إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم فى الدعوى أو باختصاصها منن حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام ، جاز التمسك به فى أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو من غير طلب .
إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم فى الدعوى أو باختصاصها منن حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام ، جاز التمسك به فى أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو من غير طلب .
خلا القانون الحالي ( الملغي ) من بيان القواعد العامة التي تتبع في أحوال البطلان الذي ينشأ عن عدم مراعاة الاجراءات المقررة للتحقيق أو المحاكمة وإكتفى بالنص على البطلان عند مخالفة بعض الإجراءات دون البعض الآخر مما قد يؤدي إلى الوقوع في الخطأ ولذلك رؤى لتلافي هذا النقص وضع القواعد التي تبين الأحوال التي يحكم فيها بالبطلان والتي لا تدعو لذلك والإجراءات التي تتبع للتمسك بالبطلان ومدى البطلان إذا حكم به .
فإذا كان الغرض من الإجراء ليس إلا الإرشاد والتوجيه فلا بطلان إذا لم يراع هذا الاجراء لأنه ليس جوهرياً في التحقيق أو الدعوى فمثلاً اذا نص القانون على وجوب الحكم في الإستئناف في ظرف ثلاثين يوماً ولم يراع هذا الميعاد فلا بطلان .
أما إذا كان الغرض من الإجراء المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة المتهم أو غيره من الخصوم فإنه يكون جوهرياً ويترتب على عدم مراعاته البطلان - مادة 318 - ( أصبحت المادة 331 من القانون ) .
وإذا كان الإجراء جوهرياً متعلقاً بالنظام العام جاز التمسك بالبطلان الناشئ عن عدم مراعاته في أية حال كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب - مادة 319 - ( أصبحت م 332 من القانون ) .
أما إذا كان الإجراء الجوهری متعلقاً بمصلحة المتهم وباقي الخصوم فلا يقضى بالبطلان إلا بناء على طلب صاحب الشأن - مادة 319 / 2 - ( أصبحت م 332 من القانون ) .
وقد بين المشروع على سبيل المثال بعض الأحكام المتعلقة بالنظام العام - مادة 319 / 1 - ( أصبحت م 332 من القانون ) ويمكن أن يضاف إليها على سبيل المثال أيضاً الأحكام الخاصة بعلانية الجسات وبتسبيب الأحكام الجوهرية وحرية الدفاع وحضور مدافع المتهم في مواد الجنايات وأخذ رأى المفتى عند الحكم بالإعدام وإجراءات الطعن في الأحكام .
أما الأحكام الأخرى المتعلقة بمصلحة الخصوم فمنها الأحكام الخاصة بالتفتيش والضبط والقبض والحبس والاستجواب والاختصاص من حيث المكان .
ولتعرف الأحكام الجوهرية يجب دائماً الرجوع إلى علة التشريع .
ويشترط لصحة التمسك بالبطلان أن يقدم الدفع به إلى أول جهة قضائية إلى الجهة التي وقع أمامها البطلان وإلا سقط الحق في التمسك به فاذا وقع البطلان قبل تقديم القضية إلى قاضي التحقيق وجب التمسك به أمام القاضي المذكور وإذا وقع البطلان أمام غرفة المشورة وجب التمسك به أمام محكمة الموضوع واذا وقع أمام محكمة أول درجة وجب التمسك به أمام المحكمة الاستئنافية .
وليس لقاضي التحقيق ولا لغرفة المشورة الحق في الفصل في الدفع ولكن لها إعادة الاجراء على الوجه الصحيح كلما أمكن ذلك فإذا استوجب المتهم بدون حضور محام وكان حضور المحامي واجباً يعاد استجوابه بحضور محاميه وإذا لم يحلف الشاهد اليمين يعاد سماعه بعد أداء اليمين .
وقد اشترط بصفة عامة لصحة التمسك بأوجه البطلان السابقة على إنعقاد جلسة المحكمة أن تبدي قبل سماع الشهادة أول شاهد أو قبل مرافعة الخصوم ان لم يكن هناك شهود .
وكما يكون التنازل عن الدفع صریحاً يكون ضمنياً أيضاً فليس المتهم أن يدفع بالبطلان إذا كان هذا البطلان متعلقاً بإجراء من اجراءات التحقيق اتخذ بحضوره أو وقع في جلسة أناب فيها وكيلاً عنه أو حضر فيها مدافع معه ولم يطلب المتهم ولا النيابة العمومية مراعاة الحكم الواجب اتباعه يعتبر في هذه الحالة الإجراء صحيحاً ويعتبر الإجراء صحيحاً أيضاً في مواد المخالفات إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه في الجلسة - المادتان 320 و 321 - ( أصبحت المادتان 333 و 334 من القانون ).
واستثناء من الأحكام السابقة نص على عدم جواز الطعن ببطلان الأمر الصادر بالاحالة أمام المحكمة المختصة بالنظر في أصل الدعوى مع حفظ المتهم في أن يثبت أن الواقعة التي اثبتت عليها الاحالة لا يعاقب القانون عليها كما نص على عدم جواز التمسك ببطلان ورقة التكليف بالحضور إذا حضر المتهم في الجلسة أو أناب وكيلاً عنه مع حفظ الحق له في طلب التأجيل ووجوب إجابة هذا الطلب اذا كان البطلان ناشئاً عن عدم مراعاة ميعاد التكليف بالحضور - المادتان 321 / 2 و 323 - ( أصبحت المادة 334 من القانون ) كما نص على أنه لا يجوز للخصم الذي تسبب في وقوع البطلان أن يتمسك به وعلى أنه لا يجوز لأي خصم التمسك بأوجه البطلان إذا كان الإجراء قد تحققت الغاية منه بالنسبة الى جميع ذوي الشأن رغم ما به من عيب - مادة 323 - ( حذفت لأنها تنص على بدهيات ).
وقد تناولت المادة 325 ( أصبحت المادة 336 من القانون ) مدى البطلان إذا ما حكم به فنصت على أن البطلان في هذه الحالة لا يتناول الا اجراء المطعون فيه والآثار المترتبة عليها مباشرة فإذا لحق إجراء التفتيش عيب يبطله يقضي ببطلانه وبطلان الدليل المستمد منه فقط .
وقد رئی تخويل جهات الحكم والتحقيق الحق في تصحيح الأخطاء المادية التي تقع في الحكم أو في الأمر ولم یکن ترتب عليها بطلان وذلك من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم فإذا حصل خطأ مادى في إسم القاضي أو عضو النيابة أو الخصوم أو في تاريخ الجلسة يمكن تدارکه وقد بينت المادة 326 ( أصبحت م 337 من القانون ) الإجراءات التي تتبع في هذه الحالة .
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث
جاء بتقرير لجنة الإجراءات الجنائية لمجلس الشيوخ «نصت هذه المادة على البطلان المتعلق بالنظام العام وقالت أنه يجوز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى وللمحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك به الخصوم وقد ذكرت من هذا النوع البطلان الناشئ من عدم تشكيل المحكمة تشكيلاً قانونياً أو عدم ولايتها أو إختصاصها من حيث نوع الجريمة ثم قالت أو غير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام وهذا يدل على أن الأحوال التي ذكرت على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر وضربت المذكرة الإيضاحية أمثلة أخرى منها الأحكام الخاصة بعلنية الجلسات وبتسبيب الأحكام وحرية الدفاع وحضور مدافع عن المتهم في الجنايات أو أخذ رأي المفتي عند الحكم بالإعدام وإجراءات الطعن في الأحكام فقد أبان بذلك النص حكم مخالفة الإجراءات المتعلقة بالنظام العام بيد أنه لم يضع تعريفاً دقيقاً لتلك الإجراءات أو ضابطاً يحددها ويمكن تعريفها بأنها ما كان هدف المشرع منها أساساً تحقيق العدالة لصالح الجماعة ولم يكن الغرض منها إبتداء صالح الخصوم وأنه إن أسفرت تلك الإجراءات عن صالح لهم فإنما يتأتي هذا تبعاً لمصلحة المجتمع .
ويترتب على اعتبار إجراء ما متعلقاً بالنظام العام أنه يجوز لأي الخصوم في الدعوى أن يدفع بالبطلان عند مخالفته وفي أية حالة كانت عليها الدعوى حتى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض بل علی المحكمة إذا تبينت ذلك البطلان أن تقضي به من تلقاء نفسها بغير تعليق هذا على طلب من جانب الخصوم ومتى تقرر بطلان الإجراء استتبع بطلان ما ترتب عليه إذ أن ما يبنى على الباطل يعد بدوره باطلاً .
1- لما كان مؤدى نص المادتين 366 من قانون الإجراءات الجنائية و7 من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 والمعدل بالقانون رقم 142 لسنة 2006 وجوب تشكيل محكمة الجنايات من ثلاثة من قضاتها ، وكان التشكيل المنصوص عليه فى المادتين المشار إليهما مما يتعلق بأسس النظام القضائي وبالنظام العام ويجوز التمسك به فى أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب ، أخذاً بحكم المادة 332 من قانون الإجراءات الجنائيةولما كان الثابت مما سلف أن الحكم المطعون فيه صدر من محكمة جنايات مشكلة من أربعة من المستشارين ، فإنه يكون قد صدر من محكمة غير مشكلة وفق أحكام القانون الأمر الذي يصمه بالبطلان الذي ينحدر به إلى حد الانعدام .
( الطعن رقم 9870 لسنة 80 - جلسة 2011/01/12 )
2- حق المتهم فى الدفع ببطلان الإجراءات لعدم إعلانه بالجلسة المحددة لمحاكمته أمام محكمة أول درجة يسقط إذا لم يبده بجلسة المعارضة، ولما كان البين من الاطلاع على محاضر جلسات المعارضة أمام محكمة أول درجة أن الطاعن لم يدفع ببطلان الحكم الغيابي لعدم إعلانه بالجلسة التي صدر فيها، فإن حقه فى الدفع يكون قد سقط .
( الطعن رقم 566 لسنة 48 - جلسة 1978/10/30 - س 29 ع 1 ص 753 ق 152 )
3- لما كان يبين من الاطلاع على الأوراق أن الدعوى الجنائية رفعت على المتهمة لعرضها للبيع لبناً مغشوشاً مع علمها بذلك. ومحكمة جنح قسم شبين الكوم قضت حضورياً بإيداع المتهمة إحدى المؤسسات الاجتماعية، استأنفت المتهمة، ومحكمة شبين الكوم الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وبإعادة الأوراق إلى النيابة العامة لإجراء شئونها فيها - استناداً إلى أن الحكم المستأنف قد صدر من محكمة لم تكن مشكلة وفقاً للقانون ولا ولاية لها بالفصل فى الدعوى لأن المتهمة حدث وكان يتعين أن تجرى محاكمتها أمام محكمة مشكلة من قاضي يعاونه خبيران من الأخصائيين أحدهما على الأقل من النساء وفق ما تنص عليه المادة 28 من قانون الأحداث رقم 31 سنة 74 المعمول به اعتباراً من 16/5/1974، لما كان ذلك، وهذا الذي أورده الحكم وأسس عليه قضاءه هو فى واقعه قضاء بعدم اختصاص محكمة الجنح العادية بنظر الدعوى لخروجها عن ولايتها لأن المتهمة حدث كان يتعين أن تجرى محاكمتها أمام محكمة الأحداث المختصة وفقاً لنص المادة 29 من القانون 31 سنة 1974 فى شأن الأحداث الذي جرت المحاكمة فى ظله، ذلك أن الشارع إذ نص فى المادة المذكورة على أنه "تختص محكمة الأحداث دون غيرها بالنظر فى أمر الحدث عند اتهامه فى الجرائم وعند تعرضه للانحراف" فقد دل بذلك على أن الاختصاص بمحاكمة الحدث ينعقد لمحكمة الأحداث وحدها دون غيرها ولا يشاركها فيه أي محكمة أخرى سواها - لما كان ذلك - وكانت قواعد الاختصاص فى المواد الجنائية من حيث أشخاص المتهمين متعلقة بالنظام العام، وكان البين من الاطلاع على المفردات المضمومة أن المتهمة المطعون ضدها حدث لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها وعلى الرغم من ذلك ومن جريان المحاكمة فى ظل قانون الأحداث الجديد الذي سبق صدوره واقعة الدعوى وانطبقت عليها أحكامه لم تقدمها النيابة العامة لمحكمة الأحداث المختصة وحدها بمحاكمتها بل قدمتها إلى محكمة الجنح العادية "محكمة جنح قسم شبين الكوم المشكلة من قاض فرد قضى فى الدعوى دون أن تكون له ولاية الفصل فيها فإن محكمة ثاني درجة إذ قضت بإلغاء الحكم المستأنف لانعدام ولاية القاضي الذي أصدره وبإعادة الأوراق إلى النيابة لإجراء شئونها فيها فإنها تكون قد التزمت صحيح القانون" ولا محل لما ذهبت إليه النيابة الطاعنة من أنه كان من المتعين على المحكمة الاستئنافية أن تصحح البطلان الذي شاب حكم محكمة أول درجة وتتصدى للفصل فى الدعوى عملاً بالمادة 419/1 من قانون الإجراءات الجنائية - لأن ذلك محله أن يكون لمحكمة أول درجة ولاية الفصل فى الدعوى ابتداءً، وإذ كانت ولايتها منحسرة عن الحكم فى الدعوى فإن قضاءها فيها - ولو بعقوبات مقررة للأحداث - يكون فى هذه الحالة معدوم الأثر قانوناً ولا تملك المحكمة الاستئنافية عند رفع الأمر إليها أن تتصدى لموضوع الدعوى وتفصل فيه، بل يتعين عليها أن يقتصر حكمها على القضاء بإلغاء الحكم المستأنف على نحو ما فعل الحكم المطعون فيه لأن القول بغير ذلك معناه إجازة محاكمة المتهمة أمام المحكمة الاستئنافية مباشرة عن واقعة لا تملك محكمة الدرجة الأولى محاكمتها عنها لخروجها عن دائرة ولايتها، فضلاً عن أن ذلك يكون منها قضاء فيما لم تتصل به المحكمة طبقاً للقانون، علاوة على ما فيه من حرمان للمتهمة من درجة من درجات التقاضي. وهذا لتعلقه بالنظام القضائي ودرجاته يعد مخالفاً للأحكام المتعلقة بالنظام العام. لما كان ذلك، وكان الاختصاص بمحاكمة المتهمة - المطعون ضدها - ينعقد لمحكمة الأحداث وحدها على ما سلف بيانه، فإن الحكم المطعون فيه إذ انتهى فى قضائه إلى إلغاء الحكم المستأنف وبإعادة الأوراق إلى النيابة العامة لإجراء شئونها فيها وفق ما توجيه المادة 414 من قانون الإجراءات الجنائية لا يكون قد خالف القانون فى شيء مما ينحسر عنه دعوى الخطأ فى تطبيقه .
( الطعن رقم 568 لسنة 47 - جلسة 1977/12/04 - س 28 ع 1 ص 1002 ق 205 )
4- الندب للعمل بإدارة التفتيش القضائي لا يرفع عن القاضى المنتدب صفته أو يخلع عنه ولاية القضاء ، ولا يترتب على جلوس المفتش القضائي بمحكمة الجنايات بطلان تشكيلها ، لما كان القانون لا يرتب بطلان تشكيل محكمة الجنايات إلا فى الحالة التى تشكل فيها من أكثر من واحد من غير المستشارين - على ما ورد بالفقرة الأخيرة من المادة 367 من قانون الإجراءات الجنائية - وكان يبين من الإطلاع على الحكم المطعون فيه أنه صدر من هيئة من أثنين من مستشارى محكمة الإستئناف ومن مفتش قضائى ، فإنه يكون قد صدر من هيئة مشكلة وفق القانون .
( الطعن رقم 159 لسنة 42 - جلسة 1972/04/30 - س 23 ع 2 ص 622 ق 139 )
5- إن الشارع حاول تنظيم أحوال البطلان فيما أورده من قواعد عامة فى المادة 331 وما بعدها من قانون الإجراءات الجنائية، إلا أن هذه النصوص تدل فى عبارتها الصريحة على أن الشارع لم يحصر - وما كان فى مقدوره أن يحصر - والقوانين السياسية والإدارية والمالية والجنائية أبداً متغيرة - المسائل المتعلقة بالنظام العام فذكر البعض من هذه المسائل فى المادة 332 وترك للقاضي استنباط غيرها وتمييز ما يعتبر منها من النظام العام وما هو من قبيل المصالح الخاصة التي يملك الخصوم وحدهم فيها أمر القبول من عدمه .
( الطعن رقم 92 لسنة 28 - جلسة 1958/06/03 - س 9 ع 2 ص 609 ق 156 )
6- إن المادة 332 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أن البطلان الذي يرجع لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم فى الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام جاز التمسك به فى أي حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب وتنص المادة 333 على أنه فى غير هذه الأحوال يسقط الحق فى الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة فى الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه، وإذن فمتى كان الثابت من الإطلاع على محضر الجلسة أن المحكمة استدعت الطبيب الشرعي بجلسة نظر الدعوى وكلفته بالإطلاع على أوراقها والتقريرين الفنيين المقدمين فيها ثم وهي بسبيل تحقيق الدعوى قامت بمناقشته بحضور الطاعن ومحاميه دون أن يعترضا على ذلك بشيء بل لقد أشترك محامي الطاعن فى هذه المناقشة ثم ترافع فى الدعوى على أساس ما جرى منها بالجلسة، فإن ما يثيره الطاعن من مخالفة المحكمة للقانون فى هذا الإجراء يكون فى غير محله.
( الطعن رقم 439 لسنة 22 - جلسة 1952/05/19 - س 3 ع 3 ص 956 ق 357 )
البطلان المطلق :
البطلان المطلق هو البطلان المتعلق بالنظام العام، وقد نصت عليه وحددت حالاته وبينت خصائصه وأحكامه المادة 332 من قانون الإجراءات الجنائية في قولها «إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام، جاز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى، وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب .
- حالات البطلان المطلق : بين الشارع حالات البطلان المطلق، فأشار إلى مخالفة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة، وأحكامه المتعلقة بولايتها بالحكم في الدعوى، وأحكامه المتعلقة باختصاصها النوعي. وهذا البيان لم يرد على سبيل الحصر، وإنما ورد على سبيل المثال، ولذلك أضافت إليه المذكرة الإيضاحية أمثلة أخرى، فأشارت إلى «مخالفة الأحكام المتعلقة بعلانية الجلسات، وتسبيب الأحكام، وحضور مدافع عن المتهم بجناية، وأخذ رأي المفتي عند الحكم بالإعدام، وإجراءات الطعن في الأحكام». وعلى الرغم من هذه الإضافة التي جاءت بها المذكرة الإيضاحية، فما زال بيان حالات البطلان المطلق على سبيل المثال فحسب ومن ثم يكون من الأهمية بيان الضابط في اعتبار البطلان مطلقاً والتمييز بينه وبين البطلان النسبي .
استخلص بعض الفقهاء هذا الضابط من نوع المصلحة التي تحميها القاعدة الإجرائية : فإن كانت المصلحة العامة ابتداء فالبطلان المترتب على مخالفتها مطلق، أما إذا كانت مصلحة الخصوم ابتداء فالبطلان المترتب على مخالفة القاعدة هو بطلان نسبي وهذا الضابط في تقديرنا محل نظر : فالمصلحة العامة ومصلحة الخصوم يغلب في الإجراءات الجنائية امتزاجهما، فالقواعد التي تذكر كأمثلة واضحة لقواعد تحمي المصلحة العامة كقواعد الاختصاص النوعي وحضور مدافع في الجنايات إنما تحمي كذلك مصلحة المتهم في ضمان محاكمة عادلة. والقواعد التي تذكر كأمثلة لقواعد تحمي مصلحة المتهم، كالقواعد الخاصة بالاستجواب والقبض والحبس الاحتياطي إنما تهم كذلك المصلحة العامة التي يضيرها إهدار حقوق الدفاع أو هدم قرينة البراءة .
ونحن نعتقد أن الضابط الصحيح في التمييز بين نوعي البطلان هو أهمية المصلحة التي تحميها القاعدة الإجرائية، وليس نوعها، وقاضي الموضوع هو الذي يناط به تحديد هذه الأهمية. فالقاعدة التي تحمي مصلحة قدر القاضي أهميتها يترتب على مخالفتها البطلان المطلق، ويستوي أن تكون مصلحة عامة في تنظيم القضاء وحسن سيره أو مصلحة هامة للمتهم أو غيره من الخصوم. ويمكن القول إجمالاً بأن القواعد المتعلقة بتشكيل القضاء وولايته واختصاصه النوعي والمكاني والصفة في تحريك الدعوى وقيود تحريكها وحالات عدم صلاحية القاضي للحكم في الدعوى وحقوق الدفاع الأساسية وقرينة البراءة وكفالة الكرامة البشرية للمتهم هي قواعد هامة وينبني على مخالفتها البطلان المطلق. وغني عن البيان أن القواعد الجوهرية قد تتصل بإجراءات التحقيق الابتدائي أو بإجراءات المحاكمة على السواء .
- أحكام البطلان المطلق : أشارت المادة 332 من قانون الإجراءات إلى حكمين للبطلان المطلق، هما : جواز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى، ولو لأول مرة أمام محكمة النقض، وسلطة المحكمة في أن تقضى به من تلقاء نفسها ونضيف إلى ذلك حكمين آخرين تقضي بهما القواعد العامة هما : جواز أن يحتج به كل ذي مصلحة في تقريره، وعدم جواز التنازل عن الاحتجاج به، مما يعني أنه يجوز الاحتجاج به على الرغم من سبق التنازل عنه وهذه الأحكام ترتد إلى فكرة أساسية، وهي أن هذا البطلان مقرر لمصلحة المجتمع، سواء أكانت مصلحة مباشرة للمجتمع أم كانت مصلحة لخصم ارتقت لأهميتها إلى مرتبة المصلحة المباشرة للمجتمع، وبناء على ذلك لا يجوز النزول صراحة عن الاحتجاج به، ولا عبرة بنزول ضمني استخلص من عدم الاحتجاج به في بعض مراحل الدعوى .
اتصال قواعد الاختصاص الجنائي بالنظام العام : جميع قواعد الاختصاص الجنائي – سواء في ذلك قواعد الاختصاص النوعي وقواعد الاختصاص الشخصي وقواعد الاختصاص المحلي - تتصل بالنظام العام. وقد حرص الشارع على تقرير ذلك بالنسبة «لولاية المحكمة بالحكم في الدعوى واختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها» (المادة 332 من قانون الإجراءات الجنائية، ولم يشر الشارع في هذا النص إلى قواعد الاختصاص المحلي ليقرر اتصالها كذلك بالنظام العام. ولكن ذلك لا يعني إنكاره اتصال هذه القواعد بالنظام العام، فقد تقدم أن بيانه لحالات البطلان المتعلق بالنظام العام في المادة 332، لم يرد على سبيل الحصر، وإنما ورد على سبيل المثال)، ومن ثم ساغ الإضافة إليها. وعلة اتصال قواعد الاختصاص الجنائي جميعاً بالنظام العام أنها قررت من أجل مصلحة المجتمع في حسن سير العدالة الجنائية، أي أنها قررت من أجل تحديد المحكمة الأقدر من سواها على الفصل في الدعوى الجنائية، ولم تقرر من أجل اعتبارات الملائمة بالنسبة لأحد أطراف الدعوى وقد ذهبت محكمة النقض في أول الأمر إلى إنكار اتصال قواعد الاختصاص المحلي بالنظام العام ولكنها استقرت الآن على صلتها - أسوة بسائر قواعد الاختصاص - بالنظام العام).
- النتائج المترتبة على اتصال قواعد الاختصاص الجنائي بالنظام العام : أهم هذه النتائج أنه لا يجوز لأطراف الدعوى باتفاق صريح أو ضمني بينهما التعديل من قواعد الاختصاص. ويجوز للنيابة العامة أن تدفع بعدم اختصاص المحكمة على الرغم من أنها التي طرحت الدعوى عليها، ولا يحتج عليها بقبولها هذا الاختصاص. ويجوز لكل من أطراف الدعوى الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، في أية حالة كانت عليها، ويعتبر هذا الدفع جوهرياً ولكن محكمة النقض تشترط لقبول الدفع بعدم الاختصاص المحلي لأول مرة أمامها أن يكون مستنداً إلى الوقائع الثابتة في الحكم، وألا يكون مستلزماً تحقيقاً موضوعياً، أي أن يكون متاحاً لمحكمة النقض أن تفصل فيه بمجرد الاطلاع على بيانات الحكم المطعون فيه .
ويتعين على المحكمة أن تتحرى اختصاصها قبل أن تتطرق إلى فحص موضوع الدعوى، فإن تبينت عدم اختصاصها، فإن لها أن تقضي به من تلقاء نفسها، بل وعلى الرغم من قبول أطراف الدعوى لاختصاصها. ويتعين على محكمة الطعن أن تتحرى من تلقاء نفسها اختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه، وتقضي في الطعن وفقاً لما يتبين لها من ذلك التحري .
- الحكم بعدم الاختصاص : يصدر الحكم بعدم الاختصاص في إحدى حالتين : إما من تلقاء نفس المحكمة، وإما بناء على دفع يتقدم به أحد أطراف الدعوى فقضاء المحكمة بعدم اختصاصها من تلقاء نفسها سنده التزامها بأن تتحقق من اختصاصها قبل التطرق إلى موضوع الدعوى، حرصاً منها على ألا يشوب البطلان حكمها في الموضوع أما «دفع أطراف الدعوى به» فهو تنبيه المحكمة إلى التزامها، وحين يصدر هذا الدفع عن المتهم فهو يعتبر وسيلة دفاع» .
وللدفع بعدم الاختصاص «طابع أولي»، في معنى أنه يتعين على المحكمة أن تفصل فيه قبل الدخول في موضوع الدعوى، ولكن ذلك ليس التزاماً عليها، فقد يكون الفصل فيه مقتضياً البحث في الموضوع، كما لو قدم شخص إلى محكمة الجنح متهماً بجنحة سرقة فدفع بعدم اختصاصها لأن الواقعة جناية سرقة بإكراه، فإن المحكمة لا تستطيع البت في هذا الدفع إلا إذا فحصت الموضوع وتبينت ما إذا كان ثمة إكراه وفي هذه الحالات تقرر المحكمة ضم الدفع إلى الموضوع، وتفصل فيهما معاً بحكم واحد، ولكن يتعين عليها أن ترد على الدفع بعدم الاختصاص رداً صريحاً، إذ أنه دفع جوهري، وإلا كان حكمها قاصراً .
- أثر الحكم بعدم الاختصاص : يترتب على الحكم بعدم الاختصاص خروج الدعوى من حوزة القاضي، ومن ثم يصير غير ذي سلطة عليها. وهذا الحكم سابق على الفصل في الموضوع، ولكنه حكم قطعي، في معنى أنه ذو حجية على القضاء الذي أصدره، فيلتزم به طالما لم تبلغه المحكمة المختصة بالطعن فيه .
ويترتب على خروج الدعوى من حوزة القاضي الذي أصدر الحكم بعدم الاختصاص أنه لا يجوز له أن يبدي رأياً في موضوع الدعوى أو أن يقدر أدلتها ، وإنما ينبغي عليه أن يترك ذلك للمحكمة المختصة بها ولا يجوز له أن يأمر باتخاذ إجراء تحقيق فيها، إذ لم تعد له عليها سلطة. وليس من شأنه أن يعين المحكمة المختصة بالدعوى، فتلك مهمة سلطة الاتهام وإذا أجاز القانون الطعن في الحكم بعدم الاختصاص استقلالاً، فلا يجوز لمحكمة الطعن إذا ألغت هذا الحكم أن تتصدى للنظر في موضوع الدعوى، إذ يعني ذلك حرمان المتهم من إحدى درجتي التقاضي، وإنما تعيد الدعوى إلى المحكمة التي أصدرت ذلك الحكم. ولا يجوز لهذه المحكمة أن تمتنع عن نظرها، محتجة بأنه قد سبق لها الفصل فيها، ذلك أن الحكم بعدم الاختصاص ليس فاصلاً" في الدعوى، وهو قد زال بإلغائه، فلا يجوز الاحتجاج به . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة : 401 )
البطلان المتعلق بالنظام العام :
عندما أشار القانون المصري إلى البطلان المتعلق بالنظام العام أورد أمثلة له في ذات النص، في أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها. وكل هذه الأمثلة تتعلق بالضمان القضائي كعنصر في الشرعية الإجرائية. فما معيار هذا النوع من البطلان للتوصل إلى تطبيقات أخرى للبطلان المتعلق بالنظام العام؟
إذا رجعنا إلى المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون الإجراءات الجنائية نجد أنها ذكرت أمثلة أخرى، هي : مخالفة الأحكام المتعلقة بعلانية الجلسات، وتسبيب الأحكام، وحضور مدافع عن المتهم بجناية، وأخذ رأي المفتي عند الحكم بالإعدام، وإجراءات الطعن في الأحكام. وإذا تأملنا تلك الأمثلة نجد أن ما يتعلق بعلانية الجلسات وتسبيب الأحكام وأخذ رأي المفتي قبل الحكم بالإعدام وإجراءات الطعن على الأحكام - ليست إلا أموراً تتعلق بالضمان القضائي كعنصر في الشرعية الإجرائية. وضمان حضور مدافع عن المتهم بجناية هو التزام دستوري يجب على المحكمة مراعاته، فهو أمر يتصل بعنصرين من عناصر الشرعية الإجرائية، هما الأصل في المتهم البراءة وضمانات المحاكمة المنصفة التي يتوقف على تحقيقها توافر الضمان القضائي .
وواقع الأمر أن فكرة النظام العام محل تعريفات عديدة لم يفلح أحدها في الوصول إلى الغرض المنشود، حتى قيل بأن النظام العام يستمد عظمته من ذلك الغموض الذي يحيط به، فمن مظاهر سموه أنه ظل متعالياً على كل الجهود التي بذلها الفقهاء لتعريفه. وفي هذا المعنى قالت الدائرة الجنائية لمحكمة النقض المصرية إنه إن كان الشارع قد حاول تنظيم النظام العام إلا أن النصوص تدل في عباراتها الصريحة على أن الشارع لم يحصر - وما كان في مقدوره أن يحصر، والقوانين السياسية والإدارية والمالية والجنائية أبداً متغيرة - المسائل المتعلقة بالنظام العام .
على أنه - وإن كانت فكرة النظام العام من العمومية بحيث تسود جميع فروع القانون - لكن يختلف تطبيقها باختلاف طبيعة كل من القوانين في الغرض الذي من أجله يراد تحديد مدلولها. وتعد الحقوق والحريات التي كفلها الدستور وكل ما يتعلق بها بالتنظيم الدستوري للسلطات في قمة النظام العام .
وتعد الضمانات التي كفلتها الشرعية الإجرائية من النظام العام، بوصفها مستقاة من الدستور ذاته، مع ملاحظة ما ستبينه بشأن حق الدفاع نظراً لذاتيته .
وإذا تأملنا تطبيقات القضاء المصري بعد أن محكمة النقض المصرية قد قضت أن الإجراءات التي تتخذ قبل صدور الطلب كقيد على سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ورفعها تعد باطلة بطلاناً متعلقاً بالنظام العام .
ويعد الدفع بانقضاء الدعوى الجنائية لصدور حكم بات فيها من النظام العام ، كما أن بطلان التحقيق الذي تجريه النيابة العامة بناء على ندب المحكمة إياها في أثناء سير المحاكمة يعد من النظام العام لمساسه بالتنظيم القضائي، كما أن الحكم الذي يصدر في الدعوى من قاض لم يسمع المرافعة فيها يعد باطلاً بطلاناً متعلقاً بالنظام العام. وقضت محكمة النقض أن قيام القاضي بوظيفة النيابة العامة في الدعوى يوجب امتناعه عن نظرها تلقائياً وإلا كان حكمه باطلاً بطلاناً متعلقاً بالنظام العام بصدوره من قاض محظور عليه الفصل في الدعوى، وأضافت المحكمة أن هذا الحكم لا يعتد به كدرجة أولى للتقاضي ولا يجيز لمحكمة ثاني درجة تصحيح هذا البطلان عملاً بالفقرة الأولى من المادة 419 إجراءات، مما يتعين معه نقض حكم ثاني درجة وإلغاء الحكم الابتدائي المستأنف وإعادة القضية إلى محكمة أول درجة للفصل فيها مجدداً من قاض آخر .
وباستقراء تطبيقات القضاءين المصري والفرنسي يتضح أن فكرة النظام العام ترتبط بضمانات الشرعية الإجرائية المتمثلة في احترام الحرية الشخصية بناء على أن الأصل في المتهم البراءة، وكل ما يتصل بالضمان القضائي. فهذه الضمانات التي أعلنها الدستور والتزم بها القانون. ولا شك في أن ما يتطلبه الدستور هو في قمة النظام العام، ويؤدي إلى اعتبار البطلان المترتب على مخالفته متعلقاً بالنظام العام .
وفيما يتعلق بضمانات الحرية الشخصية التي استلزمها القانون في إجراءات القبض وتفتيش الشخص والمسكن والاطلاع على المراسلات والمحادثات الشخصية، فإنها كلها تتعلق بالنظام العام. فإذا كان المساس المذكور قد حدث برضاء المتهم فلا مجال للحديث عن البطلان. ولهذا قضت محكمة النقض أنه متى كانت المحكمة قد استخلصت - في حدود السلطة المخولة لها ومن الأدلة السائغة التي أوردتها - أن رضاء الطاعنين بالتفتيش كان صريحاً غير مشوب، وأنه سبق إجراء التفتيش، فإن الحكم يكون سليماً فيما انتهى إليه من رفض الدفع ببطلان التفتيش. ومن ناحية أخرى، قضت محكمة النقض أن تفتیش الأمتعة والأشخاص الذين يدخلون إلى الدائرة الجمركية أو يخرجون منها هو نوع من التفتيش الإداري الذي يخرج عن نطاق التفتيش بمعناه الصحيح، لأنه من ضروب الكشف عن أفعال التهريب ولا يتطلب فيه الشارع قيود القبض والتفتيش المنظمة في قانون الإجراءات الجنائية. ففي المثال الأخير لا يعد التفتيش عملاً إجرائياً جنائياً، وبالتالي فلا محل لاشتراط الضمانات التي أوجبها الدستور والقانون مما لا مجال معه للحديث عن البطلان. والدليل المستمد من هذا التفتيش الإداري ينبعث مما أسفرت عنه حالة التلبس التي نتجت عن عمل مشروع .
وفي ضوء ما تقدم، فإنه لا مجال للقول بتصحيح البطلان المترتب على إهدار ضمانات الحرية الشخصية إذا كانت الصحة تبنى على أسس أخرى بعيدة عن قانون الإجراءات الجنائية. فالرضاء بالتفتيش يزيل صبغة الاعتداء على حرمة المسكن، مما لا محل معه للحديث عن الضمانات. والمساس بحرمة الشخص للبحث عن وعاء الضريبة الجمركية في الدائرة الجمركية بغية تقديرها لا يعد إجراء جنائياً بالمعنى المفهوم في قانون الإجراءات الجنائية، مما يخرجه عن دائرة الجزاء الإجرائي، وهو البطلان. ويشترط في هذا الرضاء - بطبيعة الحال - أن يرد على حق تتوقف ممارسته على إرادة صاحبه، وهو ما لا يسري على الحق في سلامة الجسم، مما لا يتصور معه الرضاء بالتعذيب . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 614 )
مدلول النصوص وأعمالها التحضيرية :
أما القول بأن المادة 332 نصت على أنه إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث الجريمة المعروضة عليها، أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام وأنها قصدت بهذه العبارة الاخيرة بعض قواعد التفتيش، فهو لا يصمد النقد للاعتبارات الآتية :
أولاً : لأنه لا محل لإعمال عبارة عامة كهذه على قواعد خصها الشارع بحكم مختلف تماماً هي قواعد الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة فى المادة التالية مباشرة، ومن المعلوم في قواعد التأويل أنه عند تقريب النصوص لا يجوز التفسير الواسع ولا القياس إذا كان النص المنطبق وارداً على غير الأصل العام الذى يراد تطبيقه، أو بعبارة أخرى أن النص بحكم معين يحول دون إعمال نص مخالف عام على جملة أحكام غير معينة .
ثانياً : أن المادة 333 وهي خاصة ببطلان إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة جاء في صياغتها عامة، فلم تغاير بين نوعين من هذه الاجراءات أو بين نوعين من إجراءات التفتيش بالذات، ولو شاء الشارع جعل بعض قواعده من النظام العام لضمن هذا النص أية عبارة تؤدي هذا المعنى كما فعل في المادة 332 التي نظمت بطلان قواعد المحاكمة، ولكنه لم يفعل .
ثالثاً : مما يدعوا إلى القول بذلك أيضاً أن المذكرة الايضاحية للمادة 332 ضربت أمثلة لأحوال البطلان المتعلقة بالنظام العام غير تلك المشار إليها فيها صراحة (بالأحكام الخاصة بعلانية الجلسات، وبتسبيب الأحكام، وحرية الدفاع، وحضور مدافع عن المتهم في الجنايات، وأخذ رأي مفتی الجهة عند الحكم بالإعدام، وإجراءات الطعن في الأحكام وسكتت عن هذا القدر .
وهذه كلها إجراءات محاكمة مما يؤكد من جديد أن المادة 332 تنظم بطلان هذه الإجراءات، دون غيرها، وإلا لأشارت المذكرة الإيضاحية ولو إلى إجراء واحد من إجراءات الاستدلال أو التحقيق الابتدائي ، أو التحقيق بالجلسة ، ولكنها لم تفعل، وهذا غير طبيعي إذا كان بعض هذه الإجراءات الأخيرة تنصرف إليه عبارة (أو غير ذلك ما هو متعلق بالنظام العام) الواردة في المادة المذكورة .
رابعاً : ثم لماذا يقال أن بعض قواعد التفتيش يعد في ظل النصوص الحالية من النظام العام، ولا يقال أن بعض قواعد التحقيق الأخرى كالقبض والحبس الإحتياطي يعد أيضاً من النظام العام ؟ إن القبض والحبس الاحتياطي أخطر من التفتيش ويتضمنان من معنى الاعتداء على حرمة شخص المتهم بالأقل مثل ما يتضمنه تفتيش شخصه أو مسكنه، هذا مع العلم بأننا لم نعثر على حكم واحد ذهب في ظل النصوص الحالية هذا المذهب، ولا نعتقد أن هناك من يقول بذلك بسهولة رغم أن نص المادتين 332 ، 333 عام، والاخير منهما أخضع كل قواعد الاستدلال والتحقيق بالجلسة لضابط واحد في عبارة عامة مشتركة .
خامساً : وأخيراً إذا كانت نية الشارع قد انصرفت حقيقة إلى تخصيص التفتيش دون غيره بتفرقة خاصة تقتضي التمييز فيه بين حالات البطلان المطلق للبطلان النسبي فلماذا لم يضع للتفرقة ضابطاً ؟ ... ولماذا لم يعين ولو بعض أحوال البطلان المتعلق بالنظام العام فيه ما فى فعل إجراءات المحاكمة عندما عين على سبيل المثال البطلان الراجع إلى عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من ناحية نوع الجريمة المفروضة عليها ؟ ثم أين ضابط التفرقة في قضاء النقض قديمه وجديده ؟
هذه الإعتبارات مجتمعة لا تترك مجالاً للشك في أن نية الشارع انصرفت . عند وضع المادتين 332، 333. إلى إخضاع جميع قواعد التفتيش لضابط البطلان النسبي دون غيره ، كما فعل ذلك أيضا بالنسبة دون غيره ، كما فعل ذلك أيضاً بالنسبة إلى جميع أحكام الاستدلال والتحقيق الإبتدائي الأخرى ، والتحقيق بالجلسة أيضاً، وأن ما ورد في المذكرات الايضاحية والأعمال التحضيرية في هذا شأن صحيح لا مطعن عليه من ناحية تعبيره عن نية الشارع الحقيقة .
حكم في سنة 1954 قد يشير إلى أن بطلان التفتيش قد يكون من من النظام العام :
رغم دلالة النصوص وأعمالها التحضيرية - وهي صريحة فقد وردت في حكم نقض صادر في 22 / 11 / 1954 عبارة فهمها البعض على أنها تشير إلى أن بطلان التفتيش قد يكون من النظام العام في بعض صوره بالأقل وكان ذلك في صدد واقعة تتحصل على أنه كان قد جرى تفتيش منزل زوج في غيابه، وكان التفتيش باطلاً لانتفاء صفة الضبط القضائي فيمن قاموا به ولم يسبق هذا التفتيش رضاء لا من الزوج الغائب أثناء إجرائه ولا من الزوجة التى كانت متهمة وحدها بالزنا وادارة منزلها للدعارة، ثم تنازل الزوج وحده بعدئذ عن الدفع ببطلان التفتيش بعد حصوله أيضاً ودون أن يكون متهماً في الدعوى .
وقد قضى حكم محكمة الموضوع ببطلان التفتيش مؤسساً قضاءه على ما قاله ( من أن مناط إباحة تفتيش منزل أن يكون لمن أسندت إليه الجريمة إقامة فيه لا أكثر، ولما كان المعلوم أن الزوجة تساكن زوجها وأن محل إقامتها هو محل إقامته، فإنه يمتنع على رجال السلطة أن يدخلوا عليها منزلاً لا يسكنه الزوج في غير الأحوال المرخص بها قانوناً، ومن ثم يبين فساد قول المستأنف ( وهو زوجها المدعى بالحقوق المدنية قبلها ) ومن أنه، وهو صاحب الحيازة للدار لا يتأذى من تفتيشها، توصلاً إلى القول بصحة إجراءات التفتيش في شأنها بطلان صدور الإذن لضابط الآداب الذى لم يكن من رجال الضبطية القضائية في ذلك الحين، كما أوضح ذلك الحكم المستأنف عليها الأولى قبل التفتيش كصريح أقواله أمام النيابة، وبالتالي لم يأذن بدخول المنزل من جانبه، فلا يملك بعدئذ أن يصحح بطلاناً معتبراً من النظام العام .
وعليه يكون للمستأنف عليها الأولى أن تتمسك بكل ما يشوب التفتيش الواقع على مسكنها من بطلان . ولما كان رجال مكتب الآداب ليسوا من رجال الضبطية القضائية في ذلك الحين ، فإن الإذن لهم بإجراء التفتيش يكون قد وقع باطلاً ولا يصح الاعتماد عليه ولا على ما أثبته الضباط بمحضره من أقوال واعترافات مقول بحصولها أمامه من المستأنف عليه الثاني ) .
وقد ذهبت محكمة النقض إلى أنه ( لما كان ما قاله الحكم المطعون فيه من ذلك صحيحاً في القانون، إذ أن الزوجة وهي تساكن زوجها وتحوز المنزل في غيبته، من الصفة بوصف كون المنزل منزلها ما يخول لها الدفع ببطلان التفتيش الذى تتأذى من حصوله بغير رضاها، وتضار بنتيجته، ما دام الزوج لم يكن قد رضى بالتفتيش قبل حصوله، ولما كان الحكم قد أثبت أن أمر التفتيش إنما بنى على تحريات سرية دون استئذان الزوج في إجرائه، وكان لا يصح الاستدلال على المطعون ضدها الأولى بالاعتراف المسند الى شريكها في الزنا ، والمثبت في محضر التفتيش الباطل، مادام ضبط هذا الشريك في المنزل لم يكن إلا وليد إجراء باطل، وكان اعترافه منصباً على واقعة وجوده في المنزل وقت التفتيش، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس ويتعين لذلك رفضه موضوعاً ) .
( نقض جلسة 22 / 11 / 1954 - أحكام النقض س 6 ص 201 )
هذا وقد كان محور البحث في واقعة الدعوى هو صفة الزوج في التنازل عن الدفع ببطلان التفتيش، وأثر هذا التنازل في مركز الزوجة من الإجراء الذى جرى باطلاً، ثم صفة الزوجة في التمسك به وأثر هذا التمسك في مركزها هي من الإجراء الباطل .
فالزوج لم تكن له مصلحة ما في التمسك بالبطلان لأنه كان مجنياً عليه في جريمة الزنا ومدعياً فيها مدنياً ضد زوجته المتهمة وكان من الطبيعي أن ينتهي أي حكم وبغير توقف على نوع بطلان التفتيش الذى جرى إلى القول بأن للزوجة صفة وبمفردها في غيابه، وليس للزوج أية صفة في التنازل عن مثل هذا الدفع الذي هو من شأن زوجته، والتى كانت وحدها متهمة في الدعوى .
وللإيضاح تفترض أن تفتيشها باطلاً وقع على مسكن يقطنه معاً بضعة أصدقاء بدون رضاء سابق من أي منهم، فإن أياً منهم يمكنه بداهة أن يدفع بالبطلان مادام متهماً في الدعوى، والتنازل عن الدفع بالبطلان من أي منهم يتصل به وحده فلا يتعداه إلى غيره حتى إذا كان متهماً في نفس الدعوى، ومن باب أولى إذا لم يكن متهماً فيها، كما هي الحال في واقعة الدعوى التى صدر فيها هذا الحكم .
أما إذا صدر رضاء سابق على التفتيش من واحد منهم فعندئذ يصح البحث في أثر هذا الرضاء السابق من أحد حائزي المكان الذي يجري فيه التفتيش الباطل في تصحيح هذا التفتيش ، وفي واقعة هذه الدعوى لم يكن هناك رضاء سابق بالتفتيش من الزوج ، وقد عنى بالحكم بابراز ذلك في أول قاعدة قررها عندما ذهب إلى ( أن الزوجة وهي تساكن زوجها وتحوز المنزل في غيبة من الصفة بوصف كون المنزل منزلها ما يخول لها الدفع ببطلان التفتيش الذى تتأذى من حصوله بغير رضاها وتضار بنتيجته مادام الزوج لم يكن قد رضى بالتفتيش قبل حصوله ) .
فمحرر الكلام كان في صفة الزوجة في التمسك بالبطلان وصفة الزوج في التنازل عنه والصفة من عناصر المصلحة، لأنها تمثل المصلحة الشخصية المباشرة من الدفع بالبطلان أو من التنازل عنه بحسب الأحوال وقد انتهى قضاء النقض كما انتهى قضاء الموضوع إلى توافر صفة الزوجة في الدفع ببطلان التفتيش وانتفاء صفة الزوج في التنازل عنه على أساس من الصواب .
بقيت بعد ذلك عبارة هامة وردت في الحكم الاستئنافي المطعون فيه يمكن أن تعتبر مزيداً منه رغم أهمية الفكرة التي تتضمنها هي عبارة ( أن الزوج، لا يملك بعدئذ أن يصحح بطلاناً معتبراً من النظام العام ) ولذا تستحق وقفة قصيرة عندها .
فأما أنها هامة فلأنها تتعرض لموضع بطلان التفتيش في بعض صوره وتصفه بأنه من النظام العام، رغم دلالة النصوص وأعمالها التحضيرية على ما بيناه آنفاً، ورغم استقرار قضاء النقض منذ مدة كافية على أن نسبي في كل صورة وأوضاعه .
أما أنها عبارة زائدة فلأن البحث كان يدور حول الصفة في الدفع بالبطلان لاحول نوع البطلان ، وشتان بين الأمرين ، فما دامت محكمة الموضوع قد نفت عن الزوج الصفة في الدفع به وأعطتها للزوجة وحدها في واقعة الدعوى التي كانت مطروحة ، فماذا كانت الجدوى إذا من وراء وصف هذا البطلان بأنه من النظام العام ؟ وهل مع انتفاء صفة الزوج في تصحيح هذا البطلان كان الحل سيتغير لو كان البطلان في تقدير المحكمة نسبياً فحسب ؟
الجواب ينبغي أن يكون بالسلب ، لأن انتفاء الصفة في تصحيح البطلان يحول دون إمكان تصحيحه سواء أكان مطلقاً أم نسبياً وأياً كان مصدره فانتفاء الصفة يحول دون إمكان البحث في قيمة التنازل ونوع البطلان، لأن هذا أو ذلك أمر يثار فحسب عند توافر الصفة ابتداء فيمن صدر منه عنه الرضاء بالتفتيش، أو التنازل عن الدفع ببطلانه .
ومحكمة النقض مرت على هذه العبارة الهامة في قضاء محكمة الموضوع مرور الكرام وبغير تعليق منها ، لأنها لاحظت ولاشك أن ورودها كان تزيداً، فلا يصح التعويل كثيراً على هذا الحكم في التعبير عن اتجاه حاسم ولا نهائي لقضاء النقض بمقتضى سياق الحديث وعباراته التى جعلت محور البحث هو الصفة في الدفع بالبطلان .
وإنما تعرضت محكمة النقض لنوع البطلان المترتب على مخالفة بعض قواعد التفتيش في حكم لا حق لهذا، وكان تعرضها في هذه المرة الأخيرة أكثر وضوحاً لكن يعوزه التوفيق في أكثر من جانب منه على ما سنوضح أسانيده حالاً .
حكم في سنة 1958 يشير إلى بعض قواعد التفتيش من النظام العام بغير أن يعينها
وفي تاريخ لاحق لما تقدم تعرضت محكمة النقض تعرضاً لازماً وصريحاً لموضوع البطلان المترتب على مخالفة قواعد التفتيش لأن الفصل في الطعن كان يقتضى هذا التعرض، فذهبت إلى أن هذا البطلان قد يكون نسبياً أحياناً ومطلقاً أحياناً بغير أن تعين أحوال هذا أو ذاك، أو تضع معياراً للتعيين . ويحسن أن نعرض قضاءها هذا تفصيلاً قبل التعليق عليه ، فقد قالت فيه .
1- أن الأحكام التي صرحت فيها هذه المحكمة بأن الدفع ببطلان التفتيش هو من الدفوع الموضوعية التى لا يجوز إثارتها لأول مرة أمامها لا يقصد بها على وجه التحقيق استبعاد التفتيش وجميع احكامه من حظيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام، بل لهذا القول علة أخرى هي أن مثل هذا الطلب يستدعي تحقيقاً وبحثاً في الواقع، وهو ما يخرج بطبيعته عن سلطة محكمة النقض، فإن كان ما جاء الحكم من الوقائع دالاً بذاته على وقوع البطلان حازت اثارته لأول مرة أمام محكمة النقض ولو لم يدفع به أمام محكمة الموضوع .
2- أن الشارع حاول تنظيم أحوال البطلان فيما أورده من قواعد عامة في المادة 331 وما بعدها من قانون الإجراءات الجنائية، فإن هذه النصوص تدل في عبارتها الصريحة على أن الشارع لم يحصر وما كان في مقدوره أن يحصر، والقوانين السياسية والإدارية والمالية والجنائية أبداً متغيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام، فذكر البعض من هذه المسائل في المادة 332 وترك للقاضي استنباط غيرها وتمييزها ما يعتبر منها من النظام العام وما هو من قبيل المصالح الخاصة التى يملك الخصوم وحدهم فيها أمر القبول من عدمه .
3- متى كانت غرفة الاتهام أمرها بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل المتهم الذي لم يحضر أمامها . لعدم كفاية الأدلة واستندت في ذلك إلى أن تفتيش المتهم قد وقع باطلاً قانوناً لصدوره بغير إذن من الجهة المختصة . وفي غير الحالات التى يجيز فيها القانون لمأمور الضبط التفتيش ، فلا يصح النعي عليها بأنها تجوزت في ذلك حدود سلطتها .
وهذا القضاء يقر مبدأ هاماً وجديداً إلى الحد الذى يقتضى عنده وقفه كافية، وهو هام لأنه متصل بضمانات الأفراد في التحقيق الابتدائي وبخاصة ضمانات التفتيش هو أخطر إجراءات بما تكفله من حماية الشخص المتهم ومسكنه، والتفتيش هو أخطر إجراءات التحقيق الابتدائي بعد الحبس الاحتياطي والقبض ومن أكثرها شيوعاً في العمل واتصالاً بحكم القانون في البحث عن الأدلة والاستدلال بها إذ كثير ما أدى بطلان التفتيش في العمد إلى بطلان ما أسفر عنه من أدلة ولو وصلت إلى حد قيام حالة التلبس وبالتالي إلى تبرئة المتهم .
وليس هناك أدنى شك في أن الحرص على حريات الناس وكفالة الضمانات المطلوبة لهم كان جلياً في هذا القضاء، بما ينبغي أن يذكر له بالثناء، لكن ليس هناك أدنى شك في الوقت نفسه في أنه لم يلتزم لا صريح النصوص ،ولا القضاء المستقر للمحكمة نفسها ، ومن هنا تظهر جديته .
فإما أنه لم يلتزم صريح النصوص ، فلأن المادة 333 تقتضي بالضرورة القول بنسبية البطلان المترتب على مخالفة قواعد جميع الاستدلالات والتحقيق بالجلسة عندما نصت على أن ( الحق في الدفع بهذا البطلان يسقط في الجنح والجنايات إذا كان للمتهم محام وحصل الاجراء بحضوره بدون اعتراض منه ) وعلى أنه ( لا يسقط في المخالفات إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة، ويسقط بالنسبة للنيابة ( في الجنايات والجنح والمخالفات معاً ) إذا لم تتمسك به في حينه .
قد حاول هذا الحكم الإستناد إلى المادة 332 عندما حددت أحوالاً معينة للبطلان اعتبرتها من النظام، ثم أضافت قائلة : ( أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام ) مفترضاً أن هذه العبارة الاخيرة قد يصح أن تنصرف إلى بعض صور بطلان التفتيش، لكن فاته أن هذه المادة الأخيرة – فحسب . بطلان إجراءات المحاكمة دون غيرها أما قواعد الاستدلال والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة فقد أخضعها الشارع لقاعدة موحدة وردت في المادة 333 دون غيرها .
وقد عرضنا فيما سبق تفصيلاً لما ورد في المذكرة الإيضاحية للنصوص وأعمالها التحضيرية مبينين كيف أن عباراتها، وترتيبها، وسياق الحديث فيها لا يثير شبهة نحو أي تأويل آخر .
وأما أن هذا الحكم لم يلتزم قضاء النقض المستقر، فلأن هذا الأخير قد استقر منذ سنة 1939 على نسبية جميع قواعد التفتيش وعلى عدم تعلقها بالنظام العام بما ترتبه هذه النسبية من آثار حتمية ينبغي أن نعرض لها من جديد في ضوء هذا الحكم وهي .
أولاً : أنه لا يجوز الدفع ببطلان التفتيش لأول مرة في النقض، وسواء أكان هذا الدفع يتطلب تحقيقاً في الموضوع أم لا يتطلبه، إذ أن عدم إبدائه أمام محكمة الموضوع يتضمن معنى التنازل عن إبدائه في الوقت المناسب وأمام الجهة المختصة به، وكانت محكمة النقض تقول في بعض أحكامها بأنه لا يجوز إبداؤه لأنه يتطلب تحقيقًا في الموضوع مما لا تختص به، ولكنها كانت في أحكام أخرى تقول بعدم جواز إبدائه اطلاقاً حتى ولو لم يستلزم هذا التحقيق، والمهم في النهاية هو عدم إمكان ابدائه في النقص بعد السكوت عنه أمام محكمة الموضوع، فهذا هو كل المطلوب للقول بأنه نسبي وليس مطلقاً .
ثانياً : أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضى به من تلقاء نفسها، ولا يجوز نفع به إلا من المتهم الذي جرى تفتيشه باطلاً دون غيره من المتهمين، حتى ولو تعلقت مصلحته بالبطلان، أما لو كان من النظام العام لجاز لأي متهم في الدعوى أن يتمسك به ، ولو كان هو غير المتهم الذي جرى تفتیشه باطلاً متى كان صاحب مصلحة في القضاء ببطلانه، ولجاز للمحكمة أن تقضى به من تلقاء نفسها بل عليها ذلك في الواقع وبغير حاجة للدفع به من أحد .
ثالثاً : أن الرضا بالتفتيش الباطل قبل حصوله يصححه، مع أنه لو كان من النظام العام لما كان لهذا الرضاء من قيمة ولا من أثر، لأنه كان سيصبح أمراً متصلاً بالصالح العام ومتضمناً معنى الإعتداء على هذا الصالح لا على حرمة إنسان معين .
وهذه النتائج الثلاث تتوقف كلها على القول بأن قواعد التفتيش نسبية ويتوقف عكسها تمام على القول بأنها من النظام العام، فأين قضاء النقض منها ؟ لقد بينا كيف أنه أخذ بها كلها في جملتها وتفاصيلها وبغير توقف منذ حوالي سنة 1939 ، لذا لا يبدو في محله قول الحكم محل هذا التعليق أن ( الأحكام التي صرحت فيها هذه المحكمة بأن الدفع ببطلان التفتيش هو من الدفوع الموضوعية التي لا يجوز إثارتها لأول مرة أمامها لا يقصد بها على وجه التحقيق استبعاد التفتيش وجميع أحكامه من حظيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام ) .
بل الواقع أن هذه الأحكام قصدت بالفعل استبعاد التفتيش وجميع أحكامه من حظيرة المسائل المتعلقة بالنظام العام، ورتبت على هذا الإستبعاد جميع النتائج التي تترتب عليه بالضرورة ، وبصورة لا يعوزها الوضوح، أياً كان مصدر البطلان وصورته وسببه ، لكن يتعذر على القضاء عادة أن يعترف صراحة بحصول التحول من إتجاه إلى آخر. إلا في القليل النادر حتى لا يظهر بمظهر التردد أو الإضطراب، ومهما كان التحول يظهر عند المقارنة واضحاً جلياً، وهذه على أية حال ظاهرة تلاحظ على سياسة القضاء عموماً، وقد لاحظناها في بلادنا عند تحول المحكمة نفسها في سنة 1939 من البطلان المطلق للتفتيش إلى بطلانه النسبي، فإنها لم تعترف به صراحة وإن رتبت عليه جميع أثاره المحتومة .
وها هي من جديد لا تعتبر به هنا، بل تسند حكمها هذا إلى قضائها السائد، بل وإلى عمل الشارع الذي لم يحصر. وما كان في مقدوره أن يحضر، والقوانين السياسية والإدارية والمالية والجنائية أبداً متغيرة ، المسائل المتعلقة بالنظام العام ! ...) وكأنه لا يملك أن يستبعد أية مسائل من حظيرة النظام العام وحتى ولو استبعدها بنص صريح واضح .
وقول الحكم محل التعليق الحالي أنه كان لاستبعاد جواز الدفع ببطلان التفتيش لأول مرة في النقض علة أخرى، وهي أن الدفع ببطلان التفتيش (يستدعي تحقيقًا في الوقائع وهو ما يخرج بطبيعته عن سلطة محكمة النقض قول صحيح، لكنه لا ينفي العلة الأولى لهذا الإستبعاد وهي أن البطلان كان في تقديرها نسبياً لا مطلقاً، لأنه إذا كانت العلة الوحيدة لهذا الاستبعاد هي القول الذي ساقة الحكم الحالي فكيف إذا يمكن تعليل النتائج الباقية ، مثل عدم جواز الدفع به إلا ممن وقع عليه التفتيش الباطل ، ومثل تصحيحه بمجرد الرضاء به ، أو بالتنازل عن الدفع به في حينه، أو بسقوط الحق في الدفع به إذا تم الإجراء الباطل في حضور محامي المتهم بدون اعتراض اعتراض منه كصریح نص المادة 333 إجراءات ؟
وهذه النتائج كلها مستقرة في قضاء النقض إستقرار عدم إمكان الدفع ببطلان التفتيش لأول مرة في النقض، وهي لها متلازمة ومترابطة إلى المدة الذي يحول دون إمكان الفصل بين بعضها والبعض الأخرين أي فقه متماسك صحيح .
بل إن مجرد قول محكمة النقض في السائد من قضائها أن الدفع ببطلان التفتيش لا يجوز أن يبدي لأول مرة في النقض يشير بذاته إلى أن هذا البطلان نسبي وليس مطلقاً، لأنه إذا كان مطلقاً، لكفى لإمكان الدفع به في النقض لأول مرة ألا يتطلب تحقيقاً في الموضوع، ولكفي لعدم قبوله في النقض أن تقرر محكمة النقض أنه يتطلب تحقيقاً في الموضوع ، لكن هذه الأخيرة لا تقرر ذلك فحسب، بل إنها تستلزم في السائد من أحكامها لإمكان التمسك به في النقض توافر شرطين مجتمعين :
الأول : ألا يتطلب إثبات الدفع تحقيقاً في الموضوع .
والثاني : أن يكون صاحب الشأن قد تمسك به بالفعل أمام محكمة الموضوع، فلم يدفع به لأول مرة في النقض .
وإذا كان استلزام الشرط الأول منهما لا ينبئ بذاته عن نوع البطلان، فإن استلزام الثاني ينبيء عن البطلان النسبي دون المطلق .
وقد جاء قضاء النقض المستقر هذا الصدد عاماً في عبارته، ومنصرفاً إلى جميع أحوال بطلان التفتيش، فلم يقل أن هناك أحوالاً يمكن الدفع بها لأول مرة في النقض إذا لم يتطلب تحقيقاً في الموضوع بل جاءت عباراته مقررة في غير تخصيص : أنه لا يمكن الدفع لأول مرة ببطلان التفتيش في النقض و ومن باب أولى إذا اقتضى الأمر تحقيقاً في الموضوع ، فكيف يمكن إذا التوفيق بين هذا القضاء السائد وبين هذا الحكم الأخير؟
أما الأحكام التي ذهبت إلى أن قواعد التفتيش تعد من النظام العام ، وإلى أن البطلان المترتب عليها مطلق، فكلها تقع خلال فترة محددة من الزمن انتهت بنهاية سنة 1938 .
ومنذ سنة 1939 توالت الأحكام التي تفيد على العكس من ذلك . أن قواعد التفتيش ليست من النظام العام، وأن مخالفتها ترتب بطلاناً نسبياً فحسب، ومرتبة على هذا القول جميع آثاره الحتمية ، بغير أية رغبة في عمل مغايرة من نوع منها و أخر .
وإذا صح أن هناك تفرقة هذا شأنها في أحكام النقض أو في التشريع أین نوع وأخر من قواعد التفتيش، فما هي أحوال البطلان المطلق وما هي أحوال البطلان النسبي ؟ إن حكماً واحداً قبل هذا الحكم لم يقل بوجود التفرقة أساساً، ولم يضع هذا الحكم ولا غيره . بالتالي لها معياراً ، وإن شارحاً واحداً ممن قالوا بوجودها لم يضع هذا المعيار حتى الآن ولا أشار إلي سنده في التشريع أو أحكام القضاء .
والإشارة إلى المادة 332 إجراءات لا تشفع شيئاً في هذا المقام، لأنها خاصة ببطلان إجراءات المحاكمة ومقصورة عليها - دون إجراءات التحقيق الإبتدائي التي تخضع للمادة 333 وحدها . والأعمال التحضيرية والمذكرات الإيضاحية لمشروعات المادتين لا تترك مجالاً لتأويل مخالف ، وقد بينا بما فيه الكفاية فيما سبق .
ثم هل كان في واقعة الدعوى التي فصل فيها هذا الحكم أي اعتداء صارخ على شخص المتهم أو مسكنه إلى الحد الذي يمكن معه القول بأن بطلان التفتيش ينبغي أن يعد فيها . أو مثلها فقط. من النظام العام ؟
يتضح من الحكم محل هذا التعليق أن الواقعة كانت تتحصل في أن الملازم أول .. استصدار أذناً من النيابة بتفتيش .. مسكنه ومن يتواجد به عند التفتيش لضبط ما يوجد من جواهر مخدرة أو أية ممنوعات في غضون عشرة أيام تبدأ من تاريخ صدور الإذن، وفي اليوم التالي مباشرة حرر الضابط محضراً أثبت فيه أنه بناء على هذا الإذن استقل هو البوليس الملكي .. وبعض رجال القوة سيارتين وصوبوا شطرهن إلى مقهى معين نما إلى علمهم تواجد المتهم فيه ، فلما وصلوا هذا المقهى علموا بأن المتهم كان قد غادره قبل وصولهم، ثم شاهدوا شخصاً آخر (المطعون ضده) يخرج من المقهى مسرعاً وفي حالة ارتباك، فقام بتفتيشه فعثر بجيب جلبابه العلوي الأيسر على الفساتين بداخلهما قطع يشتبه أن تكون حشيشاً، وأضاف إلى ذلك أنه سأل المتهم عن سبب إحراز المخدر فأنكر ملكيته له) .
وبعد أن استعرضت غرفة الإتهام التي أصدرت القرار المطعون فيه الوقائع انتهت إلى الوقائع بأن المتهم المطعون ضده لم يكن في حالة من حالات التلبس ... كما أن الدعوى قد خلت من الدلائل الكافية التي نصت عليها المادة 34 إجراءات والتي تبيح لمأمور الضبط القضائي أن يأمر بالقبض على المتهم إذا توافرت ضده تلك الدلائل .
وهذا القرار لا مطعن عليه . بداهة . من ناحية موضوعه ، وما تراه من بطلان تفتيش المتهم لعدم كفاية الدلائل التي أدت إلى القبض عليه وتفتيشه، فالخلاف بيننا ليس من هذه الناحية ، بل من ناحية أن المتهم المذكور لم يقدم أي دفع ببطلان التفتيش، ولم يحضر أصلاً أمام غرفة الإتهام، ومع ذلك أبطلت الغرفة التفتيش متطوعة على أساس أنه من النظام العام، وليس بحاجة لأن يدفع به حتى يقضى به، وأصدرت أمرها بالتالي بأنه لا وجه لإقامة الدعوى، فهذا هو وجه الإعتراض منا على الأمر المذكور وبالتالي على حكم النقض الذي رفض الطعن الموجه ضده .
وإجراء تفتيش المتهم رغماً إنتفاء التلبس أو الدلائل الكافية التي تبرره هو الصورة المالوفة لبطلانه ، وهو الصورة التي قضى في مثلها مراراً بين البطلان النسبي، وتفتیش شخص المتهم في مثلها لا ينطوي من الإعتداء على أكثر مما ينطوي عليه تفتيش منزله عندما يقع باطلاً عن نفس ظروف، فلم يكن في صورة هذه الدعوى أي وضع جديد أو إستثنائي يبرر الخروج على القضاء السائد والنصوص الواضحة .
ويكفي لإبراز هذا الخروج على نص المادة 333 أن نبين كيف أن المتهم لو كان حاضراً - ومعه محاميه - وغفل عن تقديم الدفع ببطلان تفتيشه لسقط حقه فيه، ولما أمكن لغرفة الاتهام أن تصدر قرارها ببطلان التفتیش، ثم بالأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، أما وقد غاب كلية . ولم يقدم أى دفع بالبطلان أمامها ، ولا في الأوراق . فقد أصبح من حقها أن تبطل نفس الإجراء من تلقاء نفسها وتأمر بالتالي بأن لا وجه لإقامة الدعوى .
وضع متناقض غريب يعطي للمتهم الغائب في ضوء هذا المبدأ من الضمانات، وفرص إبطال الأدلة المقدمة ضده، وما يتجاوز تلك التي تكون للمتهم الحاضر ولو كان معه محاميه، وتعطي لأية جهة قضائية أن تقضي من تلقاء نفسها ببطلان دليل لحساب متهم غائب لا تملك أن تقضى بمثله الحساب متهم حاضر، ما لم يدفع به في حينه . ويتمسك به صراحة . ويصر عليه حتى النهاية . ويعود للتمسك به من جديد في الإستئناف إذا كانت الدعوى تنظر على درجتين .
فهذه هي الضوابط التي وضعتها نفس المحكمة العليا للتمسك بأي دفع موضوعي أو قانوني مادام يتطلب تحقيقاً في الموضوع كالتفتيش، وهذه هي الضوابط التي وضعتها المادة 333 لجميع الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات والتحقيق الابتدائي والتحقيق بالجلسة عندما نصت على أنه يسقط الحق في الدفع بها إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه وعلى أنه في مواد مخالفات يعتبر الإجراء صحيحاً إذا لم يعترض عليه المتهم ولو لم يحضر معه محام فى الجلسة ، وعلى أنه كذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم يتمسك به في حينه .
بل كيف يتأنى التوفيق بين هذا الحكم وبين حكم آخرسابق له ببضعة أسابيع، وقد ذهبت إلى أنه متى كان المتهم الحاضر جميع إجراءات المحاكمة . قد قدم دفعه ببطلان التفتيش إلى غرفة الإتهام فعلاً معززاً بمذكرة تشرحه، لكنه غفل عن التمسك به من جديد أمام محكمة الموضوع فإنه لا يقبل منه إثارته أمام محكمة النقض .... فأي القضاءين يبدو أصدق تعبيراً عن حكم القانون في المادة 333 وعن قضاء النقض في ضوابطه المستقرة منذ سنة 1939 أننا نترك الجواب للقاريء ، لكن نسمح لأنفسنا أن نلاحظ . فحسب أن التوفيق بينها متعذر، وأنه إذا كان حكم 28 / 4 / 1958 يبدو منطقياً مع النصوص، ومع القضاء السائد، فإن حكم 3 / 6 / 1956 يبدو نشازاً وسط نغم متسق متماسك .
ولنفس هذه الأسباب يبدو لنا محل نظر أيضاً رأي آخر مقتضاه أن بطلان التفتيش يتعلق به في الوضع الحالي للتشريع (بالنظام العام إلا في حالة واحدة هي حالة واحدة هي حالة عدم حضور شاهدين في التفتيش الذي يجريه مأمور الضبط القضائي إذا لم يمكن حضور المتهم أو من ينيبه به فإنه يمكن أن توجه إليه نفس أوجه النقد التي وجهناها إلى هذا الحكم الأخير، وهي بعده عن الرأي الرأي المستقر، فضلاً عن انتفاء أساسه في التشريع بل لانتفاء حكمته .
فلماذا يتعلق بطلان التفتيش بالنظام العام في كل ضوابطه أحكامه إلا في حالة واحدة هي حالة عدم حضور شاهدين التفتيش الذي يجريه مأمور الضبط القضائي إذا لم يكن حضور المتهم أو من ينيبه به ؟ وما علة تخصيص مخالفة هذه القواعد الشكلية بخصم خاص من بين قواعده الأخرى الشكلية ؟ ولماذا لا تخضع مخالفة القواعد الشكلية فيه برمتها لقاعدة موحدة مع لزوم هذا التوحيد وقيامه على منطق واحد وحكمة مشتركة ؟ ثم أين السند في التشريع القائم لأية مغايرة حتى بين القواعد الشكلية للتفتيش وقواعده الموضوعية .
من كل ما تقدم يبين أن حكم 1958/6/3 . ومثله حكم 28 / 12 1964 - لم يلتزم النصوص . وهي صريحة . ولا الأوضاع القائمة وهي مستقرة على عكسه - بل ينبئ عن رغبة في التحرر من الأمرين معاً لبواعث لا يسمع المنصف إلا تسجيل ما تنطوي عليه من شعور الحرص على كفالة حرمات الأفراد على نمط أقوى مما يريد التشريع نفسه، فلم يكن اعتراضنا عليه من هذه الوجهة ، كلا بل من ناحية ما ذهب إليه من أنه يمثل حكم النصوص من جانب والقضاء المستقر من جانب آخر، وما قد يوجده من لبس في هذا الشأن .
فالأوضاع القانونية ينبغي أن تعرض كما هي كائنة بالفعل، وعلى علاقتها، سواء اتفقت من وجهة نظرنا فيما ينبغي أن تكون عليه من حال أم لم تتفق، والقول بأن وضعناً معيناً يمثل ۔ دون غيره . حكم التشريع القائم لا يفيد بذاته أنه هكذا ينبغي أن تكون فيه الحال دائماً، لكن ليس من حقنا أن تنكر وجوده لمجرد أننا غير راضين عنه، أولاً لأنه غير ملتئم من مذهبنا فيما ينبغي أن يكون عليه من حال .
والقول بأن مخالفة قواعد التفتيش ترتب في قانوناً المصري بطلاناً نسبياً ليس من مقتضاه القول بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، أو أن هذه النسبية تمثل الحد الأقصى لضمانات الأفراد التي ينبغي أن تحرض عليها الشرائع كافة كلا بل حبذا لو عدلت النصوص فأصبحت تسمح بالقول بأن مخالفة قواعد التفتيش ترتب بطلاناً مطلقاً، أو بالأقل ترتب هذه " البطلان عند مخالفة القواعد القانونية فيه، لما تتضمنه هذه المخالفة من معنى انتهاك حرمة المساكن أو الأشخاص، والإعتداء على كرامة الفرد وحقه الطبيعي في حياة موفورة الكرامة .
لكن إلى أن يتم تعديل كهذا إذا قدر له أن يتم يوماً فلا محل للقول بأن هذا هو حكم التشريع القائم، أو أنه يفرق بين أحوال يكون بطلان التفتيش فيها مطلقاً وأحوال أخرى يكون فيها نسبياً، بغير أن نجد فيه لهذه التفرقة ضابطاً ولا سنداً، وما يصدق على التشريع في هذا الشأن يصدق أيضاً على القضاء السائد فإنه وإن كان قد تطور فعلاً، إلا أن تطوره كان بين حقيبتين من الزمن، دون أن يفرق بين نوعين من القواعد التي تحكم بطلان التفتيش في وقت واحد .
هذا هو الوضع الحالي للتشريع وللقضاء السائد ، فهو يرتب على مخالفة قواعد التفتيش بطلاناً نسبياً فحسب، وأي قول آخر إنما يحاول أن فرض على النصوص أحكاما هي على النقيض منها، وعلى القضاء السائد لم يذهب إليه منذ يناير 1939 وقبل الحكم موضوع التعليق الحالي .
أما قول بعض الشراح بأن هذا الرأي الذي نقول به يؤدي إلى الهروب من مواجهة المشكلة الحقيقية في بطلان التفتيش وهي الإجابة على السؤال الآتي (متى يكون بطلان التفتيش مطلقاً ومتى يكون نسبياً) فهو يتضمن مصادرة على المطلوب تقوم على : افتراض مشكلة غير قائمة، ثم على محاولة إثبات الشيء بالشيء نفسه أو على إثباته بعبارات لا تغني كثيراً في الإقناع العلمي ، كالقول بأن هذا الرأي الذي ندافع عنه . وعكسه أيضاً هو (الوهم الذي يتعلق به البعض ويستريحون إليه عندما يظنون أن كل قواعد التفتيش وأحكامه من طبيعة واحدة) فلا ندري وأيم الحق هل الوهم هو التقيد بصريح النصوص ومذكراتها الإيضاحية وأعمالها التحضيرية والقضاء السابق عليه واللاحق لها، أم هو أن نتجاهل كل ذلك ونفترض وجود التفرقة افتراضاً، ثم نسكت عن بيان أي معيار لها ، كي ما ننسب المسئولية في هذا السكوت إلى عجز الجميع، والتشريع أيضاً .
إن هذا العجز المسند إلى التشريع لو صح وجوده لكان أدعى إلى إنكار التفرقة إلى إلا إفتراض وجودها، لكننا نطمئن مخالفينا في الرأي إلى أن الشارع لم يعجز هنا، وأن المعايير سهلة في وضعها ، لكن كيف تسند إلى عمل من شارع أو من قاض إذا كان عمل القاضي منذ سنة 1939 وعمل الشارع منذ نسبة سنة 1939 وعمل الشارع منذ سنة 1950 ينطقان - لمن يريد أن يسمع . برغبة تقرير البطلان النسبي للتفتيش عند مخالفة جميع أحكامه وأوضاعه، فيما خلا الأحكام النادرة جداً التي تحدثنا عنها آنفاً .
هذه هي المشكلة ، أما وضع معيار للتفرقة . وحكمته متوافرة إذا ما أريد له أن يوضع . فليس من المشكلة في شيء ، أن عدلت النصوص الحالية ، وألغيت أعمالها التحضيرية ومذكراتها الإيضاحية ، أو بالأقل إن بقيت هذه على حالها ، لكن ألغيت قواعد التأويل المعروفة ، ومعها ضوابط التمييز بين البطلان المطلق والنسبي كما استقر عليها الرأي في بلادنا والخارج .
عن بعض الأحكام اللاحقة
وفي الواقع يبدو أن بعض الأحكام اللاحقة لسنة 1985 بدأ يغالب من جديد فكرة البطلان النسبي في صور تتفاوت في دلالتها ، أو في عبارات تتفاوت في مدى وضوحها ، ومن ذلك مثلاً ما قضى به من :
أنه يوجد فرق بين الدفع ببطلان إذن التفتيش، وبين الدفع ببطلان إجراءاته، وإذا كان الطاعن لم يدفع ببطلان إجراءات التفتيش أثناء المحاكمة، فإنه لا يجوز إبداؤه لأول مرة أمام محكمة النقض، لأنه في حقيقته دفع موضوعي، ولا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض .
وأنه متى كانت المحكمة قد استخلصت في حدود السلطة المخولة لها أن رضاء الطاعنين بالتفتيش كان صريحاً غير مشوب، وكان غير لازم أن يكون الرضاء ثابتاً بالكتابة ، فإن المجادلة في ذلك أمام محكمة النقض لا تصح، ويكون الحكم سليماً فيما انتهى إليه من رفض الدفع ببطلان التفتيش .
إن الدفع ببطلان التفتيش لحصوله على صدور إذن النيابة يجب إبداؤه في عبارة صريحة تشمل بيان المراد منه، فلا يغني في هذا الأمر شيئاً أن يقول الدفاع (ولماذا توجيه السيد الشاهد السيد للسيد المحامي العام لاستصدار هذا الإذن ؟ إن المسألة موضوع تقييم من المحكمة، وأن الإذن . مشكوك في أمر صدوره) فإن هذه العبارة المرسلة لا تفيد الدفع ببطلان التفتيش لحصوله قبل صدوره إذن النيابة الذي يجب إبداؤه في عبارة صريحة تشتمل على بيان المواد منه ، وبطبيعة الحال إذا كان البطلان مطلقاً فإن مجرد إبداء الدفع غير لازم فمن باب أولى إبداؤه بمثل هذه العبارة التي وصفتها محكمة النقض بأنها عبارة مرسلة وغير كافية للدلالة على التمسك بالدفع بالبطلان .
وفي نفس الحكم أيضاً أنه لا يقبل من أوجه الطعن إلا ما كان متصلاً بشخص الطاعن، وكان له مصلحة فيه، ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعنون من الثاني إلى الخامس في شأن بطلان الطاعن الأول يكون غير مقبول .
ومن المسلم به أيضاً في قضاء النقض المعاصر أنه لا يقبل الدفع ببطلان التفتيش أو الإذن لأول مرة أمام محكمة النقض، وهذه النتيجة يمكن تعليلها . بالإضافة إلى نسبية أمثال هذه الدفوع بأنها دفوع قانونية مختلطة بالواقع، وتقتضي بالتالي تحقيق موضوعياً تنحصر عنه وظيفة محكمة النقض .
وسبق أن بينا كيف أن الإعتداد برضاء صاحب الشأن بالتفتيش الباطل ، وما يحدثه من أثر صحيح هذا التفتيش، لا يلتئم إلا مع القول بأن البطلان هنا نسبي ولو أنصب على قاعدة موضوعية من قواعد التفتيش، وبصرف النظر عن كيفية إثبات صدور هذا الرضاء غير المشوب بخوف، أو بجهل بملابسات التفتيش .
فهذا القضاء ما هو إلا امتداد صريح للقضاء الذي كان قد استقر قبل صدور تقنين الإجراءات الحالي عن نسبية أثر بطلان التفتيش والذي أيده هذا التقنين فيما بعده .
ما يعد من قواعد الاختصاص من النظام العام :
هذا وقد اعتبرت محكمة النقض قواعد الإختصاص الجنائي من حيث أشخاص المتهمين من النظام العام، كما تعتبر كذلك من النظام العام قواعد الإختصاص المتعلق بالولاية، الإختصاص النوعي بنص صريح في قانون الإجراءات (م 332)، من ثم يجوز التمسك بالبطلان المترتب على مخالفتها في أية حال تكون عليها الدعوى، وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب .
أما بالنسبة لقواعد الإختصاص المكاني فقد ترددت في شأنها الأحكام، فقد ذهب القديم منها إلى أنها ليست من النظام العام وأجاز للخصوم التنازل عنها صراحة أو ضمناً، كما ذهب بعضها إلى انه إذا صدر حكم من محكمة جزئية في دعوى تابعة لاختصاص محكمة جزئية آخری فلا يعد مخالفاً للنظام العام، طالما كانت المحكمتان تابعتين لمحكمة ابتدائية واحدة هي تلك التي تنظر استئناف هذا الحكم .
إلا أن البعض الآخر من القضاء مال بعد ذلك إلى القول بأن قواعد - الإختصاص المكاني تعد أيضاً من النظام العام فأجاز التمسك بها في أية حالة كانت عليها الدعوى، كما أجاز الدفع بالبطلان المترتب على مخالفتها لأول مرة أمام محكمة النقض، ولو انه استلزم عندئذ أن يكون الدفع مستنداً إلى الوقائع الثابتة بالحكم غير مستلزم تحقيقاً موضوعياً .
لكن المستفاد من قانون الإجراءات الحالي أن البطلان بسبب عدم إختصاص المحكمة من حيث المكان لا ينبغي أن يعد من النظام العام، وذلك لأن المادة 332 منه اعتبرت ضمن أحوال البطلان المتعلق بالنظام العام عدم ولاية المحكمة في الدعوى، وعدم اختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروض عليها، ولم تشر عدم الإختصاص من حيث المكان، قد ورد صراحة في المذكرة الإيضاحية لهذه المادة عدى الاختصاص من حيث المكان من بين أحوال البطلان النسبي .
ومن رأينا أن الحكمة منتفية في إعتبار قواعد الإختصاص المكاني من النظام، إذا روعي أن مخالفتها لا تحرم المتهم من أية ضمانة خاصة بتشكيل المحكمة، أن بإجراءات نظر الدعوى ، أو بحقوق الدفاع، أو بطريق الطعن في الحكم الصادر .. وهذا ما لا يتحقق عند مخالفة قواعد الإختصاص المتعلق بالأشخاص، أو بالولاية ، أو بالنوع ، حيث قد يكون التفاوت ضخماً في جميع هذه مما يقتضى القول بالبطلان ويتعلق أيضاً بالنظام العام . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 182 )
فالمادة 332 تنص على أنه (إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها، أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام، جاز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى، وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب).
المصلحة عند بطلان التشكيل أو عند عدم الإختصاص
سبق أن أشرت إلى أن المادة 332 إجراءات تنص على أنه (إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها، أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام، جاز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى، وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب).
وهذا النص لم يتعرض لأحكام البطلان بالنسبة لجميع إجراءات المحاكمة والتحقيق النهائي، بل اقتصر على تنظيم البطلان في ثلاث حالات فحسب :
(أ) عند عدم تشكيل المحكمة تشكيلاً صحيحاً .
(ب) عند عدم الاختصاص المتعلق بالولاية .
(ج) عند عدم الاختصاص النوعي .
والبطلان عندئذ من النظام العام، بما يرتبه هذا البطلان من جواز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى، أي ولو لأول مرة في النقض، ومن حق المحكمة بل من واجبها أن تقضي به ولو بغير طلب .
ومن صور عدم تشكيل المحكمة تشكيلاً صحيحاً : جلوس القاضي الذي فصل في الدعوى أمام المحكمة الجزئية في الدائرة الاستئنافية عند الفصل في الاستئناف المرفوع عن نفس الحكم الصادر منه، وتشكيل محكمة جنايات من ثلاثة أعضاء أحدهم فقط مستشار والباقيان من رؤساء المحاكم الابتدائية أو وكلائها . واشتراك قاض في - عمل القضاء بعد تبليغه بقرار قبول الاستقالة، أو النقل، أو إحالته إلى المعاش ... أو جلوس قاض للفصل في دعوى مع أنه سبق أن باشر فيها عملاً من أعمال التحقيق، أو الإتهام، أو الدفاع . أو رغم قرابته لأحد الخصوم إلى الدرجة الرابعة .. أو إذا توافر غير ذلك من صور موانع نظر الدعوى، أو التعارض مع وظيفة القضاء ... حتى إذا لم يقم أحد دعوی برد القاضي طبقاً للمادة 148 من قانون المرافعات المدنية والتجارية .
لكن المستفاد من قانون الإجراءات أن البطلان بسبب عدم إختصاص المحكمة من حيث المكان لا يعد من النظام العام . وذلك لأن المادة 332 منه اعتبرت من ضمن أحوال البطلان المتعلق بالنظام العام - على ما بيناه - عدم ولاية المحكمة بالحكم في الدعوى وعدم اختصاصها من حيث نوع الجريمة المفروضة عليها، ولم تشر إلى عدم الإختصاص من حيث المكان، وهو ما يفيد - بمفهوم المخالفة - أن هذا الأخير ليس كذلك . هذا فضلاً عن أنه قد ورد في المذكرة الإيضاحية لهذه المادة بين أحوال البطلان النسبي صراحة .
ومع ذلك يبدو أن محكمة النقض لا زالت مصرة على إعتبار إختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى من جهة المكان من مسائل النظام العام التي يجوز التمسك بها في أية حالة كانت عليها الدعوى، إلا أن التمسك بها في النقض مشروط بأن يكون مستندة إلى وقائع أثبتها الحكم وألا يقتضي تحقيقاً موضوعياً .
لكن إذا كان التمسك بالبطلان المترتب على مخالفة قواعد الإختصاص النوعي يتطلب توافر مصلحة للطاعن لإمكان الدفع به في النقض رغم أنه من النظام العام، ألا يتطلب ذلك أيضاً الدفع بالبطلان المترتب على مخالفة قواعد الاختصاص المكاني ؟ وأية مصلحة هنا يمكن أن يتمسك بها الطاعن عندما تفصل في دعواه محكمة أخرى غير محكمة مكان وقوع الجريمة أو محل إقامته، أو القبض عليه .
قد تكون الإجابة سلباً - حسب هذا المنطق - تكن يرد على ذلك بأن المصلحة في الدفع بكل بطلان متعلق بالنظام العام مفترضة لا سبيل إلى نفيها ، وهذا فارق هام بين البطلان المطلق، وبين البطلان النسبي الذي قد يلحق مخالفة القواعد المتعلقة بصالح شخصي لأحد الخصوم، لذا فإن محكمة النقض متي سلمت أن قاعدة أو أخرى متعلقة بالنظام العام - كقاعدة الإختصاص النوعي أو المكاني - فينبغي أن ترتب عليها نتيجتها المنطقية ، وهي إمكان الدفع بالبطلان المترتب على مخالفتها لكل خصم في الدعوى، وذلك بصرف النظر عن البحث فيما يكون قد لحق مصلحته الخاصة من ضرر، فالضرر يكون عندئذ مفترضاً لا سبيل إلى نفيه، ولا حاجة لإثباته .
لكنها فيما يبدو لا تسير في حدود هذا المنطق الدقيق حتى النهاية ، بدلالة ما قضت به من عدم قبول الطعن المؤسس على مخالفة قواعد الاختصاص النوعي لانتفاء مصلحة الطاعن فيه ذلك رغم تسليمها بأن قواعد الإختصاص النوعي من النظام العام . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 319 )
ويبدو أن أحكامنا المصرية مستقرة على قاعدة البطلان الذاتي .
وبغير حاجة إلى نص . كلما الإجراء جوهرياً منذ أيام قانون تحقيق الجنايات ، وقد أقرها صراحة قانون الإجراءات في المادة 331 عندما نص على أنه ( يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري ) ، لكنة عين من نفس الوقت أحوالاً أخرى للبطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري ، بل عین نوع البطلان - في أحوال كثيرة - مبیناً مدى تعلقه بالنظام العام، لمبدئه فحسب وذلك، كما فعل في المادتين 332، 333 اللتين تتعرض لحكمهما فيما بعد ، ويهمنا أن نبين بوجه خاص بطلان التفتيش .. فهل هو متعلق بالنظام العام أو نسبي متعلق بمصلحة المتهمين وحدهم .
وذلك أن الرأي قد جرى في نطاق البطلان على التمييز بين نوعين منه : المطلق والنسبي، كما جرى في بلادنا فقهاً وقضاء علي إطلاق وصف المطلق على البطلان المتعلق بالنظام العام والنسبي على ذلك المتعلق بمصلحة الخصوم، هذا الإطلاق غير دقيق في الواقع لأن البطلان المطلق ليس مرادفاً للبطلان المتعلق بالنظام العام لكن لا ضرر منه في النهاية ، حيث أن معيار النظام العام هو المعيار السائد لتمييز البطلان المطلق عن النسبي .
هذا من وجهة أولى ومن وجهة أخرى إن البطلان المطلق يلتقي مع البطلان المتعلق بالنظام العام في خصائصة الرئيسية، فعلى المحكمة أن تقضي بأيهما من تلقاء نفسها، ويجوز الدفع بأيهما في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة في النقض، ويجوز لكل ذي مصلحة الدفع بها، ولا يصححهما الرضاء بالإجراء الباطل قبل إجرائه، ولا التنازل عن الدفع بالبطلان بعد إجرائه بالفعل، ولما كانت أحكام القضاء قد جرت على إطلاق الوصفين : مطلق ومتعلق بالنظام العام كمترادفين يحل أي منهما محل الآخر : لذا سنحذو حذوها ، حتى لا نبعد بالقارئ عن نطاق البحث القضائي الذي حددناه لهذا الفصل بالدخول في مساجلات نظرية عقيمة قد لا تلزمنا هنا .
البطلان المطلق والنسبي :
أما التمييز بين البطلان المطلق والنسبي فهو تمييز هام يرتب آثاراً عملية خطيرة في إجراءات التقاضي الجنائي : فحين يجوز الدفع بالبطلان المطلق في أية حالة كانت عليها الدعوى . لا يجوز الدفع لأول مرة بالبطلان النسبي فيه، حتى ولو لم يتطلب تحقيقاً في الموضوع .
وحين يجوز الدفع بالبطلان المطلق من كل ذي مصلحة فيه . ويجوز لمحكمة الموضوع بل عليها أن تقضي به من تلقاء نفسها ولا يجوز الدفع بالبطلان النسبي إلا ممن كان ضحية الإجراء الباطل وحده، ولا يجوز لأية جهة قضائية أن تقضى به من تلقاء نفسها .
وحين لا يحول الرضاء بالاجزاء الباطل بطلاناً مطلقاً دون البطلان، إذ بهذا الرضاء إذا صدر من صاحب الصفة فيه يصحح الإجراء الباطل بطلاناً نسبياً .
وهذه الفروق ليست مسائل خلافية ، بل يعرفها كل فقه - وقضاء . يعرف التفرقة بين البطلان المطلق والنسبى ، سواء في نطاق الإجراءات الجنائية، والمرافعات المدنية، فكل بطلان منهما يرتب تلقائياً أثاراً منها معينة بالذات. على النحو الذي وضحناه . ويرتب عكسه عكسها تماماً بغير تداخل بين النوعين، وقد نصت على هذه التفرقة صراحة بعض الشرائع كقانون الإجراءات الإيطالي سنة 1913، إنما الأمر الوحيد الذي يصح أن يكون مثار خلاف بين الشرائع والشراح هو في تعيين نوع البطلان الذي يصح أن يلحق مخالفة إجراء معين سواء أمست هذه المخالفة مشروعيته أم طريقة القيام به . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول ، الصفحة : 165)
البطلان المطلق
البطلان المطلق هو البطلان المتعلق بالنظام العام، وقد نصت عليه وحددت حالاته وبينت خصائصه وأحكامه المادة محل التعليق .
حالات البطلان المطلق :
بين المشرع حالات البطلان المطلق، فأشار إلى مخالفة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة، وأحكامه المتعلقة بولايتها بالحكم في الدعوى، وأحكامه المتعلقة باختصاصها النوعي. وهذا البيان لم يرد عليه سبيل الحصر، وإنما ورد على سبيل المثال، ولذلك أضافت إليه المذكرة الإيضاحية أمثلة أخرى، فأشارت إلى مخالفة الأحكام المتعلقة بعلانية الجلسات، وتسبيب الأحكام، وحضور مدافع عن المتهم بجناية، وأخذ رأي المفتي عند الحكم بالإعدام، وإجراءات الطعن في الأحكام. وعلى الرغم من هذه الإضافة التي جاءت بها المذكرة الإيضاحية، فما زال بيان حالات البطلان المطلق على سبيل المثال فحسب .
وقد أبان ذلك النص حكم مخالفة الإجراءات المتعلقة بالنظام العام، بيد أنه لم يضع تعريفاً دقيقاً لتلك الإجراءات أو ضابطاً يحددها ويمكن تعريفها بأنها ما كان هدف المشرع منها أساساً تحقيق العدالة لصالح الجماعة ولم يكن الغرض منها ابتداء صالح الخصوم، وأنه وإن أسفرت تلك الإجراءات عن صالح لهم فإنما يتأتى هذا تبعاً لمصلحة المجتمع .
ويترتب على اعتبار إجراء ما متعلقاً بالنظام العام أنه يجوز لأي الخصوم في الدعوى أن يدفع بالبطلان عند مخالفته، وفي أية حالة كانت عليها الدعوى حتى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض بل على المحكمة إذا تبينت ذلك البطلان أن تقضي به من تلقاء نفسها بغير تعليق هذا على طلب من جانب الخصوم. ومتى تقرر بطلان الإجراء استتبع بطلان ما ترتب عليه إذ أن ما يبنى على الباطل يعد بدوره باطلاً . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 516 )
جاء بتقرير لجنة الإجراءات الجنائية لمجلس الشيوخ «نصت هذه المادة على البطلان المتعلق بالنظام العام وقالت أنه يجوز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى وللمحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك به الخصوم وقد ذكرت من هذا النوع البطلان الناشئ من عدم تشكيل المحكمة تشكيلاً قانونياً أو عدم ولايتها أو إختصاصها من حيث نوع الجريمة ثم قالت أو غير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام وهذا يدل على أن الأحوال التي ذكرت على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر وضربت المذكرة الإيضاحية أمثلة أخرى منها الأحكام الخاصة بعلنية الجلسات وبتسبيب الأحكام وحرية الدفاع وحضور مدافع عن المتهم في الجنايات أو أخذ رأي المفتي عند الحكم بالإعدام وإجراءات الطعن في الأحكام فقد أبان بذلك النص حكم مخالفة الإجراءات المتعلقة بالنظام العام بيد أنه لم يضع تعريفاً دقيقاً لتلك الإجراءات أو ضابطاً يحددها ويمكن تعريفها بأنها ما كان هدف المشرع منها أساساً تحقيق العدالة لصالح الجماعة ولم يكن الغرض منها إبتداء صالح الخصوم وأنه إن أسفرت تلك الإجراءات عن صالح لهم فإنما يتأتي هذا تبعاً لمصلحة المجتمع .
ويترتب على اعتبار إجراء ما متعلقاً بالنظام العام أنه يجوز لأي الخصوم في الدعوى أن يدفع بالبطلان عند مخالفته وفي أية حالة كانت عليها الدعوى حتى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض بل علی المحكمة إذا تبينت ذلك البطلان أن تقضي به من تلقاء نفسها بغير تعليق هذا على طلب من جانب الخصوم ومتى تقرر بطلان الإجراء استتبع بطلان ما ترتب عليه إذ أن ما يبنى على الباطل يعد بدوره باطلاً .
ويترتب على اعتبار إجراء ما متعلقاً بالنظام العام أنه يجوز لأي الخصوم في الدعوى أن يدفع بالبطلان عند مخالفته وفي أية حالة كانت عليها الدعوى حتى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض بل علی المحكمة إذا تبينت ذلك البطلان أن تقضي به من تلقاء نفسها بغير تعليق هذا على طلب من جانب الخصوم ومتى تقرر بطلان الإجراء استتبع بطلان ما ترتب عليه إذ أن ما يبنى على الباطل يعد بدوره باطلاً . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 376 )
القواعد الخاصة بالاختصاص النوعى والشخصى :
إن قواعد الاختصاص النوعى من النظام العام . وهذا المبدأ متفق عليه فقهاً وقضاءاً ومؤيد بالتشريع الوضعى . فتوزيع الاختصاص بحسب جسامة الجريمة هو أمر يتعلق بتحقيق العدالة الجنائية ومن ثم كان متعلقاً بالنظام العام . ويترتب على ذلك أن مخالفة قواعده يترتب عليها البطلان المطلق ولا يجوز التنازل عنه . ويجب أن تقضى به المحكمة من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك به الخصوم ويجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض بشرط أن تكون عناصره ثابتة بمدونات الحكم ولا تحتاج إلى تحقيق موضوعى .
وقد نص المشرع صراحة في المادة 332 على أنه إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام، جاز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها. ويترتب على ذلك أنه يتعين على المحكمة أن تقضي به قبل التعرض لنظر الدعوى. فإذا كانت المحكمة لم تبين ذلك إلا بعد تحقيق الدعوى فعليها أن تحكم أيضاً بعدم الاختصاص باستثناء محكمة الجنايات كما سنرى في موضعه، وإذا دفع بعدم الاختصاص يجب على المحكمة أن يفصل في الدفع قبل الدفوع الأخرى. وإذا كانت المحكمة - لتحقيق الدفع - يتعين عليها أن تنظر الموضوع فيجوز لها أن تفصل بحكم واحد باختصاصها وبالفصل في الموضوع إذا رأت عدم الأخذ بالدفع .
أما الاختصاص المتعلق بشخص المتهم فلم يرد به نص صريح وأن كان المشرع قد أورد في المادة 332 عبارة «أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام» وهي عبارة تسمح بأن تعتبر من النظام العام قواعد أخرى غير التي وردت صراحة بمتن المادة سالفة الذكر. ولا شك أن المشرع حين ينص على أن محكمة معينة تختص دون غيرها بمحاكمة أشخاص توافرت لديهم ظروف خاصة بشخصية إنما يفعل ذلك لاعتبارات تتعلق بالصالح العام لسير العدالة الجنائية ومن ثم وجب اعتبار هذه القواعد من النظام العام خاصة وأن المشرع حدد إجراءات خاصة واجبة الإتباع أمام هذه المحاكم . وعليه فإن مخالفة القواعد الخاصة بمحاكم الأحداث أمام محكمة الأحداث يترتب عليه البطلان المتعلق بالنظام العام ويجوز التمسك به في أية مرحلة كانت عليها الدعوى كما لا يجوز التنازل عنه وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسه. ولذلك فقد اعتبرت محكمة النقض إن قواعد الاختصاص عموماً في المواد الجنائية من النظام العام بحيث يجوز إثارة الدفاع بمخالفتها لأول مرة أمام محكمة النقض متى كانت عناصر المخالفة ثابتة بالحكم .
والبطلان المطلق هو الذي يترتب على مخالفة القواعد الخاصة والإجراءات الجوهرية المتعلقة بالنظام العام .
البطلان المطلق :
وهذا النوع من البطلان نص عليه المشرع في المادة 332 معبراً عنه بالبطلان لسبب متعلق بالنظام العام، وقد تحدث المشرع عن بعض أنواع القواعد المتعلقة بالنظام العام بنص المادة 332 وهي القواعد المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها .
ولكن ما هو معیار تعلق القاعدة بالنظام العام في غير الأحوال التي أشار إليها المشرع؟ - أن المعيار الذي يحتذى به في ذلك هو المصلحة التي أراد المشرع تحقيقها بالقاعدة الإجرائية .
ذلك أن كل قاعدة إجرائية إنما ينص عليها المشرع حماية لمصلحة معينة. ولذلك فإن الضابط السليم في هذا المجال هو الاعتداد بالمصلحة المبتغاة من القاعدة. فإذا كانت هذه المصلحة تتعلق بضمان حسن سير وفاعلية الجهاز القضائي لتحقيق العدالة الجنائية كانت القاعدة متعلقة بالنظام العام. ولذلك يندرج تحت تلك القواعد ما يتعلق بعلانية الجلسات وسرية التحقيق الابتدائي والقواعد الخاصة بتسبيب الأحكام وطرق الطعن فيها. كما أن احترام وضمان حقوق الدفاع منها ما يتعلق بالنظام العام إذا كان المشرع لم يراع في غايته القريبة مصلحة للخصم وإنما أراد تحقيق الصالح العام في وجوب تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه، ولذلك إذا وجد المشرع في أحوال معينة أن حق الدفاع لا يجب أن يترك تقديره للمتهم وإنما يتعين كفالته قانونياً حتى رغم إرادة المتهم فهنا تكون المصلحة المراد تحقيقها هي مصلحة عامة وليست مصلحة خاصة بالمتهم، ومثل ذلك وجوب تعيين مدافع للمتهم في جناية أمام محكمة الجنايات، وأيضاً وجوب الاستجواب قبل الحبس الاحتياطي، كما يعتبر متعلقاً بالنظام العام القواعد الخاصة بتحريك الدعوى العمومية من قبل النيابة العامة ومباشرتها لها .
الأحكام الخاصة بالبطلان المطلق :
يتميز البطلان المطلق بالأحكام الآتية :
( أ ) جواز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض. إلا أن الدفع به لأول مرة أمام محكمة النقض يتطلب ألا يحتاج الفصل فيه إلى تحقيق موضوعي وهو ما يخرج عن اختصاص محكمة النقض .
(ب ) أن تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها ودون حاجة إلى طلب من الخصوم .
( ج ) يجوز التمسك به أو الدفع به من قبل أي خصم ودون اشتراط قيام المصلحة كشرط للدفع بمعنى أنه يجوز للخصم الدفع به ولو لم تكن له مصلحة مباشرة في تقرير البطلان .
( د ) عدم قابليته للتصحيح عن طريق رضاء الخصم الصريح أو الضمني بالإجراء الباطل .
غير أن البطلان المطلق رغم ذلك يصحح إذا كان الإجراء الباطل قد حقق الغرض المقصود منه رغم عدم مراعاة أحكامه، ومثال ذلك أن يحضر محامي المتهم بجناية أمام محكمة الجنايات رغم رفض المحكمة التأجيل أو تعيين مدافع أخر، أو أن يتطوع أحد المحامين الحاضرين بالجلسة للدفاع عن المتهم في جناية أمام محكمة الجنايات رغم عدم تعيينها محامياً للدفاع عنه أو أن يقضى القاضي الجنائي بعدم قبول الدعوى المدنية رغم أنه لا ولاية له بنظرها. ذلك أن التصحيح هنا يتحقق عن طريق إجراء جديد بعدم فاعلية البطلان الذي شاب الإجراء الباطل ويؤدي إلى إحداث الأثر الذي أراد المشرع تحقيقه .
( هـ ) لا يجوز الدفع بالبطلان المطلق إذا كان سبب البطلان راجعاً إلى خطأ الخصم أو كان قد ساهم فيه. فلا يجوز للمدعي المدني أن يدفع بعدم اختصاص القاضي الجنائي بالفصل في الدعوى المدنية التي رفعها أو أن يدفع المتهم بالإخلال بحقه في الدفاع لعدم استجوابه قبل الحبس الاحتياطي إذا كان هو قد امتنع عن الإجابة على الأسئلة التي وجهها إليه المحقق في الاستجواب . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 682 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العشرون ، الصفحة / 305
ذِكْرُ السَّبَبِ فِي الدَّعَاوَى الْجِنَائِيَّةِ:
لَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ ذِكْرِ السَّبَبِ فِي الدَّعْوَى الْجِنَائِيَّةِ، فَفِي دَعْوَى الْقَتْلِ مَثَلاً يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقَتْلِ وَهَلْ هُوَ عَنْ عَمْدٍ أَوْ عَنْ خَطَإٍ، وَإِلاَّ فَإِنَّ الدَّعْوَى لاَ تَكُونُ صَحِيحَةً حَتَّى يُصَحِّحَهَا صَاحِبُهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَائِتَ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ لاَ يُعَوَّضُ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِشَيْءٍ لاَ يُمْكِنُ رَدُّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَلأَِنَّ الأَْحْكَامَ الصَّادِرَةَ فِي هَذِهِ الدَّعَاوَى تَتَعَلَّقُ بِالأُْصُولِ الَّتِي جَاءَ الإِْسْلاَمُ لِحِفْظِهَا، وَهِيَ الدِّيْنُ وَالنَّفْسُ وَالْعَقْلُ وَالنَّسْلُ وَالْمَالُ، فَلاَ يَجُوزُ التَّهَاوُنُ فِي أَمْرِهَا، وَلأَِنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ تُدْفَعُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَدَمُ التَّفْصِيلِ فِي دَعْوَاهَا يُورِثُ شُبْهَةً، فَلاَ تُقْبَلُ .