فى غير الأحوال المشار إليه فى المادة السابقة ، يسقط الحق فى الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو التحقيق بالجلسة فى الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه .
فى غير الأحوال المشار إليه فى المادة السابقة ، يسقط الحق فى الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو التحقيق بالجلسة فى الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه .
أما فى مواد المخالفات فيعتبر الإجراء صحيحاً ، إذا لم يعترض عليه المتهم ، ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة .
وكذلك يسقط حق الدفاع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به فى حينه .
خلا القانون الحالي ( الملغي ) من بيان القواعد العامة التي تتبع في أحوال البطلان الذي ينشأ عن عدم مراعاة الاجراءات المقررة للتحقيق أو المحاكمة وإكتفى بالنص على البطلان عند مخالفة بعض الإجراءات دون البعض الآخر مما قد يؤدي إلى الوقوع في الخطأ ولذلك رؤى لتلافي هذا النقص وضع القواعد التي تبين الأحوال التي يحكم فيها بالبطلان والتي لا تدعو لذلك والإجراءات التي تتبع للتمسك بالبطلان ومدى البطلان إذا حكم به .
فإذا كان الغرض من الإجراء ليس إلا الإرشاد والتوجيه فلا بطلان إذا لم يراع هذا الاجراء لأنه ليس جوهرياً في التحقيق أو الدعوى فمثلاً اذا نص القانون على وجوب الحكم في الإستئناف في ظرف ثلاثين يوماً ولم يراع هذا الميعاد فلا بطلان .
أما إذا كان الغرض من الإجراء المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة المتهم أو غيره من الخصوم فإنه يكون جوهرياً ويترتب على عدم مراعاته البطلان - مادة 318 - ( أصبحت المادة 331 من القانون ) .
وإذا كان الإجراء جوهرياً متعلقاً بالنظام العام جاز التمسك بالبطلان الناشئ عن عدم مراعاته في أية حال كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب - مادة 319 - ( أصبحت م 332 من القانون ) .
أما إذا كان الإجراء الجوهری متعلقاً بمصلحة المتهم وباقي الخصوم فلا يقضى بالبطلان إلا بناء على طلب صاحب الشأن - مادة 319 / 2 - ( أصبحت م 332 من القانون ) .
وقد بين المشروع على سبيل المثال بعض الأحكام المتعلقة بالنظام العام - مادة 319 / 1 - ( أصبحت م 332 من القانون ) ويمكن أن يضاف إليها على سبيل المثال أيضاً الأحكام الخاصة بعلانية الجسات وبتسبيب الأحكام الجوهرية وحرية الدفاع وحضور مدافع المتهم في مواد الجنايات وأخذ رأى المفتى عند الحكم بالإعدام وإجراءات الطعن في الأحكام .
أما الأحكام الأخرى المتعلقة بمصلحة الخصوم فمنها الأحكام الخاصة بالتفتيش والضبط والقبض والحبس والاستجواب والاختصاص من حيث المكان .
ولتعرف الأحكام الجوهرية يجب دائماً الرجوع إلى علة التشريع .
ويشترط لصحة التمسك بالبطلان أن يقدم الدفع به إلى أول جهة قضائية إلى الجهة التي وقع أمامها البطلان وإلا سقط الحق في التمسك به فاذا وقع البطلان قبل تقديم القضية إلى قاضي التحقيق وجب التمسك به أمام القاضي المذكور وإذا وقع البطلان أمام غرفة المشورة وجب التمسك به أمام محكمة الموضوع واذا وقع أمام محكمة أول درجة وجب التمسك به أمام المحكمة الاستئنافية .
وليس لقاضي التحقيق ولا لغرفة المشورة الحق في الفصل في الدفع ولكن لها إعادة الاجراء على الوجه الصحيح كلما أمكن ذلك فإذا استوجب المتهم بدون حضور محام وكان حضور المحامي واجباً يعاد استجوابه بحضور محاميه وإذا لم يحلف الشاهد اليمين يعاد سماعه بعد أداء اليمين .
وقد اشترط بصفة عامة لصحة التمسك بأوجه البطلان السابقة على إنعقاد جلسة المحكمة أن تبدي قبل سماع الشهادة أول شاهد أو قبل مرافعة الخصوم ان لم يكن هناك شهود .
وكما يكون التنازل عن الدفع صریحاً يكون ضمنياً أيضاً فليس المتهم أن يدفع بالبطلان إذا كان هذا البطلان متعلقاً بإجراء من اجراءات التحقيق اتخذ بحضوره أو وقع في جلسة أناب فيها وكيلاً عنه أو حضر فيها مدافع معه ولم يطلب المتهم ولا النيابة العمومية مراعاة الحكم الواجب اتباعه يعتبر في هذه الحالة الإجراء صحيحاً ويعتبر الإجراء صحيحاً أيضاً في مواد المخالفات إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه في الجلسة - المادتان 320 و 321 - ( أصبحت المادتان 333 و 334 من القانون ).
واستثناء من الأحكام السابقة نص على عدم جواز الطعن ببطلان الأمر الصادر بالاحالة أمام المحكمة المختصة بالنظر في أصل الدعوى مع حفظ المتهم في أن يثبت أن الواقعة التي اثبتت عليها الاحالة لا يعاقب القانون عليها كما نص على عدم جواز التمسك ببطلان ورقة التكليف بالحضور إذا حضر المتهم في الجلسة أو أناب وكيلاً عنه مع حفظ الحق له في طلب التأجيل ووجوب إجابة هذا الطلب اذا كان البطلان ناشئاً عن عدم مراعاة ميعاد التكليف بالحضور - المادتان 321 / 2 و 323 - ( أصبحت المادة 334 من القانون ) كما نص على أنه لا يجوز للخصم الذي تسبب في وقوع البطلان أن يتمسك به وعلى أنه لا يجوز لأي خصم التمسك بأوجه البطلان إذا كان الإجراء قد تحققت الغاية منه بالنسبة الى جميع ذوي الشأن رغم ما به من عيب - مادة 323 - ( حذفت لأنها تنص على بدهيات ).
وقد تناولت المادة 325 ( أصبحت المادة 336 من القانون ) مدى البطلان إذا ما حكم به فنصت على أن البطلان في هذه الحالة لا يتناول الا اجراء المطعون فيه والآثار المترتبة عليها مباشرة فإذا لحق إجراء التفتيش عيب يبطله يقضي ببطلانه وبطلان الدليل المستمد منه فقط .
وقد رئی تخويل جهات الحكم والتحقيق الحق في تصحيح الأخطاء المادية التي تقع في الحكم أو في الأمر ولم یکن ترتب عليها بطلان وذلك من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم فإذا حصل خطأ مادى في إسم القاضي أو عضو النيابة أو الخصوم أو في تاريخ الجلسة يمكن تدارکه وقد بينت المادة 326 ( أصبحت م 337 من القانون ) الإجراءات التي تتبع في هذه الحالة .
الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول
موقف الأعمال التحضيرية
وقد أكدت هذا المعنى المذكرة الايضاحية رقم 1 للمادة 333 ( وأصلها المادة 320 في المشروع الأول و 326 في الثاني ) فبينت أن من بين أحوال البطلان النسبي ( مخالفة الأحكام الخاصة بالتفتيش والقبض والحبس الاحتياطي والاستجواب والاختصاص من حيث المكان ) فلم يفرق النص مذكرته الايضاحية بين إجراء وآخر من إجراءات التحقيق المشار إليها فيهما وبين قاعدة وأخرى من قواعد التفتيش .
ثم اكدته لجنة الاجراءات الجنائية بمجلس الشيوخ في تقريرها عن المادتين 332 (وأصلها المادة 319 في المشروع الأول و325 في الثاني ) و 333 عندما ذكرت عن هذه المادة الأخيرة أنها خاصة بالبطلان الذي لا يتعلق بالنظام العام ، والذى لا يجوز الحكم به إلا إذا تمسك به المتهم ولذلك رأت ان تضيف في أول هذه المادة عبارة ( في غير الأحوال المشار إليها في المادة السابقة ) .
أي أن اللجنة رأت بهذه الإضافة أن توضح نية الشارع في الفصل بين نطاق كل من المادتين، بحيث لا تكون أولاهما مقصورة على إجراءات المحاكمة التى ترتب مخالفتها بطلاناً متعلقاً بالنظام العام سواء منها ما ورد فيها صراحة أو ما تركته لاجتهاد القضاء، وتكون ثانيهما مقصورة على إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة، وهذه كلها وبغير استثناء أي إجراء منها ( يسقط الحق في الدفع ببطلانها إذا كان للمتهم محام وحصل الاجراء بحضوره بدون اعتراض منه ) وهذا هو أوضح آثار البطلان النسبي .
بل أنه ( في مواد المخالفات يعتبر الاجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك في حينه) على حد تعبير نفس المادة، وكل ذلك لا يترك شبهة في نوع البطلان الذي ترسمه .
1- لما كان البين من محاضر جلسة المحاكمة فى .... أن أياً من الطاعنين أو المدافعين عنهم لم يعترض على المعاينة التي أجريت فى حضورهم بمعرفة عضو يمين الدائرة لقفص الاتهام الزجاجي بناءً على انتداب رئيس الدائرة له وتبين منه أن الطاعنين يسمعون جيداً من داخل القفص وذلك بإقرارهم ، فقد سقط حقهم فى التمسك بهذا البطلان الذي يتصل بإجراء من إجراءات التحقيق بالجلسة المشار إليها فى المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 645 لسنة 85 - جلسة 2015/12/14 )
2- لا جدوى للطاعن مما يثيره فى خصوص بطلان الإجراءات الخاصة بالتحقيق الابتدائي ، لأن الذي أجراه معاون نيابة من غير انتداب خاص مادام أن الثابت من المفردات التي ضمت تحقيقاً لوجه الطعن أن ثلاثة من وكلاء النيابة تولوا تحقيق الواقعة ، كما أن محامياً حضر عن الطاعن فى ذلك التحقيق من مبدئه وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه ، الأمر الذي يترتب عليه سقوط حقه فى الدفع بهذا البطلان على مقتضى ما نصت عليه المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 4787 لسنة 81 - جلسة 2013/02/14 )
3- لما كانت المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية يجرى نصها على أنه يسقط الحق فى الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة ..... بالتحقيق بالجلسة فى الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الاجراء بحضوره دون اعتراض منه ولما كانت الطاعنة لا تدعى بأسباب طعنها بأن التحقيق بجلسة المحاكمة قد جرى فى غير حضور محاميها الذى لم يبد ثمة اعتراض على إجراءات التحقيق فإن ما تثيره فى هذا الخصوص لا يكون مقبولاً .
( الطعن رقم 10015 لسنة 63 - جلسة 1995/01/19 - س 46 ص 211 ق 30 )
4- لما كان الثابت أن الدفاع قد أتيح له مجال المرافعة على مدى جلسات متعددة تناول فيها المراحل التى مرت بها الدعوى وما قدم فيها من مستندات وأدلة فإن إختتامه مرافعته بعد ذلك بطلب القضاء بالبراءة مفاده أنه قد أصبح على قناعة بأن الدعوى قد أصبحت صالحة للفصل فيها من الهيئة التى أبدى أمامها دفاعه وكان الدفاع لا يدعى أن حقه فى المرافعة قد حجر عليه ، فإن منازعته فى كفاية ما أتيح لعضو اليسار من وقت للإحاطة بوقائع الدعوى تكون غير مقبولة إذ كان فى إمكانه إيضاح ما يهمه إيضاحه من وقائع خلال المرافعة فضلاً عن أن هذا المنعى لا يتصل بصحة تشكيل المحكمة أو بولايتها أو بإختصاصها مما هو متعلق بالنظام العام وإنما يتصل بإجراءات التحقيق بالجلسة التى يسقط الحق فى التمسك ببطلانها متى كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره ودون إعتراض منه طبقاً لنص المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية ، وإذ كان الدفاع عن الطاعن لم يعترض على قيام المحكمة بتحقيق الدعوى وسماع الشهود قبل إتاحة الفرصة لعضو اليسار للإحاطة بالمستندات ولم يطلب التأجيل هذا الغرض فإن ما يثيره فى هذا الخصوص يكون فى غير محله .
( الطعن رقم 6944 لسنة 61 - جلسة 1991/12/16 - س 42 ع 1 ص 1342 ق 185 )
5- لما كان يبين من محضر جلسة المحاكمة أن المحكمة إستمعت لشهادة كل من .................. ، ................... بغير حلف يمين وفى حضور محامى الطاعن الذى لم يعترض على ذلك ، ومن ثم فإن حق الطاعن فى التمسك بهذا البطلان الذى يتصل بإجراء من إجراءات التحقيق بالجلسة وفقاً لنص المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية يكون قد سقط ، ولا يعيب الحكم - من بعد - إذا هو إعتمد على هذه الشهادة لما هو مقرر من أنه إن كانت الشهادة لا تتكامل عناصرها قانوناً إلا بحلف الشاهد اليمين إلا أن ذلك لا ينفى عن الأقوال التى يدلى بها الشاهد بغير حلف يمين أنها شهادة ، إذ الشاهد هو من أطلع على الشئ عياناً ، وقد إعتبر القانون فى المادة 283 من قانون الإجراءات الجنائية الشخص شاهد بمجرد دعوته لأداء الشهادة سواء أداها بعد أن يحلف اليمين أو دون أن يحلفها ، ولما كان من حق محكمة الموضوع أن تعتمد فى قضائها بالإدانة على أقوال شاهد سمع على سبيل الإستدلال بغير حلف يمين إذ مرجع الأمر كله إلى ما تسترسل بثقتها إليه من عناصر الإستدلال وكانت المحكمة قد إطمأنت إلى أقوال الشاهدين سالفى الذكر التى أبدياها بجلسة المحاكمة بغير حلف يمين ، فإنه لا يقبل من الطاعن مصادرة المحكمة فى عقيدتها ، ويكون منعاه فى هذا الصدد غير سديد .
( الطعن رقم 4060 لسنة 57 - جلسة 1988/02/10 - س 39 ع 1 ص 269 ق 35 )
6- لما كان الثابت بمحضر جلسة المحاكمة أن الاستجواب تم فى حضور المدافع عن الطاعن وبموافته ، و كان من المقرر أن حق المتهم فى الدفع ببطلان الإجراءات المبنى على أن المحكمة استجوبته يسقط وفقاً للفقرة الأولى من المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية إذا حصل الإستجواب بحضور محاميه و لم يبد اعتراضاً عليه لأن ذلك يدل على أن مصلحته لم تتأثر بهذا الإستجواب و من ثم فلا يجوز له من بعد أن يدعى ببطلان الإجراءات .
( الطعن رقم 2420 لسنة 50 - جلسة 1981/05/25 - س 32 ص 546 ق 96 )
7- متى كان الثابت من مطالعة محضر الجلسة أن استجواب الطاعن تم بموافقة الدفاع ودون اعتراض منه فليس له أن ينعى عليها من بعد أنها استجوبته ، هذا إلى أن حقه فى الدفع ببطلان الإجراءات المبنى على هذا السبب قد سقط وفقا للفقرة الأولى من المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية لحصوله بحضور محامى الطاعن بدون اعتراض منه عليه .
( الطعن رقم 250 لسنة 40 - جلسة 1970/03/22- س 21 ع 1 ص 431 ق 106 )
8- حق المتهم فى الدفع ببطلان الإجراءات لعدم إعلانه بالجلسة المحددة لمحاكمته أمام محكمة أول درجة يسقط إذا لم يبده بجلسة المعارضة، ولما كان البين من الاطلاع على محاضر جلسات المعارضة أمام محكمة أول درجة أن الطاعن لم يدفع ببطلان الحكم الغيابي لعدم إعلانه بالجلسة التي صدر فيها، فإن حقه فى الدفع يكون قد سقط .
( الطعن رقم 566 لسنة 48 - جلسة 1978/10/30 - س 29 ع 1 ص 753 ق 152 )
9- إذا كان الثابت أن الطاعن حضر المحاكمة الاستئنافية ومعه محاميه ولم يثر فى دفاعه شيئاً فى شأن وصف التهمة أو القصور فى بيان مظاهر الخطأ المسند إليه فإنه ليس له من بعد أن يتحدث عن بطلان مدعى به أمام محكمة أول درجة لما هو مقررمن أن العبرة ببطلان الإجراءات هو بما يتم منها أمام المحكمة الاستئنافية .
( الطعن رقم 706 لسنة 43 - جلسة 1973/12/16 - س 24 ع 3 ص 1223 ق 248 )
10- إذا كان الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع ببطلان التحقيقات السابقة على المحاكمة فلا يسوغ له الدفع ببطلان تحقيق النيابة لأول مرة أمام محكمة النقض .
( الطعن رقم 226 لسنة 43 - جلسة 1973/04/29 - س 24 ع 2 ص 559 ق 115 )
11- الأصل أن تجرى المحاكمة باللغة الرسمية للدولة - وهي اللغة العربية - ما لم يتعذر على إحدى سلطتي التحقيق أو المحاكمة مباشرة إجراءات ذلك التحقيق دون الاستعانة بوسيط يقوم بالترجمة أو يطلب منها المتهم ذلك، ويكون طلبه خاضعاً لتقديرها. وإذ كان وكيل النيابة الذي أجرى التحقيق قد أثبت فى محضره إلمامه باللغة الإنجليزية التي يتحدثها المجني عليه، وكان الطاعن لا يدعي فى أسباب طعنه أنه طلب من جهة التحقيق الاستعانة بوسيط يتولى الترجمة عند سؤال المجني عليه، وكان مثل هذا الطلب يتعلق بمصلحة خاصة به ولم ينبه إليها، فإنه لا يقبل منه ما ينعاه فى هذا الخصوص مادام أن الجهة المذكورة لم تر من ناحيتها محلاً لذلك، وقد تبينت مدلول أقوال المجني عليه وردوده على ما وجهته إليه من أسئلة وهو أمر موضوعي يرجع إليها فى تقدير الحاجة إليه. هذا فضلاً عن أن ما يثيره الطاعن فى هذا الشأن لا يعدو أن يكون تعييباً للتحقيق الذي جرى فى المرحلة السابقة على المحاكمة بما لا يصلح أن يكون سبباً للطعن على الحكم إذ العبرة فى الأحكام هي إجراءات المحاكمة وبالتحقيقات التي تحصل أمام المحكمة. ولما كان الحاضر مع الطاعن قد تنازل عن سماع الشهود الغائبين - من بينهم المجني عليه - ووافق على تلاوة أقوالهم بالجلسة وتليت ولم يطلب من المحكمة استدعاء المجني عليه لسماع شهادته بمعرفتها وبالصورة التي يطمئن بها إلى صحة تفهم مدلول عباراته فليس له من بعد أن ينعى على المحكمة التفاتها عن هذا الأمر الذي لم يطلبه أو تعويلها على ما ورد بالتحقيقات .
( الطعن رقم 175 لسنة 43 - جلسة 1973/04/09 - س24 ع 2 ص 510 ق 106 )
12- إذا كان البين من مطالعة محاضر جلسات المحاكمة أمام محكمة ثانى درجة أن الطاعنة لم تدفع ببطلان حكم محكمة أول درجة لعدم التوقيع عليه فى الميعاد المحدد قانوناً ، فإنه لا يقبل منها إثارة ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض ومن ثم فإن الطعن يكون على غير أساس و اجب الرفض موضوعاً .
( الطعن رقم 195 لسنة 42 - جلسة 1972/04/09- س 23 ع 2 ص 552 ق 121 )
13- متى كان الثابت من الأوراق أن محكمة أول درجة لم تسمع شهوداً وأن الدفاع طلب أمام محكمة ثاني درجة سماع شهود الواقعة فأجلت المحكمة نظر الدعوى لسماعهم فلما كانت الجلسة التي صدر فيها الحكم اكتفت بسؤال المجني عليها بغير حلف يمين عما يدعيه المتهم من صلتها بمطلقته دون أن تسألها فى موضوع الدعوى وأصدرت حكمها فى مواجهة المتهم المنكر للتهمة مستندة إلى أقوال هذه الشاهدة وكان المتهم لم يحضر معه محام يمكن أن يعترض بالجلسة على ما تم من إجراءات فيها، فإن حقه فى الطعن يكون باقياً طبقاً لنص المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 275 لسنة 28 - جلسة 1958/05/12 - س 9 ع 2 ص 500 ق 133 )
البطلان النسبي :
البطلان النسبي هو البطلان الذي لا يتعلق بالنظام العام، وقد نصت عليه المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية في قولها «في غير الأحوال المشار إليها في المادة السابقة يسقط الحق في الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو التحقيق بالجلسة في الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه. أما في مواد المخالفات فيعتبر الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة. وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه».
- حالات البطلان النسبي : حدد الشارع حالات البطلان النسبي بأنها ما ليست من حالات البطلان المطلق، أي أن البطلان النسبي هو كل بطلان ليس مطلقاً ومن هذه الفكرة يستخلص الضابط في البطلان النسبي : أنه البطلان الذي ينال الإجراء المخالف لقاعدة تحمي مصلحة يقدر القضاء أنها أقل أهمية من أن تبرر البطلان المطلق. ويعني ذلك أن ضابط أهمية المصلحة هو الذي يحدد بدوره حالات البطلان النسبي. وقد أشارت المذكرة الإيضاحية إلى أن «البطلان يكون نسبياً إذا كان الإجراء الجوهري متعلقاً بمصلحة المتهم أو الخصوم»، أشارت المذكرة الإيضاحية إلى أمثلة البطلان النسبي، فذكرت «الأحكام الخاصة بالتفتيش والضبط والقبض والحبس والاختصاص من حيث المكان»، وهذا القول غير دقيق : فقد يتصل البطلان في الحالات السابقة بالنظام العام، إذا خالف الإجراء قاعدة جوهرية هامة، ( انظر تعليق الدكتور توفيق محمد الشاوي على المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية في مجموعة قانون الإجراءات الجنائية ص 209 ) .
وهذا القول على إطلاقه محل نظر : فقد يتعلق البطلان المطلق بمصلحة المتهم أو الخصوم إذا كانت هذه المصلحة من الأهمية على نحو تعني معه المجتمع. وقاضي الموضوع هو الذي يناط به الفصل في أهمية المصلحة التي تحميها القاعدة الإجرائية، ونوع البطلان الذي يترتب على مخالفتها .
- أحكام البطلان النسبي : أشار الشارع إلى أحد الأحكام التي يخضع لها البطلان النسبي، وهي جواز النزول ضمناً عن الاحتجاج به، وهذا النزول يستخلص من عدم الاحتجاج به في بعض مراحل الدعوى. وقد حدد الشارع القواعد التالية لاستخلاص النزول الضمني : فرق الشارع بين المتهم والنيابة العامة. وحين يتعلق الأمر بالمتهم فقد ميز الشارع بين المتهم بالجنحة أو الجناية من ناحية والمتهم بالمخالفة من ناحية أخرى. فالمتهم بالجنحة أو الجناية يستخلص نزوله عن الاحتجاج بالبطلان إذا كان له محام وحصل الإجراء في حضوره دون أن يعترض عليه. ويعني ذلك أنه لا يفترض نزوله إذا لم يكن له محام. أما المتهم بالمخالفة فيستخلص نزوله عن الاحتجاج بالبطلان من مجرد عدم اعتراضه على الإجراء المشوب به ولو لم يكن له محام. أما النيابة العامة فيستخلص نزولها عن الاحتجاج بالبطلان إذا لم تتمسك به في حينه، أي في الوقت الذي اتخذ فيه الإجراء .
ولكن تضاف إلى هذا الحكم أحكام أخرى تستخلص من طبيعة البطلان النسبي والتقابل بينه وبين البطلان المطلق : فإذا كان الشارع قد أجاز النزول الضمني عن البطلان النسبي على الوجه الذي سلف تفصيله، فإن النزول الصريح عنه جائز من باب أولى ولا يجوز أن يتمسك بهذا البطلان إلا من قرر لمصلحته، وتطبق في ذلك القاعدة التي نصت عليها المادة 21 من قانون المرافعات في قولها «لا يجوز أن يتمسك بالبطلان إلا من شرع لمصلحته» ولا يجوز للمحكمة أن تقضي بهذا البطلان من تلقاء نفسها، وإنما يتعين أن يطالب به ذو المصلحة. وتزول عن ذي المصلحة صفته في الاحتجاج به إذا كان هو نفسه الذي تسبب فيه، ولا يجوز الاحتجاج بهذا البطلان لأول مرة أمام محكمة النقض، إذ يعتبر إغفال الاحتجاج به أمام المحكمة الموضوع صورة من النزول الضمني عنه . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة : 404 )
البطلان المتعلق بمصلحة الخصوم :
يثور البحث بعد ذلك عن البطلان المتعلق بمصلحة الخصوم. وفي هذا الصدد نصت المادة 333 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه في غير الأحوال المشار إليها في المادة السابقة (الخاصة بالبطلان المتعلق بالنظام العام) يسقط الحق في الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو التحقيق بالجلسة فى الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره دون اعتراض منه. أما في مواد المخالفات، فيعد الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض على المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة. وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه .
وتطبيقاً لما سلف قضت محكمة النقض أن حق المتهم في الدفع ببطلان الإجراءات المبنى على أن المحكمة استجوبته يسقط إذا حصل الاستجواب بحضور محاميه ولم يبد اعتراضاً عليه، لأن ذلك يدل على أن مصلحته لم تتأثر بالاستجواب، وقضت أنه إذا استدعت المحكمة الطبيب الشرعي وناقشته بحضور المتهم ومحاميه دون أن يعترضا على شيء فلا يحق للمتهم النعي على المحكمة مخالفتها القانون في هذا الإجراء .
ومن أمثلة البطلان المتعلق بمصلحة الخصوم ما يترتب على الإخلال بحق الدفاع، وذلك بحسب أن هذا الحق يعطي لصاحبه حرية تناوله بالأسلوب والمضمون الذي يريده، فإن هو ارتضى بعمله أداء معيناً لحقه في الدفاع فلا يجوز له التمسك بالبطلان، لأنه كان مسهماً في المخالفة التي أدت إلى هذا البطلان، مما يحول دون وقوعه. ومن تطبيقات ذلك ما يثور بشأن حق الدفاع في أن تنبهه المحكمة إلى تغيير وصف التهمة أو تعديلها. فقد استقر قضاء محكمة النقض على أن كل ما يشترطه القانون هو تنبيه المتهم إلى ذلك التغيير أو التعديل بأية كيفية تراها المحكمة محققة لهذا الغرض، سواء كان صريحاً أو ضمنياً أو باتخاذ إجراء يتم في مواجهة الدفاع وينصرف مدلوله إليه. وتطبيقاً لذلك قضى أنه يكفي لضمان حقوق الدفاع أن تدور المناقشة في الجلسة على العناصر الجديدة التي أضافتها المحكمة واستندت إليها في تعديل التهمة، ففي هذه الحالة تتحقق الغاية من هذا التنبيه بما يغني عنه .
ويلاحظ أن محكمة النقض كانت قد قضت أن البطلان الذي يترتب على إجراء عضو النيابة تحقيقاً في غير اختصاصه هو بطلان نسبي، فإذا حضر محام في أثناء التحقيق مع المتهم ولم يتمسك ببطلان التحقيق عند إجرائه فإن الحق في الدفع به يسقط عملاً بالمادة 333 إجراءات جنائية. وهذا الحكم منتقد، لأن الاختصاص الجنائي يتعلق بالنظام العام، بحسب أنها حين تقوم بالتحقيق الابتدائي تباشر وظيفة قضائية، وأن قواعد الاختصاص الجنائي تتعلق كلها بالنظام العام . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 618 )
حكم في سنة 1954 قد يشير إلى أن بطلان التفتيش قد يكون من من النظام العام :
رغم دلالة النصوص وأعمالها التحضيرية - وهي صريحة فقد وردت في حكم نقض صادر في 22 / 11 / 1954 عبارة فهمها البعض على أنها تشير إلى أن بطلان التفتيش قد يكون من النظام العام في بعض صوره بالأقل وكان ذلك في صدد واقعة تتحصل على أنه كان قد جرى تفتيش منزل زوج في غيابه، وكان التفتيش باطلاً لانتفاء صفة الضبط القضائي فيمن قاموا به ولم يسبق هذا التفتيش رضاء لا من الزوج الغائب أثناء إجرائه ولا من الزوجة التى كانت متهمة وحدها بالزنا وادارة منزلها للدعارة، ثم تنازل الزوج وحده بعدئذ عن الدفع ببطلان التفتيش بعد حصوله أيضاً ودون أن يكون متهماً في الدعوى .
وقد قضى حكم محكمة الموضوع ببطلان التفتيش مؤسساً قضاءه على ما قاله ( من أن مناط إباحة تفتيش منزل أن يكون لمن أسندت إليه الجريمة إقامة فيه لا أكثر، ولما كان المعلوم أن الزوجة تساكن زوجها وأن محل إقامتها هو محل إقامته، فإنه يمتنع على رجال السلطة أن يدخلوا عليها منزلاً لا يسكنه الزوج في غير الأحوال المرخص بها قانوناً، ومن ثم يبين فساد قول المستأنف ( وهو زوجها المدعى بالحقوق المدنية قبلها ) ومن أنه، وهو صاحب الحيازة للدار لا يتأذى من تفتيشها، توصلاً إلى القول بصحة إجراءات التفتيش في شأنها بطلان صدور الإذن لضابط الآداب الذى لم يكن من رجال الضبطية القضائية في ذلك الحين، كما أوضح ذلك الحكم المستأنف عليها الأولى قبل التفتيش كصريح أقواله أمام النيابة، وبالتالي لم يأذن بدخول المنزل من جانبه، فلا يملك بعدئذ أن يصحح بطلاناً معتبراً من النظام العام .
وعليه يكون للمستأنف عليها الأولى أن تتمسك بكل ما يشوب التفتيش الواقع على مسكنها من بطلان . ولما كان رجال مكتب الآداب ليسوا من رجال الضبطية القضائية في ذلك الحين ، فإن الإذن لهم بإجراء التفتيش يكون قد وقع باطلاً ولا يصح الاعتماد عليه ولا على ما أثبته الضباط بمحضره من أقوال واعترافات مقول بحصولها أمامه من المستأنف عليه الثاني ) .
وقد ذهبت محكمة النقض إلى أنه ( لما كان ما قاله الحكم المطعون فيه من ذلك صحيحاً في القانون، إذ أن الزوجة وهي تساكن زوجها وتحوز المنزل في غيبته، من الصفة بوصف كون المنزل منزلها ما يخول لها الدفع ببطلان التفتيش الذى تتأذى من حصوله بغير رضاها، وتضار بنتيجته، ما دام الزوج لم يكن قد رضى بالتفتيش قبل حصوله، ولما كان الحكم قد أثبت أن أمر التفتيش إنما بنى على تحريات سرية دون استئذان الزوج في إجرائه، وكان لا يصح الاستدلال على المطعون ضدها الأولى بالاعتراف المسند الى شريكها في الزنا ، والمثبت في محضر التفتيش الباطل، مادام ضبط هذا الشريك في المنزل لم يكن إلا وليد إجراء باطل، وكان اعترافه منصباً على واقعة وجوده في المنزل وقت التفتيش، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس ويتعين لذلك رفضه موضوعاً ) .
( نقض جلسة 22 / 11 / 1954 - أحكام النقض س 6 ص 201 )
هذا وقد كان محور البحث في واقعة الدعوى هو صفة الزوج في التنازل عن الدفع ببطلان التفتيش، وأثر هذا التنازل في مركز الزوجة من الإجراء الذى جرى باطلاً، ثم صفة الزوجة في التمسك به وأثر هذا التمسك في مركزها هي من الإجراء الباطل .
فالزوج لم تكن له مصلحة ما في التمسك بالبطلان لأنه كان مجنياً عليه في جريمة الزنا ومدعياً فيها مدنياً ضد زوجته المتهمة وكان من الطبيعي أن ينتهي أي حكم وبغير توقف على نوع بطلان التفتيش الذى جرى إلى القول بأن للزوجة صفة وبمفردها في غيابه، وليس للزوج أية صفة في التنازل عن مثل هذا الدفع الذي هو من شأن زوجته، والتى كانت وحدها متهمة في الدعوى .
وللإيضاح تفترض أن تفتيشها باطلاً وقع على مسكن يقطنه معاً بضعة أصدقاء بدون رضاء سابق من أي منهم، فإن أياً منهم يمكنه بداهة أن يدفع بالبطلان مادام متهماً في الدعوى، والتنازل عن الدفع بالبطلان من أي منهم يتصل به وحده فلا يتعداه إلى غيره حتى إذا كان متهماً في نفس الدعوى، ومن باب أولى إذا لم يكن متهماً فيها، كما هي الحال في واقعة الدعوى التى صدر فيها هذا الحكم .
أما إذا صدر رضاء سابق على التفتيش من واحد منهم فعندئذ يصح البحث في أثر هذا الرضاء السابق من أحد حائزي المكان الذي يجري فيه التفتيش الباطل في تصحيح هذا التفتيش ، وفي واقعة هذه الدعوى لم يكن هناك رضاء سابق بالتفتيش من الزوج ، وقد عنى بالحكم بابراز ذلك في أول قاعدة قررها عندما ذهب إلى ( أن الزوجة وهي تساكن زوجها وتحوز المنزل في غيبة من الصفة بوصف كون المنزل منزلها ما يخول لها الدفع ببطلان التفتيش الذى تتأذى من حصوله بغير رضاها وتضار بنتيجته مادام الزوج لم يكن قد رضى بالتفتيش قبل حصوله ) .
فمحرر الكلام كان في صفة الزوجة في التمسك بالبطلان وصفة الزوج في التنازل عنه والصفة من عناصر المصلحة، لأنها تمثل المصلحة الشخصية المباشرة من الدفع بالبطلان أو من التنازل عنه بحسب الأحوال وقد انتهى قضاء النقض كما انتهى قضاء الموضوع إلى توافر صفة الزوجة في الدفع ببطلان التفتيش وانتفاء صفة الزوج في التنازل عنه على أساس من الصواب .
بقيت بعد ذلك عبارة هامة وردت في الحكم الاستئنافي المطعون فيه يمكن أن تعتبر مزيداً منه رغم أهمية الفكرة التي تتضمنها هي عبارة ( أن الزوج، لا يملك بعدئذ أن يصحح بطلاناً معتبراً من النظام العام ) ولذا تستحق وقفة قصيرة عندها .
فأما أنها هامة فلأنها تتعرض لموضع بطلان التفتيش في بعض صوره وتصفه بأنه من النظام العام، رغم دلالة النصوص وأعمالها التحضيرية على ما بيناه آنفاً، ورغم استقرار قضاء النقض منذ مدة كافية على أن نسبي في كل صورة وأوضاعه .
أما أنها عبارة زائدة فلأن البحث كان يدور حول الصفة في الدفع بالبطلان لاحول نوع البطلان ، وشتان بين الأمرين ، فما دامت محكمة الموضوع قد نفت عن الزوج الصفة في الدفع به وأعطتها للزوجة وحدها في واقعة الدعوى التي كانت مطروحة ، فماذا كانت الجدوى إذا من وراء وصف هذا البطلان بأنه من النظام العام ؟ وهل مع انتفاء صفة الزوج في تصحيح هذا البطلان كان الحل سيتغير لو كان البطلان في تقدير المحكمة نسبياً فحسب ؟
الجواب ينبغي أن يكون بالسلب ، لأن انتفاء الصفة في تصحيح البطلان يحول دون إمكان تصحيحه سواء أكان مطلقاً أم نسبياً وأياً كان مصدره فانتفاء الصفة يحول دون إمكان البحث في قيمة التنازل ونوع البطلان، لأن هذا أو ذلك أمر يثار فحسب عند توافر الصفة ابتداء فيمن صدر منه عنه الرضاء بالتفتيش، أو التنازل عن الدفع ببطلانه .
ومحكمة النقض مرت على هذه العبارة الهامة في قضاء محكمة الموضوع مرور الكرام وبغير تعليق منها ، لأنها لاحظت ولاشك أن ورودها كان تزيداً، فلا يصح التعويل كثيراً على هذا الحكم في التعبير عن اتجاه حاسم ولا نهائي لقضاء النقض بمقتضى سياق الحديث وعباراته التى جعلت محور البحث هو الصفة في الدفع بالبطلان .
وإنما تعرضت محكمة النقض لنوع البطلان المترتب على مخالفة بعض قواعد التفتيش في حكم لا حق لهذا، وكان تعرضها في هذه المرة الأخيرة أكثر وضوحاً لكن يعوزه التوفيق في أكثر من جانب منه على ما سنوضح أسانيده حالاً .
حكم في سنة 1958 يشير إلى بعض قواعد التفتيش من النظام العام بغير أن يعينها
وفي تاريخ لاحق لما تقدم تعرضت محكمة النقض تعرضاً لازماً وصريحاً لموضوع البطلان المترتب على مخالفة قواعد التفتيش لأن الفصل في الطعن كان يقتضى هذا التعرض، فذهبت إلى أن هذا البطلان قد يكون نسبياً أحياناً ومطلقاً أحياناً بغير أن تعين أحوال هذا أو ذاك، أو تضع معياراً للتعيين . ويحسن أن نعرض قضاءها هذا تفصيلاً قبل التعليق عليه ، فقد قالت فيه .
1- أن الأحكام التي صرحت فيها هذه المحكمة بأن الدفع ببطلان التفتيش هو من الدفوع الموضوعية التى لا يجوز إثارتها لأول مرة أمامها لا يقصد بها على وجه التحقيق استبعاد التفتيش وجميع احكامه من حظيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام، بل لهذا القول علة أخرى هي أن مثل هذا الطلب يستدعي تحقيقاً وبحثاً في الواقع، وهو ما يخرج بطبيعته عن سلطة محكمة النقض، فإن كان ما جاء الحكم من الوقائع دالاً بذاته على وقوع البطلان حازت اثارته لأول مرة أمام محكمة النقض ولو لم يدفع به أمام محكمة الموضوع .
2- أن الشارع حاول تنظيم أحوال البطلان فيما أورده من قواعد عامة في المادة 331 وما بعدها من قانون الإجراءات الجنائية، فإن هذه النصوص تدل في عبارتها الصريحة على أن الشارع لم يحصر وما كان في مقدوره أن يحصر، والقوانين السياسية والإدارية والمالية والجنائية أبداً متغيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام، فذكر البعض من هذه المسائل في المادة 332 وترك للقاضي استنباط غيرها وتمييزها ما يعتبر منها من النظام العام وما هو من قبيل المصالح الخاصة التى يملك الخصوم وحدهم فيها أمر القبول من عدمه .
3- متى كانت غرفة الاتهام أمرها بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل المتهم الذي لم يحضر أمامها . لعدم كفاية الأدلة واستندت في ذلك إلى أن تفتيش المتهم قد وقع باطلاً قانوناً لصدوره بغير إذن من الجهة المختصة . وفي غير الحالات التى يجيز فيها القانون لمأمور الضبط التفتيش ، فلا يصح النعي عليها بأنها تجوزت في ذلك حدود سلطتها .
وهذا القضاء يقر مبدأ هاماً وجديداً إلى الحد الذى يقتضى عنده وقفه كافية، وهو هام لأنه متصل بضمانات الأفراد في التحقيق الابتدائي وبخاصة ضمانات التفتيش هو أخطر إجراءات بما تكفله من حماية الشخص المتهم ومسكنه، والتفتيش هو أخطر إجراءات التحقيق الابتدائي بعد الحبس الاحتياطي والقبض ومن أكثرها شيوعاً في العمل واتصالاً بحكم القانون في البحث عن الأدلة والاستدلال بها إذ كثير ما أدى بطلان التفتيش في العمد إلى بطلان ما أسفر عنه من أدلة ولو وصلت إلى حد قيام حالة التلبس وبالتالي إلى تبرئة المتهم .
وليس هناك أدنى شك في أن الحرص على حريات الناس وكفالة الضمانات المطلوبة لهم كان جلياً في هذا القضاء، بما ينبغي أن يذكر له بالثناء، لكن ليس هناك أدنى شك في الوقت نفسه في أنه لم يلتزم لا صريح النصوص ،ولا القضاء المستقر للمحكمة نفسها ، ومن هنا تظهر جديته .
فإما أنه لم يلتزم صريح النصوص ، فلأن المادة 333 تقتضي بالضرورة القول بنسبية البطلان المترتب على مخالفة قواعد جميع الاستدلالات والتحقيق بالجلسة عندما نصت على أن ( الحق في الدفع بهذا البطلان يسقط في الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الاجراء بحضوره بدون اعتراض منه ) وعلى أنه ( لا يسقط في المخالفات إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة، ويسقط بالنسبة للنيابة ( في الجنايات والجنح والمخالفات معاً ) إذا لم تتمسك به في حينه .
قد حاول هذا الحكم الإستناد إلى المادة 332 عندما حددت أحوالاً معينة للبطلان اعتبرتها من النظام، ثم أضافت قائلة : ( أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام ) مفترضاً أن هذه العبارة الاخيرة قد يصح أن تنصرف إلى بعض صور بطلان التفتيش، لكن فاته أن هذه المادة الأخيرة – فحسب . بطلان إجراءات المحاكمة دون غيرها أما قواعد الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة فقد أخضعها الشارع لقاعدة موحدة وردت في المادة 333 دون غيرها .
وقد عرضنا فيما سبق تفصيلاً لما ورد في المذكرة الإيضاحية للنصوص وأعمالها التحضيرية مبينين كيف أن عباراتها، وترتيبها، وسياق الحديث فيها لا يثير شبهة نحو أي تأويل آخر .
وأما أن هذا الحكم لم يلتزم قضاء النقض المستقر، فلأن هذا الأخير قد استقر منذ سنة 1939 على نسبية جميع قواعد التفتيش وعلى عدم تعلقها بالنظام العام بما ترتبه هذه النسبية من آثار حتمية ينبغي أن نعرض لها من جديد في ضوء هذا الحكم وهي .
أولاً : أنه لا يجوز الدفع ببطلان التفتيش لأول مرة في النقض، وسواء أكان هذا الدفع يتطلب تحقيقاً في الموضوع أم لا يتطلبه، إذ أن عدم إبدائه أمام محكمة الموضوع يتضمن معنى التنازل عن إبدائه في الوقت المناسب وأمام الجهة المختصة به، وكانت محكمة النقض تقول في بعض أحكامها بأنه لا يجوز إبداؤه لأنه يتطلب تحقيقًا في الموضوع مما لا تختص به، ولكنها كانت في أحكام أخرى تقول بعدم جواز إبدائه اطلاقاً حتى ولو لم يستلزم هذا التحقيق، والمهم في النهاية هو عدم إمكان ابدائه في النقص بعد السكوت عنه أمام محكمة الموضوع، فهذا هو كل المطلوب للقول بأنه نسبي وليس مطلقاً .
ثانياً : أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضى به من تلقاء نفسها، ولا يجوز نفع به إلا من المتهم الذي جرى تفتيشه باطلاً دون غيره من المتهمين، حتى ولو تعلقت مصلحته بالبطلان، أما لو كان من النظام العام لجاز لأي متهم في الدعوى أن يتمسك به ، ولو كان هو غير المتهم الذي جرى تفتیشه باطلاً متى كان صاحب مصلحة في القضاء ببطلانه، ولجاز للمحكمة أن تقضى به من تلقاء نفسها بل عليها ذلك في الواقع وبغير حاجة للدفع به من أحد .
ثالثاً : أن الرضا بالتفتيش الباطل قبل حصوله يصححه، مع أنه لو كان من النظام العام لما كان لهذا الرضاء من قيمة ولا من أثر، لأنه كان سيصبح أمراً متصلاً بالصالح العام ومتضمناً معنى الإعتداء على هذا الصالح لا على حرمة إنسان معين .
وهذه النتائج الثلاث تتوقف كلها على القول بأن قواعد التفتيش نسبية ويتوقف عكسها تمام على القول بأنها من النظام العام، فأين قضاء النقض منها ؟ لقد بينا كيف أنه أخذ بها كلها في جملتها وتفاصيلها وبغير توقف منذ حوالي سنة 1939 ، لذا لا يبدو في محله قول الحكم محل هذا التعليق أن ( الأحكام التي صرحت فيها هذه المحكمة بأن الدفع ببطلان التفتيش هو من الدفوع الموضوعية التي لا يجوز إثارتها لأول مرة أمامها لا يقصد بها على وجه التحقيق استبعاد التفتيش وجميع أحكامه من حظيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام ) .
بل الواقع أن هذه الأحكام قصدت بالفعل استبعاد التفتيش وجميع أحكامه من حظيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام، ورتبت على هذا الإستبعاد جميع النتائج التي تترتب عليه بالضرورة ، وبصورة لا يعوزها الوضوح، أياً كان مصدر البطلان وصورته وسببه ، لكن يتعذر على القضاء عادة أن يعترف صراحة بحصول التحول من إتجاه إلى آخر. إلا في القليل النادر حتى لا يظهر بمظهر التردد أو الإضطراب، ومهما كان التحول يظهر عند المقارنة واضحاً جلياً، وهذه على أية حال ظاهرة تلاحظ على سياسة القضاء عموماً، وقد لاحظناها في بلادنا عند تحول المحكمة نفسها في سنة 1939 من البطلان المطلق للتفتيش إلى بطلانه النسبي، فإنها لم تعترف به صراحة وإن رتبت عليه جميع أثاره المحتومة .
وها هي من جديد لا تعتبر به هنا، بل تسند حكمها هذا إلى قضائها السائد، بل وإلى عمل الشارع الذي لم يحصر. وما كان في مقدوره أن يحضر، والقوانين السياسية والإدارية والمالية والجنائية أبداً متغيرة ، المسائل المتعلقة بالنظام العام ! ...) وكأنه لا يملك أن يستبعد أية مسائل من حظيرة النظام العام وحتى ولو استبعدها بنص صريح واضح .
وقول الحكم محل التعليق الحالي أنه كان لاستبعاد جواز الدفع ببطلان التفتيش لأول مرة في النقض علة أخرى، وهي أن الدفع ببطلان التفتيش (يستدعي تحقيقًا في الوقائع وهو ما يخرج بطبيعته عن سلطة محكمة النقض قول صحيح، لكنه لا ينفي العلة الأولى لهذا الإستبعاد وهي أن البطلان كان في تقديرها نسبياً لا مطلقاً، لأنه إذا كانت العلة الوحيدة لهذا الاستبعاد هي القول الذي ساقة الحكم الحالي فكيف إذا يمكن تعليل النتائج الباقية ، مثل عدم جواز الدفع به إلا ممن وقع عليه التفتيش الباطل ، ومثل تصحيحه بمجرد الرضاء به ، أو بالتنازل عن الدفع به في حينه، أو بسقوط الحق في الدفع به إذا تم الإجراء الباطل في حضور محامي المتهم بدون اعتراض اعتراض منه كصریح نص المادة 333 إجراءات ؟
وهذه النتائج كلها مستقرة في قضاء النقض إستقرار عدم إمكان الدفع ببطلان التفتيش لأول مرة في النقض، وهي لها متلازمة ومترابطة إلى المدة الذي يحول دون إمكان الفصل بين بعضها والبعض الأخرين أي فقه متماسك صحيح .
بل إن مجرد قول محكمة النقض في السائد من قضائها أن الدفع ببطلان التفتيش لا يجوز أن يبدي لأول مرة في النقض يشير بذاته إلى أن هذا البطلان نسبي وليس مطلقاً، لأنه إذا كان مطلقاً، لكفى لإمكان الدفع به في النقض لأول مرة ألا يتطلب تحقيقاً في الموضوع، ولكفي لعدم قبوله في النقض أن تقرر محكمة النقض أنه يتطلب تحقيقاً في الموضوع ، لكن هذه الأخيرة لا تقرر ذلك فحسب، بل إنها تستلزم في السائد من أحكامها لإمكان التمسك به في النقض توافر شرطين مجتمعين :
الأول : ألا يتطلب إثبات الدفع تحقيقاً في الموضوع .
والثاني : أن يكون صاحب الشأن قد تمسك به بالفعل أمام محكمة الموضوع، فلم يدفع به لأول مرة في النقض .
وإذا كان استلزام الشرط الأول منهما لا ينبئ بذاته عن نوع البطلان، فإن استلزام الثاني ينبيء عن البطلان النسبي دون المطلق .
وقد جاء قضاء النقض المستقر هذا الصدد عاماً في عبارته، ومنصرفاً إلى جميع أحوال بطلان التفتيش، فلم يقل أن هناك أحوالاً يمكن الدفع بها لأول مرة في النقض إذا لم يتطلب تحقيقاً في الموضوع بل جاءت عباراته مقررة في غير تخصيص : أنه لا يمكن الدفع لأول مرة ببطلان التفتيش في النقض و ومن باب أولى إذا اقتضى الأمر تحقيقاً في الموضوع ، فكيف يمكن إذا التوفيق بين هذا القضاء السائد وبين هذا الحكم الأخير؟
أما الأحكام التي ذهبت إلى أن قواعد التفتيش تعد من النظام العام ، وإلى أن البطلان المترتب عليها مطلق، فكلها تقع خلال فترة محددة من الزمن انتهت بنهاية سنة 1938 .
ومنذ سنة 1939 توالت الأحكام التي تفيد على العكس من ذلك . أن قواعد التفتيش ليست من النظام العام، وأن مخالفتها ترتب بطلاناً نسبياً فحسب، ومرتبة على هذا القول جميع آثاره الحتمية ، بغير أية رغبة في عمل مغايرة من نوع منها و أخر .
وإذا صح أن هناك تفرقة هذا شأنها في أحكام النقض أو في التشريع أین نوع وأخر من قواعد التفتيش، فما هي أحوال البطلان المطلق وما هي أحوال البطلان النسبي ؟ إن حكماً واحداً قبل هذا الحكم لم يقل بوجود التفرقة أساساً، ولم يضع هذا الحكم ولا غيره . بالتالي لها معياراً ، وإن شارحاً واحداً ممن قالوا بوجودها لم يضع هذا المعيار حتى الآن ولا أشار إلي سنده في التشريع أو أحكام القضاء .
والإشارة إلى المادة 332 إجراءات لا تشفع شيئاً في هذا المقام، لأنها خاصة ببطلان إجراءات المحاكمة ومقصورة عليها - دون إجراءات التحقيق الإبتدائي التي تخضع للمادة 333 وحدها . والأعمال التحضيرية والمذكرات الإيضاحية لمشروعات المادتين لا تترك مجالاً لتأويل مخالف ، وقد بينا بما فيه الكفاية فيما سبق .
ثم هل كان في واقعة الدعوى التي فصل فيها هذا الحكم أي اعتداء صارخ على شخص المتهم أو مسكنه إلى الحد الذي يمكن معه القول بأن بطلان التفتيش ينبغي أن يعد فيها . أو مثلها فقط. من النظام العام ؟
يتضح من الحكم محل هذا التعليق أن الواقعة كانت تتحصل في أن الملازم أول .. استصدار أذناً من النيابة بتفتيش .. مسكنه ومن يتواجد به عند التفتيش لضبط ما يوجد من جواهر مخدرة أو أية ممنوعات في غضون عشرة أيام تبدأ من تاريخ صدور الإذن، وفي اليوم التالي مباشرة حرر الضابط محضراً أثبت فيه أنه بناء على هذا الإذن استقل هو البوليس الملكي .. وبعض رجال القوة سيارتين وصوبوا شطرهن إلى مقهى معين نما إلى علمهم تواجد المتهم فيه ، فلما وصلوا هذا المقهى علموا بأن المتهم كان قد غادره قبل وصولهم، ثم شاهدوا شخصاً آخر (المطعون ضده) يخرج من المقهى مسرعاً وفي حالة ارتباك، فقام بتفتيشه فعثر بجيب جلبابه العلوي الأيسر على الفساتين بداخلهما قطع يشتبه أن تكون حشيشاً، وأضاف إلى ذلك أنه سأل المتهم عن سبب إحراز المخدر فأنكر ملكيته له) .
وبعد أن استعرضت غرفة الإتهام التي أصدرت القرار المطعون فيه الوقائع انتهت إلى الوقائع بأن المتهم المطعون ضده لم يكن في حالة من حالات التلبس ... كما أن الدعوى قد خلت من الدلائل الكافية التي نصت عليها المادة 34 إجراءات والتي تبيح لمأمور الضبط القضائي أن يأمر بالقبض على المتهم إذا توافرت ضده تلك الدلائل .
وهذا القرار لا مطعن عليه . بداهة . من ناحية موضوعه ، وما تراه من بطلان تفتيش المتهم لعدم كفاية الدلائل التي أدت إلى القبض عليه وتفتيشه، فالخلاف بيننا ليس من هذه الناحية ، بل من ناحية أن المتهم المذكور لم يقدم أي دفع ببطلان التفتيش، ولم يحضر أصلاً أمام غرفة الإتهام، ومع ذلك أبطلت الغرفة التفتيش متطوعة على أساس أنه من النظام العام، وليس بحاجة لأن يدفع به حتى يقضى به، وأصدرت أمرها بالتالي بأنه لا وجه لإقامة الدعوى، فهذا هو وجه الإعتراض منا على الأمر المذكور وبالتالي على حكم النقض الذي رفض الطعن الموجه ضده .
وإجراء تفتيش المتهم رغماً إنتفاء التلبس أو الدلائل الكافية التي تبرره هو الصورة المالوفة لبطلانه ، وهو الصورة التي قضى في مثلها مراراً بين البطلان النسبي، وتفتیش شخص المتهم في مثلها لا ينطوي من الإعتداء على أكثر مما ينطوي عليه تفتيش منزله عندما يقع باطلاً عن نفس ظروف، فلم يكن في صورة هذه الدعوى أي وضع جديد أو إستثنائي يبرر الخروج على القضاء السائد والنصوص الواضحة .
ويكفي لإبراز هذا الخروج على نص المادة 333 أن نبين كيف أن المتهم لو كان حاضراً - ومعه محاميه - وغفل عن تقديم الدفع ببطلان تفتيشه لسقط حقه فيه، ولما أمكن لغرفة الاتهام أن تصدر قرارها ببطلان التفتیش، ثم بالأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، أما وقد غاب كلية . ولم يقدم أى دفع بالبطلان أمامها ، ولا في الأوراق . فقد أصبح من حقها أن تبطل نفس الإجراء من تلقاء نفسها وتأمر بالتالي بأن لا وجه لإقامة الدعوى .
وضع متناقض غريب يعطي للمتهم الغائب في ضوء هذا المبدأ من الضمانات، وفرص إبطال الأدلة المقدمة ضده، وما يتجاوز تلك التي تكون للمتهم الحاضر ولو كان معه محاميه، وتعطي لأية جهة قضائية أن تقضي من تلقاء نفسها ببطلان دليل لحساب متهم غائب لا تملك أن تقضى بمثله الحساب متهم حاضر، ما لم يدفع به في حينه . ويتمسك به صراحة . ويصر عليه حتى النهاية . ويعود للتمسك به من جديد في الإستئناف إذا كانت الدعوى تنظر على درجتين .
فهذه هي الضوابط التي وضعتها نفس المحكمة العليا للتمسك بأي دفع موضوعي أو قانوني مادام يتطلب تحقيقاً في الموضوع كالتفتيش، وهذه هي الضوابط التي وضعتها المادة 333 لجميع الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة عندما نصت على أنه يسقط الحق في الدفع بها إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه وعلى أنه في مواد مخالفات يعتبر الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة ، وعلى أنه كذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم يتمسك به في حينه .
بل كيف يتأنى التوفيق بين هذا الحكم وبين حكم آخرسابق له ببضعة أسابيع، وقد ذهبت إلى أنه متى كان المتهم الحاضر جميع إجراءات المحاكمة . قد قدم دفعه ببطلان التفتيش إلى غرفة الإتهام فعلاً معززاً بمذكرة تشرحه، لكنه غفل عن التمسك به من جديد أمام محكمة الموضوع فإنه لا يقبل منه إثارته أمام محكمة النقض .... فأي القضاءين يبدو أصدق تعبيراً عن حكم القانون في المادة 333 وعن قضاء النقض في ضوابطه المستقرة منذ سنة 1939 أننا نترك الجواب للقاريء ، لكن نسمح لأنفسنا أن نلاحظ . فحسب أن التوفيق بينها متعذر، وأنه إذا كان حكم 28 / 4 / 1958 يبدو منطقياً مع النصوص، ومع القضاء السائد، فإن حكم 3 / 6 / 1956 يبدو نشازاً وسط نغم متسق متماسك .
ولنفس هذه الأسباب يبدو لنا محل نظر أيضاً رأي آخر مقتضاه أن بطلان التفتيش يتعلق به في الوضع الحالي للتشريع (بالنظام العام إلا في حالة واحدة هي حالة واحدة هي حالة عدم حضور شاهدين في التفتيش الذي يجريه مأمور الضبط القضائي إذا لم يمكن حضور المتهم أو من ينيبه به فإنه يمكن أن توجه إليه نفس أوجه النقد التي وجهناها إلى هذا الحكم الأخير، وهي بعده عن الرأي الرأي المستقر، فضلاً عن انتفاء أساسه في التشريع بل لانتفاء حكمته .
فلماذا يتعلق بطلان التفتيش بالنظام العام في كل ضوابطه أحكامه إلا في حالة واحدة هي حالة عدم حضور شاهدين التفتيش الذي يجريه مأمور الضبط القضائي إذا لم يكن حضور المتهم أو من ينيبه به ؟ وما علة تخصيص مخالفة هذه القواعد الشكلية بخصم خاص من بين قواعده الأخرى الشكلية ؟ ولماذا لا تخضع مخالفة القواعد الشكلية فيه برمتها لقاعدة موحدة مع لزوم هذا التوحيد وقيامه على منطق واحد وحكمة مشتركة ؟ ثم أين السند في التشريع القائم لأية مغايرة حتى بين القواعد الشكلية للتفتيش وقواعده الموضوعية .
من كل ما تقدم يبين أن حكم 1958/6/3 . ومثله حكم 28 / 12 1964 - لم يلتزم النصوص . وهي صريحة . ولا الأوضاع القائمة وهي مستقرة على عكسه - بل ينبئ عن رغبة في التحرر من الأمرين معاً لبواعث لا يسمع المنصف إلا تسجيل ما تنطوي عليه من شعور الحرص على كفالة حرمات الأفراد على نمط أقوى مما يريد التشريع نفسه، فلم يكن اعتراضنا عليه من هذه الوجهة ، كلا بل من ناحية ما ذهب إليه من أنه يمثل حكم النصوص من جانب والقضاء المستقر من جانب آخر، وما قد يوجده من لبس في هذا الشأن .
فالأوضاع القانونية ينبغي أن تعرض كما هي كائنة بالفعل، وعلى علاقتها، سواء اتفقت من وجهة نظرنا فيما ينبغي أن تكون عليه من حال أم لم تتفق، والقول بأن وضعناً معيناً يمثل ۔ دون غيره . حكم التشريع القائم لا يفيد بذاته أنه هكذا ينبغي أن تكون فيه الحال دائماً، لكن ليس من حقنا أن تنكر وجوده لمجرد أننا غير راضين عنه، أولاً لأنه غير ملتئم من مذهبنا فيما ينبغي أن يكون عليه من حال .
والقول بأن مخالفة قواعد التفتيش ترتب في قانوناً المصري بطلاناً نسبياً ليس من مقتضاه القول بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، أو أن هذه النسبية تمثل الحد الأقصى لضمانات الأفراد التي ينبغي أن تحرض عليها الشرائع كافة كلا بل حبذا لو عدلت النصوص فأصبحت تسمح بالقول بأن مخالفة قواعد التفتيش ترتب بطلاناً مطلقاً، أو بالأقل ترتب هذه " البطلان عند مخالفة القواعد القانونية فيه، لما تتضمنه هذه المخالفة من معنى انتهاك حرمة المساكن أو الأشخاص، والإعتداء على كرامة الفرد وحقه الطبيعي في حياة موفورة الكرامة .
لكن إلى أن يتم تعديل كهذا إذا قدر له أن يتم يوماً فلا محل للقول بأن هذا هو حكم التشريع القائم، أو أنه يفرق بين أحوال يكون بطلان التفتيش فيها مطلقاً وأحوال أخرى يكون فيها نسبياً، بغير أن نجد فيه لهذه التفرقة ضابطاً ولا سنداً، وما يصدق على التشريع في هذا الشأن يصدق أيضاً على القضاء السائد فإنه وإن كان قد تطور فعلاً، إلا أن تطوره كان بين حقيبتين من الزمن، دون أن يفرق بين نوعين من القواعد التي تحكم بطلان التفتيش في وقت واحد .
هذا هو الوضع الحالي للتشريع وللقضاء السائد ، فهو يرتب على مخالفة قواعد التفتيش بطلاناً نسبياً فحسب، وأي قول آخر إنما يحاول أن فرض على النصوص أحكاما هي على النقيض منها، وعلى القضاء السائد لم يذهب إليه منذ يناير 1939 وقبل الحكم موضوع التعليق الحالي .
أما قول بعض الشراح بأن هذا الرأي الذي نقول به يؤدي إلى الهروب من مواجهة المشكلة الحقيقية في بطلان التفتيش وهي الإجابة على السؤال الآتي (متى يكون بطلان التفتيش مطلقاً ومتى يكون نسبياً) فهو يتضمن مصادرة على المطلوب تقوم على : افتراض مشكلة غير قائمة، ثم على محاولة إثبات الشيء بالشيء نفسه أو على إثباته بعبارات لا تغني كثيراً في الإقناع العلمي ، كالقول بأن هذا الرأي الذي ندافع عنه . وعكسه أيضاً هو (الوهم الذي يتعلق به البعض ويستريحون إليه عندما يظنون أن كل قواعد التفتيش وأحكامه من طبيعة واحدة) فلا ندري وأيم الحق هل الوهم هو التقيد بصريح النصوص ومذكراتها الإيضاحية وأعمالها التحضيرية والقضاء السابق عليه واللاحق لها، أم هو أن نتجاهل كل ذلك ونفترض وجود التفرقة افتراضاً، ثم نسكت عن بيان أي معيار لها ، كي ما ننسب المسئولية في هذا السكوت إلى عجز الجميع، والتشريع أيضاً .
إن هذا العجز المسند إلى التشريع لو صح وجوده لكان أدعى إلى إنكار التفرقة إلى إلا إفتراض وجودها، لكننا نطمئن مخالفينا في الرأي إلى أن الشارع لم يعجز هنا، وأن المعايير سهلة في وضعها ، لكن كيف تسند إلى عمل من شارع أو من قاض إذا كان عمل القاضي منذ سنة 1939 وعمل الشارع منذ نسبة سنة 1939 وعمل الشارع منذ سنة 1950 ينطقان - لمن يريد أن يسمع . برغبة تقرير البطلان النسبي للتفتيش عند مخالفة جميع أحكامه وأوضاعه، فيما خلا الأحكام النادرة جداً التي تحدثنا عنها آنفاً .
هذه هي المشكلة ، أما وضع معيار للتفرقة . وحكمته متوافرة إذا ما أريد له أن يوضع . فليس من المشكلة في شيء ، أن عدلت النصوص الحالية ، وألغيت أعمالها التحضيرية ومذكراتها الإيضاحية ، أو بالأقل إن بقيت هذه على حالها ، لكن ألغيت قواعد التأويل المعروفة ، ومعها ضوابط التمييز بين البطلان المطلق والنسبي كما استقر عليها الرأي في بلادنا والخارج .
عن بعض الأحكام اللاحقة
وفي الواقع يبدو أن بعض الأحكام اللاحقة لسنة 1985 بدأ يغالب من جديد فكرة البطلان النسبي في صور تتفاوت في دلالتها ، أو في عبارات تتفاوت في مدى وضوحها ، ومن ذلك مثلاً ما قضى به من :
أنه يوجد فرق بين الدفع ببطلان إذن التفتيش، وبين الدفع ببطلان إجراءاته، وإذا كان الطاعن لم يدفع ببطلان إجراءات التفتيش أثناء المحاكمة، فإنه لا يجوز إبداؤه لأول مرة أمام محكمة النقض، لأنه في حقيقته دفع موضوعي، ولا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض .
وأنه متى كانت المحكمة قد استخلصت في حدود السلطة المخولة لها أن رضاء الطاعنين بالتفتيش كان صريحاً غير مشوب، وكان غير لازم أن يكون الرضاء ثابتاً بالكتابة ، فإن المجادلة في ذلك أمام محكمة النقض لا تصح، ويكون الحكم سليماً فيما انتهى إليه من رفض الدفع ببطلان التفتيش .
إن الدفع ببطلان التفتيش لحصوله على صدور إذن النيابة يجب إبداؤه في عبارة صريحة تشمل بيان المراد منه، فلا يغني في هذا الأمر شيئاً أن يقول الدفاع (ولماذا توجيه السيد الشاهد السيد للسيد المحامي العام لاستصدار هذا الإذن ؟ إن المسألة موضوع تقييم من المحكمة، وأن الإذن . مشكوك في أمر صدوره) فإن هذه العبارة المرسلة لا تفيد الدفع ببطلان التفتيش لحصوله قبل صدوره إذن النيابة الذي يجب إبداؤه في عبارة صريحة تشتمل على بيان المواد منه ، وبطبيعة الحال إذا كان البطلان مطلقاً فإن مجرد إبداء الدفع غير لازم فمن باب أولى إبداؤه بمثل هذه العبارة التي وصفتها محكمة النقض بأنها عبارة مرسلة وغير كافية للدلالة على التمسك بالدفع بالبطلان .
وفي نفس الحكم أيضاً أنه لا يقبل من أوجه الطعن إلا ما كان متصلاً بشخص الطاعن، وكان له مصلحة فيه، ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعنون من الثاني إلى الخامس في شأن بطلان الطاعن الأول يكون غير مقبول .
ومن المسلم به أيضاً في قضاء النقض المعاصر أنه لا يقبل الدفع ببطلان التفتيش أو الإذن لأول مرة أمام محكمة النقض، وهذه النتيجة يمكن تعليلها . بالإضافة إلى نسبية أمثال هذه الدفوع بأنها دفوع قانونية مختلطة بالواقع، وتقتضي بالتالي تحقيق موضوعياً تنحصر عنه وظيفة محكمة النقض .
وسبق أن بينا كيف أن الإعتداد برضاء صاحب الشأن بالتفتيش الباطل ، وما يحدثه من أثر صحيح هذا التفتيش، لا يلتئم إلا مع القول بأن البطلان هنا نسبي ولو أنصب على قاعدة موضوعية من قواعد التفتيش، وبصرف النظر عن كيفية إثبات صدور هذا الرضاء غير المشوب بخوف، أو بجهل بملابسات التفتيش .
فهذا القضاء ما هو إلا امتداد صريح للقضاء الذي كان قد استقر قبل صدور تقنين الإجراءات الحالي عن نسبية أثر بطلان التفتيش والذي أيده هذا التقنين فيما بعده . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 184 )
ما يعد من قواعد الاختصاص من النظام العام :
هذا وقد اعتبرت محكمة النقض قواعد الإختصاص الجنائي من حيث أشخاص المتهمين من النظام العام، كما تعتبر كذلك من النظام العام قواعد الإختصاص المتعلق بالولاية، الإختصاص النوعي بنص صريح في قانون الإجراءات (م 332)، من ثم يجوز التمسك بالبطلان المترتب على مخالفتها في أية حال تكون عليها الدعوى، وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب .
أما بالنسبة لقواعد الإختصاص المكاني فقد ترددت في شأنها الأحكام، فقد ذهب القديم منها إلى أنها ليست من النظام العام وأجاز للخصوم التنازل عنها صراحة أو ضمناً، كما ذهب بعضها إلى انه إذا صدر حكم من محكمة جزئية في دعوى تابعة لاختصاص محكمة جزئية آخری فلا يعد مخالفاً للنظام العام، طالما كانت المحكمتان تابعتين لمحكمة ابتدائية واحدة هي تلك التي تنظر استئناف هذا الحكم .
إلا أن البعض الآخر من القضاء مال بعد ذلك إلى القول بأن قواعد - الإختصاص المكاني تعد أيضاً من النظام العام فأجاز التمسك بها في أية حالة كانت عليها الدعوى، كما أجاز الدفع بالبطلان المترتب على مخالفتها لأول مرة أمام محكمة النقض، ولو انه استلزم عندئذ أن يكون الدفع مستنداً إلى الوقائع الثابتة بالحكم غير مستلزم تحقيقاً موضوعياً .
لكن المستفاد من قانون الإجراءات الحالي أن البطلان بسبب عدم إختصاص المحكمة من حيث المكان لا ينبغي أن يعد من النظام العام، وذلك لأن المادة 332 منه اعتبرت ضمن أحوال البطلان المتعلق بالنظام العام عدم ولاية المحكمة في الدعوى، وعدم اختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروض عليها، ولم تشر عدم الإختصاص من حيث المكان، قد ورد صراحة في المذكرة الإيضاحية لهذه المادة عدى الاختصاص من حيث المكان من بين أحوال البطلان النسبي .
ومن رأينا أن الحكمة منتفية في إعتبار قواعد الإختصاص المكاني من النظام، إذا روعي أن مخالفتها لا تحرم المتهم من أية ضمانة خاصة بتشكيل المحكمة ( أ ) ، بإجراءات نظر الدعوى ، أو بحقوق الدفاع، أو بطريق الطعن في الحكم الصادر .. وهذا ما لا يتحقق عند مخالفة قواعد الإختصاص المتعلق بالأشخاص، أو بالولاية ، أو بالنوع ، حيث قد يكون التفاوت ضخماً في جميع هذه مما يقتضى القول بالبطلان ويتعلقه أيضاً بالنظام العام . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 522 )
وقد كان قانون تحقيق الجنايات المصري خلواً من نظرية معينة في شأن البطلان، وإن كانت به بعض نصوص في هذا الشأن منها المادة 145 وكانت توجب على الشهود الذين تجاوز سنهم أربع عشرة سنة، أن يحلفوا يميناً على أنهم يقولون الحق ولا يشهدون بغيره (وإلا كان العمل باطلاً) ومنها المادة 149 وكانت توجب ( على كل حكم صادر بعقوبة أن يكون مشتملاً على بيان الواقعة المستوجبة للحكم بالعقوبة وأن يشير إلى نص القانون الذي حكم بموجبه وإلا كان باطلاً ) . ومنها المادة 235 وكانت توجب علنية الجلسة (وإلا كان العمل لاغياً) .
هذا عن تقرير البطلان في ذاته، أما من نوعه فقد كان القانون خلواً من كل قاعدة إلا في شأن نوع بطلان الإجراءات السابقة على إنعقاد الجلسة، التي كان يرى أن بطلانها نسبي، وإن أوجه هذا البطلان ( يجب إبداؤاها قبل سماع شهادة أول شاهد، أو قبل المرافعة إن لم يكن هناك شهود ، وإلا سقط حق الدعوى بها ) على حد تعبير المادة 236 منه ( وهي تقابل المادة 333 من التقنين الحالي مع فروق أساسية عديدة في الصياغة وفي المضمون ) .
وكان القضاء السائد يأخذ بنظرية البطلان الذاتي أو الجوهري في أحوال كثيرة، خصوصاً كلما تعلق الإجراء الذي أهدر بالحرية الشخصية وحقوق الدفاع بوجه عام، ودون ما حاجة إلى نص يقرره، وكان هذا البطلان متعلقاً بمصلحة الخصوم، وبالتالي نسبياً في بعض الأحوال، وكان متعلقاً بالصالح العام وبالتالي مطلقاً في أحوال أخرى بل تطور قضاء النقض بالنسبة لبطلان التفتيش من القول بأنه من النظام العام حتى حوالي سنة 1939 إلى القول بأنه متعلق بمصلحة الخصوم فحسب منذ هذا التاريخ ومرتباً على نوع البطلان - في مرحلتيه - جميع آثاره المحتومة .
والمادة 333 تنص على أنه في غير الأحوال المشار إليها في المادة السابقة، يسقط الحق في الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو التحقيق بالجلسة فى الجنح والجنايات، إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه .
أما في مواد المخالفات فيعتبر الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم، ولو لم يحضر معه محام في الجلسة .
نوع بطلان إجراءات الإستدلال والتحقيق الإبتدائى :
نصت المادة 333 من قانون الإجراءات على أنه ( يسقط الحق في الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أو التحقيق الإبتدائي أو التحقيق بالجلسة في الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه .
أما في مواد المخالفات فيعتبر الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة .
وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه ) .
وعبارة أن الدفع ببطلان هذه الإجراءات يسقط بالنسبة للمتهم في الجنح والجنايات إذا كان له محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه، وبالنسبة للنيابة إذا لم تتمسك في حينه، ترتب بالضرورة كافة الآثار القانونية المترتبة على قاعدة البطلان النسبي والتي بيناها فيما سبق . بل أن هذه العبارة لم تتطلب لتصحيح الإجراء حتى التنازل الصريح عن الدفع ببطلانه ، إنما إكتفت بسكوت المحامي أو النيابة – بحسب الأحوال في الجنح والجنايات، واكتفت بسكوت نفس المتهم ولو لم يحضر معه محام بالنسبة للمخالفات .
وقد أكدت هذا المعنى أيضاً المذكرة الإيضاحية رقم 1 للمادة 333 (وأصلها المادة 320 في المشروع الأول و 326 في الثاني) فبينت أن من بين أحوال البطلان النسبي (مخالفة الأحكام الخاصة بالتفتيش والقبض والحبس الاحتياطي والاستجواب والاختصاص من حيث المكان) فلم يفرق النص بين إجراء وآخر من إجراءات التحقيق الواردة به - وهي التي تعنينا في المطلب الحالي، وهي واردة في المذكرة الإيضاحية على سبيل المثال لا الحصر كما تشير إلى ذلك عبارتها .
ثم أكدته من جديد لجنة الإجراءات الجنائية بمجلس الشيوخ في تقريرها عن المادتين 332 (وهي خاصة بإجراءات المحاكمة، وأصلها 319 في المشروع الأول و 325 في الثاني) و 333 عندما ذكرت عن هذه المادة الأخيرة أنها (خاصة بالبطلان الذي لا يتعلق بالنظام العام والذي لا يجوز الحكم به إلا إذا تمسك به المتهم) . ولذلك رأت اللجنة أن تضيف في أول المادة الثانية منهما عبارة ( غير الأحوال المشار إليها في المادة السابقة) .
أي أن اللجنة رأت بهذه الإضافة أن توضح نية الشارع في الفصل بين نطاق كل من المادتين بحيث تكون أولاهما مقصورة على إجراءات المحاكمة التي ترتب مخالفتها بطلاناً متعلقاً بالنظام العام، سواء منها ما ورد فيها صراحة أم ما تركته لاجتهاد القضاء . وتكون ثانيتهما مقصورة على إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي أو التحقيق بالجلسة . وهذه كلها - وبغير إستثناء أي إجراء منها - (يسقط الحق في الدفع ببطلانها إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه...) وهذه أقوى آثار البطلان النسبي .
هذه الإعتبارات مجتمعة لا تترك مجالاً للشك في أن نية شارعنا المصري انصرفت - عند وضع المادتين 332 و 333 - إلى إخضاع جميع قواعد الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة لنظام البطلان النسبي دون المطلق، وأن ما ورد في المذكرات الإيضاحية والأعمال التحضيرية في هذا الشأن صحيح لا مطعن عليه من ناحية تعبيره عن نية الشارع الحقيقية .
كما لا تترك هذه الإعتبارات مجالاً للشك في أن مخالفة قواعد التفتيش ترتب - شأنها في ذلك شأن باقي إجراءات التحقيق الإبتدائي - بطلاناً نسبياً وليس مطلقاً وقضاء النقض مضطرد على هذا المعنى منذ سنة 1939 ومرتب على هذا البطلان النسبي جميع آثاره المحتومة فيما خلا حكم واحد أو أكثر لم يلتزم نفس الاتجاه . بل لقد وردت في بعضها عبارة عامة فسرها البعض على أنها تتضمن قاعدة البطلان المطلق في بعض الصور بالأقل، كما وردت في بعضها الآخر عبارة صريحة تتضمن أن بعض قواعده من النظام العام استناداً إلى المادة 332 وإن لم يحاول هذا القضاء النادر جدًا وضع أي ضابط للتمييز بين حالات النوعين، بالأقل في شأن قواعد التفتيش .
كما يخضع لنفس قاعدة البطلان النسبي مخالفة ضمانات الاستجواب والمواجهة في الجنايات الخاصة بلزوم دعوة محامي المتهم إن وجد، وإطلاعه على الأوراق قبل إجرائهما بمدة أربع وعشرين ساعة عملاً بالمادتين 124 / 1 ، 125 إجراءات .
وما أوردناه فيما سبق من أسباب للاعتقاد بأن مخالفة جميع قواعد الاستدلال والتحقيق الابتدائي ترتب بطلاناً نسبياً فحسب - بحسب النصوص الحالية - كاف وحده للإعتقاد بأن مخالفة قواعد الاستجواب والمواجهة ترتب بدورها بطلاناً نسبياً وليس مطلقاً، لأن هذين الإجراءين يعدان من إجراءات التحقيق الإبتدائي بغير شبهة ، فينصرف إليهما بالتالي نص المادة 333 إجراءات الذي تكلمنا فيه آنفا بما يكفي .
ومن ثم على المتهم إذا أراد أن يؤسس طعنه بالنقض على مخالفة ضمانات الاستجواب أن المواجهة أن يتبع كل قواعد البطلان المتعلق بمصلحة الخصوم، أي البطلان النسبي، فعليه أن يدفع بالبطلان أولا أمام محكمة الموضوع دون أن يسوغ له التمسك به لأول مرة في النقض سواء أكان إثبات البطلان يتطلب تحقيقاً في الموضوع أم لا يتطلبه، لأنه لا تثار أمام محكمة النقض دفوع جديدة بوجه عام، إلا أن تكون مطلقة وغير متطلبة تحقيقاً في الموضوع .
ومن ثم لا يدفع بالبطلان هنا إلا ممن تعلق به الإجراء الباطل من المتهمين، دون باقيهم ولو كانوا يستنفدون من البطلان بصورة من الصور والتنازل من الدفع بالبطلان - إذا صدر من صاحب صفة في إبدائه - يقيد صاحب فلا يجوز له العدول عنه . ولا تملك أية محكمة أن تحكم بالبطلان هنا من تلقاء نفسها، بل ينبغي أن يدفع به حتى يقضي به - وأن كان لها بطبيعة الحال أن تستبعد الدليل المستمد من الاستجواب أو المواجهة الباطلين كلية، إذا لم تطمئن إلى أيهما بما لها من سلطة كاملة في تقدير صحة الدليل من عدم صحته، ولكن هذا موضوع آخر. وأخيراً فإن المصلحة من مخالفة ضمانات الاستجواب أو المواجهة ليست مفترضة متى سلمنا بأن البطلان المترتب على هذه المخالفة نسبي وليس مطلقاً، بل تخضع في تقديرها عند الطعن بالنقض لجميع ضوابط المصلحة المقررة لهذا النوع من البطلان - وبوجه خاص أن يبين أن الإجراء الباطل قد أسفر عن دليل معين قبل الطاعن، وأن الحكم المطعون فيه قد عول على هذا الدليل الباطل بصفته أساسية ضمن أدلة الإدانة الأخرى التي عول عليها، وهذا هو موضوع الفرع المقبل .
مناط مصلحة المتهم في الطعن ببطلان الإستدلال أو التحقيق الإبتدائي .
قلنا فيما سبق أن مبدأ بطلان الإجراء أياً كان نوعه لا يتوقف على مدى الضرر الذي نجم عن الإجراء المخالف للقانون، وبالتالي على مدى توافر المصلحة في الدفع بالبطلان . بل أن البطلان في ذاته شئ وشرط المصلحة في الدفع به شئ آخر. وبالتالي قد لا يتردد رأي معين في تقرير بطلان إجراء ما إذا ما توافرت له شرائط البطلان، لكن يتعذر مع ذلك قبول الدفع به لانتفاء المصلحة من التمسك بهذا البطلان . وقد استقر الرأي على ذلك أيضاً في فقه المرافعات المدنية، وعلى التمييز بالتالي بين شرائط صحة الإجراء regularite أو مشروعيته legalite .
بحسب الأحوال وبين شرائط الدفع بما قد يشوبه من عيوب الصحة أو المشروعية .
وهذا التمييز يبرز أوضح ما يكون عند الكلام في مناط مصلحة المتهم في الطعن ببطلان إجراءات الاستدلال أو التحقيق الإبتدائي سواء عند توافر المصلحة أم عند انتفائها .
شرائط توافر المصلحة في الطعن ببطلان هذه الإجراءات
مناط مصلحة المتهم في الطعن ببطلان أي إجراء من إجراءات الاستدلال أو التحقيق الابتدائي هو توافر أمرين :
أولهما : أن يكون الإجراء الباطل قد أسفر عن ظهور دليل من الأدلة قبله.
وثانيهما : أن تكون محكمة الموضوع قد عولت على الدليل الباطل في إدانته أي استمدت منه عنصراً أو أكثر من عناصر الإثبات الرئيسية في الدعوى .
ذلك أن القاعدة هي أن بطلان الإجراء يستتبع بالتالي بطلان جميع الآثار المترتبة عليه مباشرة (م 336 إجراءات )، فلا يجوز بحال أن تعول المحكمة على الدليل الذي أسفر عنه الإجراء الباطل وإلا كان حكمها بدوره باطلاً، لذا قضى مثلاً بأنه :
لا يصح الإعتماد على الدليل الذي أسفر عنه تفتيش باطل، فلا يصح للمحاكم الإعتماد عليه بل ولا على شهادة من أجروه لأن مثل هذه الشهادة تتضمن أخباراً منهم عن أمر ارتكبوه مخالف للقانون فالاعتماد على مثلها في إصدار الحكم إعتماد على أمر تمقته الآداب وهو في ذاته جريمة منطبقة على المادة 128 ع . وإذن فيكون باطلاً الحكم - يؤسس على مثل هذا التفتيش الباطل قانوناً وعلى أقوال رجال البوليس الذين أجروه ولم يكن له سند في الإدانة غير محضر هذا التفتيش وهذه الشهادة .
- الحكم الذي يؤسس على محضر تفتيش باطل، وعلى أقوال رجل البوليس الذي أجرى التفتيش وعلى ما نسب إلى المتهم من الاعتراف أمام نفس هذه المحقق، ولم يكن له سند في إدانة المتهم غير هذه العناصر يعتبر حكماً باطلاً .
- إذا كان الحكم الإبتدائي الصادر ببراءة المتهم مؤسساً على أن الاعتراف الصادر منه لدى البوليس - وهو الدليل الوحيد على إدانته - قد صدر بالإكراه تحت تأثير ما وقع عليه من الضرب الذي أثبته الكشف الطبي ثم جاء الحكم الاستئنافي فأدان الطاعن اعتماداً على هذا الإعتراف وحده بمقولة بأنه صدر من المتهم مختاراً دون أن يرد على ما جاء بالحكم المستأنف من أدلة الإكراه . فهذا قصور يعيبه ويستوجب نقضه .
الدليل المستمد من مناقشة المتهم في شأن مخدر ضبطه بمنزله بناي على تفتيش باطل يكون باطلاً كذلك، ولا يصح الإستشهاد به عليه لأن تلك المناقشة إنما كان مدارها مواجهة المتهم بما أسفر عنه التفتيش الباطل من نتيجة .
إذا كانت المحكمة قد قضت ببطلان التفتيش واستبعدت ما أسفر عنه كدليل إثبات في الدعوى، ومع ذلك أدانت المتهم بناء على ما قالته من إنه قد قرر في جميع أدوار الدعوى هو وزوجته أن المادة التي يحاكم عن إحرازها قد ضبطت بين طيات فراشه، وأنه قد ثبت من التحليل أنها حشيش فإن حكمها يكون معيباً لأن هذا القول من المتهم وزوجته لا يعد اعترافاً وإنما هو مجرد تقريره للتفتيش الباطل ولما نتج عنه .
إذا دفع المتهم بأن الاعتراف المنسوب له في محضر التحقيق لم يصدر منه فردت المحكمة بأنها لا تعبأ بدفاعه لأنه معترف في التحقيق، فذلك لا يعد منها رداً، ويكون الحكم بالإدانة الذي قوامه مثل هذا الاعتراف معيباً بالقصور .
- إذا كان الحكم - مع تسليمه بأن ضابط البوليس هدد المتهم بالقبض على ذويه وأقاربه، وبأن إعتراف المتهم لم يصدر إلا بعد هذا التهديد - قد اعتمد في إدانته على هذا الإعتراف وحده، ولو لم يورد دليلاً من شأنه أن يؤدي إلى ما ذهب إليه من اعتبار هذا الإعتراف صحيحاً سوى ما قاله من أن المتهم ليس ممن يتأثرون بالتهديد لأنه من المشبوهين فإنه يكون قاصراً، إذا أن ما قاله من ذلك لا يمكن أن يكون صحيحاً على إطلاقه، فإن توجيه إنذار الإشتباه إلى إنسان ليس من شأنه أن يجرده من المشاعر والعواطف التي فطر عليها الناس .
إذا كان دفاع المتهم مبنياً على أن الاعتراف المعزو إليه في التحقيقات كان وليد إكراه وقع عليه، وكان المستفاد مما قالته المحكمة أنها عولت على هذا الإعتراف وهونت من شأن ما ادعاه المتهم من أنه كان نتيجة وقوع الإكراه عليه، قائلة أن الآثار الطفيفة التي وجدت بالمتهم والتي أثبتها الكشف الطبي ليس من شأنها أن تدعو إلى أن يقر بجريمة لها عقوبة مغلظة، فهذا منها لا يكفي رداً على ما تمسك به، إذ هي ما دامت قد سلمت بوقوع الإكراه على المتهم يكون عليها أن تعنى ببحث هذا الإكراه، وسببه، وعلاقته بأقوال المتهم، لأن الاعتراف يجب ألا يعول عليه، ولو كان صادقاً متى كان وليد إكراه كائناً ما كان قدره .
- إذا كانت المحكمة قد عولت في إدانة المتهمين على اعترافاتهما عند استعراض الكلب البوليسي عليهما في التحقيق الذي أعقب ذلك في منزل العمدة، قائلة أن الإعتراف الذي يصدر عن المتهمين في أعقاب تعرف الكلب البوليسي عليهم يكون عادة في حالة نفسية مصدرها هذا التعريف، سواء أهجم الكلب عليهم ومزق ملابسهم، وسواء أحدث بهم إصابات أو لم يحدث من ذلك كله شئ، فهذا القول لا يصلح رداً على ما دفعاً به من أن اعترافهما كان وليد ما وقع عليهما من إكراه، إذ هي مع تسليمها بما يفيد وقوع إكراه عليهما لم تبحث مدى هذا الإكراه ومبلغ تأثيره في الإعتراف الصادر عنهما، سواء لدى عملية إستعراف الكلب البوليسي أو في منزل العمدة، ولا يعني في هذا المقام ما ذكرته المحكمة من حسن نية المحقق وتجرده من قصد حمل المتهمين على الاعتراف .
إذا كان المتهم قد تمسك أمام المحكمة بأن العبارات التي فاه بها أثناء تعرف الكلب البوليسي عليه إنما صدرت منه وهو مكره لوثوب الكلب البوليس عليه إنما صدرت منه وهو مكره لوثوب الكلب البوليس عليه دفعاً لما خشية من أذاه، ومع ذلك فإن المحكمة قد عدتها إقراراً منه بارتكاب الجريمة وعولت عليها في إدانته دون أن ترد على ما دفع به وتفنيده فإن حكمها يكون مشوباً بالقصور .
- ما دامت إدانة المتهم قد أقيمت على دليل مستمد من محضر تفتيش باطل وعلى الإعتراف المنسوب إليه في هذا المحضر، والذي أنكره فيما بعد، فأنها لا تكون صحيحة لإعتمادها على محضر إجراءات باطلة .
- إذا كان الدفاع عن المتهم قد تمسك أمام المحكمة بأن الاعتراف المنسوب إلى متهمة أخرى عليه كان وليد إكراه، وكان الحكم قد اعتمد في إدانة المتهم على هذا الاعتراف دون أن يعني بالرد على هذا الدفاع فإنه يكون قاصراً بما يعيبه ويستوجب نقضه .
لا يصح الإستدلال على الزوجة بالاعتراف المسند إلى شريكها في الزنا والمثبت في محضر التفتيش الباطل، ما دام ضبط هذا الشريك في المنزل لم يكن وليد إجراء باطل، وكان اعترافه منصباً على واقعة وجوده في المنزل وقت التفتيش .
وإذا كانت الواقعة المراد الإستدلال عليها بمحضر التفتيش الباطل واحدة فسواء وصفت أنها دعارة أو زنا فأثر البطلان ينسحب عليها ويشملها بكافة أوصافها .
القاعدة إذا مضطردة وهي أن الإجراء الباطل لا يصح أن يرتب أثراً صحيحاً وإلا كان البطلان أمراً نظرياً لا جدوى من تقريره، ولا مصلحة لأحد في الدفع به .
لذا نجد محكمة النقض لا تتوانى في قضائها المضطرد عن تقرير هذه البديهية الإجرائية المستمدة من أوليات المنطق قبل أن تكون من نص المادة 336 أو غيره من التشريع، وهي أن كل من بني على الباطل باطل أيضاً فلا تبني إدانة صحيحة على دليل باطل مهما كان شأنه، أو شأن الجريمة التي تثبت به، فلا يضير العدالة على حد تعبيرها إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الاقتئات على حرمات الناس بدون حق .
انتفاء المصلحة في الطعن ببطلان هذه الإجراءات :
قلنا أن مناط المصلحة في الطعن ببطلان إجراءات الإستدلال أو التحقيق الإبتدائي هو توافر شرطين : أولهما أن يكون الإجراء المدفوع ببطلانه قد أسفر عن دليل منتج من أدلة الدعوى، وثانيهما : أن يكون الحكم المطعون فيه قد عول بصفة أصلية على هذا الدليل ولو ضمن باقي أدلة الدعوى .
فإذا انتفي أي من الشرطين فقد انتفت المصلحة في الطعن ببطلان الإجراء إذا كان باطلاً وقلما يحتاج الأمر في العمل إلى الكلام في انتفاء الشرط الأول منهما لأنه مفهوم ضمناً، لأنه إذا كان الإجراء الباطل لم يسفر عن أي دليل فقد انتفت بالتالي حاجة المتهم إلى الكلام حتى في مبدأ البطلان بل تكون مصلحته بالأكثر في التغاضي عن البطلان لأن انتفاء الدليل الذي كان يصح أن يسفر عنه الإجراء الباطل قد يكون في بعض الأحيان من قرائن البراءة التي يستفيد منها .
أما انتفاء الشرط الثاني فهو الأمر الذي كثيراً ما يؤدي في العمل إلى تقرير انتفاء المصلحة في الطعن ببطلان إجراء ما من إجراءات الاستدلال أو التحقيق الإبتدائي . فبطلان القبض يبطل التلبس وبطلان التلبس يبطل تفتيش شخص المتهم ومسكنه وضبط أي شيء ذي صلة بالجريمة وبطلان التفتيش يبطل اعتراف المتهم المترتب عليه، وكذلك يبطل الحبس الاحتياطي المترتب على القبض الباطل مهما تولد عنه من تلبس، فتفتيش فضبط أشياء، فاعتراف وعندئذ تكون للطاعن مصلحة محققة في التوصل إلى بطلان القبض وهو الإجراء الأول .
وإذا كان القبض باطلاً، لكن ظهر فيما بعد تلبس مقطوع الصلة به، لأنه ظهر بعد فترة كافية منه، وأمامه سلطة أخرى، فإن التلبس يكون صحيحاً. وكذلك إذا كان التفتيش باطلاً، لكن صدر من المتهم فيما بعد اعتراف مقطوع الصلة بالتفتيش الباطل، فعندئذ لا يؤدي بطلان القبض أو التفتيش بحسب الأحوال إلى بطلان الأدلة الأخرى المستمدة من التلبس أو الإعتراف .
وغني عن البيان أيضاً أن المصلحة في الطعن ببطلان أي إجراء من إجراءات التحقيق أو الإستدلال لا تكون متوافرة إذا كان البطلان نظرياً بحتاً، أو إذا كان الإجراء المدعي ببطلانه قد صححه إجراء آخر صحيح لذا قضى مثلاً بأنه متى كانت المحكمة قد اعتمدت في إدانة المتهم على شهادة مفتش المباحث التي أدلى بها أمامها في جلسة المحاكمة مع سائر أدلة الإثبات الأخرى التي أوردتها فى حكمها، ومن بينها اعتراف المتهمين في تحقيق النيابة واعتراف المتهم الآخر بتلك الجلسة على نفسه وعلى ذلك المتهم، فإنه لا جدوى من التمسك ببطلان محضر جمع استدلالات حرره مفتش المباحث المذكور بعد أن تولت النيابة العامة التحقيق في القضية، دون أن يصدر من وكيل النيابة المحقق أمر بندبه لإجراء تحقيق معين .
كما قضى بأنه لا يجدي المتهم تمسكه ببطلان التفتيش ما دام دليل وجود المضبوطات قد تحقق بإعترافه في التحقيقات اعترافاً اطمأنت المحكمة إلى صحته، بضبط الأمتعة والمنقولات الأخرى المختلسة في حجرته .
وبأنه لا مصلحة للطاعن في الجدل فيما إذا كان تخليه عن قطعة المخدر التي ألقاها على الأرض قد تم باختياره بحيث تقوم حالة التلبس التي تجيز القبض عليه وتفتيشه، أو أن إلقاءها كان وليد إجراء غير مشروع لا يجوز ذلك - طالما كان من حق رجال الضبطية القضائية إجراء هذا القبض والتفتيش بناء على الإذن بذلك الذي ثبت صدوره من النيابة فعلاً .
وبأنه لما كان موضوع الإذن قد إنصب على تفتيش المأذون بضبطه وتفتيشه بالسيارة المعينة بذاتها - وهي سيارة الطاعن - فلا يقبل من هذا الأخير التحدث عن بطلان هذا الإذن بدعوى تعميم مداه وامتداده إلى كافة السيارات الأجرة التي يوجد بها ذلك المأذون بضبطه وتفتيشه لانتفاء مصلحة الطاعن في هذا الدفع .
كما قضى أيضاً بأنه إذا كان الثابت بالحكم أن رجال البوليس قد دخلوا منزل المتهم بالحيلة، ولكن المتهم هو الذي قدم المادة المخدرة إليهم بنفسه وبمحض إرادته، فلا يسوغ له بعد ذلك أن يطعن ببطلان الإجراءات إرتكاز على دخول رجال الضبطية القضائية مسكنه في غير الأحوال التي نص عليها القانون .
وهذا الحكم الأخير يبدو محل نظر، إذ أن من الثابت فيه أن دخول رجال الضبط القضائي إلى منزل المتهم كان بالحيلة، وفي ظروف تقتضي القول بعدم مشروعيته ، وتقديم المتهم المادة المخدرة إليهم بنفسه وبمحض إرادته لا ينفي بطلانه كما لا ينفي أن ظهور هذا الدليل كان بسبب الدخول غير المشروع فكان ينبغي القول ببطلانه هو أيضاً لأن الصلة بين الأمرين واضحة لا تحتاج عناء في استظهارها .
وأغلب الظن أن محكمة النقض افترضت أنه ما دام لم يجر تفتیش للمنزل فلا مبرر للقول بالبطلان، لأن ظهور التلبس لم يكن عقب تفتيش باطل . مع أنه من المتفق عليه أن دخول المنزل المسكون يعد كالتفتيش من إجراءات التحقيق لا الاستدلال، فإذا كان الدخول في ذاته باطلاً فقد بطل كل دليل مترتب عليه سواء أجرى تفتيش أم لم يجر، بل كان التلبس واضحاً بغيره كما جرت الأمور في واقعة هذه الدعوى . فتقديم المتهم المخدر بنفسه وبمحض إرادته عقب الدخول الباطل إلى منزله لا يوهن في شئ من بطلان هذا الإجراء ولا الدليل المترتب عليه .
تقدير الصلة بين الإجراء الباطل والدليل الذي عول عليه الحكم المطعون فيه .
لمحكمة الموضوع أن تقدر الصلة التي قد يدفع المتهم بتوافرها بين الإجراء الباطل من إجراءات التحقيق الإبتدائي، وبين الدليل الذي قد يرتكن عليه الإتهام. فإذا رأت أن الصلة متوافرة قضت ببطلان الأمرين معاً الإجراء نفسه وما أسفر عنه من دليل، وإلا كان لها عند انتهاء الصلة التعويل على الدليل القائم في الدعوى بوصفه إجراء مستقلاً بذاته، فلا ينسحب إليه بطلان الإجراء أو الإجراءات الأخرى المدفوع ببطلانها .
وهذا التقدير هو من المسائل الموضوعية التي تفصل فيها المحكمة حسبما يتكشف لها من ظروف الأمرين معاً الإجراء المدفوع ببطلانه، والدليل المعقول بأنه مترتب عليه وفصلها هذا نهائي لا رقابة عليه المحكمة النقض إلا في الحدود العامة التي تراقب فيها هذه الأخيرة المسائل الموضوعية، وفي الجملة أن يكون بيان الصلة - أو نفيها – بأسباب كافية مستمدة من الأوراق، وأن يكون استظهارها باستنتاج سائغ في المنطق مقبول .
وتقدير الصلة بين الإجراء الباطل من قبض أو تفتيش وبين الاعتراف المسند إلى المتهم مسألة تخضع لتقدير قاضي الموضوع حتى ولو كان قد صدر أمام نفس الضابط الذي قام بالإجراء الباطل، ومن باب أولى إذا صدر أمام غيرين أجراه .
لكن ينبغي أن يبين الحكم - على أية حال - أن المحكمة كانت متنبهة وهي تعمل الدليل إلى انتفاء الصلة بينه وبين الإجراء الباطل .
وأن هذه الصلة من شأنها أن تعدم أثره - فيما لو كانت قائمة - لذا فإنه إذا كانت المحكمة قد عولت - فيما عولت - لإدانة المتهم على الاعتراف المنسوب إليه أثر القبض الباطل الذي وقع عليه دون أن تتحدث عنه كدليل قائم بذاته ومنفصل عن تلك الإجراءات الباطلة، ولا هي كشفت عن مدى استقلاله عنها، فإن الحكم يكون معيباً .
أما إذا كان الحكم قد أثبت أن المتهم لم يعترف فقط أمام ضابط البوليس عقب ضبط المخدر، بل إعترف أيضاً أمام وكيل النيابة عند استجوابه مما يفيد أنه لم يكن متأثراً وقتئذ بذلك التفتيش، فلذلك يكفي في الرد على ما يثيره من أن هذا الإعتراف كان وليد تفتيش قضي ببطلانه .
وفي الجملة لا تتوافر المصلحة من الدفع ببطلان إجراءات التحقيق إلا إذا كان الحكم المطعون فيه قد بني على تلك الإجراءات المقول ببطلانها، أو كان لها أثر فيه يترتب عليه ضرر يمس حقوق الطاعن أو دفاعه . أما إذا كانت الإجراءات المدعي ببطلانها ليس لها أية علاقة أو أي أثر ، ولم يترتب عليها ضرر بالطاعن في دفاعه أمام المحكمة، فلا محل لإثارتها أمام محكمة النقض لانتفاء المصلحة من البحث فيها .
ولا تختلف الحال عن ذلك شيئاً إذا كان الطعن من النيابة، فلو كان الحكم مع ما أثبته من أن القبض على المتهم وقع صحيحاً قد إلتفت في قضائه عن الدليل المستمد من التفتيش الذي وقع أثر القبض، فإنه يكون خاطئاً .
كما قضى بأنه إذا كان الحكم في معرض بيان واقعة الدعوى قد ذكر أن المتهم اعترف بحيازته لعلبة المخدر مدعياً أنه عثر عليها بالطريق، وحين قضى بالبراءة بناء على بطلان القبض على المتهم لم يتعرض لهذه الأقوال ومبلغ كفايتها وحدها في الإثبات، فهذا يكون قصوراً مستوجباً لنقضه .
ذلك أن إعتراف المتهم حراً أمام النيابة يعد دليلاً قائماً بذاته غير مترتب على القبض أو التفتيش، ولو سبقه قبض أو تفتيش باطل بمعرفة البوليس ما دام لم يكن المتهم متأثراً بنتيجة هذا الإجراء ومن باب أولى اعترافه أمام المحكمة بالجريمة التي ظهر من التفتيش ارتكابه لها، فإنه كاف في إدانته، ولو كان هذا أو ذاك قد وقع باطلاً لأي سبب كان .
وبالتالي فإنه إذا ظهر من أسباب الحكم المطعون فيه أن الصلة كانت منقطعة بين الدليل الذي عول عليه هذا الحكم وبين الإجراء الباطل فإن المصلحة في الطعن تكون منتفية حتى مع التسليم جدلاً بما قد يذهب إليه من بطلان هذا الإجراء، وسواء أبني البطلان على أسباب قانونية، أم موضوعية لكن ثابتة في الحكم المطعون فيه فلا تحتاج تحقيقاً، ويصح بالتالي إثارتها في الطعن بالنقض .
وغني عن البيان أن تقدير توافر سبب لبطلان من عدم توافره أمر موضوعي صرف فلا يخضع من ثم لرقابة محكمة النقض إلا في الحدود العامة التي تراقب فيها كافة المسائل الموضوعية، كذلك تقدير قيمة الدليل الذي أسفر عنه ، ومعدی توافر الصلة بين الأمرين، على ما بيناه .
وتوافر المصلحة من الدفع ببطلان التفتيش لا يغني عن شرط توافر الصفة أيضاً فيمن يثير هذا الدفع وصاحب الصفة فيه هو نفس الشخص الذي اعتدى على حرمة شخصه أو مسكنه بتفتيش باطل، فلا يقبل هذا الدفع من غيره حتى ولو كان صاحب مصلحة محققة في التوصل إلى إبطال الإجراء وما يكون قد تكشف عنه من دليل . ومن ذلك مثلاً شريك المتهم الذي فتش منزله تفتيشاً باطلاً إذا كان الدليل المضبوط يمكن أن ينصرف إليهما معاً، أو ربما إلى الشريك وحده .
وقضاء النقض مستقر على هذه القاعدة الأخيرة منذ استقر على مبدأ أن الدفع ببطلان التفتيش دفع نسبي لا مطلق وذلك على ما وضحته تفصيلاً في الجزء الأول من هذا المؤلف .
والقضاء الحديث أيضاً مضطرد على هذا الوضع لا يحيد عنه .
ويلاحظ أن الأدلة في المواد الجنائية متساندة متماسكة يسند بعضها بعضاً، بحيث إذا سقط أحدها أو استبعد، وتعذر التعرف على مبلغ أثر الدليل الباطل في عقيدة المحكمة، تعين من ثم نقض الحكم برمته . لهذا التمساند أهميته البالغة في تقدير توافر مصلحة الطاعن من التوصل إلى إبطال أي دليل من أدلة الإدانة التي عول عليها الحكم المطعون فيه . وهذا التساند قاعدة أصلية متسعة النطاق لا يحد منها إلا إمكان الاستغناء بالأدلة الصحيحة عن الدليل الباطل في صور استثنائية نادرة .
ولنا عودة إلى قاعدة تساند الأدلة هذه - بقدر اتصالها بمصلحة الطاعن من طعنه - فيما بعد عندما نتكلم عن اتصال مصلحة الطاعن بأخطاء الأحكام المطعون فيها عند التدليل على ثبوت الواقعة أو عدم ثبوتها .
المصلحة في الطعن ببطلان التحقيق النهائي
قد يلحق البطلان إجراء من إجراءات التحقيق النهائي . وبعض هذه الإجراءات تنظيمي بحت فلا ترتب مخالفته بطلاناً ما، مثل سماع شهود الإثبات والنفي بترتيب معين (271، 272 إجراءات)، وكذلك ترتيب سماع أطراف الدعويين الجنائية والمدنية (م 274، 275).
إلا إنه إذا تضمنت مخالفة هذه القواعد إخلالا بحق الدفاع فإن الإجراء يكون باطلاً، ويصبح للطاعن مصلحة في الطعن ببطلانه . فإذا طلب المتهم أن يكون آخر من يتكلم طبقاً للمادة 275 / 2، كان طلب - التعقيب - بعد إتمام مرافعته - على أثر إستيضاح المحكمة لأحد الشهود أمراً من الأمور، فرفضت المحكمة هذا الطلب كان حكمها معيباً للإخلال بحقه في الدفاع، أما إذا ترافع المدعي المدني بعد محامي المتهم ولم يعقب هذا عليه ولم يكن آخر من تكلم فلا بطلان، لأن سكوته دليل على أنه لم يكن لديه ما يقوله، كما قد يفسر على التنازل عن حقه في التكلم بعده .
وسماع شاهد بغير يمين يبطل أقواله بوصفها شهادة قانونية، فلا يبني عليها وحدها حكم صحيح، ولكن لا جدوى من الطعن على حكم بمقولة أنه اعتمد على شهادة شاهد لم يحلف اليمين إذا كان هذا الحكم لم يبن على هذه الشهادة وحدها، بل كان مبنياً على شهادة شاهدين آخرين لم يطعن عليهما . وكذلك إذا وقع العكس بأن حلفت المحكمة . شاهدا اليمين مع أنه لا يجوز ذلك، لأنه متهم في جنحة مرتبطة بالجناية المعروضة، فلا إخلال بحق الدفاع لأن اليمين ضمانة للمتهم . وهكذا الشأن دائماً كلما ظهر أن البطلان المدفوع به لم يلحق ضررا بمصلحة الطاعن مما يتطلب إصلاحه نقض الحكم .
وعلى أية حال فإن المادة 333 / 1، من قانون الإجراءات تؤدي حتماً إلى القول بأن مخالفة قواعد التحقيق بالجلسة عندما ترتب بطلاناً، فإن هذا البطلان يكون نسبياً وليس مطلقاً، بدلالة سقوط الحق في الدفع به ، في الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه وفي المخالفات إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة وقد جاء هذا النص عاماً فلم يفرق بين أي إجراء وآخر من إجراءات التحقيق فعلى الطاعن أو محاميه أن يدفع بالبطلان، ولكن لا يسقط الحق في الدفع به في الجنح والجنايات إلا إذا وقع البطلان في حضور محام وسكت هذا عن إبدائه في حينه .
كما نصت نفس المادة في فقرتها الثالثة على إنه (كذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه) .
وهذا النص يقيم مساواة في ضوابط البطلان بين الإتهام والدفاع فسكوت النيابة عن الدفع ببطلان أي إجراء من إجراءات الإستدلال أو التحقيق الابتدائي أو التحقيق النهائي بالجلسة يسقط حقها في الطعن - بالنقض لبطلان أي إجراء منها ومع مراعاة أن للنيابة أن تطعن ضد إجراءاتها الخاصة عندما يجوز الطعن وسواء أكان الطعن لمصلحة الإتهام أم لمصلحة المتهم .
إنما السكوت الذي يقيد النيابة، هو ذلك الذي يقيدها في الطعن بالنقض المصلحة الإتهام دون مصلحة المتهم، فإن مناط حق النيابة في الطعن المصلحة المتهم هو توافر حق هذا الأخير فيه، فهي تكون في الطعن لمصلحة المتهم نائبة عن فضلاً عن نيابتها عن المجتمع . فيقيدها ما يقيده ولا يقيدها ما لا يقيده، لأنها تستعمل حقه في الطعن بمقتضى إجازة صريحة في القانون لا بمقتضى حق أصيل لها .
وما دامت هي تمثل المتهم في هذا الطعن فمصلحتها متوافرة فيه متى توافرت مصلحة المتهم، حتى لو قضي لها بكل طلباتها. وبالتالي فإنه إذا حكم على شخص بحكم خاطئ أو أغفلت فيه مراعاة ضمانات المتهم يكون للنيابة العامة أن تطعن في هذا الحكم لمصلحة المتهم، ولو كان مطابقاً لطلباتها .
والبطلان النسبي الذي قد يتعذر أن يبدي لدى محكمة الموضوع يمكن أن يبدي لأول مرة في الطعن بالنقض وهذا الفرض يتعذر تحققه بالنسبة للنيابة لأنها حاضرة دائماً في الجلسة الجنائية أما بالنسبة للمتهم ولغيره متى كان خصوم الدعوى المدنية فأنه يجوز عندئذ إثارة الدفع بالبطلان متى كان من المتعذر التمسك به أمام المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه ، وعندئذ تكون محكمة النقض هي المختصة بتحقيق أسبابه، متى كان هذا التحقيق لازماً للفصل في الطعن .
ومن ذلك أن يطعن المحكوم في استئنافه بإعتبار معارضته كأن لم تكن في هذا الحكم بالنقض، إذا لم يكن قد أعلن بالجلسة المحددة لنظر معارضته أمام المحكمة الإستئنافية ، أو إذا كان قد أعلن بالجلسة لجهة النيابة أو الإدارة أو إذا كان هناك عذر قهري منعه من الحضور في المعارضة في الحكم الاستئنافي، فتفضل محكمة النقض بنفسها عندئذ في مثل واقعية عدم الإعلان الصحيح، أو في توافر العذر القهري، فإذا ظهرت لها صحة الدفع نقضت الحكم باعتبار المعارضة كأن لم تكن وإلا فلا وكذلك الشأن أيضاً إذا وقع في المحاكمة الاستئنافية الغيابية أي بطلان في إجراءات المحاكمة أو في التحقيق النهائي في الدعوى الجنائية أو المدنية .
أو بعبارة أخرى أن جميع أوجه البطلان النسبي المتعلقة بصحة إجراءات المحاكمة والتحقيق النهائي يمكن إبداؤه في النقض في حالتين :
أولهما : إذا أبدى الدفع أمام محكمة الموضوع المختصة، فلم ترد عليه، أو إذا ردت عليه بأسباب غير صحيحة أو غير سائغة، رغم أن الدفع جوهري متصل بمصلحة صاحب الشأن وذلك إذا كان يترتب على قبوله تغيير مصير الدعوى ومناقشة موقف محكمة الموضوع في شأن الدفع بالبطلان حينئذ هي في واقع الأمر مناقشة الأسباب الحكم المطعون فيه،، ما يكون قد وقع فيه من قصور في التسبيب أو فساد في الإستدلال .
وثانيها : إذا كان الحكم الاستئنافي المطعون فيه قد صدر غيابياً، وكانت لا تجوز المعارضة فيه وذلك مثلاً إذا كان حضورياً اعتباراً أو إذا كان صادراً في المعارضة بعدم جوازها، أو بعدم قبولها شكلاً أو باعتبارها كأن لم تكن، أو حتى بقبولها وتأييد الحكم المعارض فيه فكل محاكمة تنتهي إلى حكم أو آخر من هذه الأحكام من المحتمل أن يكون في إجراءاتها، أو في تحقيق الجلسة و بطلان ما، ويكون الطاعن قد عجز عن إبداء الدفع به لحصول الإجراء الباطل و غيبته التي لا ذنب له فيها، فعندئذ يمكن الدفع به لأول مرة في النقض لتوافر المصلحة من ذلك حتى إذا كان البطلان نسبياً كما في الأحوال التي قدمناها . ومن باب أولى إذا كان البطلان مطلقاً . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 318 )
ويبدو أن أحكامنا المصرية مستقرة على قاعدة البطلان الذاتي .
وبغير حاجة إلى نص . كلما الإجراء جوهرياً منذ أيام قانون تحقيق الجنايات ، وقد أقرها صراحة قانون الإجراءات في المادة 331 عندما نص على أنه ( يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري ) ، لكنة عين من نفس الوقت أحوالاً أخرى للبطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري ، بل عین نوع البطلان - في أحوال كثيرة - مبیناً مدى تعلقه بالنظام العام، لمبدئه فحسب وذلك، كما فعل في المادتين 332، 333 اللتين تتعرض لحكمهما فيما بعد ، ويهمنا أن نبين بوجه خاص بطلان التفتيش .. فهل هو متعلق بالنظام العام أو نسبي متعلق بمصلحة المتهمين وحدهم .
وذلك أن الرأي قد جرى في نطاق البطلان على التمييز بين نوعين منه : المطلق والنسبي، كما جرى في بلادنا فقهاً وقضاء علي إطلاق وصف المطلق على البطلان المتعلق بالنظام العام والنسبي على ذلك المتعلق بمصلحة الخصوم، هذا الإطلاق غير دقيق في الواقع لأن البطلان المطلق ليس مرادفاً للبطلان المتعلق بالنظام العام لكن لا ضرر منه في النهاية ، حيث أن معيار النظام العام هو المعيار السائد لتمييز البطلان المطلق عن النسبي .
هذا من وجهة أولى ومن وجهة أخرى إن البطلان المطلق يلتقي مع البطلان المتعلق بالنظام العام في خصائصة الرئيسية، فعلى المحكمة أن تقضي بأيهما من تلقاء نفسها، ويجوز الدفع بأيهما في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة في النقض، ويجوز لكل ذي مصلحة الدفع بها، ولا يصححهما الرضاء بالإجراء الباطل قبل إجرائه، ولا التنازل عن الدفع بالبطلان بعد إجرائه بالفعل، ولما كانت أحكام القضاء قد جرت على إطلاق الوصفين : مطلق ومتعلق بالنظام العام كمترادفين يحل أي منهما محل الآخر : لذا سنحذو حذوها ، حتى لا نبعد بالقارئ عن نطاق البحث القضائي الذي حددناه لهذا الفصل بالدخول في مساجلات نظرية عقيمة قد لا تلزمنا هنا .
البطلان المطلق والنسبي :
أما التمييز بين البطلان المطلق والنسبي فهو تمييز هام يرتب آثاراً عملية خطيرة في إجراءات التقاضي الجنائي : فحين يجوز الدفع بالبطلان المطلق في أية حالة كانت عليها الدعوى . لا يجوز الدفع لأول مرة بالبطلان النسبي فيه، حتى ولو لم يتطلب تحقيقاً في الموضوع .
وحين يجوز الدفع بالبطلان المطلق من كل ذي مصلحة فيه . ويجوز لمحكمة الموضوع بل عليها أن تقضي به من تلقاء نفسها ولا يجوز الدفع بالبطلان النسبي إلا ممن كان ضحية الإجراء الباطل وحده، ولا يجوز لأية جهة قضائية أن تقضى به من تلقاء نفسها .
وحين لا يحول الرضاء بالاجزاء الباطل بطلاناً مطلقاً دون البطلان، إذ بهذا الرضاء إذا صدر من صاحب الصفة فيه يصحح الإجراء الباطل بطلاناً نسبياً .
وهذه الفروق ليست مسائل خلافية ، بل يعرفها كل فقه - وقضاء . يعرف التفرقة بين البطلان المطلق والنسبى ، سواء في نطاق الإجراءات الجنائية، والمرافعات المدنية، فكل بطلان منهما يرتب تلقائياً أثاراً منها معينة بالذات. على النحو الذي وضحناه . ويرتب عكسه عكسها تماماً بغير تداخل بين النوعين، وقد نصت على هذه التفرقة صراحة بعض الشرائع كقانون الإجراءات الإيطالي سنة 1913، إنما الأمر الوحيد الذي يصح أن يكون مثار خلاف بين الشرائع والشراح هو في تعيين نوع البطلان الذي يصح أن يلحق مخالفة إجراء معين سواء أمست هذه المخالفة مشروعيته أم طريقة القيام به .
صدر قانون الاجراءات رقم 150 لسنة 1950 وقد أقر مبدأ نسبية بطلان التفتيش في جملته وتفاصيله، وعممه على كافة إجراءات التحقيق والاستدلال معاً، وكان اقراره بعبارة صريحة مقتضاها أنه ( يسقط الحق في الدفع ببطلان إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء في حضوره بدون اعتراض منه ) على حد تعبير المادة 333 منه .
وهذه العبارة ترتب بالضرورة وبحكم اللزوم العقلي كافة الآثار المترتبة على نسبية البطلان، بل إن هذه المادة لم تتطلب لتصحيح الاجراء حتى التنازل الصريح عن الدفع ببطلانه بل اكتفت بسكوت محامي المتهم عن الدفع به إذا تم الاجراء في حضوره، وليس بعد هذا دلالة على انصراف النص إلى تقرير نسبية البطلان بكل آثاره الحتمية .
موقف الاعمال التحضيرية :
وقد أكدت هذا المعنى المذكرة الايضاحية رقم 1 للمادة 333 ( وأصلها المادة 320 في المشروع الأول و 326 في الثاني ) فبينت أن من بين أحوال البطلان النسبي ( مخالفة الأحكام الخاصة بالتفتيش والقبض والحبس الاحتياطي والاستجواب والاختصاص من حيث المكان ) فلم يفرق النص مذكرته الايضاحية بين إجراء وآخر من إجراءات التحقيق المشار إليها فيهما وبين قاعدة وأخرى من قواعد التفتيش .
ثم اكدته لجنة الاجراءات الجنائية بمجلس الشيوخ في تقريرها عن المادتين 332 (وأصلها المادة 319 في المشروع الأول و325 في الثاني ) و 333 عندما ذكرت عن هذه المادة الأخيرة أنها خاصة بالبطلان الذي لا يتعلق بالنظام العام ، والذى لا يجوز الحكم به إلا إذا تمسك به المتهم ولذلك رأت ان تضيف في أول هذه المادة عبارة ( في غير الأحوال المشار إليها في المادة السابقة ) .
أي أن اللجنة رأت بهذه الإضافة أن توضح نية الشارع في الفصل بين نطاق كل من المادتين، بحيث لا تكون أولاهما مقصورة على إجراءات المحاكمة التى ترتب مخالفتها بطلاناً متعلقاً بالنظام العام سواء منها ما ورد فيها صراحة أو ما تركته لاجتهاد القضاء، وتكون ثانيهما مقصورة على إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة، وهذه كلها وبغير استثناء أي إجراء منها ( يسقط الحق في الدفع ببطلانها إذا كان للمتهم محام وحصل الاجراء بحضوره بدون اعتراض منه ) وهذا هو أوضح آثار البطلان النسبي .
بل انه ( في مواد المخالفات يعتبر الاجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك في حينه) على حد تعبير نفس المادة، وكل ذلك لا يترك شبهة في نوع البطلان الذي ترسمه . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 165 )
سقوط الحق في الدفع ببطلان الإجراءات :
لقد ذكرت المادة محل التعليق عدة صور اعتبرتها نزولاً ضمنياً عن الدفع ببطلان الإجراء المخالف للقانون حيث تعرضت لسقوط الدفع بالبطلان المتعلق بإجراء جوهري وفرقت بين المتهم والنيابة العامة. فبالنسبة إلى المتهم :
يختلف الحكم في حالة ما إذا كانت الإجراءات المخالفة للقانون تتعلق بجناية أو جنحة وبين ما إذا كانت قد اتخذت في مخالفة .
ففي الجنايات والجنح إذا حضر محام مع المتهم أثناء اتخاذ الإجراء وكان مخالفاً القانون ولم يعترض عليه سقط الحق في الدفع بالبطلان سواء أكان من الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أم التحقيق الابتدائي أم التحقيق النهائي. وإذا لم يكن مع المتهم محام وقت مباشرة الإجراء المخالف للقانون، فلا يسقط سكوته حقه في الدفع بالبطلان .
وفي المخالفات يعتبر الإجراء صحيحاً ما دام قد تم بحضور المتهم دون اعتراض منه ولو لم يحضر معه محام أثناء اتخاذه لبساطة تلك الجرائم وقلة أهميتها في غالب الأحوال .
ويسقط حق النيابة العامة في الدفع ببطلان الإجراء إذا لم تتمسك به وقت مباشرته .
أما باقي الخصوم، أي المدعي بالحق المدني والمسئول عن الحقوق المدنية إن وجد، فنرى أن تطبق بالنسبة إليهما ذات القواعد المقررة للمتهم إذا ليس من المقبول أن تكون حقوقهم في الدفع ببطلان الإجراءات المخالفة للقانون وسقوطه أكثر من تلك الممنوحة له. ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 519 )
بطلان الاستجواب وأثره على الحبس الاحتياطي :
يخضع للاستجواب من حيث صحته أو بطلانه للقواعد العامة في البطلان فيبطل الاستجواب إذا خولفت في أجزائه قاعدة جوهرية ويكون البطلان مطلقاً إذا كانت القاعدة الجوهرية التي خولفت تحمي مصلحة هامة فيما عدا ذلك يكون البطلان نسبياً وتطبيقاً لهذا المعيار فإنه إذا خولفت القواعد التي تحدد ولاية السلطة التي تجري الإستجواب كما لو ندب لإجرائه مأمور الضبط القضائي أو أجراه تلقائياً كان باطلاً بطلاناً مطلقاً وإذا خضع المتهم أثناء استجوابه لعامل اثر على حرية إرادته كإكراه مادي أو معنوي أو خداع بطل الإستجواب كذلك بطلاناً مطلقاً ولكن إذا لم يدع محامي المتهم الحضور ولم يمكن من الإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو أم يحط المتهم علما بالتهمة المنسوبة إليه كان بطلان الاستجواب نسبياً .
ويترتب على بطلان الاستجواب بطلان كل ما يترتب عليه من آثار وعلى ذلك يكون الأمر بالحبس الاحتياطي بناء عليه باطلاً باعتبار أن الحبس الاحتياطي لا يجوز إلا بعد استجواب صحيح من قبل سلطة التحقيق .
وفي ذلك قيل بأن المشرع المصري لم يتعرض في الفصل الخاص بالاستجواب لوضع نص يقرر البطلان نتيجة لمخالفة قواعد معينة وإنما وضع في نصوص المواد (331) حتى (337) القواعد العامة التي تبين الأحوال التي يحكم فيها بالبطلان الإجراءات التي تتبع للتمسك بالبطلان ومدى البطلان إذا حكم به وذلك بالنسبة للإجراءات الجنائية بصفة عامة وتتناول المادة (333) من قانون الإجراءات الجنائية المصري .
البطلان الذي يترتب على مخالفة القواعد المتعلقة بإجراءات التحقيق الابتدائي ومن ثم فهي تسري على الإستجواب، ففي الأحوال التي يوجب القانون فيها إستجواب المتهم لإمكان حبسه احتياطياً يترتب على إغفال هذا الاستجواب أو بطلانه في حالة عدم دعوة محامي المتهم في جناية إلى حضور الاستجواب أو عدم تمكين المحامين من الاطلاع على الأوراق في الميعاد الذي حدده القانون بطلان الحبس الاحتياطي ولكن هذا البطلان بطلاناً نسبياً يتعين الدفع به أمام محكمة الموضوع ولا تملك هذه المحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها. وذلك لأن المادة (333) ترتب على مخالفة الإجراءات الخاصة بالتحقيق الإبتدائي بوجه عام بطلاناً نسبياً وليس مطلقاً .
وفي ذلك أيضاً قيل بأنه يترتب البطلان على تخلف أحد شروط الحبس الاحتياطي كحبس المتهم دون استجواب أو بناء على استجواب باطل أو صدور الأمر من غير الجهة القضائية المختصة ويترتب على هذا البطلان وجوب إخلاء سبيل المتهم فوراً من محكمة الموضوع أو من الجهة التي تنظر في مد الحبس أو من المحقق ذاته كما أنه من آثار بطلان الحبس الإحتياطي لإغفال استجواب المتهم أو لبطلان استجوابه أنه لا يجوز للمحكمة الجزئية أن تأمر بتنفيذ الحكم الذي تصدره بالإدانة تنفيذاً مؤقتاً تأسيساً على المادة ( 463/ 2) إجراءات جنائية التي تشترط لذلك أن يكون المتهم محبوساً احتياطياً وإنما يجب عليها أن تعتبر المتهم مفرجاً عنه وتقدر في حكمها كفالة إذا دفعها المتهم بقي مفرجاً عنه إلى أن يصبح الحكم نهائياً . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني، الصفحة : 193 )
يتعين أن يدفع بالبطلان النسبي حتى يحكم به ويكون الدفاع به ممن له الصفة في ذلك ويتعين أن يكون الدفع ببطلان أي إجراء في أول فرصة يعرض فيها على المحكمة وإلا سقط الحق في الدفاع به، ويشير النص إلى سقوط الحق في الدفع بالبطلان بمجرد عدم الإعتراض على الإجرام عند حصوله وذلك بشرط وجود محام مع المتهم في الجنايات والجنح أمن النيابة العامة فيسقط حقها طبقاً للفقرة الثالثة بعدم التمسك بالبطلان في إجراء معين فور وقوعه باعتبارها تكون حاضره جميع الإجراءات .
وتفصيل ما سبق هو أن المادة محل التعليق تتكلم عن سقوط الدفاع بالبطلان المتعلق بإجراء جوهري وفرقت بين المتهم والنيابة العامة .
1) فبالنسبة إلى المتهم يختلف الحكم في حالة ما إذا كانت الإجراءات المخالفة للقانون تتعلق بجناية أو جنحة وبين ما إذا كانت قد اتخذت في مخالفة .
( أ ) ففي الجنايات والجنح إذ حضر محام مع المتهم أثناء اتخاذ الإجراء وكان مخالفاً للقانون ولم يعترض عليه سقط الحق في الدفع بالبطلان سواء أكان من الإجراءات الخاصة بجمع الإستدلالات أم التحقيق الابتدائي أم التحقيق النهائي. وإذا لم يكن مع المتهم محام وقت مباشرة الإجراء المخالف للقانون فلا يسقط سكوته حقه في الدفع بالبطلان .
( ب ) وفي المخالفات يعتبر الإجراء صحيحاً ما دام قد تم بحضور المتهم دون اعتراض منه ولو لم يحضر معه محام أثناء اتخاذه لبساطة تلك الجرائم وقلة أهميتها في غالب الأحوال .
2) ويسقط حق النيابة العامة في الدفع ببطلان الإجراء إذا لم تتمسك به وقت مباشرته .
3) وأما باقي الخصوم أي المدعي بالحق المدني والمسئول عن الحقوق المدنية إن وجدا فالرأي أنه تطبق بالنسبة لهما ذات القواعد المقررة للمتهم إذ ليس من المقبول أن تكون حقوقهم في الدفع ببطلان الإجراءات المخالفة للقانون وسقوطه أكثر من تلك الممنوحة له . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 378 )
البطلان النسبي :
هو عدم مراعاة أحكام الإجراءات غير المتعلقة بالنظام العام وإنما متعلقة بمصلحة الخصوم. وهو من أجل ذلك يتميز بأحكام خاصة تختلف عن تلك المتعلقة بالبطلان المطلق.
فالبطلان النسبي يجب الدفع به والتمسك به أمام محكمة الموضوع ولا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض. كما أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، ولا يجوز التمسك به إلا من قبل الخصم صاحب المصلحة المباشرة من الحكم ببطلان الإجراء لعدم مراعاة القواعد القانونية المقررة لمصلحته .
-قواعد تصحيح البطلان النسبي :
إن أهم ما يميز البطلان النسبي عن البطلان المطلق هو أن الأول قابل للتصحيح. وتصحيح البطلان النسبي يكون بطريقتين :
الأول : هو القبول الصريح أو الضمني للإجراء الباطل من قبل من تقرر البطلان لمصلحته، وقد أورد المشرع هذا الطريق من طرق التصحيح معبراً عنه بسقوط حق الدفاع بالبطلان وذلك في المادة 333 إجراءات. فقد نص على أن يسقط الحق في الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو التحقيق بالجلسة فى الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه .
أما في مواد المخالفات فيعتبر الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة .
وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه .
الثاني : هو تحقق الغرض من الإجراء الباطل .
فتحقق الغرض من الإجراء الباطل يصحح البطلان وذلك يتم عن طريق التصرف أو القيام بإجراء لاحق من شأنه أن يعدم أثر البطلان في الإجراء .
ويشترط للتمسك بالبطلان النسبي :
أولاً : أن يكون الخصم الذي يدفع به له مصلحة مباشرة في مراعاة القواعد المنصوص عليها بالنسبة للإجراء الباطل لعدم مراعاتها. بمعنى أن تكون القواعد التي خولفت قد قررت لمصلحته .
وينبغي التنبيه إلى أن شرط المصلحة هنا لا يقصد به المصلحة في الحكم ببطلان الإجراء وإنما المقصود به المصلحة في مراعاة القواعد التي خولفت فعدم مراعاة أحكام التفتيش يترتب عليه بطلان التفتيش. ولا شك أن من مصلحة المتهمين الأخرين مع المتهم التقرير ببطلان الإجراء إلا أن هذه المصلحة ليست هي المقصودة هنا من هذا الشرط إنما المصلحة المقصودة هي في مراعاة قواعد التفتيش وهي لا تتوافر إلا بالنسبة المتهم الذي كان منزله أو شخصه محلاً للتفتيش. ولذلك لا يقبل التمسك بالدفع إلا من قبله فقط دون باقي المتهمين على حين أن هذا الشرط غير متطلب بالنسبة للبطلان المطلق باعتبار أن مراعاة القواعد القانونية إنما تتقرر للصالح العام ومن ثم يجوز التمسك به من قبل أي خصم في الدعوى .
وتطبيقاً لذلك لا يجوز للمسئول عن الحقوق المدنية الدفع ببطلان إجراءات باطلة نسبياً متعلقة بالمتهم. كما لا يجوز لهذا الأخير أن يدفع ببطلان إعلان المسئول عن الحقوق المدنية. كذلك لا يجوز للمتهمين الدفع ببطلان إجراء يتعلق بمتهم من بينهم .
ولكن هل تشترط المصلحة أيضاً بالنسبة للنيابة العامة أم أنها يجوز لها التمسك بالبطلان النسبي في الإجراءات حتى ولو لم تكن لها مصلحة مباشرة باعتبار أن القواعد التي خولت قد قررت لمصلحة خصم آخر في الدعوى .
ولقد ذهب البعض إلى أن النيابة العامة بوصف كونها خصماً في الدعوى يطبق بشأنها ذات القواعد المقررة للخصوم وبالتالي لا يجوز لها التمسك ببطلان إجراء لم تقرر قواعده لمصلحتها وإنما لمصلحة خصم أخر. فلا يقبل منها الدفع مثلاً ببطلان التفتيش أو ببطلان ورقة التكليف بالحضور أو ببطلان الإعلان .
بينما ذهب رأي آخر إلى أن النيابة العامة لها دائماً مصلحة قائمة في مراعاة جميع القواعد الشكلية التي ينص عليها المشرع سواء أكانت مقررة لمصلحتها أم مقررة لمصلحة الخصوم الأخرين ومن ثم يمكن لها أن تدفع بالبطلان المتعلق بأي إجراء .
الدكتور أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص 383 .
ونحن نميل إلى الرأي الأول باعتبار انه هو المتفق واتجاه المشرع في اعتباره النيابة خصماً كباقي الخصوم في الدعوى ولذلك يجب على النيابة العامة أن تبرز في دفعها شرط المصلحة بإثبات أن الإجراء والقواعد التي تحكمه قد تتعلق بحق الدولة في العقاب أو بحق النيابة العامة في تحريك ومباشرة الدعوى العمومية. فإذا لم تكن لها مصلحة متعلقة بذلك لم يكن لها التمسك بالبطلان .
ثانياً : يشترط ألا يكون الخصم قد تسبب أي ساهم في وقوع البطلان في الإجراء :
فلا يجوز التمسك بالبطلان إذا كان الشخص قد ساهم فيه. ويستوي بعد ذلك أن تكون مساهمته عن قصد أو كانت بإهماله فالمتهم الذي يحلف اليمين قبل استجوابه لا يجوز له الطعن ببطلان الاستجواب طالما لم يطلب منه حلف اليمين .
الدكتور أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص 384 .
ويكفي أن يكون الشخص قد ساهم في البطلان سواء بالتسبب في وقوعه مباشرة أم الإتيان بسلوك يكون ظرف من ظروف السببية .
غير أنه لا يكفي أن يكون سلوك الخصم هو مجرد مناسبة للإجراء الباطل وليس سبباً له. فغياب المتهم أثناء التفتيش يعتبر مناسباً للإجراء الباطل المتمثل في عدم دعوة المتهم لحضور التفتيش، أما امتناعه عن الحضور فهو يعتبر سبباً للإجراء الباطل لا يجوز له التمسك ببطلانه . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 1426 )