لا يحول إيقاف الدعوى دون إتخاذ إجراءات التحقيق التي يرى أنها مستعجلة أو لازمة .
لا يحول إيقاف الدعوى دون إتخاذ إجراءات التحقيق التي يرى أنها مستعجلة أو لازمة .
تخول المادة 409 ( أصبحت م 338 وعدلت ) قاضي التحقيق أو المحكمة المنظورة أمامها الدعوى الحق في وضع المتهم المشتبه في حالته العقلية تحت الملاحظة بناء على اقتراح الطبيب في أحد المحال المخصصة لذلك لمدة لا تزيد على ستة أسابيع إذا كان المتهم محبوساً احتياطياً أما إذا لم يكن محبوساً فيجوز وضعه تحت الملاحظة في أي مكان آخر .
فإذا ثبت أن المتهم كان وقت ارتكاب الجريمة غير مسؤول بسبب عاهة أو علة في عقله وصدر أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى أو حکم ببراءته لهذا السبب جاز لقاضي التحقيق أو المحكمة إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة عقوبتها الحبس أن تأمر بحجز المتهم في أحد المحال المعدة للمجانين إلى أن تأمر بإخلاء سبيله - مادة 413 - ( أصبحت م 339 من القانون ) ولا يجوز أن تزيد مدة الحجز على عشر سنين في الجنايات التي عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو خمس سنين في الجنايات الأخرى ولا على سنة في مواد الجنح بشرط ألا تزيد مدة الحجز في هذه الحالة على مدة العقوبة المقررة للجريمة - مادة 314- ( أصبحت م 342 من القانون وعدلت ) وهذا الحجز هو من قبيل الإجراءات الاحتياطية التي تتخذ لاتقاء خطر عود المتهم إلى ارتكاب فعل آخر وبدیهی أن قاضی التحقيق والمحكمة لا يتخذان هذا الإجراء إلا إذا ظهر لهما من التحقيق ثبوت الواقعة على المتهم .
أما إذا ثبت أن المتهم كان متمتعاً بقواه العقلية وقت ارتكاب الجريمة ولكنه أصبح غير قادر على الدفاع عن نفسه بسبب طروء عاهة في عقله فيوقف رفع الدعوى عليه أو محاكمته حتى يعود إليه من الرشد ما يكفي لدفاعه عن نفسه ويجوز في هذه الحالة أن يوضع في أحد المحال المعدة للمجانين إلى أن يخلى سبيله إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة عقوبتها الحبس - المادة 410 - ( أصبحت م 342 من القانون وعدلت ) ولا يجوز أن تزيد مدة الحجز على المدة المقررة في الفقرة السابقة وبديهي أن إخلاء سبيله بعد انقضاء هذه المدة لا يمنع من محاكمته إذا عاد إليه رشده .
( تعليمات النيابة العامة من كتاب المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثالث )
مادة 1327 :
إذا أصيب المتهم بمرض عقلي طارئ بعد إرتكاب الجريمة فيجب وقف رفع الدعوى الجنائية عليه حتى يعود إلى رشده وإنما لا يحول ذلك دون اتخاذ إجراءات التحقيق التي يرى أنها مستعجلة أو لازمة .
يتعين على النيابة إذا رأت أن أدلة الثبوت قائمة أن توقف رفع الدعوى حتى يعود للمتهم عقله. كذلك إذا كانت حالة الجنون قد طرأت بعد رفع الدعوى فيتعين على المحكمة أن توقف سير إجراءات الدعوى بالنسبة للمتهم وإن كان لها أن تباشر الإجراءات التي ترى أنها لازمة خشية ضياع معالم الجريمة أو أثر الدليل كالمعاينة مثلاً وسماع الشهود . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 547 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس عشر ، الصفحة / 99
جُنُونٌ
التَّعْرِيف:
الْجُنُونُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ جُنَّ الرَّجُلُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، فَهُوَ مَجْنُونٌ: أَيْ زَالَ عَقْلُهُ أَوْ فَسَدَ، أَوْ دَخَلَتْهُ الْجِنُّ، وَجَنَّ الشَّيْءَ عَلَيْهِ: سَتَرَهُ.
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ وَالأْصُولِيُّونَ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهَا:
أَنَّهُ اخْتِلاَلُ الْعَقْلِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ جَرَيَانَ الأْفْعَالِ وَالأْقْوَالِ عَلَى نَهْجِهِ إِلاَّ نَادِرًا.
وَقِيلَ: الْجُنُونُ اخْتِلاَلُ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الأْشْيَاءِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ الْمُدْرِكَةِ لِلْعَوَاقِبِ بِأَنْ لاَ تَظْهَرَ آثَارُهَا، وَأَنْ تَتَعَطَّلَ أَفْعَالُهَا.
وَعَرَّفَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ الرَّائِقِ بِأَنَّهُ: اخْتِلاَلُ الْقُوَّةِ الَّتِي بِهَا إِدْرَاكُ الْكُلِّيَّاتِ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
أ - الدَّهَش:
الدَّهَشُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ دَهِشَ، يُقَالُ دَهِشَ الرَّجُلُ أَيْ تَحَيَّرَ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنْ ذَهْلٍ أَوْ وَلَهٍ، وَدُهِشَ أَيْضًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَهُوَ مَدْهُوشٌ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَهُمْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْمُتَحَيِّرِ وَعَلَى ذَاهِبِ الْعَقْلِ، وَقَدْ جَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَدْهُوشَ الَّذِي ذَهَبَ عَقْلُهُ دَاخِلاً فِي الْمَجْنُونِ.
ب - الْعَتَه:
الْعَتَهُ فِي اللُّغَةِ: نُقْصَانُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ أَوْ دَهَشٍ. وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأْصُولِيِّينَ آفَةٌ تُوجِبُ خَلَلاً فِي الْعَقْلِ فَيَصِيرُ صَاحِبُهُ مُخْتَلِطَ الْكَلاَمِ، فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلاَمِهِ كَلاَمَ الْعُقَلاَءِ، وَبَعْضُهُ كَلاَمَ الْمَجَانِينِ، وَكَذَا سَائِرُ أُمُورِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالْعَتَهِ، أَنَّ الْمَعْتُوهَ قَلِيلُ الْفَهْمِ مُخْتَلِطُ الْكَلاَمِ، فَاسِدُ التَّدْبِيرِ، لَكِنْ لاَ يَضْرِبُ وَلاَ يَشْتُمُ بِخِلاَفِ الْمَجْنُونِ.
وَصَرَّحَ الأْصُولِيُّونَ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَعْتُوهِ حُكْمُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، إِلاَّ أَنَّ الدَّبُوسِيَّ قَالَ: تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ احْتِيَاطًا، وَقَالَ صَدْرُ الإْسْلاَمِ: إِنَّ الْعَتَهَ نَوْعُ جُنُونٍ فَيَمْنَعُ أَدَاءَ الْحُقُوقِ جَمِيعًا.
ج - السَّفَه:
السَّفَهُ لُغَةً: نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ، وَأَصْلُهُ الْخِفَّةُ وَالتَّحَرُّكُ، يُقَالُ: تَسَفَّهَتِ الرِّيَاحُ الثَّوْبَ: إِذَا اسْتَخَفَّتْهُ، وَحَرَّكَتْهُ، وَمِنْهُ زِمَامٌ سَفِيهٌ أَيْ خَفِيفٌ.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: خِفَّةٌ تَبْعَثُ الإْنْسَانَ عَلَى الْعَمَلِ فِي مَالِهِ بِخِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ مَعَ قِيَامِ الْعَقْلِ حَقِيقَةً. قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: فَالسَّفَهُ لاَ يُوجِبُ خَلَلاً، وَلاَ يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَقِيلَ السَّفَهُ صِفَةٌ لاَ يَكُونُ الشَّخْصُ مَعَهَا مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَأَنْ يَبْلُغَ مُبَذِّرًا يُضَيِّعُ الْمَالَ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ الْجَائِزِ، وَأَمَّا عُرْفًا: فَهُوَ بَذَاءَةُ اللِّسَانِ وَالنُّطْقُ بِمَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ.
وَفِي جَوَاهِرِ الإْكْلِيلِ: السَّفِيهُ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِي لاَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ فَهُوَ خِلاَفُ الرَّشِيدِ.
د - السُّكْر:
اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ السُّكْرِ:
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: السُّكْرُ نَشْوَةٌ تُزِيلُ الْعَقْلَ، فَلاَ يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنَ الأْرْضِ، وَلاَ الرَّجُلَ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّ تَعْرِيفَ السُّكْرِ بِمَا مَرَّ إِنَّمَا هُوَ فِي السُّكْرِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ، وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ فِي غَيْرِ وُجُوبِ الْحَدِّ فَهُوَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ كُلِّهِمْ: اخْتِلاَطُ الْكَلاَمِ وَالْهَذَيَانُ. وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا تَعْرِيفُ الشَّافِعِيِّ لِلسَّكْرَانِ: بِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَلَطَ كَلاَمُهُ الْمَنْظُومُ، وَانْكَشَفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، فَإِذَا انْتَهَى تَغَيُّرُهُ إِلَى حَالَةٍ يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهَا عَادَةً اسْمُ السَّكْرَانِ، فَهُوَ الْمُرَادُ بِالسَّكْرَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الأْقْرَبُ.
وَقِيلَ: السُّكْرُ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلإْنْسَانِ مِنِ امْتِلاَءِ دِمَاغِهِ مِنَ الأْبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ مِنَ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، فَيَتَعَطَّلُ مَعَهُ الْعَقْلُ الْمُمَيِّزُ بَيْنَ الأْمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ.
هـ - الصَّرْع:
الصَّرْعُ لُغَةً: عِلَّةٌ تَمْنَعُ الدِّمَاغَ مِنْ فِعْلِهِ مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ، فَتَتَشَنَّجُ الأْعْضَاءُ.
أَقْسَامُ الْجُنُونِ :
جَاءَ فِي كَشْفِ الأْسْرَارِ: الْجُنُونُ يَكُونُ أَصْلِيًّا إِذَا كَانَ لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ وَطُبِعَ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ مَا أُعِدَّ لِقَبُولِهِ مِنَ الْعَقْلِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ.
وَيَكُونُ عَارِضًا: إِذَا زَالَ الاِعْتِدَالُ الْحَاصِلُ لِلدِّمَاغِ خِلْقَةً إِلَى رُطُوبَةٍ مُفْرِطَةٍ، أَوْ يُبُوسَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ بِالْعِلاَجِ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأَْدْوِيَةِ. وَالْجُنُونُ الأْصْلِ يُّ لاَ يُفَارِقُ الْعَارِضَ فِي شَيْءٍ مِنَ الأْحْكَامِ.
وَيَنْقَسِمُ الْجُنُونُ أَيْضًا إِلَى مُطْبِقٍ وَغَيْرِ مُطْبِقٍ:
وَالْمُرَادُ بِالْمُطْبِقِ الْمُلاَزِمُ الْمُمْتَدُّ. وَالاِمْتِدَادُ لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ عَامٌّ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَادَاتِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ قَدْرَ الاِمْتِدَادِ الْمُسْقِطِ فِي الصَّلَوَاتِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبِصَيْرُورَتِهَا سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَفِي الصَّوْمِ بِاسْتِغْرَاقِ الشَّهْرِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَفِي الزَّكَاةِ بِاسْتِغْرَاقِ الْحَوْلِ كُلِّهِ فِي الأْصَحِّ، وَغَيْرُ الْمُمْتَدِّ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
فَالْجُنُونُ إِنْ كَانَ مُمْتَدًّا سَقَطَ مَعَهُ وُجُوبُ الْعِبَادَاتِ فَلاَ تُشْغَلُ بِهَا ذِمَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ وَهُوَ طَارِئٌ لَمْ يَمْنَعِ التَّكْلِيفَ وَلاَ يَنْفِي أَصْلَ الْوُجُوبِ؛ لأِنَّ الْوُجُوبَ بِالذِّمَّةِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ، وَلِذَلِكَ يَرِثُ وَيَمْلِكُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ، وَكَانَ أَصْلِيًّا فَحُكْمُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ حُكْمُ الْمُمْتَدِّ؛ لأِنَّهُ نَاطَ الإْسْقَاطَ بِالْكُلِّ مِنَ الاِمْتِدَادِ وَالأْصَالَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّارِئِ فَيُنَاطُ الإْسْقَاطُ بِالاِمْتِدَادِ.
أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الأْهْلِيَّةِ :
الْجُنُونُ مِنْ عَوَارِضِ أَهْلِيَّةِ الأْدَاءِ وَهُوَ يُزِيلُهَا مِنْ أَصْلِهَا، فَلاَ تَتَرَتَّبُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ آثَارُهَا الشَّرْعِيَّةُ؛ لأِنَّ أَسَاسَ أَهْلِيَّةِ الأْدَاءِ فِي الإْنْسَانِ التَّمْيِيزُ وَالْعَقْلُ، وَالْمَجْنُونُ عَدِيمُ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ.
وَلاَ يُؤَثِّرُ الْجُنُونُ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ؛ لأِنَّ هَا ثَابِتَةٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، فَكُلُّ إِنْسَانٍ أَيًّا كَانَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ؛ لأِنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلْوُجُوبِ هِيَ حَيَاتُهُ الإْنْسَانِيَّةُ.
وَمَا وَجَبَ عَلَى الْمَجْنُونِ بِمُقْتَضَى أَهْلِيَّتِهِ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَاجِبَاتٍ مَالِيَّةٍ يُؤَدِّيهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ.
فَإِذَا جَنَى عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ يُؤَاخَذُ مَالِيًّا لاَ بَدَنِيًّا، فَفِي الْقَتْلِ يَضْمَنُ دِيَةَ الْقَتِيلِ وَلاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه : «عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ» وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأْصُولِيِّ.
أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الْجِنَايَاتِ :
تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُنُونَ عَارِضٌ مِنْ عَوَارِضِ الأْهْلِيَّةِ يَطْرَأُ عَلَى الْعَقْلِ فَيَذْهَبُ بِهِ، وَلِذَلِكَ تَسْقُطُ فِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ وَالْخِطَابُ لِعَدَمِ وُجُودِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةُ فَهْمِ دَلِيلِ التَّكْلِيفِ.
فَالْجُنُونُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى حَسَبَ الْبَيَانِ السَّابِقِ، وَلاَ حَدَّ عَلَى الْمَجْنُونِ، لأِنَّهُ إِذَا سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالإْثْمُ فِي الْمَعَاصِي فَالْحَدُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ الْعِبَادِ كَالضَّمَانِ وَنَحْوِهِ فَلاَ يَسْقُطُ؛ لأِنَّهُ لَيْسَ تَكْلِيفًا لَهُ، بَلْ هُوَ تَكْلِيفٌ لِلْوَلِيِّ بِأَدَاءِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ الْمُسْتَحَقِّ فِي مَالِ الْمَجْنُونِ، فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ جَرَائِمُ، أُخِذَ بِهَا مَالِيًّا لاَ بَدَنِيًّا، وَإِذَا أَتْلَفَ مَالَ إِنْسَانٍ وَهُوَ مَجْنُونٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِذَا قَتَلَ فَلاَ قِصَاصَ وَتَجِبُ دِيَةُ الْقَتِيلِ، كَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِحْصَانُ الرَّجْمِ وَالْقَذْفِ إِلاَّ بِالْعَقْلِ، فَالْمَجْنُونُ لاَ يَكُونُ مُحْصَنًا لأِنَّهُ لاَ خِطَابَ بِدُونِ الْعَقْلِ.
لاَ جِزْيَةَ عَلَى الْمَجْنُونِ :
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ جِزْيَةَ عَلَى الْمَجْنُونِ؛ لأِنَّ الْجِزْيَةَ شُرِعَتْ جَزَاءً عَنِ الْكُفْرِ وَحَمْلاً لِلْكَافِرِ عَلَى الإْسْلاَمِ، فَتَجْرِي مَجْرَى الْقَتْلِ، فَمَنْ لاَ يُعَاقَبُ بِالْقَتْلِ، لاَ يُؤْخَذُ بِالْجِزْيَةِ، وَالْمَجْنُونُ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ، فَلاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (جِزْيَةٌ).