الأحكام الصادرة في غيبة المتهم والمعتبرة حضورياً طبقاً للمواد (238 إلي 241) يبدأ ميعاد إستئنافها بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه بها .
الأحكام الصادرة في غيبة المتهم والمعتبرة حضورياً طبقاً للمواد (238 إلي 241) يبدأ ميعاد إستئنافها بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه بها .
الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الرابع
تقرير لجنة الإجراءات الجنائية لمجلس الشيوخ: أضافت اللجنة في المادة الفقرة الأولي التي تنص بأن الأحكام الصادرة في غيبة المتهم والمعتبرة حضورياً يبدأ ميعاد استئنافها بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه بها لأن الواقع أن هذه الأحكام الغيابية وإن كانت لا تجوز المعارضة فيها .
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونيتد للإصدارات القانونية
مادة 1262 – يجب إعلان الأحكام الصادرة في غيبة المتهم والمعتبرة حضورياً طبقاً للمواد 238 إلى 241 إجراءات جنائية إذ أن ميعاد استئنافها لا يبدأ بالنسبة إلى المتهم إلا من تاريخ إعلانه بها بغض النظر عما إذا كان المتهم قد علم عن طريق آخر غير الإعلان بصدور الحكم كتقريره بالمعارضة فيه فعلاً .
1- ميعاد الطعن بالاستئناف فى الحكم الصادر فى المعارضة يبدأ كالحكم الحضوري من تاريخ صدوره عملاً بالمادة 406 من قانون الإجراءات الجنائية إلا إذا كان عدم حضور المعارض بالجلسة التي حددت لنظر معارضته راجعاً إلى أسباب قهرية لا شأن لإرادته فيها فإن ميعاد الطعن لا يبدأ فى حقه إلا من اليوم الذي يعلم فيه رسميا بالحكم , وكان مجال تطبيقا لمادة 407 من قانون الإجراءات الجنائية التي تنص على أن ميعاد الاستئناف لا يبدأ بالنسبة للمتهم إلا من تاريخ إعلانه بالحكم هو الأحكام الصادرة فى غيبة المتهم والمعتبرة حضوريا طبقا للمواد 238 إلى 241 من قانون الإجراءات الجنائية وليست الأحكام الصادرة فى المعارضة - كما هو الحال فى هذه الدعوى - إذ أن هذه الأحكام ينطبق عليها نص المادة 406 من قانون الإجراءات الجنائية كما سلف . ولما كان الثابت من الإطلاع على محاضر جلسات المحاكمة أمام محكمة ثاني درجة أن محاميا حضر عن الطاعنة وأبدى دفاعا فى الموضوع دون أن يثير قيام عذر قهري لدى الطاعنة حال بينها وبين الحضور بجلسة المعارضة التي صدر فيها الحكم بقبولها شكلا ورفضها موضوعا ,وكانت الطاعنة لم تقرر باستئناف الحكم الصادر فى المعارضة بتاريخ 15 من ديسمبر 1991 إلا فى 30 من يناير 1992 - على ما هو ثابت بأسباب طعنها - أي بعد مضي ميعاد الاستئناف المنصوص عليه فى المادة 406 من قانون اٌلإجراءات الواجبة التطبيق , فإن الحكم المطعون فيه إذا قضي بعدم قبول استئناف الطاعنة شكلا للتقرير به بعد الميعاد يكون قد وافق صحيح القانون , ويكون ما تثيره الطاعنة من احتساب ميعاد الاستئناف فى الحكم الصادر فى المعارضة من تاريخ الإعلان به يكون فى غير محله .
( الطعن رقم 16955 لسنة 63 - جلسة 1999/03/14 - س 50 ص 174 ق 39 )
2- متى كان الحكم الصادر من محكمة أول درجة قد صدر حضورياً اعتباريا فهو بهذه المثابة لا يبدأ ميعاد استئنافه بالنسبة إلى المحكوم عليه - وفقاً لما تقضي به المادة 407 من قانون الإجراءات الجنائية - إلا من تاريخ إعلانه به بغض النظر عما إذا كان قد علم من طريق آخر بصدور الحكم. ولما كان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أن المحكوم عليه لم يعلن بهذا الحكم إلا فى ذات اليوم الذي قرر فيه باستئنافه, فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم قبول الاستئناف شكلاً - محتسباً ميعاد الاستئناف من تاريخ صدور الحكم المستأنف - يكون قد أخطأ التطبيق الصحيح للقانون مما يوجب نقضه وتصحيحه والقضاء بقبول الاستئناف شكلاً. ولما كان هذا الخطأ القانوني قد حجب محكمة الموضوع عن بحث موضوع الاستئناف, فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإحالة .
( الطعن رقم 1180 لسنة 42 - جلسة 1973/01/01 - س 24 ع 1 ص 23 ق 6 )
3- إن مجال تطبيق المادة 407 من قانون الإجراءات الجنائية التى تنص على أن ميعاد الإستئناف لا يبدأ بالنسبة للمتهم إلا من تاريخ إعلانه بالحكم هو الأحكام الصادرة فى غيبة المتهم و المعتبرة حضورية طبقاً للمواد من 238 إلى 241 من القانون المذكور وليست الأحكام الصادرة فى المعارضة ، إذ أن هذه الأحكام ينطبق عليها نص المادة 406 إجراءات .
( الطعن رقم 45 لسنة 41 - جلسة 1971/04/04 - س 22 ع 1 ص 335 ق 82 )
4- فرق قانون الإجراءات الجنائية بين الأحكام بصدد سريان ميعاد الاستئناف فنص فى المادة 406 منه على بدء ميعاد استئناف الأحكام الحضورية والأحكام الغيابية التي تجوز المعارضة فيها وأعتبر هذا الميعاد سارياً من تاريخ النطق بالحكم الحضوري أو الحكم الصادر فى المعارضة أو الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن أو من تاريخ انقضاء الميعاد المقرر للمعارضة فى الحكم الغيابي, ونص فى المادة 407 على الأحكام الصادرة فى الغيبة والمعتبرة حضورية وأعتبر بدء ميعاد استئنافها بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه بها, ذلك بأن هذه الأحكام - على ما يبين من المذكرة الإيضاحية لقانون الإجراءات الجنائية - غيابية فى حقيقتها, وغاية ما هناك أنها غير قابلة للمعارضة, فأوجب القانون أن يكون بدء ميعاد استئنافها من تاريخ إعلان المتهم بها, وإذ كان ذلك وكان القانون 453 لسنة 1954 المعدل بالقانون رقم 359 لسنة 1956 فى شأن المحال الصناعية والتجارية وغيرها من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة - المطبق على واقعة الدعوى - قد نص فى المادة 21 منه على أنه لا يجوز الطعن فى الأحكام الصادرة فى الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون أو القرارات المنفذة له, بطريق المعارضة, وإذ كان الحكم الابتدائي الغيابي الصادر بالتطبيق لهذا القانون, لا يقبل المعارضة وإن جاز استئنافه, فإنه يخرج من عداد الأحكام الغيابية المنصوص عليها فى المادة 406 من قانون الإجراءات الجنائية والتي تقتصر على تلك التي يجوز المعارضة فيها, ويسري بدء ميعاد استئنافها من تاريخ انقضاء ميعاد المعارضة أو من تاريخ الحكم الصادر فى المعارضة أو الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن, وإنما يبدأ ميعاد استئنافه بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه به, أخذاً بما نص عليه فى المادة 407 من قانون الإجراءات الجنائية بشأن الحكم الصادر فى غيبة المتهم والمعتبر حضورياً, إذ أن كلا من هذين الحكمين غيابي فى حقيقته لا يقبل المعارضة وإن جاز استئنافه إطلاقاً فى مواد الجنح .
( الطعن رقم 1201 لسنة 40 - جلسة 1970/11/23 - س 21 ع 3 ص 1143 ق 276 )
5- إن حق الاستئناف المقرر للمدعي بالحقوق المدنية بالمادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية إنما هو حق مستقل عن حق النيابة العامة والمتهم، فعلى المحكمة الاستئنافية - بناء على استئناف ذلك المدعي - أن تبحث أركان الجريمة وثبوت الفعل المكون لها فى حق المتهم، بغير أن يكون حكمها هي نفسها الصادر فى الدعوى الجنائية، حائلاً دون ذلك، لأن الدعويين الجنائية والمدنية وإن نشأتا عن سبب واحد إلا أن الموضوع فى كلتيهما مختلف مما لا يسيغ التمسك بقوة الأمر المقضي، وإلا لعطل حق الاستئناف المقرر للمدعي بالحقوق المدنية ولعطلت وظيفة محكمة الجنح المستأنفة فى شأنه إذا ما نظر استئنافه على استقلال فى جلسة لاحقة لتلك التي سبق أن فصل فيها فى استئناف النيابة العامة، إذ قد لا يتحد ميعاد الاستئناف فى بدايته أو فى مداه - وفق المادتين 406 و407 من ذلك القانون بالنسبة إلى المتهم أو النيابة العامة أو النائب العام، وقد لا يتحد تاريخ الجلسة الذي تحدد فى تقرير الاستئناف وفق المادة 408 وقد لا يتحد تاريخ تقديم الاستئناف إلى الدائرة المختصة عملاً بالفقرة الأولى من المادة 410 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 212 لسنة 45 - جلسة 1975/03/24 - س 26 ص 280 ق 65 )
6- لما كانت الإجراءات التى تمت فى هذه الدعوى أن الطاعن وهو متهم بجنحة اختلاس اشياء محجوز عليها لم يحضر بشخصه ولا بوكيل عنه جلسات المرافعة أمام محكمة أول درجه فإن الحكم يكون قد صدر غيابيا بالنسبة للطاعن طبقا لنص المادة 238 من قانون الإجراءات الجنائية وهو بهذه المثابة لا يبدأ ميعاد استئنافه وفقا لنص المادة 407 من نفس القانون الا من تاريخ إعلانه للمحكوم عليه، لما كان ما تقدم، وكان الثابت من الاطلاع على المفردات المضمونه أن الطاعن لم يعلن بالحكم المستأنف إلا فى يوم التقرير باستئنافه، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم قبول الاستئناف شكلا محتسبا بدء ميعاد الاستئناف من تاريخ صدور الحكم المستأنف يكون قد اخطأ فى التطبيق الصحيح للقانون .
( الطعن رقم 15920 لسنة 60 - جلسة 1994/04/10 - س 45 ص 492 ق 78 )
بداية ميعاد استئناف الحكم الحضوري الإعتباري :
إذا كان الحكم حضورياً اعتبارياً، فإن ميعاد استئنافه يبدأ بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه به (المادة 407 من قانون الإجراءات الجنائية)، وعلة ذلك أن هذه الأحكام في حقيقتها غيابية، وإنما اعتبرت حضورية مجازاً من أجل حظر الطعن فيها بالمعارضة. ولذلك فثمة احتمال في أن يكون المتهم جاهلاً صدور الحكم، ومن ثم تعين ألا يبدأ ميعاد الاستئناف بالنسبة له إلا من تاريخ إعلانه بالحكم. وهذه القاعدة خاصة باستئناف المتهم ، أما النيابة العامة فالحكم حضوري بالنسبة لها «حقيقة»، ومن ثم يبدأ ميعاد استئنافها من تاريخ النطق بالحكم ، وقد حدد الشارع بداية ميعاد الاستئناف بإعلان الحكم، ومن ثم لا يغني عن الإعلان ثبوت علم المتهم بالحكم بطريق آخر، كما لو كان قد قرر بالمعارضة أو كان قد نفذ الحكم مما يعني بالضرورة علمه به، ولما كان هذا الحكم في حقيقته غيابياً، فنرى أن يضاف إلى ميعاد استئنافه میعاد مسافة الطريق .
وتسري هذه القاعدة كذلك على استئناف المدعي المدني قياساً، فيبدأ ميعاده من تاريخ إعلان الحكم الحضوري الإعتباري الصادر في شأنه .
بداية ميعاد استئناف الحكم الغيابي الذي لا يقبل الطعن بالمعارضة : الأصل في الحكم الغيابي أنه يقبل الطعن بالمعارضة ، وقد جعل الشارع بداية ميعاد استئنافه على ما تقدم - هو إعلانه، ولكن الشارع نص على أحكام غيابية لا يجوز الطعن فيها بالمعارضة، وقد سلفت الإشارة إلى أمثلة لها، وهذه الأحكام يبدأ ميعاد استئنافها كذلك من تاريخ إعلانها، تطبيقاً للقاعدة العامة في الأحكام الغيابية، إذ هي أحكام غيابية، ومن ثم يتعين إعلانها للتحقق من علم المتهم بها . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة : 1275 )
بدء سريان الميعاد :
تحديده : يتحدد ميعاد الاستئناف منذ تاريخ النطق بالحكم الحضوري، أو الحكم الغيابي أو الحكم الصادر في المعارضة، أو منذ تاريخ إنقضاء الميعاد المقرر للمعارضة في الحكم الغيابي، أو منذ تاريخ الحكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن أما الأحكام الحضورية اعتباراً فيبدأ استئنافها بالنسبة للمتهم منذ تاريخ إعلانه بها (المادة 407 إجراءات) .
وطبقاً للقواعد العامة (المادة 15 مرافعات) يحسب الميعاد منذ اليوم التالي لتاريخ النطق بالحكم، أو منذ اليوم التالي لإعلان المتهم بالحكم الحضوري الإعتباري، وينتهي باليوم الأخير لميعاده، وهو ما قضت به محكمة النقض ويبدأ الميعاد الخاص بالنائب العام (أو المحامي العام) منذ وقت صدور الحكم، على أن يحتسب منذ اليوم التالي له .
بدء الميعاد :
يتعين فيما يأتي التمييز بين الأحكام الحضورية، والأحكام الصادرة في المعارضة، والأحكام الغيابية، والأحكام المعتبرة حضورية.
الأحكام الحضورية :
لا جدال في بدء الميعاد بالنسبة إلى النيابة العامة منذ يوم النطق بهذه الأحكام، لأن حضورها وجوبي في جميع الجلسات وإنما يثور التساؤل عن بدء الميعاد بالنسبة إلى غيرها من الخصوم إذا لم يحضر جلسة النطق بالحكم رغم حضوره جلسات المرافعة الأصل أن الخصم عليه واجب تبع سير الدعوى من جلسة إلى أخرى حتى يصدر الحكم فيها، فإذا نظرت الدعوى في حضور الخصم ثم صدر قرار في مواجهته بتأجيل النطق بالحكم فإن الحكم الصادر في الدعوى يكون حضورياً حتى ولو لم يحضر الخصم جلسة النطق به، ويبدأ ميعاد استئنافه منذ تاريخ صدوره متى كان إعلانه لأول جلسة قد تم صحيحاً .
ولكن ماذا يكون الحل إذا كانت الدعوى مؤجلة للنطق بالحكم إلى جلسة معينة ولم تنعقد هذه الجلسة لسبب إداري كأن تصادف وجود عطلة رسمية في هذا اليوم، فأجلت الدعوى إدارياً لجلسة أخرى صدر فيها الحكم في هذه الحالة تسقط قرينة علم المتهم بيوم صدور الحكم ما لم يكن قد أعلن للجلسة المؤجلة إليها يوم النطق بالحكم، فإذا لم يكن قد أعلن بهذه الجلسة فإن ميعاد الاستئناف لا يبدأ في حقه إلا منذ يوم علمه رسمياً بصدور الحكم المستأنف .
الأحكام الصادرة في المعارضة :
تنقسم الأحكام الصادرة في المعارضة إلى نوعين :
1- أحكام فاصلة في موضوع المعارضة سواء بإلغاء الحكم الغيابي أو بتعديله أو بتأييده .
2- أحكام غير فاصلة في الموضوع ولكن يترتب عليها منع السير في الدعوى أمام المحكمة، مثل الحكم بعدم قبول المعارضة شكلاً، والحكم بعدم جواز المعارضة، والحكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن .
ويبدأ ميعاد استئناف هذه الأحكام بنوعيها منذ تاريخ النطق بها (المادة 406 إجراءات)، على أن هذا المبدأ مشروط بأن يكون الخصم عالماً بجلسة النطق بالحكم سواء لحضوره هذه الجلسة، أو لتخلفه عن حضورها رغم إعلانه بها ، وأن يكون قادراً على حضور جلسة المحاكمة أما إذا لم يعلن الخصم بهذه الجلسة أو كان لديه عذر قهري حال بينه وبين الحضور، فإن ميعاد الاستئناف لا يبدأ منذ تاريخ جلسة النطق بالحكم ولا يسري إلا منذ اليوم الذي يثبت فيه رسمياً علم الخصم به بعد صدوره وفي ذلك تقول محكمة النقض إنه إذا كان المحكوم عليه لا علم له بيوم الجلسة التي صدر فيها الحكم عليه في غيبته في المعارضة المرفوعة منه أو كان قد منعه مانع قهري من الحضور أمام المحكمة فإنه لا يصح أن يفترض في حقه علمه بالحكم ومحاسبته على هذا الأساس، بل يظل ميعاد الاستئناف مفتوحاً أمامه حتى يعلن بالحكم أو يعلم به بأي طريق رسمي آخر، فعندئذ يبدأ ميعاد الاستئناف بالنسبة له ويعد من قبيل العلم الرسمي البدء في تنفيذ الحكم ضده .
وننبه إلى أن الخصم لا يعد معلناً لجلسة النطق بالحكم الصادر في المعارضة إذا كان إعلانه للنيابة العامة أو لجهة الإدارة، ففي هذه الحالة لا يحتسب ميعاد الاستئناف إلا منذ تاريخ علم الخصم بصدور الحكم في المعارضة .
الأحكام الغيابية :
المبدأ : يبدأ ميعاد استئناف الأحكام الغيابية منذ تاريخ الإعلان بالحكم الغيابي (المادة 406 / 1 إجراءات)، ولما كان استعمال الحق في المعارضة متروکاً لمشيئة الخصم، فإن له ألا يستعمله ويلجأ مباشرة إلى طريق الاستئناف ولو كان ذلك قبل انقضاء ميعاد المعارضة فالخصم ليس ملتزماً بانتظار انقضاء ميعاد المعارضة ولكن ميعاد استئنافه لا يبدأ بحسب الأصل إلا منذ يوم إعلانه بالحكم الغيابي وإذا تعدد المتهمون وصدر الحكم حضورياً في حق البعض وغيابياً في حق البعض الآخر - فإن ميعاد الاستئناف لا يتأخر عن يوم النطق بالحكم بالنسبة لمن صدر الحكم حضورياً في حقه .
وإذا كان أحد الخصوم (النيابة العامة أو المدعي المدني) قد استأنف الحكم الغيابي مباشرة، ثم طعن فيه خصم آخر (المتهم أو المسئول عن الحقوق المدني) بالمعارضة، فيجب على المحكمة الاستئنافية أن توقف نظر الاستئناف حتى يفصل في المعارضة، فإذا ألغي الحكم الغيابي أو عدل تعين على المحكمة الاستئنافية - كما بينا من قبل - أن تقضي بعدم جواز الاستئناف، ويجب أيضاً على المحكمة الاستئنافية أن توقف نظر استئناف الحكم الغيابي حتى ينقضي موعد المعارضة في هذا الحكم ما لم يكن صادراً بالبراءة بطبيعة الحال، بحسب أن المعارضة غير جائزة في هذا الحكم فإذا فصلت المحكمة الاستئنافية في استئناف النيابة العامة للحكم الغيابي القاضي بالعقوبة قبل الفصل في المعارضة التي رفعت عنه من المتهم المحكوم عليه غيابياً - يكون حكمها معيباً بالبطلان .
والعبرة في تحديد الحكم الغيابي كما أسلفنا هي بحقيقة الواقع، لا بما قد يكون قد وصف به خطأ من المحكمة فإذا صدر الحكم حضورياً ووصف خطأ بأنه غيابي، فإن ميعاد استئنافه يبدأ منذ تاريخ النطق به .
الحكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن :
يبدأ ميعاد الاستئناف منذ تاريخ الحكم الصادر باعتبار المعارضة كأن لم تكن، إذا كان المحكوم عليه قد أعلن بتاريخ الجلسة ولم يتوافر عذر قهري منعه من الحضور فإذا لم يكن معلناً إعلاناً قانونياً أو توافر لديه عذر قهري حال بينه وبين الحضور - لا يسري ميعاد الاستئناف إلا منذ اليوم الذي يثبت فيه رسمياً علمه بالحكم فإذا حكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن يكون أمامنا حكمان، الأول هو الحكم الغيابي الصادر في الموضوع والثاني هو الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن فإذا استأنف الخصم الحكم الأخير فإن استئنافه بحسب القواعد العامة لا يطرح على المحكمة الاستئنافية سوى السبب الشكلي الذي بمقتضاه صدر هذا الحكم، ولا يجوز له أن يتناول الموضوع فإذا أراد الخصم أن يتناول الموضوع فلم يكن أمامه غير استئناف الحكم الغيابي، وغالباً ما يكون ميعاده قد انقضى بسبب اتخاذ إجراءات المعارضة، وعندئذ لا سبيل لإعادة النظر في هذا الحكم، وقد تفادت محكمة النقض هذا الوضع من باب العدالة، فأقرت مبدأ جديداً مؤداه أن الحكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن يندمج فيه الحكم الغيابي الصادر في الموضوع، مما يسمح للمحكمة الاستئنافية عند نظر استئناف المرفوع ضد الحكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن أن تتناول الموضوع وبذلك نجد محكمة النقض قد جعلت الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن بمثابة حكم في الموضوع بتأييد الحكم الغيابي مما يؤدي إلى أن استئناف الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن ينسحب إلى الحكم الغيابي الصادر في الموضوع. وعلى هذا الأساس يشمل استئناف النيابة العامة للحكم الغيابي الحكم بإعتبار المعارضة كأن لم تكن استناداً إلى اندماج هذا الحكم مع الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن كما ينفتح لها باب الاستئناف عموماً منذ تاريخ الحكم الصادر في المعارضة إذا عدل الحكم الغيابي أو ألغاء، وقضى ببراءة المتهم إذا كانت النيابة قد فوتت میعاد استئناف الحكم الغيابي ويبدأ هذا الميعاد منذ تاريخ الحكم الصادر في المعارضة ( المادة 406 إجراءات) فإذا كانت النيابة العامة قد استأنفت الحكم الغيابي ثم عدل الحكم أو ألغي - صار استئنافها غير جائز بإلغاء المحل الوارد عليه الاستئناف، ويتعين عليها أن تستأنف الحكم الصادر في المعارضة إذا رأت محلاً لذلك .
ويشترط لبدء ميعاد استئناف الحكم الغيابي منذ تاريخ الحكم الصادر في المعارضة كأن لم تكن كأثر لإندماج الحكمين معاً - أن تكون المعارضة جائزة ومقبولة فإذا كانت المعارضة غير جائزة لكون الحكم المعارض فيه حضورياً اعتبارياً ولم يثبت المحكوم عليه قيام عذر منعه من الحضور، أو كانت غير مقبول شكلاً، فإن الحكم الخاطئ باعتبار هذه المعارضة كأن لم تكن لا يترتب عليه اندماجه في الحكم الغيابي، وبالتالي لا محل لبدء میعاد استئناف الحكم الغيابي منذ تاريخ الحكم الصادر في المعارضة .
الحكم الحضوري الإعتباري :
لاحظ القانون أن الأحكام المعتبرة حضورية هي في حقيقتها أحكام غيابية لعدم حضور الخصم جميع جلسات المرافعة، ولكنه لم يشأ معاملتها كالأحكام الغيابية فيما يتعلق ببدء ميعاد الاستئناف نظراً لأن المعارضة غير جائزة فيها إلا بشروط معينة. ولم يشأ أن يعاملها كالأحكام الحضورية لأنها ليست كذلك من حيث الواقع، لذلك عاملها المشرع معاملة خاصة فنص على أن يبدأ ميعاد استئنافها بالنسبة للمتهم منذ تاريخ إعلانه بها (المادة 407 إجراءات )، ولا يغني عن اشتراط هذا الإعلان مجرد علم المتهم بالحكم، ولذلك قضى أنه إذا اعتبرت المحكمة الاستئنافية ميعاد استئناف الحكم المعتبر حضورياً سارياً في حق المحكوم عليه من تاريخ تقريره بالمعارضة، فإنها تكون مخطئة .
ويعد بمثابة حكم حضوري اعتباري الحكم الغيابي الذي ينص القانون صراحة على عدم جواز الطعن فيه بالمعارضة ( المادة 21 من القانون رقم 453 لسنة 1946 والمعدل بالقانون رقم 359 لسنة 1956 في شأن المحال الصناعية والتجارية وغيرها من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة والخطرة ) . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني الصفحة : 78 )
عدم قبول الاستئناف شكلاً :
إذا لم تحكم المحكمة بسقوط الاستئناف وكان الاستئناف جائزاً يتعين عليها أن تبحث شكل الاستئناف وتقضي بعدم قبول الاستئناف شكلاً في الأحوال الآتية :
1- إذا لم يكن للمستأنف صفة أو مصلحة من استئنافه .
2- الإخلال بميعاد الاستئناف .
3- عدم التقرير بالاستئناف وفقاً للشكل الذي أوجبه القانون .
وقد سبق أن بينا فيما تقدم مدلول هذه الأحوال عند دراسة إجراءات الاستئناف .
ويلاحظ أن تأجيل المحكمة نظر الدعوى لا يحول دون القضاء بعد ذلك بعدم قبول الاستئناف شكلاً، لما يفرضه القانون على المحكمة الاستئناف من وجوب التحقق من استيفاء الاستئناف شروط قبوله الشكلية وفقاً للقانون قبل النظر في موضوعه .
واستيفاء الشكل مسألة متعلقة بالنظام العام، فيجب على المحكمة أن تقضي بعدم القبول شكلاً من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك بذلك أحد الخصوم، ولها أن تقضي بذلك ولو كانت قد حجزت القضية للحكم، مادامت لم تفصل بعد في شكل الاستئناف، فإذا كانت قد قضت بقبول الاستئناف شكلاً فيمتنع عليها العدول عن ذلك لأنه تكون قد استنفدت ولايتها بالنسبة للشكل.
إيقاف الفصل في الاستئناف :
إذا استأنف أحد الخصوم الحكم الابتدائي الصادر غيابياً، وكان ميعاد المعارضة مازال ممتداً أمام المحكوم عليه غيابياً (المتهم أو المسئول عن الحقوق المدنية) فيتعين إيقاف الفصل في الاستئناف الخاص به حتى ينقضي ميعاد المعارضة أو يفصل فيها، ولا يجوز للمحكمة بدلاً من إيقاف الفصل في الاستئناف أن تحكم بعدم قبوله، وإلا كان حكمها مخطئاً في تطبيق القانون .
وترتيباً على هذا الأصل، فإذا لم توقف المحكمة الاستئنافية نظر الاستئناف المرفوع من النيابة العامة وفصلت في الموضوع قبل الفصل في المعارضة التي رفعت عن الحكم الغيابي من المحكوم عليه، فإن حكمها يكون مشوباً بالبطلان".. وإذا تصورنا أن الحكم الصادر من المحكمة الاستئنافية في هذه الحالة قد حاز قوة الأمر المقضي بعدم الطعن فيه بطريق النقض، فإن الدعوى الجنائية تنقضي بهذا الحكم، فإذا كانت معارضة المحكوم عليه غيابياً في الحكم الابتدائي مازالت منظورة يتعين على محكمة المعارضة أن تقضي بعدم جوازها مادام الحكم المعارض فيه قد أصبح غير ذي موضوع بانقضاء الدعوى الجنائية، وإذا استأنف المتهم الحكم المعارض فيه فيتعين على محكمة الاستئناف أن تقضي بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني ، الصفحة : 127 )
من المعروف أن المادة (407) إجراءات أوجبت لأن الأحكام الصادرة في غيبة المتهم والمعتبرة حضورياً طبقاً للمواد من 238 إلى 241 يبدأ ميعاد استئنافها بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه بها .
وفي تأويل هذا النص قضي بأن الإعلان إجراء جهري لمبدأ سريان ميعاد الطعن في هذه الأحكام الحضورية إعتباراً فلا يغني أي إجراء آخر، ولو كان ثبوت علم المحكوم علي بالحكم بوجه يقيني آخر، وذلك على - خلاف الأحكام الغيابية المبينة بالمادة 406 .
وقد بنيت هذه التفرقة على ما يلي من الأسباب . ( أن القانون قد فرق فى مبدأ ميعاد الإستئناف بين الأحكام، فبينما نص المادة 406 منه على أن ميعاد إستئناف الأحكام الحضورية أو الصادرة في المعارضة من تاريخ النطق بها، فإنه قد نص فى المادة 407 على أن الأحكام الصادرة في غيبة المتهم المعتبرة حضورياً طبقاً للمواد من 238 إلى 241 يبدأ بميعاد استئنافها بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه بها .
ولما كان لا محل للتأويل والاجتهاد حيث يكون النص صريحاً، فإن ميعاد إستئناف الحكم المعتبر حضورياً لا يبدأ بالنسبة للمحكوم عليه إلا من تاريخ إعلانه بغض النظر عما إذا كان قد علم عن طريق آخر غير الإعلان بصدور الحكم. وأذن فإن الحكم المطعون فيه إذ أعتبر ميعاد إستئناف الحكم المعتبر حضورياً سارياً في حق الطاعنين من تاريخ تقريرهم بالمعارضة فإنه يكون مخطئاً .
وعادت محكمة النقض من جديد لتؤكد نفس المبدأ في شأن الحكم الحضوري إعتبار قائلة :
( ولما كانت المعارضة جائزة في الحكم الاستئنافي المعتبر حضورياً إذا كان في حقيقته حكماً غيابياً واعتبرته المحكمة خطأ حضورياً كما هي الحال في هذه الدعوى، وكان باب المعارضة فيه ما زال مفتوحاً أمام الطاعن ما دام أنه لم يعلم به، ولا يؤثر في ذلك القول بأن علم الطاعن بالحكم وقت التقرير بالطعن فيه بطريق النقض يحول بينه وبين المعارضة لإنقضاء ميعادها وذلك متى أوجب القانون الإعلان لإتخاذ إجراء وبدأ ميعاد فإن أية طريقة أخرى لا تقوم مقامه، لما كان ما تقدم، وكان الطعن بالنقض لا يجوز إلا في الأحكام الإنتهائية، وكان الحكم المطعون فيه هو في حقيقته حكم غيابي لم يعلن للطاعن ولم يبدأ ميعاد المعارضة فيه، فإن الطعن بالنقض فيه يكون جائزاً ويتعين لذلك الحكم بعدم جواز الطعن .
وهذه التفرقة في المعاملة بين الأحكام المبينة بالمادة 406 إجراءات، وتلك المبينة بالمادة 407 لا تصمد مع ذلك للنقد فيما يبدو لنا، فما الفارق بين حالة ينبغي فيها إعلان الحكم بنص صريح في القانون كحالة الحكم الحضوري اعتباراً ، وحالة ينبغي فيها إعلان الحكم بقضاء صريح مستقر، كحالة الحكم في المعارضة أياً كانت صورته، عندما لا يكون المحكوم عليه قد أعلن بالجلسة على وجه صحيح .
أن الإعلان بالحكم إعلاناً صحيحاً أمراً واجباً في الحالين - بغير نزاع - حتى يبدأ سريان ميعاد الطعن فلماذا يقال أن العلم لا يغني عن الإعلان، عندما يكون الإعلان واجباً بنص القانون، ويغني عنه عندما يكون الإعلان واجباً بحكم القضاء المستقر ؟ أن عمل القاضي مسند في كل صوره وأوضاعه إلي عمل الشارع، والقضاء عندما أوجب إعلان الحكم الصادر في المعارضة للمتهم الذي لم يكن قد أعلن بالجلسة كان - كما هو المفروض دائماً - معبراً عن رأي الشارع، مستوحياً أوامر القانون ونواهيه متوخياً ألا يهدر حق الدفاع الذي هو أصل هام في قواعد المحاكمات الجنائية وطرق الطعن في الأحكام .
فالمغايرة في المعاملة على هذا النحو لا تستند، في تقديرنا إلى أساس قويم بل لا سند لها بالمرة ، وكان الأجدر بالاتباع هو أن يكون الحل واحداً مشتركاً بين لأحكام المبينة بالمادة 407 عندما ينبغي إعلانها استثناء وبين الأحكام الحضورية إعتباراً المبينة بالمادة 407 وهذه ينبغي إعلانها دائماً . فأما أن يغني العلم اليقيني عن الإعلان المطلوب - أو عندما يكون مطلوباً - وأما إلا يغني عنه في الحالين، والأقرب إلى الإحتياجات العملية أنه يغني عنه ، أما المغايرة في المعاملة فسيعوزها على أية حال الإستناد إلى سبب من منطق مقبول، أو من نصوص . (الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 665 )
بداية ميعاد إستئناف الحكم الحضوري الإعتباري :
إذا كان الحكم حضورياً اعتبارياً فإن ميعاد استئنافه يبدأ بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه به، وعلة ذلك أن هذه الأحكام في حقيقتها غيابية، وإنما اعتبرت حضورية مجازاً من أجل حظر الطعن فيها بالمعارضة. ولذلك فثمة إحتمال في أن يكون المتهم جاهلاً صدور الحكم، ومن ثم تعين ألا يبدأ ميعاد الاستئناف بالنسبة له إلا من تاريخ إعلانه بالحكم، وهذه القاعدة خاصة باستئناف المتهم؛ أمام النيابة العامة فالحكم حضوري بالنسبة لها "حقيقة"، ومن ثم يبدأ ميعاد استئنافها من تاريخ النطق بالحكم، وقد حدد المشرع بداية ميعاد الإستئناف بإعلان الحكم، ومن ثم لا يغني عن الإعلان ثبوت علم الإتهام بالحكم بطريق آخر، كما لو كان قد قرر بالمعارضة أو كان قد نفذ الحكم مما يعني بالضرورة علمه به . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الرابع ، الصفحة : 38 )
الأحكام المعتبرة حضورياً تصدر في غيبة الخصم ولكن المشرع لحكمة خاصة رأى أن يعتبرها كذلك ومن الطبيعي إذن أن يشترط حتى يبدأ سريان ميعاد الإستئناف في حق الخصم توافر علمه بالحكم الصادر في الدعوى وسبيل هذا العلم هو إعلانه به وقد جاء بتقرير لجنة الإجراءات الجنائية لمجلس الشيوخ أن هذه الأحكام هي في الواقع غيابية وإن كانت لا تجوز المعارضة فيها ويلاحظ في هذه الصورة أن للخصم حق الحكم الصادر ضده حتى قبل أن يعلن به فليس بشرط إذن لجواز استئنافه أن يحصل الإعلان .
أما الأحكام الغيابية فيبدأ ميعاد إستئناف الأحكام فيها من تاريخ إعلان الحكم للخصوم وميعاد استئناف الحكم الغيابي يبدأ مع بداية ميعاد الطعن فيه بالمعارضة .
وإذا كان المشرع قد نص على أن يبدأ الميعاد من تاريخ إعلان الحكم الغيابي إلا أن ذلك لا يمنع من الطعن في الحكم الغيابي بالإستئناف منذ تاريخ صدوره حتى ولو تم قبل الإعلان فحق الطعن مرتبط أساساً بصدور الحكم وقاعدة بدء سريان ميعاد الاستئناف من تاريخ إعلان الحكم الغيابي مقرراً أساساً لمصلحة المحكوم عليه .
وإذا تم إعلان المحكوم عليه بالحكم الغيابي في غير محل إقامته يبدأ ميعاد الاستئناف، من تاريخ إعلانه شخصياً بالحكم وإذا استأنف أحد الخصوم الحكم الغيابي وطعن فيه آخر بالمعارضة في ذات الوقت وجب وقف نظر الإستئناف حتى يتم الفصل في المعارضة . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 637 )
الأحكام الصادرة في غيبة المتهم والمعتبرة حضورياً يبدأ ميعاد استئنافها بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه بها (م407)، فالمشرع لم يجعل ميعاد الاستئناف هنا من تاريخ صدور الحكم باعتبار أن الأحكام التي نحن بصددها هي في جوهرها وحقيقتها أحكام غيابية تصدر في غيبة المتهم، وإذا كان المشرع في الأحكام الحضورية الإعتبارية قد افترض قرينة العلم بتاريخ جلسة نظر الدعوى إلا أنه لم يفترضها بالنسبة لجلسة النطق بالحكم ، ولذلك جعل ميعاد استئنافها ابتداء من تاريخ الإعلان الرسمي، ويلاحظ أنه لا يكفي لسريان ميعاد الاستئناف علم المتهم أياً كان مصدره ، وإنما يلزم الإعلان كبداية لسريان ميعاد الاستئناف . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث، الصفحة : 1643 )
جعل الشارع ميعاد الاستئناف واحدة من حيث مدته، فهو عشرة أيام سواء كان الحكم حضورياً أو غيابياً أو صادرة في المعارضة، وسواء صدر في جنحة أو مخالفة، وسواء صدر في الدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية، وأياً كان الخصم المستأنف، ولم يخرج الشارع على هذا الأصل إلا بالنسبة لاستئناف النائب العام، إذ جعله ثلاثين يوماً. ويخضع ميعاد الاستئناف الأحكام واحدة من حيث كيفية حسابه .
حساب ميعاد الاستئناف :
يتعين أن يحسب ميعاد الاستئناف كاملاً وتطبيقاً لذلك، لا يحسب اليوم الذي صدر فيه الحكم أو أعلن فيهإ وإنما يبدأ حسابه من اليوم التالي ( المادة 15 من قانون المرافعات ) ويدخل اليوم الأخير (أي اليوم العاشر) في حساب الميعاد، بحيث إذا حصل الاستئناف فيه كان مقبولاً وإذا صادف اليوم الأخير عطلة رسمية امتد الميعاد إلى أول يوم عمل بعدها ( المادة 18 من قانون المرافعات ) ، ولكن إذا وقع يوم العطلة الرسمية خلال ميعاد الاستئناف فلا يمتد لذلك، وإذا أصيب المتهم بعاهة في عقله عقب صدور الحكم أو إعلانه جعلته غير قادر على الدفاع عن نفسه يتراخي ابتداء الميعاد، وإذا طرأت العاهة بعد ابتدائه بوقف سير الميعاد، وذلك حتى يعود إليه رشده ( المادة 339 من قانون الإجراءات الجنائية ) والأصل أنه لا تضاف مواعيد المسافة إلى ميعاد الاستئناف ذلك أنه إذا كان الحكم حضورياً، فالفرض أن المتهم عالم به، وإذا كان الحكم صادراً في المعارضة فقد سبقت إضافة مواعيد المسافة إلى ميعاد المعارضة، ولكننا نعتقد أنه إذا كان الحكم غيابياً، فإنه يتعين إضافة مواعيد المسافة إلى ميعاد الاستئناف أي مدة العشرة الأيام التي تبدأ من تاريخ إعلانه، فالفرض أن هذه المواعيد لم تسبق إضافتها، والأغلب أن يجهل المحكوم عليه صدور الحكم ، ومن ثم تقتضي العدالة إضافة هذه المواعيد إلى ميعاد الاستئناف، والقول بغير ذلك يعني إنقضاء ميعاد الاستئناف قبل إنقضاء ميعاد المعارضة، وهو ما يناقض المنطق ويخالف قصد الشارع من حيث توحيد الميعادين .
بداية ميعاد استئناف الحكم الحضوري الاعتباري :
إذا كان الحكم حضورياً اعتبارياً فإن ميعاد استئنافه يبدأ بالنسبة للمتهم من تاريخ إعلانه به (المادة 407 من قانون الإجراءات الجنائية) وعلة ذلك أن هذه الأحكام في حقيقتها غيابياً، وإنما اعتبرت حضورياً مجازاً من أجل حظر الطعن فيها بالمعارضة ولذلك فثمة احتمال فى أن يكون المتهم جاهلاً صدور الحكم، ومن ثم تعين ألا يبدأ ميعاد الاستئناف بالنسبة له إلا من تاريخ إعلانه بالحكم وهذه القاعدة خاصة باستئناف المتهم، أما النيابة العامة فالحكم حضوري بالنسبة لها "حقيقة"، ومن ثم يبدأ ميعاد استئنافها من تاريخ النطق بالحكم وقد حدد الشارع بداية ميعاد الاستئناف بإعلان الحكم، ومن ثم لا يغني عن الإعلان ثبوت علم المتهم بالحكم بطريق آخر، كما لو كان قد قرر بالمعارضة ، أو كان قد نفذ الحكم مما يعني بالضرورة علمه به ولما كان هذا الحكم في حقيقته غيابياً، فنرى أن يضاف إلى ميعاد استئنافه میعاد مسافة الطريق .
بداية ميعاد استئناف الحكم الغيابي الذي لا يقبل الطعن بالمعارضة :
الأصل في الحكم الغيابي أنه يقبل الطعن بالمعارضة، وقد جعل الشارع بداية ميعاد استئنافه - على ما تقدم - هو إعلانه ولكن الشارع نص على أحكام غيابية لا يجوز الطعن فيها بالمعارضة، وقد سلفت الإشارة إلى أمثلة لها وهذه الأحكام يبدأ ميعاد استئنافها كذلك من تاريخ إعلانها تطبيقاً للقاعدة العامة في الأحكام الغيابية، إذ هي أحكام غيابية، ومن ثم يتعين إعلانها للتحقق من علم المتهم بها . ( الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الرابع، الصفحة : 30 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 152
نَقْضُ الْقَضَاءِ :
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِنَقْضِ الْقَضَاءِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا خَالَفَ فِي حُكْمِهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا كَانَ قَضَاؤُهُ فَاقِدًا لِشَرْطٍ وَوَجَبَ نَقْضُهُ، إِذْ أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالاِجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ رضي الله عنه : «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو» وَلأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، إِذْ لاَ مَسَاغَ لِلاِجْتِهَادِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَزَادَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ زِيَادَاتٍ أُخْرَى كَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي حُكْمِ مَا يُنْقَضُ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ شَيْئًا لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَإِلَى أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمٌ أَصْلاً، غَيْرَ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ سُنَّةٍ آحَادٍ أَوْ خَالَفَ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بِخِلاَفِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ.
مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَ النَّقْضَ فِي نِطَاقِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ لِلنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَمَنَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْقَاضِي لاَ تَخْلُو عَنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
قِسْمٌ يُنْقَضُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ يُمْضَى بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِوَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الْقِسْمُ الأَْوَّلُ: مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ إِذَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِْجْمَاعَ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ: مَا يَشِذُّ مَدْرَكُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، أَوْ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَقَيَّدَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوِ الْقِيَاسَ أَوِ النَّصَّ - فَالْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَلاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيَجِبُ نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلأَْخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلاَفُ الإِْجْمَاعِ، لأََنَّ الأُْمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الأَْخَ، وَأَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأُْمَّةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّحْقِيقِ - نُقِضَ بِهِ حُكْمُهُ وَحُكْمُ غَيْرِهِ؛لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادٍ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمْلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَكَانَ لاَ يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَوَرَّثَهَا عُمَرُ».
وَقَضَى فِي الأَْصَابِعِ بِقَضَاءٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِلِ»وَنَقَضَ عَلِيٌّ رضي الله عنه قَضَاءَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لأُِمٍّ - بِأَنَّ الْمَالَ لِلأَْخِمُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ هَذِهِ الآْيَةِ. فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَتْ إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَصْلُ الإِْجْمَاعِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ ظَنًّا مُحْكَمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَيَلْزَمُهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ، فَلْيَحْكُمْ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِ الْحَادِثَةِ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا، وَلاَ يَنْقُضُ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً، بَلْ يُمْضِيهِ، ثُمَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتَتَبَّعُ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، وَلَهُ تَتَبُّعُ قَضَاءِ نَفْسِهِ لِيَنْقُضَهُ.
وَقَالَ: مَا يَنْقُضُ مِنَ الأَْحْكَامِ لَوْ كُتِبَ بِهِ إِلَيْهِ لاَ يَخْفَى أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ. وَأَمَّا مَا لاَ يَنْقُضُ وَيَرَى غَيْرَهُ أَصْوَبَ مِنْهُ فَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَطَأً، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لاَ أُحِبُّ تَنْفِيذَهُ. وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِتَجْوِيزِ تَنْفِيذِهِ.
وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ (الشَّافِعِيُّ) بِنَقْلِ الْخِلاَفِ فَقَالَ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ قَبْلَهُ فَلَمْ يَرَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي النَّقْضَ، لَكِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْرِضُ عَنْهُ، وَأَصَحُّهُمَا: يُنْفِذُهُ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ تَغَيُّرًا لاَ يَقْتَضِي النَّقْضَ، وَتَرَافَعَ الْخُصُومُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمْضِي حُكْمَهُ الأَْوَّلَ وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ.
وَيَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ مُخَالَفَةُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) فَإِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَزَوُّجِ امْرَأَةِ الأَْبِ وَجَارِيَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا الأَْبُ، فَلَوْ حَكَمَ قَاضٍ بِجَوَازِ ذَلِكَ نَقَضَهُ مَنْ رُفِعَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لِلزَّوْجِ الأَْوَّلِ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ بِدُونِ إِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْ جُلُّ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ، وَمُخَالَفَةُ
الْبَعْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ خِلاَفٌ لاَ اخْتِلاَفٌ، وَقَالُوا: يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ حُكْمًا لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ كُلُّ حُكْمٍ وَافَقَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، فَإِذَا أَصَابَ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ كَمَا إِذَا حَكَمَ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ نَافِذًا، لاَ يُتَعَقَّبُ بِفَسْخٍ وَلاَ نَقْضٍ، لأَِنَّ هَذَا الْقَضَاءَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ فَنَفَذَ، وَلَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَجُوزُ إِبْطَالُهُ، وَالأَْصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم كَانَ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ مَا قَضَى، فَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ»وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه «أَنَّهُ حَكَمَ بِحِرْمَانِ الإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ مِنَ التَّرِكَةِ فِي الْمُشْرِكَةِ، ثُمَّ شَرَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُضْ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي»، وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يَرُدَّ الأُْولَى، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلاً، لأَِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّالِثُ يُخَالِفُ الثَّانِيَ، فَلاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لَوْ قَضَى عَلَى خِلاَفِ قِيَاسٍ خَفِيٍّ - وَهُوَ مَا لاَ يُزِيلُ احْتِمَالَ الْمُفَارَقَةِ وَلاَ يَبْعُدُ كَقِيَاسِ الأُْرْزِ عَلَى الْبُرِّ فِي بَابِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الطَّعَامِ - فَلاَ يَنْقُضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفَ لَهُ، لأَِنَّ الظُّنُونَ الْمُتَعَادِلَةَ لَوْ نَقَضَ بَعْضُهَا بَعْضًا لَمَا اسْتَمَرَّ حُكْمٌ وَلَشَقَّ الأَْمْرُ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنِ اجْتَهَدَ مِنَ الْحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ خَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَمْ يَرُدَّهُ، وَحَكَمَ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ بِالَّذِي هُوَ أَصْوَبُ.
وَيُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ.
فَالْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِينِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَانَ الْقَاضِي يَرَى سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا، فَإِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لاَ يَرَى ذَلِكَ يُمْضِيهِ وَلاَ يَنْقُضْهُ. وَكَذَا لَوْ قَضَى لاِمْرَأَةٍ بِشَهَادَةِ زَوْجِهَا وَآخَرَ أَجْنَبِيٍّ، فَرُفِعَ لِمَنْ لاَ يُجِيزُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ أَمْضَاهُ، لأَِنَّ الأَْوَّلَ قَضَى بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، لأَِنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ، وَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلاَءِ هَلْ تَصِيرُ حُجَّةً لِلْحُكْمِ أَوْ لاَ؟
فَالْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ لاَ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ.
وَفَصَّلُوا مَسْأَلَةَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، فَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يَنْقُضْهُ الثَّانِي بَلْ يُنْفِذُهُ لِكَوْنِهِ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، لِمَا عُلِمَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِأَيِّ الأَْقْوَالِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَوْ نَقَضَهُ إِنَّمَا يَنْقُضُهُ بِقَوْلِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا صَحَّ بِالاِتِّفَاقِ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مَعَ الثَّانِي دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ بَلِ اجْتِهَادِيٌّ، وَصِحَّةُ قَضَاءِ الْقَاضِي الأَْوَّلِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَهُوَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِأَيِّ وَجْهٍ اتَّضَحَ لَهُ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا مَضَى بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُوجِبُ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْقَضَاءِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الاِجْتِهَادِ وَأَنْ لاَ يَجُوزَ نَقْضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ بِرَفْعِهِ إِلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الأَْوَّلِ فَيَنْقُضُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ الْمُدَّعِي إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَنْقُضُ نَقْضَهُ، وَيَقْضِي كَمَا قَضَى الأَْوَّلُ، فَيُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ تَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ وَالْمُنَازَعَةُ أَبَدًا، وَالْمُنَازَعَةُ فَسَادٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْفَسَادِ فَسَادٌ.
فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي رَدَّ الْحُكْمَ، فَرَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ - نُفِّذَ قَضَاءُ الأَْوَّلِ وَأُبْطِلَ قَضَاءُ الْقَاضِي الثَّانِي، لأَِنَّهُ لاَ مَزِيَّةَ لأَِحَدِ الاِجْتِهَادَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَْوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلاَ يُنْتَقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ كَانَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ بِالإِْجْمَاعِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ مِنَ
الثَّانِي مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ، فَيَكُونُ بَاطِلاً، وَلأَِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الاِجْتِهَادُ بِالاِجْتِهَادِ، وَالدَّعْوَى مَتَى فَصَلَتْ مَرَّةً بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لاَ تُنْتَقَضُ وَلاَ تُعَادُ، فَيَكُونُ قَضَاءُ الأَْوَّلِ صَحِيحًا، وَقَضَاءُ الثَّانِيَ بِالرَّدِّ بَاطِلاًوَشَرْطُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَدَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَإِنْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ كَانَ فَتْوَى لاَ حُكْمًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ نَفْسُهُ مُجْتَهَدًا فِيهِ، أَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّازِلَةِ مَوْضُوعِ الدَّعْوَى يَرْفَعُ الْخِلاَفَ، فَلاَ يَجُوزُ لِمُخَالِفٍ فِيهَا نَقْضُهَا، فَإِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ صِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ يَرَى ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لِقَاضٍ غَيْرِهِ وَلاَ لَهُ نَقْضُهُ، وَهَذَا فِي الْخِلاَفِ الْمُعْتَبَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ فَلاَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ، بَلْ يُمْضِيهِ وَيَحْكُمُ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي نَقْضِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ :
الأَْحْكَامُ الَّتِي يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بَيْنَ الْقَوْلِ بِنَقْضِهَا وَالْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهَا، وَأَهَمُّهَا:
أ- الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ: هُوَ مَا يَقَعُ الْخِلاَفُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الْحُكْمِ، فَقِيلَ: يَنْفُذُ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ عَلَى إِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَفَيَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَ الأَْوَّلِ إِذَا مَالَ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلاَفِ اجْتِهَادِ الأَْوَّلِ، لأَِنَّ قَضَاءَهُ لَمْ يُجَزْ بِقَوْلِ الْكُلِّ، بَلْ بِقَوْلِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَلَمْ يَكُنْ جَوَازُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَكَانَ مُحْتَمِلاً لِلنَّقْضِ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي بَطَلَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ كَمَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ لاِمْرَأَتِهِ، لأََنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا أَمْضَاهُ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ نَقْضُهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي مَحَلٍّ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ؛ لأَِنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَنْفُذُ لِوُقُوعِ الاِتِّفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَخَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ لاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - أَمَّا مُحَمَّدٌ فَيَرَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ، فَكَانَ هَذَا الْفَصْلُ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلاَ يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الاِجْتِهَادِ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لاَ يَنْفُذُ، بَلْ يَنْقُضُهُ لأَِنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلاً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ - فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ - فَحَكَمَ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ أَنَّ الصَّوَابَ خِلاَفُهُ فَلاَ يَنْقُضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ نَقْضُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلاَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلاَ يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالُوا: يُفْسَخُ الْحُكْمُ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاضِي حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَوَافَقَ قَوْلاً شَاذًّا نَقَضَ حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاذًّا لَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ لاَ يَرَى الْبَتَّةَ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً، فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَسْتُ أَرَاهُ، لاَ يَرْجِعُ الْقَاضِي عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ وَلاَ إِلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الأَْوْلَى خَطَأً بَيِّنًا صُرَاحًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْمُسْتَنِدِ إِلَى اجْتِهَادِهِ الْمُخَالِفِ خَبَرَ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي لاَ يَحْتَمِلُ إِلاَّ تَأْوِيلاً بَعِيدًا يَنْبُو الْفَهْمُ عَنْ قَبُولِهِ - يُنْقَضُ، وَقِيلَ: لاَ يُنْقَضُ، مِثَالُهُ الْقَضَاءُ بِنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ - عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ - وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِلاَ وَلِيٍّ. وَقِيلَ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِوَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، ثُمَّ بَانَ لَهُ فَسَادُ اجْتِهَادِهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلاَّ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ دُونَ الأَْوَّلِ، وَلَوْ بَانَ لَهُ فَسَادُ الاِجْتِهَادِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِهِ حَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ إِنْ بَانَ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ خَطَأُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اجْتِهَادِهِ قَبْلَ صَلاَتِهِ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، وَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَصَلَّى، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلاَةَ الثَّانِيَةَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا رَفَعَ إِلَى قَاضٍ حَكَمَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لاَ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنَفِّذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ فِي الأَْصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ صَحِيحًا، لأَِنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلاَفُ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِوَقِيلَ: يَحْرُمُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي لاَ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ قَبْلَهُ.
ب- عَدَمُ عِلْمِ الْقَاضِي بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ :
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ، أَيْ: أُلْزِمَ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، لَوْ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَالِمًا بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ، وَلاَ يُمْضِيهِ الثَّانِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ فِي الْخُلاَصَةِ: وَيُفْتَى بِخِلاَفِهِ - وَكَأَنَّهُ - تَيْسِيرًا.
وَأَضَافَ ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا قَضَى الْمُجْتَهِدُ فِي حَادِثَةٍ، لَهُ فِيهَا رَأْيٌ مُقَرَّرٌ قَبْلَ قَضَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ قَضَاءَهُ هَذَا عَلَى خِلاَفِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَحِينَئِذٍ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ رَأْيَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ قَضَائِهِ أَنَّ فِيهَا خِلاَفًا، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ بِأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي بِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلاَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ، لأَِنَّ
عِلْمَهُ بِالْخِلاَفِ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلاَ بُطْلاَنِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ.
ج- الْخَطَأُ فِي الْحُكْمِ :
يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَصَدَ الْحُكْمَ بِشَيْءٍ فَأَخْطَأَ عَمَّا قَصَدَهُ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوِ اشْتِغَالِ بَالٍ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَيَنْقُضُهُ الَّذِي أَصْدَرَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلاَ اجْتِهَادٍ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ، وَوَجْهُ النَّفَاذِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِيَقِينٍ لأَِنَّ رَأْيَهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ الصَّوَابَ، وَرَأْيُ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ خَطَأً، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَطَأً بِيَقِينٍ، فَكَانَ حَاصِلُهُ قَضَاءً فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، وَوَجْهُ عَدَمِ النَّفَاذِ أَنَّ قَضَاءَهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ عَبَثٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ. وَبِهَذَا أَخَذَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الأَْوْزَجَنْدِيُّ، وَبِالأَْوَّلِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ لأَِنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ.
د- إِذَا خَالَفَ مَا يَعْتَقِدُهُ أَوْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ :
إِذَا خَالَفَ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ مَذْهَبَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ، وَبِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُقَلِّدًا وَقَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ هُوَ حُكْمَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ، وَأَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْقَاضِي مُتَّبِعًا لإِِمَامٍ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ أَوْ قَلَّدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أَوْ أَتْقَى مِنْهُ فَحَسَنٌ، وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ خِلاَفَ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي أُمِرَ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، فَإِنْ عَمِلَ وَحَكَمَ لاَ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ الرَّأْيَ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي قَاضِيًا لِلْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْمَذْكُورِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُقَلِّدَ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ جَدَّتْ أُخْرَى مُمَاثِلَةً فَإِنَّ حُكْمَهُ لاَ يَتَعَدَّى لِلدَّعْوَى الأُْخْرَى، فَالْمُجْتَهِدُ يَجْتَهِدُ فِي النَّازِلَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالْمُقَلِّدُ يَحْكُمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً مِنْ رَاجِحِ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِضِدِّهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِفَسْخِ نِكَاحِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلاَ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَجَدَّدَ مِثْلُهَا، فَنَظَرَهَا قَاضٍ يَرَى صِحَّةَ الزَّوَاجِ بِدُونِ وَلِيٍّ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ارْتَفَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ نَقْضُهُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْقَضِيَّةِ الأُْولَى هِيَ ذَاتَ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِذَا خَالَفَ الْقَاضِي مَا يَعْتَقِدُهُ: بِأَنْ حَكَمَ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لاِعْتِقَادِهِ بُطْلاَنَهُ، فَإِنِ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَقْتَ الْحُكْمِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلاَ نَصَّ وَلاَ إِجْمَاعَ لَمْ يَنْقُضْهُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ.
هـ - صُدُورُ الْحُكْمِ مِنْ قَاضٍ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ:
إِذَا وَلِيَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لِجَهْلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، مَا أَصَابَ فِيهَا وَمَا أَخْطَأَ، أَمْ يَقْتَصِرُ النَّقْضُ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي يَشُوبُهَا الْخَطَأُ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا تُنْقَضُ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا، لأَِنَّهَا صَدَرَتْ مِمَّنْ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، لَكِنَّ صَاحِبَ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَلاَّهُ ذُو شَوْكَةٍ بِحَيْثُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ مَعَ الْجَهْلِ، أَوْ نَحْوِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مَا أَصَابَ فِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ أَمْ لاَ يَسُوغُ، لأَِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ كَعَدَمِهِ، لأَِنَّ شَرْطَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّ الأَْوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ. وَلاَ يُنْقَضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالْحَقُّ إِذَا وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَمْ يُغَيَّرْ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ مَضَى قَطْعًا وَلَمْ يُتَعَقَّبْ حُكْمُهُ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلاَّ مَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ هَذَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ زَمَنٍ وَلاَ يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِخِلاَفِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَأَعْطَى بِذَلِكَ حُجَّةً لاَ يُنَفَّذُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَلاَ يُعْمَلُ بِالْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ»أَيْ قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِخِلاَفِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَكَذَا قَاضٍ قَضَى عَلَى جَهْلٍ.
و- صُدُورُ حُكْمٍ مِنْ قَاضٍ جَائِرٍ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا الْقَاضِي إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجَوْرِ وَكَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ وَسِيرَتِهِ - عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلاً، ظَهَرَ جَوْرُهُ أَوْ خَفِيَ - هَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا جَانَبَ الصَّوَابَ وَمَا وَافَقَهُ، أَمْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْخَاطِئَةُ دُونَ غَيْرِهَا؟
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمَا - إِلَى وُجُوبِ نَقْضِ أَحْكَامِهِ كُلِّهَا، صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ حَيْفُهُ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا ظَهَرَ الصَّوَابُ وَالْعَدْلُ فِي قَضَائِهِ، وَكَانَ بَاطِنُ أَمْرِهِ فِيهِ جَوْرٌ، وَلَكِنْ عُرِفَ مِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّ حُكْمَهُ فِيهَا صَوَابٌ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ عَرَفَ الْقَضَايَا،فَإِنَّ أَحْكَامَهُ تَمْضِي وَلاَ تُنْقَضُ، لأَِنَّهَا إِذَا نُقِضَتْ وَقَدْ مَاتَتِ الْبَيِّنَةُ وَانْقَطَعَتِ الْحُجَّةُ كَانَ ذَلِكَ إِبْطَالاً لِلْحَقِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنَّ أَقْضِيَةَ الْخُلَفَاءِ وَالأُْمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ جَائِزَةٌ مَا عُدِلَ فِيهِ مِنْهَا، وَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ جَوْرٌ أَوِ اسْتُرِيبَ، مَا لَمْ يُعْرَفِ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَاضِي غَيْرِ الْعَدْلِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّلُ : تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي : عَدَمُ نَقْضِهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، مَا لَمْ يَثْبُتِ الْجَوْرُ، وَفِي التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ ضَرَرٌ لِلنَّاسِ وَوَهَنٌ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَعْدَاءٍ يَرْمُونَهُ بِالْجَوْرِ يُرِيدُونَ الاِنْتِقَامَ مِنْهُ بِنَقْضِ أَحْكَامِهِ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ تَمْكِينِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ : رَأْيُ أَصْبَغَ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عَدَلَ فِيهِ وَلَمْ يُسْتَرَبْ فِيهِ، وَيُنْقَضْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْجَوْرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُ مَنْ شَاعَ
جَوْرُهُ إِذَا أَثْبَتَ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاضِي تَعَمَّدَ الْجَوْرَ فِيمَا قَضَى وَأَقَرَّ بِهِ فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَيُعَزَّرُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ لاِرْتِكَابِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَيُعْزَلُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ جَوْرُهُ وَرِشْوَتُهُ رُدَّتْ قَضَايَاهُ وَشَهَادَتُهُ.
ز- الْحُكْمُ الْمَشُوبُ بِالْبُطْلاَنِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ أَوْ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ مَنْ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ : يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ - نَقْضَ الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ بَاطِلاً لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ، فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ شَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي : يَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ لَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَسِيرُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ تَظْهَرُ مِنْهُ تُهْمَةٌ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ هُوَ اعْتِرَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لاِبْنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهَا.
وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ إِذَا أَثْبَتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ عَدَاوَةٍ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الْقَاضِي، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ أَحَدِ وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ بِخِلاَفِ شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ.
ح- الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ فِيهَا خَلَلٌ :
إِذَا كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ بَيِّنَةً لاَ شِيَةَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ، وَإِنِ اعْتَوَرَ الْبَيِّنَةَ مَا يَعِيبُهَا، نُظِرَ: هَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ أَمْ لاَ؟ وَقَدْ فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ أَوْ صَغِيرَيْنِ :
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ إِذَا بُنِيَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَهَرَ كَوْنُهُمَا كَافِرَيْنِ، أَوْ صَغِيرَيْنِ فِيمَا عَدَا الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بَيْنَ الصِّغَارِ بِشُرُوطِهَا - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا .
فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا قَبْلَ الْحُكْمِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ لِفِسْقِهِمَا.
وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ لَكِنَّهُ إِذَا قَضَى بِمُوجِبِهِمَا لاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِلاَّ فِيمَا ذُكِرَ.
وَيَرَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ الْحُكْمِ بِفِسْقِ الشُّهُودِ إِلاَّ بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمَا، أَوْ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِوَيَرَى ابْنُ قُدَامَةَ وَأَبُو الْوَفَاءِ أَنَّهُ إِذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْقُضْهُ.
تَقْصِيرُ الْقَاضِي فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ :
إِذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَصَّرَ فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ وَأَتَى بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ بِمَا يَجْرَحُهُمْ كَالْفِسْقِ، فَفِي نَقْضِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ، وَبِالنَّقْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِعَدَمِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ.
الْجِهَةُ الَّتِي تَنْقُضُ الْحُكْمَ :
فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا نَقْضُ الْحُكْمِ: إِمَّا أَنْ يَنْقُضَهُ الْقَاضِي الَّذِي أَصْدَرَهُ أَوْ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُوَلَّى الْقَضَاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ سَلَفِهِ، أَوْ كَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَدَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ، أَصْدَرَهُ مَنْ تَلْحَقُهُ الشُّبْهَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ :
الأَْصْلُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ فَلَيْسَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نَقْضُ حُكْمِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ نَصُّوا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَهِمَ فِي قَضَائِهِ أَوْ نَسِيَ أَوْ قَضَى بِخِلاَفِ رَأْيِهِ - وَهُوَ لاَ يَذْكُرُ - وَلَكِنْ عَلَى مَا قَضَى بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً، فَيَنْقُضُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَقُولُ بِمُضِيِّ هَذَا الْفَصْلِ وَلاَ يُرْجَعُ فِيهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ لاَ يُعْرَفُ خَطَؤُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ كَمُخَالَفَتِهِ لِرَأْيِهِ السَّابِقِ فَلاَ يَنْقُضُهُ سِوَاهُ، مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، فَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
ب- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ :
لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَتَبُّعُ قَضَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ لأَِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا، لَكِنْ إِنْ وَجَدَ فِيهَا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً نَقَضَهَا، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ أَوْ يَنْقُضُ الْحُكْمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ج- نَقْضُ الأَْمِيرِ وَالْفُقَهَاءِ حُكْمَ الْقَاضِي :
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ جَمْعُ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، فَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِذَا اشْتُكِيَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الأَْمِيرِ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلاً فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ فَأَرَى أَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ الأَْمِيرُ فِي ذَلِكَ وَلاَ يَقْبَلَ شَكْوَى مَنْ شَكَاهُ وَلاَ يُجْلِسَ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ إِنْ فَعَلَهُ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ إِنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلاً بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَلِّ غَيْرَهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوا هُمْ أَيْضًا، أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَفَسَخَهُ الأَْمِيرُ أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إِلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ، فَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الأَْوَّلِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الأَْئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْقَاضِي بَعْضَ مَا لاَ يَنْبَغِي مِنَ الْقُضَاةِ وَلَكِنَّ الأَْمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَى الأَْمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِلْ مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشِيرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَلَ بَعْدُ فِي الْخُصُومَةِ فَصْلاً، فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا قَالَ: قَدْ حَكَمْتُ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ عَنِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا فَتَلْزَمُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَزَلَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الأَْمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَحَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْجَمَاعَةِ فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلاَحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْ عَلَيْهِ شَكْوَى وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلاَ يَفْعَلُ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ إِلاَّ أَنْ يُشْتَكَى مِنْهُ اسْتِبْدَادٌ بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكُ رَأْيِ مَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتِ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقْدَمَهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَزَلَهُ.
قَالَ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ وَكَتَبَ إِلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ كَتَبَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالأُْمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمُ بِأَفْضَلِ مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالَّذِي يَرَاهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لاَزِمًا لِمَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلاَفِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ الآْنَ عَلَى مِثْلِ مَا اشْتُكِيَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إِلَى الأَْمِيرِ فَيَكُونُ هُوَ الآْمِرَ بِالَّذِي يَرَاهُ وَالْحَاكِمَ فِيهِ دُونَهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالَ فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ وَرَدَ بِنَصِّهِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ.
طَلَبُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ نَقْضَ الْحُكْمِ :
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ النَّقْضَ إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - كَالطَّلاَقِ- نَقَضَهُ الْقَاضِي بِدُونِ طَلَبٍ، هَذَا فِيمَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَمَا لاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ الضَّمَانُ.
وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُهُ إِلاَّ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ حَتَّى وَإِنْ عَلِمَا بِذَلِكَ، لأَِنَّهُمَا قَدْ يَتَوَهَّمَانِ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَْصْحَابِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلاَفًا لاِبْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي قَالَ: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْهِ نَقَضَ الْحُكْمَ.
صِيغَةُ النَّقْضِ :
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ صِيغَةَ النَّقْضِ هِيَ: نَقَضْتُهُ، أَوْ فَسَخْتُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهُ، وَلَوْ قَالَ: بَاطِلٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَقْضًا؛ إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ.
تَسْبِيبُ حُكْمِ النَّقْضِ :
إِذَا نَقَضَ الْقَاضِي الْحُكْمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي نَقَضَ الْحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُنْسَبَ لِلْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالنَّقْضِ الْجَوْرُ وَالْهَوَى بِنَقْضِهِ الأَْحْكَامَ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الْقُضَاةُ.
تَسْجِيلُ حُكْمِ النَّقْضِ :
يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَجِّلَ النَّقْضَ كَمَا يُسَجِّلُ الْحُكْمَ؛ لِيَكُونَ تَسْجِيلُ الثَّانِي مُبْطِلاً لِلأَْوَّلِ كَمَا صَارَ الثَّانِي نَاقِضًا لِلْحُكْمِ الأَْوَّلِ .