الفصل الثالث عشر فى المتهمين المعتوهين
الفصل الثالث عشر
فى المتهمين المعتوهين
إذا دعا الأمر إلى فحص الإضطراب العقلي للمتهم يجوز لقاضي التحقيق أو للقاضي الجزئي كطلب النيابة العامة أو المحكمة المنظورة أمامها الدعوى حسب الأحوال أن يأمر بوضع المتهم إذا كان محبوساً إحتياطياً تحت الملاحظة في إحدي منشآت الصحة النفسية الحكومية المخصصة لذلك لمدة أو لمدد لا يزيد مجموعها على خمسة وأربعين يوماً ، بعد سماع أقوال النيابة العامة والمدافع عن المتهم إن كان له مدافع .
ويجوز إذا لم يكن المتهم محبوساً إحتياطياً أن يأمر بوضعه تحت الملاحظة في أي مكان آخر .
تخول المادة 409 ( أصبحت م 338 وعدلت ) قاضي التحقيق أو المحكمة المنظورة أمامها الدعوى الحق في وضع المتهم المشتبه في حالته العقلية تحت الملاحظة بناء على اقتراح الطبيب في أحد المحال المخصصة لذلك لمدة لا تزيد على ستة أسابيع إذا كان المتهم محبوساً احتياطياً أما إذا لم يكن محبوساً فيجوز وضعه تحت الملاحظة في أي مكان آخر .
فإذا ثبت أن المتهم كان وقت ارتكاب الجريمة غير مسؤول بسبب عاهة أو علة في عقله وصدر أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى أو حکم ببراءته لهذا السبب جاز لقاضي التحقيق أو المحكمة إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة عقوبتها الحبس أن تأمر بحجز المتهم في أحد المحال المعدة للمجانين إلى أن تأمر بإخلاء سبيله - مادة 413 - ( أصبحت م 339 من القانون ) ولا يجوز أن تزيد مدة الحجز على عشر سنين في الجنايات التي عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو خمس سنين في الجنايات الأخرى ولا على سنة في مواد الجنح بشرط ألا تزيد مدة الحجز في هذه الحالة على مدة العقوبة المقررة للجريمة - مادة 314- ( أصبحت م 342 من القانون وعدلت ) وهذا الحجز هو من قبيل الإجراءات الاحتياطية التي تتخذ لاتقاء خطر عود المتهم إلى ارتكاب فعل آخر وبدیهی أن قاضی التحقيق والمحكمة لا يتخذان هذا الإجراء إلا إذا ظهر لهما من التحقيق ثبوت الواقعة على المتهم .
أما إذا ثبت أن المتهم كان متمتعاً بقواه العقلية وقت ارتكاب الجريمة ولكنه أصبح غير قادر على الدفاع عن نفسه بسبب طروء عاهة في عقله فيوقف رفع الدعوى عليه أو محاكمته حتى يعود إليه من الرشد ما يكفي لدفاعه عن نفسه ويجوز في هذه الحالة أن يوضع في أحد المحال المعدة للمجانين إلى أن يخلى سبيله إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة عقوبتها الحبس - المادة 410 - ( أصبحت م 342 من القانون وعدلت ) ولا يجوز أن تزيد مدة الحجز على المدة المقررة في الفقرة السابقة وبديهي أن إخلاء سبيله بعد انقضاء هذه المدة لا يمنع من محاكمته إذا عاد إليه رشده .
( تعليمات النيابة العامة من كتاب المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثالث )
الوضع تحت الملاحظة أثناء التحقيق والمحاكمة :
مادة 1314 :
إذا إستلزم التحقيق في جناية أو جنحة هامة فحص حالة المتهم العقلية وكان محبوساً إحتياطياً فيجب على النيابة أن تستصدر من القاضي الجزئي أمراً بوضعه تحت الملاحظة في أحد المحال الحكومية المخصصة لذلك لمدة أو لمدد لا يزيد مجموعها على خمسة وأربعين يوماً .
ويكون تجديد مدة الوضع تحت الملاحظة حتى تصل إلى الحد الأقصى المشار إليه في الفقرة السابقة وكذلك إخراج المتهم من المحل الموضوع فيه وإيداعه السجن قبل إنتهاء تلك المدة بأمر من القاضي الجزئي بناء على طلب النيابة .
ويجب على النيابة أن تأمر بإخراج المتهم من المحل الموضوع فيه فور إنتهاء الحد الأقصى لمدة الوضع تحت الملاحظة ويجوز لها أن تأمر بإخلاء سبيله وفقاً للقواعد العامة .
وإذا لم يكن المتهم محبوساً إحتياطياً يجوز للقاضي الجزئي بناء على طلب النيابة أن يأمر بإيداعه تحت الملاحظة في أي مكان آخر يتيسر إجراء الملاحظة فيه للمدة أو المدد السابقة. وإذا أحيل إلى المحكمة يكون الأمر بوضعه تحت الملاحظة من إختصاص المحكمة المحال إليها وفقاً لما سلف .
مادة 1315 :
يكون تنفيذ الأمر بالوضع تحت الملاحظة المشار إليه في المادة السابقة طبقاً للإجراءات وفي الأماكن المبينة بالمادتين (555، 556) من التعليمات الكتابية والمالية والإدارية الصادرة عام 1979 .
ويجب عند تنفيذ ذلك الأمر إرسال صورة ضوئية معتمدة بخاتم النيابة من ملف القضية إلى مكتب النائب العام المساعد والإبقاء على أصل القضية بمقر النيابة لإستكمال التحقيق وإتخاذ إجراءات مد الحبس الإحتياطي .
مادة 1315مکرراً :
يجب على أعضاء النيابة إن كان المتهم الموضوع تحت الملاحظة محبوساً إحتياطياً مراعاة وإتخاذ إجراءات مد حبسه أثناء وجوده في المحل الموضوع فيه وفقاً للقواعد العامة والحرص على تفادي سقوط الحبس .
مادة 1316 :
لا يجوز على الإطلاق أن يندب الطبيب الشرعي لفحص حالة المتهم في قضية من قضايا الجنايات والجنح العامة .
مادة 1317 :
إذا استلزم التحقيق فحص حالة المتهم العقلية في قضية جنحة غير هامة أو في مخالفة فيجب على النيابة انتداب الطبيب الشرعي لإجراء تلك الفحص ووضع تقرير عن نتيجته فإذا قرر الطبيب الشرعي أن المتهم مصاب بمرض عقلي يستدعى العناية والعلاج داخل دور الاستشفاء للمصحة العقلية والنفسية فيجب على النيابة أن تتصرف في القضية على هدي ما يتبين من تقرير الطبيب المذكور، وأن تتصل بالجهة الإدارية لتتولي إرسال المتهم إلى أحد الدور المذكورة بصفته مريضاً وليس متهماً بعد أن يحرر له طبيب الصحة المختص الاستمارة رقم « 5 صحة أمراض عقلية » ولا شأن للنيابة بعد ذلك في قبول المتهم بالمستشفى أو خروجه منها إذا أنه يخضع في ذلك للإجراءات المنصوص عليها في القانون رقم 141 لسنة 1944 الخاص بحجز المصابين بأمراض عقلية .
أما إذا لم يقطع الطبيب الشرعي برأي في حالة المتهم العقلية وأشار بوضعه تحت الملاحظة فيجب على النيابة إحالته إلى طبيب الصحة المختص لتحرير الاستمارة « رقم 29 صحة مستشفيات » مع إيداع المتهم المستشفى العام المحلي لملاحظته بمعرفة أطبائه وتقديم تقرير عن حالته، فإن ظهر من تقريرهم أنه مصاب بمرض عقلي وأن حالته تستدعي العناية والعلاج بدور الاستشفاء سالفة الذكر ، فيجب على النيابة أن تتصرف في القضية على هدى ذلك وأن تكلف الجهة الإدارية بإرسال المتهم إلى أحد هذه الدور بعد تحرير الاستمارة رقم « 5
صحة أمراض عقلية طبقاً لما تقدم » .
مادة 1318 :
على النيابات أن تطلب سوابق المتهمين المشتبه في قواهم العقلية وأن ترفقها بالقضايا الخاصة قبل إرسالها إلى مكتب المحامي العام الأول، فإذا دعت الضرورة إلى التعجيل بإرسال القضية دون إنتظار للسوابق كما لو كان المتهم في حالة هياج شديد فيجب على النيابة أن ترسل القضية فوراً إلى مكتب المحامي العام الأول وأن تطلب من مصلحة تحقيق الأدلة الجنائية استخراج صحيفة الحالة الجنائية للمتهم بصفة مستعجلة على أن يبين في الطلب تاریخ ورقم إرسال القضية وأن المتهم مشتبه في حالته العقلية مع تنبيه المصلحة المذكورة إلى وجوب تقديم صحيفة الحالة الجنائية مباشرة إلى مكتب المحامي العام الأول في اليوم التالي على الأكثر ويلاحظ التنويه عن ذلك في الكتاب الذي ترسل به القضية إلى المكتب المذكور .
مادة 1319 :
على أعضاء النيابة أن يأمروا بالتحري عن ماضي المتهمين المشتبه في قواهم العقلية وميلهم إلى الأذى والتحري عن الجرائم التي سبق لهم ارتكابها وما تم من تصرفات فيها وغير ذلك من المعلومات التي تساعد على تقرير حالتهم لدى فحص قواهم العقلية أو عند إخراجهم من دور الاستشفاء على أن يبين ذلك في المذكرات التي ترسل مع القضايا إلى مكتب المحامي العام الأول كلما أمكن أو في مذكرات لاحقة أن كانت القضايا قد سبق إرسالها إليه .
مادة 1320 :
المرض العقلي الذي يوصف بأنه جنون أو عاهة عقلية، وتنعدم به المسئولية قانوناً ، هو ذلك المرض الذي من شأنه أن يعدم الشعور والإدراك أما سائر الأمراض والأحوال النفسية التي لا تفقد الشخص شعوره وإدراكه فلا تعد سبباً لانعدام المسئولية .
مادة 1330 :
إذا حكم على الشخص بالإدانة وكان قد سبق فحص حالته العقلية وثبت سلامته، فيجب على النيابة أن ترفق بنموذج تنفيذ الحكم المذكور صورة التقرير الطبي الخاص بفحص حالة المتهم العقلية ليكون السجن على بينة من هذه الحالة إذا تظاهر مرة أخرى بمرض عقلي عند التنفيذ عليه .
مادة 1332 :
. -- إذا أشتبه في إصابة غير متهم بمرض في قواه العقلية من شأنه أن يخل بالأمن ها أو النظام العام أو يخشى منه على سلامة المريض أو سلامة الغير، يجوز لعضو النيابة أو لمأمور الضبط القضائي من رجال الشرطة أن يضعه تحت الحفظ لعرضه على طبيب الصحة المختص للكشف عليه، وذلك في مدى أربعة وعشرين ساعة على الأكثر من وقت القبض عليه، فإذا أتضح للطبيب بعد فحصه أنه غير مريض بمرض عقلي، وجب الإفراج عنه فوراً .
أما إذا قامت لدى الطبيب شبهه في حالته دون أن يستطيع القطع برأي فيها فإنه يأمر بوضعه تحت الملاحظة لمدة لا تتجاوز ثمانية أيام في أحد المستشفيات الحكومية غير المعدة للأمراض العقلية على أن يكشف عليه طبياً كل يوم، وفي نهاية مدة الملاحظة يقرر الطبيب إما الإفراج عنه أو حجزه وفي جميع الأحوال يحرر الطبيب تقريراً بنتيجة الكشف الذي أجراه .
ويكون حجز المريض في الأحوال التي يتقرر فيها ذلك في أحد دور الاستشفاء الحكومية للصحة العقلية والنفسية إلا إذا رأى ذوو المريض أو من يقومون بشئونه إيداعه في أحد المستشفيات الخصوصية المعدة للأمراض المذكورة .
الأمر بوضع المتهم المصاب بعاهة في عقله تحت الملاحظة في أحد المحال المخصصة لذلك من الجهة المختصة :
يشترط في المتهم لكي يكون طرفاً في الخصومة الجنائية، أن يكون متمتعاً بالإدراك والشعور وقت تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها، فإذا دعا الأمر إلى التحقق من فحص حالة الاضطراب العقلي للمتهم وجب اتخاذ بعض الإجراءات للتحقق من توافر حالة العته. ولقد نصت عليها المادة محل التعليق حيث ميزت بين حالتين :
(1) إذا كان المتهم محبوساً احتياطياً .
(2) إذا لم يكن المتهم محبوساً احتياطياً .
أولاً : إذا كان المتهم محبوساً احتياطياً :
يستوي في ذلك أن يكون الحبس الاحتياطي أثناء التحقيق الابتدائي أو المحاكمة. فإذا دعا الأمر إلى فحص حالة الاضطراب العقلي للمتهم، يجوز للنيابة العامة - إذا كان الحبس أثناء التحقيق أن تطلب من القاضي الجزئي أن يأمر بوضع المتهم المحبوس احتياطياً تحت الملاحظة في إحدى منشآت الصحة النفسية الحكومية المخصصة لذلك، لمدة أو لمدد لا يزيد مجموعها على خمسة وأربعين يوماً بعد سماع أقوال النيابة العامة والمدافع عن المتهم إن كان له مدافع والأمر الذي يصدره القاضي من شقين : شق قضائي هو الأمر بمد حبس المتهم. شق إداري هو إيداع المتهم في أحد المحال الحكومية. ويكون تجديد المدة بناء على طلب النيابة العامة، حتى تصل إلى خمسة وأربعين يوماً، فإذا انقضت هذه المدة وجب إخراجه من المحل المودع به، دون إخلال بسلطة النيابة العامة إذا رأت مد حبسه أن تعرضه على غرفة المشورة وفقاً للقواعد العامة في مد الحبس الاحتياطي .
وقد لاحظ القانون في تحديد مدة الخمسة والأربعين يوماً في المحل المخصص للملاحظة، أن هذه المدة كافية للتحقق من مدى توافر حالة العته لديه. إن هذه المدة كافية للتحقق من مدى توافر حالة العته لديه. ويلاحظ أن مدة حبس المتهم وإيداعه إحدى المحال الحكومية بواسطة القاضي الجزئي لا يغل يد النيابة العامة كسلطة تحقيق، في الإفراج عن المتهم وبالتالي إخلاء سبيله من المحل الخاص .
وللمحكمة المنظورة أمامها الدعوى أن تأمر بوضع المتهم المحبوس احتياطياً تحت الملاحظة في أحد المحال الحكومية لمدة أو لمدد لا تزيد مجموعها على خمسة وأربعين يوماً ، ولا يجوز للنيابة العامة في هذه الحالة إخلاء سبيله من المحل الخاص لأنه يكون محبوساً على ذمة المحكمة، فتملك هي وحدها سلطة الإفراج عنه أو إخلاء سبيله .
ثانياً : إذا لم يكن المتهم محبوساً احتياطياً :
تتبع الإجراءات السابقة. وينحصر الخلاف في تحديد مكان إيداع المتهم، إذ يودع في هذه الحالة في أي مكان آخر غير المحال الحكومية المخصصة للملاحظة. ولا مانع من إيداعه في مستشفى خاص . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 541 )
يتم التثبت من حالة المتهم العقلية بوضع المتهم تحت الملاحظة في إحدى المنشآت الصحة النفسية الحكومية المخصصة لذلك لمدة أو لمدد لا يزيد مجموعها على خمسة وأربعين يوماً وذلك إذا كان المتهم محبوساً احتياطياً. ويصدر الأمر بعد سماع أقوال النيابة العامة والمدافع عن المتهم إن وجد، وإذا لم يكن المتهم محبوساً احتياطياً يؤمر بوضعه تحت الملاحظة في أي مكان آخر ، بعد اتباع ذات الإجراءات، والجهة المختصة بالأمر بالإيداع هي التي في حوزتها الدعوى، فإذا كانت النيابة العامة هي التي تتولى التحقيق فيصدر الأمر من القاضي الجزئي بناء على طلب النيابة العامة . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 1459 )
إذا استلزم التحقيق في جناية أو جنحة هامة فحص حالة المتهم العقلية وكان محبوساً احتياطياً فيجب على النيابة أن تستصدر من القاضي الجزئي أمراً بوضعه تحت الملاحظة في أحد المحال الحكومية المخصصة لذلك لمدة أو لمدد لا يزيد مجموعها على خمسة وأربعين يوماً .
ويكون تجديد مدة الوضع تحت الملاحظة حتى تصل إلى الحد الأقصي المشار إليه في الفقرة السابقة وكذلك إخراج المتهم من المحل الموضوع فيه وإيداعه السجن قبل انتهاء تلك المدة بأمر من القاضي الجزئي بناء على طلب النيابة .
ويجب على النيابة أن تأمر بإخراج المتهم من المحل الموضوع فيه فور انتهاء الحد الأقصى لمدة الوضع تحت الملاحظة ويجوز لها أن تأمر بإخلاء سبيله وفقاً للقواعد العامة .
وإذا لم يكن المتهم محبوساً احتياطياً يجوز للقاضي الجزئي بناء على طلب النيابة أن يأمر بإيداعه تحت الملاحظة في أي مكان آخر يتيسر إجراء الملاحظة فيه المدة أو المدد السابق، وإذا أحيل إلى المحكمة يكون الأمر بوضعه تحت الملاحظة من اختصاص المحكمة المحال إليها وفقاً لما سلف . ( الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزءالثالث، الصفحة : 523 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السابع ، الصفحة / 161
أَوَّلاً: الْجُنُونُ:
الْجُنُونُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ: أَجَنَّهُ اللَّهُ فَجُنَّ، فَهُوَ مَجْنُونٌ، بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُول.
وَأَمَّا عِنْدَ الأْصُولِيِّينَ فَإِنَّهُ: اخْتِلاَلٌ لِلْعَقْلِ يَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ الأْفْعَالِ وَالأْقْوَالِ عَلَى نَهْجِ الْعَقْلِ.
وَالْجُنُونُ يُؤَثِّرُ فِي أَهْلِيَّةِ الأْدَاءِ، فَهُوَ مُسْقِطٌ لِلْعِبَادَاتِ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ.
وَفِي زَكَاةِ مَالِ الْمَجْنُونِ خِلاَفٌ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجُنُونِ الْمُطْبَقِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْمُعَامَلاَتُ، فَحُكْمُهُ فِيهَا حُكْمُ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِأَقْوَالِهِ لاِنْتِفَاءِ تَعَقُّلِهِ لِلْمَعَانِي.
وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهَا الْجُنُونُ، فَإِنَّ الْمَجْنُونَ يَرِثُ وَيَمْلِكُ لِبَقَاءِ ذِمَّتِهِ، وَالْمُتْلَفَاتُ بِسَبَبِ أَفْعَالِهِ مَضْمُونَةٌ فِي مَالِهِ كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ.
وَتَفْصِيلُ الأْحْكَامِ الْخَاصَّةِ بِالْجُنُونِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جُنُونٍ).
ثَانِيًا: الْعَتَهُ:
الْعَتَهُ فِي اللُّغَةِ: نُقْصَانُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ أَوْ دَهْشٍ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: آفَةٌ تُوجِبُ خَلَلاً فِي الْعَقْلِ، فَيَصِيرُ صَاحِبُهَا مُخْتَلَطَ الْكَلاَمِ، فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلاَمِهِ كَلاَمَ الْعُقَلاَءِ، وَبَعْضُهُ كَلاَمَ الْمَجَانِينِ.
وَالْمَعْتُوهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، فَتَثْبُتُ لَهُ أَهْلِيَّةُ الأْدَاءِ الْقَاصِرَةِ، إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ كَمَا جَاءَ فِي التَّلْوِيحِ، إِلاَّ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: أَنَّ امْرَأَةَ الْمَعْتُوهِ إِذَا أَسْلَمَتْ لاَ يُؤَخَّرُ عَرْضُ الإْسْلاَمِ عَلَيْهِ، كَمَا لاَ يُؤَخَّرُ عَرْضُهُ عَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ بِخِلاَفِ الصَّبِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ، فَإِنَّ الصِّبَا مُقَدَّرٌ بِخِلاَفِ الْعَتَهِ وَالْجُنُونِ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (عَتَهٍ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس عشر ، الصفحة / 99
جُنُونٌ
التَّعْرِيف:
الْجُنُونُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ جُنَّ الرَّجُلُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، فَهُوَ مَجْنُونٌ: أَيْ زَالَ عَقْلُهُ أَوْ فَسَدَ، أَوْ دَخَلَتْهُ الْجِنُّ، وَجَنَّ الشَّيْءَ عَلَيْهِ: سَتَرَهُ.
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ وَالأْصُولِيُّونَ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهَا:
أَنَّهُ اخْتِلاَلُ الْعَقْلِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ جَرَيَانَ الأْفْعَالِ وَالأْقْوَالِ عَلَى نَهْجِهِ إِلاَّ نَادِرًا.
وَقِيلَ: الْجُنُونُ اخْتِلاَلُ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الأْشْيَاءِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ الْمُدْرِكَةِ لِلْعَوَاقِبِ بِأَنْ لاَ تَظْهَرَ آثَارُهَا، وَأَنْ تَتَعَطَّلَ أَفْعَالُهَا.
وَعَرَّفَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ الرَّائِقِ بِأَنَّهُ: اخْتِلاَلُ الْقُوَّةِ الَّتِي بِهَا إِدْرَاكُ الْكُلِّيَّاتِ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
أ - الدَّهَش:
الدَّهَشُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ دَهِشَ، يُقَالُ دَهِشَ الرَّجُلُ أَيْ تَحَيَّرَ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنْ ذَهْلٍ أَوْ وَلَهٍ، وَدُهِشَ أَيْضًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَهُوَ مَدْهُوشٌ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَهُمْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْمُتَحَيِّرِ وَعَلَى ذَاهِبِ الْعَقْلِ، وَقَدْ جَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَدْهُوشَ الَّذِي ذَهَبَ عَقْلُهُ دَاخِلاً فِي الْمَجْنُونِ.
ب - الْعَتَه:
الْعَتَهُ فِي اللُّغَةِ: نُقْصَانُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ أَوْ دَهَشٍ. وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأْصُولِيِّينَ آفَةٌ تُوجِبُ خَلَلاً فِي الْعَقْلِ فَيَصِيرُ صَاحِبُهُ مُخْتَلِطَ الْكَلاَمِ، فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلاَمِهِ كَلاَمَ الْعُقَلاَءِ، وَبَعْضُهُ كَلاَمَ الْمَجَانِينِ، وَكَذَا سَائِرُ أُمُورِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالْعَتَهِ، أَنَّ الْمَعْتُوهَ قَلِيلُ الْفَهْمِ مُخْتَلِطُ الْكَلاَمِ، فَاسِدُ التَّدْبِيرِ، لَكِنْ لاَ يَضْرِبُ وَلاَ يَشْتُمُ بِخِلاَفِ الْمَجْنُونِ.
وَصَرَّحَ الأْصُولِيُّونَ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَعْتُوهِ حُكْمُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، إِلاَّ أَنَّ الدَّبُوسِيَّ قَالَ: تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ احْتِيَاطًا، وَقَالَ صَدْرُ الإْسْلاَمِ: إِنَّ الْعَتَهَ نَوْعُ جُنُونٍ فَيَمْنَعُ أَدَاءَ الْحُقُوقِ جَمِيعًا.
ج - السَّفَه:
السَّفَهُ لُغَةً: نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ، وَأَصْلُهُ الْخِفَّةُ وَالتَّحَرُّكُ، يُقَالُ: تَسَفَّهَتِ الرِّيَاحُ الثَّوْبَ: إِذَا اسْتَخَفَّتْهُ، وَحَرَّكَتْهُ، وَمِنْهُ زِمَامٌ سَفِيهٌ أَيْ خَفِيفٌ.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: خِفَّةٌ تَبْعَثُ الإْنْسَانَ عَلَى الْعَمَلِ فِي مَالِهِ بِخِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ مَعَ قِيَامِ الْعَقْلِ حَقِيقَةً. قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: فَالسَّفَهُ لاَ يُوجِبُ خَلَلاً، وَلاَ يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَقِيلَ السَّفَهُ صِفَةٌ لاَ يَكُونُ الشَّخْصُ مَعَهَا مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَأَنْ يَبْلُغَ مُبَذِّرًا يُضَيِّعُ الْمَالَ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ الْجَائِزِ، وَأَمَّا عُرْفًا: فَهُوَ بَذَاءَةُ اللِّسَانِ وَالنُّطْقُ بِمَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ.
وَفِي جَوَاهِرِ الإْكْلِيلِ: السَّفِيهُ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِي لاَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ فَهُوَ خِلاَفُ الرَّشِيدِ.
د - السُّكْر:
اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ السُّكْرِ:
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: السُّكْرُ نَشْوَةٌ تُزِيلُ الْعَقْلَ، فَلاَ يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنَ الأْرْضِ، وَلاَ الرَّجُلَ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّ تَعْرِيفَ السُّكْرِ بِمَا مَرَّ إِنَّمَا هُوَ فِي السُّكْرِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ، وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ فِي غَيْرِ وُجُوبِ الْحَدِّ فَهُوَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ كُلِّهِمْ: اخْتِلاَطُ الْكَلاَمِ وَالْهَذَيَانُ. وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا تَعْرِيفُ الشَّافِعِيِّ لِلسَّكْرَانِ: بِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَلَطَ كَلاَمُهُ الْمَنْظُومُ، وَانْكَشَفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، فَإِذَا انْتَهَى تَغَيُّرُهُ إِلَى حَالَةٍ يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهَا عَادَةً اسْمُ السَّكْرَانِ، فَهُوَ الْمُرَادُ بِالسَّكْرَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الأْقْرَبُ.
وَقِيلَ: السُّكْرُ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلإْنْسَانِ مِنِ امْتِلاَءِ دِمَاغِهِ مِنَ الأْبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ مِنَ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، فَيَتَعَطَّلُ مَعَهُ الْعَقْلُ الْمُمَيِّزُ بَيْنَ الأْمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ.
هـ - الصَّرْع:
-الصَّرْعُ لُغَةً: عِلَّةٌ تَمْنَعُ الدِّمَاغَ مِنْ فِعْلِهِ مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ، فَتَتَشَنَّجُ الأْعْضَاءُ.
أَقْسَامُ الْجُنُونِ :
جَاءَ فِي كَشْفِ الأْسْرَارِ: الْجُنُونُ يَكُونُ أَصْلِيًّا إِذَا كَانَ لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ وَطُبِعَ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ مَا أُعِدَّ لِقَبُولِهِ مِنَ الْعَقْلِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ.
وَيَكُونُ عَارِضًا: إِذَا زَالَ الاِعْتِدَالُ الْحَاصِلُ لِلدِّمَاغِ خِلْقَةً إِلَى رُطُوبَةٍ مُفْرِطَةٍ، أَوْ يُبُوسَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ بِالْعِلاَجِ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأَْدْوِيَةِ. وَالْجُنُونُ الأْصْلِ يُّ لاَ يُفَارِقُ الْعَارِضَ فِي شَيْءٍ مِنَ الأْحْكَامِ.
وَيَنْقَسِمُ الْجُنُونُ أَيْضًا إِلَى مُطْبِقٍ وَغَيْرِ مُطْبِقٍ:
وَالْمُرَادُ بِالْمُطْبِقِ الْمُلاَزِمُ الْمُمْتَدُّ. وَالاِمْتِدَادُ لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ عَامٌّ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَادَاتِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ قَدْرَ الاِمْتِدَادِ الْمُسْقِطِ فِي الصَّلَوَاتِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبِصَيْرُورَتِهَا سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَفِي الصَّوْمِ بِاسْتِغْرَاقِ الشَّهْرِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَفِي الزَّكَاةِ بِاسْتِغْرَاقِ الْحَوْلِ كُلِّهِ فِي الأْصَحِّ، وَغَيْرُ الْمُمْتَدِّ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
فَالْجُنُونُ إِنْ كَانَ مُمْتَدًّا سَقَطَ مَعَهُ وُجُوبُ الْعِبَادَاتِ فَلاَ تُشْغَلُ بِهَا ذِمَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ وَهُوَ طَارِئٌ لَمْ يَمْنَعِ التَّكْلِيفَ وَلاَ يَنْفِي أَصْلَ الْوُجُوبِ؛ لأِنَّ الْوُجُوبَ بِالذِّمَّةِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ، وَلِذَلِكَ يَرِثُ وَيَمْلِكُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ، وَكَانَ أَصْلِيًّا فَحُكْمُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ حُكْمُ الْمُمْتَدِّ؛ لأِنَّهُ نَاطَ الإْسْقَاطَ بِالْكُلِّ مِنَ الاِمْتِدَادِ وَالأْصَالَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّارِئِ فَيُنَاطُ الإْسْقَاطُ بِالاِمْتِدَادِ.
أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الأْهْلِيَّةِ :
الْجُنُونُ مِنْ عَوَارِضِ أَهْلِيَّةِ الأْدَاءِ وَهُوَ يُزِيلُهَا مِنْ أَصْلِهَا، فَلاَ تَتَرَتَّبُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ آثَارُهَا الشَّرْعِيَّةُ؛ لأِنَّ أَسَاسَ أَهْلِيَّةِ الأْدَاءِ فِي الإْنْسَانِ التَّمْيِيزُ وَالْعَقْلُ، وَالْمَجْنُونُ عَدِيمُ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ.
وَلاَ يُؤَثِّرُ الْجُنُونُ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ؛ لأِنَّ هَا ثَابِتَةٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، فَكُلُّ إِنْسَانٍ أَيًّا كَانَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ؛ لأِنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلْوُجُوبِ هِيَ حَيَاتُهُ الإْنْسَانِيَّةُ.
وَمَا وَجَبَ عَلَى الْمَجْنُونِ بِمُقْتَضَى أَهْلِيَّتِهِ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَاجِبَاتٍ مَالِيَّةٍ يُؤَدِّيهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ.
فَإِذَا جَنَى عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ يُؤَاخَذُ مَالِيًّا لاَ بَدَنِيًّا، فَفِي الْقَتْلِ يَضْمَنُ دِيَةَ الْقَتِيلِ وَلاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه : «عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ» وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأْصُولِيِّ.
أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الْجِنَايَاتِ :
تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُنُونَ عَارِضٌ مِنْ عَوَارِضِ الأْهْلِيَّةِ يَطْرَأُ عَلَى الْعَقْلِ فَيَذْهَبُ بِهِ، وَلِذَلِكَ تَسْقُطُ فِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ وَالْخِطَابُ لِعَدَمِ وُجُودِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةُ فَهْمِ دَلِيلِ التَّكْلِيفِ.
فَالْجُنُونُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى حَسَبَ الْبَيَانِ السَّابِقِ، وَلاَ حَدَّ عَلَى الْمَجْنُونِ، لأِنَّهُ إِذَا سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالإْثْمُ فِي الْمَعَاصِي فَالْحَدُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ الْعِبَادِ كَالضَّمَانِ وَنَحْوِهِ فَلاَ يَسْقُطُ؛ لأِنَّهُ لَيْسَ تَكْلِيفًا لَهُ، بَلْ هُوَ تَكْلِيفٌ لِلْوَلِيِّ بِأَدَاءِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ الْمُسْتَحَقِّ فِي مَالِ الْمَجْنُونِ، فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ جَرَائِمُ، أُخِذَ بِهَا مَالِيًّا لاَ بَدَنِيًّا، وَإِذَا أَتْلَفَ مَالَ إِنْسَانٍ وَهُوَ مَجْنُونٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِذَا قَتَلَ فَلاَ قِصَاصَ وَتَجِبُ دِيَةُ الْقَتِيلِ، كَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِحْصَانُ الرَّجْمِ وَالْقَذْفِ إِلاَّ بِالْعَقْلِ، فَالْمَجْنُونُ لاَ يَكُونُ مُحْصَنًا لأِنَّهُ لاَ خِطَابَ بِدُونِ الْعَقْلِ.
لاَ جِزْيَةَ عَلَى الْمَجْنُونِ :
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ جِزْيَةَ عَلَى الْمَجْنُونِ؛ لأِنَّ الْجِزْيَةَ شُرِعَتْ جَزَاءً عَنِ الْكُفْرِ وَحَمْلاً لِلْكَافِرِ عَلَى الإْسْلاَمِ، فَتَجْرِي مَجْرَى الْقَتْلِ، فَمَنْ لاَ يُعَاقَبُ بِالْقَتْلِ، لاَ يُؤْخَذُ بِالْجِزْيَةِ، وَالْمَجْنُونُ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ، فَلاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (جِزْيَةٌ).