إذا زوجت الحرة المكلفة نفسها بلا رضا وليها العاصب قبل العقد أو زوج الصغيرة غير الأب والجد من الأولياء أو زوجها الأب أو الجد وهو ماجن سيئ الاختيار مشهور بذلك قبل العقد يشترط لصحة النكاح أن يكون الزوج كفؤاً للمرأة نسباً أن كانا عربيين أصلاً وإسلاماً ومالاً وصلاحاً وحرفة سواء كانا عربيين أو غير عربيين فإن كان الزوج غير كفء للمرأة فى شرط من الشروط المذكورة فالنكاح غير صحيح فى الصور المتقدمة .
إذا زوجت الحرة المكلفة نفسها بلا رضا وليها العاصب قبل العقد أو زوج الصغيرة غير الأب والجد من الأولياء أو زوجها الأب أو الجد وهو ماجن سيئ الاختيار مشهور بذلك قبل العقد يشترط لصحة النكاح أن يكون الزوج كفؤاً للمرأة نسباً أن كانا عربيين أصلاً وإسلاماً ومالاً وصلاحاً وحرفة سواء كانا عربيين أو غير عربيين فإن كان الزوج غير كفء للمرأة فى شرط من الشروط المذكورة فالنكاح غير صحيح فى الصور المتقدمة .
الراجح فى المذهب الحنفي وفقا لرأى أبى حنيفة وأبى يوسف أنه إذا تزوجت المرأة البالغة العاقلة بدون إذن وليها فإن العقد يكون صحيحاً سواء كانت بكرا أم ثيبا، و يكون نافذا ولازما متى تزوجت بكفء على صداق مثلها أو أكثر، رضي الولي أو لم يرض، وإذا تزوجت من غير كفء بمهر المثل أو من كفء على مهر أقل من مهر مثلها ولم يكن وليها قد رضي بذلك، فالعقد غير لازم بالنسبة لوليها، فله حق الاعتراض على الزواج وطلب فسخه أمام القضاء، فإذا أثبت أن زوجها غير كفء لها فيما تعتبر فيه الكفاءة فى الزواج من حيث النسب والدين والحرية والمال والحرفة، أو أثبت الولي أن مهرها ينقص عن مهر مثلها بما لا يتغابن فيه الناس، فإنه يقضى بفسخ العقد مراعاة لحق الولي العاصب إلا إذا رضي بالزواج أو لم يعترض عليه حتى ظهر الحمل على الزوجة أو ولدت ، فعندئذ يسقط حقه فى الاعتراض لأجل المحافظة على الولد حتى لا يضيع بالتفريق بين والديه، ولا يكون له حق الاعتراض إذا أكمل الزوج الكفء المهر إلى مهر المثل بعد العقد.
(الطعن رقم 194 لسنة 64 جلسة 1998/10/19 س 49 ع 2 ص 611 ق 149)
الكفاءة في الزواج
الكفاءة شرعة مساواة الزوج زوجته في المنزلة بحيث لا تكون الزوجة ولا أولياؤها عرضة للتعير بهذه المصاهرة حسب العرف .
وقد خص الفقهاء أمورا ستة اعتبروا أن الكفاءة تتحقق بتحقق المساواة فيها . وأن عدم المساواة فيها أو في أحدها مفوت للكفاءة، وهي التي جمعها بعضهم في قوله :
نسب وإسلام كذلك حرفة حرية وديانة مال فقط و لنبين معنى التكافؤ في كل أمر من هذه الأمور الستة
(1) النسب : - إذا كانت الزوجة نسيبة أي معروفا لها نسب متصل بأصل معلوم لا يكون كفئا لها إلا نسيب مثلها متصل نسبه بأصل معلوم - وشرف العلم فوق شرف النسب فالعالم غير النسيب كفء لأية نسيبة مهما شرف نسبها.
قال فقهاؤنا : وهذا التكافؤ في النسب خاص بما إذا كان الزوجان من العرب لأنهم هم الذين حفظوا أنسابهم وجعلوها من مفاخرهم وأسباب هجوهم ومدحهم فالعربية وهي التي يعرف اتصال نسبها بقبيلة من قبائل العرب لا يكون کفا لها غير العربي وهو من لا يعرف اتصال نسبه بقبيلة من القبائل - وليس العرب كلهم متكافئين فقریش بعضهم أكفاء لبعض أى أن القرشية لا يكافئها إلا قرشی ، وسائر العرب بعضهم أكفاء لبعض أى أن العربية من غير قريش يكافئها أي عربي وإن اختلفت القبائل فالقرشی كفء لأية عربية، وغير القرشی من العرب كفء لغير القرشية منهم.
وأما غير العرب فلأنهم لم يحفظوا أنسابهم ولم يعتدوه من مفاخرهم لا يعتبر بين الزوجين منهم التكافؤ في النسب .
وفيما قاله فقهاؤنا نظر لأنه إذا كان من غير العرب طبقات من الأشراف ذوي البيوتات العريقة الذين يفخرون بأصلهم ويعيرون إذا تزوجت واحدة منهم زوجا غير أصيل فلم لا يكون حكمهم حكم العرب . والعلة واحدة والعرف له اعتبار.
(۲) الإسلام :- إذا كانت الزوجة مسلمة لها أب وأجداد مسلمون لا يكافئها المسلم الذي ليس له في الإسلام أب ولا جد ، ومن لها أب واحد في الإسلام يكافئها من له أب واحد فيه - ومن له أب وجد في الإسلام فهو كفء لمن لها أب وأجداد لأن تعريف المرء يتم بأبيه وجده فلا يلتفت إلى ما زاد .
وهذا التكافؤ في إسلام الأصول إنما يعتبر في غير العرب أما العرب فلا يعتبر فيهم فالعربي المسلم الذي ليس له أب في الإسلام كفء للعربية المسلمة التي لها أب وأجداد مسلمون، لأن العرب اكتفوا في التفاخر بأنسابهم ولا يتفاخرون بإسلام أصولهم أما غيرهم فيتفاخرون به.
(۳) الحرفة :- إذا كانت الزوجة بنت صاحب حرفة شريفة لا يكون كفئا لها صاحب الحرفة الدنيئة - والمعتبر في شرف الحرفة ودناءتها هو العرفي . ولذا قال صاحب الفتح فيكون الحائك كفئا للعطار بالاسكندرية لما هناك من جسن اعتبارها وعدم عدها نقصا البتة . وإذا تقاربت الحرف فلا عبرة بالتفاوت فيها، وهذا التكافؤ في الحرف معتبر في كل من يحترف من العرب وغيرهم .
(4) الحرية : - إذا كانت الزوجة حرة لا يكون الرقيق كفئا لها وإذا كانت حرة الأصل لا يكون المعتق كفئا لها ومن لها أب وجد في الحرية لا يكافئها من له أب فقط . ومن لها أب وأجداد في الحرية يكافئها من له أب وجد فقط كما قيل في إسلام الأصول - والحكمة في هذا أن الرق منقصة والأحرار يعيرون بمصاهرة الأرقاء .
ولما كان العرب لا يسترقون لأنه لا يقبل منهم إلا أن يسلموا أو يقتلوا كان التكافؤ في الحرية معتبرة في غيرهم فقط لأنهم لا رق فيهم.
(5) الديانة : - المراد بها الصلاح والاستقامة فإذا كانت الزوجة من بنات الأتقياء ذوى الاستقامة لا يكون الفاسق كفئا لها لأنهم لتقواهم و استقامتهم پرون مصاهرة الفاسق عارة لهم فلا يكون الفاسق كفئا لصالحة بنت صالح وإنما يكون كفئا لفاسقة بنت فاسق أو بنت صالح وهذا رأي الشيخين . وقال محمد لا عبرة بالديانة والصلاح في الكفاءة لأن الصلاح من أمور الآخرة التي بين المرء وربه والكفاءة من الأحكام الدنيوية التي ترجع إلى علاقة الناس في الدنيا بعضهم ببعض وكم من فاسق له بين الناس منزلة واعتبار ولا يعير أي تقى بمصاهرته، لكن إذا كان الفاسق وصل به فسقه إلى أن صار سخرية بين الناس يصفع ويضحك منه فهذا هو العار كله ولا يكون كفءا.
(6) المال : - ليس المراد بالتكافؤ بين الزوجين في المال أن يتساويا في الغني ودرجة اليسار وإنما المراد أن يكون الزوج قادرة على مقدم صداقها والإنفاق عليها شهرة . فمن كان قادرا على ذلك يعتبر كفالها مالية ولو كانت ثروتها و ثروة أبيها أضعاف ماله . أما من كان غير قادر على ذلك فهو ليس كفالها مالية وهذا قول أبي يوسف وعليه الفتوى لأن الغني لا ثبات له والمالي غاد ورائح فلا اعتبار في الكفاءة لكثرته و قلته . وقال الطرفان إنما تتحقق الكفاءة في المال بعدم التفاوت البين بينهما في الغنى واليسار حتى أن الفائقة في اليسار لا يكافئها من لا يقدر إلا على المهر والنفقة الواجبة لأن الناس يتفاخرون بغني الصهر ويعيرون بفقره.
أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة ( 69 ـ 70 ـ 71 ـ 72 )
عناصر الكفاءة في المذهب الحنفي:
لما أباح الحنفية للمرأة البالغة العاقلة أن تعقد زواجها بغير إذن وليها، احتاطوا للأولياء فتوسعوا في الأمور التي تعتبر فيها الكفاءة أي في عناصر الكفاءة، حتى لا تسيء المرأة في زواجها إلى أوليائها فجعلوا الكفاءة في ستة أمور هي:
1-النسب.
2-الإسلام.
3-الحرية.
4- المال.
5- الحيانة.
6- الحرفة.
ونعرض لهذه الأمور الستة بالتفصيل على النحو الآتي النسب:
هو صلة الزوج والزوجة بمن ينتميان إليه من الآباء والأجداد.
فمن كانت ذات نسب رفيع أو مشهور لا يكون كفئا لها إلا من كان له نسب رفيع أو مشهور.
والكفاءة في النسب كانت معتبرة عند العرب، لأن العرف جعل النسب محلا للتفاخر والتفاضل والهجاء والمدح بينهم ولكنها غير معتبرة عند غير العرب، الأن غير العرب لا يتفاخرون بالأنساب، ولا يجعلونها محل تفاخرهم وتفاضلهم وهجائهم ومدحهم.
وتتفاوت الكفاءة عند العرب، فأرفعهم قريش، فالقرشية لا يكافئها إلا قرشی ولو كان غير هاشمي، فالقرشي غير الهاشمى كالتيمي والأموي والعدوى كفء للقرشية الهاشمية.
والعرب بعضهم أكفاء لبعض، وغير العربي لا يكون كفئا للعربية. وقد استثنى محمد بیت الخلافة، وكان هاشميا عباسيا، فلم يجعل كفئا لنسائه إلا الهاشمي.
وقد استند الحنفية في ذلك إلى حديث الرسول عليه السلام: «قريش بعضهم أكفاء لبعض بطن ببطن والعرب بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة والموالي بعضهم أكفاء لبعض رجل برجل».
وذهب أبو يوسف إلى أن غير العربي العالم كفء لأي امرأة ولو كانت قرشية، لأن شرف العلم فوق شرف النسب والحسب.
والعالم لا يقتصر على من يشتغل بعلم الفقه أو التفسير أو الحديث أو غيرها من العلوم الدينية، بل يمتد إلى من يشتغل بأي علم من العلوم المشروعة التي ليست محرمة ولا مكروهة والتي لا غنى للمجتمع عنها أو ندب الشارع إلى تعلمها.
وقد استند أبو يوسف في ذلك إلى قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، وقوله: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)، وقول النبي عليه السلام: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».
ورأى أبي يوسف هو الراجح في المذهب الحنفي.
الإسلام: ۔
المقصود هنا بالإسلام، اسلام آباء الزوج لا إسلامه هو، لأنه لو لم يكن مسلما لا يجوز زواجه بالمسلمة.
والإسلام معتبر في الكفاءة عند العرب، لأن العرب يتفاخرون بأنسابهم، فالإسلام عند غير العرب يقوم مقام النسب عند العرب فقد روى أن جماعة من الصحابة فيهم سلمان الفارسی جلسوا يتفاخرون بأنسابهم، فقالوا لسلمان: ابن من أنت؟ فقال رضي الله عنه (ابن الإسلام)، وبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فبكى قال: (وعمر ابن الإسلام).
فالعربي المسلم الذي ليس له أب مسلم كفء لمن لها آباء من المسلمين.
ويذهب الطرفان (أبو حنيفة ومحمد) إلى أن الكفاءة تتحقق عند غير العربي، إذا كان له أبوان في الإسلام فصاعدا، إذ يكون كفئا للمرأة التي لها آباء فيه، لأن تعريف الشخص تعريفا كاملا يكفي فيه ذكر أبيه وجده.
ومن أسلم بنفسه لا يكون كفئا لمن أبوها مسلم.
ومن كان أبوه مسلما غير كفء لمن لها أبوان أو أكثر في الإسلام.
أما أبو يوسف فيكتفي في الكفاءة بإسلام الأب وحده، فمن كان له أب في الإسلام فإنه يكون كفئا لمن لها أبوان أو آباء في الإسلام. وهذا ما يتفق ومذهبه في تعريف الشخص في الشهادة، فلديه إذا ذكر الشاهد اسم الغائب واسم أبيه يحصل به التعريف ولا حاجة إلى ذكر الجد.
الحرية:
الحرية ضد الرق، والكفاءة فيها كالكفاءة في الإسلام قاصرة على الموالي، لأن العرب لم يسترقوا، بل كان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.
الحرفة :
المراد العمل الذي يزاوله الإنسان لكسب رزقه، فتشمل الحرفة، الوظيفة وأي عمل آخر يمارسه الإنسان كالتجارة أو الزراعة أو الطب أو السباكة أو النجارة...الخ.
وقد قضى بأن:
«اشتغال الإنسان بموارد إيراده واكتسابه من أموال أوقاف يستحقها وتحت نظره تعتبر كأحسن الحرف».
«مصر الشرعية بتاريخ 11 / 8 / 1904».
وتتحقق الكفاءة في الحرفة، إذا كانت حرفة الزوج مقاربة لحرفة الزوجة وحرفة أبيها، من حيث شرفها وضعتها، وإن لم تكن حرفة أحدهما متحدة مع حرفة الآخر. وعلة الكفاءة في الحرفة، أن الناس يتفاخرون بشرف الحرف ويتعيرون بدنائتها.
وقد يتحول المرء من حرفة دنيئة إلى حرفة شريفة، فيبقى عار الحرفة الأولى لاصقا به، فلا يكون كفئا للمرأة التي تكون حرفتها أو حرفة أبيها شريفة منذ الأصل. وفي هذا قضت محكمة مصر الشرعية بتاريخ 11 / 8 / 1904 بأن:
وحيث إن الغنى وبسطة المال من أجل ما يفتخر به في العادة بل يكاد لا يفتخر الآن إلا به كما هو معروف وغير قابل للإنكار والمدعى عليه يعترف للمدعي بأنه نشأ في الغنى وعاش فيه ولم يدع ذلك لنفسه ولم يجب لما سئل عنه عندما نسب له المدعى أنه نشأ في الفقر لكونه فقيرا من أسرة فقراء حرفتها خدمة الغير وفقره في بدئه وإن زال الآن باكتسابه الغني لا يزول به عارة عنه عرفا فلا يكون المدعى عليه كفئا لبنت المدعي» .
والمعتبر في شرف الحرف ودنائتها العرف، وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان، فقد تكون حرفة ما شريفة في مكان ما أو زمان ما، هي دنيئة في مكان أو زمان آخر.
والكفاءة معتبرة في كل الناس عربا كانوا أو غير عرب، وقد استدل على الكفاءة في الحرفة بقول الرسول عليه السلام: «العرب بعضهم أكفاء لبعض... إلا حائكا أو حجاما».
ويمكن القول أن النجار والسباك والميكانيكي والسائق أصحاب مهن متقاربة تتوافر فيها الكفاءة إذا تزوج أحدهم من ابنة أيهم، ولكن لا يعتبر هؤلاء أكفاء الابنة المهندس أو الطبيب أو المدرس.
ولا يعتبر الكاتب كفئا لابنة وكيل الوزارة أو أستاذ الجامعة.
وترتيب على ذلك قضت محكمة الجمالية الجزئية الشرعية بتاريخ 6 / 9 / 1930 بأن:
وبما أنه ثبت من الأوراق المقدمة بملف القضية وشهادة الشهود أن المدعى عليه الثاني تزوج المدعى عليها الأولى في 26 / 5 / 1930 لدى مأذون عقود الزواج بقسم عابدين على صداق قدره ۳۰ جنيها بدون علم من والد الزوجة وهي بنت عضو من أعضاء مجلس الشيوخ وأعمامها أعضاء بمجلس النواب وجدها كان عضوا بمجلس الشيوخ وقبل ذلك عضوا بالجمعية التشريعية وأن لها ريعا في وقف يزيد عن 50 جنيها شهريا وأن والدها يملك نحو 300 فدان وأن المدعى عليه الثاني كان سائقا لسيارة والدها بأجر شهري قدره أربعة جنيهات وأنه بقى كذلك إلى أن عقد زواجه عليها ثم هرب بها من بيت والدها وأنه فقير ولا مال له وأن والده فراش بحانوت لبيع الورق وأن مهر مثلها نحو 500 جنيه فيكون إذن الزوج المذكور غير كفء لها من جهة المال والحرفة ويكون المهر المتعاقد عليه أقل من مهر مثلها بكثير.. وأما عن عدم الكفاءة من جهة الحرفة فلان حرفة قيادة السيارات بأجر لا تتناسب مع عضوية مجلس الشيوخ إذ الواقع أن الناس هنا ينظرون إلى سائق السيارات الخصوصية نظرتهم إلى الخادم ولا يمكن بحال أن يتصور أن الخادم يكون كفئا لبنت مخدومه والمرجح في الكفاءة من جهة الحرفة إلى العرف فقد جاء في حاشية ابن عابدين في باب الكفاءة وفي الفتح أن الموجب هو استنقاص أهل العرف فيدور معه... الخ».
واشتراط الحرفة في الكفاءة على هذا النحو هو رأي الصاحبين، وهو الراجح في المذهب الحنفي.
الديانة:
المراد بالديانة الصلاح والتقوى.
ويذهب الشيخان (أبو حنيفة وأبو يوسف) إلى اعتبار الديانة في الكفاءة لأن الديانة من أعلا المفاخر والمرأة تعير بفسق الزوج فوق ما تعير بضعة النسب . فلما كان النسب معتبرا في الكفاءة، كانت الديانة أولى بالاعتبار فيلا يكون الفاسق كفئا لصالحة بنت صالح وإنما يكون كفئا لفاسقة بنت فاسق، ولفاسقة بنت صالح، فليس لأبي الأخيرة حق الاعتراض لأن ما يلحقه من العار ببنته أكثر من العار بصهره.
وذهب محمد إلى أن الديانة لا تعتبر في الكفاءة، لأنها من أمور الآخرة فلا تبني عليها أحكام الدنيا، إلا إذا كان الفاسق متهتكا لا يبالي بفسقه مجاهرا به بحيث صار الناس يهزأون به ويسخرون منه، كالذي يسكر ويعربد في الطرقات والذي يجاهر بمعاصيه كلعب القمار وترك الفرائض .
والرأي الأول هو الراجح في المذهب الحنفي.
ويرشد لهذا الرأي قول الرسول عليه السلام: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».
المال :
الكفاءة في المال عند الأحناف تكون في المهر والنفقة، فإذا كان الزوج مالكا لمهر الزوجة ولنفقتها كان كفئا لها.
والمقصود بالمهر الجزء الذي تعارف الناس على تعجيله، فإذا تعارفوا على تعجيل المهر كله، كانت الكفاءة في المهر كله. ذلك أن المهر شرع لاستحلال النكاح والنفقة شرعت لتفع بها الزوجة حاجتها وهي أحوج إليها من نسب الزوج.
واختلف العلماء في مقدار النفقة التي اشترطت القدرة عليها في الكفاءة، فقيل المعتبر نفقة شهر، وقيل نفقة ستة أشهر. وقيل نفقة سنة، والذي اختاره البعض أن الزوج إن كان من أصحاب الحرف فالقدرة متحققة بكونه کسوبا ولو كان لا يكسب إلا ما ينفق منه يوما بيوم، وإن لم يكن صاحب حرفة فالمعتبر القدرة على نفقة شهر.
أما الكفاءة في الغنى، وهي التي تتحقق إذا كان الزوج في حال من اليسار تكون قريبة من حال الزوجة أو حال أسرتها، فلا يكون كفئا لمن هي ذات ثروة كبيرة، أو من أسرة ذات ثروة كبيرة، إلا من تكون ثروته أو ثروة أسرته قريبة من ثروتها أو ثروة أسرتها – فقد اختلف فيها فقهاء المذهب الحنفي، فقد اعتبرها أبو حنيفة ومحمد في الكفاءة، لأن الناس يتفاخرون بالغنى ويتعيرون بالفقر وقد روي عن عائشة أنها قالت: «رأيت ذا المال مهيبا، ورأيت ذا الكفقر مهينا»، وقالت: «إن أحساب أهل الدنيا بنيت على المال».
أما أبو يوسف فإنه لا يعتبر الكفاءة في الغني، لأن الغني لاثبات له، إذ المال غاد ورائح وغنى اليوم قد يكون فقير الغد .
ورأى أبي يوسف هو المعول عليه في المذهب .
اشتراط الكفاءة في جانب الزوج دون الزوجة:
تعتبر الكفاءة في جانب الزوج فقط دون الزوجة، فيشترط أن يكون الزوج
كفئا للزوجة، أما الزوجة فلا يشترط فيها أن تكون كفئا للزوج، وذلك للأسباب الآتية:
1- أن العرف جرى على أن الزوجة وأولياءها يعيرون بزواجها بمن هو أقل منها كفاءة، لأن أصحاب المنزلة الرفيعة يتنزهون عن مصاهرة الوضيع، و يأنفون من استفراشه لنسائهم. أما الزوج وأهله فلا يعيرون بزواجه ممن تقل عنه كفاءة، وزواج الشريف من الخسيسة يرفع خستها، ومن الناس من لا يرغب في الزواج ممن تكافئه، حتى لا تترفع عليه، فتضطرب حياتهما الزوجية.
2- أن الزوج يملك الطلاق بإرادته المنفردة، فإذا تبين له أن زوجته دونه كفاءة وأن ضررا وقع عليه بسبب زواجه، استطاع التخلص من الضرر بطلاق زوجته، أما الزوجة فلا تملك الطلاق إلا بحكم القاضي في حالات استثنائية محددة.
3- أن اعتبار الكفاءة في الزواج في جانب الزوج دون الزوجة بحيث يكون الزوج كفئا للزوجة، فيه تقدير للمرأة ورفع لشأنها إذ لا يتزوجها من دونها منزلة من الرجال.
إلا أنه يستثنى من هذه القاعدة حالتان تعتبر الكفاءة فيهما في جانب الزوجة هما :
الحالة الأولى:
إذا زوج المجنون أو الصغير غير الأب أو الجد أو الابن، أو زوجه واحد من هؤلاء عرف عنه سوء الاختيار أو اشتهر عنه المجانة والفسق قبل العقد.
إذ يشترط لصحة عقد الزواج أن تكون الزوجة كفئا، فإذا كانت الزوجة غير كفء، كان الزواج غير صحيح طبقا للرأي المفتى به المذهب الحنفي.
(راجع بند 142).
الحالة الثانية :
إذا وكل رجل غيره في تزويجه، وأطلق التوكيل أي لم يقيده بامرأة معينة أو بمهر معلوم، فيشترط أن تكون الزوجة كفئا، وإلا كان العقد موقوفا على إجازة الموكل.
وهذا هو رأي الصاحبين المفتي به في المذهب الحنفي.
(راجع بند 152).
وقت اعتبار الكفاءة :
المعتبر في الكفاءة أن تتوافر وقت إنشاء عقد الزواج، فإذا كان الزوج كفئا لزوجته وقت تزوجه بها، كانت الكفاءة قائمة، ولا عبرة بعد ذلك بما يحدث من تغيير حال قيام العلاقة الزوجية، فالكفاءة شرط ابتداء لا استمرار، فإذا كان الزوج وقت العقد صاحب حرفة شريفة ثم اتخذ بعد ذلك حرفة وضيعة، أو كان ذا صلاح وتقوي ثم أصبح فاسقا فلا يجوز للزوجة أو لأوليائها طلب فسخ الزواج، والقول بغير ذلك يؤدي إلى فسخ كثير من الزيجات وانحلال الأسر وتشرد الأولاد، فضلا عن أن الزوجة لا تعبر عرفا إذا تغير حال زوجها بل إنها تكون محل تقدير الناس لأنها تحلت بالصبر واستمرت بجانب زوجها بعد عثرته، والحياة لا تدوم على حال، والزواج مشاركة في الحياة سرائها وضرائها.
من له حق الكفاءة؟
الكفاءة حق للزوجة، وحق للأولياء من العصبات، ويترتب على ذلك أن الزوجة إذا أسقطت حقها في الكفاءة، فإن حق الأولياء من العصبات فيها لا يسقط، وإذا أسقط حقهم في الكفاءة فإن حق الزوجة لا يسقط.
وينبني على هذه القاعدة ما يأتي:
1- أنه إذا زوجت المرأة العاقلة البالغة نفسها من غير كفء دون رضا وليها العاصب، قبل العقد أو وقت إنشائه ولو كان الولي غیر محرم عليها كابن العم، فإن رواية كتب ظاهر الرواية عن الإمام أبو حنيفة أن العقد صحيح نافذ إلا أنه غير لازم للولي، فيكون للولى الاعتراض عليه، وطلب فسخه ولا يفسخ العقد إلا بحكم القاضي، أما قبل القضاء بالفسخ فالزوجية قائمة تترتب عليها كافة آثارها، حتى إذا مات أحد الزوجين أثناء نظر دعوى الفسخ ورثه الآخر.
ويسقط طلب الفسخ لعدم الكفاءة إذا ولدت الزوجة ويلحق بالولادة الحبل الظاهر.
أما طبقا لرواية الحسن بن زياد اللؤلوي عن أبي حنيفة، وهي الرواية المختارة للفتوى في المذهب، فإن عقد الزواج غير صحيح وذلك احتياطا للعشرة الزوجية وصيانة للولد وروابط الأسرة، لأن العقد إذا كان صحيحا ولكن غير لازم، فإن الدخول فيه يكون جائزا، وقد ترزق الزوجة بأولاد ورغم ذلك يحكم بالفسخ، كما أن العار من عدم الكفاءة يتحقق بمجرد الدخول بالزوجة . (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 277)
الكفاءة
لغة : المساواة والمماثلة – فلان كفء لفلان - تعني مثيله وشبيهه ومساو له ومنه قوله تعالى { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ }}.
اصطلاحا : هي المساواة بين الزوجين في أمور مادية وإجتماعية بحيث تتحقق السعادة الزوجية بينهما ، وما من شك في أنه إذا كانت منزلة الرجل أسمى من منزلة المرأة أو مساو لها كان ذلك أدعى إلى نجاح الحياة الزوجية وأحفظ لها من الفشل والإخفاق .
ويقصد بالكفاءة :
هو أن لا يكون الزوج دون الزوجة بحيث تتغير به هى أو أولياؤها أوصاف الكفاءة في الفقه :
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ }} وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {{ إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير }} قالوا يا رسول الله إن كان فيه فقال : {{ إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه }} ثلاث مرات . وزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه ، وتزوج بلال بن رباح بأخت عبدالرحمن بن عوف وقد قال الله تعالى: {{ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ }}.
وقد أختلف الفقهاء في أوصاف الكفاءة فقال الإمام مالك أنها الدين والسلامة من العيوب التي توجب للمرأة الخيار في الزوج كالبرص والجنون والجذام .
وقال الإمام أبو حنيفة هي النسب ، والدين ، وفي رواية عن أحمد هي الدين والنسب والحرية والصناعة والمال . وقال أصحاب الشافعي هي الدين والنسب والحرية والصناعة والسلامة من العيوب المنفرة .
وقال البعض إن تفصيل ما اعتبر فيه كفاءة ينظر فيه إلى عرف الناس فيما يحقرونه أو يعيرون به . وجاء في المعنى للحنابلة والشرح الكبير للمالكية {{ إذا أطلقت الكفاءة وجب حملها على المتعارف }}.
وهذا ما أميل إليه لأن تحديد عناصر الكفاءة تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة ولكل عصر مقاييس للتكافؤ بين الزوجية أو بين الزوج وعائلة الزوجة ، وذلك نظرا للتطور الاجتماعي أصبح لا يعتد إلا بالمعتاد بين الناس التكوين القرابات ودوام الألفة .
شرط الكفاءة في جانب الرجل : لقد اشترطت الكفاءة في جانب الرجل دون المرأة لأن العار لا يلحق أسرة الرجل إذا تزوج بخسيسة ، وإنما يلحق المرأة وعائلتها إذا تزوجت بخسيس ، كما أن الرجل يملك بيده الطلاق فيستطيع دفع الدنية عن نفسه ، بخلاف المرأة فإنها لا تملك إيقاع الطلاق ، بل أقصى ما تملكه أن تطلب من القاضي التطليق .
من له حق طلب الكفاءة :
الكفاءة في الزواج هي حق المرأة ووليها العاصب ، لذلك كان له حق الاعتراض وطلب فسخ عقد الزواج حتى ولو تجاوزت سن الرشد لأن المقصود من الكفاءة هي حماية سعة الأسرة لا حماية الحقوق المالية للمرأة ، وبالتالي فلا يسقط حق أحدهما إذا أسقط الآخر حقه ، ما لم يتفقا على إسقاطه ، ولكن هذا الحق ليس على إطلاقه فقد في حالة ما إذا رضى الولى بالزواج ، فإنه يسقط حقه في طلب الفسخ ، أو لم يعترض عليه حتى ظهر الحمل على الزوجة أو ولدت بالفعل فعندئذ يسقط حقه في الإعتراض لأجل المحافظة على الولد حتى لا يضيع بالتفريق بين والديه ، كما لا يكون له حق الأعتراض إذا أكمل الزوج الكفء المهر إلى مهر المثل بعد العقد .
وقت اعتبار الكفاءة :
هو وقت إنشاء العقد لأنها شرط بقاء ، فلو كان الزواج وقت العقد كفئا لها زالت عنه الكفاءة بعد الدخول فلا تأثير على ذلك في العقد ، ومن ثم فليس لها الحق في طلب الفسخ لأن دوام الحال من المحال ، ولأن في ذلك تقطيع الأواصر المحبة والمودة ، وتفريق الأولاد إلى التشرد والضياع .
حكم الشروط في الزواج :
ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم : {{ إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج }} ، وما روي عنهما :{{ لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكع فإنما لها ما قدر لها }} وفي مسند أحمد عنه أنه قال : {{ لا يحل أن تنكح إمرأة بطلاق أخرى }} لقد اختلفت الاجتهادات الفقهية في مدى حرية المتعاقدين في اشتراط شروط خاصة أو شخصية.
فموقف الحنفية والشافعية وجمهور المالكية موقف التطبيق عملا بالحديث :{{ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل }}
إلا أن الحنابلة وبعض الفقهاء في المذاهب الأخرى فتحوا مجالا واسعا أمام المتعاقدين لاشتراط ما يشاءون ضمن النظام العام للشريعة الإسلامية عملا بالحديث الشريف :{{ المسلمون عند شروطهم إلا شرطة أحل حراما أو حرم حلالا }} .
وأخرج الطبراني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم مبشر بنت البراء بن معرور فقالت إني شرطت لزوجي أن لا أتزوج بعده فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا لا يصح ، لذلك يرى الحنابلة وجوب الوفاء بالشروط التي شرطت في العقد إذا لم تتضمن تغييرا لحكم الله ، لذلك تنقسم الشروط في النكاح عندهم إلى أقسام ثلاثة :
أولا : شروط صحيحة وهي إذا اشترطت المرأة أن لا يتزوج عليها ، أو الاقامة في بلدها ودارها ، أو أن لا يفرق بينها وبين أبويها، أو أن ترضع ولدها الصغير من غيره، أو أشترطت زيادة في المهر أو الوفاء تعجيل المهر أو تأجيله ، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء والإنفاق ، فإنه يجب عليه الوفاء بها ، فإن خالفها فلها حق الفسخ. وإذا اشترط الرجل أن تكون بكزا أو جميلة أو نسيبة ، أو تكون سعية بصيرة ، فتبين له أنها ثيب أو قبيحة أو دنيئة الأصل ، أو عمياء أو بها صمم فللرجل حق الفسخ لقول عمر رضي الله عنه {{ مقاطع الحقوق عند الشروط }} .
ثانيا : شروط فاسدة تفسد العقد مثل أن يشترط تحليلها لمطلقها ثلاث ، أو يشترط تزويج بنتهما لولديهما دون مهر - وهو نكاح الشغار ، أو على شرط أن لا يطأها ، أو إن رضيت أمها ، فكل هذه الشروط فاسدة مفسدة للعقد .
ثالثا : شروط فاسدة لا تفسد العقد ، حالة ما إذا اشترطت أن لا يعطيها مهرة أو يميز عليها ضرتها في القسم ، أو شرطت أن يسافر بها إلى المصايف ، أو أن تدعوه إلى جماعها بارادتها ، أو تسلم له نفسها مدة معينة ، فكل هذه الشروط ملغاة لا قيمة لها والعقد صحيح .
وقد زادت في هذا العصر كثير المشارطات في عقود الزواج نتيجة لاتساع مجال الحرية الفردية ورغبة كل إنسان في حماية نفسه ومصالحه .
خلاصة ما تقدم أنه على القاضي أن يوازن بين الشروط الواردة في العقد وبين ما إذا كانت تنافي أصل العقد، والغاية من الزواج .
فإذا بان له أن الشرط لا ينافي أصل العقد ولكن ينافي الغاية من الزواج ومقاصده أو يكون مجمعا على تحريمه ، فالشرط يكون باطل والعقد صحيح ، مثال ذلك ما إذا اشترطت عليه أن يكون الزواج لمدة أو اشتراط الزوج عدم دفع مهر أو نفقة لها ، أو اشترطت أن لا يقسم لضرتها ولا ينفق عليها ، أو يطلق من كان تحته أو أن لا يسافر معها إذا أرادت الانتقال ، أو يسكن بها حيث يشاء أبوها ، أو شرطت اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الحمل ، فهي شروط باطلة ، لأنها تنافي مقتضى العقد و تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد ، فلا يجب الوفاء بشئ من ذلك ولا يصح العقد لأنها شروط زائدة في العقد لا تنافي أصل العقد .
أما إذا بان للقاضي، أن الشروط لا تنافي أصل العقد ولا مقتضاة أو غايته وليس فيها ما يحل حراما أو يحرم حلاة ، فإن الشرط صحيح وعلى الزوج الوفاء به ، ولصاحبه حق الفسخ إذا أخل به المشروط عليه فمثلا قد تشترط عليه أن يعاشرها بالمعروف أو كسوتها ، والسكنى ، وأن يقصر في حقها في القسمة ، أو لا يخرجها من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوج عليها، وأن لا تخرج إلا بإذنه ، ولا تمنعه نفسها.
ومنعا للمشاحنات أو ادعاء الكذب في شئ من تلك الشروط أو أتيانها ، فإنه لا يعتد في حالة إنكار أحدهما بشرط منها إلا إذا نص عليه كتابة في عقد الزواج .(الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للإصدارات القانونية ، الصفحة : 37)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث عشر ، الصفحة / 202
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي خِصَالِ الْكَفَاءَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُكَافِئَ الزَّوْجُ فِيهَا الزَّوْجَةَ، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ - كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ - إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الدِّينُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالنَّسَبُ، وَالصِّنَاعَةُ.
وَاعْتَبَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْكَفَاءَةَ لِلُزُومِ النِّكَاحِ لاَ لِصِحَّتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْكَفَاءَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَسَبَقَتِ الإْشَارَةُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَفِي النِّكَاحِ الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَفَاءَةُ، وَفِي أَثَرِ عَدَمِ اعْتِبَارِهَا تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ «كَفَاءَةٌ» وَفِي مُصْطَلَحِ «نِكَاحٌ».
هَذَا عَنْ حُكْمِ التَّكَافُؤِ (أَثَرُهُ) أَمَّا اخْتِيَارُ الأْكْفَاءِ فِي النِّكَاحِ فَهُوَ مَسْنُونٌ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ».
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني والثلاثون ، الصفحة / 312
الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ النَّسَبِ إلَى الْقَبِيلَةِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى اعْتِبَارِ الْقَبِيلَةِ فِي كَفَاءَةِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ كُفْئًا لاِمْرَأَةٍ تُنْسَبُ إلَى قَبِيلَةٍ أَشْرَفَ مِنْ قَبِيلَتِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - إلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْقَبِيلَةِ أَوِ النَّسَبِ فِي كَفَاءَةِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فَقَطْ هُوَ الدِّينُ، لقوله تعالى : (إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٌ، وَكَفَاءَةٌ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع والثلاثون ، الصفحة / 266
كَفَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الْكَفَاءَةُ لُغَةً: الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ، يُقَالُ: كَافَأَ فُلاَنٌ فُلاَنًا مُكَافَأَةً وَكِفَاءً وَهَذَا كِفَاءُ هَذَا وَكُفْؤُهُ: أَيْ مِثْلُهُ، يَكُونُ هَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَفُلاَنٌ كُفْءُ فُلاَنَةَ: إِذَا كَانَ يَصْلُحُ بَعْلاً لَهَا، وَالْجَمْعُ أَكْفَاءٌ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يَخْتَلِفُ تَعْرِيفُ الْكَفَاءَةِ بِاخْتِلاَفِ مَوْطِنِ بَحْثِهَا: فِي الْقِصَاصِ، أَوِ الْمُبَارَزَةِ، أَوِ النِّكَاحِ.
فَفِي النِّكَاحِ: عَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا مُسَاوَاةٌ مَخْصُوصَةٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهَا الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُقَارَبَةُ فِي التَّدَيُّنِ وَالْحَالِ، أَيِ السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ.
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا أَمْرٌ يُوجِبُ عَدَمُهُ عَارًا.
وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهَا الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ أمَّا فِي الْقِصَاصِ، فَقَدْ عَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا مُسَاوَاةُ الْقَاتِلِ الْقَتِيلَ بِأَنْ لاَ يَفْضُلَهُ بِإِسْلاَمٍ أَوْ أَمَانٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ أَصْلِيَّةٍ أَوْ سِيَادَةٍ.
وَفِي الْمُبَارَزَةِ عَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ: بِأَنْ يَعْلَمَ الشَّخْصُ الَّذِي يَخْرُجُ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ، وَأَنَّهُ لَنْ يَعْجِزَ عَنْ مُقَاوَمَةِ خَصْمِهِ.
حُكْمُ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لاِعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُهَا فَيَجِبُ تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ مِنَ الأَْكْفَاءِ، وَيَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ.
وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ تُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ؛ لأَِنَّ النُّصُوصَ وَرَدَتْ بِاعْتِبَارِهَا فِي جَانِبِ الرِّجَالِ خَاصَّةً، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لاَ مُكَافِئَ لَهُ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ رضي الله تعالى عنها، وَقَالَ: «ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ:
الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَْمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ تَأْدِيبَهَا، فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ»؛ وَلأَِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَتِ الْكَفَاءَةُ مِنْ أَجْلِهِ يُوجِبُ اخْتِصَاصَ اعْتِبَارِهَا بِجَانِبِ الرِّجَالِ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الَّتِي تَسْتَنْكِفُ لاَ الرَّجُلُ، فَهِيَ الْمُسْتَفْرَشَةُ، وَالزَّوْجُ هُوَ الْمُسْتَفْرِشُ، فَلاَ تَلْحَقُهُ الأَْنَفَةُ مِنْ قِبَلِهَا، إِذْ إِنَّ الشَّرِيفَةَ تَأْبَى أَنْ تَكُونَ فِرَاشًا لِلدَّنِيِّ، وَالزَّوْجُ الْمُسْتَفْرِشُ لاَ تَغِيظُهُ دَنَاءَةُ الْفِرَاشِ، وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ لاَ بِأُمِّهِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ.
قَالَ الْكَمَالُ: مُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ وُجُوبُ إِنْكَاحِ الأَْكْفَاءِ، وَهَذَا الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِالأَْوْلِيَاءِ حَقًّا لَهَا، وَبِهَا حَقًّا لَهُمْ لَكِنْ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ الْمَعْصِيَةُ فِي حَقِّهِمْ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً؛ لأَِنَّهَا إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً لاَ يَنْفُذُ عَلَيْهَا تَزْوِيجُهُمْ إِلاَّ بِرِضَاهَا، فَهِيَ تَارِكَةٌ لِحَقِّهَا، كَمَا إِذَا رَضِيَ الْوَلِيُّ بِتَرْكِ حَقِّهِ حَيْثُ يَنْفُذُ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا لأَِنَّهُ إِضْرَارٌ بِهَا وَإِدْخَالٌ لِلْعَارِ عَلَيْهَا، وَيَفْسُقُ الْوَلِيُّ بِتَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ دُونَ رِضَاهَا، وَذَلِكَ إِنْ تَعَمَّدَهُ.
وَاخْتَلَفَ الرَّأْيُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:
فَقَالَ خَلِيلٌ: لِلْمَرْأَةِ وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا. أَيِ الْكَفَاءَةِ.
وَقَالَ الدَّرْدِيرُ: لَهُمَا مَعًا تَرْكُهَا وَتَزْوِيجُهَا مِنْ فَاسِقٍ سِكِّيرٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْهُ، وَإِلاَّ رَدَّهُ الإِْمَامُ وَإِنْ رَضِيَتْ، لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ وَكَذَا تَزْوِيجُهَا مِنْ مَعِيبٍ، لَكِنَّ السَّلاَمَةَ مِنَ الْعُيُوبِ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِيهِ كَلاَمٌ.
وَقَالَ الدُّسُوقِيُّ: حَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ظَاهِرَ مَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ وَغَيْرُهُ وَاسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ رَحَّالٍ مَنْعُ تَزْوِيجِهَا مِنَ الْفَاسِقِ ابْتِدَاءً وَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلاَ لِلْوَلِيِّ الرِّضَا بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لأَِنَّ مُخَالَطَةَ الْفَاسِقِ مَمْنُوعَةٌ، وَهَجْرُهُ وَاجِبٌ شَرْعًا، فَكَيْفَ بِخُلْطَةِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ التَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ عِنْدَ الرِّضَا إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ.
وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: يُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً التَّزْوِيجُ مِنْ فَاسِقٍ إِلاَّ رِيبَةً تَنْشَأُ مِنْ عَدَمِ تَزْوِيجِهَا لَهُ، كَأَنْ خِيفَ زِنَاهُ بِهَا لَوْ لَمْ يَنْكِحْهَا، أَوْ يُسَلِّطُ فَاجِرًا عَلَيْهَا.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ - كَذَلِكَ - فِي حُكْمِ الْكَفَاءَةِ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُهَا فِي النِّكَاحِ أَوْ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا، وَهَلْ هِيَ - فِي حَالِ اعْتِبَارِهَا - شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ أَمْ فِي لُزُومِهِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي شَهَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ أَكْثَرِ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ وَالأَْصَحُّ كَمَا قَالَ فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّرْحِ، إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ تُعْتَبَرُ لِلُزُومِ النِّكَاحِ لاَ لِصِحَّتِهِ غَالِبًا، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ فَقْدِهَا؛ لأَِنَّهَا حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَلِلأَْوْلِيَاءِ، فَإِنْ رَضُوا بِإِسْقَاطِهَا فَلاَ اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ سِيرِينَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم زَوَّجَ بَنَاتِهِ وَلاَ أَحَدَ يُكَافِئُهُ، وَبِأَنَّهُ «صلى الله عليه وسلم أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلاَهُ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ»، وَزَوَّجَ صلى الله عليه وسلم زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ابْنَةَ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأَْسَدِيَّةَ وَبِأَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَوْلَى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَْنْصَارِ، وَبِأَنَّ الْكَفَاءَةَ لاَ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا حَقًّا لِلْمَرْأَةِ وَالأَْوْلِيَاءِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُهَا.
وَوَجْهُ اعْتِبَارِهَا عِنْدَهُمْ، أَنَّ انْتِظَامَ الْمَصَالِحِ يَكُونُ عَادَةً بَيْنَ الْمُتَكَافِئَيْنِ، وَالنِّكَاحُ شُرِعَ لاِنْتِظَامِهَا، وَلاَ تَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ بَيْنَ غَيْرِ الْمُتَكَافِئَيْنِ، فَالشَّرِيفَةُ تَأْبَى أَنْ تَكُونَ مُسْتَفْرَشَةً لِلْخَسِيسِ، وَتُعَيَّرُ بِذَلِكَ؛ وَلأَِنَّ النِّكَاحَ وُضِعَ لِتَأْسِيسِ الْقَرَابَاتِ الصِّهْرِيَّةِ، لِيَصِيرَ الْبَعِيدُ قَرِيبًا عَضُدًا وَسَاعِدًا، يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّكَ، وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْمُوَافَقَةِ وَالتَّقَارُبِ، وَلاَ مُقَارِبَةَ لِلنُّفُوسِ عِنْدَ مُبَاعَدَةِ الأَْنْسَابِ، وَالاِتِّصَافِ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعَقْدُهُ مَعَ غَيْرِ الْمُكَافِئِ قَرِيبُ الشَّبَهِ مِنْ عَقْدٍ لاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقَاصِدُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى عِنْدَهُمْ - وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ فَرْحُونَ وَابْنُ سَلْمُونٍ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا تَزَوَّجَ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْرَبُ الشَّرَابَ: مَا هُوَ بِكُفْءٍ لَهَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: لَوْ كَانَ الْمُتَزَوِّجُ حَائِكًا فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا، لِقَوْلِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه: لأََمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الأَْحْسَابِ إِلاَّ مِنَ الأَْكْفَاءِ.
وَلِقَوْلِ سَلْمَانَ رضي الله عنه: ثِنْتَانِ فَضَلْتُمُونَا بِهَا يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، لاَ نَنْكِحُ نِسَاءَكُمْ وَلاَ نَؤُمُّكُمْ،وَلأَِنَّ التَّزَوُّجَ مَعَ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ مَنْ يَحْدُثُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا.
وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَالْجَصَّاصُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ، وَقَالُوا: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي النِّكَاحِ أَصْلاً، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِ، قَالَ: وَكَانَ حَجَّامًا»، أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالتَّزْوِيجِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً لَمَا أَمَرَ، وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَِحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى»، وَبِأَنَّ الْكَفَاءَةَ لَوْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الشَّرْعِ لَكَانَ أَوْلَى الأَْبْوَابِ بِالاِعْتِبَارِ بِهَا بَابُ الدِّمَاءِ؛ لأَِنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ مَا لاَ يُحْتَاطُ فِي سَائِرِ الأَْبْوَابِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ تُعْتَبَرْ، حَتَّى يُقْتَلُ الشَّرِيفُ بِالْوَضِيعِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَمْ تُعْتَبَرْ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ، فَكَذَا فِي جَانِبِ الزَّوْجِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْكَفَاءَةَ وَإِنْ كَانَتْ لاَ تُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ غَالِبًا بَلْ لِكَوْنِهَا حَقًّا لِلْوَلِيِّ وَالْمَرْأَةِ إِلاَّ أَنَّهَا قَدْ تُعْتَبَرُ لِلصِّحَّةِ كَمَا فِي التَّزْوِيجِ بِالإِْجْبَارِ.
وَقْتُ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ تُعْتَبَرُ عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ مُسْتَوْفِيًا لِخِصَالِ الْكَفَاءَةِ ثُمَّ زَالَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ أَوِ اخْتَلَّتْ، فَإِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَبْطُلُ بِذَلِكَ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، فَلاَ يَضُرُّ زَوَالُهَا بَعْدَهُ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُهُ كُفُؤًا ثُمَّ زَالَتْ كَفَاءَتُهُ لَمْ يُفْسَخْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَبَّاغًا فَصَارَ تَاجِرًا، فَإِنْ بَقِيَ عَارُهَا لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا، وَإِنْ تَنَاسَى أَمْرُهَا لِتَقَادُمِ زَمَانِهَا كَانَ كُفُؤًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: الْعِبْرَةُ فِي خِصَالِ الْكَفَاءَةِ بِحَالَةِ الْعَقْدِ، نَعَمْ إِنْ تَرَكَ الْحِرْفَةَ الدَّنِيئَةَ قَبْلَهُ لاَ يُؤَثِّرُ إِلاَّ إِنْ مَضَتْ سَنَةٌ - كَمَا أَطْلَقَهُ جَمْعٌ - وَهُوَ وَاضِحٌ إِنْ تَلَبَّسَ بِغَيْرِهَا، بِحَيْثُ زَالَ عَنْهُ اسْمُهَا وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهَا أَصْلاً، وَإِلاَّ فَلاَ بُدَّ مِنْ مُضِيِّ زَمَنٍ يَقْطَعُ نِسْبَتَهَا عَنْهُ، بِحَيْثُ لاَ يُعَيَّرُ بِهَا، وَقَدْ بَحَثَ ابْنُ الْعِمَادِ وَالزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْفَاسِقَ إِذَا تَابَ لاَ يُكَافِئُ الْعَفِيفَةَ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ لاَ يَعُودُ كُفُؤًا، كَمَا لاَ تَعُودُ عِفَّتُهُ، وَبِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلرَّشِيدَةِ.
وَقَالُوا: إِنَّ طُرُوَّ الْحِرْفَةِ الدَّنِيئَةِ لاَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ. وَهُوَ الأَْوْجَهُ؛ لأَِنَّ الْخِيَارَ فِي النِّكَاحِ بَعْدَ صِحَّتِهِ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ بِالأَْسْبَابِ الْخَمْسَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي بَابِهِ، وَبِالْعِتْقِ تَحْتَ رَقِيقٍ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَوْ زَالَتِ الْكَفَاءَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلِلزَّوْجَةِ فَقَطِ الْفَسْخُ دُونَ أَوْلِيَائِهَا، كَعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ؛ وَلأَِنَّ حَقَّ الأَْوْلِيَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لاَ فِي اسْتِدَامَتِهِ
الْحَقُّ فِي الْكَفَاءَةِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَلِلأَْوْلِيَاءِ؛ لأَِنَّ لَهَا الْحَقَّ فِي أَنْ تَصُونَ نَفْسَهَا عَنْ ذُلِّ الاِسْتِفْرَاشِ لِمَنْ لاَ يُسَاوِيهَا فِي خِصَالِ الْكَفَاءَةِ، فَكَانَ لَهَا حَقٌّ فِي الْكَفَاءَةِ أَمَّا الأَْوْلِيَاءُ فَإِنَّهُمْ يَتَفَاخَرُونَ بِعُلُوِّ نَسَبِ الْخَتَنِ، وَيَتَعَيَّرُونَ بِدَنَاءَةِ نَسَبِهِ، فَيَتَضَرَّرُونَ بِذَلِكَ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الضَّرَرَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالاِعْتِرَاضِ عَلَى نِكَاحِ مَنْ لاَ تَتَوَافَرُ فِيهِ خِصَالُ الْكَفَاءَةِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ تَقْرِيرَ الْحَقِّ لَهُمْ فِي الْكَفَاءَةِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: الْكَفَاءَةُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَالْوَلِيُّ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً مُسْتَوِينَ فِي دَرَجَةٍ، فَلاَ بُدَّ مَعَ رِضَاهَا بِغَيْرِ الْكُفْءِ مِنْ رِضَا الأَْوْلِيَاءِ بِهِ، لاَ رِضَا أَحَدِهِمْ، فَإِنَّ رِضَا أَحَدِهِمْ لاَ يَكْفِي عَنْ رِضَا الْبَاقِينَ؛ لأَِنَّ لَهُمْ حَقًّا فِي الْكَفَاءَةِ فَاعْتُبِرَ رِضَاهُمْ بِتَرْكِهَا كَالْمَرْأَةِ، فَإِنْ تَفَاوَتَ الأَْوْلِيَاءُ، فَلِلْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ الْكُفْءِ بِرِضَاهَا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الأَْبْعَدِ الاِعْتِرَاضُ، فَلَوْ كَانَ الَّذِي يَلِي أَمْرَهَا السُّلْطَانُ، فَهَلْ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ الْكُفْءِ إِذَا طَلَبَتْهُ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلاَنِ أَوْ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ؛ لأَِنَّهُ كَالنَّائِبِ، فَلاَ يَتْرُكُ الْحَظَّ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْكَفَاءَةُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَالأَْوْلِيَاءِ كُلِّهِمْ، الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، حَتَّى مَنْ يَحْدُثُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِتَسَاوِيهِمْ فِي لُحُوقِ الْعَارِ بِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ.
خِصَالُ الْكَفَاءَةِ:
الْكَفَاءَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ لِدَفْعِ الْعَارِ وَالضِّرَارِ، وَخِصَالُهَا -أَيِ الصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهَا لِيُعْتَبَرَ فِي الزَّوْجِ مِثْلُهَا فِي الْجُمْلَةِ- هِيَ: الدِّينُ، وَالنَّسَبُ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحَسَبِ، وَالْحِرْفَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمَالُ، وَالتَّنَقِّي مِنَ الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ، لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى اعْتِبَارِهَا كُلِّهَا كَامِلَةً.
الدِّينُ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِنْ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ الدِّينَ، أَيِ الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُقَارَبَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي التَّدَيُّنِ بِشَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ، لاَ فِي مُجَرَّدِ أَصْلِ الإِْسْلاَمِ، وَلَهُمْ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ فَاسِقٍ، كَانَ لِلأَْوْلِيَاءِ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ؛ لأَِنَّ التَّفَاخُرَ بِالدِّينِ أَحَقُّ مِنَ التَّفَاخُرِ بِالنَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَالِ، وَالتَّعْيِيرُ بِالْفِسْقِ أَشَدُّ وُجُوهِ التَّعْيِيرِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لاَ تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ أُمُورِ الآْخِرَةِ، وَالْكَفَاءَةُ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَلاَ يَقْدَحُ فِيهَا الْفِسْقُ إِلاَّ إِذَا كَانَ شَيْئًا فَاحِشًا، بِأَنْ كَانَ الْفَاسِقُ مِمَّنْ يُسْخَرُ مِنْهُ وَيُضْحَكُ عَلَيْهِ وَيُصْفَعُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُهَابُ مِنْهُ، بِأَنْ كَانَ أَمِيرًا قَتَّالاً فَإِنَّهُ يَكُونُ كُفْئًا لأَِنَّ هَذَا الْفِسْقَ لاَ يُعَدُّ شَيْئًا فِي الْعَادَةِ، فَلاَ يَقْدَحُ فِي الْكَفَاءَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْفَاسِقَ إِنْ كَانَ مُعْلِنًا لاَ يَكُونُ كُفْئًا وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا يَكُونُ كُفْئًا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: الْمُرَادُ بِالدِّينِ الإِْسْلاَمُ مَعَ السَّلاَمَةِ مِنَ الْفِسْقِ، وَلاَ تُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الصَّلاَحِ، فَإِنْ فُقِدَ الدِّينُ وَكَانَ الزَّوْجُ فَاسِقًا فَلَيْسَ بِكُفْءٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مِنْ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ الدِّينُ وَالصَّلاَحُ وَالْكَفُّ عَمَّا لاَ يَحِلُّ، وَالْفَاسِقُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْعَفِيفَةِ، وَغَيْرُ الْفَاسِقِ - عَدْلاً كَانَ أَوْ مَسْتُورًا - كُفْءٌ لَهَا، وَلاَ تُعْتَبَرُ الشُّهْرَةُ بِالصَّلاَحِ، فَغَيْرُ الْمَشْهُورِ بِالصَّلاَحِ كُفْءٌ لِلْمَشْهُورَةِ بِهِ، وَالْفَاسِقُ كُفْءٌ لِلْفَاسِقَةِ مُطْلَقًا إِلاَّ إِنْ زَادَ فِسْقُهُ أَوِ اخْتَلَفَ نَوْعُهُ كَمَا بَحَثَهُ الإِْسْنَوِيُّ، وَالْمُبْتَدِعُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْعَفِيفَةِ أَوِ السُّنِّيَّةِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الدِّينُ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ، فَلاَ تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ عَنِ الزِّنَا بِفَاجِرٍ، أَيْ بِفَاسِقٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: لاَ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ مِنْ حَرُورِيٍّ قَدْ مَرَقَ مِنَ الدِّينِ، وَلاَ مِنَ الرَّافِضِيِّ وَلاَ مِنَ الْقَدَرِيِّ، فَإِنْ كَانَ لاَ يَدْعُو فَلاَ بَأْسَ، وَلاَ تُزَوَّجُ امْرَأَةٌ عَدْلٌ بِفَاسِقٍ كَشَارِبِ خَمْرٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ، سَكِرَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَكِرَ مِنْ خَمْرٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْمُسْكِرِ لَيْسَ بِكُفْءٍ، قَالَ إِسْحَاقُ إِذَا زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاسِقٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهُ.
النَّسَبُ:
مِنَ الْخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْكَفَاءَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ النَّسَبُ، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْحَنَابِلَةُ بِالْمَنْصِبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه: لأََمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الأَْحْسَابِ إِلاَّ مِنَ الأَْكْفَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ قُلْتُ: وَمَا الأَْكْفَاءُ؟ قَالَ: فِي الأَْحْسَابِ؛ وَلأَِنَّ الْعَرَبَ يَعْتَمِدُونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ وَيَتَفَاخَرُونَ بِرِفْعَةِ النَّسَبِ، وَيَأْنَفُونَ مِنْ نِكَاحِ الْمَوَالِي، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا وَعَارًا؛ وَلأَِنَّ الْعَرَبَ فَضَلَتِ الأُْمَمَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَالاِعْتِبَارُ فِي النَّسَبِ بِالآْبَاءِ؛ لأَِنَّ الْعَرَبَ تَفْتَخِرُ بِهِ فِيهِمْ دُونَ الأُْمَّهَاتِ، فَمَنِ انْتَسَبَتْ لِمَنْ تَشْرُفُ بِهِ لَمْ يُكَافِئْهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَالْعَجَمِيُّ أَبًا وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَرَبِيَّةً لَيْسَ كُفْءَ عَرَبِيَّةٍ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهَا عَجَمِيَّةً؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اصْطَفَى الْعَرَبَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَمَيَّزَهُمْ عَنْهُمْ بِفَضَائِلَ جَمَّةٍ، كَمَا صَحَّتْ بِهِ الأَْحَادِيثُ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ، قِيلَ لِمَالِكٍ: إِنَّ بَعْضَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ فَرَّقُوا بَيْنَ عَرَبِيَّةٍ وَمَوْلًى، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ إِعْظَامًا شَدِيدًا وَقَالَ: أَهْلُ الإِْسْلاَمِ كُلُّهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّنْزِيلِ: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍوَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)،وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: لاَ تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ فِي النَّسَبِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ سَوَاسِيَةٌ بِالْحَدِيثِقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَِحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى»وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)،وَلِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِاعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلٌ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ، قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ، وَرَجُلٌ بِرَجُلٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ، قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ، وَرَجُلٌ بِرَجُلٍ إِلاَّ حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ».
وَقَالُوا: الْقُرَشِيُّ كُفْءٌ لِلْقُرَشِيَّةِ عَلَى اخْتِلاَفِ الْقَبِيلَةِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِيمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي الْكَفَاءَةِ، فَالْقُرَشِيُّ الَّذِي لَيْسَ بِهَاشِمِيٍّ كَالتَّيْمِيِّ وَالأُْمَوِيِّ، وَالْعَدَوِيُّ كُفْءٌ لِلْهَاشِمِيَّةِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ» وَقُرَيْشٌ تَشْتَمِلُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَإِنْ كَانَ لِبَنِي هَاشِمٍ مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ، لَكِنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ مَا عَرَفْنَا ذَلِكَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَلأَِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ مِنْ عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنه، وَكَانَ أُمَوِيًّا لاَ هَاشِمِيًّا»، وَزَوَّجَ عَلِيٌّ رضي الله عنه ابْنَتَهُ مِنْ عُمَرَ رضي الله عنه وَلَمْ يَكُنْ هَاشِمِيًّا بَلْ عَدَوِيًّا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي قُرَيْشٍ لاَ تَخْتَصُّ بِبَطْنٍ دُونَ بَطْنٍ.
وَاسْتَثْنَى مُحَمَّدٌ بَيْتَ الْخِلاَفَةِ، فَلَمْ يَجْعَلَ الْقُرَشِيَّ الَّذِي لَيْسَ بِهَاشِمِيٍّ كُفْئًا لَهُ، فَلَوْ تَزَوَّجَتْ قُرَشِيَّةٌ مِنْ أَوْلاَدِ الْخُلَفَاءِ قُرَشِيًّا لَيْسَ مِنْ أَوْلاَدِهِمْ، كَانَ لِلأَْوْلِيَاءِ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ بِالنَّصِّ، وَلاَ تَكُونُ الْعَرَبُ كُفْئًا لِقُرَيْشٍ؛ لِفَضِيلَةِ قُرَيْشٍ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ وَلِذَلِكَ اخْتُصَّتِ الإِْمَامَةُ بِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الأَْئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ».
وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ بِالنَّصِّ، وَلاَ تَكُونُ الْمَوَالِي أَكْفَاءً لِلْعَرَبِ، لِفَضْلِ الْعَرَبِ عَلَى الْعَجَمِ، وَمَوَالِي الْعَرَبِ أَكْفَاءٌ لِمَوَالِي قُرَيْشٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ رَجُلٌ بِرَجُلٍ» وَمُفَاخَرَةُ الْعَجَمِ بِالإِْسْلاَمِ لاَ بِالنَّسَبِ، فَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الإِْسْلاَمِ فَصَاعِدًا فَهُوَ مِنَ الأَْكْفَاءِ لِمَنْ لَهُ آبَاءٌ فِيهِ، وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الإِْسْلاَمِ لاَ يَكُونُ كُفْئًا لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ تَمَامَ النَّسَبِ بِالأَْبِ وَالْجَدِّ، وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ لاَ يَكُونُ كُفْئًا لِمَنْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الإِْسْلاَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: غَيْرُ الْقُرَشِيِّ مِنَ الْعَرَبِ لَيْسَ كُفْءَ الْقُرَشِيَّةِ، لِخَبَرِ: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تَقَدَّمُوهَا»وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَلَيْسَ غَيْرُ الْهَاشِمِيِّ وَالْمُطَّلِبِيِّ مِنْ قُرَيْشٍ كُفْئًا لِلْهَاشِمِيَّةِ أَوِ الْمُطَّلِبِيَّةِ، لِخَبَرِ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»وَالْمُطَّلِبِيُّ كُفْءُ الْهَاشِمِيَّةِ وَعَكْسُهُ، لِحَدِيثِ: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ»فَهُمَا مُتَكَافِئَانِ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ شَرِيفَةً، أَمَّا الشَّرِيفَةُ فَلاَ يُكَافِئُهَا إِلاَّ شَرِيفٌ، وَالشَّرَفُ مُخْتَصٌّ بِأَوْلاَدِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رضي الله تعالى عنهما وَعَنْ أَبَوَيْهِمَا. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ ظَهِيرَةَ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي الْحُرَّةِ، فَلَوْ نَكَحَ هَاشِمِيٌّ أَوْ مُطَّلِبِيٌّ أَمَةً فَأَتَتْ مِنْهُ بِبِنْتٍ فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لِمَالِكِ أُمِّهَا، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ رَقِيقٍ وَدَنِيءِ النَّسَبِ، لأَِنَّ وَصْمَةَ الرِّقِّ الثَّابِتِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ أَلْغَتِ اعْتِبَارَ كُلِّ كَمَالٍ مَعَهُ، مَعَ كَوْنِ الْحَقِّ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النَّسَبِ لِسَيِّدِهَا لاَ لَهَا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ.
أَمَّا غَيْرُ قُرَيْشٍ مِنَ الْعَرَبِ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ. نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَقَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ إِنَّهُ مُقْتَضَى كَلاَمِ الأَْكْثَرِينَ.
وَقَالُوا: الأَْصَحُّ اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي الْعَجَمِ كَالْعَرَبِ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ، فَالْفُرْسُ أَفْضَلُ مِنَ الْقِبْطِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسٍ»،وَبَنُو إِسْرَائِيلَ أَفْضَلُ مِنَ الْقِبْطِ، وَمُقَابِلُ الأَْصَحِّ: أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ النَّسَبُ فِي الْعَجَمِ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَنُونَ بِحِفْظِ الأَْنْسَابِ وَلاَ يُدَوِّنُونَهَا بِخِلاَفِ الْعَرَبِ، وَالاِعْتِبَارُ فِي النَّسَبِ بِالأَْبِ، وَلاَ يُكَافِئُ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَجْدَادِهِ الأَْقْرَبِينَ أَقْدَمَ مِنْهُ فِي الإِْسْلاَمِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ كُفْءَ مَنْ لَهَا أَبٌ أَوْ أَكْثَرُ فِي الإِْسْلاَمِ، وَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الإِْسْلاَمِ لَيْسَ كُفْءَ مَنْ لَهَا ثَلاَثَةُ آبَاءٍ فِيهِ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ غَيْرَ قُرَيْشٍ مِنَ الْعَرَبِ لاَ يُكَافِئُهَا، وَغَيْرُ بَنِي هَاشِمٍ لاَ يُكَافِئُهُمْ، لِحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»، وَلأَِنَّ الْعَرَبَ فُضِّلَتْ عَلَى الأُْمَمِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقُرَيْشٌ أَخَصُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ أَخَصُّ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لاَ نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ عَلَيْنَا لِمَكَانِكَ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَرَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَالْعَجَمَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ؛ لأَِنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ عُثْمَانَ»، وَزَوَّجَ عَلِيٌّ عُمَرَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ رضي الله تعالى عنهم.
وَالْكَفَاءَةُ فِي النَّسَبِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
الْحُرِّيَّةُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ، فَلاَ يَكُونُ الْقِنُّ أَوِ الْمُبَعَّضُ أَوِ الْمُدَبَّرُ أَوِ الْمُكَاتَبُ كُفْئًا لِلْحُرَّةِ وَلَوْ عَتِيقَةً؛ لأَِنَّهَا تَتَعَيَّرُ بِهِ، إِذِ النَّقْصُ وَالشَّيْنُ بِالرِّقِّ فَوْقَ النَّقْصِ وَالشَّيْنِ بِدَنَاءَةِ النَّسَبِ؛ وَلأَِنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِنِكَاحِهِ لأَِنَّهُ يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ، وَلاَ يُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ، غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ، مَشْغُولٌ عَنِ امْرَأَتِهِ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ، وَمِلْكُ السَّيِّدِ رَقَبَتَهُ يُشْبِهُ مِلْكَ الْبَهِيمَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ «بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم»، وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَاوَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي كَفَاءَةِ الْعَبْدِ لِلْحُرَّةِ أَوْ عَدَمِهَا فِي تَأَوُّلَيْنِ.
فَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ نِكَاحَ الْعَبْدِ عَرَبِيَّةً، وَقَالَ عَبْدُ الْبَاقِي: إِنَّهُ الأَْحْسَنُ وَرَجَّحَ الدَّرْدِيرُ عَدَمَ كَفَاءَةِ الْعَبْدِ لِلْحُرَّةِ، وَقَالَ الدُّسُوقِيُّ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ.
تَقَابُلُ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ:
نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ لاَ يُقَابَلُ بِبَعْضٍ فِي الأَْصَحِّ، فَلاَ تُجْبَرُ نَقِيصَةٌ بِفَضِيلَةٍ، أَيْ لاَ تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ رَقِيقَةٌ بِفَاسِقٍ حُرٍّ، وَلاَ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ دَنِيئَةٌ بِمَعِيبٍ نَسِيبٍ. لِمَا بِالزَّوْجِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ النَّقْصِ الْمَانِعِ مِنَ الْكَفَاءَةِ، وَلاَ يَنْجَبِرُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَضِيلَةِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا.
وَمُقَابِلُ الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ أَنَّ دَنَاءَةَ نَسَبِ الزَّوْجِ تَنْجَبِرُ بِعِفَّتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَأَنَّ الأَْمَةَ الْعَرَبِيَّةَ يُقَابِلُهَا الْحُرُّ الْعَجَمِيُّ.
وَفَصَّلَ الإِْمَامُ فَقَالَ: السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ لاَ تُقَابَلُ بِسَائِرِ فَضَائِلِ الزَّوْجِ، وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ، وَكَذَا النَّسَبُ، وَفِي انْجِبَارِ دَنَاءَةِ نَسَبِهِ بِعِفَّتِهِ الظَّاهِرَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، قَالَ: وَالتَّنَقِّي مِنَ الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ يُقَابِلُهُ الصَّلاَحُ وِفَاقًا، وَالصَّلاَحُ إِنِ اعْتَبَرْنَاهُ يُقَابَلُ بِكُلِّ خَصْلَةٍ، وَالأَْمَةُ الْعَرَبِيَّةُ بِالْحُرِّ الْعَجَمِيِّ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الزَّوْجُ ذَا جَاهٍ كَالسُّلْطَانِ وَالْعَالِمِ وَلَمْ يَمْلِكْ إِلاَّ النَّفَقَةَ، قِيلَ: يَكُونُ كُفْئًا لأَِنَّ الْخَلَلَ يَنْجَبِرُ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: الْفَقِيهُ الْعَجَمِيُّ كُفْءٌ لِلْعَرَبِيِّ الْجَاهِلِ، وَقَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ شَرَفَ النَّسَبِ أَوِ الْعِلْمِ يَجْبُرُ نَقْصَ الْحِرْفَةِ، بَلْ يَفُوقُ سَائِرَ الْحَرْفِ.