الفصل الثاني عشر فى أوجه البطلان
الفصل الثانى عشر
فى أوجه البطلان
يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري .
خلا القانون الحالي ( الملغي ) من بيان القواعد العامة التي تتبع في أحوال البطلان الذي ينشأ عن عدم مراعاة الاجراءات المقررة للتحقيق أو المحاكمة وإكتفى بالنص على البطلان عند مخالفة بعض الإجراءات دون البعض الآخر مما قد يؤدي إلى الوقوع في الخطأ ولذلك رؤى لتلافي هذا النقص وضع القواعد التي تبين الأحوال التي يحكم فيها بالبطلان والتي لا تدعو لذلك والإجراءات التي تتبع للتمسك بالبطلان ومدى البطلان إذا حكم به .
فإذا كان الغرض من الإجراء ليس إلا الإرشاد والتوجيه فلا بطلان إذا لم يراع هذا الاجراء لأنه ليس جوهرياً في التحقيق أو الدعوى فمثلاً اذا نص القانون على وجوب الحكم في الإستئناف في ظرف ثلاثين يوماً ولم يراع هذا الميعاد فلا بطلان .
أما إذا كان الغرض من الإجراء المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة المتهم أو غيره من الخصوم فإنه يكون جوهرياً ويترتب على عدم مراعاته البطلان - مادة 318 - ( أصبحت المادة 331 من القانون ) .
وإذا كان الإجراء جوهرياً متعلقاً بالنظام العام جاز التمسك بالبطلان الناشئ عن عدم مراعاته في أية حال كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب - مادة 319 - ( أصبحت م 332 من القانون ) .
أما إذا كان الإجراء الجوهری متعلقاً بمصلحة المتهم وباقي الخصوم فلا يقضى بالبطلان إلا بناء على طلب صاحب الشأن - مادة 319 / 2 - ( أصبحت م 332 من القانون ) .
وقد بين المشروع على سبيل المثال بعض الأحكام المتعلقة بالنظام العام - مادة 319 / 1 - ( أصبحت م 332 من القانون ) ويمكن أن يضاف إليها على سبيل المثال أيضاً الأحكام الخاصة بعلانية الجسات وبتسبيب الأحكام الجوهرية وحرية الدفاع وحضور مدافع المتهم في مواد الجنايات وأخذ رأى المفتى عند الحكم بالإعدام وإجراءات الطعن في الأحكام .
أما الأحكام الأخرى المتعلقة بمصلحة الخصوم فمنها الأحكام الخاصة بالتفتيش والضبط والقبض والحبس والاستجواب والاختصاص من حيث المكان .
ولتعرف الأحكام الجوهرية يجب دائماً الرجوع إلى علة التشريع .
ويشترط لصحة التمسك بالبطلان أن يقدم الدفع به إلى أول جهة قضائية إلى الجهة التي وقع أمامها البطلان وإلا سقط الحق في التمسك به فاذا وقع البطلان قبل تقديم القضية إلى قاضي التحقيق وجب التمسك به أمام القاضي المذكور وإذا وقع البطلان أمام غرفة المشورة وجب التمسك به أمام محكمة الموضوع واذا وقع أمام محكمة أول درجة وجب التمسك به أمام المحكمة الاستئنافية .
وليس لقاضي التحقيق ولا لغرفة المشورة الحق في الفصل في الدفع ولكن لها إعادة الاجراء على الوجه الصحيح كلما أمكن ذلك فإذا استوجب المتهم بدون حضور محام وكان حضور المحامي واجباً يعاد استجوابه بحضور محاميه وإذا لم يحلف الشاهد اليمين يعاد سماعه بعد أداء اليمين .
وقد اشترط بصفة عامة لصحة التمسك بأوجه البطلان السابقة على إنعقاد جلسة المحكمة أن تبدي قبل سماع الشهادة أول شاهد أو قبل مرافعة الخصوم ان لم يكن هناك شهود .
وكما يكون التنازل عن الدفع صریحاً يكون ضمنياً أيضاً فليس المتهم أن يدفع بالبطلان إذا كان هذا البطلان متعلقاً بإجراء من اجراءات التحقيق اتخذ بحضوره أو وقع في جلسة أناب فيها وكيلاً عنه أو حضر فيها مدافع معه ولم يطلب المتهم ولا النيابة العمومية مراعاة الحكم الواجب اتباعه يعتبر في هذه الحالة الإجراء صحيحاً ويعتبر الإجراء صحيحاً أيضاً في مواد المخالفات إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه في الجلسة - المادتان 320 و 321 - ( أصبحت المادتان 333 و 334 من القانون ).
واستثناء من الأحكام السابقة نص على عدم جواز الطعن ببطلان الأمر الصادر بالاحالة أمام المحكمة المختصة بالنظر في أصل الدعوى مع حفظ المتهم في أن يثبت أن الواقعة التي اثبتت عليها الاحالة لا يعاقب القانون عليها كما نص على عدم جواز التمسك ببطلان ورقة التكليف بالحضور إذا حضر المتهم في الجلسة أو أناب وكيلاً عنه مع حفظ الحق له في طلب التأجيل ووجوب إجابة هذا الطلب اذا كان البطلان ناشئاً عن عدم مراعاة ميعاد التكليف بالحضور - المادتان 321 / 2 و 323 - ( أصبحت المادة 334 من القانون ) كما نص على أنه لا يجوز للخصم الذي تسبب في وقوع البطلان أن يتمسك به وعلى أنه لا يجوز لأي خصم التمسك بأوجه البطلان إذا كان الإجراء قد تحققت الغاية منه بالنسبة الى جميع ذوي الشأن رغم ما به من عيب - مادة 323 - ( حذفت لأنها تنص على بدهيات ).
وقد تناولت المادة 325 ( أصبحت المادة 336 من القانون ) مدى البطلان إذا ما حكم به فنصت على أن البطلان في هذه الحالة لا يتناول الا اجراء المطعون فيه والآثار المترتبة عليها مباشرة فإذا لحق إجراء التفتيش عيب يبطله يقضي ببطلانه وبطلان الدليل المستمد منه فقط .
وقد رئی تخويل جهات الحكم والتحقيق الحق في تصحيح الأخطاء المادية التي تقع في الحكم أو في الأمر ولم یکن ترتب عليها بطلان وذلك من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم فإذا حصل خطأ مادى في إسم القاضي أو عضو النيابة أو الخصوم أو في تاريخ الجلسة يمكن تدارکه وقد بينت المادة 326 ( أصبحت م 337 من القانون ) الإجراءات التي تتبع في هذه الحالة .
الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول
موقف الأعمال التحضيرية
وقد أكدت هذا المعنى المذكرة الايضاحية رقم 1 للمادة 333 ( وأصلها المادة 320 في المشروع الأول و 326 في الثاني ) فبينت أن من بين أحوال البطلان النسبي ( مخالفة الأحكام الخاصة بالتفتيش والقبض والحبس الاحتياطي والاستجواب والاختصاص من حيث المكان ) فلم يفرق النص مذكرته الايضاحية بين إجراء وآخر من إجراءات التحقيق المشار إليها فيهما وبين قاعدة وأخرى من قواعد التفتيش .
ثم اكدته لجنة الاجراءات الجنائية بمجلس الشيوخ في تقريرها عن المادتين 332 (وأصلها المادة 319 في المشروع الأول و325 في الثاني ) و 333 عندما ذكرت عن هذه المادة الأخيرة أنها خاصة بالبطلان الذي لا يتعلق بالنظام العام ، والذى لا يجوز الحكم به إلا إذا تمسك به المتهم ولذلك رأت ان تضيف في أول هذه المادة عبارة ( في غير الأحوال المشار إليها في المادة السابقة ) .
أي أن اللجنة رأت بهذه الإضافة أن توضح نية الشارع في الفصل بين نطاق كل من المادتين، بحيث لا تكون أولاهما مقصورة على إجراءات المحاكمة التى ترتب مخالفتها بطلاناً متعلقاً بالنظام العام سواء منها ما ورد فيها صراحة أو ما تركته لاجتهاد القضاء، وتكون ثانيهما مقصورة على إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة، وهذه كلها وبغير استثناء أي إجراء منها ( يسقط الحق في الدفع ببطلانها إذا كان للمتهم محام وحصل الاجراء بحضوره بدون اعتراض منه ) وهذا هو أوضح آثار البطلان النسبي .
بل أنه ( في مواد المخالفات يعتبر الاجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك في حينه) على حد تعبير نفس المادة، وكل ذلك لا يترك شبهة في نوع البطلان الذي ترسمه .
1- حيث إن المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت فى فقرتها الأخيرة أن يكون النطق بالحكم مشفوعاً بأسبابه وذلك فى جريمة القذف بطريق النشر فى حق موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة ، وهو نص خاص يغاير الأصل العام المقرر بالمادة 312 من القانون ذاته من بطلان الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة إذا لم توضع موقعاً عليها فى مدة ثلاثين يوماً من النطق بها ، وكان من المقرر أن الخاص يقيد العام فإن نص الفقرة الأخيرة من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية سالف الإشارة إليه يكون فى مجال تطبيقه واجب الإعمال ، ومؤداه أن الشارع قد رتب البطلان على مخالفة ما أوجبه من أن يكون النطق بالحكم مشفوعاً بأسبابه وذلك فى جريمة القذف بطريق النشر فى حق موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة بوصفه إجراء جوهرى يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة به طبقاً لنص المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية . لما كان ذلك ، وكان البين من أوراق الطعن ومن الشهادتين المرفقتين بأسبابه أن الحكم المطعون فيه صدر فى ........ بإدانة الطاعن بجريمة القذف بطريق النشر فى حق موظفاً عام ، غير أن أسبابه لم تودع إلا فى ....... ، فإنه يكون قد ثبت أن النطق بالحكم المطعون فيه لم يكن مشفوعاً بأسبابه الأمر الذى يبطله ويوجب نقضه والإعادة .
( الطعن رقم 12771 لسنة 69 - جلسة 2003/10/22 - س 54 ص 1016 ق 138 )
2- النص فى المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه "يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري" يدل فى صريح لفظه وواضح معناه على أن الشارع يرتب البطلان على عدم مراعاة أي إجراء من الإجراءات الجوهرية التي يقررها دون سواها، وإذ كان ذلك، وكان الشارع لم يورد معياراً ضابطاً يميز به الإجراء الجوهري عن غيره من الإجراءات التي لم يقصد بها سوى الإرشاد والتوجيه للقائم بالإجراء، فإنه يتعين لتحديد ذلك الرجوع إلى علة التشريع، فإذا كان الغرض من الإجراء المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة للمتهم أو غيره من الخصوم فإن الإجراء يكون جوهرياً يترتب البطلان على عدم مراعاته، أما إذا كان الغرض منه هو مجرد التوجيه والإرشاد للقائم به، فلا يعد جوهرياً ولا يترتب البطلان على عدم مراعاته .
( الطعن رقم 20844 لسنة 59 - جلسة 1990/03/11 - س 41 ع 1 ص 526 ق 87 )
3- لما كانت المادة 383 من قانون الإجراءات الجنائية قد أجازت لمحكمة الجنايات إذا أحيلت إليها جنحة مرتبطة بجناية ورأت قبل تحقيقها أن لا وجه لهذا الارتباط أن تفصل الجنحة وتحيلها إلى المحكمة الجزئية وواضح أن القاعدة التي أتى بها هذا النص إنما هي قاعدة تنظيمية لأعمال محكمة الجنايات ولم يرتب القانون على عدم مراعاتها البطلان ولا هي تعتبر من الإجراءات الجوهرية المشار إليها فى المادة 331 من ذلك القانون. وكانت المحكمة قد قضت فى حكمها بفصل جنحة إحراز السلاح الأبيض المسندة للمطعون ضده الأول عن جناية إحراز المخدر بغير قصد من القصود التي دانه عنها وكان لا وجه للارتباط بين هذه الجناية وتلك الجنحة قد يؤثر على الفصل فى الدعوى على ما سلف بسطه، وكانت محكمة الجنايات غير ملزمة ببيان الأسباب التي بنت عليها أمرها بفصل الجنحة عن الجناية، فإن ما تثيره الطاعنة فى هذا الوجه لا يكون مقبولاً .
( الطعن رقم 4117 لسنة 56 - جلسة 1986/12/11 - س 37 ع 1 ص 1039 ق 198 )
4- لما كان إرتباط الجنحة بالجناية المحالة إلى محكمة الجنايات هو من الأمور الموضوعية التى تخضع لتقدير محكمة الجنايات إستناداً إلى حكم المادة 383 من قانون الإجراءات الجنائية التى أجازت لتلك المحكمة إذا أحيلت إليها جنحة مرتبطة بجناية و رأت قبل تحقيقها أن لا وجه لهذا الإرتباط أن تفصل الجنحة وتحيلها إلى المحكمة الجزئية المختصة للفصل فيها ، هذا فضلاً عن ان القاعدة التى أتت بها المادة 383 من قانون الإجراءات الجنائية إنما هى قاعدة تنظيمية لأعمال محكمة الجنايات لم يرتب القانون بطلاناً على عدم مراعاتها ولا هى تعتبر من الإجراءات الجوهرية المشار إليها فى المادة 331 من ذلك القانون ، فإن ما ينعاه الطاعنون فى هذا الخصوص يكون على غير أساس .
( الطعن رقم 1026 لسنة 52 - جلسة 1982/04/14 - س 33 ص 485 ق 99 )
5- لما كان قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 المعدل قد تضمن فى المواد 31 ، 32 ، 33 منه شروط القيد فى جدول المحامين المقبولين أمام المحاكم الابتدائية ، وتضمن فى المادتين 35 ، 36 منه شروط القيد فى جدول المحامين المقبولين أمام محاكم الاستئناف ، وهو ما يعنى بالضرورة أنه لايجوز لغير من استوفى الشروط المنوه عنها بتلك المواد أن يكون من المترافعين أمام محكمة الجنايات ، وكانت المادة العاشرة من القانون رقم 17 لسنة 1983 قد أفردت المحامين المشتغلين بجداول خاصة وفقاً لدرجة قيد كل منهم ، كما أفردت غير المشتغلين بجدول خاص أيضاً ، وجعلت المادتان 43 ، 44 من ذات القانون القيد بالجدول الأخير موكولاً إلى رغبة المحامى فى اعتزال المحاماة أو توليه إحدى الوظائف أو الأعمال التى لايجوز الجمع بينها وبين المحاماة أو إذ كف عن مزاولة المهنة، أو بناء على قرار مسبب من مجلس النقابة إذا فقد أحد شروط القيد فى الجدول العام ، وتضمنت المادة 45 من قانون المحاماة سرداً للقيود المفروضة على إعادة القيد مرة أخرى بجدول المشتغلين ، كما أشارت أيضاً إلى الأحوال التى لايجوز معها إعادة القيد بجداول المشتغلين . ومفاد كل ما تقدم أنه يترتب على قيد محام _ من المقبولين من قبل للمرافعة أمام المحاكم الابتدائية أو محاكم الاستئناف _ بجدول غير المشتغلين أياً كان سبب القيد ، فقدانه الصفة فى ممارسة مهنة المحاماة أمام المحاكم . لما كان ذلك ، وكان البين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه ومحاضر الجلسات أنه حضر للدفاع عن الطاعن الأول المحكوم عليه بالإعدام ............................ أمام محكمة الجنايات الأستاذ .................... المحامى وهو الذى شهد المحاكمة وقام منفرداً بالدفاع عنه فى 1997/12/6 ، وكان الثابت من كتاب نيابة النقض الجنائي أنه تم نقل اسم هذا المحامى إلى جدول غير المشتغلين بتاريخ 1992/12/16 ومن ثم فإن حضوره عن الطاعن المذكور يكون باطلاً ومعدوم الأثر مما يعنى أن الطاعن قد حوكم عن جناية حرم فيها من حق الدفاع الذى كفله له الدستور والقانون فإن إجراءات المحاكمة تكون قد وقعت باطلة منطوية على الإخلال بحق الدفاع .
( الطعن رقم 6911 لسنة 68 - جلسة 1998/12/14- س 49 ص 1449 ق 206 )
6- الأصل فى شهادة كل شاهد أن تكون دليلاً مستقلاً من أدلة الدعوى ، فيتعين إيرادها دون إحالة ولا اجتزاء ولا مسخ فيما هو من جوهر الشهادة ومن ثم فإن الحالة فى بيان مؤدى الشاهدة من شاهد الى شاهد أخر لاتصح فى أصول الاستدلال إلا إذا كانت أقوالهما متفقة فى الوقائع المشهود عليها ، بلا خلاف بينهما سواء فى الوقائع أو جوهر الشهادة وكان البين من الاطلاع على المفردات أن النقيب ...................... قرر فى التحقيقات أنه كان مشغولاً فى التفتيش على رخص إحدى السيارات ولم يشاهد واقعة إلقاء الطاعن باللفافة والتقاط زميلة الشاهد الأول لها وفضها وتبين ما بداخلها مما كان مدار الشق الأول من شهادة زميله والذى كان موضوع تساند الحكم فى رده على الدفع ببطلان القبض على الطاعن وتفتيشه ومن ثم فإن الحكم إذ أحال فى بيان ما شهد به النقيب المذكور إلى مضمون ما شهد به زميله رغم اختلاف الشهادتين فى شأن الواقعة الجوهرية أنفة الذكر ، يكون فوق قصوره ، منطوياً على الخطأ فى الإسناد مما يبطله .
( الطعن رقم 11307 لسنة 66 - جلسة 1998/11/16 - س 49 ص 1290 ق 183 )
7- لم يرتب القانون البطلان على مجرد عدم توقيع كاتب الجلسة على محضرها والحكم بل إنهما يكون لهما قوامهما القانوني بتوقيع رئيس الجلسة عليهما، لما كان ذلك، وكان الطاعن لا ينازع فى أن النسخة الأصلية للحكم موقع عليها من رئيس الجلسة فإن منعاه على الحكم الغيابي الاستئنافي المعارض فيه فى شأن عدم توقيع كاتب الجلسة على نسخة الحكم الأصلية يكون فى غير محله .
( الطعن رقم 1694 لسنة 45 - جلسة 1975/05/11 - س 26 ص 396 ق 91 )
8- لما كان البين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أن ديباجته قد خلت من بيان اسم المحكمة التى صدر منها الحكم ، كما أن محضر الجلسة قد خلا أيضاً من هذا البيان . لما كان ذلك ، وكان خلو الحكم من هذا البيان الجوهرى يؤدى إلى الجهالة ويجعله كأنه لا وجود له ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباً بالبطلان .
( الطعن رقم 16984 لسنة 61 - جلسة 1998/10/21 - س 49 ص 1137 ق 155 )
9- أوجه البطلان المتعلقة بالتكليف بالحضور ليست من النظام العام ، فإذا حضر المتهم بالجلسة بنفسة أو بوكيل عنه فليس له أن يتمسك بهذا البطلان ، وكان الثابت أن الطاعن مثل أمام المحكمة الجنايات ومعه المحامى المنتدب، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن فى شأن عدم إعلانه بالجلسة المحددة لنظر الدعوى يكون غير سديد .
( الطعن رقم 4291 لسنة 66 جلسة 1998/03/08 س 49 ص 368 ق 51)
10- لما كانت إجراءات التحرير إنما هى إجراءات قصد بها تنظيم العمل للمحافظة على الدليل خشية توهينه وكان القانون لم يرتب على مخالفتها أى بطلان وترك الأمر فى ذلك إلى اطمئنان المحكمة إلى سلامة الدليل وأن الاحراز المضبوطة لم يصل إليها العبث ، وكان ما قاله الحكم سائغاً وصحيحاً فى القانون فإنه لايقبل من الطاعن ما يثيره فى هذا الصدد إذ لايعدو فى حقيقته أن يكون جدلاً موضوعياً مما لا تجوز اثارته أمام محكمة النقض ، وطالما أن المحكمة أقامت قضاءها على عناصر صحيحة وسائغة اقتنع بها وجدانها فلايجوز مصادرتها فى عقيدتها أو مجادلتها فى تقديره .
( الطعن رقم 6447 لسنة 66 - جلسة 1998/02/21 - س 49 ص 274 ق 42 )
11- القاعدة فى القانون أن ما بني على الباطل فهو باطل. ولما كان لا جدوى من تصريح الحكم ببطلان الدليل المستمد من العثور على فتات لمخدر الحشيش بجيب صديري المطعون ضده بعد إبطال مطلق القبض عليه والتقرير ببطلان ما تلاه متصلاً به ومترتباً عليه، لأن ما هو لازم بالاقتضاء العقلي والمنطقي لا يحتاج إلى بيان. لما كان ما تقدم، وكان ما أورده الحكم سائغاً ويستقيم به قضاؤه، ومن ثم تنحسر عنه دعوى القصور فى التسبيب .
( الطعن رقم 174 لسنة 43 - جلسة 1973/04/09 - س 24 ع 2 ص 506 ق 105 )
12- إن المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية قد رتبت البطلان على عدم مراعاة الأحكام المتعلقة بأي إجراء جوهري، والإجراء يعتبر جوهرياً إذا كان الغرض منه المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة المتهم أو أحد الخصوم، أما إذا كان الغرض منه ليس إلا الإرشاد والتوجيه فلا يكون جوهرياً ولا يترتب على عدم مراعاته البطلان. وما نصت عليه المادتان 271 و272 من بيان ترتيب الإجراءات فى الجلسة وإن كان فى ذاته مفيداً فى تنظيم سير الدعوى وتسهيل نظرها إلا أنه لم يرد على سبيل الوجوب ولم يقصد به إلى حماية مصلحة جوهرية للخصوم، فإذا كان الإخلال المدعى بذلك الترتيب لم يحرم المتهم من إبداء دفاعه وطلباته ومن الرد على دفاع خصمه ولم يمس ما له من حق مقرر فى أن يكون آخر من يتكلم فإنه لا يترتب عليه البطلان .
( الطعن رقم 332 لسنة 22 - جلسة 1952/06/14 - س 3 ع 3 ص 1103 ق 413 )
التمييز بين القواعد الإجرائية الجوهرية والقواعد الإجرائية الإرشادية :
قرر الشارع هذا التمييز فى المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية التى نصت على أن « يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري » .
ويستفاد من هذا النص - بمفهوم المخالفة - أنه لا يترتب البطلان في غير هذه الحالة، أي إذا كان الإجراء قد خالف قاعدة إجرائية غير جوهرية. ولكن الصعوبة كلها هي في التمييز بين القاعدة الجوهرية والقاعدة غير الجوهرية أو الإرشادية : لم يضع الشارع معياراً، بل إنه عبر في المذكرة الإيضاحية عن قصده ترك تحديد هذا المعيار للقاضي ، واكتفت المذكرة بأن بينت الفكرة العامة التي يستعين بها القاضي في ذلك ، فقالت إنه « لتعرف الأحكام الجوهرية يجب دائماً الرجوع إلى علة التشريع ، فإذا كان الغرض منه المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة للمتهم أو غيره من الخصوم فإنه يكون جوهرياً ويترتب على عدم مراعاته البطلان » وقد أضافت المذكرة إلى ذلك أنه « لا يعتبر من الإجراءات الجوهرية ما وضع من الإجراءات لمجرد الإرشاد والتوجيه » .
وجوهر الفكرة التي أوضحتها المذكرة هي وجوب الرجوع إلى «علة التشريع» من نصه على القاعدة الإجرائية : فإن كانت المحافظة على مصلحة - سواء أكانت مصلحة عامة أم مصلحة المتهم أو غيره من الخصوم كالمدعي المدني - كانت قاعدة جوهرية وترتب على مخالفتها البطلان، أما إذا كانت القاعدة مقررة لمجرد إرشاد القضاء أو أطراف الدعوى إلى الوضع أو الأسلوب الملائم والأفضل من الوجهة العملية لنظر الدعوى، وكان الثابت أن مخالفة هذه القاعدة لا تضيع مصلحة لأحد قط، وإنما قد تجعل نظر الدعوى - في ظروف معينة - أكثر صعوبة، فإن القاعدة تكون محض قاعدة إرشادية، ولا يترتب على مخالفتها البطلان. ويتضح بذلك أن المعيار قوامه فكرة «المصلحة»: هل القاعدة تستهدف حماية مصلحة بحيث يترتب على مخالفتها إهدار هذه المصلحة، أم هي تستهدف مجرد الترتيب والتوجيه والإرشاد من وجهة نظر الملائمة فحسب بحيث لا يترتب على مخالفتها تضييع مصلحة ما؟ وعلى هذا النحو كان ضابط القاعدة الجوهرية «المصلحة»، وضابط القاعدة الإرشادية «الملائمة». ونعتقد أن قانون المرافعات قد تبني هذه الفكرة حينما اعتبر الإجراء باطلاً «إذا شابه عيب لم تتحقق بسببه الغاية منه» (المادة 20)، وذلك إذا اعتبرنا أن غاية الإجراء هي حماية مصلحة، فكان من شأن عيبه أن جعله لا يحقق هذه الغاية .
وتوضيحاً لهذه الفكرة نذكر الأمثلة التالية : تطلب القانون أن يستصحب المحقق كاتباً (المادة 73 من قانون الإجراءات الجنائية)، فإذا تساءلنا عما إذا كان الشارع قد استهدف بهذا الإجراء تحقيق مصلحة عامة في كشف الحقيقة بتمكين المحقق من التفرغ للجانب الفني من التحقيق والتخفيف من عملية تدوينه المادية ، وثبت لنا ذلك، فإن هذا الإجراء يكون جوهرياً، ويترتب على ذلك أن التحقيق الذي يجري بدون اصطحاب كاتب يكون باطلاً وإذا تطلب القانون علانية جلسة المحاكمة، فقد استهدف بهذا الإجراء صيانة مصلحة عامة تتمثل في اطمئنان جمهور الناس إلى عدالة القضاء ومصلحة للمتهم في الحماية من تعسف يتخذ في غيبة رقابة الرأي العام، ومن ثم تكون العلانية إجراء جوهرياً ويعتبر إجراءاً جوهرياً كذلك توقيع مصدر إذن التفتيش عليه وبيان تاريخ الحكم، وحضور القضاة الذين اشتركوا في المداولة تلاوة الحكم، والتوقيع على الحكم في خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدوره .
ولكن إذا حدد القانون إجراءات النداء على الشهود واحتجازهم بعد إجابتهم على الأسئلة التي وجهت إليهم (المادة 278 من قانون الإجراءات الجنائية) أو حدد إجراءات وضع الأشياء المضبوطة في حرز مغلق وضبطها (المادة 56 من قانون الإجراءات الجنائية)، أو بين ترتيب الإجراءات في الجلسة من حيث تسلسلها وتعاقبها (المادتان 271، 272 من قانون الإجراءات الجنائية)، فليس هدفه من ذلك حماية مصلحة ما، وإنما مجرد الإرشاد إلى السبيل الأكثر ملاءمة والأدني إلى المنطق في مباشرة الإجراء، دون أن يكون في إغفال ذلك تضييع أية مصلحة، ومن ثم لا يكون في مخالفة القواعد السابقة ما يقتضي بطلانه . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة : 398 )
أحوال البطلان الذاتي :
لا صعوبة في الأحوال التي نص عليها القانون، وإنما تبدو الصعوبة فيما لم ينص عليه القانون صراحة، وهو ما يسمى بالبطلان الذاتي. ويستند هذا البطلان إلى الإخلال بالضمان الجوهري الذي كفله القانون في العمل الإجرائي سواء كان ضماناً للحقوق والحريات أو ضماناً للمصلحة العامة .
وقد میز قانون الإجراءات الجنائية المصري بين ما سماه بالإجراء الجوهري والإجراء غير الجوهري، فنص في المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية على أن يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري. ولابد أن نصحح ابتداء المفاهيم القانونية في هذا الشأن، فإن الإجراء هو العمل الإجرائي الذي يمثل وحدة من الخصومة الجنائية، فما هذه الخصومة إلا منظومة من الإجراءات الجنائية تنتهي بالحكم الجنائي، وما العمل الإجرائي - أي الإجراء - إلا وحدة من هذه المنظومة. وكل عمل إجرائي له شروط لصحته، بعضها شروط موضوعية (الصفة، والاختصاص، والمحل الذي يرد عليه الإجراء) وبعضها الآخر شروط شكلية تسمى في فقه الإجراءات الجنائية بالشكليات، مثل البيانات والمواعيد .
والواقع من الأمر، فإن شروط صحة العمل الإجرائي في الخصومة الجنائية ليست إلا ضمانات لاحترام الحقوق والحريات التي يتمتع بها أطراف الخصومة الجنائية وخاصة المتهم ولحماية المصلحة العامة للوصول إلى محاكمة قانونية «منصفة». فهي الضمانات التي يتطلبها الدستور والقانون إعمالاً للشرعية الإجرائية، وبها تتحقق المشروعية الإجرائية . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 610 )
ويبدو أن أحكامنا المصرية مستقرة على قاعدة البطلان الذاتي .
وبغير حاجة إلى نص . كلما الإجراء جوهرياً منذ أيام قانون تحقيق الجنايات ، وقد أقرها صراحة قانون الإجراءات في المادة 331 عندما نص على أنه ( يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري ) ، لكنة عين من نفس الوقت أحوالاً أخرى للبطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري ، بل عین نوع البطلان - في أحوال كثيرة - مبیناً مدى تعلقه بالنظام العام، لمبدئه فحسب وذلك، كما فعل في المادتين 332، 333 اللتين تتعرض لحكمهما فيما بعد ، ويهمنا أن نبين بوجه خاص بطلان التفتيش .. فهل هو متعلق بالنظام العام أو نسبي متعلق بمصلحة المتهمين وحدهم .
وذلك أن الرأي قد جرى في نطاق البطلان على التمييز بين نوعين منه : المطلق والنسبي، كما جرى في بلادنا فقهاً وقضاء علي إطلاق وصف المطلق على البطلان المتعلق بالنظام العام والنسبي على ذلك المتعلق بمصلحة الخصوم، هذا الإطلاق غير دقيق في الواقع لأن البطلان المطلق ليس مرادفاً للبطلان المتعلق بالنظام العام لكن لا ضرر منه في النهاية ، حيث أن معيار النظام العام هو المعيار السائد لتمييز البطلان المطلق عن النسبي .
هذا من وجهة أولى ومن وجهة أخرى إن البطلان المطلق يلتقي مع البطلان المتعلق بالنظام العام في خصائصة الرئيسية، فعلى المحكمة أن تقضي بأيهما من تلقاء نفسها، ويجوز الدفع بأيهما في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة في النقض، ويجوز لكل ذي مصلحة الدفع بها، ولا يصححهما الرضاء بالإجراء الباطل قبل إجرائه، ولا التنازل عن الدفع بالبطلان بعد إجرائه بالفعل، ولما كانت أحكام القضاء قد جرت على إطلاق الوصفين : مطلق ومتعلق بالنظام العام كمترادفين يحل أي منهما محل الآخر : لذا سنحذو حذوها ، حتى لا نبعد بالقارئ عن نطاق البحث القضائي الذي حددناه لهذا الفصل بالدخول في مساجلات نظرية عقيمة قد لا تلزمنا هنا .
البطلان المطلق والنسبي :
أما التمييز بين البطلان المطلق والنسبي فهو تمييز هام يرتب آثاراً عملية خطيرة في إجراءات التقاضي الجنائي : فحين يجوز الدفع بالبطلان المطلق في أية حالة كانت عليها الدعوى . لا يجوز الدفع لأول مرة بالبطلان النسبي فيه، حتى ولو لم يتطلب تحقيقاً في الموضوع .
وحين يجوز الدفع بالبطلان المطلق من كل ذي مصلحة فيه . ويجوز لمحكمة الموضوع بل عليها أن تقضي به من تلقاء نفسها ولا يجوز الدفع بالبطلان النسبي إلا ممن كان ضحية الإجراء الباطل وحده، ولا يجوز لأية جهة قضائية أن تقضى به من تلقاء نفسها .
وحين لا يحول الرضاء بالاجزاء الباطل بطلاناً مطلقاً دون البطلان، إذ بهذا الرضاء إذا صدر من صاحب الصفة فيه يصحح الإجراء الباطل بطلاناً نسبياً .
وهذه الفروق ليست مسائل خلافية ، بل يعرفها كل فقه - وقضاء . يعرف التفرقة بين البطلان المطلق والنسبى ، سواء في نطاق الإجراءات الجنائية، والمرافعات المدنية، فكل بطلان منهما يرتب تلقائياً أثاراً منها معينة بالذات. على النحو الذي وضحناه . ويرتب عكسه عكسها تماماً بغير تداخل بين النوعين، وقد نصت على هذه التفرقة صراحة بعض الشرائع كقانون الإجراءات الإيطالي سنة 1913، إنما الأمر الوحيد الذي يصح أن يكون مثار خلاف بين الشرائع والشراح هو في تعيين نوع البطلان الذي يصح أن يلحق مخالفة إجراء معين سواء أمست هذه المخالفة مشروعيته أم طريقة القيام به .
صدر قانون الاجراءات رقم 150 لسنة 1950 وقد أقر مبدأ نسبية بطلان التفتيش في جملته وتفاصيله، وعممه على كافة إجراءات التحقيق والاستدلال معاً، وكان اقراره بعبارة صريحة مقتضاها أنه ( يسقط الحق في الدفع ببطلان إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء في حضوره بدون اعتراض منه ) على حد تعبير المادة 333 منه .
وهذه العبارة ترتب بالضرورة وبحكم اللزوم العقلي كافة الآثار المترتبة على نسبية البطلان، بل إن هذه المادة لم تتطلب لتصحيح الاجراء حتى التنازل الصريح عن الدفع ببطلانه بل اكتفت بسكوت محامي المتهم عن الدفع به إذا تم الاجراء في حضوره، وليس بعد هذا دلالة على انصراف النص إلى تقرير نسبية البطلان بكل آثاره الحتمية .
موقف الاعمال التحضيرية :
وقد أكدت هذا المعنى المذكرة الايضاحية رقم 1 للمادة 333 ( وأصلها المادة 320 في المشروع الأول و 326 في الثاني ) فبينت أن من بين أحوال البطلان النسبي ( مخالفة الأحكام الخاصة بالتفتيش والقبض والحبس الاحتياطي والاستجواب والاختصاص من حيث المكان ) فلم يفرق النص مذكرته الايضاحية بين إجراء وآخر من إجراءات التحقيق المشار إليها فيهما وبين قاعدة وأخرى من قواعد التفتيش .
ثم اكدته لجنة الاجراءات الجنائية بمجلس الشيوخ في تقريرها عن المادتين 332 (وأصلها المادة 319 في المشروع الأول و325 في الثاني ) و 333 عندما ذكرت عن هذه المادة الأخيرة أنها خاصة بالبطلان الذي لا يتعلق بالنظام العام ، والذى لا يجوز الحكم به إلا إذا تمسك به المتهم ولذلك رأت ان تضيف في أول هذه المادة عبارة ( في غير الأحوال المشار إليها في المادة السابقة ) .
أي أن اللجنة رأت بهذه الإضافة أن توضح نية الشارع في الفصل بين نطاق كل من المادتين، بحيث لا تكون أولاهما مقصورة على إجراءات المحاكمة التى ترتب مخالفتها بطلاناً متعلقاً بالنظام العام سواء منها ما ورد فيها صراحة أو ما تركته لاجتهاد القضاء، وتكون ثانيهما مقصورة على إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة، وهذه كلها وبغير استثناء أي إجراء منها ( يسقط الحق في الدفع ببطلانها إذا كان للمتهم محام وحصل الاجراء بحضوره بدون اعتراض منه ) وهذا هو أوضح آثار البطلان النسبي .
بل انه ( في مواد المخالفات يعتبر الاجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك في حينه) على حد تعبير نفس المادة، وكل ذلك لا يترك شبهة في نوع البطلان الذي ترسمه . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 165 )
حاول قانون الإجراءات في المواد من 331 إلي 336 أن يعين بعض أحوال البطلان وبعض أنواعه بالنسبة لإجراءات التحقيق الابتدائي والمحاكمة وقد أخذ بقدر معين من نظرية البطلان الذاتي عندما نص في المادة 331 على أنه (يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري) ثم أخذ بقدر آخر من نظرية البطلان القانوني عندما حدد أحولاً للبطلان في المواد من 332 إلى 334، بعضها متعلق بالصالح العام، وبعضها الآخر متعلق بصالح الخصوم . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 319 )
البطلان
وضعت قواعد الإجراءات الجنائية ابتغاء تعرف الحقيقة عن الجريمة ومرتكبها لتوقيع الجزاء عليه أو القضاء ببراءة البريء ومن ثم يجب اتباعها وفقاً لما نظمه المشرع تحقيقاً للغرض منها، ولكن قد يحدث أن تغفل تلك الإجراءات أو تخالف وعندئذ يحق التساؤل عما إذا كان يترتب عليها البطلان وما هي حدوده وآثاره إن تقرر . وقد تترتب المسئولية الجنائية في حق من يخالف قواعد الإجراءات أن كون فعله جريمة كحبس شخص بغير أمر صادر بذلك من جهة مختصة، كما قد تترتب المسئولية المدنية والإدارية. ونحن نقتصر هنا على بحث أثر مخالفة الإجراء صحة وبطلاناً. وليس تحديد الإجراء وبيان أثر مخالفته صحة وبطلاناً بالأمر اليسير فإذا وضعت له المقاييس فينبغي أن تكون من الدقة بحيث لا تضيق دائرة البطلان فتتعرض بعض حريات الفرد للمساس بها بغير موجب من القانون أو تتسع الدائرة فتهدر الفائدة المرجوة من الإجراءات .
وتقدير صحة وبطلان الإجراء عند المخالفة إما أن يكون بطريق قانوني أو بطريق ذاتي. فإذا أخذ بنظرية البطلان القانوني فإن هذا يعني أن الإجراء لا يعد باطلاً إلا إذا نص القانون عليه عند مخالفته وتكون حالات البطلان واردة على سبيل الحصر. أما طريق البطلان الذاتي فإنه لا يحصر حالات البطلان ولكنه يعتبر الإجراء باطلاً متى انبنى على مخالفة لما تطلبه القانون وبغير نص على ذلك .
ولقد أخذ قانون الإجراءات الجنائية المصري بمذهب البطلان الذاتي، فنصت المادة محل التعليق على أنه يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري". وإن لم يخل من النص على حالات معينة يترتب عليها البطلان، مثل حالة عدم التوقيع على الحكم خلال ثلاثين يوماً ( المادة 2/312 إجراءات ) .
التمييز بين البطلان وسائر الجزاءات الإجرائية :
على الرغم من أن البطلان هو أهم الجزاءات الإجرائية، فإنه ليس الجزاء الإجرائي الوحيد، ومن ثم كان متعيناً التمييز الدقيق بينه وبين سائر هذه الجزاءات : فيتعين التمييز بينه وبين الانعدام، وبينه وبين السقوط، وبينه وبين عدم القبول .
التمييز بين البطلان والانعدام :
يفترض الانعدام أن الإجراء الذي يوصف به هو إجراء معيب"، وشأنه في ذلك شأن البطلان. ولكنه يختلف عنه في أن الانعدام يفترض عيباً أشد جسامة مما يفترضه البطلان. ذلك أن العيب لم يقتصر على نفي أحد شروط صحة الإجراء، وإنما جاوز ذلك إلى نفي أحد عناصره، أي أحد مقومات وجوده القانوني وإن يكن وجوداً معيباً، أما الإجراء المنعدم فليس له وجود قانوني، وأهم تطبيق لنظرية الانعدام نجده في مجال "الأحكام". ومثال الحكم المنعدم الحكم الذي يصدر عن شخص ليست له صفة القاضي أو عن قاض فقد أهلية التعبير عن إرادة القانون لإصابته بجنون مثلاً، والحكم الذي لم يطبق قاعدة قانونية على وقائع الدعوى وإنما طبق قاعدة دينية أو أخلاقية لا يعترف بها النظام القانوني. وأهم نتيجة للتفرقة بين البطلان والانعدام أن البطلان يحتاج تقريره إلى قرار من القضاء، أما الانعدام فلا يحتاج إلى هذا القرار، وإنما يمكن لذوي المصلحة التصرف مفترضاً أن هذا الإجراء لم يصدر .
التمييز بين البطلان والسقوط :
البطلان يفترض عيباً في الإجراء ولكن السقوط لا يفترض ذلك وإنما يفترض أن الإجراء الصحيح لم يتخذ في خلال الوقت الذي يحدده القانون، مثال ذلك الطعن في الحكم بفوات الميعاد الذي حدده القانون، وإلغاء النائب العام الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى بعد فوات مهلة الثلاثة شهور التي يحددها القانون. ويتضح بذلك الفرق الأساسي بين البطلان والسقوط : فالإجراء الباطل معيب بالضرورة، أما الإجراء الذي سقط الحق في مباشرته فهو في الغالب إجراء صحيح. ويعني ذلك أن البطلان يرد على الإجراء ويرتبط بذلك أن الإجراء الباطل يجوز تجديده طالما أن الحق في مباشرته ما زال باقياً، أما السقوط - فباعتباره يفترض انقضاء الحق في مباشرة الإجراء - فإنه لا يتصور معه تجديد ذلك الإجراء .
التمييز بين البطلان وعدم القبول :
لا يعني عدم قبول الإجراء أنه معيب، وإنما يعني انتفاء أحد المفترضات الإجرائية التي تطلبها القانون لجواز اتخاذه : فالإجراء "غير المقبول" هو في ذاته إجراء صحيح، ولكن لم تتوافر واقعة مستقلة عنه وسابقة عليه يعلق القانون عليها جواز اتخاذه. أغلب ما يرد "عدم القبول" إنما يرد على الدعوى وطرق الطعن فيها، ومثاله أن ترفع الدعوى دون تقديم الشكوى أو الطلب أو صدور الإذن في الحالات التي يتطلب القانون فيها ذلك، أو أن يرفعها المدعي المدني في حالة لا يجيز فيها القانون الإدعاء المباشر، أو أن يرد الطعن على حكم لا يجيز القانون الطعن فيه بهذا الطريق للطعن. ويجوز تجديد الإجراء الذي قضى بعدم قبوله إذا توافر المفترض الإجرائي الذي كان منتفياً، وكان الحق في اتخاذه ما يزال قائماً : فإذا قضي بعدم قبول الدعوى لعدم تقديم شكوى ثم قدمت الشكوى في خلال المهلة التي يقررها القانون كانت الدعوى بعد ذلك مقبولة .
الإجراءات الجوهرية :
نصت المادة محل التعليق على أنه يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري . ولم يوضح المشرع عن المراد بالإجراء الجوهري تاركاً للقاضي تقدير ما إذا كان الإجراء يعد جوهرياً من عدمه مرشداً إياه بما جاء بالمذكرة الإيضاحية حين قالت "إذا كان الغرض من الإجراء المحافظة على مصلحة عامة أي مصلحة المتهم أو غيره من الخصوم فإنه يكون جوهرياً ويترتب على عدم مراعاته البطلان، ولتعرف الأحكام الجوهرية يجب دائماً الرجوع إلى علة التشريع".
وظاهر أن المذكرة الإيضاحية قد تضمنت خلطاً بين الإجراءات المتعلقة بالنظام العام والإجراءات الجوهرية المتعلقة بمصلحة الخصوم، لأنها قالت أن من النوع الأخير الإجراء الذي يكون الغرض منه المحافظة على مصلحة عامة، والمصلحة العامة تعد من النظام العام. ولذا فإن تفسير المذكرة الإيضاحية للمصلحة العامة بأنها ما قصد بها مصلحة المتهم أو غيره من الخصوم هو خلط وعدم دقة. وفضلاً عن هذا فإن الأحكام المتعلقة بمصلحة الخصوم كما أبانت المواد اللاحقة على المادة محل التعليق يسقط الدفع بها في بعض الأحيان ويجوز النزول عن التمسك بها، وهو حكم لا يتصور إعماله بالنسبة للإجراءات التي يكون الغرض منها المحافظة على مصلحة عامة .
ويمكن تعريف الإجراء الجوهري بأنه ما قصد به حماية مصلحة معينة للخصم وحده، تبعاً يكون من حقه أن ينزل عن الدفع ببطلان ذلك الإجراء عند المخالفة، وعلى ضوء هذه القاعدة يبحث الإجراء المراد الطعن ببطلانه لتعرف ما إذا كان جوهرياً من عدمه .
ومن الأمثلة التي ضربها المشرع في المذكرة الإيضاحية للبطلان الناشئ عن مخالفة إجراءات تعد متعلقة بمصلحة الخصوم الأحكام الخاصة بالتفتيش والضبط والقبض والحبس والاستجواب والاختصاص من حيث المكان.
ومتى كان تعريف الإجراء الجوهري هو ما أسلفنا وجب على من يريد التمسك بالدفع ببطلانه أن يبديه، ويجوز التنازل عن صراحة أو ضمناً بعدم التمسك به وأخيراً فإنه ليس للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، لأن سكوت الخصم عن الدفع يعتبر بمثابة النزول عنه .
ومن المعايير التي نرى أن نضيفها إلى ما سبق كي تساعد القاضي على التعرف على جوهرية القاعدة محل الإجراء وبالتالي ترتيب البطلان على مخالفتها :
( 1 ) عبارة النص التشريعي الذي قرر الإجراء محل المخالفة. فإذا كانت عبارة النص عبارة ناهية أي يستعمل المشرع "لا" الناهية كأن يقول المشرع "لا يجوز" فإنه يجب أن يترتب البطلان على مخالفة هذا الإجراء لأن استعمال المشرع عبارة النهي تعني أنه لم يرد أ، يترك للقاضي التقدير في هذه الحالة فلا يصح أن يقول المشرع على إجراء معين لا يجوز اتخاذ هذا الإجراء فإذا بالقاضي يقول بل يجوز، لأنه مهمة القاضي هي تطبيق القانون لا مخالفته. مثال ذلك ما ورد في المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية من أنه "لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه أو وكيله الخاص إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي في الجرائم المنصوص عليها في المواد 185، 274 ...... من قانون العقوبات. فلا شك أنه يترتب على مخالفة هذا النص البطلان. وفي مسائل الاختصاص إذا اختص المشرع جهة معينة بإجراء معين وورد في عبارة المادة النص على أنه اختصاص هذه الجهة يكون لها دون غيرها فإنه إذا خولفت هذه القاعدة بأن قامت بهذا الإجراء جهة أخرى وجب أن يترتب البطلان على هذه المخالفة .
( 2 ) ومن جهة أخرى نرى أن النصوص المتعلقة بالحريات كالقبض والتفتيش والضمانات المقررة لها والسلطات المختصة بها تعتبر إجراءات جوهرية يترتب على مخالفتها البطلان ولو لم يستخدم المشرع عبارة ناهية. وكذلك النصوص المتعلقة بالآداب العامة ومنها قاعدة وجوب تفتيش الأنثى بمعرفة أنثى مثلها . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 507 )
بطلان الاستجواب وأثره على الحبس الاحتياطي :
يخضع الاستجواب من حيث صحته أو بطلانه للقواعد العامة في البطلان فيبطل الاستجواب إذا خولفت في أجزائه قاعدة جوهرية ويكون البطلان مطلقاً إذا كانت القاعدة الجوهرية التي خولفت تحمي مصلحة هامة فيما عدا ذلك يكون البطلان نسبياً وتطبيقاً لهذا المعيار فإنه إذا خولفت القواعد التي تحدد ولاية السلطة التي تجري الاستجواب كما لو ندب لإجرائه مأمور الضبط القضائي أو أجراه تلقائياً كان باطلاً بطلاناً مطلقاً وإذا خضع المتهم أثناء استجوابه لعامل اثر على حرية إرادته كإكراه مادي أو معنوي أو خداع بطل الإستجواب كذلك بطلاناً مطلقاً ولكن إذا لم يدع محامي المتهم الحضور ولم يمكن من الإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الاستجواب أو أم يحط المتهم علماً بالتهمة المنسوبة إليه كان بطلان الاستجواب نسبياً .
ويترتب على بطلان الاستجواب بطلان كل ما يترتب عليه من آثار وعلى ذلك يكون الأمر بالحبس الاحتياطي بناء عليه باطلاً بإعتبار أن الحبس الاحتياطي لا يجوز إلا بعد استجواب صحيح من قبل سلطة التحقيق .
وفي ذلك قيل بأن المشرع المصري لم يتعرض في الفصل الخاص بالاستجواب لوضع نص يقرر البطلان نتيجة لمخالفة قواعد معينة وإنما وضع في نصوص المواد (331) حتى (337) القواعد العامة التي تبين الأحوال التي يحكم فيها بالبطلان الإجراءات التي تتبع للتمسك بالبطلان ومدى البطلان إذا حكم به وذلك بالنسبة للإجراءات الجنائية بصفة عامة. وتتناول المادة (333) من قانون الإجراءات الجنائية المصري .
البطلان الذي يترتب على مخالفة القواعد المتعلقة بإجراءات التحقيق الابتدائي ومن ثم فهي تسري على الاستجواب، ففي الأحوال التي يوجب القانون فيها استجواب المتهم لإمكان حبسه احتياطياً يترتب على إغفال هذا الاستجواب أو بطلانه في حالة عدم دعوة محامي المتهم في جناية إلى حضور الاستجواب أو عدم تمكين المحامين من الاطلاع على الأوراق في الميعاد الذي حدده القانون بطلان الحبس الاحتياطي ولكن هذا البطلان بطلاناً نسبياً يتعين الدفع به أمام محكمة الموضوع ولا تملك هذه المحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها. وذلك لأن المادة (333) ترتب على مخالفة الإجراءات الخاصة بالتحقيق الابتدائي بوجه عام بطلاناً نسبياً وليس مطلقاً .
وفي ذلك أيضاً قيل بأنه يترتب البطلان على تخلف أحد شروط الحبس الاحتياطي كحبس المتهم دون استجواب أو بناء على إستجواب باطل أو صدور الأمر من غير الجهة القضائية المختصة ويترتب على هذا البطلان وجوب إخلاء سبيل المتهم فوراً من محكمة الموضوع أو من الجهة التي تنظر في مد الحبس أو من المحقق ذاته كما أنه من آثار بطلان الحبس الإحتياطي لإغفال استجواب المتهم أو لبطلان استجوابه أنه لا يجوز للمحكمة الجزئية أن تأمر بتنفيذ الحكم الذي تصدره بالإدانة تنفيذاً مؤقتاً تأسيساً على المادة ( 463/ 2) إجراءات جنائية التي تشترط لذلك أن يكون المتهم محبوساً إحتياطياً وإنما يجب عليها أن تعتبر المتهم مفرجاً عنه وتقدر في حكمها كفالة إذا دفعها المتهم بقي مفرجاً عنه إلى أن يصبح الحكم نهائياً . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني، الصفحة : 193 )
التعريف بالبطلان :
البطلان أحد صور الجزاءات التي تلحق الإجراء المعيب أي العمل الإجرائي الذي يتخذ في إطار الخصومة الجنائية أو في المرحلة السابقة عليها والممهدة لها وهي مرحلة الاستدلال متى افتقر هذا العمل إلى أحد مقوماته الموضوعية أو تجرد من أحد شروطه الشكلية ويترتب على بطلانه الحيلولة دون ترتيب الآثار القانونية التي كان يمكن ترتيبها فيما لو وقع صحيحاً .
وفي تعريف آخر قيل بأن البطلان جزاء إجرائي لتخلف كل أو بعض شروط صحة أي إجراء جوهري فيهدر آثاره القانونية ومن هذا التعريف يتضح أن البطلان جزاء إجرائي يقرره القانون كأثر لتخلف كل أو بعض شروط إجرائية ينبغي توافرها صراحة أو ضمناً في إجراء معين كما يتضح من هذا التعريف أن البطلان يتقرر كجزاء على مخالفة الإجراء الجوهري فحسب أما الإجراء غير الجوهري فلا يترتب على مخالفته البطلان والقول بغير ذلك يؤدي إلى إهدار الآثار القانونية المترتبة على الإجراءات الجنائية لأتفه الأسباب وتمكين المتهم من الإفلات من العقاب وتعقيد الإجراءات وإطالة أمدها دون مقتض ولذلك فرن محور البحث في البطلان ينبغي أن ينحصر في تكييف الإجراء من حيث كونه جوهرياً أو غير جوهري .
الإجراء الجوهري :
لم يحدد المشرع المقصود بالإجراء الجوهري وإنما ترك هذا التحديد لاجتهاد الفقه والقضاء استنباطه - مهتدياً في ذلك بالحكمة التي تقف وراء كل قاعدة. تقرر إجراء معيناً فعلى ضوء هذه الحكمة يمكن استخلاص ما إذا كان الإجراء جوهرياً من عدمه، ومع ذلك لم ينص صراحة على تلك الصفة وإنما تستفاد من كونه رتب البطلان صراحة على عدم مراعاة الأحكام الخاصة بها أما غير ذلك من الإجر اءات فقد تركها للاجتهاد الفقهي والقضائي لبيان ما إذا كانت جوهرية من عدمه استناداً إلى حكمة التشريع .
والإجراءات الجوهرية بنص القانوني هي :
1) التوقيع على الحكم بمعرفة القاضي الذي أصدره في خلال ثلاثين يوماً وهذا مستفاد من نص المادة (312) .
2) تحرير أسباب الحكم وهذا مستفاد من نص المادة (312) الذي ورد صراحة بها بطلان الحكم لخلوه من الأسباب .
3) الإجراءات المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو بإختصاصها من حيث النوع وهذا مستفاد من نص المادة ( 332 ) .
4) التكليف بالحضور والإجراءات المنظمة به وهذا مستفاد من نص المادة (334) إجراءات .
5) القواعد الخاصة بإجراءات جمع الاستدلالات والتحقيق الابتدائي بالجلسة وهو مستفاد من نص المادة (333) إجراءات .
وخلاف الحالات السابقة ثار الجدل في الفقه والقضاء عن المعايير المختلفة التي بمقتضاها يمكن اعتبار الإجراء جوهرياً .
الدكتور مأمون سلامة الإجراءات الجنائية الجزء الثاني طبعة 1998 ص 345
التمييز بين البطلان والانعدام :
يتفق الانعدام مع البطلان في أن كليهما يترتب عليه إهدار الآثار القانونية للإجراء ولكن الانعدام يفترض انتفاء أحد مقومات وجود الإجراء أما البطلان فيفترض إنتفاء أحد شروط صحة الإجراء ومعنى ذلك أن الإجراء الباطل له وجوده القانوني وإن يكن وجوداً معيباً. أما الإجراء المتقدم فهو غير موجود بحسب طبيعته ولذلك فإن الفرق بين الانعدام والبطلان كالفرق بين الموت والمرض. ومن أمثلة الانعدام أن يصدر حكم على متهم دون أن تكون الدعوى الجنائية قد أقيمت عليه ممن يملك رفعها قانوناً . فهذا الحكم يكون معدوم الأثر كذلك إذا صدر الحكم على متهم كان قد توفي أو صدر الحكم من شخص ليست له صفة القاضي أو من قاض أصيب بالجنون .
وأهمية التفرقة بين البطلان والانعدام تظهر في أن الانعدام يتقرر بقوة القانون فالمنعدم لا يحتاج إلى حكم يقرر انعدامه ولا حاجة للطعن في الحكم المنعدم وإنما يكفي مجرد إنكار وجوده عند التمسك به. كذلك فإن الانعدام لا يقبل التصحيح فالميت لا يمكن أن يعود إلى الحياة .
التمييز بين البطلان والسقوط :
السقوط هو جزاء إجرائي يرد على السلطة أو الحق في مباشرة العمل الإجرائي إذا لم يقم به صاحبه خلال الفترة التي يحددها القانون .
وأمثلة السقوط عديدة في قانون الإجراءات الجنائية يحميها علی تنوعها فكرة تقييد الحق أو السلطة في مباشرة العمل الإجرائي بمدة معينة فإن بوشر الحق أو السلطة خلال هذه المدة واحتفظ العمل الإجرائي بفعاليته وصار صالحاً لإنتاج الأثر القانوني المرجو من ورائه . وإن مضت هذه المدة دون مباشرة العمل فقد هذا الأخير فعاليته ولم يعد محلاً لحق أو لسلطة ومثال ذلك ما يستخلص من المادة (211) من قانون الإجراءات من سقوط الحق في إلغاء الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى من جانب النائب العام بعد مضي ثلاثة أشهر من صدوره وكذلك سقوط الحق في الطعن في الحكم بعد فوات المهلة المقررة قانوناً وسقوط الحق في تنفيذ أوامر الضبط والإحضار وأوامر الحبس كأصل عام بعد مضي ستة أشهر من تاريخ صدورها (م 2/139 أ. ج) وهكذا يمكن القول أن فكرة سقوط الحق في مباشرة العمل الإجرائي تتمحور حول عنصر الزمن وهي من هذا المنظور تأخذ صورة من ثلاث الأولى أن يقترن السقوط بمهلة معلومة محددة سلفاً. الثانية أن يتوقف على حصول واقعة والثالثة - أن يترتب على عدم حصول واقعة ومثال الصورة الأولى سقوط الحق في الطعن في الأحكام بمرور الفترة المقررة قانوناً أو سقوط الحق في تقديم الشكوى اللازمة لإمكان تحريك الدعوى العمومية بعد مرور ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ومثال الصورة الثانية سقوط حق المدعي المدني في الإدعاء مدنياً أمام المحكمة المنظور أمامها الدعوى الجنائية بعد قفل باب المرافعة حسبما يستخلص ذلك من نص المادة ( 251 /أ. ج) ومثال الصورة الثالثة سقوط حق الطاعن المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية في الطعن بطريق النقض إذا لم يتقدم للتنفيذ يوم الجلسة . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 371 )
البطلان هو الإجراء المترتب على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري ولذلك فإن تحديد نطاق البطلان يتوقف على أمرين الأول : ما المقصود بالإجراء الجوهري والثاني : ما المقصود بأحكام القانون المتعلقة به؟ وهل أي مخالفة لها يترتب عليها بطلان ؟
الإجراء الجوهري :
لم يحدد المشرع المقصود بالإجراء الجوهري وإنما ترك هذا التحديد لاجتهاد الفقه والقضاء في استنباطه - مهتدياً في ذلك بالحكمة التي تقف وراء كل قاعدة تقرر إجراء معيناً . فعلى ضوء هذه الحكمة يمكن استخلاص ما إذا كان الإجراء جوهرياً من عدمه. ومع ذلك لم ينص صراحة على تلك الصفة، وإنما تستفاد من كونه رتب البطلان صراحة على عدم مراعاة الأحكام الخاصة به، أما غير ذلك من الإجراءات فقد تركها للاجتهاد الفقهي والقضائي لبيان ما إذا كانت جوهرية من عدمه استناداً إلى حكمة التشريع .
والإجراءات الجوهرية بنص القانون هي :
1- التوقيع على الحكم بمعرفة القاضي الذي أصدره في خلال ثلاثين يوماً وهذا مستفاد من نص المادة 312 .
2- تحرير أسباب الحكم. وهذا مستفاد من نص المادة 312 الذي ورد صراحة بها بطلان الحكم لخلوه من الأسباب .
3- الإجراءات المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث النوع، وهذا مستفاد من نص المادة 332 .
4- التكليف بالحضور والإجراءات المنظمة له، وهذا مستفاد من نص المادة 334 إجراءات .
5- القواعد الخاصة بإجراءات جمع الاستدلالات والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة ، وهو مستفاد من نص المادة 333 إجراءات .
وخلاف الحالات السابقة ثار الجدل في الفقه والقضاء عن المعايير المختلفة التي بمقتضاها يمكن اعتبار الإجراء جوهرياً .
ويمكن القول بأن الضوابط المختلفة التي استقر الفقه والقضاء على أعمالها لمعرفة ما إذا كان الإجراء جوهرياً يترتب على مخالفته البطلان أو أن الإجراء تنظيمي لا يترتب عليه مثل الأثر هي الآتية :
(أ) ضابط المصلحة العامة في حسن سير الجهاز القضائي :
أن القواعد التي وضعها المشرع في قانون الإجراءات متعلقة بالإجراءات التي يجب مراعاتها ضماناً لحسن سير الجهاز القضائي لا شك أنها ترتبط بالمصلحة العامة للمجتمع في كفالة فاعلية هذا الجهاز، ولذلك فإن جميع الإجراءات المتعلقة بتلك المصلحة تعتبر إجراءات جوهرية يجب مراعاة أحكامها وإلا ترتب على مخالفتها البطلان. ومن أجل ذلك نجد الإجراءات المتعلقة بحق النيابة العامة في رفع الدعوى الجنائية ومباشرتها وتمثيلها أمام القضاء تعتبر إجراءات جوهرية. وكذلك الحال بالنسبة لاختصاص المحاكم من حيث الجريمة وقواعد الفصل في الدعاوى. والحال كذلك أيضاً فيما يتعلق بولاية القضاء بالحكم في الدعاوى التي ترفع إليه. ولا تقتصر الحماية التشريعية للمصلحة العامة في حسن سير الجهاز القضائي على القواعد المتعلقة بالتشكيل والاختصاص والولاية بل تمتد أيضاً إلى الإجراءات التي يضعها المشرع لضمان تحقيق العدالة الجنائية على خير وجه ولو كانت في ظاهرها مقررة لمصلحة المتهم. فالمصلحة العامة في حسن سير الجهاز القضائي لتحقيق العدالة الجنائية على الوجه المرجو هي التي جعلت المشرع يوجب تعيين مدافع للمتهم في جناية أمام محكمة الجنايات. وهي أيضاً التي دعت المشرع إلى النص على ضرورة استجواب المتهم قبل إصدار الأمر بحبسه احتياطياً، وكذلك سماع الشهود بعد تحليفهم اليمين القانونية، إلى غير ذلك من القواعد التي نص المشرع على وجوب مراعاتها حماية للمصلحة العامة في تحقيق العدالة عن طريق حسن تنظيم العمل المتعلق بالجهاز القضائي .
( ب ) ضوابط مصلحة الخصوم :
يعتبر الإجراء جوهرياً إذا كان قد نص عليه المشرع لمصلحة الخصوم في الدعوى الجنائية. ذلك أن مصلحة الخصوم هي من المصالح الجوهرية التي يحرص المشرع على حمايتها في الدعوى الجنائية تحقيقاً للعدالة. غير أن هذا الضابط لا يجب أن يختلط بالضابط السابق المتعلق بالمصلحة العامة .
حقاً أن حماية مصلحة الخصوم هي حماية للمصلحة العامة في حسن سير العدالة الجنائية، إلا أن ذلك يأتي في المرتبة الثانية للعلة التي أملت على المشرع وضع النص على الإجراء وتكون بالتالي الغاية البعيدة عن النص. أما الغاية القريبة فتتمثل في حماية مصالح الخصوم في الدعوى. وسنرى أن هذه التفرقة يترتب عليها أثر هام من حيث التمسك بالبطلان والحكم به .
وعلى ذلك تعتبر إجراءات جوهرية لتعلقها بمصلحة الخصوم تلك الخاصة بحضورهم إجراءات التحقيق وإعلانهم بالحضور. كما تعتبر كذلك جميع الإجراءات الخاصة بتكليف المتهم بالحضور أمام المحكمة. وكذلك جميع الإجراءات المتعلقة بإعلان الأوامر والقرارات والأحكام .
( ج ) ضابط احترام حقوق الدفاع :
نص المشرع على إجراءات معينة كفالة لحق المتهم في الدفاع عن نفسه ونفى التهمة المنسوبة إليه وتفنيد أدلة الثبوت المساقة ضده. ولا شك أن هذه الإجراءات تعتبر جوهرية لتعلقها بمصلحة أساسية للمتهم .
ويلاحظ أن الإجراءات المتعلقة بحقوق الدفاع منها ما نص عليه تحقيقاً للمصلحة العامة في الوصول إلى عدالة جنائية سليمة ومنها ما هو متعلق بمصلحة المتهم الشخصية في توفير الظروف الملائمة لمباشرة حقه في الدفاع. ومن أمثلة القواعد الأولى ما أوجبه المشرع من حضور محامي للدفاع عن المتهم في جناية أمام محكمة الجنايات ، ووجوب استجواب المتهم قبل حبسه احتياطياً ووجوب تحديد التهمة المنسوبة إليه بأمر الإحالة .
أما القواعد الأخرى المقررة لمصلحة المتهم في الدفاع فهي عديدة. ومنها وجوب مباشرة إجراءات التحقيق الابتدائي في حضوره إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك، وكذلك القواعد والإجراءات الخاصة بالقبض والتفتيش والتكليف بالحضور، وحظر استجوابه من قبل المحكمة ووجوب مباشرة إجراءات التحقيق النهائي في حضوره ، وحقه في إعلان شهود النفي وسماعهم بمعرفة المحكمة، وإعلانه بالأحكام والأوامر والقرارات، والرد على الدفوع والطلبات التي يبديها المتهم .
(د) ضابط الغاية من الإجراء :
يعتبر الإجراء جوهرياً إذا كان المشرع قد نص عليه لإنتاج أثر قانونی يتعلق بسير الدعوى الجنائية والفصل فيها. ولذلك يعتبر جوهرياً وفقاً لهذا الضابط جميع الإجراءات الخاصة بتحريك الدعوى الجنائية ورفعها ومباشرتها وإجراءات جمع الاستدلالات والتحقيق بالجلسة وإصدار الأحكام .
القواعد الأساسية للإجراء الجوهری :
والبطلان هو الجزاء الذي يترتب على عدم مراعاة أحكام القانون بالنسبة للإجراءات الجوهرية. وفي مجال بيان نطاق البطلان حددنا المقصود بالإجراء الجوهري وضوابطه. غير أن ذلك غير كاف لبيان نطاق البطلان. إذ ينبغي فضلاً عن ذلك تحديد المقصود بأحكام القانون بالنسبة لهذا الإجراء بمعنى أنه ينبغي الإجابة على السؤال الأتي :
هل مخالفة أية قاعدة من القواعد المتعلقة بالإجراء ترتب البطلان، أم أن هذا لا يترتب إلا على مخالفة القواعد الجوهرية للإجراء الجوهري ذاته ؟
إن الإجابة على هذا التساؤل في الواقع هي المحور الذي تدور حوله نظرية البطلان وجوداً وعدماً، ولذلك فإن معظم الإجراءات التي ينص عليها القانون هي إجراءات جوهرية وفقاً للضوابط المختلفة السابق بيانها، وتدور مشكلة البطلان في الواقع حول الأثر المترتب على مخالفة القواعد التي نص عليها المشرع للنموذج القانوني للإجراء .
وقبل الإجابة على التساؤل السبق نود أن نشير إلى أن إثارته هي بسبب وجود كثير من القواعد المنصوص عليها بالنسبة للإجراء قصد بها المشرع مجرد الإرشاد والتنظيم. فالمشرع قد ينص على شروط شكلية معينة في الإجراء الذي يباشر بمعرفة سلطات الاستدلال والتحقيق والحكم ليس فقط بقصد إنتاج أثر معين للإجراء المباشر بمعرفتهم وإنما بقصد التوجيه والإرشاد ولذلك فإن مثل هذه القواعد لا تنتج عند مخالفتها أثاراً على ذاته وإنما ينحصر أثر المخالفة على الجزاء التأديبي إن وجد ما يبرره. وقد رأينا أمثلة لهذه القواعد عند حديثنا عن عيوب العمل الإجرائي المتمثلة في مجرد الخلل غير المنتج لأي أثر إجرائی .
فمخالفة مأمور الضبط أو النيابة العامة للقواعد الخاصة بإجراء تحرير المضبوطات لا يترتب عليه بطلان، كما أن القواعد المنظمة لإجراءات نظر الدعوى من حيث سماع الشهود وكيفية سماعهم لا يترتب عليها البطلان فيما عدا ما يتعلق بتحليف اليمين كذلك لا يترتب البطلان على مخالفة المواعيد المنصوص عليها بشأن تقديم الطلبات من النيابة العامة والخصوم لقاضي التحقيق أو لمستشار الإحالة قبل إصدار أوامر التصرف في الدعوى .
ولكن ما هو ميعاد أو ضابط القاعدة الجوهرية ؟
إن هذا المعيار يتوقف على التفرقة بين القواعد الموضوعية للإجراء والقواعد الشكلية .
أولاً : القواعد الموضوعية :
إن جميع القواعد الموضوعية التي تتوقف عليها صحة الإجراء تعتبر جوهرية حين يستلزم القانون لصحة الإجراء ضرورة وقوعه من شخص له صفة معينة وهو ما يعبر عنه بالأهلية الإجرائية، ويتوافر سبب معين، وينصب على محل معين وأن يباشر في ظروف معينة ، جميع هذه القواعد المتعلقة بالوجود القانوني للإجراء الصحيح تعتبر جوهرية. ذلك أن تخلف أحد الشروط الموضوعية لصحة الإجراء يترتب عليه أن يكون الإجراء غير قادر على إنتاج الأثر القانوني الذي نص عليه من أجل تحقيقه. بمعنى أن تخلف الشروط الموضوعية يؤثر على الغاية المبتغاة من الإجراء وبالتالى يترتب عليه البطلان. وعليه فانتداب النيابة العامة لرجل الشرطة الذي ليست له صفة الضبطية القضائية يبطل هذا الإجراء، وكذلك الإذن بالتفتيش دون وجود جريمة سابقة على صدور الإذن يقع باطلاً. وتفتيش غير المتهم في غير الأحوال المنصوص عليها قانوناً يقع باطلاً. والإذن بتفتيش منزل المتهم دون وجود دلائل كافية على اتهامه ودون تحريات جدية يبطل الإذن .
ولكن هل عيوب الإرادة إذا توافرت من شأنها أن تبطل الإجراء الذي بوشر تحت تأثير هذه العيوب؟ مثال وقوع الشهادة تحت تأثير إكراه أو صدور إذن تفتيش تحت تأثير الغلط ، التنازل عن الشكوى أو تقديمها تحت عيب من عيوب الإرادة .
لقد اختلف الرأي في هذا الصدد فمن الفقهاء من استلزم لصحة الإجراء الذي وقع أن يكون قد صدر عن إرادة حرة واعية ، وتخلف هذه الإرادة من شأنه أن يبطل الإجراء ، بينما ذهب البعض الآخر إلى التفرقة بين عيوب الإرادة المختلفة وبين الإكراه المادي، واعتد فقط بالإكراه المادي باعتباره لا ينفي الإرادة فحسب بل يعدم الإجراء في مادياته، والرأي عندنا أن العمل الإجرائي هو دائماً تعبير عمن باشره وبالتالي يجب أن تكون هذه الإرادة سليمة من كل عيب وإلا بطل الإجراء. والقول بغير ذلك يؤدي إلى نتائج غير عادلة ويصعب التسليم بها أو قبولها .
ثانياً : القواعد الشكلية :
يقصد بالقواعد الشكلية تلك التي يتطلب القانون أن يصاغ فيها الإجراء. فهي لا تتعلق بجوهر ومضمون الإجراء وإنما بالشكل الذي يجب أن يكون عليه، ومثال ذلك القواعد الخاصة بتنفيذ التفتيش كحضور المتهم أو الشهود، والتوقيع على محضر تحقيق النيابة من عضو النيابة والكاتب، وتحليف الشاهد اليمين القانونية قبل سماع شهادته، وذكر النيابة مواد الاتهام ووصف التهمة واسم وعنوان المتهم في ورقة التكليف بالحضور أو أمر الإحالة إلى غير ذلك من القواعد الشكلية .
وفي محيط هذه القواعد الشكلية تثور أهمية التفرقة بين القواعد الجوهرية والقواعد التنظيمية التي يقصد بها الإرشاد والتوجيه .
والمعيار الذي يهتدي به في هذا الشأن هو مدى تأثير مراعاة هذه القواعد الشكلية على الغاية أو الهدف الذي أراده المشرع من النص على الإجراء. فإذا كانت الشكليات التي يتطلبها المشرع من شان تخلفها أن تفقد الإجراء فاعليته في تحقيق الهدف منه كان الشكل جوهرياً. أما إذا لم يكن هذا الأثر كانت القاعدة هي من قواعد الإرشاد والتوجيه .
وعلى ذلك فحضور شاهدين أثناء تفتيش منزل المتهم في غير وجوده من مأمور الضبط القضائي في غير أحوال انتدابه التفتيش يعتبر شكلاً جوهرياً يترتب عليه بطلان التفتيش نظراً لأن عدم مراعاة هذا الشكل قد يشكك في صحة النتيجة المرجوة من الإجراء وهي ضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة والتي تعتبر دليلاً مثبتاً لارتكابها بمعرفة المتهم، على حين أن حضور المتهم أو من ينيبه في حالة التفتيش بمعرفة النيابة العامة لا يترتب عليه بطلان نظراً لأن الإجراء قد بوشر بمعرفة السلطة المختصة به أصلاً وبعد تحقيقها لمدى جدية الاتهام بينما اختصاص مأمور الضبط بالتفتيش بمعرفته هو اختصاص استثنائي ومن ثم استلزم فيه المشرع شكلاً خاصاً يؤثر على الغاية التي يرجى تحقيقها من هذا الإجراء وكذلك الحال بالنسبة لتحليف الشاهد اليمين القانونية قبل سماعه، فهذا الشكل من شأنه عدم مراعاته التشكيك في قيمة الشهادة كدليل يمكن أن تستند إليها المحكمة. كما حكم بأن توقيع كاتب الجلسة على محضر الجلسة يعتبر شكلاً استلزمه المشرع باعتبار أنه هو الذي حرر المحضر إلا أنه لا يعتبر شكلاً جوهرياً يترتب عليه البطلان طالما كان محرراً بخط يد الكاتب إذا أن عدم التوقيع لا يفقد المحضر القيمة القانونية في إثبات ما ورد به أما توقيع رئيس المحكمة على محضر الجلسة والحكم فهو شكل جوهري استلزمه المشرع لكي ينتج المحضر أو الحكم أثاره من حيث كونها حجة بالنسبة لما ورد فيها .
والحال كذلك بالنسبة للمواعيد التي يتطلب القانون مباشرة الإجراء خلالها، فإن مراعاتها أو عدم مراعاتها من حيث ترتيب البطلان يتوقف على تأثير الميعاد على النتائج التي أراد المشرع تحقيقها من الإجراء .
خلاصة القول إذن أن الشكل يكون جوهرياً طالما كان مرتبطاً بالغاية أو الهدف المرجو تحقيقه من الإجراء، ولا يكون جوهرياً إذا كان قد قصد به التنظيم والإرشاد. ويستعان في ذلك التحديد بذات الضوابط السابق بيانها لتحديد الإجراء الجوهري. فإذا كان الشكل قد روعي فيه المصلحة العامة لسير العدالة الجنائية أو مصلحة الخصوم أو احترام حقوق الدفاع کان جوهرياً لتعلق ذلك كله بالغاية من ذات الإجراء الذي وجد حماية لهذه المصالح المتعددة . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 1416 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العشرون ، الصفحة / 305
ذِكْرُ السَّبَبِ فِي الدَّعَاوَى الْجِنَائِيَّةِ:
لَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ ذِكْرِ السَّبَبِ فِي الدَّعْوَى الْجِنَائِيَّةِ، فَفِي دَعْوَى الْقَتْلِ مَثَلاً يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقَتْلِ وَهَلْ هُوَ عَنْ عَمْدٍ أَوْ عَنْ خَطَإٍ، وَإِلاَّ فَإِنَّ الدَّعْوَى لاَ تَكُونُ صَحِيحَةً حَتَّى يُصَحِّحَهَا صَاحِبُهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَائِتَ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ لاَ يُعَوَّضُ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِشَيْءٍ لاَ يُمْكِنُ رَدُّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَلأَِنَّ الأَْحْكَامَ الصَّادِرَةَ فِي هَذِهِ الدَّعَاوَى تَتَعَلَّقُ بِالأُْصُولِ الَّتِي جَاءَ الإِْسْلاَمُ لِحِفْظِهَا، وَهِيَ الدِّيْنُ وَالنَّفْسُ وَالْعَقْلُ وَالنَّسْلُ وَالْمَالُ، فَلاَ يَجُوزُ التَّهَاوُنُ فِي أَمْرِهَا، وَلأَِنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ تُدْفَعُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَدَمُ التَّفْصِيلِ فِي دَعْوَاهَا يُورِثُ شُبْهَةً، فَلاَ تُقْبَلُ .