد. وما عليه بعض الأمم الآن من حظر التعدد مطلقا فإن لكل من هذين الطرفين أضرارة لا تخفى على من ينظر بعين النصفة ويبتغي وجه الحق .
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 54 )
تعدد الزوجات في الإسلام :
بادئ ذي بدء قبل بحث تلك المادة سالفة الذكر والسند الفقهي التي استندت إليه ، فإنه من المناسب توضيح موقف الشريعة الإسلامية من مسالة تعدد الزوجات وبيان القواعد والركائز في تشريع تعدد الأزواج .
فتشريع تعدد الزوجات أصلا لبناء الأسرة المسلمة ولا قاعدة يجب التزامها على كل رجل ولا مكرمة ينبغي أن يشتمل عليها كل بيت مسلم ، بل هو رخصة شرعها رب العالمين ليلجأ إليها من تلجئه الضرورة أو تدفعه الحاجة ويلوذ بها من تضيق به حياة الزوجة الواحدة ، ويقدم عليها من يجد نفسه مضطرا لارتكاب أخف الضررين وسلوك أيسر السبيلين .
والحقيقة أن تعدد الزوجات كان موجودا قبل الإسلام ، وكان سائدا في الأمم السابقة سواء أكانت من تدين بالوثنية أو بدين سماوي . بل إن نظام تعدد الزوجات مازال معمولا په حتى وقتنا الحاضر في عدة شعوب لا تدين بالإسلام كأفريقيا والهند والصين واليابان فليس بصحيح إذن ما يزعمونه من أن هذا النظام مقصور على الأمم التي تدين بدين الإسلام .
فان الإسلام لم ينشئ نظام التعدد وإنما نظمه ، بأن قيده وحدده بأربع وقيده بإمكان العدل وإلا فواحدة أو ما ملكت اليمين وهذه المسالة ، مسالة إباحة التعدد يحسن أن تؤخذ بيسر ووضوح وحسم وأن تعرف الملابسات الحقيقية والواقعية التي تحيط بها فقد أباح الله تعدد الزوجات وجعله رخصة إلا انه قصره علي أربع وأوجب العدل بينهن فقال تعالى : {{ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا}} .
ويروي البخاري أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " اختر منهن أربعا ".
روي أبو داود أن عميرة الأسدى ، قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : اختر منهن أربعا ".
فجاء الإسلام وتحت الرجال عشر نسوة أو أكثر أو أقل بدون حد ولا قيد فجاء ليقول للرجال أن هناك حدا لا يتجاوزه المسلم - هو أربع - وأن هناك قيد - هو إمكان العدل - وإلا فواحدة أو ما ملكت اليمين .
فجاء الإسلام لا ليطلق ولكن ليحدد ولا ليترك الأمر لهوى الرجال ولكن القيد التعدد بالعدل وإلا امتنعت الرخصة المعطاة.
فدلت الآية الكريمة : {{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ ... إلى أخر الآية }} على إباحة التعدد متقيدا بعدد محدود عند إرادة الجمع بين الزوجات فكان شرطه عدم الزيادة على أربع .
كما دلت الآية أيضا على اشتراط العدل وأجمع المسلمون على ذلك ، لذلك حرم التعدد عند خوف الجور ووجب الابتعاد عنه شرعا
من كل ما سلف فان الإسلام لم ينشئ التعدد وإنما حدده ولم يأمر بالتعدد بل رخص فيه وقيده ، واته رخص فيه لمواجهة واقعيات الحياة البشرية وضرورات الفطرة الإنسانية فإن خيف عدم العدل من التزوج بأكثر من واحدة تعين الاقتصار على واحدة ولم يجز تجاوزها .
شروط تعدد الزوجات :
أولا : عدم الزيادة على أربع . كما هو مذهب الجمهور وهذا الشرط يعتبر من شروط الصحة بمعنى أنه لو عقد على الخامسة يكون العقد باطلا و و في عدة الرابعة فإباحة التعدد قيدت بعدد محدود عند إرادة الجمع بين الزوجات فاشترط عدم الزيادة على أربع .
ثانيا : العدل بين الزوجات في كل ما هو مادي من غير تفرقة بين غنية وفقيرة وعظيمة وحقيرة وهو شرط لإباحة التعدد يدل علي شرطيته قوله تعالى : {{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}} والمراد بالخوف غلبة الظن لا مجرد الخوف إذ هو متوفر عند كل شخص تقريبا فلو أريد لأنتج علم الإباحة وهذا بعيد عن روح الآية الكريمة فهي لا ترمي إليه .
أي إن خفتم ألا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع فواحدة ". فندب سبحانه وتعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة ، وهو إنما يخاف على ترك الواجب ، فدل على أن العدل بينهن واجب وإليه أشار في أخر الآية " ذلك أدنى ألا تعولوا ) أي تجوروا ، والجور حرام فكان العدل واجب ضرورة ، ولأن العدل مأمور به لقوله عز وجل : {{ أن الله يأمر بالعدل والإحسان }}
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : {{ من كانت له امرأتان فمال إلي إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل }}.
من كل ذلك يتبين أن العدل شرط التعدد والمراد بالعدل المشروط ما نص عليه الفقهاء وهو العدل في البيتوتة والنفقة وما شابه ذلك لا العدل في الميل القلبي لأن الله سبحانه وتعالى نص على عدم إمكان ذلك بقوله : {{ لَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ..}}
فمن يدرك روح الإسلام واتجاهه لا يقول إن التعدد مطلوب لذاته ، مستحب بلا مبرر من ضرورة فطرية أو اجتماعية وبلا دافع إلا التلذذ الحيواني ، وإلا التنقل بين الزوجات كما يتنقل الخليل بني الخليلات ، وإنما ضرورة تواجه ضرورة وحل يواجه مشكلة وهو ليس متروكا للهوى بلا قيد ولا حد في النظام الإسلامي.
والكيفية التي يمكن أن يتحقق من خلالها العدل في القسم تختلف باختلاف المال التي يراد تحقيقه فيها إذ من المعلوم أن علاقة الرجل بزوجة لها جوانب متعددة ، منها ما هو مادي ذو طبيعة مالية وهو يتمثل في المسكن والنفقة من مطعم وملبس وغيرها، ومنها ما هو مادي ذو طبيعة شخصية : وهو ما يمكن للزوج أن يتحكم في تنظيمه كالمبيت عند الزوجة والدخول إلي المنزل في بقية اليوم والسفر وما شابه ذلك مما يدخل في معناه كالخروج إلي التنزه والترفيه المباح ، ومنها ما هو مادي ذو طبيعة شخصية ولكن لا يمكن للزوج التحكم فيه أو تنظيمه كالجماع ومقدماته ومنها ما هو ذو معنى مجرد مستكن في النفس لا يمكن التحكم فيه أو تنظيمه كالميل القلبي وهو ما يعبر عنه بالحب إذ هو ميل القلب إلي شخص معين وتعلقه به وإحساسه المستمر بالحاجة إليه والشعور بالارتياح لقربه .
مظاهر العدل بين الزوجات
أولا : العدل بين الزوجات في الطعام واللباس والكسوة وإحسان المعاملة ولطف العشرة ، فيجب على الزوج العدل بين زوجاته في كل ما يستطيعه ويدخل تحت قدرته من الحقوق ، فيسوى بينهن حتى لا تجنح بإحداهن الغيرة التي تورث الحقد والكراهية بينهن ، لا فرق في ذلك بين غنية وفقيرة ، وعظيمة وحقيرة .، ولا بين البكر والثيب ، أو الجديدة والقديمة ، والشابة والعجوز - والمسلمة وغير العملية ، و الصحيحة والمريضة ، العاقلة والمجنونة ، والبالغة والمراهقة .
فإن كانت الرجل زوجتان فيجب عليه أن يسوى بينهما في النفقة بأنواعها الثلاثة على حسب مقدرته ويمتنع عليه أن يفضل إحداهما على الأخرى بشئ من ذلك .
ثانيا : العدل في المسكن
فيجب على الزوج أن يوفر لكل زوجة مسكنا مستقلا بمرافقة لها ولأولادها ، ولا يخفي أن استقرار كل زوجة في مسكن مستقل بمرافقة يكفي الضرائر شرا كثيرا تتولد شرارته عندما يحدث التخالط بينهن في المسكن فينشب النزاع بسبب الأولاد ، وليس معنى ذلك أن تطالب الزوجة زوجها بدار من بابها أو مسكن يليق بمكان عائلتها ، ذلك أن الزوج لا يكلف بما لا يستطيع وخارج عن مقدرته ، فلو أن للزوج دار مكونة من عدة حجرات وكانت كل حجرة مستقلة ولها غلق بمرافقها لصلحت هذه الحجرات مساكن مستقلة بمرافقها ، لذلك فلا يجوز للزوج أن يسكن زوجته الجديدة مع الزوجة القديمة طالما كانت المرافق مشتركة وإلا عد ذلك ضررا ماديا بالنسبة لها يحق لها طلب الطلاق مادام قد لحقها ضرر من جراء ذلك يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالها وللزوجة الأولي الحق في أن تمتنع من إقامة الزوجة الجديدة في مسكنها هذا في حالة ما إذا كانت المرافق مشتركة ،بل أجيز لها أن تمنعها من دخول المسكن ولو لمجرد الزيارة .
وقد جاء مضبطة مجلس الشعب
ثالثا : المساواة في البيت
وذلك بأن يسوي الزوج بين زوجاته في المبيت فلا يفضل إحداهما على الأخرى ، والمراد بالبيتوتة تخصيص كل زوجة بليلة يبيت الزوج معها في بيتها الخاص أي من حق كل زوجة أن يبيت زوجها عندها وقتا مساويا للوقت الذي يبيت فيه عند الأخريات .
ولا فرق في هذا بين البكر والثيب والجديدة والقديمة والشابة والعجوز - والصحيحة أو المريضة ، السليمة لعيب من العيوب أو ذات عيوب شرعية كالقرناء والرتقاء وسواء كانت خالية من الموانع الشرعية أم بها مانع شرعي كالحيض والنفاس .
والأمر كذلك بالنسبة للزوج سواء أكان قادرا على الوطء أم لا صحيحا أو مريضا لان القصد من المبيت هو الأنس والاستمتاع وهذا يتحقق مع الوطء أو بدونه ، فإذا حدث وكان الزوج مريضا واحتاج إلي التمريض في بيت إحداهن فيلزم عليه استئذان صاحبة الحق - كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد استأذن نساءه حالة مرضه في أن يكون في بيت عائشة رضي الله عنهما - وبعد شفائه من مرضه عليه أن يقيم في بيت غيرها بقدر ما قام عندها .
والقسم في المبيت لا ينبغي أن يقل عن ليلة كاملة حتى يكون هناك من الوقت الكافي الذي ييأس فيه كل من الزوجين بصاحبه .
ورأي جمهور العلماء أنه لا ينبغي أن تزيد مدة المبيت على سبعة أيام إلا في الحالات الضرورية كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثا ثم قال : ليس بك على أهلك هوان ، إن شئت سبعت لك ، وإن سبعت لك سبعت لنسائي وتعيين مدة المبيت أمر متروك للزوج لأن الواجب عليه التسوية بينهن وللزوج أن يختار الوسيلة التي تحقق هذه المساواة بلا ضرر ولا ضرار وحق الزوجة في المبيت معها في مسكنها بصرف النظر عن الرغبة في الجماع ، حتى وإن لم يتمكن من الجماع معها في ليالي المبيت شرعا أو عادة أو طبعا أو خلقة ، لأنه لا صلة بين القسم في المبيت وبين إمكان الجماع ، لان المقصود من القسم في المبيت هو اكتمال الأنس والمودة والرحمة بين الزوجين ، وانه وإن كان القصد من الزواج الجماع والتناسل إلا أن الرعاية النفسية والاجتماعية هي المقصد و الأساس من الزواج ، هذا إذا كان في حالة حظر ، إما إذا كان في حالة سفر فلا حق لهن في القسم ويسافر الزوج بمن شاء منهن غير أن الأولي أن يقرع بينهن .
يستخلص مما سلف ذكره أن العدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة ، أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس فلا يطالب به احد من بني الإنسان لأنه خارج عن إرادته فلا يجب فيها التسوية مثال ذلك عل الرجل بين زوجاته في المحبة أو أداء واجبه الجنسي معهن فهذه أمور تبني علي اعتبارات نفسية لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيها بقدر متساو في كل الظروف ، لأنه لا يملك ذلك بل القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء لذلك فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ثم يقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في سورة النساء {{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها کالمعلقة }}.
هذه الآية يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلا على تحريم التعدد والأمر ليس كذلك وشريعة الله ليست هازلة حتى تشرع الأمر في آية وتحرمه في آية أخرى فالعدل المطلوب في الآية الأولى : {{ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ... }}
والذي يوجب عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة وسائر الأوضاع الظاهرة بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شئ منها ، ولا يؤثر واحدة دون الأخرى بشئ منها فالعدل المنفي هو العدل في المحبة والجماع .
وقد قال محمد بن سیرین سألت عبيدة عن هذه الآية فقال هو الحب والجماع .
وقال أبو بكر العربي وصدق ، فإن ذلك لا يملكه أحد إذ قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء .
وكذلك الجماع ومقدماته ، فقال ابن قدامة لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجب التسوية في الجماع لأنه قد ينشط لإحداهما ما لا ينشط للاخرى ، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه فانه ما لا يستطيعه فلا يتعلق به تكليف .
وإن أمكنه التسوية بينهما في الجماع كان أحسن وأولى حيث أن ذلك أبلغ في العدل .
كما لا تجب التسوية في الاستمتاع بما دون الفرج من التقبيل واللمس وإن أمكنه التسوية بينهما في ذلك فهو أفضل، فالمكروه في الميل هو ميل العشرة الذي يكون معه بخس الحق دون میل القلوب ، بحيث تميل كفة الميزان كل الميل بينما يذر الأخرى كالمعلقة ، أي لا ينبغي أن تدفعه هذه المحبة إلي هجر من لا يحب من زوجاته والتقصير في حق من أي واحدة منهن من الحقوق التي أوجبها الشارع على الزوج أن يؤديها قبل زوجاته بالسوية بينهن.
وللزوجة أن ترفع أمرها إلى القاضي تطالب زوجها بحقها في القسم وذلك في حالة ما إذا ما طالبته بذلك ولكنه لم يمتثل ، وعلى القاضي أن يأمره بأن يستأنف العدل في المستقبل ولا يأمر بالقضاء في الماضي ، فإن جار بعد ذلك أوجعه عقوبة حسبما يراه ، لأن هذه العقوبة من باب التعذير لارتكابه محرما لا عقوبة مقدرة عليه .
وقيل يؤمر بالقضاء في الماضي إذا طلبت لأنه حق آدمي وله قدرة على إيفائه .
و المشرع في المادة 11 مكرر من القانون 25 لسنة 29 المعدل بالقانون .. لسنة 85 أوجب على الزوج بمجرد إتمام إجراءات الزواج بالثانية أن يقوم بإخطار الزوجة الأولي ، والإخطار هنا ليس معناه أن يوقف الزواج بالثانية حتى تأتي موافقة الزوجة الأولي ، وإنما الزواج الثاني متى توافرت شروطه وأركانه شرعا أصبح حقيقة واقعية ، فالمشرع لم يتعرض التعدد الزوجات لا من قريب ولا من بعيد فللزوج أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع لا شئ في هذا .
وعلى الزوجة بعد إخطارها أن تسلك أحد الطريقين إما أن تقبل الاستمرار في هذه الحياة الزوجية وهذا حقها ، وإما أن تلجأ إلى القاضي تطلب التفريق بينها وبين زوجها إذا ترتب على هذا الزواج بأخري ضرر مادي ومعنوي وهذا حقها أيضا طبقا للقاعدة العامة .
لذلك فحق الزوجة في طلب التطليق بالزواج بأخرى أن يلحقها ضرر يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالها ، وقد لا يلحقها ضرر بأن يقوم الزوج بالعدل بينهما في كل الأمور السابق بيانها تفصيلا وذلك بان يسوى بينهما في النفقة والمسكن والمبيت والفارق بين هذا النص والنص في القرار بقانون الذي الغي ، أن القرار بقانون الملغي كان يعتبر مجرد الزواج باخري قرينة قانونية لصالح الزوجة التي في عصمة زوجها مؤداها أن اقترانه بأخرى بغير رضاها يعتبر إضرارا بها ويعطيها من إثبات هذا الضرر متى طلبت التفريق لأجنه ، بمعنى مجرد إتمام الزواج الثاني أجاز للزوجة الأولي أن تأخذ وثيقة الزواج وتذهب إلى المحكمة وعلى القاضي أن يحكم لها بالطلاق فورا . وكان هذا النص مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية في كل الوجوه ولم يقل به أحد من فقهاء الشريعة الإسلامية .
أما هذا القانون المعمول به الآن لم ينح هذا المنحي وإنما أوجب علي الزوجة طالبة التطليق للتضرر من الزواج بأخرى ، أن تقيم الدليل على أنه قد لحقها ضرر من جراء ذلك الزواج ماديا كان أو معنويا ، بمعنى أن الضرر لا يفترض كما كان عليه الحال في القانون 44 لسنة 79 الذي حكم بعدم دستوريته كما أن معيار الضرر معيار شخصي وليس معيارا ماديا .
وقد جاء بمضبطة مجلس الشعب جلسة 96 في 1985 / 6 / 30 بأن السند الفقهي لهذا النص ومفهوم الضرر عند إطلاقه شرعا وطبقا لما استقر عليه القضاء يشمل الضرر بكافة أنواعه ماديا كان أو أدبيا ، ومن ثم فلم تر اللجنة ضرورة لتفصيله في النص ومسلك المشرع في ذلك يتفق مع حكم الشريعة الإسلامية دون المساس بمبدأ تعدد الزوجات حيث يبقى هذا المبدأ علي أصله دون مساس به أو تقييد له ومن الضرر الذي يلحق بالزوجة الأولي إذا ترتب علي الزواج باخري عدم الإنفاق عليها أو تخفيض نفقتها عما هو مقرر لها كما يعتبر من الضرر إسكان الزوجة الثانية بمسكن الزوجة الأولي أو نقل الزوجة الأولي من محل إقامتها لإسكان الأخرى إلى مكان أخر لا يعد مسکنا شرعيا وتتضرر منه ، أو ترتب على هذا الزواج هجر منزل الزوجة الأولي أو عدم التسوية بينهما في المبيت كما سلف بيانه تفصيلا كما يعد من الضرر إلحاق الأذى بها من ضرب وسب نتيجة ذلك الزواج لم يكن يحدث قبل زواجه بالثانية.
ولا يعد من قبيل الضرر زواج الرجل على زوجته الأولي بخادمته أو الشغالة ، كما لا يعد من قبيل الضرر أيضا إذا ادعت الزوجة أنه ترتب على هذا الزواج انهيارها نفسيا كما يدعي بعض الزوجات .
فمناط الحكم بالتطليق في الدعوى التي ترفع طبقا للمادة ۱۱ مکرر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۲۹ هو ثبوت الضرر ماديا أو معنويا يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما وعجز القاضي عن الإصلاح بين الطرفين ، وان البينية في هذه الدعوى - وعلي أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة يجب أن تكون من رجلين أو رجل وامرأتان ، ومحكمة الموضوع هي التي تستقل بتقدير عناصر الضرر وتصويره بما يجعل دوام العشرة متعذرا ما دام استنادها كان على أسباب مقبولة .
وعلى محكمة الموضوع عند التدخل لمحاولة الصلح أن تحاول التوفيق بين الطرفين بان تطلب من الزوج إزالة أسباب الشقاق ، والعدل بين زوجاته والتسوية بينهن في السبب المقام عليه الدعوى ، فإذا عجزت المحكمة عن الإصلاح بين الطرفين فتقضي بالتطليق إذا توافرت باقي الشروط التي تتطلبها المادة 11 مكرر من القانون سالف البيان ويستخلص من ذلك أن شروط دعوى التطليق للزواج بأخرى هي : أولا : أن ترفع الزوجة الدعوى خلال سنة من تاريخ علمها بزواج زوجها من أخري وإلا سقط حقها في طلب التطليق بعد مضي سنة من تاريخ إخطارها بالزواج الثاني .
ثانيا : ألا تكون قد رضيت بذلك الزواج الثاني صراحة أو ضمنا ، فإذا اثبت الزوج أنها رضيت بهذا الزواج فيسقط حقها في طلب التطليق .
ثالثا : أن يكون قد لحقها ضرر مادي أو معنوي يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما ولو لم تكن قد اشترطت عليه في العقد، وعبء الإثبات الضرر يقع على الزوجة . رابعا : عجز المحكمة عن الإصلاح بين الطرفين واستحالة العشرة بينهما.
خامسا : إذا اشترطت الزوجة على زوجها في العقد أن لا يتزوج عليها فلها الحق في التطليق أو فسخه .
ففي حالة توافر تلك الشروط فعلى محكمة الموضوع أن تقضي بالتطليق طلقة بائنة للضرر وبناء علي هذا جاء الحكم المبين في الفقرة الثانية من المادة 11 مكرر التي ترخص للزوجة في طلب التطليق إذا تضررت ماديا أو معنويا من اقتران زوجها بأخرى حتى ولو لم تكن قد اشترطت عليه في عقد زواجها ألا يتزوج عليها ، ومن هذا القبيل إذا أخفى الزوج علي الزوجة الجديدة انه متزوج بغيرها ، فإنه يكون حقا لها أن تطلب التطليق عليه إذا تضررت من ذلك .
كما يتجدد حق الزوجة في طلب التطليق كلما تزوج بأخرى ولحقها ضرر من جراء ذلك الزواج فلا يسقط حقها في طلب التطليق إذا تزوج من زوجة ثالثة ، رغم أنها لم تمانع من الزواج الثاني .
ولم يترك هذا النص الأمر مطلقا تستعمله الزوجة المتضررة حسبما تشاء وفي الوقت الذي تريده بل غاية سنة من تاريخ علمها بقيام السبب الموجب للضرر ما لم تكن قد رضيت بالبقاء على عصمته بعده صراحة أو ضمنا .
وضمانا لعلم الزوجة بقيام هذا السبب اوجب النص في فقرته الأولى على الرجل عند عقد زواجه أن يقدم إقرار كتابيا للموثق يضمنه حالته الاجتماعية ، فإذا كان متزوجا فعليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات التي في عصمته وقت العقد الجديد ومحال إقامتهن وأوجب على الموثق إخطار أولئك الزوجات بكتاب موصي عليه .
الرد على من ينادي بعدم التعدد
لقد ذهب السطحيون الذين يريدون الخروج عن منهج الله أن يتخذوا من الآية : {{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل }} دليلا على تحريم التعدد ، وذلك بأن قال الله : {{ اعدلوا }} ثم حكم أننا لا نستطيع أن نعدل .
فكان من فضيلة الشيخ الشعراوي إلي أن رد عليهم في خواطره عند تفسير تلك الآية فقال : بالله أهذا تشريع ؟ أيعطي الله باليمين ويسحب بالشمال ؟
والأمر ليس كذلك فشريعة الله ليست هائلة حتى تشرع الأمر في آيه وتحرمه في آية أخرى ، لأن الله لا يشرع إلا حقا ولا يشرع إلا صدقا ولا يشرع إلا خيرا ، وإن لم يستطع المسلم القيام بهذه الاستطاعة فيلزم نفسه بواحدة ، ومع ذلك حين يلزم المسلم نفسه بزوجة واحدة فمطلوب أيضا بإقامة العدل ، فلا يصح ولا يحل أن يهمل الرجل زوجته .
وحدث أن شکت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، زوجها أنه لا يأتيها وهي واحدة ليس لها ضرائر ، فكان عنده أحد الصحابة فقال له أفتها فقال الصحابي لك عنده أن يبيت عندك الليلة الرابعة بعد كل ثلاث ليال ، فافترض الصحابي أن لها شريكات ثلاث ، فهي بذلك تستحق الليلة الرابعة ، وستر عمر رضي الله عنه من الصحابي لأنه عرف كيف يفتي في أمر المرأة الواحدة .
فالحق عندما قال : {{ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ }} أي لا يتعدي العدل ما لا تملكون من الهوى والميل ، لأن ذلك ليس في إمكانهم ولذلك قال : {{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ }} أي لا ينبغي أن تدفعه هذه المحبة إلي هجر من لا يحب من زوجاته والتقصير في حق واحدة منهن ، وإلا وجب رفع الأمر إلى القاضي لمطالبة زوجها بحقها في القسم .
والعدالة المطلوبة تكون في الأمر الاختياري ، أما إذا خرج الأمر عن طاقة النفس وقدرتها فليس في الإمكان دفعه، لذلك قال الله سبحانه : {{ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ }}.
أما ما يثيره السطحيون والتواقون إلى الشهرة الكاذبة من أنهم يستدلون على تحريم التعدد من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هم علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الزواج ببنت أبي جهل في حياة فاطمة رضي الله عنها ، فهم لا يفهمون القصة ولم يستوثقوا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر فهو إن دل إنما يدل علي قصر نظرهم وقلة فهمهم وافترائهم على الله ورسوله . والقصة كما رواها الإمام البخاري في الجزء الحادي عشر ص 682 في باب ذب الرجل عن ابنته من الغيرة والإنصاف عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد أبن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم ، فإنما هي بضعه مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها ، وزاد في رواية الزهري وإني لست أحرم حلالا ولا أحلل حراما ، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد " وفي رواية مسلم " مكانا واحدا أبدا وفي رواية شعيب " عند رجل واحد أبدا " وقال ابن التين أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم علي على أن يجمع بين أبنته وبين ابنة أبي جهل لأنه علل بان ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق ، ومعنى قوله "لا أحرم حلالا " أي هي له حلال ولو لم تكن عنده فاطمة ، وأما الجمع بينهما لأنه يستلزم تأذي النبي صلى الله عليه وسلم لتأذي فاطمة به فلا .
فرسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله ، وفي كلمته الفصل في بيان الحلال والحرام ، وفي أيق حادثة تمس أحب الناس إليه ، وهي ابنته الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يقول بأنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ولكنه يستنكر أن تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في عصمة رجل واحد .
وقيل أن بني هشام بن المغيرة أرادوا أن يزوجوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنة أبي جهل فلم يأذن في ذلك وقال " إن أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم ، فإنما فاطمة بضعة منه يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها ، إني أخاف أن تفتن فاطمة في دينها ، واني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدا" وفي لفظ فذكر صهرا له فائني عليه وقال حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي فتضمن هذا الحكم أمورا : أحدها : أن الرجل إذا شرط لزوجته ألا يتزوج عليها ، لزمه الوفاء بالشرط ، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ ، ووجه تضمين الحديث لذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن ذلك يؤذي فاطمة ويربيها ، وأنه يؤذيه صلى الله عليه وسلم ويريبه ، ومعلوم قطعا أنه صلى الله عليه وسلم إنما زوجه فاطمة رضي الله عنها على أن لا يؤذيها ولا يربيها ، ولا يؤذي أباها صلى الله عليه وسلم ولا يريبه وإن لم يكن هذا مشترطا في صلب العقد ، فإنه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه ، وفي ذكره صلي الله عليه وسلم صهره الآخر وثناءه عليه بأنه حدثه فصدقه ووعده ، فوفى له تعريض بعلي رضي الله عنه وتهييج له على الاقتداء به وهذا يشعر بأنه جرى منه وعد له بأنه لا يريبها ولا يؤذيها ، فهيجه على الوفاء له كما وفي له صهره الآخر .
فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفا كالمشروط لفظا وأن عدمه يمنى الفسخ لمشترطه ، فلو فرض من عادة قوم أنهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكنون أزواجهم من ذلك البتة واستمرت عادتهم بذلك كان المشروط لفظا ، وهو مطرد على قواعد أهل المدينة ، وقواعد أحمد رحمه الله : أن الشرط العرفي كاللفظي سواء وعلى هذا فلو فرض أن المرأة في بيت لا تتزوج الرجل علي نسائهم ضرة ولا يمكنونه من ذلك ، وعادتهم مستمرة كذلك كان كالمشروط لفظا سواء وعلى هذا فسيدة نساء العالمين وابنة سيد ولد آدم أجمعين أحق النساء بهذا فلو شرطه علي في صلب العقد كان تأكيدا لا تأسيسا .
وفي منع علي من الجمع بين فاطمة رضي الله عنها وبين بنت أبي جهل حكمة بديعة وهي أن المرأة مع زوجها في درجته تبع له ، فإن كانت في نفسها ذات درجة عالية ، وزوجها كذلك ، كانت في درجة عالية بنفسها وزوجها ، وهذا شأن فاطمة وعلي رضي الله عنهما ، ولم يكن الله عز وجل ليجعل ابنة أبي جهل مع فاطمة رضي الله عنها في درجة واحدة لا بنفسها ولا تبعا ، وبينهما من الفرق ما بينهما فلم يكن نكاحها على سيدة نساء العالمين مستحسنا لا شرعا ولا قدرا ، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلي هذا بقوله والله لا يجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد ابدا
و أود أن أورد بعض المقتطفات من البحث العلمي للفقيه الجليل الشيخ أحمد شاكر عن تعدد الزوجات - المنشور في مجلد الأحوال الشخصية ص 395 أن هؤلاء اصطنعوا الشفقة على الأسرة وعلى الأبناء خاصة ، وزعموا أن تعدد الزوجات سبب كثرة المتشردين من الأطفال ، بأن أكثرهم هؤلاء من أباء فقراء تزوجوا أكثر من واحدة ، وهم في ذلك كاذبون ، والإحصاءات التي يستندون إليها هي التي تكذبهم ، فأرادوا أن يشرعوا قانونا يحرم تعدد الزوجات على الفقير ويأذنون به للغنى القادر ، فكان هذا سوءة السوءات أن - يجعلوا هذا التشريع الإسلامي السامي وقفا على الأغنياء ثم لم ينفع هذا ولم يستطيعوا إصداره فاتجهوا وجهة أخرى يتلاعبون فيها بالقرآن فزعموا أن إباحة التعدد مشروطة بشرط العدل ، وأن الله سبحانه وتعالى أخبر بأن العدل غیر مستطاع ، فهذا مادة تحريمه عندهم ، إذ قصروا استدلالهم علي بعض الآية وتركوا باقيها : {{وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}} وتركوا باقيها : {{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ }} فكانوا كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، ثم ذهبوا يتلاعبون بالألفاظ وببعض القواعد الأصولية ، فسموا تعدد الزوجات " مباها " وان لولي الأمر أن يقيد بعض المباحات بما يرى من القيود للمصلحة ، مما كان تعدد الزوجات مما يطلق عليه " المباح " بالمعنى العلمي الدقيق أي المسكوت عنه ، الذي لم يرد نص بتحليله أو تحريمه ، وهو الذي قال فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم ما أحل الله فهو حل وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو " بل أن القرآن نص صراحة علي تحليله بل جاء إحلاله بصيغة الأمر ، التي أصلها للوجوب " فانكحوا ما طالب لكم من النساء " وإنما انصرف فيها الأمر من الوجوب إلى التحليل بقوله " ما طاب لكم " ثم هم يعلمون - علم اليقين - انه حلال بكل معنى كلمة " حل " بنص القرآن وبالعمل المتواتر الواضح الذي لا شك فيه منذ عهد النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه إلي اليوم ولكنهم قوم يفترون . وشرط العدل في هذه الآية : {{ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً }} شرط شخص لا تشريعي ، أعني أنه شرط مرجعه الشخص المكلف - لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء فإن الله قد أذن للرجل - بصيغة الأمر - أن يتزوج ما طاب له من النساء دون قيد بإذن القاضي أو بإذن القانون أو بإذن ولي الأمر أو غيره ، وأمره إذا خاف - في نفسه - أن لا يعدل بين الزوجات حتى يستطيع أن يعرف ما في دخيلة نفسه من خوف الجور أو عدم خوفه ، بل ترك الله ذلك لتقديره في ضميره وحده ، . ثم علمه الله سبحانه وتعالى أنه على الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة لا يدخلها میل ، فأمره أن لا يميل كل الميل فيذر بعض زوجاته کالمعلقة ، فاكتفي ربه منه ، في طاعة أمره بالعدل ، أن يعمل معه بما يستطاع ، ورفع عنه ما لم يستطع .
وهذا العدل المأمور به مما يتغير به تغير الظروف ، ومما يذهب ويجئ بما يدخل في نفس المكلف ، ولذلك لا يعقل أن يكون شرطا في صحة العقد .
إن الله حيث أجل تعدد الزوجات . بالنص التصريح في القرآن - أحله في شريعته الباقية علي الدهر ، في كل زمان وكل عصر ، وهو سبحانه يعلم ما كان وما سيكون قلم يعزب عن علمه - عز وجل - ما وقع من الإحداث في هذا العصر . ولا ما سيقع فيما يكون في العصور القديمة - ولو كان هذا الحكم مما يتغير بتغير الزمان - كما يزعم الملحدون الهدامون - تنص على ذلك في كتابه أو في سنة رسوله ، قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شئ عليم .
والإسلام برئ من الرهبانية وبرئ من الكهنوت ، فلا يملك أحد أن يفسخ حكما أحكمه الله في كتابه أو في سنة رسوله ، ولا يملك أحد أن يحرم شيئا أحله الله ولا أن يحل شيئا حرمه الله ، لا يصدق ذلك خليفة ولا ملك ولا أمير ولا وزير ، بل لا يملك جمهور الأمة سواء بإجماع أم بأكثريه الواجب عليهم جميعا الخضوع لحكم الله والسمع والطاعة .
ولقد سبق أن نادي بالأمس القريب من نادي بتحريم التعدد وحدث ذلك في مصر وفعلا صدر القرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 وأضاف إلي القانون رقم 25 لسنة 1979 ست مواد جديدة منها المادة 6 مكرر/ 2 الذي اعتبر الزواج باخري قرينة قانونية لصالح الزوجة التي في عصمة زوجها ، مؤداها أن اقترانه بأخري بغير رضاها يعتبر إضرار بها ويطفيها من إثبات الضرر متى طلبت التفريق من أجله ولو لم تكن قد اشترطت عليه في عقد الزواج عدم الزواج عليها ، بمعنى أن مجرد إتمام الزواج الثاني أجاز للزوجة الأولي أن تأخذ وثيقة الزواج وتطلب من المحكمة التطليق ، وبناء على هذا القانون ، كان على القاضي أن يحكم بتطليقها فورا ولو لم يلحقها ضرر فعلا ، وهو أمر يتنافى مع روح الشريعة ومبادئها العامة ونصوص القرآن والسنة ، وقد جاء هذا النص مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية من كل الوجوه ولم يقل به احد من فقهائها ، وإجماع الأمة وما علم من الدين بالضرورة ، وأنه يؤدي إلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتكب الحرام حين تزوج أخريات بغیر رضاء الأولي ، وكذلك فعله أصحابه والتابعين ، كما أن مذهب المالكية قد ذهب إلى أن الزواج بأخرى ليس من الضرر ، لكن هذا النص لم يكتب له الاستمرارية ، فقضي بعدم دستوريته لعيب لحق إجراءات إصداره .
ثم صدر القانون رقم 100 لسنة 1985 بالتعديل وقام المشرع بعلاج كل العيوب التي لحقت القرار بقانون رقم 44 لسنة 1929 المقضي بعدم دستوريته وأعطى الزوجة الحق في طلب التطليق إذا لحقها ضرر مادي أو معنوي يتعذر معه دوام العشرة بين الزوجين .
وبناء على ما تقدم فلا مجال إلي معاودة الكرة مرة أخري والمناداة بتحريم التعدد جرأة على أحكام الله وافتراء على دينه ، لا لشئ سوى طلب الشهرة الزائفة واعتلاء المناصب البراقة ، بعد أن خاب مسعى من كان قبلكم بعد أن تجرأ علي شرع الله وسنة رسوله .
وأخيرا أقول لهؤلاء وأولئك أن الشريعة الإسلامية لم تغلق باب الاجتهاد ، ولكنه مفتوح على مصراعية ، والاجتهاد في اصطلاح فقهاء الشريعة الإسلامية هو بذل الفقيه وسعه لاستنباط الحكم الشرعي العملي من الدليل الشرعي ، وما كان من النصوص قطعي الثبوت والدلالة فلا محل للاجتهاد فيها ولا مجال للاجتهاد في المسائل المعلومة من الدين بالضرورة ، وإنما يكون الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص أو ما ورد فيه نص غير قطعي الثبوت أو غير قطعي الدلالة ، والنصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة باعتبارها المصدر الثاني للتشريع ، ومتى كان النص واضحا جلي المعنى قاطعا في دلالته على المراد منه فإنه لا يجوز الخروج عليه أو الانفلات منه بدعوى تأويله ، فلا اجتهاد في مقابلة النص ، وهذا هو مفاد النصوص الشرعية لقوله تعالى : {{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُالْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا}} {{ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }} {{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}} وقد نقل ابن عبد البر عن أبي حنيفة قوله " إذا صح الحديث فهو مذهبي " وهو ما نقله الإمام الشعراني عن الأئمة الأربعة وقال الإمام الشافعي " إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط ولا قول لأحد مع سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم {{ وجعلت طاعة الرسول من طاعة الله }} قال تعالي {{ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}} {{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }} {{ ومَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ}} {{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا }} {{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }} {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}} ومن عارض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول الإمام أحمد - فذلك فعل الذين يتمسكون بالمتشابهه في رد المحكم فإن لم يجدوا لفظا متشابها يردونه به استخرجوا من المحكم وصفا متشابها يردونه به ، في حين أن المنهج القويم الذي سلكه الصحابة والتابعون الأئمة أنهم يردون المتشابه إلى المحكم ويأخذون من المحكم ما يفسر به المتشابه ويبينه فتتفق دلالته مع المحكم وتوافق النصوص بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا لأنها كلها من عند الله ، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض بقوله تعالى : {{ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ }} والسنة النبوية لا تعارض القرآن الكريم فهي إما أن تأتي موافقة له من كل وجه ، وأما أن تكون بيانا لما أجمله وتفسيرا له ، وأما أن تكون موجبة لحكم سكت عنه القرآن ، وفي هذه الحالة الأخيرة تكون تشريعا يجب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيه لقوله تعالى {{وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }} ولو ردت السنة النبوية التي لم ترد في القرآن الكريم لأبطلت أكثر سنن رسول الله ، رغم أن مخالفة السنة مخالفة للقران الكريم الذي أمر بإتباعها وعلى هذا إجماع لأنه لم يشذ منهم في ذلك أحد، والقول بغير ذلك مخافة الأصول الشريعة بما يتعارض مع كون السنة التي صدرت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وحيا من عند الله والمصدر الثاني للتشريع وهو ما يتنافي مع أصل العقيدة وما هو معلوم من الدين بالضرورة لقوله تعالى: {{ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى }}
فليس الأمر هينا أن يجتهد أحد في دين الله ويصدر الأحكام على غير أساس وأسانيد من الكتاب والسنة ، لم هذا التجني على دين الله ، والمطالبة بعدم تعدد الزوجات ، هل بداعي الحرية فيئست الحرية التي تجرح دين الله وتعتدي على حرماته .
والحرية أن تدعوا إلى كلمة سواء لجمع شمل المسلمين ومحاربة الفقر والبطالة وزيادة عجلة الإنتاج في الزراعة والصناعة .
لم لا تدعون دين الإسلام لمن هم أهله ، أم هل الإسلام هو الكلأ المباح الذي يتكلم فيه كل من هب ودب ، لم لا تشغلون أنفسكم بصنعتكم التي تحترفونها وتتركون تفسير القرآن الكريم وسنة نبيه لأصحابه المتخصصين وهم كثيرون أم هذه هي الشطارة ، أن تتجني على الإسلام من أجل رضا صاحب سلطان لتحظى بالأوسمة والنياشين .
وأخيرا أقول ليس لكل من عرف القراءة والكتابة أن يجعل من نفسه مجتهدا في دين الله يستنبط الأحكام ويفتي في الحلال والحرام وصدق الله في محكم كتابه " هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " ويقول " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، إن الذين يفترون على الله العنب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم " ويقول " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون .
ثم نقول لمن ينادون بتحريم التعدد ، أن فقه الإمام أحمد بن حنبل قد أجاز للمرأة أن تشترط على زوجها أن لا يتزوج عليها ، فإذا اشترطت وتزوج فلها فراقه وقد جاء في كتاب المغني لابن قدامة في هذا الموضع ص 448 ج 7 بعنوان مسألة وإذا تزوجها وشرط لها ألا يخرجها من دارها وبلدها فلها شرطها لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال {{ أن أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج " وإن تزوجها وشرط ألا يتزوج عليها فلها فراقه إذا تزوج عليها }}.
وسبب نزول آية " فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع .. " فقد ورد في تفسير الآية ما جاء في صحيح البخاري - الجزء الحادي عشر ص 483 - ما روي عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها قال لها أمتاه " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ ... " إلى ما ملكت أيمانكم " قالت عائشة يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص من صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء ، قالت عائشة استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله " ويستفتونك في النساء ... إلى .. وترغبون أن تنكحوهن " فأنزل الله عز وجل لهم في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذا مال وجمال رغبوا في نكاحها ونسبها والصداق ، وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة المال والجمال تركوها واخذوا غيرها من النساء قالت فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق .
فالمراد من الآية أي إن خفتم عدم العدل وهو الظلم عند زواجكم باليتامى فابتعدوا عنهن ، فاليتيم مظنة أن يظلم لضعفه ، خاصة إذا كانت أنثي لأنها لا تقدر أن تدفع عن نفسها ما يلحقها من الظلم ، وكان عليه أن يترك اليتيمة ، والنساء أمامه كثيرات مثنى وثلاث ورباع ، أي أن خشيتم عدم العدل بين الزوجات فاقتصروا على الزواج بواحدة ، أو بما ملكت أيمانكم من سراري ، مهما كان العدد ، فإن ذلك أضمن لعدم الظلم والجور
ولقد كان من مضار عدم التعدد ، أن البلاد المسيحية التي رضخت أخيرا للقواعد الكنسية والقوانين الوضعية مخالفة تعاليم العهد القديم والعهد الجديد في كتابهم المقدس ، أن انتشرت فيها الفوضى الخلقية فسمح بالمخالفة واتخاذ العشيقات ، كما هو الحال في فرنسا ، وكثر أولاد الزنا وأصبحوا مشكلة اجتماعية خطيرة ، واضطروا إلى الاعتراف بهؤلاء الأولاد ونسبتهم إلي أمهاتهم ، وفتح باب التبني على مصراعيه وأصبح ذلك شيئا طبيعيا في السويد - والنرويج وغيرهما .
مكانة المرأة في الإسلام
. لم تنل المرأة حريتها كاملة وأدميتها ، كبنت ، وزوجة ، وأم إلا في الإسلام ، ولا تزال حقوق نساء العالم في القرن العشرين الميلادي في أرقي دول الحضارة دول حقوق المرأة في الإسلام ، بل أن ما في الحضارات العصرية من محاسن إنما مصدره الإسلام بالاحتكاك .
حكمة التعدد في الإسلام
قد تكون الزوجة عقيما ويريد الزوج الذرية وقد تكون مريضة مرضا يمنع الاتصال الجنسي فهي بين إحدى اثنتين إما أن يطلقها الرجل ليتزوج ولودا صحيحة ، وقد لا يوجد من يعولها فيضطرها ذلك إلى المعاناة وارتكاب الصعاب ، وإما أن يبقيها في عصمته ويتزوج بأخرى .
ومن ناحية أخري فقد تكون المرأة عزوفا عيوفا تعاف الاتصال بالرجل ، وقد يطرأ على المرأة العادية بحسب طبيعتها ما لا يجعلها مستعدة للالتقاء مع الرجل من حیض ونفاس وحمل ورضاع ، ومن الأزواج من لا تسمح له طبيعته البعد عن الزوجة، فهل تترك له الحبل على الغارب يفسد بنات ونساء آخر فتنتشر الرزيلة .
ومن المشاهد أيضا أن النساء أطول عمرا من الرجال لما يتعرض له الرجل من مشقة السعي والكسب والحرب التي قد تترك بعدها نساء عددهن أضعاف الرجال .
والمفروض في التشريعات الإلهية أن تواجه جميع الاحتمالات ، وجميعها أباحت التعدد إلى غير حد ولكن الإسلام حدد التعدد بأربع وجعله رخصة تستعمل عند الضرورة .
ونقول لمن ينادي بوجوب تقييد حق الرجل في تعدد الزوجات باشتراط إذن القاضي فيما ذهبوا إليه إلى أن التعدد مشكلة اجتماعية خطيرة.
والرد على ذلك فإن الشريعة الإسلامية بمذاهبها المختلفة تسمح لكل إصلاح وفيها الحلول الشافية لكل مشكلة ، وتسمح بتقييد المباح متى وجدت المصلحة ولكن هل تفاقم تعدد الزوجات وأساء الرجل استعمال هذا الحق إلي حد أن أصبحت مشكلة لغالبية السكان أو لعدد كبير منهم مما يستدعي تدخل المشرع إذ المفروض أن القوانين لا تسن لمعالجة حالات نادرة شاذة ، وهل يكفي لمعالجة الحال التوجيه والتوعية والإرشاد في حدود قواعد الدين وآدابه .
لذلك نقول الأغلبية أن المسالة لم تصبح مشكلة ويكفي فيها نشر الوعي بين النساء في أن لا يتزوجن من هو متزوج وان وزر التعدد واقع عليهن.
وقد يكون من المفيد أن تعد خانة في وثيقة الزواج لبيان ما إذا كان راغب الزواج متزوجا بأخرى أم لا وهل رزق منها بأولاد وعددهم أم لا.
وفعلا أضاف المشرع المصري إلي القانون 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985 المادة 11 مكرر ما يدل على أن يضمن الزوج في وثيقة زواجه حالته الاجتماعية فيما إذا كان متزوجا من عدمه .
كما أن الشريعة الإسلامية لم تمنع أجابه ما طلبه البعض من إعطاء الزوجة التي يتزوج عليها زوجها دون رضاها حق طلب التطليق إذا تضررت من هذا الزواج ماديا ومعنويا بما يتعذر معه العشرة بينهما.(الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للإصدارات القانونية ، الصفحة : 448 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني عشر ، الصفحة / 232
تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ :
تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ إِلَى أَرْبَعٍ مَشْرُوعٌ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قوله تعالى : (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وَفِي تَفْصِيلِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّعَدُّدِ وَشُرُوطِهِ وَوُجُوبِ الْعَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ يُرْجَعُ إِلَى (نِكَاحٌ وَقَسْمٌ وَنَفَقَةٌ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 350
نِكَاحُ الْمَرِيضِ وَالْمَرِيضَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نِكَاحِ الْمَرِيضِ وَالْمَرِيضَةِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْكِحَ جَمِيعَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَرْبَعًا وَمَا دُونَهُنَّ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالِي: ) فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) وَلِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ ابْنَةُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ، فَحَدَثَ أَنَّهَا عَاقِرٌ لاَ تَلِدُ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَمَكَثَتْ حَيَاةَ عُمَرَ وَبَعْضَ خِلاَفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنهما، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ لِتُشْرِكَ نِسَاءَهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ.
وَلأِنَّ النِّكَاحَ مِنَ الْحَوَائِجِ الأَْصْلِيَّةِ لِلإِْنْسَانِ فَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْمَهْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ النِّكَاحِ شَرْعًا، وَالْمَرِيضُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ صَرْفِ مَالِهِ إِلَى حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ كَثَمَنِ الأَْغْذِيَةِ وَالأَْدْوِيَةِ.
وَلأِنَّ هُ نِكَاحٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ بِشَرْطِهِ فَيَصِحُّ كَحَالِ الصِّحَّةِ، وَلأِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ ثَلاَثَ نِسْوَةٍ أَصْدَقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَلْفًا لِيُضَيِّقَ بِهِنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ وَيُشْرِكْنَهَا فِي مِيرَاثِهَا فَأُجِيزَ ذَلِكَ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ النِّكَاحِ ثَبَتَ كَذَلِكَ صِحَّةُ الصَّدَاقِ وَاسْتِحْقَاقُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إِرْثَ الآْخَرِ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَنَصَّ ابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ مُضَارَّةً لِيُنْقِصَ إِرْثَ غَيْرِهَا وَأَقَرَّتْ بِهِ لَمْ تَرِثْهُ، وَقَالَ الأَْوْزَاعِيُّ: النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَلاَ مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ رَبِيعَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَالصَّدَاقُ وَالْمِيرَاثُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَلاَ فَرْقَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْمَرِيضَ أَمِ الْمَرْأَةُ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحَ الدُّسُوقِيُّ أَنَّهُ يَتَّفِقُ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَنْعِ نِكَاحِ الزَّوْجَيْنِ إِذَا كَانَا مَرِيضَيْنِ مَرَضًا مُخَوِّفًا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْمَوْتُ عَادَةً. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا هَذَا الْمَرَضَ وَالآْخَرُ صَحِيحًا.
فَالْمَشْهُورُ الرَّاجِحُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنْ أَذِنَ الْوَرَثَةُ أَوِ احْتَاجَ الْمَرِيضُ إِلَيْهِ لِلنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِهِ وَارِثًا.
وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ النِّكَاحُ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ الْمَرِيضُ أَوْ أَذِنَ الْوَارِثُ وَهَذَا الَّذِي شَهَرَهُ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ.
وَعَلَى الأَْوَّلِ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ - لَوْ وَقَعَ النِّكَاحُ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ بِهِمَا مَعًا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ، فَإِنْ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلاَ صَدَاقَ لَهَا وَلاَ مِيرَاثَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى. وَلاَ مِيرَاثَ لَهُ مِنْهَا.
إِذَا مَاتَ الْمَرِيضُ الْمُتَزَوِّجُ فِي مَرَضِهِ الْمُخَوِّفِ قَبْلَ فَسْخِ النِّكَاحِ - سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ - عَلَيْهِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ: الأَْقَلُّ مِنَ الْمُسَمَّى مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ... وَأَمَّا إِذَا فُسِخَ النِّكَاحُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ.
وَأَمَّا إِذَا فُسِخَ بَعْدَ الدُّخُولِ، ثُمَّ مَاتَ أَوْ صَحَّ كَانَ لَهَا الْمُسَمَّى تَأْخُذُهُ مِنْ ثُلُثِهِ مَبْدَءًا إِنْ مَاتَ، وَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ صَحَّ.
أَمَّا إِذَا صَحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا أَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُمَا يُقَرَّانِ عَلَى نِكَاحِهِمَا وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَيَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ الصَّدَاقُ الَّذِي سَمَّى.
وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَيُّ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا مَرَضًا مُخَوِّفًا حَالَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ لاَ يَتَوَارَثَانِ بِهِ إِلاَّ أَنْ يُصِيبَهَا فَلَهَا الْمُسَمَّى فِي ثُلُثِ مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَصَبَةِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنُ: إِنْ قَصَدَ الإِْضْرَارَ بِوَرَثَتِهِ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ وَإِلاَّ فَهُوَ صَحِيحٌ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (مَرَضِ الْمَوْتِ ف 21).