الفصل الحادي عشر فى الأوامر الجنائية
الفصل الحادي عشر فى الأوامر الجنائية
للنيابة العامة فى مواد الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس ، إذا رأت أن الجريمة بحسب ظروفها تكفي فيها عقوبة الغرامة فضلاً عن العقوبات التكميلية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف ، أن تطلب من قاضي المحكمة الجزئية التي من اختصاصها نظر الدعوى توقيع العقوبة على المتهم بأمر يصدره بناء على محضر جمع الاستدلالات أو أدلة الإثبات الأخرى بغير إجراء تحقيق أو سماع مرافعة .
الأوامر الجنائية
المواد 338 - 346 ( أصبحت المواد 323 - 328 من القانون )
تبين هذه المواد أحكام الأوامر الجنائية وهي مطابقة بصفة عامة لأحكام القانون القائم بشأنها مع التعديلات الآتية : ( أولاً ) جاء في المادة الأولى من القانون القائم ( الملغي ) أن من بين الجرائم التي يجوز للنيابة العمومية استصدار أمر جنائي التي تعين برسوم ( أنظر خامساً من المادة المذكورة ) وهذا يؤدى الى جواز تعديل نصوص القانون العقوبات بمرسوم مع تعديل أي قانون يجب أن يكون بقانون مثله ولذلك حذفت الفقرة المذكورة من المشروع .
( ثانياً ) اكتفى من المشروع بصدد الجنح الواردة بالأوامر العالية والقوانين الخاصة السابقة على هذا القانون أي قانون الإجراءات الجنائية بالنص على جواز استصدار مرسوم بتعيين الجنح المذكورة ولم تعين تلك الأوامر والقوانين الخاصة بملحق كما فعل ذلك القانون القائم لتعذر ذلك في قانون شامل كقانون الإجراءات الجنائية .
( ثالثاً ) فرق القانون القائم ( الملغي ) في الفقرة (ب) من المادة السابعة منه في صدر عدم حضور المعارض في الجلسة بين حالتين حالة إذا ما كان الأمر الجنائي صادراً بالغرامة والمصاريف فقط وحالة ما إذا كان مشتملاً على غير ذلك من العقوبات ففي الأولى يعتبر الحكم غير قابل للطعن وفي الحالة الثانية يعتبر قابلاً للطعن بطريق الاستئناف مع أن عدم حضور المعارض في الجلسة يفيد أنه تنازل عن المعارضة كما جاء في الفقرة المتقدمة والتنازل عن المعارضة لا يختلف عن عدم حصول المعارضة في شئ وقد نص القانون القائم ( الملغى ) في الفقرة (ج) من المادة المذكورة على أنه إذا لم يعارض المتهم أصبح الأمر بالنسبة إليه بمثابة حكم قابل للطعن فيه ومن أجل ذلك سوى المشروع بين الحالتين فإذا أدعى المعارض أن مانعاً قهرياً منعه من حضور الجلسة المعارضة كان له أن يرفع الأمر إلى القاضي الذي أصدره مما ينتفي معه كل حرج - مادة 342 - ( أصبحت م 326 من القانون وعدلت ) .
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث
من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 174 لسنة 1998 :
التوسع في نظام الأوامر الجنائية : .
وسعياً إلى تبسيط إجراءات الفصل في مزيد من الجرائم وسرعة البت فيها توسع المشروع في نظام الأوامر الجنائية بإستحداث الأحكام الآتية :
1) رفع النصاب الذي يجوز للقاضي الجزئي في مواد الجنح - التي ترى النيابة الاكتفاء فيها بعقوبة الغرامة - إلى ألف جنيه فضلاً عن العقوبات التكميلية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف .
2) ويجوز للقاضي أن يقضي في الأمر بالبراءة أو يوقف التنفيذ أو رفض الدعوى المدنية (المادتان 232 ، 324) وغني عن البيان أن المدعي بالحقوق المدنية هو من الخصوم الذين أجازت لهم المادة 237 من قانون الإجراءات الجنائية المعمول بها- الإعتراض على الأمر الصادر من القاضي .
3) إجازة إصدار الأمر الجنائي لوكيل النائب العام ومن يعلو درجته ورفع نصاب الأمر الجنائي في هذه الحالة في مواد الجنح إلى خمسمائة جنيه فضلاً عن العقوبات التكميلية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف ( المادة 325 مكرراً ).
4) صار إصدار الأمر الجنائي وجوبياً على النيابة العامة في المخالفات التي لا يرى حفظها أو أنه لا وجه لإقامة الدعوى فيها (وفقاً للمادة 325 مكرراً) فلن يطرح منها في الجلسة إلى ما يعترض عليه من الأوامر الجنائية الصادرة فيها .
( تعليمات النيابة العامة من كتاب المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثالث )
مادة 945 :
الأمر الجنائى هو أمر قضائى يصدر من أحد وكلاء النيابة أو من القاضى بعد الإطلاع على الأوراق ، وفى غير حضور الخصوم وبلا محاكمة .
مادة 946 :
الأمر الجنائى الصادر من وكيل النيابة يدخل فى مفهوم عبارة ( حكم قضائى ) الوارد فى المادة 66 من الدستور المصرى الصادر سنة 1971 والتى تنص على أنه لا عقوبة إلا بحكم قضائى .
مادة 947 : ملغاة
مادة 948 :
يجب على أعضاء النيابة قبل أن يصدروا الأوامر الجنائية أو يطلبوا من القاضي إصدارها مراعاة حكم الفقرة الثالثة من المادة (63) من قانون الإجراءات الجنائية التي لا تجيز في غير الجرائم المشار إليها في المادة (123) من قانون العقوبات رفع الدعوى الجنائية على المتهم إذا كان موظفاً أو مستخدماً عاماً أو أحد رجال الضبط وإرتكب أثناء تأدية وظيفته أو بسببها إلا بأمر من النائب العام أو المحامي العام أو رئيس النيابة وحكم المادتين (96، 103) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 المعدل اللتين لا تجيزا رفع الدعوى الجنائية على قاض أو أحد أعضاء النيابة في مواد الجنايات والجنح إلا بإذن من مجلس القضاء الأعلى. وحكم المادة (91) من قانون مجلس الدولة التي بمقتضاها لا يجوز رفع الدعوى الجنائية على أي من أحد أعضاء مجلس الدولة من درجة مندوب فما فوقها إلا بإذن من الهيئة المشكل منها مجلس التأديب وأيضا ما تقضي به المادتان (99، 205) من الدستور من أنه لا يجوز في غير حالة التلبس بالجريمة إتخاذ أية إجراءات جنائية ضد أعضاء مجلس الشعب والشورى إلا بإذن سابق من المجلس المختص وفي غير دور انعقاد المجلس يتعين أخذ إذن رئيس المجلس ويخطر المجلس عند أول إنعقاد له بما اتخذ من إجراءات مادة (948) مكرر لا يجوز لأعضاء النيابة إصدار أو استصدار أوامر جنائية في قضايا الأحداث .
مادة 948 مکرراً :
لا يجوز لأعضاء النيابة إصدار أو استصدار أوامر جنائية في قضايا الأحداث .
مادة 948 مكرراً «أ» :
يراعى أن الغرامات والتعويضات المنصوص عليها في المواد (114 و115 و116 و177) من قانون الجمارك رقم 66 لسنة 1963 المعدل بالقانون رقم 175 لسنة 1998 يقضي بها بأمر جنائي بناء على طلب رئيس مصلحة الجمارك أو من ينيبه وذلك مع عدم الإخلال بحق المخالفات في التصالح .
مادة 958 :
يجوز لأعضاء النيابة العامة أن يستصدروا من القاضي المختص بنظر الدعوى أمراً جنائياً في مواد الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس أو بغرامة يزيد حدها الأدني على ألف جنيه وذلك متى رأوا أن الجريمة بحسب ظروفها تكفي فيها عقوبة الغرامة بما لا تتجاوز ألف جنيه فضلاً عن العقوبات التكميلية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف .
مادة 959 : ملغاه .
مادة 960 :
يجب على أعضاء النيابة المختصين إذا ما عرضت عليهم القضايا الخاصة بتقييد أو حظر ري البرسيم وفقا للقرارات التي يصدرها وزير الزراعة طبقاً للمادة (73) من قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1996 والمعاقب عليها بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين فضلاً عن الأمر بتنفيذ جميع الإجراءات اللازمة لإزالة أسباب المخالفة على نفقة المخالف أن يصدروا فيها أوامر جنائية بعقوبة الغرامة وإزالة أسباب المخالفة على نفقة المخالف .
مادة 961 :
يجب على أعضاء النيابة أن يستصدروا الأوامر الجنائية من القاضي أولاً بأول وأن يتابعوا ذلك في مدة العطلة القضائية .
مادة 962 :
يذیل وصف التهم في القضايا التي تطلب النيابة من القاضي إصدار الأمر الجنائي فيها بالعبارة الآتية . » ويطلب من السيد القاضي إصدار أمر بتوقيع العقوبة على المتهم مع مراعاة أن (اسم المدعي المدني أو المعلن) إدعى مدنياً بتعويض مقداره ............. جنيهاً و ..... قرشاً ويوقع عضو النيابة في ذيل هذه العبارة .
مادة 963 :
يصدر القاضي الجزئي الأمر الجنائي على الطلب بناء على محاضر جمع الاستدلالات أو أدلة الإثبات الأخرى بغير إجراءات تحقيق أو سماع مرافعة. ولا يقضي فيه بغير الغرامة التي لا تجاوز ألف جنيه والعقوبات التكميلية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف ويجوز أن يقضي فيه بالبراءة أو برفض الدعوى المدنية أو بوقف تنفيذ العقوبة، ويجب أن يعين في الأمر فضلاً عما قضى به إسم المتهم والواقعة التي عوقب من أجلها ومادة القانون التي طبقت .
مادة 964 : ملغاة .
مادة 965 :
يجوز الإدعاء مدنياً في أي وقت حتى يصدر القاضي الأمر الجنائي ولا يكون أمام المضرور بعد ذلك سوى سلوك سبيل رفع الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية المختصة .
أما إذا نظرت الدعوى الجنائية بالطرق العادية نتيجة عدم قبول المتهم أو النيابة للأمر الجنائي فإنه يجوز الإدعاء مدنياً أمام المحكمة الجنائية طبقاً للقواعد العامة .
مادة 966 :
لا يتقيد القاضي بمبلغ معين للتعويض بل يجوز له أن يأمر بالتعويض الذي يقدره سواء كان هو التعويض المطلوب أو بعضه، ويجوز له أن يقتصر على إصدار الأمر الجنائى فى الدعوى الجنائية مع رفض إصداره فى الدعوى المدنية التبعية .
مادة 969 :
يجرى التأشير في الجدول أمام القضايا التي تطلب النيابة إستصدار أمر جنائي فيها من القاضي، ويتم قيدها بدفتر يومية الأوامر الصادرة من القاضي، وعرض القضايا والتأشير بالأوامر الصادرة فيها أو بقرارات الرفض وتحرير نماذج الأوامر والكشوف بها، طبقاً للأحكام المبنية بالمادتين (578، 579) من التعليمات الكتابية والمالية والإدارية الصادرة عام 1979 .
مادة 970 :
يجب تحرير كشوف بجميع الأوامر الجنائية التي يصدرها القضاة، وعرضها فور صدورها مع القضايا واليومية الخاصة على وكيل النيابة ليقرر خلال الثلاثة أيام التالية لصدورها ما يقبله منها وما يعترض عليه .
ويجب على وكيل النيابة أن يؤشر بخطه في دفتر الأوامر بما قرر الاعتراض عليه منها .
وترسل الكشوف المذكورة إلى النيابة الكلية لعرضها على المحامي العام أو رئيسها للإعتراض على ما يرى الاعتراض عليه من الأوامر المذكورة .
مادة 971 :
تعلن الأوامر الجنائية الصادرة من القاضي إلى المتهم والمدعي بالحقوق المدنية على النموذج المعد لذلك ويجوز أن يكون الإعلام بواسطة أحد رجال السلطة العامة .
1- لما كانت المادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض قد نظمت طرق الطعن فى الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة مما مفاده أن الأصل عدم جواز الطعن بطريق النقض - وهو طريق استثنائي - إلا فى الأحكام النهائية الصادرة فى الموضوع والتي تنتهى بها الدعوى، أما القرارات والأوامر فإنه لا يجوز الطعن فيها إلا بنص، وكانت الأوامر الجنائية ليست من قبيل الأحكام وإنما نظم الشارع فى المواد من 323 إلى 330 من قانون الإجراءات الجنائية كيفية اصدارها وطرق الطعن عليها - ليس من بينها طريق الطعن بالاستئناف - وكان قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض قد خلا من النص على جواز الطعن فى الأوامر الجنائية ، كما خلا من ذلك قانون الإجراءات أيضاً ، وكان البيّن من تقرير الطعن بالنقض أنه انصب - فى حقيقته - على الأمر الجنائي الصادر من قاضي محكمة .... الجزئية " بتغريم المتهم مثلي قيمة الأعمال " وهو المستفاد من منطوق القضاء المطعون فيه - بحسب ما تضمنه تقرير الطعن - فإن الطعن يكون غير جائز، ولا يغير ذلك الإشارة فى التقرير إلى أن ذلك القضاء صدر فى القضية رقم .... بتاريخ .... إذ لم يتضمن الحكم الصادر فى تلك الدعوى المنطوق المار بيانه ، وإنما نص على " قبول المعارضة الاستئنافية شكلاً وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف والمصاريف " فضلاً عن أن الطاعن لم يكن يجديه الطعن على ذلك الحكم بعد إذ تغيب عن الحضور فى المحاكمة الاستئنافية فأصبح اعتراضه على الأمر الجنائي غير جدي ، واستعاد الأمر قوته وأصبح نهائياً واجب التنفيذ - وفقاً لما تضمنته المادة 328 من قانون الإجراءات الجنائية - مما مؤداه عدم جواز المعارضة فيه أو استئنافه رجوعاً إلى الأصل فى شأنه ، ويكون الحكم الاستئنافي - سالف الذكر - قد أخطأ فى تطبيق القانون، وبما يستوجب – بفرض الطعن عليه – نقضه ، والقضاء - وهو أمر يتصل بالنظام العام – بعدم جواز استئناف الطاعن للأمر الجنائي ، فإن الطعن فيه بطريق النقض يكون غير جائز . لما كان ما تقدم ، فإنه يكون مفصحاً عن عدم قبوله وهو ما يتعيّن مع التقرير بعدم قبول الطعن مصادرة الكفالة عملاً بنص المادة 36 / 2 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض المستبدلة بالقانون 74 لسنة 2007 مع تغريم الطاعن مبلغ ثلاثمائة جنيه .
( الطعن رقم 13748 لسنة 4 - جلسة 2014/07/13 - س 65 )
2- لما كان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمعدل بالحكم المطعون فيه بعد أن أشار إلى وصف التهمة ومواد القانون التي طلبت النيابة العامة معاقبة الطاعن بموجبها بين واقعة الدعوى ودلل على ثبوتها فى حق الطاعن فى قوله : " وحيث إن الواقعة تتحصل فيما أثبته محرر المحضر من قيام المتهم بارتكاب الواقعة المبينة فى القيد والوصف ، وحيث إن التهمة ثابتة قبل المتهم من واقع المحضر المحرر بشأن الجريمة والذي يعد حجة بالنسبة للوقائع التي يثبتها به ولم يقم الدليل على عكس الثابت بالمحضر ، الأمر الذي تطمئن معه المحكمة إلى ذلك المحضر وثبوت الاتهام قبل المتهم وما أبلغ به .... من أنه أثناء قيامه بركوب إحدى السيارات .... ، وأثناء قيام قائدها بتركيب بعض الركاب فوجئ بالمتهم يقوم بسرقة حقيبة من على السيارة وفر هارباً فقام بالإمساك به بمساعدة المارة ، ومن ثم تقضي بمعاقبته وفقاً لمواد الاتهام سالفة الذكر عملاً بنص المادة 304 / 2 أ . ج وتلزمه بالمصروفات عملاً بالمادة 323 أ . ج " . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن محاضر جمع الاستدلالات والتحقيقات التي تجريها النيابة العامة وما تحويه هذه المحاضر من اعترافات المتهمين ومعاينات المحققين وأقوال الشهود هي عناصر إثبات تخضع فى كل الأحوال لتقدير القاضي وتحتمل الجدل والمناقشة كسائر الأدلة ، فللخصوم أن يفندوها دون أن يكونوا ملزمين بسلوك الطعن بالتزوير وللمحكمة بحسب ما ترى أن تأخذ بها أو تطرحها ، ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا ما استثناه القانون وجعل له حجية خاصة بنص صريح كمحاضر المخالفات التي نصت المادة 301 من قانون الإجراءات الجنائية على وجوب اعتماد ما دون فيها إلى أن يثبت ما ينفيه ، ومن ثم فإن التحقيقات الأولية السابقة على المحاكمة لا تعتبر إلا تمهيداً لذلك التحقيق الشفوي الذي يجريه القاضي بنفسه بالجلسة ، وهي بهذا الاعتبار لا تخرج عن كونها من عناصر الدعوى المعروضة عليه فيأخذ بها إذا اطمأن إليها ويطرحها إذا لم يصدقها دون أن يكون مقيداً بالقواعد المدنية التي توجب الأخذ بما تضمنته الأوراق الرسمية إلا إذا ثبت عن طريق الطعن بالتزوير تغيير الحقيقة فيها . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتبر محضر الضبط حجة رسمية واجباً الأخذ بها وأدان الطاعن بناء عليها ، فإنه يكون قد أنشأ قرينة قانونية بالمخالفة للقانون مما يعيبه ويوجب نقضه .
( الطعن رقم 22781 لسنة 67 - جلسة 2007/03/12 - س 58 ص 233 ق 47 )
طلب إصدار الأمر الجنائي
تمهيد : البحث في القواعد الخاصة بطلب إصدار الأمر الجنائي يقتضي تحديد مجال هذا الطلب، والسلطة المختصة بتقديمه، والقاضي الذي يقدم إليه، وإجراءات الطلب، والأثر المترتب عليه.
المجال الذي يجوز طلب إصدار الأمر الجنائي فيه : حدد الشارع هذا المجال بأنه «مواد الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس إذا رأت النيابة العامة أن الجريمة بحسب ظروفها تكفي فيها عقوبة الغرامة فضلاً عن العقوبات التكميلية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف» (المادة 323 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 74 لسنة 2007). وقد حدد الشارع بذلك مجال إصدار الأمر الجنائي على أساس نوع الجريمة والعقوبة المقررة لها، وأضاف إلى ذلك اعتباراً آخر يحدد هذا المجال، ارتكن فيه إلى السلطة التقديرية للنيابة العامة، هو أن تقدر أن الجريمة تكفي فيها عقوبة الغرامة فضلاً عن العقوبات التكميلية تقديرها - لأن يصدر فيها الأمر الجنائي والتضمينات وما يجب رده والمصاريف، وتصلح - من حيث عناصر تقديرها لأن يصدر الأمر الجنائي .
الجرائم التي يجوز أن يصدر فيها الأمر الجنائي :
يتعين أن تكون الجريمة جنحة، فلا يجوز أن يصدر أمر جنائي في جناية، ويتعين ألا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس ويعني ذلك أنه لا يجوز أن يصدر الأمر الجنائي في مخالفة، أو في جنحة أوجب القانون الحكم فيها بالحبس، وعلة هذا التحديد لمجال الأمر الجنائي أن هذا الأمر لا يجوز أن يقرر الحبس، ويتضح بذلك أن الشارع قد حدد هذا المجال بالنظر إلى نوع الجريمة ودرجة جسامتها، دون نظر إلى ظروف المتهم، فيجوز أن يكون عائداً .
ومؤدى ذلك جواز صدور الأمر الجنائي في جنحة قرر لها القانون عقوبة الحبس أو الغرامة، أي قرر لها الحبس جوازاً، ولا يحول دون صدور الأمر الجنائي أن يقرر القانون للجريمة عقوبات تبعية أو تكميلية أياً كانت جسامتها، ولا يحول دون صدوره كذلك أن يطالب بتعويض أياً كان مقداره .
السلطة المختصة بطلب الأمر الجنائي :
السلطة المختصة بطلب صدور الأمر الجنائي هي «النيابة العامة»، وقد خولها الشارع ذلك باعتبارها «سلطة الإتهام» التي تطالب عن طريق الأمر الجنائي بالعقوبة التي يقررها القانون، وتمارس النيابة العامة في هذا الشأن سلطة تقديرية : فهي تقدر أن الجريمة تكفي فيها – بالنظر إلى ظروفها - عقوبة الغرامة، وهي تقدر أن الدعوى - لبساطة وقائعها - يجوز الفصل فيها «بغير إجراء تحقيق أو سماع مرافعة». وتمثل هذه السلطة التقديرية قيداً على مجال هذا النظام : فإذا لم تر النيابة العامة ملائمة إصدار الأمر الجنائي، فإنها ترفع الدعوى بالطريق المعتاد، على الرغم من أن الجريمة يجوز طبقاً للقانون أن يصدر فيها أمر جنائي .
ولم يخول الشارع للمدعي المدني أن يطلب صدور الأمر الجنائي، فذلك كما قدمنا استعمال السلطة تقديرية لم يقررها القانون إلا للنيابة العامة، ولكن يجوز له الإدعاء مدنياً في أي وقت حتى لحظة صدور الأمر، ويتعين على النيابة أن ترفعه إلى القاضي، الذي يلتزم بالفصل فيه، وإذا صدر الأمر الجنائي قبل الإدعاء المدني فليس للمضرور إلا أن يقيم دعواه أمام القضاء المدني، ولكن إذا زال الأمر الجنائي بالاعتراض عليه، وأعيدت المحاكمة ساغ للمضرور الإدعاء المدني أمام المحكمة الجنائية تطبيقاً للقواعد العامة .
وقد أضاف المشرع المادة 323 مكرراً إلى قانون الإجراءات الجنائية وذلك بالقانون رقم 74 لسنة 2007 التي أجازت للقاضي - من تلقاء نفسه - عند نظر إحدى الجنح، المبينة في المادة 323 ، أن يصدر فيها أمراً جنائياً وذلك إذا تغيب المتهم عن الحضور رغم إعلانه، ولم تكن النيابة العامة قد طلبت توقيع أقصى العقوبة .
إجراءات طلب الأمر الجنائي :
يقدم طلب الأمر الجنائي إلى قاضي المحكمة الجزئية المختصة بنظر الدعوى، أي المحكمة التي كانت تختص - وفقاً للقواعد العامة - بنظر الدعوى لو رفعت إليها بالإجراءات المعتادة .
ولا يخضع تقديم الطلب لشكل معين، عدا اشتراط أن يكون كتابي، ولا يتقيد بميعاد محدد، فيجوز للنيابة العامة طلبه في أي وقت، طالما لم تسقط الدعوى بالتقادم، وترفق بالطلب محاضر الإستدلال أو التحقيق (إذا كان قد جرى تحقیق)، وترفق به كذلك أدلة الإثبات كالمضبوطات، ولا يعلن المتهم أو الشهود بالطلب . فالأمر يصدر في غيبة المتهم، ومن ثم لا حاجة لإعلان، والأمر يصدر دون إجراءات المحاكمة المعتادة، ومن ثم لا حاجة إلى إعلان الشهود .
أثر طلب الأمر الجنائي :
يعد طلب الأمر الجنائي رفعاً للدعوى الجنائية، فتترتب عليه الآثار المقررة لرفع الدعوى : فتخرج من حوزة النيابة العامة، فلا يجوز لها أن تجري في شأنها تحقيقاً ولا يجوز لها أن تحفظ الدعوى أو تأمر بأن لا وجه لإقامتها، ولا يجوز لها أن تعدل عن طلب الأمر الجنائي وتقرر رفع الدعوى وفق الإجراءات المعتادة ويلتزم القاضي الذي قدم إليه الطلب بأن يفصل فيه، فقد صارت الدعوى - بناءً على طلب - في حوزته . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الثاني ، الصفحة : 1158 )
الأمر الجنائي
تعريف الأمر الجنائي وتحديد الغرض منه :
الأمر الجنائي قرار قضائي يصدره القاضي أو عضو النيابة بالعقوبة بناءً على الإطلاع على الأوراق دون حضور الخصوم أو إجراء تحقيق أو سماع مرافعة، ونظام الأمر الجنائي وفقاً لهذا التعريف يمثل خروجاً على القواعد العادية للمحاكمة، قصد به التيسير على القضاء والخصوم توفيراً للجهد والوقت والمال، لا سيما وأن نطاق الأمر الجنائي محصور في الجرائم ذات الأهمية المحدودة، التي يقرر لها المشرع عقوبة يسيره، والتي تكون عناصر التقدير فيها واضحة من محضر جمع الاستدلالات وغيره من أدلة الثبوت، هذا فضلاً عن أن هذا النظام لا ينال من حقوق الخصوم حيث تتوقف قوة الأمر على إرادتهم، إذ يكون لكل منهم أن يقبله فيصبح نهائياً واجب التنفيذ أو يعترض عليه فيترتب على ذلك سقوط الأمر وإعتباره كأن لم يكن ثم نظر الدعوى بالطريق العادي .
السلطة المختصة بطلب الأمر الجنائي :
السلطة المختصة بطلب صدور الأمر الجنائي هي "النيابة العامة" - عدا معاون النيابة - وقد خولها المشرع ذلك باعتبارها "سلطة الاتهام" التي تطالب عن طريق الأمر الجنائي بالعقوبة التي يقررها القانون. وتمارس النيابة العامة في هذا الشأن سلطة تقديرية، فهي تقدر أن الجريمة تكفي فيها – بالنظر إلى ظروفها - عقوبة الغرامة التي لا تزيد على الألف جنيه، وهي تقرر أن الدعوى - لبساطة وقائعها - يجوز الفصل فيها بغير إجراء تحقيق أو سماع مرافعة، وتمثل هذه السلطة التقديرية قيداً على مجال هذا النظام، فإذا لم ترى النيابة العامة ملائمة إصدار الأمر الجنائي، فإنها ترفع الدعوى بالطريق المعتاد، على الرغم من أن الجريمة يجوز طبقاً للقانون أن يصدر فيها أمر جنائي .
ولم يخول المشرع للمدعي المدني أن يطلب صدور الأمر الجنائي، فذلك كما قدمنا استعمال السلطة تقديرية لم يقررها القانون إلا للنيابة العامة، ولكن يجوز للمضرور الإدعاء مدنياً في أي وقت حتى لحظة صدور الأمر، ويتعين على النيابة أن ترفعه إلى القاضي، الذي يلتزم بالفصل فيه، وإذا صدر الأمر الجنائي قبل الإدعاء المدني فليس للمضرور إلا أن يقيم دعواه أمام القضاء المدني، ولكن إذا زال الأمر الجنائي بالاعتراض عليه، وأعيدت المحاكمة ساغ للمضرور الإدعاء المدني أمام المحكمة الجنائية تطبيقاً للقواعد العامة .
ولا يجوز للقاضي أن يصدر الأمر الجنائي من تلقاء نفسه، فإذا لم تكن النيابة العامة قد طلبت الأمر فليس له أن يتصدى للدعوى، إذا ليست له سلطة الاتهام، وإذا أقامت النيابة الدعوى وفقاً للإجراءات العادية فليس للقاضي أن يصدر فيها أمراً جنائياً، إذ أن تقدير ملائمة الفصل في الدعوى عن طريق نظام الأمر الجنائي من شأن النيابة العامة .
متى يطلب الأمر الجنائي :
لقد قيد المشرع حق النيابة العامة في طلب الأمر الجنائي بقيود تتفق والحكمة التي أبتغى من تحقيقها من تشريعه، وهي قيود تختص بتحديد الجريمة التي يصدر بشأنها الأمر وبظروف هذه الجريمة .
(أ) الجريمة التي يصدر بشأنها الأمر :
ما دام الأمر الجنائي يصدر بناء على أوراق الدعوى والأدلة المقدمة فيها دون تحقيق أو مرافعة، كان من الطبيعي لإذن أن يقتصر إستصداره على الجرائم البسيطة التي تتفق والحكمة من هذا النظام، فيمتنع طلبه في الجنايات إطلاقاً ، ويصدر فقط في مواد الجنح والمخالفات التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس أو بغرامة يزيد حدها الأدني على الألف جنيه فيشترط في الجريمة إن كانت مخالفة أو جنحة ألا يقضى فيها وجوباً، بعقوبة الحبس، وأن لا تكون عقوبة الغرامة يزيد حدها الأدني على الألف جنيه إن كانت جنحة، فإذا كانت عقوبة الحبس وجوبية مهما كانت مدته ولو لأربع وعشرين ساعة امتنع إصدار الأمر الجنائي، فإذا كان الحبس اختيارياً مع الغرامة التي تعمل في حدها الأدنى إلى الألف جنيه أو أقل فإنه يجوز أن يطلب فيه إصدار أمر جنائي كالجرائم المنصوص عليها في المادتين 133، 242 من قانون العقوبات .
(ب) ظروف الجريمة :
يجب أن يتوافر فى الجريمة من الظروف ما يجعل توقيع العقوبة بموجب أمر جنائي متفقاً مع حكمة تشريع الأوامر الجنائية وقد أوضح المشرع عن هذا بقوله في المادة محل التعليق " إذا رأت النيابة العامة أن الجريمة بحسب ظروفها تكفي فيها عقوبة الغرامة التي لا تجاوز الألف فضلاً عن العقوبات التكميلية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف ". والمرجع في تقدير ظروف الجريمة هو النيابة العامة، فتراعي خطورة المتهم وسوابقه وجسامة الجريمة والظروف التي ارتكبت فيها وغيرها وأنه يكفي أن تكون العقوبة الأصلية هي الغرامة إلى الألف جنيه، فإذا رأت أن هذا الجزاء غير كاف تقدم المتهم إلى المحكمة متبعة الطريق العادي .
(ج) ممن يطلب الأمر الجنائي :
نصت المادة محل التعليق في نهايتها على أن النيابة العامة تطلب من قاضي المحكمة الجزئية التي من اختصاصها نظر الدعوى أن يوقع العقوبة على المتهم، فالمختص بإصدار الأمر الجنائي هو قاضي المحكمة الجزئية الذي يدخل في اختصاصه الشخصي والنوعي والمكاني الفصل في الدعوى إن رفعت إليه بالطريق العادي، وهو الذي يطلب منه الأمر الجنائي، ولا يجوز أن يطلب الأمر من قاضي المحكمة الكلية حيث لا اختصاص له في أي دائرة من دوائر المحاكم الجزئية .
(د) صدور الأمر الجنائي :
يطلب الأمر الجنائي بعبارة يثبتها عضو النيابة على الأوراق وهي عادة يستصدر أمر جنائي وبذلك تعتبر النيابة العامة أنها قد تصرفت في الأوراق وخرجت الدعوى من حوزتها ودخلت في اختصاص المحكمة بغير حاجة إلى إجراء آخر .
ويصدر الأمر عادة من القاضي بتوقيع العقوبة بعبارة "أمرنا بتغريم المتهم كذا ..." ويكون هذا في جلسة غير علنية وفي غير حضور الخصوم لا النيابة ولا المدعي بالحقوق المدنية. ولا يجري القاضي أي تحقيق ولا يستمع إلى شهود أو مرافعات وإنما يبني أمره على ما تضمنته أوراق الدعوى وأدلتها، وقد عبرت عن هذا المادة محل التعليق فقالت "بأمر يصدره على الطلب بناء على محضر جمع الإستدلالات أو أدلة الإثبات الأخرى بغير إجراء تحقيق أو سماع مرافعة " وإن نص المشرع على محضر جمع الإستدلالات فقط إلا أنه - من باب أولى - ليس ثمة ما يمنع من إصدار الأمر بناء على محاضر تحقيق تضمنتها أوراق الدعوى، ويقصد بأدلة الإثبات الأخرى كل ما يمكن الاستناد إليه ويقدم للقاضي غير محضر جمع الاستدلالات أو التحقيقات، سواء أكانت هذه الأدلة تتضمنها أوراق الدعوى كالمستندات وتقارير الخبراء أم أنها أدلة مادية كعصا استعملت في جريمة ضرب . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثالث ، الصفحة : 472 )
تعريف الأمر الجنائى وخصائصه :
الأمر الجنائي قرار قضائي يفصل في موضوع الدعوى الجنائية بلا محاكمة أصلاً أو في محكمة شديدة الإيجاز وإذا أصبح الأمر نهائياً انقضت به الدعوى وصار واجب التنفيذ وبهذا يقترب الأمر الجنائي إلى حد كبير بل إنه في رأي بعض الفقهاء حكم بمعنى الكلمة .
وأبرز ما يميز الأمر الجنائي أن مرحلة المحاكمة التي يصدر في أعقابها شديدة الإيجاز إذ تتجرد من الشفوية والعلانية والمواجهة بل أنه لا يجرى فيها تحقيق ولا يسمع دفاع ثم أن إصدار الأمر لا يقتصر على القاضي وحده بل يسمح القانون للنيابة العامة كذلك بإصداره مع أنها ليست جهة حكم بل سلطة إتهام ويختلف التنظيم القانوني في حدود معينة للأمر الجنائي في الحالين وذلك على ما سوف يأتي .
الأمر الجنائي الصادر من القاضي :
حدد المشروع الجرائم التي يجوز فيها إصدار الأمر الجنائي من القاضي بأنها الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس ( المادة 323 إجراءات جنائية والمعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 . ثم بالقانون 74 لسنة 2007 ).
فيشترط في الجريمة إن كانت جنحة أن لا يقضي فيها وجوباً بعقوبة الغرامة ولا يزيد حدها الأدني على ألف جنيه .
فإذا كانت عقوبة الحبس وجوبية مهما كانت مدته ولو لأربع وعشرين ساعة ساعة امتنع إصدار الأمر الجنائي .
وإذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي الحبس والغرامة معاً فلا يجوز إصدار الأمر الجنائي أما إذا كانت العقوبة هي الحبس أو الغرامة جاز إصدار الأمر .
السلطة المختصة بطلب الأمر الجنائي :
السلطة المختصة بطلب صدور الأمر الجنائي هي «النيابة العامة» وقد خولها الشارع ذلك باعتبارها «سلطة الإتهام» التي تطالب عن طريق الأمر الجنائي بالعقوبة التي يقررها القانون وتمارس النيابة العامة في هذا الشأن سلطة تقديرية فهي تقدر أن الجريمة تكفي فيها بالنظر إلى ظروفها عقوبة الغرامة وهي تقرر أن الدعوى لبساطة وقائعها يجوز الفصل فيها «بغیر إجراءات تحقيق أو سماع مرافعة».
ولم يخول الشارع للمدعي المدني أن يطلب صدور الأمر الجنائي إذ أن ذلك سلطة تقديرية لم يقررها القانون إلا للنيابة العامة .
ولا يجوز للقاضي أن يصدر الأمر الجنائي من تلقاء نفسه فإذا أقامت النيابة العامة الدعوى وفقاً للإجراءات العادية فليس للقاضي أن يصدر فيها أمراً جنائياً إذا أن تقدير ملائمة الفصل في الدعوى عن طريق الأمر الجنائي شأن النيابة العامة .
( الدكتور محمود نجيب حسني الموجز في شرح قانون الإجراءات الجنائية ) . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد : الثالث، الصفحة : 329 )
النيابة العامة هي السلطة المختصة بطلب إصدار الأمر الجنائي من القاضي، فلا يملك المدعي المدني حق طلب إصدار هذا الأمر، ولكن للمدعي المدني أن يدعى بالحقوق المدنية قبل صدور الأمر الجنائي، وفي هذه الحالة ينظر القاضي طلب إصدار الأمر الجنائى مقروناً بالإدعاء المدني، وطبقاً للمادة 324 إجراءات المستبدلة بموجب القانون رقم 74 لسنة 2007 - يجوز للقاضي أن يقضي في الأمر الجنائي بالتضمينات (أي التعويضات) بما يعد فصلاً في الإدعاء المدني داخل الأمر الجنائي، ولا يجوز الإدعاء المباشر من المدعي المدني من خلال طلب إصدار أمر جنائي في الدعويين الجنائية والمدنية .
الجرائم التي يجوز فيها إصدار الأمر الجنائي :
يشترط في هذه الجرائم شرطان :
1- أن تكون من الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس .
2- أن ترى النيابة العامة أن الجريمة بحسب ظروفها تكفي فيها عقوبة الغرامة والمصاريف، فضلاً عن العقوبات التكميلية وما يجب رده .
إجراءات إصدار الأمر الجنائي :
في الحالة الأولى، تقدم النيابة العامة الطلب بناء على محضر جمع الاستدلالات أو أدلة الإثبات الأخرى (المادة 323 إجراءات).
بعد تقديم النيابة العامة للطلب يصدر القاضي الأمر الجنائي دون إجراء تحقيق قضائي ودون سماع مرافعة الخصوم، فإذا رأى أنه بحاجة إلى اتخاذ شيء من ذلك وجب أن يرفض إصدار الأمر (المادة 325/ أولاً إجراءات). وبناء على ذلك، فلا يجوز للنيابة العامة إعلان الشهود، كما لا يجوز لها إعلان المتهم، وإلا غد ذلك رفعاً للدعوى الجنائية بغير طريق الأمر الجنائي . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب : الأول، الصفحة : 368 )
التعريف بالأمر الجنائى وبيان خصائصه القانونية :
الأمر الجنائي هو أمر قضائي بتوقيع العقوبة المقررة بدون تحقيق أو مرافعة، ومعنى ذلك أن الأمر يصدر دون اتباع القواعد الخاصة بإجراءات المحاكمة والتحقيق النهائي اللازم للحكم الجنائي .
ونظراً للطبيعة الخاصة بالأمر الجنائي فقد قصره المشرع على جرائم معينة كما حدد نطاق العقوبات التي يصدر بها في الغرامة فقط كما سنرى تفصيلاً .
والأساس الذي يستند إليه نظام الأوامر الجنائية هو حرص التشريعات التي أخذت به على التوفيق بين مبدأ تحقيق العدالة السريعة وبين الاقتصاد في الإجراءات الشكلية التي كثيراً ما تحول دون الوصول إلى تحقيق سريع للعدالة دون مبرر أو مقتض لذلك ، وخاصة بالنسبة لكثير من الجرائم التي تتميز بضآلة أهميتها والتي ترهق كاهل المحاكم وتستغرق الوقت والجهد من غير داع .
ومن أجل ذلك دأبت الكثير من التشريعات على الأخذ بنظام الأوامر الجنائية بالنسبة للمخالفات والجنح قليلة الأهمية مع وضع الضمانات اللازمة للمتهم وللخصوم في الدعوى الجنائية .
وقد أخذ المشرع المصرى بنظام الأمر الجنائي ووضع القواعد المنظمة له في المواد 323 وما بعدها من قانون الإجراءات الجنائية .
الطبيعة القانونية للأمر الجنائي :
يتفق الأمر الجنائي من الناحية الموضوعية مع الحكم الصادر بالإدانة، فهو في جوهره حكم بالإدانة يصدر دون تحقيق نهائي من جانب المحكمة ودون مرافعة شفوية، فهو يشترط مع الحكم بالإدانة في أنه منه للخصومة وفاصل في الموضوع ، كما أنه يشترط أيضاً مع الحكم في القوة التنفيذية متى أصبح الأمر نهائياً ويحوز لقوة الشيء المقضي به والتي تحول دون الرجوع إلى الدعوى حتى مع ظهور أدلة جديدة كما سنرى .
غير أن الأمر الجنائي يختلف عن الحكم بالإدانة في الأتي :
1- أنه قاصر على جرائم محددة وعقوبات معينة .
2- أنه يصدر دون تحقيق أو مرافعة على خلاف الحكم .
3- أنه يصدر دون علانية على حين أن الحكم لابد أن يصدر في جلسة علنية .
4- يختلف الأمر الجنائي عن الحكم الغيابي في أنه يصدر دون علانية ودون مراعاة لمبدأ الشفوية في المرافعة .
ونظراً للتشابه الكبير بين الحكم والأمر الجنائي من حيث الجوهر فقد حاول البعض اعتباره نوعاً من الحكم المعلق على شرط عدم الاعتراض أو عدم حضور جلسة الاعتراض. ذلك أن الأمر لا يكون نهائياً إلا إذا لم يعترض عليه في المدة المحددة قانوناً وهي عشرة أيام من تاريخ الإعلان أو بعدم حضور الجلسة عند الاعتراض .
غير أن فكرة الحكم المعلق على شرط هذه ليست خاصة بالأمر الجنائي وحده ، فالأحكام بدورها لا تكون نهائية إلا عند فوات ميعاد الطعن دون أن يطعن بالمعارضة أو الاستئناف، ولذلك فإن قابلية الأمر للإلغاء ليست صفة خاصة به وحده وتميزه عن الأحكام لأن هناك من الأحكام ما يمكن إلغاؤه أيضاً من ذات المحكمة التي أصدرته، كما هو الشأن في الأحكام الغيابية، دون أن يشكك أحد في كونها أحكاماً .
ومن أجل ذلك نرى أن الأمر الجنائي ما هو إلا حكم صادر دون تحقيق نهائي أو مرافعة شفوية .
والأمر الجنائي يختلف عن القرارات القضائية التي تصدر من المحكمة في أن الأمر الجنائي تنعقد به الرابطة الإجرائية ويعتبر فاصلاً في الخصومة الجنائية، أما الأوامر والقرارات الأخرى فلا تتمتع بتلك الخصومة القاصرة فقط على الأحكام الفاصلة في الموضوع والأوامر الجنائية .
الصفات الخاصة بالدعوى الجنائية الصادر بشأنها الأمر :
أن أهم ما يميز إجراءات الدعوى التي يصدر فيها الأمر أنها لا تمر بمرحلة المرافعة الشفوية التي لا بد منها في حالة صدور حكم بالإدانة، فالقاضي يصدر الأمر الجنائي بناء على محضر جمع الاستدلالات وأدلة الإثبات الأخرى دون تحقيق أو سماع مرافعة .
هذا هو ما يستفاد من صريح نص المادة 323 التي تنص على أن القاضي يصدر أمر بناءً على محاضر جمع الإستدلالات أو أدلة الإثبات الأخرى، بغير إجراء تحقيق أو سماع مرافعة، والمقصود بكلمة تحقيق هنا هو إجراءات التحقيق النهائي أي دون التقيد بالقواعد الخاصة بالتحقيق النهائي، ومعنى ذلك أن القاضي لا يقوم بأي عمل من أعمال التحقيق قبل إصداره الأمر، فله له أن يستكمل النقض الذي يراه في محاضر جمع الاستدلالات قبل إصدار الأمر، فإذا رأى أن إصدار الأمر يحتاج إلى عملية تحقيق أدلة الثبوت وأدلة البراءة، أو قد يحتاج إلى استكمال بعض العناصر فلا يقوم بها القاضي وإنما عليه رفض إصدار الأمر، فليس له أن يطلب استكمال التحقيق من النيابة العامة أو من مأمور الضبط القضائي، والأمر الجنائي في هذا يماثل الحكم الذي يصدره القاضي في غيبة المتهم بعد الإطلاع على الأوراق .
ثانياً : القواعد التي تحكم الأمر الجنائي في التشريع المصري :
لقد منح قانون الإجراءات الجنائية المصري سلطة إصدار الأمر الجنائي لقاضي المحكمة الجزئية التي من اختصاصها نظر الدعوى وكذلك لوكيل النيابة بالمحكمة التي من اختصاصها نظر الدعوى .
سلطة القاضى الجزئى بالنسبة للأمر الجنائى :
يجوز للقاضي الجزئي بناء على طلب النيابة العامة أن يصدر أمراً جنائياً بناء على محاضر جمع الإستدلالات وأدلة الثبوت الأخرى بغير إجراء تحقيق أو سماع مرافعة بالشروط الآتية :
1- أن تكون الجريمة هي جنحة .
2- ألا تكون العقوبة المقررة لها هي الحبس الوجوبي .
3- أن تكون الظروف الخاصة بالجريمة تكفي للحكم فيها بالغرامة خلاف العقوبات التبعية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف .
4- أن يرى القاضي إمكان الفصل في الدعوى دون القيام بإجراءات التحقيق النهائي أو سماع مرافعة .
5- أن يكون الأمر بناء على طلب النيابة العامة أو للقاضي من تلقاء نفسه إذا تغيب المتهم عن الحضور رغم إعلانه ولم تكن النيابة طلبت توقيع أقصى العقوبة . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء : الثاني ، الصفحة : 1365 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65
مُتَّهَمٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمُتَّهَمُ لُغَةً:
مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :
- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :
تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:
الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
(ر: تُهْمَةٌ ف 14).
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.
فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.
الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.
الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.
الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.
الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.
السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.
السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.
الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.
التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.
وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.
- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.
فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.
الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).
تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ
- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).
وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.
الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).
رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ
إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).
صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:
عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).
مَحْضَرٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمَحْضَرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ: بِمَعْنَى الْحُضُورِ وَالشُّهُودِ.
يُقَالُ: كَلَّمْتُهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ فُلاَنٍ، وَبِحَضْرَتِهِ: أَيْ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الَّذِي كَتَبَ الْقَاضِي فِيهِ دَعْوَى الْخَصْمَيْنِ مُفَصَّلاً، وَلَمْ يَحْكُمْ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بَلْ كَتَبَهُ لِلتَّذَكُّرِ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السِّجِلُّ :
- السِّجِلُّ لُغَةً: الْكِتَابُ يُدَوَّنُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ يُقَالُ: سَجَّلَ الْقَاضِي: قَضَى وَحَكَمَ وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي السِّجِلِّ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: السِّجِلُّ: كِتَابُ الْحُكْمِ وَقَدْ سَجَّلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحْضَرِ وَالسِّجِلِّ: أَنَّ الْمَحْضَرَ لاَ يَتَضَمَّنُ النَّصَّ عَلَى الْحُكْمِ وَإِنْفَاذِهِ، أَمَا السِّجِلُّ فَفِيهِ حُكْمُ الْقَاضِي.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :
قَالَ الْفُقَهَاءُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي كِتَابَةُ مَحْضَرٍ فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ الَّتِي تُرْفَعُ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ لأِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَلاَ يُمْكِنُ حِفْظُهَا إِلاَّ بِالْكِتَابَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا، تُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ تَفْصِيلُهَا فِي (قَضَاءٌ ف 43).
وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ كِتَابَةِ الْمَحْضَرِ: إِذَا لَمْ يَطْلُبْ مَنْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَتَهُ، فَإِنْ سَأَلَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْقَاضِيَ كِتَابَةَ مَا جَرَى أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَكَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، كَأَنْ يَتَرَافَعَ خَصْمَانِ إِلَى الْقَاضِي فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِالْمُدَّعَى بِهِ أَوْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ، وَرَدَّ عَلَى الْمُدَّعِي وَحَلَفَ، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَا جَرَى أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، فَالأْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ إِجَابَتُهُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأِنَّهُ وَثِيقَةٌ لَهُ كَالإْشْهَادِ، لأِنَّ الشَّاهِدَيْنِ رُبَّمَا نَسِيَا الشَّهَادَةَ، أَوْ نَسِيَا الْخَصْمَيْنِ فَلاَ يَذْكُرْهُمَا إِلاَّ ذَوِي خَطَّيْهِمَا وَالأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي إِجَابَتُهُ، لأِنَّ الْكِتَابَةَ لاَ تُثْبِتُ حَقًّا.
وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ، وَالأْخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ.
ثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي تُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ :
- ثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي تُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلاَّتُ وَغَيْرُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لأِنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ، أَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ فَعَلَى مَنْ لَهُ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ كِتَابَةَ مَا جَرَى فِي خُصُومَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ.
صِيغَةُ الْمَحْضَرِ
- إِنِ اخْتَارَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ مَحْضَرًا، أَوْ سَأَلَهُ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَتَهُ: ذَكَرَ فِيهِ مَا يَأْتِي:
أ - اسْمُ الْقَاضِي الَّذِي جَرَتِ الْخُصُومَةُ أَمَامَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَنَسَبَهُ، وَمَكَانَ وِلاَيَتِهِ، وَتَارِيخَ إِقَامَةِ الدَّعْوَى، وَأَنَّهَا أَقِيمَتْ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ.
ب - اسْمُ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ كَانَ يَعْرِفُهُمَا بِاسْمَيْهِمَا وَنَسَبَيْهِمَا وَيَرْفَعُ نَسَبَيْهِمَا حَتَّى يَتَمَيَّزَا. وَإِنْ كَانَ لاَ يَعْرِفُهُمَا: كَتَبَ: حَضَرَ عِنْدِي فِي مَجْلِسِ حُكْمِي: مُدَّعٍ ذَكَرَ: أَنَّهُ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ: أَنَّهُ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ وَيَرْفَعُ نَسَبَيْهِمَا، وَيَذْكُرُ أَهَمَّ صِفَاتِهِمَا كَالْغَمَمِ، وَالنَّزْعِ، وَلَوْنِ الْعَيْنِ، وَصِفَةِ الأْنْفِ، وَالْفَمِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَاللَّوْنِ، وَالطُّولِ، وَالْقِصَرِ.
ج - الْمُدَّعَى بِهِ، وَنَوْعُهُ وَصِفَتُهُ.
د - أَقْوَالُ الْمُدَّعِي.
هـ - أَقْوَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَإِنْ أَقَرَّ كَتَبَ: أَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بِالْمُدَّعَى بِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ كَتَبَ إِنْكَارَهُ، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ذَكَرَهَا، وَإِنْ كَتَبَ الْمَحْضَرَ بِطَلَبٍ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي كِتَابَتِهِ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ أَنَّهُ كَتَبَهُ اسْتِجَابَةً لِرَغْبَتِهِ وَذَكَرَ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ أُقِيمَتْ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ؛ لأِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ.
و - أَسَمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ.
ز - فَإِنِ اسْتَحْلَفَ الْمُنْكِرَ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ.
ح - فَإِنْ حَلَفَ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا لِئَلاَّ يَحْلِفَ ثَانِيًا أَجَابَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَأَلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَجَابَ طَلَبَهُ.
ط - وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ كَتَبَ: فَعُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ فَنَكَلَ مِنْهَا، هَذِهِ صُورَةُ الْمَحْضَرِ.
وَإِنِ اشْتَمَلَ الْمَحْضَرُ أَسِبَابَ الْحُكْمِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى ثُبُوتِهَا أَمَامَ الْقَاضِي، وَسَأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْقَاضِيَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْمَحْضَرِ، لَزِمَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ وَيُنْفِذَهُ، فَيَقُولُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسِبَابِ الْحُكْمِ بِالْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَحْضَرِ: حَكَمْتُ لَهُ بِهِ، وَأَلْزَمْتُهُ الْحَقَّ.
لأِنَّ الْحُكْمَ مِنْ لَوَازِمِ الثُّبُوتِ.