يرفض القاضى إصدار الأمر إذا رأي :
يرفض القاضى إصدار الأمر إذا رأي :
(أولاً) أنه لا يمكن الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها أو بدون تحقيق أو مرافعة .
(ثانياً) أن الواقعة نظرا لسوابق المتهم أو لأي سبب آخر ، تستوجب توقيع عقوبة أشد من الغرامة التي يجوز صدور الأمر بها .
ويصدر القاضى قراره بالرفض بتأشيرة على الطلب الكتابي المقدم له ، ولا يجوز الطعن في هذا القرار .
ويترتب على قرار الرفض وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية .
الأوامر الجنائية
المواد 338 - 346 ( أصبحت المواد 323 - 328 من القانون )
تبين هذه المواد أحكام الأوامر الجنائية وهي مطابقة بصفة عامة لأحكام القانون القائم بشأنها مع التعديلات الآتية : ( أولاً ) جاء في المادة الأولى من القانون القائم ( الملغي ) أن من بين الجرائم التي يجوز للنيابة العمومية استصدار أمر جنائي التي تعين برسوم ( أنظر خامساً من المادة المذكورة ) وهذا يؤدى الى جواز تعديل نصوص القانون العقوبات بمرسوم مع تعديل أي قانون يجب أن يكون بقانون مثله ولذلك حذفت الفقرة المذكورة من المشروع .
( ثانياً ) اكتفى من المشروع بصدد الجنح الواردة بالأوامر العالية والقوانين الخاصة السابقة على هذا القانون أي قانون الإجراءات الجنائية بالنص على جواز استصدار مرسوم بتعيين الجنح المذكورة ولم تعين تلك الأوامر والقوانين الخاصة بملحق كما فعل ذلك القانون القائم لتعذر ذلك في قانون شامل كقانون الإجراءات الجنائية .
( ثالثاً ) فرق القانون القائم ( الملغي ) في الفقرة (ب) من المادة السابعة منه في صدر عدم حضور المعارض في الجلسة بين حالتين حالة إذا ما كان الأمر الجنائي صادراً بالغرامة والمصاريف فقط وحالة ما إذا كان مشتملاً على غير ذلك من العقوبات ففي الأولى يعتبر الحكم غير قابل للطعن وفي الحالة الثانية يعتبر قابلاً للطعن بطريق الاستئناف مع أن عدم حضور المعارض في الجلسة يفيد أنه تنازل عن المعارضة كما جاء في الفقرة المتقدمة والتنازل عن المعارضة لا يختلف عن عدم حصول المعارضة في شئ وقد نص القانون القائم ( الملغى ) في الفقرة (ج) من المادة المذكورة على أنه إذا لم يعارض المتهم أصبح الأمر بالنسبة إليه بمثابة حكم قابل للطعن فيه ومن أجل ذلك سوى المشروع بين الحالتين فإذا أدعى المعارض أن مانعاً قهرياً منعه من حضور الجلسة المعارضة كان له أن يرفع الأمر إلى القاضي الذي أصدره مما ينتفي معه كل حرج - مادة 342 - ( أصبحت م 326 من القانون وعدلت ) .
( تعليمات النيابة العامة من كتاب المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثالث )
مادة 967 :
يجوز للقاضي أن يرفض إصدار الأمر الجنائي إذا رأى أنه لا يمكن الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها . أو بدون تحقيق أو مرافعة وكذلك إذا رأى أن الواقعة نظرا لسوابق المتهم أو لأي سبب آخر تستوجب عقوبة أشد من الغرامة التي لا يجوز صدور الأمر بها
مادة 968 :
يجوز للنيابة أن تطعن في قرار القاضي برفض إصدار الأمر الجنائي ، ويجب في هذه الحالة تقديم القضية إلى المحكمة الجزئية المختصة بالطرق العادية للحكم فيها .
مادة 969 :
يجرى التأشير في الجدول أمام القضايا التي تطلب النيابة إستصدار أمر جنائي فيها من القاضي، ويتم قيدها بدفتر يومية الأوامر الصادرة من القاضي، وعرض القضايا والتأشير بالأوامر الصادرة فيها أو بقرارات الرفض وتحرير نماذج الأوامر والكشوف بها، طبقاً لأحكام المبنية بالمادتين (578، 579) من التعليمات الكتابية والمالية والإدارية الصادرة عام 1979 .
إذا قدمت النيابة العامة أوراق الدعوى العمومية إلى القاضى الجزئى ليصدر أمراً جنائياً بمعاقبة المتهم فرفض ، فإن هذا الرفض ليس من شأنه ولا يصح أن يكون من شأنه أن يمنع النيابة العمومية من تقديم الدعوى إلى المحكمة للسير فيها ضد المتهم بالطريق العادى .
( نقض 25 / 3 / 1946 مجموعة القواعد القانونية ج 7 ق 122 ص 114 )
حالتا رفض إصدار الأمر الجنائي : نصت المادة 325 من قانون الإجراءات الجنائية على أن «يرفض القاضي إصدار الأمر إذا رأى : (أولاً) أنه لا يمكن الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها، أو بدون تحقيق أو مرافعة. (ثانياً) أو أن الواقعة نظرا لسوابق المتهم، أو لأي سبب آخر تستوجب توقيع عقوبة أشد من الغرامة التي يجوز صدور الأمر بها».
ويعني ذلك أن القاضي يرفض إصدار الأمر الجنائي في حالتين : الأولى، إذا قدر أن الدعوى - بالنظر إلى وقائعها وظروفها - لا يمكن الفصل فيها عن طريق نظام الأمر الجنائي، أي أن استجلاء الحقيقة في شأنها يقتضي إجراءات المحاكمة المعتادة، أما الحالة الثانية، فتفترض تقدير القاضي أن الجريمة المسندة إلى المتهم تقتضي - عدالة - عقوبة تزيد على العقوبة التي يجوز أن يصدر بها الأمر الجنائي، وهي الغرامة .
والحالة الأولى نطاقها متسع جداً ، وسلطة القاضي في تقديرها متسعة كذلك: فتشمل كل وضع يقدر القاضي فيه أنه لا يستطيع أن يستجلي الحقيقة الواقعية والقانونية في شأن الدعوى بغير تحقيق نهائي يجري أمامه ويتضمن المرافعات، ويتاح فيه للمتهم إبداء أوجه دفاعه، وفي تعبير آخر، تشمل هذه الحالة كل وضع يرى فيه القاضي أن بيانات الطلب ومحضر الاستدلال وأدلة الإثبات التي أرفقت به لا تكفي لإمداده بعناصر الفصل في الدعوى، وتشمل هذه الحالة كذلك كل وضع كانت المحكمة تقضي فيه بعدم قبول الدعوى لو رفعت إليها بالإجراءات المعتادة، كما لو تبين أن الدعوى قد انقضت بالتقادم أو كان قد سبق الفصل فيها .
أما الحالة الثانية، فتفترض تقدير القاضي إمكان الفصل في الدعوى عن طريق نظام الأمر الجنائي، وتقديره ثبوت الواقعة، وتوافر أركان الجريمة، واستحقاق العقوبة بناء على ذلك ، ولكنه يرى أن العقوبة التي يستطيع أن يقضي بها في الأمر الجنائي، وهي الغرامة، ليست كافية لتكون جزاء لمسئولية المتهم، إذ يقدر استحقاقه عقوبة أشد، فيرفض إصدار الأمر الجنائي لكي يحاكم المتهم وفقاً للإجراءات المعتادة، فيمكن الحكم عليه بالعقوبة الأشد التي يستحقها .
وحالتا رفض إصدار الأمر الجنائي وجوبيتان : فإذا توافرت إحداهما التزم القاضي برفض إصدار الأمر، ولم تكن له في ذلك سلطة تقديرية .
شكل الرفض :
نصت المادة 325 من قانون الإجراءات الجنائية في فقرتها الرابعة على أن «يصدر القاضي قراره بالرفض بتأشيرة على الطلب الكتابي المقدم له، ولا يجوز الطعن في هذا القرار». ويعني ذلك أن الرفض يأخذ شكل مجرد التأشيرة على الطلب، ولم يتطلب القانون صياغة هذه التأشيرة في ألفاظ معينة، ولم يشترط تسبیب الرفض ولا يجوز الطعن في قرار الرفض، ولكن إذا رفعت الدعوى بعد ذلك بالإجراءات المعتادة جاز الطعن في الحكم الذي يصدر فيها تطبيقاً للقواعد العامة .
أثر الرفض :
نصت المادة 325 من قانون الإجراءات الجنائية في فقرتها الأخيرة على أنه «يترتب على قرار الرفض وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية». ويعني ذلك أن النيابة العامة تلتزم بعد صدور قرار الرفض بأن تسير في إجراءات الدعوى وفقاً للقواعد العامة فيتعين عليها أن ترفعها إلى المحكمة المختصة وفق الإجراءات المعتادة لتنظر فيها طبقاً للقواعد العامة، أي وفق إجراءات محاكمة عادية، ولكن يجوز للنيابة أن تتخذ إجراءات تحقيق قبل إقامتها الدعوى ومؤدى ذلك أنه يمتنع على النيابة بعد صدور قرار الرفض أن تعود فتطلب إصدار أمر جنائي .
ولكن هل يمتنع على النيابة العامة بعد صدور قرار الرفض أن تأمر بحفظ الأوراق أو بأن لا وجه لإقامة الدعوى فسر بعض الفقهاء تعبیر الشارع «بوجوب السير في الدعوى بالطرق العادية» بأنه التزام برفع الدعوى إلى المحكمة المختصة ولكن قد يتبين للنيابة بعد قرار الرفض أن أحد أركان الجريمة غير متوافر أو أن أحد المفترضات الإجرائية غير متوافر، كما لو ثبت لها أن الدعوى قد انقضت بالتقادم قبل طلب الأمر، أو كان قد سبق الفصل فيها، فهل يمكن مع ذلك إلزام النيابة برفع الدعوى إلى المحكمة المختصة؟ نرى أن تعبير «وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية» يعني أن تعود الدعوى إلى النيابة لتمارس في شأنها سلطاتها التي تقررها لها القواعد العامة في القانون، عدا طلبها الأمر الجنائي الذي يمثل تصرفاُ لا تفترضه القواعد العامة، ومن ثم كان لها الحفظ والأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة : 1162 )
سلطة القاضي في البت في طلب إصدار الأمر الجنائي :
يملك القاضي عند طلب إصدار الأمر الجنائي إما الموافقة على هذا الطلب فيصدر الأمر، وإما رفض الطلب ورفض إصدار الأمر، وفي الحالتين يصدر قراره بناء على اطلاعه على الأوراق بحالتها دون تحقيق كما بينا، ويكون ذلك على الوجه الآتي :
إصدار الأمر الجنائي :
1- في الدعوى الجنائية :
يصدر الأمر الجنائي إما بالإدانة أو بالبراءة، فإذا كان الأمر بالإدانة، لا يقضي في الأمر الجنائي بغير الغرامة كعقوبة أصلية في الحدود التي سمح بها القانون دون حد أقصى، هذا بالإضافة إلى العقوبات التكميلية التي نص عليها القانون سواء بصفة جوازية أو وجوبية، كالمصادرة والإزالة والغلق، علاوة على ما يجب رده والمصاريف القضائية، ويجوز للقاضي أن يقضي بوقف تنفيذ العقوبة إذا رأى من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون (المادة 55 عقوبات). ويبني القاضي هذا الاعتقاد على ما يراه في أوراق الدعوى بحالتها دون تحقيق .
ولا يجوز للنيابة العامة بعد تقديم طلب الأمر الجنائي أن تجري تحقيقات تكميلية وتقدم المحضر إلى المحكمة طبقاً للمادة 214 مكرراً إجراءات، لأن هذه السلطة قاصرة على حالة صدور الأمر بالإحالة، وكل ما للنيابة العامة في هذه الحالة أن تطلب رفض إصدار الأمر الذي طلبته من قبل لكي تسترد سلطتها على الدعوى الجنائية .
وقد يصدر الأمر الجنائي بالبراءة، سواء لأن الواقعة غير ثابتة من ظاهر الأوراق أو كان القانون لا يعاقب عليها بفرض ثبوتها (المادة 304 إجراءات) .
وقد أكدت المادة 324 إجراءات المعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 والمستبدلة بموجب القانون رقم 74 لسنة 2007 - هذه الرخصة للقاضي بما يتفق مع الأصل في المتهم البراءة .
ولم يكن القانون قبل التعديل الرابع الذي أتى به القانون رقم 174 لسنة 1998 يسمح للقاضي بإصدار الأمر الجنائي بالبراءة، وكان لا مناص من أن يرفض القاضي إصدار الأمر الجنائي إذا رأى براءة المتهم، أما الأن فإنه يملك الحكم البراءة وليس مجرد رفض إصدار الأمر، وهو انتصار للأصل العام في المتهم وهو البراءة وانتصار أيضاً لوظيفة القضاء في إقرار العدل وفقاً للقانون .
2- الدعوى المدنية التبعية :
إذا ادعى من لحقه ضرر من الجريمة مدنياً في الشكوى التي يقدمها إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي طبقاً للمادة 27/ 1 إجراءات، أو في أثناء التحقيق طبقاً للمادتين 76 و 199 مكرراً إجراءات، وعرضت الأوراق على القاضي لإصدار أمر جنائي منطوياً على هذا الادعاء المدني، فعلى القاضي أن يفصل فيه سواء بالحكم بالتعويض أو برفض إصدار الأمر في خصوص هذه الدعوى، وفي صدد التعويض يكون للقاضي سلطة إصدار الأمر بشأن مبلغ التعويض غير مقيد بطلبات المدعي المدني .
ولا يجوز للنيابة العامة إدخال المسئولين عن الحقوق المدنية طبقاً للمادة 253/ 2 إجراءات، كما لا يجوز للمسئول عن الحقوق المدنية أن يدخل من تلقاء نفسه عند طلب إصدار أمر جنائي بالتعويضات طبقاً للمادة 254 إجراءات، فمجال ذلك فقط عندما ترفع الدعوى أمام المحكمة، ومما يؤكد عدم جواز صدور أمر جنائي ضد المسئول عن الحقوق المدنية أن القانون لم ينص على إعلانه بالأمر الجنائي في المادة 326 إجراءات. كما لا يجوز إصدار الأمر الجنائي بالتعويضات قبل المؤمن لديه طبقاً للمادة 258 مكرراً إجراءات، لأن مجال رفع الدعوى المدنية قبل المؤمن لديه لتعويض الضرر الناشئ عن الجريمة أمام المحكمة جاء على سبيل الاستثناء، فيجب الالتزام بحدوده وعدم الحكم به إلا وفقاً للقواعد العامة، بالإضافة إلى أن القانون لم ينص على إصدار هذا النوع من الأوامر الجنائية أسوة بالمسئول عن الحقوق المدنية .
رفض إصدار الأمر الجنائي :
نص القانون في المادة 325 إجراءات على رفض إصدار الأمر في حالتين :
أولاهما : أن يرى القاضي أنه لا يمكنه الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها أو بدون تحقيق أو مرافعة. وهذه الحالة تؤسس الرفض على مبدأ إصدار الأمر حين يتعذر على القاضي إصداره بناء على الأوراق المعروضة عليه بحالتها، كما إذا رأى وجوب تحقيق الدعوى بما فيه تحقيق دفاع المتهم، وهذه الحالة تصلح سبباً لرفض إصدار الأمر في كل من الدعويين الجنائية والمدنية التبعية .
وثانيهما : حين تستوجب الواقعة - نظرا لسوابق المتهم أو لأي سبب آخر - توقيع عقوبة أشد من الغرامة التي يجوز صدور الأمر بها، وهذه الحالة تتعلق بتفريد العقوبة من خلال تشديدها، وتصلح فقط للدعوى الجنائية دون الدعوى المدنية التبعية، ولكن يلاحظ أن القانون أجاز تفريد العقوبة من خلال وقف التنفيذ في الأمر الجنائي، وذلك من واقع الأوراق نفسها بحالتها .
إجراء الرفض :
يكون رفض إصدار الأمر الجنائي بتأشير القاضي على الطلب الكتابي المقدم له (المادة 325/ 2 إجراءات). ولا يشترط وجوباً أن يسبب القاضي تأشيرته في أي من حالتي الرفض .
وإذا رفض القاضي إصدار الأمر الجنائي فلا يجوز أن يأمر به في الدعوى المدنية التبعية، حيث يشمل الرفض الدعويين معاً .
أثر الرفض :
يترتب على رفض إصدار الأمر الجنائي أثران، أحدهما عدم جواز الطعن في قرار الرفض، والآخر وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية، فالرفض لا يتمشى مع أسلوب الإجراءات المبسطة للدعوى الجنائية، ولا يعني براءة المتهم أو رفض الدعوى المدنية . فبعد الرفض تسترد النيابة العامة حريتها في التصرف في الدعوى الجنائية، فيكون لها أن تكلف المتهم بالحضور أمام محكمة الجنح، ولها أن تأمر بحفظ الأوراق إن لم تكن قد أجرت من قبل تحقيقاً في الدعوى، كما يكون لها أن تأمر بألا وجه لإقامة الدعوى إذا كانت قد أجرت فيها تحقيقاً مسبقاً أو أن تحيلها إلى المحكمة المختصة . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 369 )
رفض إصدار الأمر :
القاضي بدلاً من أن يصدر الأمر الجنائي الذي طلبته منه النيابة العامة إما بالإدانة أو بالبراءة أن يرفض إصدار هذا الأمر، وذلك في حالتين نصت عليهما المادة محل التعليق .
الأولى : إذا رأى القاضي أنه لا يمكن الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها، أي أن الأوراق المعروضة عليه وحدها غير كافية لإيضاح الموقف ويحتاج الأمر لإجراء تحقيق أو سماع مرافعة، فقد يرى القاضي ضرورة استيفاء التحقيق بسؤال شاهد معين أو بسؤال المتهم نفسه، حينئذٍ للقاضي أن يرفض إصدار الأمر .
الثانية : إذا رأى القاضي أن الواقعة تستحق المعاقبة عليها بعقوبة أشد من عقوبة الغرامة المسموح بها في الأمر الجنائي، وقد يرجع ذلك إلى جسامة الواقعة بالنظر إلى ظروف ارتكابها، أو بالنظر إلى المتهم نفسه كما لو كان عائداً إلى الإجرام .
وحالتا رفض إصدار الأمر الجنائي وجوبيتان : فإذا توافرت أحدهما التزام القاضي برفض إصدار الأمر، ولم تكن في ذلك سلطة تقديرية .
شكل الرفض :
نصت المادة محل التعليق في فقرتها الرابعة على أن "يصدر القاضي قراره بالرفض بتأشيرة على الطلب الكتابي المقدم له ولا يجوز الطعن في هذا القرار". ويعني ذلك أن الرفض يأخذ شكل مجرد التأشيرة على الطلب، ولم يتطلب القانون صياغة هذه التأشيرة في ألفاظ معينة، ولم يشترط تسبيب الرفض، ولا يجوز الطعن في قرار الرفض، ولكن إذا رفعت الدعوى بعد ذلك بالإجراءات المعتادة جاز الطعن في الحكم الذي يصدر فيها تطبيقاً للقواعد العامة .
أثر الرفض :
نصت المادة محل التعليق في فقرتها الأخيرة على أنه " يترتب على قرار الرفض وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية " ويعني ذلك أن النيابة العامة تلتزم بعد صدور قرار الرفض بأن تسير في إجراءات الدعوى وفقاً للقواعد العامة، فيتعين عليها أن ترفعها إلى المحكمة المختصة وفق الإجراءات المعتادة لتنظر فيها طبقاً للقواعد العامة، أي وفق إجراءات محاكمة عادية، ولكن يجوز للنيابة أن تتخذ إجراءات تحقیق قبل إقامتها للدعوى، ومؤدى ذلك أنه يمتنع علی النيابة بعد صدور قرار الرفض أن تعود فتطلب إصدار أمر جنائي .
ولكن هل يمتنع على النيابة العامة بعد صدور قرار الرفض أن تأمر بحفظ الأوراق أو بأن لا وجه لإقامة الدعوى ؟ فسر بعض الفقهاء تعبير المشرع "بوجوب السير في الدعوى بالطرق العادية " بأنه التزام برفع الدعوى إلى المحكمة المختصة، ولكن قد يتبين للنيابة بعد قرار الرفض أن أحد أركان الجريمة غير متوافر أو أن أحد المفترضات الإجرائية غير متوافر، كما لم ثبت لها أن الدعوى قد انقضت بالتقادم قبل طلب الأمر أو كان قد سبق الفصل فيها، فهل يمكن مع ذلك إلزام النيابة برفع الدعوى إلى المحكمة المختصة ؟ نرى أن تعبير "وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية" تعود الدعوى إلى النيابة لتمارس في شأنها سلطتها التي تقررها لها القواعد العامة في القانون، عدا طلبها الأمر الجنائي الذي يمثل تصرفاً لا تفترضه القواعد العامة، ومن ثم كان لها الحفظ والأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 479 )
رفض إصدار الأمر :
توجب المادة (325) إجراءات جنائية محل التعليق على القاضي أن يرفض إصدار الأمر في حالتين :
الأولى : إذا رأى أنه لا يمكن الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها أو بدون تحقيق أو مرافعة .
الثانية : إذا رأى أن الواقعة بالنظر إلى سوابق المتهم أو إلى أي سبب آخر تستوجب توقيع عقوبة أشد من الغرامة التي يجوز له أن يأمر بها وعلى الرغم من إقتصار النص على ذكر هاتين الحالتين فالراجح أن المشرع لم ينصرف قصده إلى استقصاء حالات الرفض وإنما كان قصده تقرير حكم خاص لحالتين لو عرضت أي منهما للقاضي وهو ينظر في دعوى مرفوعة إليه وفقاً للإجراءات المعتادة ما حالت بينه وبين المعنى في نظر الدعوى والحكم فيها، ولهذا فإنه يتعين على القاضي أن يرفض إصدار الأمر الجنائي في كل حالة من شأنها قانوناً أن تحول بينه وبين توقيع العقوبة على المتهم سواء كان الأمر فيها متعلقاً بشكل الدعوى أو بالقانون الموضوعي أو بتقدير الأدلة .
ويصدر القاضي قراره بالرفض بتأشيرة على الطلب الكتابي المقدم له والراجح أيضاً أنه لا يلتزم بتسبيب قرار الرفض لأن المادة (325) لم توجب ذلك من جهة ولأنها من جهة أخرى نصت على عدم جواز الطعن في قرار الرفض .
أثر الرفض:
نصت المادة (325 ) من قانون الإجراءات الجنائية في فقرتها الأخيرة على أنه «يترتب على قرار الرفض وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية» ويعني ذلك أن النيابة العامة تلتزم بعد صدور قرار الرفض بأن تسير في إجراءات الدعوى وفقاً للقواعد العامة فيتعين عليها أن ترفعها إلى المحكمة المختصة وفق الإجراءات المعتادة لتنظر فيها وفقاً للقواعد العامة أي وفق إجراءات محاكمة عادية ولكن يجوز للنيابة أن تتخذ إجراءات تحقيق قبل إقامتها الدعوى فذلك من سلطة النيابة العامة إذ قد تقرر أن عناصر الدعوى في حاجة إلى التوضيح قبل أن ترفع الدعوى إلى المحكمة المختصة .
ويلاحظ أنه يمتنع على النيابة بعد صدور قرار الرفض أن تعود فتطلب إصدار أمر جنائي .
ويلاحظ أيضاً أن تعبير «وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية» يعني أن تعود الدعوى إلى النيابة لتمارس في شأنها سلطاتها التي تقررها لها القواعد العامة في القانون عدا طلبها الأمر الجنائي الذي يمثل تصرفاً لا تفترضه القواعد العامة، ومن ثم كان لها حفظ الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، وفي ذلك قضت محكمة النقض بأنه إذا قدمت النيابة أوراق الدعوى إلى القاضي الجزئي ليصدر أمراً جنائياً فيها بمعاقبة المتهم فرفض، فإن هذا الرفض ليس من شأنه ولا يصح أن يكون من شأنه أن يمنع النيابة العامة من تقديم الدعوى إلى المحكمة للسير فيها ضد المتهم بالطرق العادية .
نقض جلسة 25/ 3/ 1946 مجموعة القواعد القانونية ج 1 ص 280 ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 334 )
رفض إصدار الأمر :
يجب على القاضي الجزئى رفض إصدار الأمر وذلك في حالتين هما :
أولاً : إذا رأى القاضي أنه لا يمكن الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها أو بدون تحقيق أو مرافعة .
فالقاضي لا يجوز له إصدار الأمر إذا تبين له أن الواقعة المكونة لا جريمة تشكل وصفاً قانونياً يحتاج إلى التحقيق مع بعض العناصر اللازمة لقيامه ولا توجد بالأوراق ، أو كان ثبوت الواقعة يحتاج إلى استكمال بعض عناصر التحقيق من قبل النيابة العامة أو مأمور الضبط القضائي الذي حرر محضر جمع الاستدلالات، أو كان الفصل في الدعوى يحتاج إلى تحقيق يجريه القاضي أو يحتاج إلى مرافعة لإيضاح بعض المسائل الغامضة في محضر الاستدلالات .
ولما كان القاضي الجزئي محظور عليه إصدار الأمر بناء على تحقيق أو مرافعة، فهو إما أن يصدره بناء على طلب النيابة أو من تلقاء نفسه وإما أن يرفضه، وبالتالي تأخذ الدعوى مجراها العادي .
ثانياً : إذا رأى القاضي أن الواقعة، نظرا لسوابق المتهم أو لأي سبب أخر، تستوجب عقوبة أشد من الغرامة التي يجوز صدور الأمر بها، فقد يرى القاضي توافر بعض الظروف المشددة سواء ما تعلق منها بسوابق المتهم أو ما تعلق منها بالظروف المحيطة بارتكاب الجريمة وكان من شأن هذه الظروف أن تشدد العقوبة وجوبياً، أو يرى القاضي نظرا لتوافر هذه الظروف، وجوب القضاء بالحبس حتى ولو كان التشديد جوازياً إلا أن القاضي رأى من ظروف الواقعة ما يوجب التشديد وفقاً لما له من سلطة تقديرية ، كذلك أيضاً يتعين رفض إصدار الأمر إذا رأى القاضي أن الواقعة جنحة لا يجوز فيها إصدار الأمر أو أن الواقعة جناية، ففي جميع الأحوال يتعين على القاضى رفض إصدار الأمر .
ويصدر قرار الرفض من القاضي بتأشيرة هي وجوبية وليست جوازية للقاضي بمعنى أنه ليس له أن يستكمل النقص في التحقيق أو يسمع مرافعة الخصوم، وكل ما للقاضي إما إصدار الأمر أو رفضه .
الأثر المترتب على قرار الرفض :
قرار الرفض الصادر من القاضي يكون نهائياً ولا يجوز الرجوع فيه من القاضي الذي أصدره بناء على استكمال التحقيق من النيابة العامة فعلاً أو بناء على إحالة طلب جديد بإصدار الأمر .
وقرار الرفض لا يجوز الطعن بأي طريق من الطرق .
والأثر المترتب على قرار الرفض هو وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية وتجري المحاكمة وفقاً للقواعد المقررة في هذا الشأن .
غير أن قرار الرفض لا يؤثر على سلطة النيابة العامة في الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى إذا كان هناك تحقيق من جانبها أو تأمر بحفظ الأوراق إذا رأت عدم السير في الدعوى، ذلك أن رفض الأمر يعيد الدعوى إلى حوزة النيابة العامة ولها أن تتصرف حسبما يتراءى لها وفقاً للسلطات المخولة لها قانوناً . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 1368 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65
مُتَّهَمٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمُتَّهَمُ لُغَةً:
مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :
- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :
تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:
الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
(ر: تُهْمَةٌ ف 14).
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.
فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.
الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.
الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.
الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.
الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.
السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.
السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.
الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.
التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.
وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.
- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.
فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.
الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).
تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ
- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).
وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.
الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).
رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ
إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).
صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:
عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).