يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوي الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشئ المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعوي التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلي فاعلها ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني علي إنتفاء التهمة أو علي عدم كفاية الأدلة ، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً علي أن الفعل لا يعاقب عليه القانون .
يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوي الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشئ المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعوي التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلي فاعلها ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني علي إنتفاء التهمة أو علي عدم كفاية الأدلة ، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً علي أن الفعل لا يعاقب عليه القانون .
1- مؤدى المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية، 102 من قانون الإثبات أن الحكم الصادر في المواد الجنائية لا تكون له حجية ملزمة في الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان قد فصل فصلًا لازماً في وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفي الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله فإذا فصلت المحكمة الجنائية بحكم بات في هذه المسائل امتنع على المحاكم المدنية مخالفة الحكم الجنائي فيما سبق له الفصل فيه وتقتصر هذه الحجية على منطوق الحكم الصادر بالإدانة أو بالبراءة وعلى أسبابه المؤدية إليه بالنسبة لما كان موضوع المحاكمة دون أن تلحق الحجية الأسباب التي لم تكن ضرورية للحكم بهذه البراءة أو الإدانة .
( الطعن رقم 8872 لسنة 92 ق - جلسة 29 / 6 / 2025 )
2- مفاد نص المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 102 من قانون الإثبات ـــ وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض ـــ أن الحكم الصادر فى المواد الجنائية لا تكون له حجية فى الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان فصل فصلاً لازماً فى وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفى الوصف القانونى لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله ، وأن مفهوم الحجية بمعناه آنف البيان مقصور على منطوق الحكم بالبراءة أو بالإدانة بالنسبة لمن كان موضع محاكمة وعلى الأسباب التى لا يقوم الحكم بدونها ولا تمتد الحجية إلى الأسباب التى لم تكن لازمة لقضائه بهذه البراءة أو تلك الإدانة , وأن ما لم تنظر فيه المحكمة بالفعل لا يمكن أن يكون موضوعاً لحكم يحوز قوة الأمر المقضى .
( الطعن رقم 6959 لسنة 76 - جلسة 2013/07/02 )
3- إن مؤدى نص المادة 265 من قانون الإجراءات الجنائية أنه إذ ترتب على الفعل الواحد مسئوليتان جنائية ومدنية ، ورفعت دعوى المسئولية المدنية أمام المحكمة المدنية فإن رافع الدعوى الجنائية سواء قبل رفع الدعوى المدنية أو أثناء السير فيها يوجب على المحكمة المدنية أن توقف السير فى الدعوى المرفوعة أمامها إلى أن يتم الفصل نهائياً فى الدعوى الجنائية وهذا الحكم متعلق بالنظام العام ويجوز التمسك به فى أية حالة تكون عليها الدعوى ، ويعتبر نتيجة لازمة لمبدأ تقيد القاضى المدنى بالحكم الجنائي فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانونى ونسبتها إلى فاعلها والتى نصت عليها المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 435 لسنة 70 - جلسة 2009/02/09 - س 60 ص 284 ق 46 )
4- المقرر - فى قضاء محكمة النقض - أن مؤدى نص المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 102 من قانون الإثبات أن الحكم الصادر فى المواد الجنائية لا تكون له حجية فى الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان قد فصل فصلاً لازماً فى وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفى الوصف القانونى لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله ، وأن حجية الحكم الجنائي الصادر فى الدعوى الجنائية بالبراءة لا يمنع المحكمة المدنية من البحث فيما إذا كان الفعل مع تجرده من صفة الجريمة يُعتبر إهمالاً جسيماً إذ يجوز أن يكون هناك خطأ مدنى دون أن يوجد خطأ جنائى .
( الطعن رقم 5630 لسنة 75 - جلسة 2007/05/20 - س 58 ص 745 ق 131 )
5- مؤدى نص المادة 1/265 من قانون الإجراءات الجنائية أنه إذ ترتب على الفعل الواحد مسئوليتان جنائية ومدنية ، ورفعت دعوى المسئولية المدنية أمام المحكمة المدنية فإن رفع الدعوى الجنائية سواء قبل رفع الدعوى المدنية أو أثناء السير فيها يوجب على المحكمة المدنية أن توقف السير فى الدعوى المرفوعة أمامها إلى أن يتم الفصل نهائياً فى الدعوى الجنائية وهذا الحكم متعلق بالنظام العام ويجوز التمسك به فى أية حالة تكون عليها الدعوى ، ويعتبر نتيجة لازمة لمبدأ تقيد القاضى المدنى بالحكم الجنائي فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانونى ونسبتها إلى فاعلها والتى نصت عليهاالمادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية ، وأن مؤدى نص المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية ، 102 من قانون الإثبات أن الحكم الصادر فى المواد الجنائية تكون له حجيته فى الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية كلما كان قد فصل فصلاً لازماً فى وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفى الوصف القانونى لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله ومتى فصلت المحكمة الجنائية فى هذه الأمور فإنه يمتنع على المحاكم المدنية أن تعيد بحثها ويتعين عليها أن تعتبرها وتلتزمها فى بحث الحقوق المدنية المتصلة بها كى لا يكون حكمها مخالفاً للحكم الجنائي السابق له .
( الطعن رقم 11471 لسنة 75 - جلسة 2007/05/14 - س 58 ص 415 ق 72 )
6- المقرر – فى قضاء محكمة النقض – أنه ولئن كان الحكم الجنائي يقيد القضاء المدنى فيما يتصل بوقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم إلا أن هذه الحجية لا تثبت على ما يستفاد مننص المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 406 من القانون المدنى إلا للأحكام النهائية الفاصلة فى موضوع الدعوى الجنائية دون غيرها من الأوامر والقرارات الصادرة من سلطات التحقيق لأن هذه القرارات لا تفصل فى موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو الإدانة وإنما تفصل فى توفر أو عدم توفر الظروف التى تجعل الدعوى صالحة لإحالتها إلى المحكمة للفصل فى موضوعها ومن ثم فلا تكتسب تلك القرارات أية حجية أمام القضاء المدنى ويكون له أن يقضى بتوفر الدليل على وقوع الجريمة أو على نسبتها إلى المتهم على خلاف القرار الصادر من سلطة التحقيق .
( الطعن رقم 1818 لسنة 73 - جلسة 2005/04/17 - س 56 ص 379 ق 67 )
7ـ المقرر – وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض – أن مؤدى نص المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية أنه لا يكون للحكم الجنائي قوة الشئ المحكوم به أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان باتاً لا يجوز الطعن فيه بالاستئناف أو بالنقض إما لاستنفاد طرق الطعن فيه أو لفوات مواعيده .
( الطعن رقم 3715 لسنة 73 - جلسة 2005/03/17 )
8- لما كانت الدعوى الجنائية قد فصل فيها من محكمة أول درجة بحكم نهائي لعدم استئناف النيابة العامة له، وكان الحكم المطعون فيه قد قضى فى استئناف المدعي بالحقوق المدنية بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى تأسيسا على أن المطعون ضده ليس هو الفاعل للجريمة المطلوب التعويض عنها، فإن الحكم بهذه المثابة يمس أسس الدعوى المدنية مساسا يقيد حرية القاضي المدني، ومن ثم يعد منهيا للخصومة على خلاف ظاهرة لأن المحكمة المدنية سوف تتقيد حتما بقوة الأمر المقضي للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية وفق المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية التي يعمل بحكمها لدى المحاكم المدنية - وليس لدى المحاكم الجنائية وهي تنظر الدعوى المدنية بالتبعية للدعوى الجنائية - مما لازمه القضاء برفض الدعوى المدنية دون إعادة بحث عناصر الجريمة، فإن الطعن فى هذا الحكم يكون جائزاً .
(الطعن رقم 223 لسنة 62 جلسة 2002/01/05 س 53 ص 32 ق 5)
9- من المقرر أن المحاجة بقوة الأمر المقضي للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية فى موضوع الدعوى الجنائية لا تكون وفق المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية إلا لدى المحاكم المدنية، وليس لدى المحاكم الجنائية نفسها وهي تنظر الدعوى المدنية بالتبعية للدعوى الجنائية. وإذا خالف أركان الجريمة فى حق المطعون ضده متقيداً بالحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون مما يعيبه ويوجب نقضه والإعادة فى خصوص الدعوى المدنية مع إلزام المطعون ضده بالمصاريف المدنية .
( الطعن رقم 13409 لسنة 61 - جلسة 2000/10/08 - س 51 ص 595 ق 115 )
10- النص فى المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية على أن "يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية فى موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية فى الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعليها- ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو عدم كفاية الأدلة ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون"، والنص فى المادة 102 من قانون الإثبات على أن "لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا فى الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله ضروريا" مفاده أن حجية الحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية فى موضوع الدعوى الجنائية أمام المحكمة المدنية مقصورة- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- على منطوق الحكم بالبراءة أو بالإدانة بالنسبة لمن كان موضوع محاكمة وعلى الأسباب التي لا يقوم الحكم بدونها ولا تمتد الحجية إلى الأسباب التي لم تكن لازمة لقضائه بهذه البراءة أو تلك الإدانة وأن ما لم تنظر فيه المحكمة بالفعل لا يمكن أن يكون موضوعاً لحكم يحوز قوة الأمر المقضي .
( الطعن رقم 5219 لسنة 62 - جلسة 2000/03/26 - س 51 ع 1 ص 474 ق 84 )
11ـ النص فى المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 102 من قانون الإثبات -مفاده- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- أن الحكم الجنائي تكون له حجية فى الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية طالما كان قد فصل فصلاً لازماً فى وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية، وفى الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله فإذا فصلت المحكمة الجنائية فى هذه الأمور يمتنع على المحكمة المدنية أن تعيد بحثها ويتعين عليها أن تعتد بها وتلتزمها فى بحث الحقوق المدنية المتعلقة بها لكي لا يكون حكمها مخالفاً للحكم الجنائي السابق له، وكان الثابت من الحكم الصادر فى قضية الجنحة رقم ......... لسنة 1994 مصر الجديدة أن المطعون ضدها أقامتها ضد الطاعن بطريق الإدعاء المباشر، لإتهامه لها بإرتكاب جريمة الزنا وطلبت عقابة بعقوبة البلاغ الكاذب، وقد حكمت محكمة الجنح ببراءته مما أسند إليه، فإن مؤدى ذلك أن المحكمة الجنائية لم تفصل فى الاساس المشترك بين الدعويين الجنائية ودعوى التطليق المطروحة، لأن قوام الأولى ثبوت كذب الوقائع المبلغ عنها وأن يكون الجاني عالماً بكذبها ومنتوياً السوء والإضرار بالمجني عليه، وقوام الثانية طبقاً للمادتين 9 ، 14 من شريعة الروم الأرثوذكس- التي ينتمي إليها طرفي الدعوى- هو التصدع الجسيم فى الحياة الزوجية الذي يستحيل معه استمرارها على طالب الطلاق، والهجر من جانب أحد الزوجين عن قصد سئ مدة ثلاث سنوات، مما لا حجية معه للحكم الجنائي فى هذا الخصوص .
( الطعن رقم 435 لسنة 66 - جلسة 2000/03/21 - س 51 ع 1 ص 443 ق 79 )
12- مؤدى النص فى المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 102 من قانون الاثبات ان مناط حجية الحكم الجنائي ليست وحدة الموضوع فى الدعويين لأن موضوع الدعوى الجنائية دائما هو عقاب المتهم وهو ما لا شأن للمحاكم المدنية به وانما مناط الحجية ان الفعل غير المشروع ذاته الذى اقيمت الدعوى الجنائية طلباً للعقاب عنه هو ذاته الذى اقيمت الدعوى المدنية لتقرير المسئولية المدنية عنه فاذا كان الفعل غير المشروع الذى نشأ عنه اتلاف المنقولات ورفعت عنه الدعوى الجنائية هو بذاته الفعل الذى نسبه المؤجر الى المستأجر على انه استعمال للمكان المؤجر ادى الى الاضرار بسلامة المبنى، فان الحكم الجنائي الذى يفصل فى وقوع هذا الفعل ونسبته الى فاعله يكون حجة فى دعوى اثبات الضرر بصرف النظر عن ان الدعوى الجنائية رفعت طلباً للعقاب عن اتلاف المنقولات بينما دعوى اثبات الضرر تخص سلامة المبنى لانه لا عبرة باختلاف الضررين ما دام انهما ناشئان عن فعل واحد، لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق ان المطعون ضده قد رفع الدعوى ابتداءً بطلب اثبات الضرر الذى اصاب المبنى نتيجة ترك الطاعن لصنابير المياه مفتوحة مما اسقط سقف السندرة الواقعة اسفل عين النزاع وهذا الفعل ذاته هو الذى حوكم عنه الطاعن فى المخالفة 803 لسنة 1988 دمياط لان سقوط ذلك السقف اتلف منقولات للمطعون ضده فحكمت المحكمة الجنائية ببراءته لان الفعل المنسوب للطاعن لم يثبت لان الشقة كانت فى السنة السابقة مغلقة ولم يستهلك مياهاً او كهرباء، فان الحكم الجنائي يكون قد فصل فصلاً لازماً فى الاساس المشترك بين الدعويين، واذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر واقام قضاءه على ان موضوع الدعوى الجنائية كان عن تلف المنقولات فى حين ان موضوع الدعوى الراهنة قد اتسع الى طلب التعويض عن الاضرار التى حاقت بالمبنى فإنه يكون قد اخطأ فى تطبيق القانون .
( الطعن رقم 2929 لسنة 65 - جلسة 2000/01/17 - س 51 ع 1 ص 130 ق 20 )
13- مفاد نص المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 102 من قانون الإثبات فى المواد المدنية والتجارية أن الحكم الجنائي تكون له حجية أمام المحاكم المدنية كلما فصل فصلا لازما فى وقوع الفعل المكون الأساسي المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفى الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله، ولا تكون له قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان باتا لا يقبل الطعن فيه إما لاستنفاذ طرق الطعن الجائزة فيه أو لفوات مواعيدها .
( الطعن رقم 4208 لسنة 68 - جلسة 1999/12/07 - س 50 ع 2 ص 1244 ق 245 )
14- مفاد نص المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 102 من قانون الإثبات - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن الحكم الجنائي تكون له حجيته فى الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية كلما كان قد فصل فصلاً لازماً فى وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين المدنية والجنائية وفى الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله، وأن ما لم تنظر فيه المحكمة بالفعل لا يمكن أن يكون موضوعاً لحكم يحوز قوة الأمر المقضي .
( الطعن رقم 345 لسنة 68 - جلسة 1999/04/20 - س 50 ع 1 ص 535 ق 106 )
15- لما كان من المقرر أن شرط الحكم بالتعويض المدني رغم القضاء بالبراءة الا تكون البراءة قد بنيت على عدم حصول الواقعة أصلا ، أو على عدم صحتها أو عدم ثبوت اسنادها الى المتهم ، لأنه فى هذه الأحوال لا تملك المحكمة أن تقضي بالتعويض على المتهم اعتباراً بأن قوام المسئوليتين الجنائية والمدنية كلتيهما هو ثبوت حصول الواقعة وصحة نسبتها إلى مقارفها ، فإن الحكم المطعون فيه وقد إنتهى الى عدم ثبوت نسبة الاتهام إلى المطعون ضدهما لم يكن فى وسعه إلا القضاء برفض الدعوى المدنية ، مهما كانت جسامة الضرر الذي تدعيه الطاعنة .
( الطعن رقم 4038 لسنة 55 - جلسة 1986/01/22 - س 37 ع 1 ص 127 ق 27 )
16- متى كان الثابت أن قضاء الحكم المطعون فيه برفض الإدعاء بتزوير المخالصة موضوع الإدعاء بالتزوير لم يكن لازماً للفصل فى وقوع الفعل المكون لجريمة إصدار شيك بدون رصيد - الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية - أو فى الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله، بل هو أمر ارتأت المحكمة تحقيقه كظرف مخفف فى تقدير العقوبة، ومن ثم فليس للقضاء فى هذا الشق حجية فى الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية - فإن مصلحة الطاعن فى الطعن فيه تكون منعدمة .
( الطعن رقم 691 لسنة 43 - جلسة 1974/05/13 - س 25 ع 1 ص 470 ق 100 )
17- إن المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية تجيز للمدعي بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر من المحكمة الجزئية فى المخالفات والجنح فيما يختص بحقوقه المدنية وحدها إن كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً، وحقه فى ذلك قائم لأنه مستقل عن حق النيابة العامة وعن حق المتهم لا يقيده إلا النصاب، ومتى رفع استئنافه كان على المحكمة الاستئنافية أن تعرض لبحث عناصر الجريمة من حيث توافر أركانها وثبوت الفعل المكون لها فى حق المتهم من جهة وقوعه وصحة نسبته إليه لترتب على ذلك آثاره القانونية غير مقيدة فى ذلك بقضاء محكمة أول درجة، ولا يمنع من هذا كون الحكم فى الدعوى الجنائية قد حاز قوة الأمر المقضي، لأن الدعويين - الجنائية والمدنية - وإن كانتا ناشئتين عن سبب واحد، إلا أن الموضوع فى كل منهما يختلف عنه فى الأخرى مما لا يمكن معه التمسك بحجية الحكم النهائي .
( الطعن رقم 65 لسنة 47 - جلسة 1977/05/29 - س 28 ع 1 ص 651 ق 137 )
18- من المقرر قانوناً أن الأحكام لا تحوز حجية الأمر المقضي إلا فى نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق بذات الحق محلاً وسبباً، وأن القاضي المدني لا يرتبط بالحكم الجنائي إلا فى الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضرورياً، ومن ثم فإن قضاء الحكم المطعون فيه بعدم توافر الخطأ فى حق المطعون ضدهم لا يقيد المحكمة المدنية ولا يمنعها من القضاء للطاعنين بالتعويض بناء على أسباب قانونية أخرى متى توافرت عناصره .
( الطعن رقم 1266 لسنة 43 - جلسة 1974/02/03 - س 25 ع 1 ص 80 )
19- إذ كان الثابت من الأوراق أن الطاعنة أقامت دعواها بطلب الحكم ببطلان وشطب العلامة التجارية رقم 224297 على منتجات الفئة " 6 " الخاصة بالطاعنة في حين أن حكم محكمة النقض وحكم المحكمة الإدارية العليا سالفي البيان خاص بالعلامتين التجاريتين رقمي 233319 ، 274733 محل منتجات الفئة " 16 " ومن ثم فلا يحوزا حجية الأمر المقضي به في تلك الدعوى ، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون قد طبق صحيح القانون .
( الطعن رقم 4838 لسنة 89 ق - جلسة 23 / 2 / 2020 )
20 - المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن مؤدى نص المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية ، 102 من قانون الإثبات " أن الحكم الصادر فى المواد الجنائية تكون له حجية فى الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية كلما كان قد فصل فصلاً لازماً فى وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفى الوصف القانونى لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله ومتى فصلت المحكمة الجنائية فى هذه الأمور فإنه يمتنع على المحاكم المدنية أن تعيد بحثها ويتعين عليها أن تعتبرها وتلتزمها فى بحث الحقوق المدنية المتصلة بها كى لا يكون حكمها مخالفة للحكم الجنائى السابق له " .
( الطعن رقم 19514 لسنة 85 ق - (الدائرة المدنية والتجارية) - جلسة 27 / 12 / 2021 )
21 - المُقرر – في قضاء هذه المحكمة – أنَّ مُؤدى نص المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية، 102 من قانون الإثبات أنَّ الحُكمَ الصادرَ في المواد الجنائية لا تكون له حُجية مُلزمة في الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية، إلَّا إذا كان قد فصل فصلًا لازمًا في وُقوع الفعل المُكوِّن للأساس المُشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية، وفي الوصف القانوني لهذا الفعل، ونسبته إلى فاعله. فإذا فصلت المحكمة الجنائية بحُكمٍ باتٍ في هذه المسائل، امتنع على المحاكم المدنية مُخالفة الحُكم الجنائي فيما سبق له الفصل فيه. وتقتصـر هذه الحُجية على منطوق الحُكم الصادر بالإدانة أو بالبراءة، وعلى أسبابه المُؤدية إليه بالنسبة لِمَا كان موضوع المُحاكمة، دُون أنْ تلحق الحُجية الأسباب التي لم تكن ضرورية للحُكم بهذه البراءة أو الإدانة. لمَّا كان ذلك، وكان قضاء المحكمة الجنائية ببراءة المُتهم من تُهمة تبديد مبلغ نقدي، لانتفاء رُكن التسليم، ليست له حُجية أمام المحكمة المدنية بشأن التزامه بالوفاء بذلك المبلغ، طالما قدَّم الدائن الدليل على ثُبوت هذا الدَين، وعَجَزَ المدين عن نفيه. وكان الثابتُ من مُدونات الحُكم المطعون فيه أنَّ الحُكمَ الصادرَ في الجُنحة رقم .... لسنة ٢٠١٣ جُنح مُستأنف بنها، قد قضـى ببراءة المطعون ضده من تُهمة تبديد مبلغ "ثلاثمائة ألف" جُنيه، اتهمه الطاعن بأنَّه تسلَّمه منه على سبيل الأمانة، على سندٍ من تشكك الحُكم في صِحة تسلُّم المطعون ضده لذلك المبلغ، ولم يتطرق لبحث واقعة المديونية في ذاتها؛ إذ إنَّ الفصل في هذه الواقعة ليس ضروريًا ولا لازمًا للفصل في الجريمة المُسندة إلى المُتهم؛ ومِن ثَمَّ فإنَّ حُكمَ البراءة المُشار إليه لا تكون له حُجية في هذا الخُصوص أمام المحاكم المدنية، ولا يمنع هذه الأخيرة من بحث مدى التزام المطعون ضده بالوفاء بذلك المبلغ، إذا ما قدَّم الطاعنُ دليلًا على ثُبوت هذه المديونية، وعجز المطعونُ ضده عن نفيها. وإذ خَالفَ الحُكمُ المطعونُ فيه هذا النظر، وأقام قضاءه برفض دعوى الطاعن، تقيدًا بحُجية الحُكم الجنائي، الصادر ببراءة المطعون ضده من تُهمة تبديد ذلك المبلغ؛ فإنَّه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، وشابه القُصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، وهُو ما يعيبه ويُوجب نقضه، على أنْ يكون مع النقض، الإحالة.
( الطعن رقم 8426 لسنة 87 ق - (الدائرة المدنية ) - جلسة 2 / 2 / 2023 )
22- مؤدى نص المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية 102 من قانون الإثبات أن الحكم الصادر في المواد الجنائية لا تكون له حجية ملزمة في الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان قد فصل فصلاً لازماً في وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفي الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله ، فإذا فصلت المحكمة الجنائية بحكم بات في هذه المسائل امتنع على المحاكم المدنية مخالفة الحكم الجنائي فيما سبق له الفصل فيه وتقتصر هذه الحجية على منطوق الحكم الصادر بالإدانة أو بالبراءة وعلى أسبابه المؤدية إليه بالنسبة لما كان موضوع المحاكمة دون أن تلحق الحجية الأسباب التي لم تكن ضرورية للحكم بهذه البراءة أو الإدانة .
( الطعن رقم 21316 لسنة 88 ق - جلسة 18 / 2 / 2024 )
23- مؤدى نص المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية و 102 من قانون الإثبات أن الحكم الصادر في المواد الجنائية تكون له حجية في الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية، كلما كان قد فصل فصلًا لازمًا في وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفي الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله، ومتى فصلت المحكمة الجنائية في هذه الأمور، فإنه يمتنع على المحاكم المدنية أن تعيد بحثها ويتعين عليها أن تعتبرها وتلتزمها في بحث الحقوق المدنية المتصلة بها كي لا يكون حكمها مخالفًا للحكم الجنائي .
( الطعن رقم 5131 لسنة 93 ق - جلسة 21 / 5 / 2024 )
24- إذا ترتب على الفعل الواحد مسئوليتان جنائية ومدنية ورُفعت دعوى المسئولية أمام المحكمة المدنية، فإن رفع الدعوى الجنائية سواء قبل رفع الدعوى المدنية أو أثناء السير فيها يُوجب على المحكمة المدنية عملاً بنص الفقرة الأولى من المادة 265 من قانون الإجراءات الجنائية أن توقف السير في الدعوى المرفوعة أمامها إلى أن يتم الفصل نهائياً في الدعوى الجنائية، وإذ كان هذا الحُكم يتعلق بالنظام العام ويُعتبر نتيجة لازمة لمبدأ تقيُد القاضي المدني بالحُكم الجنائي فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها والذى نصت عليه المادة 456 من ذلك القانون والمادة 102 من قانون الإثبات، فإنه يتأدى منه بالضرورة أن يكون قيام الدعوى الجنائية في هذه الحالة مانعاً قانونياً من مُتابعة السير في إجراءات خصومة الدعوى المدنية التي يجمعها مع الدعوى الجنائية أساس مُشترك، وإذا رُفعت الدعوى المدنية ثم صدر حُكم بوقفها إعمالاً لما يُوجبه القانون في هذا الصدد، فإن من أثر هذا الحُكم القطعي أن يمتنع الخصوم عن اتخاذ أي إجراء يستهدف به مُعاودة عرض الخصومة على المحكمة قبل زوال المانع القانوني .
( الطعن رقم 1579 لسنة 90 ق - جلسة 25 / 9 / 2024 )
25- مفاد نص المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية، 102 من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 أنَّ الحُكم الصادر في المواد الجنائية تكون له حجيته قِبَل الكافة وأمام المحكمة المدنية كلما كان قد فصل فصلاً لازماً في وقوع الفعل المُكوِّن للأساس المُشترك بين الدعويين المدنية والجنائية وفي الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله، فإذا فصلت المحكمة الجنائية في هذه الأُمور وأسَّست قضاءها ببراءة قائد السيارة من تهمة القتل أو الإصابة الخطأ على السبب الأجنبي، وكان فصل الحُكم الجنائي في سبب وقوع الحادث لازماً لقضائه بالبراءة، فتكون له قُوة الشيء المحكوم فيه أمام المحاكم المدنية فيمتنع عليها أنْ تُعيد بحثها ويتعيَّن عليها أنْ تتقيد بها وتلتزمها في بحث الحُقوق المدنية المُتصلة بها كي لا يكون حُكمها مُخالفاً للحُكم الجنائي السابق صُدوره .
( الطعن رقم 22577 لسنة 89 ق - جلسة 25 / 9 / 2024 )
26- مؤدى نص المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية و 102 من قانون الإثبات أن الحكم الصادر في المواد الجنائية لا تكون له حجية ملزمة في الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان قد فصل فصلاً لازماً في وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفى الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله فإذا فصلت المحكمة الجنائية بحكمٍ باتٍ في هذا المسائل امتنع على المحاكم المدنية مخالفة الحكم الجنائى فيما سبق له الفصل فيه وتقتصر هذه الحجية على منطوق الحكم الصادر بالإدانة أو البراءة وعلى أسبابه المؤدية إليه بالنسبة لما كان موضوع المحاكمة دون أن تلحق الحجية الأسباب التي لم تكن ضرورية للحكم بهذه البراءة أو الإدانة .
( الطعن رقم 10866 لسنة 91 ق - جلسة 19 / 1 / 2025 )
27- النصُّ في المادة 265 من قانون الإجراءات الجنائية على أنَّه: "إذا رُفعت الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية، يجب وقف الفصل فيها حتى يُحكم نهائيًّا في الدعوى الجنائية المقامة قبل رفعها أو في أثناء السير فيها..." يدلُّ على أنَّ المشرعَ ارتأى كنتيجة لازمة لمبدأ تقيُّد القاضي المدني بالحكم الجنائي في الموضوع المشترك بين الدعويين، وهو وقوع الجريمة ونسبتُها إلى فاعلها، وفقًا للمادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية، والمادة 102 من قانون الإثبات أنَّه يتعيَّن على المحكمة المدنية وقف الدعوى أمامها انتظارًا للحكم النهائي الصادر في الدعوى الجنائية، طالما أُقيمت الدعوى الجنائية قبل أو أثناء سير الدعوى المدنية، وطالما توافرت وحدة السبب بأن تكون الدعويان ناشئتين عن فعلٍ واحد، وأن يتحقَّق ارتباطٌ بينهما يقتضي أن يترقَّب القاضي المدني صدورَ حكمٍ نهائي في الدعوى الجنائية، لتفادي صدور حكمَيْن مختلفَيْن عن ذات الواقعة من محكمةٍ جنائية وأخرى مدنية، وهذه القاعدة متعلِّقة بالنظام العام، ويجوز التمسك بها في أيَّة حالة تكون عليها الدعوى، ولو لأوَّل مرة أمام محكمة النقض .
( الطعن رقم 6687 لسنة 94 ق - جلسة 23 / 7 / 2025 )
حجية الحكم الجنائى على الدعوى المدنية :
تمهيد : نصت على حجية الحكم الجنائى على الدعوى المدنية المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية فى قولها « يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوي الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشئ المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعوي التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلي فاعلها ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني علي إنتفاء التهمة أو علي عدم كفاية الأدلة ، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً علي أن الفعل لا يعاقب عليه القانون » .
وتردد هذه الأحكام - في إيجاز، وإن كانت تكملها - المادة 102 من قانون الإثبات التي نصت على أنه « لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضرورياً » .
علة حجية الحكم الجنائي على الدعوى المدنية : ليس من الصحيح القول بأن للحكم الجنائي قوة على الدعوى المدنية فينهيها وينطق بالكلمة الأخيرة فيها، فهذه القوة تفترض - على ما أسلفنا – وحدة الدعويين ( الدعوى التي صدر فيها الحكم والدعوى التي يحتج فيها بقوة هذا الحكم ) وما تقتضيه هذه الوحدة من اتحاد في الأطراف والموضوع والسبب ، ذلك أن بين الدعويين الجنائية المدنية - وإن اتحدتا في المنشأ – اختلافاً في هذه العناصر جميعاً وإنما الصحيح القول بأن للحكم الجنائي حجية على القاضي المدني بحيث يرتبط به في نطاق معلوم، فيمتنع عليه أن يقضي بما يخالفه، ولكنه يبقى حراً فيما عدا هذا النطاق ويعني ذلك عدم جواز تفسير الحجية بالعلة التي تستند إليها «قوة الشئ المحكوم فيه» .
وإنما يفسر حجية الحكم الجنائي على الدعوى المدنية رجحان أهمية الدعوى الجنائية التي تتصل بالنظام العام وتتناول سواء من حيث الحقوق التي تحميها والحقوق التي تنصرف إليها آثار الحكم الصادر فيها - الحياة والحرية والمال على الدعوى المدنية التي تحمي مصالح خاصة ولا يتجاوز موضوعها وآثارها الحقوق المالية وهذا الرجحان يجعل من غير السائغ - من حيث المنطق القانوني والمصلحة الاجتماعية - أن يقرر الحكم الجنائي أمراً فينقضه القاضي المدني، كأن يقرر إدانة المتهم وتوقيع عقوبة عليه ثم يرفض القاضي المدني الحكم بالتعويض عليه مقرراً أنه لم يرتكب جريمة، أو أن يقرر الحكم الجنائي براءة المتهم ثم يحكم عليه القاضي المدني بالتعويض مقرراً أنه قد ارتكب الجريمة، ويفسر هذه الحجية كذلك فعالية وسائل الإثبات التي يحوزها القاضي الجنائي بالقياس إلى ما يحوزه القاضي المدني: فالقاضي الجنائي يمارس دوراً إيجابياً ويبحث عن الحقيقة بنفسه، وتعاونه في ذلك النيابة العامة، ولديه وسائل تحقيق فيها قهر وجبر، أما القاضي المدني فدوره أقل إيجابياً، ويقتصر على فحص ما يقدمه إليه أطراف الدعوى من أدلة ويعني ذلك أن الحكم الجنائي يرجح فيه أن يكون قد استظهر الحقيقة وتكشفها تماماً، فمن غير السائغ بعد ذلك أن يأتي القاضي المدني بوسائله المحدودة فينقض ما قرره القاضي الجنائي .
مجال تطبيق قاعدة الحجية : مجال تطبيق هذه القاعدة أن يكون ثمة حكم جنائي قد صدر، ودعوى مدنية لم يفصل فيها بعد : فالحجية للحكم الجنائي، وما يتقيد بها هو القضاء المدني. ويعني ذلك أنه لا وجود للحجية» في المجال المقابل، أي لا حجية للحكم المدني على الدعوى الجنائية، وقد نصت على ذلك المادة 457 من قانون الإجراءات، فقررت أنه «لا تكون للأحكام الصادرة من المحاكم المدنية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها». وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا أقام المضرور من الجريمة دعواه بطلب التعويض أمام المحكمة المدنية فقضت برفضها مؤسسة رفضها على أن الجريمة لم ترتكب أو أنه لم يثبت لها أن المدعى عليه هو الذي ارتكبها، فإن هذا الحكم لا يحول بين النيابة العامة وإقامة الدعوى الجنائية ضد هذا الشخص، ولا يحول بين المحكمة الجنائية وإدانته من أجل هذه الجريمة ويعلل إنكار حجية الحكم المدني على الدعوى الجنائية ما قدمناه من أن القاضي المدني يفصل في مصالح خاصة ويحوز وسائل إثبات محدودة الفعالية، فلا يجوز أن يكون لقضائه حجية على القاضي الجنائي، ويعلل كذلك بأن غياب النيابة العامة في الدعوى المدنية يجعل من المتصور تواطؤ المجني عليه والمتهم كي يحصل الأخير على حكم مدني لمصلحته، فلو كانت لهذا الحكم حجيته على المحكمة الجنائية التزمت - خلافاً لعقيدتها التي كونتها بوسائل الإثبات التي توافرت لها – بأن تبرئه، وهو ما يهدر المصلحة العامة وتطبيقاً لذلك، قضى بأنه إذا قضت المحكمة المدنية بصحة سند، جاز بعد ذلك للمحكمة الجنائية أن تقضي بتزويره وعقاب مزوره وإذا قضت المحكمة المدنية برد وبطلان سند، جاز بعد ذلك للمحكمة الجنائية أن تقضي بصحته وبراءة المتهم بتزويره .
ولكن يستثنى من هذه القاعدة أن يكون موضوع النزاع أمام المحكمة غير الجنائية خارجاً بطبيعته عن ولاية المحاكم العادية، إذ تتقيد المحكمة الجنائية بالحكم الذي يصدر فيه من المحكمة المختصة، وقد طبق الشارع ذلك في المادة 458 فنص على أن تكون للأحكام الصادرة من محاكم الأحوال الشخصية في حدود اختصاصها قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية في المسائل التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجنائية» ولم ترد إشارة في هذا النص إلى أحكام محاكم الأحوال الشخصية على سبيل الحصر، وإنما تقاس عليها كل المحاكم التي تختص بموضوعات تخرج بطبيعتها عن ولاية المحاكم العادية، كالمحاكم الإدارية .
لا حجية للحكم على الدعوى المدنية التي ينظرها القضاء الجنائي : مجال الحجية مقتصر على الدعوى المدنية التي ينظرها القضاء المدني، ومن ثم كانت الحجية في حقيقتها حجية للحكم الجنائي على القضاء المدني. ومؤدى ذلك أنه لا مجال لهذه الحجية إذا كانت الدعوى المدنية مطروحة على القضاء الجنائي تبعاً للدعوى الجنائية، ذلك أنه في هذه الحالة يفصل القاضي الجنائي في الدعويين بحكم واحد، فيلتزم بأن يحقق الإتساق بين شطري حكمه، ويعني ذلك أنه يلزم نفسه في كل من الشطرين بما قرره في الآخر .
ولكن تدق الأمور إذا صارت الدعوى المدنية قائمة وحدها أمام القضاء الجنائي في حين انقضت الدعوى الجنائية بصيرورة الحكم الصادر فيها بات: هل يتقيد هذا القضاء في الدعوى المدنية بما سبق له أن قرره في الدعوى الجنائية؟ وتفصيل هذا الموضوع أن يصدر الحكم فى الدعويين ثم يطعن المدعي المدني في شق الحكم المتعلق بحقوقه في حين لا تطعن النيابة العامة أو المتهم في شقة الجنائي فيصير باتاً، إذ يعني ذلك أن تنظر محكمة الطعن في الدعوى المدنية وحدها، القاعدة أنها لا تتقيد بما قرره الحكم المطعون فيه: فمجال الحجية كما قدمنا أن تكون الدعوى المدنية معروضة على القضاء المدني، وبالإضافة إلى ذلك فإن شطري الحكم غير متجزئين، ومن ثم فإن الطعن في أحدهما يعيد الدعويين معاً أمام محكمة الطعن في حدود مصالح الطاعن. وتطبيقاً لذلك، فإذا كان الحكم صادرة ببراءة المتهم ورفض الدعوى المدنية ضده استناداً إلى عدم ارتكابه الجريمة، ولم يستأنف النيابة أو المتهم هذا الحكم، ولكن استأنفه المدعي المدني وحده، فإن للمحكمة الاستئنافية أن تفحص الدعوى المدنية دون أن ترتبط بما قضي به في الدعوى الجنائية وصار باتاً، فلها في المثال السابق أن تحكم للمدعي المدني بالتعويض مقررة ارتكاب الجريمة ومسئولية المتهم عن تعويض ضررها على الرغم من صيرورة الحكم ببراءته استناداً إلى عدم ارتكاب الجريمة حكماً باتاً .
الدعوى المدنية التي يحوز الحكم الجنائي حجيته عليها : لا يحوز الحكم الجنائي حجيته على أية دعوى مدنية، وإنما يتعين أن تجمع بين الدعوى الجنائية التي صدر فيها الحكم والدعوى المدنية التي يحتج به فيها «وحدة المنشأ»، أي نشوؤهما معاً عن فعل واحد قامت به الجريمة التي نشأت عنها الدعوى الجنائية، وترتب عليه الضرر الذي تهدف الدعوى المدنية إلى تعويضه. وتفهم هذه الوحدة في ذات المعنى الذي فهمت به في تطبيق قاعدة إيقاف الدعوى المدنية انتظاره للفصل في الدعوى الجنائية: فيكون للحكم الجنائي بناء على ذلك حجيته على الدعوى ذات الغاية المدنية والدعوى المستندة إلى المسئولية التعاقدية ودعوى المسئولية التقصيرية لحارس الشئ .
شروط حجية الحكم الجنائي على الدعوى المدنية : ترد هذه الشروط إلى أمرين: صدور حکم جنائي، وصدوره قبل الفصل نهائياً في الدعوى المدنية .
صدور حكم جنائي : يتعين أن يكون قد صدر حكم جنائي. ونعني به كل حكم يصدر في دعوى جنائية"، سواء صدر عن القضاء الجنائي العادي أو الاستثنائي أو عن قضاء سواه خول اختصاصاً جنائياً استثنائياً كالقضاء المدني بالنسبة لجرائم الجلسات. وليس كل حكم يصدر عن القضاء الجنائي يعتبر حكماً جنائياً، فالحكم الذي يصدره هذا القضاء في الدعوى المدنية التي يختص بها على نحو تبعي لا يعتبر حكماً جنائياً، ومن ثم لا حجية له على القضاء المدني .
ويتعين أن تتوافر في هذا الحكم شروط كي تكون له هذه الحجية: فيتعين أن يكون حكماً فاصلاً في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو الإدانة، وقد صرح الشارع بهذا الشرط'، وعلته أن هذا الحكم هو الذي يفصل في أمور يتصور أن تثور في الدعوى المدنية، ويحتج فيها بما قرره هذا الحكم وتطبيقاً لذلك، فلا حجية للأحكام الجنائية السابقة على الفصل في الموضوع، ومن باب أولى لا حجية لقرارات سلطات التحقيق .
ويتعين أن تكون حكماً باتاً في المدلول الذي سبق تفصيله وعلة هذا الشرط أن الحكم البات هو الذي ينطق بالكلمة الأخيرة في الموضوعات التي فصل فيها، أما الحكم غير البات فيحتمل إلغاؤه أو تعديله، ومن غير السائغ أن يتقيد القاضي المدني بما يحتمل زواله .
ويتعين أن يكون ذا وجود قانوني، فتستبعد الأحكام المنعدمة على ما سبق تفصيله ويتعين أن يكون صادرة عن القضاء المصري، وعلة ذلك مبدأ إقليمية الإجراءات الجنائية .
سبق صدور الحكم الجنائي على الفصل نهائياً في الدعوى المدنية : وقد صرح الشارع بهذا الشرط، فقصر قوة الحكم الجنائي على ( الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً ) . والفصل النهائي في الدعوى المدنية يعني صدور حكم بات فاصل في موضوعها، ويعني ذلك أنه إذا صدر الحكم الجنائي قبل أن يصدر في الدعوى المدنية حكم بات تقيد به القاضي المدني، ولو كانت هذه الدعوى مطروحة على محكمة النقض .
وعلة هذا الشرط اعتبارات «الاستقرار القانوني»: فإذا صدر الحكم البات في الدعوى المدنية فقد انقضت، ولم يعد مجال البحث فيها حتى يتقيد فيه القاضي بقيد ما، ومن ناحية ثانية، فقد استقرت بهذا الحكم المراكز القانونية لأطراف الدعوى المدنية، فلا يجوز إدخال الإضطراب عليها .
موضوع حجية الحكم الجنائي : يعني البحث في موضوع حجية الحكم الجنائي تحديد ما يتقيد به القاضي المدني من أجزاء الحكم الجنائي وعناصره. فالحكم الجنائي يتضمن بالضرورة عدداً من القرارات تفصل في مجموع ما ثار من مسائل اقتضاها الفصل في الدعوى الجنائية . ولا يتقيد القاضي المدني بجميع أجزاء الحكم الجنائي، وإنما يتقيد منها بالقدر الذي يكون كافياً لتحقيق علة الحجية التي سبق تفصيلها . وقد حدد الشارع موضوعات ثلاثة من الحكم الجنائي يتقيد بها القاضي المدني، ويعني ذلك أن ما عدا هذه الموضوعات تكون للقاضي المدني فيه حرية كاملة هذه الموضوعات هي :
وقوع الجريمة : ونسبتها إلى فاعلها، ووصفها القانوني. وقد أضاف قانون الإثبات إلى ذلك اشتراط أن يكون فصل الحكم في هذه الأمور كان فصلاً ضرورياً وقد قرر الشارع أن الحكم الجنائي لا تكون له حجية «إذا كان مبنية على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون».
وقوع الجريمة : إذا استند الحكم الجنائي بالإدانة إلى وقوع الجريمة فيتعين على القاضي المدني أن يسلم بذلك، فلا يجوز له أن يرفض الحكم بالتعويض مقرراً أن الجريمة لم ترتكب . وإذا استند الحكم الجنائي بالبراءة إلى نفي ارتكاب الجريمة، فلا يجوز للقاضي المدني أن يحكم بالتعويض مقرراً أن الجريمة قد ارتكبت . وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا قضى جنائياً بصحة سند وبراءة المتهم بتزويره، فلا يجوز أن يقضي مدنياً بتعويض عن تزوير هذا السند .
ويريد الشارع بوقوع الجريمة، وقوع مادياتها بما تتضمنه من فعل ونتيجة وعلاقة السببية، فإذا قرر الحكم الجنائي أمراً في شأن أحد هذه العناصر واستند إليه في قضائه امتنع على القاضي المدني أن يقرر ما يخالفه : فإذا أدان الحكم الجنائي المتهم من أجل ضرب بسيط مقرراً أنه لم يفض إلى عاهة مستديمة، أو أن علاقة السببية منتفية بينه وبين العاهة، فإنه لا يجوز للقاضي المدني أن يحكم بالتعويض من أجل العاهة . وإذا اقتصر الحكم الجنائي على إدانة المتهم من أجل شروع مقرراً أن النتيجة لم تتحقق كأثر للفعل، فلا يجوز للقاضي المدني أن يحكم بالتعويض من أجل هذه النتيجة .
نسبة الجريمة إلى المتهم : يتقيد القاضي المدني بما يثبته الحكم الجنائي في شأن نسبة الجريمة إلى المتهم ويستند إليه فيما قضي به، وتعني نسبة الجريمة إلى المتهم مساهمته فيها كفاعل أو شريك وتوافر ركنها المعنوي لديه .
فإذا أدان الحكم الجنائي المتهم لارتكابه الجريمة مقرراً توافر جميع عناصر المسئولية الجنائية لديه، فلا يجوز للقاضي المدني أن يرفض طلب التعويض ضده مقرراً أنه لم يرتكب الفعل الإجرامي . وإذا كانت المسئولية غير عمدية وقرر الحكم الجنائي توافر الخطأ، فلا يجوز للقاضي المدني أن يقرر انتفاءه ، إذ القاعدة وحدة الخطأ الجنائي والخطأ المدني .
الوصف القانوني للجريمة : إذا أسبغ الحكم الجنائي تكييفاً جنائياً معيناً على الواقعة واستند إليه فيما قضى به، فإن القاضي المدني يلتزم بذلك. فإذا أدان الحكم المتهم واصفاً جريمته بأنها خيانة أمانة، فلا يجوز للقاضي المدني أن يصفها بأنها سرقة ويقبل من مدعي ملكية المال موضوع الجريمة طلب استرداده وفقاً لما تنص عليه المادة 977 من القانون المدني .
للحكم بالبراءة حجيته سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة : قرر الشارع للحكم بالبراءة حجيته، سواء استند إلى اليقين بعدم وقوع الجريمة أو عدم نسبتها إلى المتهم، أو استند إلى عدم كفاية الأدلة على ذلك، أي اعتمد على الشك وقد حسم الشارع بذلك خلافاً في الفقه. ويدعم مذهب الشارع أن عدم كفاية الأدلة على الإدانة يعني يقيناً بأنه لم تتوافر الشروط المتطلبة للإدانة، ويبرر هذا القدر من اليقين وضع نوعي الأحكام بالبراءة على قدم المساواة من حيث الحجية على الدعوى المدنية .
تقتصر حجية الحكم الجنائي على ما فصل فيه وكان فصله فيه ضرورياً : وينطوي ذلك على أمرين: فما لم يفصل فيه الحكم الجنائي لا تكون له بداهة حجية فيه، وما فصل فيه ولكن لم يكن فصله فيه ضرورياً، فلا حجية له فيه كذلك .
فإذا دفع المتهم بالسرقة بأنه مالك المال المدعي بسرقته فبرأه الحكم الجنائي لانتفاء القصد الجنائي لديه، فليس لهذا الحكم حجية في شأن تحديد مالك هذا المال، لأنه لم يفصل في الملكية .
وإذا أثبت الحكم الجنائي حصول الضرر أو نفي حصوله في جريمة لا يعتبر الضرر من عناصرها فلا يتقيد القاضي المدني بذلك، فإذا نفى الحكم الجنائي الضرر فحكم القاضي المدني بالتعويض استناداً إلى حصوله، كان حكمه صحيحاً وإذا أدان الحكم الجنائي المتهم بالسرقة مقرراً أن المالك مملوك لشخص معين حدده، فلا حجية له في شأن تحديد مالك هذا المال، إذ يستقيم الحكم بمجرد إثباته أن المالك هو شخص غير المتهم، أياً كان هذا الشخص وتطبيقاً لذات القاعدة، فإنه لا حجية للحكم الجنائي من حيث تحديده شخص المجني عليه وصفاته أو نوع المال موضوع الجريمة أو قيمته طالما أن ذلك ليس عنصراً في الجريمة، وليس له شأن في تحديد أحكامها ولا حجية للحكم الجنائي في إثباته ظروفاً مخففة للعقوبة، إذ أن ذلك يتصل بإستعمال القاضي سلطته التقديرية في تحديد العقوبة، وهو ما لا يلزمه القانون بتسبيبه، ومن ثم يستقيم الحكم ولو أغفل بيانه .
لا حجية للحكم الجنائي إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون : إذا استند الحكم بالبراءة إلى أن القانون لا يعاقب على الفعل - والفرض أنه لم يتعرض لثبوت الفعل ونسبته إلى المتهم - فلا حجية لهذا الحكم على القاضي المدني، ذلك أن عدم تجريم قانون العقوبات للفعل لا يحول دون اعتباره فعلاً ضاراً يستوجب المسئولية المدنية. وقد نص الشارع على ذلك صراحة: فالعبارة الأخيرة من المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية نصت على أنه لا تكون للحكم الجنائي «هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون». بل إنه إذا استندت البراءة إلی أن القانون لا يعاقب على الفعل، وتعرض بالإضافة إلى ذلك الفعل فنفی وقوعه أو نفى نسبته إلى المتهم فلا حجية له في ذلك على القاضي المدني، إذ يعد هذا البيان الأخير غير ضروري لاستقامة الحكم، ذلك أنه يكفي لإستقامته تقريره أن القانون لا يعاقب على الفعل .
اتصال حجية الحكم الجنائي على القضاء المدني بالنظام العام : تتصل حجية الحكم الجنائي على القضاء المدني بالنظام العام، ذلك أنها تتصل بتوزيع الإختصاص بين القضائين الجنائي والمدني، وتستهدف تفادي أضرار تصيب المجتمع إذا ناقض القضاء المدني ما سبق أن قرره الحكم الجنائي. ويترتب على ذلك أن إعمال هذه الحجية لا يرتهن بطلب ذي المصلحة في ذلك من أطراف الدعوى المدنية، وإنما يجوز للقاضي - بل ويجب عليه - إعمالها من تلقاء نفسه. ويجون الإحتجاج بالحكم الجنائي في أية حالة كانت عليها الدعوى المدنية . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة : 367 )
مبدأ قوة الحكم أمام القضاء المدني :
نصت المادة 456 إجراءات على أن يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوي التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها. ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة. ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون .
أساس المبدأ :
الواضح من هذا المبدأ أن الحكم الجنائي يتمتع بحجيته أمام القضاء المدني. وخلافاً لذلك فإن الحكم المدني لا يتمتع بهذه الحجية أمام القضاء الجنائي فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها (المادة 457 إجراءات). كما أن المشرع يقرر حجية الحكم الجنائي رغم عدم وحدة السبب والموضوع والخصوم في الدعويين الجنائية والمدنية. فما أساس هذا المبدأ إذاً ؟
لقد اختلفت الآراء في تحديد هذا الأساس، والراجح أن النظام القانوني يعطي الأولوية للقضاء الجنائي على القضاء المدني في تحديد كل ما يتعلق بالجريمة ونسبتها إلى مرتكبها، نظراً لطبيعة ما يتخذ من إجراءات ذاتية، وخاصة فيما يتعلق بالإثبات ولأن الدعوى الجنائية إنما ترفع للمطالبة بحق عام هو حق الدولة في العقاب، وتقتضي هذه الأولوية أن يكون للحكم الجنائي كلمة مسموعة أمام القضاء المدني .
ولهذا فإن هذا المبدأ لم يتقرر في فرنسا بنص تشريعي وإنما قام على نظريات الفقه والقضاء المستخلصة من طبيعة الحكم الجنائي .
ويجد هذا المبدأ أساسه في القانون المصري بموجب المادة 221 إجراءات التي نصت على أن المحكمة الجنائية مختصة بالفصل في جميع المسائل التي يتوقف عليها الحكم في الدعوى الجنائية أمامها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، أي أن محاكمة المتهم عن الجرائم التي يعرض عليها الفصل فيها لا يمكن أن تتقيد بأي حكم صادر من أية جهة أخرى مهما كانت، وذلك ليس فقط على أساس أن مثل هذا الحكم لا يحوز قوة الشيء المحكوم به بالنسبة للدعوى الجنائية لإنعدام الوحدة في الخصوم أو السبب أو الموضوع، بل لأن وظيفة المحاكم الجنائية والسلطة الواسعة التي خولها القانون إياها للقيام بهذه الوظيفة بما يكفل لها اكتشاف الواقعة على حقيقتها كي لا يعاقب بريء أو يفلت مجرم - تقتضي ألا تكون مفيدة في أداء وظيفتها بأي قيد لم يرد به نص .
ومع ذلك، فإن هذا المبدأ لا يجد تطبيقاً في بعض القوانين، كالقوانين الأنجلو أمريكية ، والقانون الألماني والهولندي والبرتغالي .
خصائص المبدأ :
يتميز مبدأ حجية الحكم أمام القضاء المدني بخصيصتين :
أولاً، شمولية نطاقه :
يشمل نطاق هذا المبدأ الدعوى المدنية بالمعنى الواسع، فهو لا يقتصر على دعوى التعويض وإنما يمتد إلى جميع الدعاوى المدنية مثل دعوى الطلاق المترتبة على جريمة الزنا، ودعوى رجوع أحد المحكوم عليهم المتضامنين على شركائه في الجريمة لمطالبتهم بنصيبهم في التعويض، ودعوى الرجوع في الهبة الناشئة عن الإعتداء على حياة الواهب، ودعوى الحرمان من الإرث الناشئة عن الإعتداء على حياة المورث .
ولا ينصرف هذا المبدأ إلى الدعوى المدنية التبعية المرفوعة أمام القضاء الجنائي إذا ما طعن المدعي المدني وحده بالنقض في الحكم الصادر في الدعوى المدنية وأعيدت الدعوى إلى محكمة الموضوع لإعادة نظرها، ذلك لأن الدعويين الجنائية والمدنية وإن نشأ عن سبب واحد ولكن الموضوع في كلتيهما مختلف، مما لا يسوغ التمسك بقوة الأمر المقضي، والدفع بهذه القوة وفقاً للقانون لا يكون إلا أمام المحاكم المدنية .
كما يشمل هذا المبدأ جميع الأشخاص، فيسري على الكافة. فهو لا يستلزم وحدة الخصوم في الدعويين الجنائية والمدنية، وبناء على ذلك، فإنه يمتد إلى المجني عليه والمسئول عن الحقوق المدنية والضامن أو أي شخص آخر. فالحكم الجنائي له حجية على الكافة .
ثانياً : تعلقه بالنظام العام :
لما كان هذا المبدأ يستند إلى ما يتمتع به القضاء الجنائي من أولوية، فإنه يرتكز على اعتبارات تتعلق بالنظام العام. وهذا استقر قضاء محكمة النقض. أما في فرنسا، فرغم أن الفقه يعتبر هذا المبدأ من النظام العام لكن القضاء على العكس من ذلك يرى أنه متعلق بمصلحة خاصة، وهو مسلك قضائي منتقد .
الحكم الجنائي الذي يحوز القوة :
يحوز الحكم الجنائي وحده هذه الحجية، فلا تتمتع بها أوامر التحقيق أو الإحالة مهما كانت فاصلة في نزاع معين، كما لا يكتسب الأمر الجنائي هذه الحجية لأنه في حقيقة الواقع ليس حكماً جنائياً وإن حاز قوة الأمر المقضي به فيما يتعلق بإنقضاء الدعوى الجنائية .
وغني عن البيان أن منطوق الحكم الجنائي وحده هو الذي يحوز الحجية دون أسبابه، إلا ما كان منها دعامة لا غنى عنها لهذا المنطوق .
ويستوي في هذا الحكم الجنائي أن يكون صادراً من محكمة عادية أو خاصة .
ويجب أن يكون الحكم ذا طبيعة جنائية، فلا يكفي مجرد صدوره من محكمة جنائية. والحكم الصادر من هذه المحكمة في الدعوى المدنية التبعية لا يحوز هذه الحجية الاستثنائية، وإنما يخضع للأحكام العامة لحجية الأحكام .
على أنه يعد جزءاً من الحكم الجنائي كل مسألة أولية يلزم إثباتها ابتداءً لتوافر الجريمة، مثال ذلك عقد الأمانة في جريمة خيانة الأمانة، وعقد الزواج في جريمة الزنا، فما يصدر من المحكمة الجنائية فاصلاً في هذه المسائل يحوز الحجية أمام القضاء المدني .
ويجب أن يكون الحكم فاصلاً في الموضوع، فلا تحوز الحجية الأحكام الوقتية أو التحضيرية .
وأخيراً، فإن الحكم يجب أن يكون باتاً، أي غير قابل للطعن. فإن رفعت الدعوى المدنية في أثناء تحريك الدعوى الجنائية وقبل صدور حکم بات فيها - وجب على المحكمة المدنية أن توقف الفصل في الدعوى المدنية حتى يصدر حكم بات في الدعوى الجنائية (انظر المادة 265 إجراءات). والراجح أنه إذا صدر حكم غيابي من محكمة الجنايات فإنه لا يجوز الحجية أمام القضاء المدني، لأنه عرضة للإلغاء إذا حضر المتهم أو قبض عليه، ما لم ينل قوة الأمر المقضي بسقوط العقوبة طبقاً للمادة 394 إجراءات، إذ تتأكد هذه الحجية بوصف أن الحكم قد صدر بالإدانة بغض النظر عن سقوط العقوبة، ذلك أن المشرع قد اعتبر سقوط العقوبة بالتقادم بمثابة استنفاد طرق الطعن، فيضحي الحكم في قضائه بالإدانة باتاً بمضي مدة تقادم العقوبة، وينتج أثره القانوني بوصفه حكماً بالإدانة يرتب كل الآثار القانونية لهذا الوصف، هذا بفرض أن الدعوى المدنية قد لم تنقض بالتقادم أو لم تفصل فيها المحكمة المدنية .
ولذلك، فإن إيقاف الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحكمة المدنية ينتهي بصدور هذا الحكم لأنه لا حجية له على المحكمة المدنية، وبه تسترد المحكمة المدنية سلطتها على الدعوى المدنية .
عناصر الحكم الجنائي التي تحوز القوة :
لا تتمتع جميع عناصر الحكم الجنائي بالحجية أمام القضاء المدني، وإنما يقتصر ذلك على العناصر الآتية :
أولاً : الشيء المحكوم فيه على سبيل التأكيد :
من المقرر أن الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والاحتمال. ومع ذلك، فقد تخطئ المحكمة الجنائية فتعتمد في قضائها بالإدانة على دليل مرجح لثبوت التهمة، أو أن تفترض حصول الواقعة وفقاً لصورة معينة دون أن تحزم بصحتها، كأن تقضي ببراءة المتهم من القتل الخطأ وتعلن أن الحادث يبدو أنه نتيجة للقوة القاهرة وقد يحوز الحكم الجنائي قوة الأمر المقضي رغم هذا الخطأ، فيكون عنواناً للحقيقة والصحة. فهل يجوز أيضاً حجيته أمام القضاء المدني في ذلك الشق الذي لم يحكم فيه على سبيل التأكيد، هذا ما ينكره الفقه والقضاء في فرنسا وهو رأي منتقد، لأنه لا يتفق مع طبيعة قوة الأمر المقضي التي تثبت لمنطوق الحكم، وتغطي كافة العيوب التي تشوب الحكم مادام لم يصل إلى حد الإنعدام هذا إلى جانب أنه إذا تصورنا أن الحكم الذي شابه مثل هذا العيب هو حكم مدني في ذات الواقعة وبين ذات الخصوم وبناء على الأسباب نفسها فإنه لا جدال في اكتسابه الحجية أمام القضاء المدني مادام قد اكتسب قوة الأمر المقضي .
حكم البراءة :
ثار البحث عن قيمة حكم البراءة إذا اعتمد على عدم كفاية الأدلة، فذهب البعض إلى أن هذا الحكم لا يقيد القضاء المدني. وأخذت بهذا الرأي بعض أحكام القضاء المصري وخلافاً لذلك اتجه فريق آخر مدعماً ببعض أحكام القضاء إلى أن هذا الحكم يحوز الحجية ولا يختلف عن قيمة الحكم بالبراءة الذي يعتمد على اليقين المطلق بعدم وقوع الجريمة لا مجرد الشك في ارتكابها .
وبهذا الرأي أخذ قانون الإجراءات الجنائية المصري، فنص صراحة في المادة 456 على أن يكون للحكم بالبراءة قوة الأمر المقضي «سواء بني على انتفاء التهمة أو عدم كفاية الأدلة». والواقع من الأمر أن الحكم بالبراءة لعدم كفاية الأدلة لا يحول دون اعتماده على الجزم واليقين فالشك في قيمة أدلة الإثبات يؤدي إلى تطبيق مبدأ قانونى هو الأصل في المتهم البراءة مصدر جزم المحكمة ببراءة المتهم. وهنا يجدر التنبيه إلى أن التشكك قد يصيب عناصر الجريمة ومنها مسائل مدنية بحتة، كالملكية في دعوى السرقة والزوجية في دعوى الزنا، لكن هذه المسائل تصبح عناصر مفترضة لوقوع الجريمة، فيلحقها ما يلحق الحكم بالبراءة من حجية .
ثانياً : الواقعة التي يكون فصل الحكم فيها ضرورياً :
نصت المادة 102 من قانون الإثبات على أنه لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله ضرورياً .
وما تفصل فيه المحكمة فلا يجوز الحجية في كل ما لم تفصل فيه المحكمة الجنائية فمثلاً في دعوى السرقة، إذا دفع المتهم بملكيته للشيء المسروق فقضت المحكمة بالبراءة بناء على انتفاء القصد الجنائي، فهذا الحكم لا يحوز أية حجية أمام القضاء المدني بشأن الملكية .
ويعد من البيانات الضرورية كل ما يعد دعامة لا غنى عنها لقيام هذا الحكم، فلا يحوز الحجية التزيد الذي يستطرد إليه القاضي دون أن يكون مؤثراً في النتيجة التي انتهى إليها في مطوق حكمه .
وبناءً على هذا المعيار، فإن حجية الأمر المقضي تلحق ما يثبته القاضي بشأن الوقائع المكونة للجريمة، ونسبتها للمتهم، وتكييفها القانوني، والظروف أو الأعذار المؤثرة في هذا التكييف وعلى هذا نصت المادة 456 إجراءات، على أن يكون للحكم الجنائي قوته فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها .
ولا تعد واقعة ضرورية ذكر إسم المجني عليه في جريمة الضرب أو بيان شخصية المالك في دعوى السرقة، مادام هذا البيان لا دخل له في قيام الجريمة قانوناً فيجوز لغير المجني عليه المشار إليه في الحكم الجنائي المطالبة بالتعويض أمام القضاء المدني بعد أن يثبت ما لحقه بدوره من ضرر، كما يجوز للغير أن يثبت ملكيته للأشياء المسروقة كما لا تعد واقعة ضرورية في الحكم بالإدانة بيان قيمة الشيء المسروق، لأن هذه القيمة ليست رکناً في الجريمة، ولذا فإن عدم بيانها في الحكم الجنائي لا يعيبه لذلك فإن المحكمة المدنية لا تتقيد بما عسى أن يكون الحكم الجنائي قد أشار إليه بشأن القيمة .
أما ما يثبته الحكم من ظروف مخففة فإنه ليس سبباً ضرورياً للحكم بالإدانة وتنحصر قيمته في تقدير العقوبة، وهو ما لا شأن للقضاء المدني به هذا بخلاف البيانات اللازمة لتقدير عنصر الضرر، متى كان هذا العنصر بدوره مؤثراً في وقوع الجريمة، كالعاهة المستديمة والعجز عن الأشغال الشخصية لمدة معينة، فهذه البيانات تحوز الحجية أمام القضاء المدني .
التكييف القانوني :
تنحصر أهمية الحجية التي ينالها الحكم الجنائي بصدد التكييف القانوني، فيما إذا كان هذا التكييف مطروحاً أمام القضاء المدني، كما إذا تعلق به سبب الدعوى المدنية أو تقادمها فمثلاً إذا كيف القاضي الجنائي الواقعة على أنها زنا، فيجب على المحكمة المدنية في دعوى التطليق أن تستند إلى هذا الوصف وإذا كيف القاضي الجنائي الواقعة على أنها جناية، فيجب على المحكمة المدنية أن تحتسب المدة المقررة لتقادم الدعوى الجنائية في الجناية حتى تقرر تقادم دعوى التعويض الناشئة عن الجريمة (المادة 172/ 2 مدني).
وإذا قضت المحكمة بالبراءة لأن الفعل لا يعاقب عليه القانون، فإنه لا قيمة لما يرد بهذا الحكم بشأن الوقائع المثبتة للجريمة ونسبتها إلى مرتكبها، لأن هذه البيانات ليست لازمة قانوناً للحكم بالبراءة. كما أنه في هذه الحالة لا يجوز الحكم حجيته بشأن عدم العقاب على الفعل (المادة 456 إجراءات)، لأن ما لا يعاقب عليه قانون العقوبات قد يخضع للقانون المدني ويصلح أساساً لرفع الدعوى المدنية، مثال ذلك أنه إذا حكم ببراءة المتهم من تهمة هتك عرض فتاة تبلغ ثمانية عشر عاماً برضائها، بناء على عدم تحريم هذا الفعل، فإن هذا لا يحول دون الإدعاء مدنياً قبل الجاني بسبب تغريره بالمجني عليها وإلحاق الضرر بها. ويبدو ذلك بوجه خاص في حالات الخطأ غير العمدي التي لا يعاقب عليها قانون العقوبات، فإن البراءة بناء على هذا السبب لا تحوز الحجية أمام القضاء المدني ولا تحول دون مساءلة المتهم مدنياً عن خطأ آخر وقد قضت محكمة النقض الفرنسية أن تبرئة المجني عليه في جريمة الإصابة الخطأ من تهمة مخالفة المرور لا تقيد المحكمة عند نظر الدعوى المدنية في بحثها الخطأ المشترك بين هذا المجني عليه والجاني، لأنه لا يشترط في خطأ المجني عليه أن يصل إلى الحد الذي يعاقب عليه قانون العقوبات .
وأخيراً، فإن حكم البراءة بسبب عدم اندراج الفعل تحت نص من نصوص قانون العقوبات يحوز الحجية أمام القضاء المدني بصدد هذا التكييف، فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تضفي على هذا الفعل وصفاً آخر من أوصاف هذا القانون . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 340 )
ذاتية موضوع الدعوى المدنية التبعية :
تتميز الدعوى المدنية التبعية بأن موضوعها هو تعويض الضرر، وهي في ذلك تتميز عن الدعاوى المدنية الأخرى التي لا تستهدف إصلاح الضرر، مثال ذلك دعوى التطليق المترتبة على جريمة الزنا، ودعوى الحرمان من الإرث المترتبة على جريمة قتل المورث، ودعوى الرجوع في الهبة المترتبة على اعتداء الموهوب له على حياة المورث، ودعوى بطلان الحجز الذي تم بناء على جريمة تزوير، ودعوى رد حيازة العين المتنازع عليها عندما تنظر المحكمة في جريمة انتهاك حرمة ملك الغير، ودعوى صحة التعاقد. في كل هذه الأمثلة نكون بصدد دعوى مدنية موضوعها ليس تعويض الضرر، وإنما تحقيق أغراض مدنية أخرى، وقد أخرجها القانون من اختصاص القضاء الجنائي، فهذا القضاء لا يختص إلا بنظر دعاوی تعويض الضرر الناشئ عن الجريمة دون الدعاوى التي تهدف إلى تحقيق نتائج مدنية أخرى تسببت فيها الجريمة، كما في الأمثلة السابقة .
ومع ذلك، فإن استقلال تلك الدعاوي المدنية الأخرى - التي لا تهدف إلى التعويض - عن القضاء الجنائي ليس استقلالاً كاملاً، فالقضاء المدني مكلف بشأنها بتطبيق مبدأ «الجنائي يوقف المدني». ومعناه أن المحكمة المدنية ملزمة حين تنظر تلك الدعاوي بوقف الفصل فيها حتى تفصل المحكمة الجنائية في الدعاوي الجنائية .
وقد بينا فيما تقدم كيف أن القانون الفرنسي الصادر في 5 مارس سنة 2007 قد خفف من هذا المبدأ للحيلولة دون تعسف المدعي المدني في استعمال حقه في الإدعاء المدني ومن ناحية أخرى، فإن الحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في هذه الدعوى بالبراءة أو بالإدانة له قوة الشيء المحكوم به أمام القضاء المدني قبل أن يفصل نهائياً في الدعاوى المدنية، وذلك فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون (المادة 456 إجراءات) .
التعويض الذي ينطوي على عقوبة :
جرى قضاء محكمة النقض على أن التعويضات المشار إليها في القوانين المتعلقة بالضرائب والرسوم هي عقوبة تنطوي على عنصر التعويض وهو تعویض تحكمي غير مرتبط بقيمة الضرر .
حجية الحكم الصادر في المسائل الأولية :
إذا فصلت المحكمة الجنائية في مسألة أولية وكان فصلها فيها ضرورياً للفصل في الخصومة الجنائية، كما إذا فصلت في قيام الزوجية في دعوى الزنا، أو فصلت في الملكية في دعوى السرقة، هل يجوز قضاؤها حجية الأمر المقضي أمام المحكمة المدنية إذا ثبتت به الزوجية أو الملكية نهائياً في هذين المثالين؟
اختلف الفقه والقضاء في فرنسا حول هذه المشكلة، لكن القضاء الفرنسي استقر الآن على حجية الأحكام الجنائية في هذه المسائل، عدا ما تعلق بالأحوال الشخصية وجرائم هتك العرض وقتل الوالدين. والراجح في نظرنا هو إقرار حجية الأحكام الجنائية أمام القضاء المدني طبقاً لنص المادة 456 إجراءات التي نصت على أن يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوي التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها. ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون ولما كانت أسباب الحكم التي بنى عليها المنطوق تعد جزءاً لازماً له، فإن ما ورد في الحكم الجنائي في هذه الأسباب من فصل في المسائل الأولية غير الجنائية وكان لازماً لمنطوق هذا الحكم يحوز حجيته في حدود المادة 456 إجراءات المشار إليها وطبقاً للمادة 102 من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية التي نصت على أنه لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضرورياً . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 421 )
إذا كان لتكييف الواقعة حجيته على الدعوى الجنائية ، فإن له أيضاً حجيته على الدعوى المدنية سواء أكانت هذه أقيمت بالتبعية للدعوى الجنائية أم أقيمت أمام القضائي المدني، وقد أقرت ذلك المادة 456 عندما نصت على أنه ( يكون للحكم الصادر من المحكمة الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوي التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها ) .
وهذه المادة لا مقابل لها في القانون الفرنسي، وإن كان الفقه السائد هناك يقر حجية الحكم الجنائي على الدعوى المدنية فيما يتعلق بثبوت إسناد الواقعة إلى المتهم أو عدم ثبوته، بالأقل عندما لا يبني الحكم الجنائي على البراءة لمجرد عدم كفاية الأدلة ، ويستند في إقرار هذه الحجية على ما ورد في المادة 163 من قانون تحقيق الجنايات الفرنسي في خصوص حجية الحكم الجنائي بتزوير المحررات الرسمية أما المادة 456 من قانون إجراءاتنا فقد فصلت في مسائل خلافية في الفقه الفرنسي ويعنيناً منها هنا ما ورد فيها من حجية الحكم الجنائي على الدعوى المدنية فيما يتعلق بالوصف القانوني للواقعة التي فصل فيها، لا بوقوعها وبنسبتها إلى فاعلها فحسب .
ومقتضى هذا النص أنه إذا اعتبرت المحكمة الجنائية الواقعة مثلاً جناية ضرب أفضى إلى الموت أو إلى العاهة المستديمة لقيام رابطة السببية بين فعل الضرب والنتيجة المشددة للعقوبة، فلا يكون للمحكمة المدنية أن تنفي هذه الرابطة وتقدر التعويض عن فعل الضرب وحده كما لو كانت الواقعة مجرد جنحة ضرب بسيط، والعكس صحيح أيضاً ، إنما حجية التكييف الجنائي على القاضي المدني يحدد نطاقها مدى إتصال هذا التكييف بمبدأ استحقاق التعويض، وتعيين مقداره فحسب .
وكل خطأ جنائي سواء وصف جناية أم جنحة أم مخالفة . يقتضي الحكم بالتعويض المدني عند توافر الضرر ورابطة السببية بينه وبين الخطأ ، ومقدار التعويض يتوقف على مقدار الضرر لا الخطأ ، فكأن حجية التكييف الجنائي تظهر أهميتها عندما تتطلب الجريمة نتيجة معينة تقتضي تغيير تكييفها، بما يقتضى في النهاية مساءلة فاعلة مدنياً عن تعويض الضرر الناجم عن هذه النتيجة بالذات، كما هي الحال في جرائم الجرح والضرب .
وبعبارة وردت في عجز المادة 456 لا يكون للحكم الجنائي قوته على الدعوى المدنية (إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون) فإذا كان تكييف الواقعة كما انتهى إليه القاضي الجنائي أنه لا جريمة فيها فإنه لا حائل يحول دون قضاء القاضي المدني بالتعويض على أساس أن نفس الواقعة تكون مثلاً فعلاً خاطئاً ضاراً مما يوجب ملزومية فاعله بتعويض الضرر .
نوع هذه الحجية :
وحجية الحكم الجنائي على القاضي المدني تعد من النظام العام ، بما في ذلك جانبها المتصل بتكييف الواقعة ، فليس لمن تقررت، له أن يتنازل عنها ، بل أن المحكمة تتقيد بقواعدها من تلقاء نفسها بغير انتظار طلب أو دفع، حين أن حجية الحكم المدني على الدعوى المدنية ليست من النظام العام، بل هي من الحقوق الخاصة إن شاء صاحبها التمسك بها أو التنازل عنها ، وهذه القاعدة تطبيق لأصل عام مقتضاه أن انقضاء الدعوى المدنية لا يتعلق بالنظام العام، ولو كانت مرفوعة أمام القضاء الجنائي . بالتبعية للدعوى الجنائية متى كان سبب الانقضاء متصلاً بالدعوى المدنية وحدها ، ومن ثم فلا تجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض .
ولكن يراعي ما نصت عليه المادة 2/101 من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 في شأن حجية الشيء المقضي فيما فصلت فيه الأحكام المدنية نهائية، وبوجه خاص حق المحكمة في أن (تقضى بهذه الحجية من تلقاء نفسها) .
فإذا كانت المحكمة المدنية تملك أن تقضي بهذه الحجية من تلقاء نفسها ، فإن مفاد ذلك هو أن المشرع أصبح يعتبر انقضاء الدعوى المدنية ، حتى ولو رفعت أمام القضاء المدني - بالحكم الحائز الحجية انقضاء من النظام العام ، وهو وضع جديد على تشريعنا المصري ، ومن عيوبه أنه يتعارض مع قاعدة جواز التنازل عن الحكم المدني أو التصالح على ما يخالفه ولو أصبح نهائياً حائزاً قوة الأسر المقضي فكيف يباح للمحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بهذا الإنقضاء ؟ خصوصاً وأن الأمر متعلق هنا بحقوق خاصة لا تمس النظام العام في شيء على عكس الحال بالنسبة للحكم الجنائي .
وعلى أية حال فإنه إذا دفع القاضي الجنائي بانقضاء الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية بسبق الفصل فيها كان هذا الدفع جوهرياً، وبالتالي متطلباً رداً صريحاً بالقبول أو بالرفض وإلا كان الحكم قاصراً البيان معيباً في شأن الدعوى المدنية، ويستوى في هذا الشأن أن نعتبر هذا الدفع نسبياً أم مطلقاً ، مادام هو على أية حال دفع جوهري يترتب عليه لو صح تغيير مركز صاحب المصلحة في إبدائه متى تمسك به أمام قضاء الموضوع .
كما يراعي ما نصت عليه المادة 102 من نفس القانون من أنه ( لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي تفصل فيها هذا الحكم، وكان فصلة فيها ضرورياً ) . (الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 442 )
القاعدة المعروفة هي أن الجنائي يوقف المدني وقد نصت عليها صراحة المادة 265/ 1 من قانون - الإجراءات الجنائية عندما قررت أنه " إذا رفعت الدعوى المدنية أمام - المحاكم المدنية، يجب وقف الفصل فيها حتى يحكم نهائياً في الدعوى الجنائية المقامة قبل رفعها أو أثناء السير فيها".
والدعوى المدنية بالتعويض عن كذب البلاغ يتوقف مصيرها على الفصل في دعوتين جنائيتين لا في دعوى واحدة .
الأولى : هي الدعوى الجنائية عن الواقعة المبلغ عنها .
والثانية : هي الدعوى الجنائية عن البلاغ الكاذب .
فإذا أقيمت الدعويان معاً ، وجب وقف الدعوى المدنية إلى أن يفصل فيهما، وإذا أقيمت أحداهما فسحب وجب الإيقاف أيضاً إلى أن يفصل فيها .
والدعوى المدنية بالتعويض عن البلاغ الكاذب قد تقام أمام القضاء المدني، وقد تقام أمام القضاء الجنائي بالتبعية للدعوى الجنائية ، ويحدث ذلك إما بالتبعية للدعوى المقامة من النيابة العامة وإما عن طريق الإدعاء المباشر قبل المبلغ كذباً ، بما يقتضيه هذا الإدعاء من إقامة دعوتين قبله : الأولى جنائية والثانية مدنية، كما هي القاعدة المضطردة في نظام الإدعاء المباشر .
وسواء اختار المدعي بالحق المدني للمطالبة بالتعويض الطريق الجنائي أم المدني، فإن إدعاءه هنا أيضاً موضوع حجية الحكم الصادر في الدعوى الجنائية على دعواه المدنية، وهو موضوع يخضع للقاعدة العامة التي وضعتها المادة 456 إجراءات التي نصت على أنه " يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة، وبوصفها القانوني، ونسبتها إلى فاعلها، ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على إنتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون".
ضرورة التقيد بأسباب الحكم الجنائي :
وتأسيساً على قاعدة هذه المادة فإن الحكم النهائي بإدانة المتهم بتهمة البلاغ الكاذب يبيح دائماً وبطبيعة الحال الحكم للمضرور من هذا البلاغ بتعويض مناسب عما لحقه من ضرر، أما الحكم ببراءته فهو قد يبيح الحكم بالتعويض المدني للمضرور من البلاغ أو لا يبيحه بحسب الأحوال .
فإذا بنيت البراءة على صحة الواقعة المبلغ عنها وصحة إسنادها إلى المبلغ ضده ، فقد انتفى من جانب المبلغ الخطأ المستوجب التعويض، وتعين بالتالي رفض الدعوى المدنية قبله، وكذلك إذا بنيت على مجرد عجزه عن إثبات ما أبلغ به ، وفي نفس الوقت استظهرت المحكمة في الدعوى المدنية أن إسناد الواقعة إلى المبلغ ضده كان بناء على شبهات مقبولة وغير مشوب بخطأ ولا تسرع .
أما إذا بنيت براءة المبلغ عن إنتفاء أي ركن من أركان البلاغ الكاذب ، فينبغي بحث مدى توافر الخطأ المدني المستوجب التعويض من عدمه في واقعة التبليغ ذاتها، فالتبليغ خطأ مدني مستوجب التعويض إذا كان صادراً من قبيل التسرع في الإتهام، أو بقصد التعريض بالمبلغ ضده والإساءة إلى سمعته ، أو في القليل عن رعونة أو عدم تبصر، ومن باب أولى إذا صدر بسوء نية، وعندئذ يجوز إلزام المبلغ بالتعويض المدني لتوافر الخطأ المدني الضار المستوجب مسئولية فاعله بالتعويض عنه (م 163 مدني) وإلا فلا محل له .
أو بعبارة محكمة النقض أن التبليغ عن الوقائع الجنائية حق لكل إنسان، بل هو واجب مفروض عليه ، فلا تصح معاقبته واقتضاء التعويض عنه إلا إذا كان قد تعمد الكذب فيه . أما اقتضاء التعويض من المبلغ من القضاء ببراءته في هذه الجريمة فلا يكون لمجرد كذب بلاغه ولحوق الضرر بالمبلغ ضده، بل يجب أيضاً أن يكون قد أقدم على التبليغ عن رعونة وعدم ترو دون أن يكون لذلك من مبرر .
وتأسيساً على ذلك قضت المحكمة بأنه لما كان الحكم الإبتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد قضى ببراءة المطعون ضدها ورفض الدعوى المدنية المقامة قبلها من الطاعن تأسيساً على أن الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء الحكم المستأنف القاضي بإدانة الطاعن في تهمة السرعة المسندة إليه قد قام على الشك في الدليل المستمد من أقوال المجني عليها (المطعون ضدها) والشهود .
وأنه ما دام هذا الحكم لم يقطع يكذب البلاغ فإنه لا يعد دليلاً على كذب ما أبلغت به المطعون ضدها، خاصة أن الحكم المستأنف قد قضى بإدانة الطاعن عما أسندته إليه المطعون ضدها .
ولذلك أيضاً قضى بأنه إذا كان الحكم الإبتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه إذ تحدث عن توافر القصد الجنائي لدى الطاعنة قد اقتصر على قوله " إن مجرد العلم بكذب بعض ما أبلغت عنه الطاعنة يكفي لتوافر القصد الجنائي لدى المبلغ، أي يكفي القصد الجنائي العام" فإن هذا الذي أورده الحكم المطعون فيه لا يكفي للتدليل على أن الطاعنة كانت تعلم علماً يقيناً لا يداخله أي شك في أن الواقعة التي أبلغت بها كاذبة، وأن المبلغ ضده برئ منها وأنها انتوت السوء والإضرار به، ويكون الحكم قد قضى إثبات القصد الجنائي .
والحكم الصادر في الدعوى الجنائية عن الواقعة المبلغ عنها بإدانة المبلغ ضده يحول بطبيعة الحال دون الحكم له بأي تعويض مدني قبل المبلغ لإنتفاء الخطأ من جانبه، إذ أن الحكم بالإدانة الجنائية يتضمن معنى ثبوت الواقعة فضلاً عن خضوعها لأحكام قانون العقوبات، فالتبليغ عنها كان استعمالاً لحق، أو بالأدق تنفيذاً لواجب يأمر به القانون الإجرائي .
أما عند الحكم ببراءة المبلغ ضده في الواقعة المبلغ عنها، فينبغي بحث واقعة التبليغ في حد ذاتها لتبين مدى توافر أركان الخطأ المدني فيها المستوجب التعويض من عدمه على النحو الذي بيناه آنفاً .
وكما أن أخر الحفظ .أية كانت أسبابه، في واقعة التبليغ الكاذب، وفي الواقعة المبلغ عنها، ليست له أية حجية على القاضي الجنائي، فإنه ليست له أيضاً أية حجية على القاضي المدني وهو يفصل في دعوى التعويض عن البلاغ الكاذب وما يصدق عليه يصدق أيضاً على الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى في الدعويين، ولنفس الأسباب التي بيناها آنفاً عندما تكلمنا في عدم حجية أي من الأمرين على القاضي الجنائي وهو يفصل في دعوى البلاغ الكاذب، وبوجه خاص لأن أي من الأمرين مؤقت يجوز العدول عنه بدون ضرورة إبداء الأسباب بالنسبة لأمر الحفظ، وإذا جدت دلائل جديدة بالنسبة للأمر لا وجه لإقامة الدعوى وذلك حين أن حكم القاضي في الدعوى المدنية بالتعويض . كحكمه في الدعوى الجنائية . يحوز - متى أصبح نهائياً حجية الشئ المقضي به، بما يحول دون إمكان تجديد أي من الدعويين مهما جد من أدلة جديدة ، وبصرف النظر عما يكون قد انتهى إليه هذا الحكم أو ذاك من نتائج . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 1071 )
حجية الحكم الجنائي أمام القضاء غير الجنائي :
إذا كان قد صدر في الدعوى الجنائية حكم بات قبل رفع الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية، أو عندما توقف المحكمة المدنية الفصل في الدعوى المدنية المنظورة أمامها لحين صدور حکم بات في الدعوى الجنائية المنظورة أمام المحكمة الجنائية ثم يصدر هذا الحكم أثناء نظر الدعوى المدنية، فإن الحكم الصادر في الدعوى الجنائية تكون له قوة الشيء المحكوم به أمام المحكمة المدنية، سواء كان صادرة بالبراءة أو الإدانة وذلك فيما يتعلق بإثبات وقوع الجريمة وبوصفها القانوني وكذلك بنسبتها إلى مرتكبها، ومعنى ذلك أن المحكمة المدنية تلزم بالتسليم بهذا الحكم الجنائي وأن ترتب عليه نتائجه المدنية سواء بالحكم بالتعويض أو برفض التعويض وهذا هو المقصود بحجية الحكم الجنائي وأن ترتب عليه نتائجه المدنية سواء بالحكم بالتعويض أو برفض التعويض وهذا هو المقصود بحجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني... وعلى هذا نصت المادة محل التعليق "يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم فيه أمام المحكمة المدنية في الدعاوى التي لم تكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها، ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على إنتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون". ويلاحظ أن المقصود بالمحاكم المدنية هنا جميع المحاكم غير الجنائية، فتكون الحكم الجنائي حجيته أمام المحاكم الإدارية والتأديبية وغيرها .
حكمة الحجية :
ويرجع تقرير حجية الحكم الجنائي على القضاء المدني إلى أن سلطات القضاء الجنائي أوسع في التثبت من حصول الواقعة في حق المتهم ذلك أن المحاكمة الجنائية يسبقها عادة تحقيق مفصل، فمن الطبيعي أن تكون النتائج التي ينتهي إليها القضاء الجنائي أقرب إلى الحقيقة من أية نتيجة أخرى يمكن أن ينتهي إليها قضاء آخر. ومن جهة أخرى، فإن الدعوى الجنائية ملك للمجتمع بأسره وترفع بإسمه ولذلك كان من الضروري أن يكون الحكم الصادر فيها حجة على الكافة. فضلاً عن أنه ليس من المصلحة حصول تضارب في الأحكام، فيصدر القاضي الجنائي حكماً ثم يصدر القاضي المدني حكماً آخر على خلافه .
شرط الحجية :
يشترط لكي يكون للحكم الجنائي حجية أمام القضاء المدني أن يكون الحكم الجنائي قد صدر باتاً من محكمة قضائية مصرية فاصلاً في موضوع الدعوى الجنائية .
والواقع أن هذا الشرط هو نفس شرط حجية الحكم الجنائي الذي يمنع القاضي الجنائي من إعادة نظر دعوى سبق صدور حكم فيها باستثناء وحدة الخصوم والموضوع، فحجية الحكم الجنائي على المدني قائمة مع اختلاف الخصوم والموضوع. ولا يشترط سوى وحدة الواقعة التي قامت عليها كل من الدعويين الجنائية والمدنية. فلا حجية لغير الأحكام، فجميع قرارات التحقيق سواء كانت بالإحالة إلى المحاكمة أو بأن لا وجه لإقامة الدعوى أياً كانت أسبابها، قانونية أو متعلقة بالوقائع، وسواء ادعى المجني عليه فيها مدنياً أمام سلطة التحقيق أم لم يدع، لا تعتبر أحكاماً قضائية، ولذلك لا حجية لها أمام المحاكم المدنية، ويشترط في الحكم كي تكون له حجية أن يكون صادراً من محكمة مصرية يستوي في ذلك أن تكون المحكمة عادية أو محكمة خاصة أو استثنائية كالمحاكم العسكرية .
ويشترط أن يكون الحكم الجنائي فاصلاً في موضوع الدعوى الجنائية حتى تكون له هذه الحجية، فالأحكام التمهيدية والتحضيرية لا حجية لها، ويشترط أيضاً أن يكون باتاً أي إستنفد طرق الطعن العادية وطريق الطعن بالنقض، فإن لم يكن كذلك، فواجب المحكمة المدنية أن توقف الدعوى المدنية حتى يصير الحكم الجنائي باتاً أو يلغى .
نطاق الحجية :
تتحدد نطاق حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني على النحو الآتي :
(1) الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحكمة المدنية :
لا تسري حجية الحكم الجنائي على الدعوى المدنية إلا إذا كانت مرفوعة أمام المحكمة المدنية فلا حجية للحكم الجنائي على الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحكمة الجنائية بالتبعية لدعوى جنائية منظورة أمامها، لإنتفاء الحكمة من ذلك، لأن هذه الدعوى يفصل فيها القضاء الجنائي ذاته، وتخضع في إجراءاتها لقانون الإجراءات الجنائية. فإذا حدث وصدر الحكم الجنائي في الدعويين الجنائية والمدنية التابعة لها ولم يطعن المتهم ولا النيابة العامة في الشق الجنائي من الحكم ثم طعن المدعي المدني وحده في الشق المدني، حينئذ ستكون الدعوى المدنية وحدها أمام محكمة الجنح المستأنفة، فيكون لها أن تفصل في الدعوى المدنية المرفوعة أمامها دون التقيد بالحكم الجنائي رغم أنه صار باتاً، فإذا كان الحكم الأخير صادراً بالبراءة، فليس ما يمنع المحكمة الاستئنافية من القضاء بالتعويض للمجني عليه استناداً إلى إرتكاب المتهم الجريمة .
ويشترط ألا يكون القضاء المدني قد فصل في الدعوى المدنية نهائياً .
أما إذا كان قد فصل فيها وصار حكمه فيها باتاً فلا حجية لحكم جنائي يصدر بعد ذلك حتى لو تعارض مع الحكم المدني، فنص المادة محل التعليق صريح في أن تكون حجية الحكم الجنائي في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً من المحاكم المدنية .
(2) وحدة الواقعة :
لا تسري حجية الحكم الجنائي أمام القاضي المدني إلا في حدود الواقعة التي فصل فيها هذا الحكم الجنائي، هي ذات الواقعة التي رفعت الدعوى المدنية أمام القاضي المدني بطلب التعويض عن الأضرار التي سببتها. ويقصد بوحدة الواقعة وحدة الفعل المادي وهي العلة التي تقررت من أجلها قاعدة حجية الحكم الجنائي أمام القاضي المدني .
(3) قصر الحجية على مدى ثبوت الواقعة :
إذا تبين أن الواقعة المرفوع بشأنها دعوى التعويض المدني أمام المحكمة المدنية هي نفسها الواقعة الجنائية التي فصل فيها الحكم الجنائي، فتقتصر حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني على ما فصل فيه الحكم الجنائي من حيث ثبوت الواقعة الجنائية المنسوبة للمتهم أو عدم ثبوتها، فقد نصت المادة محل التعليق في فقرتها الأولى على أن يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة، قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها". فإذا قضى الحكم الجنائي بالإدانة استناداً إلى ثبوت الواقعة الجنائية المادة (النشاط والنتيجة وعلاقة السببية) في حق المتهم، فإن هذا الحكم يحوز حجية أمام القاضي المدني، ولا يستطيع الأخير أن يرفض الحكم بالتعويض لمن أصابه ضرر من هذه الجريمة بدعوى عدم ثبوت الواقعة، وكذلك إذا قضى الحكم الجنائي بالبراءة، وكان مبنى البراءة انتفاء الواقعة المادية نفسها أو عدم كفاية الأدلة عليها، فتكون للحكم الجنائي حجيته، ويمتنع على المحكمة المدنية الحكم بالتعويض المدني .
(4) الوصف الجنائي للواقعة :
متى فصل الحكم الجنائي في الواقعة الجنائية المرفوعة بها الدعوى بوصف معين لها، فيكون لهذا الوصف حجية أمام القاضي المدني، ولا يملك أن يعطيه وصفاً جنائياً مخالفاً لذلك الوصف، فإذا قضى الحكم الجنائي بأن وصف الواقعة المرفوعة بها الدعوى خيانة أمانة، فلا يقبل من المحكمة المدنية أن تخالف هذا الوصف وتخلع على الفعل وصف السرقة .
مساهمة غير المتهم في إرتكاب الجريمة أو في إحداث الضرر :
قد يحدث أن ينتهي الحكم الجنائي إلى تقرير أن غير المتهم قد ساهم في إرتكاب الجريمة، أو أن المجني عليه أو غيره قد ساهم بخطئه مع المتهم في إحداث الضرر، فهل يحوز هذا التقرير من جانب الحكم الجنائي حجية أمام القاضي المدني إذا ما رفعت إليه دعوى مدنية بطلب التعويض عن هذا الضرر؟ الرأي السائد فقهاً وقضاء أن هذا التقرير من جانب الحكم الجنائي لا يحوز حجية أمام القاضي المدني ويستطيع الأخير أن يحكم على خلافه، أي يستطيع أن يؤكد أن الضرر نشأ عن فعل المتهم وحده، كما يستطيع - وهو في مقام تقدير التعويض إعمالاً للمادة (216) من القانون المدني - أن يحكم بأن المجني عليه أو الغير قد ساهما في إحداث الضرر على الرغم من أن الحكم الجنائي يكون قد نفي ذلك، وذلك تأسيساً على أن إنتهاء الحكم الجنائي إلى أن غير المتهم ساهم معه في إرتكاب الجريمة سواء كان المجني عليه أو غيره، أو أن أحداً لم يساهم مع المتهم في ذلك، أمر يتعلق بتقدير العقوبة بين حديها الأدنى والأقصى، وهذا التقدير مسألة لا يلتزم القاضي الجنائي بتسبيبها .
وغني عن البيان أن هذا التقرير من جانب الحكم الجنائي لم يرد النص عليه في منطوقه بمعنى أنه لم يكن معروضاً على القاضي الجنائي الفصل في مسئولية من ساهم مع المتهم جنائياً، أما إن كان الحكم الجنائي قد فصل في أن متهماً مسئول بصفته فاعلاً للجريمة ومتهماً آخر مسئول بصفته فاعلاً معه أو شريكاً له وأوقع على هذا الآخر عقوبة جنائية أو قرر أنه غير مسئول جنائياً وحكم ببراءته فيكون لهذا الحكم حجيته أمام القضاء المدني .
مدى حجية أحكام البراءة :
نصت المادة محل التعليق على أنه "يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها، ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على إنتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون" وعلى ذلك، إذا كان مبني الحكم الجنائي الصادر بالبراءة أن الفعل غير معاقب عليه جنائياً لعدم وجود نص جنائي يعاقب عليه، فلا تكون لهذا الحكم قوة الشيء المحكوم فيه أمام المحكمة المدنية، وبالتالي فإنه لا يمنع هذه المحكمة من البحث فيما إذا كان هذا الفعل مع تجرده من صفة الجريمة قد نشأ عنه ضرر يصح أن يكون أساساً للتعويض طبقاً لأحكام القانون المدني.. مثل مسئولية حارس الأشياء .
وإذا حكمت المحكمة الجنائية بالبراءة لأن القانون الجنائي لا يعاقب المتهم لإنتفاء الركن المعنوي لديه كعدم ثبوت القصد الجنائي مثلاً أي مع ثبوت الواقعة مادياً، فلا تكون لهذا الحكم حجية أمام القاضي المدني تمنعه من الحكم بالتعويض، ويكون لهذا القاضي أن يحكم بالتعويض على أساس القانون المدني، فإذا صدر حكم بالبراءة في جنحة ضرب عمد على أساس تخلف القصد الجنائي، فليس ما يمنع من صدور حكم القاضي المدني بالتعويض على أساس وجود إهمال من الفاعل أدى إلى إصابة المجني عليه وحدث ضرر له من جراء إصابته .
حجية الجنائي على المدني من النظام العام :
القاعدة التي تقرر حجية الحكم الجنائي أمام المحاكم المدنية من النظام العام. فيجب على المحكمة إعمالها من تلقاء نفسها، ولكل من الخصوم التمسك بها في أية حالة كانت عليها الدعوى، وليس لأحد أن يتنازل عنها، مع ملاحظة فهم تعبير المحاكم المدنية على أنها جميع المحاكم غير الجنائية، فحجية الحكم الجنائي تقوم أمام أية محكمة غير جنائية مثل المحاكم الإدارية وغيرها . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الرابع ، الصفحة : 279 )
القاعدة العامة في حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني :
إذا فصل في الدعوى الجنائية قبل الفصل في الدعوى المدنية فيكون للحكم الجنائي حجية الشيء المحكوم فيه إزاء الدعوى المدنية بمعنى أن تكون المحكمة ملزمة بإحترامه وبعدم الحكم على نقيض ما إنتهى إليه من نتائج ملزمة .
والحكمة من تقرير هذه القاعدة متعددة الجوانب فمن جهة أولى أن الدعوى الجنائية يسبقها تحقيق ابتدائي مفصل واف ثم أن للقضاء الجنائي سلطات واسعة في التحقيق ورسالة خاصة هي رسالة الفصل في ثبوت الواقعة في حق المتهم ومن الطبيعي أن تكون نتائج التحقيق الذي يجريه في نظر القانون وبحسب الواقع المألوف أقرب إلى تحري وجه الصواب من تحقيق قد يجري بمعرفة أية جهة أخرى، ومن جهة ثانية يجب أن تكون للأحكام الجنائية هيبتها الخاصة لدى الجميع، ومن جهة ثالثة أن الدعاوى الجنائية عامة ترفع بإسم المجتمع فينبغي أن يكون الحكم الصادر فيها حجة على جميع هؤلاء الأفراد بما فيهم المتهم والمضرور من الجريمة .
الدكتور رؤوف عبيد المرجع السابق ص 254
مبررات القاعدة :
تستند هذه القاعدة إلى عدة مبررات أهمها :
1) أن الدعاوى الجنائية ترفع بإسم المجتمع الذي يضم جميع أفراد الدولة ولذلك يجب أن يكون الحكم الصادر فيها حجة على هؤلاء الأفراد ومنهم المتهم والمضرور من الجريمة .
2) أن الأحكام الجنائية يجب أن يكون لها إحترامها وهيبتها لدى جميع الأفراد، ولذلك فإن السماح لهم بمعاودة مناقشتها أمام القضاء المدني يضعف من الإحترام الواجب لها ويهدر هيبتها .
3) يحول تطبيق هذه القاعدة دون تضارب الحكمين (الجنائي والمدني) .
شروط حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني :
يشترط لحجية الحكم الجنائي ما يلي :
1) أن يكون الحكم الجنائي صادراً في موضوع الدعوى الجنائية بالإدانة أو بالبراءة سواء من محكمة عادية أو خاصة وبالتالي لا يجوز حجية الأحكام والأوامر الأتية :
أ) الأحكام التي لم تفصل في موضوع الدعوى الجنائية كالأحكام الوقتية أو التحضيرية أو كالحكم بعدم القبول أو بعدم الإختصاص .
ب) القرارات والأوامر الصادرة من سلطات التحقيق الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية الصادر من النيابة العامة أو من قاضي التحقيق أو من مستشار الإحالة .
ج) الأمر الجنائي سواء أصدر من القاضي أو من النيابة العامة لأنه في حقيقة الواقع ليس حكماً جنائياً وإن حاز قوة الأمر المقضي فيما يتعلق بإنقضاء الدعوى الجنائية .
2) سبق صدور الحكم الجنائي على الفصل نهائياً في الدعوى المدنية وقد صرح الشارع بهذا الشرط فقصر قوة الحكم الجنائي على "الدعاوى التي لم يكن قد فصل نهائياً والفصل النهائي في الدعوى المدنية يعني صدور حكم بات فاصل في موضوعها ويعني ذلك أنه إذا صدر الحكم النهائي قبل أن يصدر في الدعوى المدنية حكم بات تقييد به القاضي المدني ولو كانت هذه الدعوى مطروحة على محكمة النقض وعلة هذا الشرط إعتبارات الإستقرار القانوني فإذا صدر الحكم البات في الدعوى المدنية فقد انقضت ولم يعد مجال البحث فيها حتى يتقيد به القاضي بقيد ما ومن ناحية ثانية فقد إستقرت بهذا الحكم المراكز القانونية لأطراف الدعوى المدنية فلا يجوز إدخال الإضطرارب عليها .
يحوز الحكم الجنائي حجيته أمام المحاكم المدنية عند نظرها للدعوى المدنية المؤسسة على نفس الواقعة الإجرامية الجريمة التي كانت موضوعاً للحكم الجنائي بصرف النظر عن السبب والموضوع والخصوم لأن الدعويين الجنائية والمدنية مختلفان في كل ذلك، فيكفي إذن لحيازة الحكم الجنائي لحجيته أمام القضاء المدني أن يكون أساس الدعوى المدنية هو ذات العمل الذي فصلت فيه المحكمة الجنائية أي أن تكون الدعوى المدنية مؤسسة على الفعل غير المشروع الذي قضت فيه هو ذاته المحكمة الجنائية باعتباره جريمة .
نطاق حجية الحكم الجنائي أمام القاضي المدني :
يحوز الحكم الجنائي البات الصادر في موضوع الدعوى الجنائية الحجية أمام القضاء المدني فيما يتعلق بثبوت وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم وفيما يتعلق بوصفها القانوني ومن حيث تقدير العناصر التي تكون لازمة وضرورية للفصل في التهمة المرفوعة بها الدعوى العامة وبالنسبة للحكم بالبراءة المستند إلى أسباب معينة على التفصيل الآتي :
1) من حيث ثبوت الفعل وإسناده إلى المتهم إذا ثبت لدى المحكمة الجنائية وقوع الفعل ونسبته إلى المتهم يجب أن تسلم المحكمة المدنية بذلك وليس لها أن تقضي برفض الدعوى المدنية استناداً إلى عدم وقوع الفعل أو عدم إمكان إسناده إلى المتهم .
2) تكون للحكم الجنائي هذه الحجية فيما يتعلق بالوصف القانوني الواقعة كذلك. فهو يقيد المحكمة المدنية فإذا حكمت المحكمة الجنائية على المتهم مثلاً بوصف فعل الإختلاس الذي صدر منه خيانة أمانة فلا يقبل من المجني عليه أن يثبت أمام المحكمة المدنية بعدئذ أن الواقعة في حقيقتها سرقة حتى يتوصل إلى التمكن من رفع دعوى الإسترداد أو للتحرر من قيد الإثبات بالكتابة عندما يتطلبه القانون لمثل إثبات عقد الأمانة وإذا حكمت المحكمة بإعتبار وصف الواقعة ضرباً بسيطاً وأدانت المتهم بناءً على هذا الوصف نافية رابطة السببية بين الضرر ووفاء المجني عليه فليس للمحكمة المدنية أن تعارض في ذلك وتعتبر الواقعة ضرباً مفضياً إلى موت المجني عليه قائلة بتوافر هذه السببية أو أن تعتبر قتلاً عمداً بتوافر نية القتل أيضاً على عكس ما قضى به الحكم الجنائي .
الدكتور رؤوف عبيد المرجع السابق ص 256.
3) ومن حيث تقدير العناصر الضرورية للفصل في التهمة فإذا قررت المحكمة الجنائية تحقق الضرر وكان يدخل في تكوين الجريمة إذا كان يعتبر ظرفاً مشدداً لعقوبتها فلا تستطيع المحكمة المدنية أن ترفض الدعوى المدنية استناداً إلى إنتفاء الضرر أما إذا ارتأت المحكمة ترتب الضرر على الفعل دون أن يكون لتحققه أو لإنتفائه أثر في تكييف الواقعة أو في تقدير عقوبتها فإن المحكمة المدنية لا تتقيد بهذا الرأي وبالتالي تستطيع أن ترفض دعوى التعويض على أساس انتفاء عنصر الضرر .
4) حتى يحوز الحكم الجنائي حجية الشيء المحكوم فيه أمام القضاء المدني يلزم أن يكون صادراً في موضوع الدعوى العمومية أي أن يكون صادراً بالبراءة أو بالإدانة وهذا ما أكدته صراحة المادة (456) في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم المدنية ... ويلاحظ أنه ليس كل حكم يصدر في موضوع الدعوى الجنائية يحوز الحجية أمام القضاء المدني وبعبارة أخرى فإن الحكم الذي يحوز الحجية أمام القضاء المدني يلزم أن يكون صادراً في الموضوع ولكن ليست كل الأحوال الصادرة في الموضوع تحوز الحجية أمام القضاء المدني ولعل هذا المعنى ما قصده المشرع في المادة (456) من قانون الإجراءات الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم المدنية ... فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها فالأحكام الجنائية الصادرة في الموضوع فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها هي التي تحوز الحجية أمام القضاء المدني فمثلها أن تحكم المحكمة بالبراءة كلما رأت أن القانون لا يعاقب على الفعل المنسوب إلى المتهم سواء كان عدم العقاب لإنعدام أحد أركان الجريمة أو لوجود سبب من أسباب الإباحة أو مانع من موانع المسئولية أو موانع العقاب أو سقوط الدعوى العمومية فالمحكمة في حالة التقادم مثلاً عليها أن تقضي بالبراءة وليس مجرد القضاء بسقوط الدعوى .
حجية الحكم الجنائي على المدني من النظام العام :
حجية الحكم الجنائي على المدني تعد من النظام العام فليس لمن تقررت له لن يتنازل عنها وعلى المحكمة أن تتقيد بقواعدها من تلقاء نفسها دون إنتظار طلب أو دفع بها من صاحب الشأن .
الدكتور رؤوف عبيد المرجع السابق ص 258
وقد نصت المادة (101) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية في فقرتها الأخيرة على أنه (وتقضي المحكمة بهذه الحجية من تلقاء نفسها) وتقوم هذه الحجية وكما جاء بالمذكرة الإيضاحية لقانون الإثبات على ما يفرضه القانون من صحة مطلقة في حكم القضاء رعاية لحسن سير العدالة وضماناً للإستقرار الإقتصادي والإجتماعي وهي أغراض تتصل اتصالاً وثيقاً بالنظام العام ومن ثم فإنه يتعين على القاضي فيما تتحقق من توافر الشروط الواردة بالمادة (101) من قانون الإثبات القضاء بعدم قبول الدعوى أو بعدم جواز نظرها لسابقة الفصل فيها ويكون ذلك ولو من تلقاء نفسه . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الرابع ، الصفحة : 76 )
إذا أصدرت المحكمة الجنائية حكماً فاصلاً في موضوع الدعوى الجنائية وكانت الدعوى المدنية منظورة أمام القضاء المدني ، فالقاعدة هي أن الحكم الجنائي يحوز حجية أمام القضاء المدني فيما فصل فيه وكان فصله ضرورياً للحكم في الدعوى الجنائية .
وقد نصت على هذه القاعدة المادة 456 إجراءات تحت عنوان أثر الحكم الجنائي بالنسبة للمحاكم المدنية حيث جاء بها يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها، ويكون الحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون .
ولا شك أن هذه القاعدة لها ما يبررها ، فالمحكمة الجنائية هي المختصة أصلاً ببحث وقوع الجريمة وتكييفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها، ولذلك فهي مخولة سلطات في الإثبات لا تتوافر للمحكمة المدنية، فكان من الطبيعي أن يكون لحكمها الحجية أمام القضاء المدني، هذا فضلاً عن أن الحكم الجنائي باعتباره صادراً في دعوى عمومية تتعلق بحق المجتمع في العقاب لابد أن يكفل له المشرع الهيبة والحجية بالنسبة للكافة .
شروط حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني :
لكي يكون الحكم الجنائي الصادر في الدعوى الجنائية له حجية أمام القضاء المدني المنظورة أمامه الدعوى المدنية لابد من توافر الشروط الآتية :
1- اتحاد الواقعة في الدعويين هو أمر ضروري ولازم في جميع الأحوال التي يراه فيها المشرع الأحكام والدعاوي بعضها ببعض ، وهو العلة التي من أجلها يكون الحكم الجنائي الفاصل حجية أمام المحكمة المدنية التي تتعرض لذات الواقعة . ولا يلزم أن يكون هناك اتحاد في الخصوم أو في الموضوع كما هي القاعدة العامة في حجية الأحكام، ومن ثم فإن حجية الحكم الجنائي هنا أمام المحكمة المدنية هي استثناء من القواعد العامة المتعلقة بحجية الأحكام والتي تستلزم اتحاد في السبب والموضوع والخصوم، إذ يكفي هنا للإحتجاج بالحجية أن تكون هناك وحدة في الواقعة، ويحتج بها على الكافة حتى على الأشخاص الذين لم يكونوا خصوماً في الدعوى الجنائية وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأنه يجب أن تكون للحكم الجنائي الصادر بالإدانة حجية أمام المحاكم المدنية متى كان أساس الدعوى المدنية هو ذات الفعل الذي فصلت فيه المحكمة الجنائية وإلا أدى ذلك إلى وجود تناقض بين الحكم الجنائي والحكم المدني بشأن فعل واحد بعينه هو الذي استوجب العقاب .
2- أن يكون الحكم الجنائي صادراً في موضوع الدعوى الجنائية بالإدانة أو البراءة . والمقصود بذلك أن يكون الحكم فاصلاً في الموضوع ، ولذلك فلا تحوز حجية الأحكام الأخرى غير الفاصلة في الموضوع كالأحكام التمهيدية والتحضيرية وعدم القبول وعدم الاختصاص، ويستوي بعد ذلك أن يكون الحكم صادراً من محكمة جنائية عادية أو من محكمة خاصة أو استثنائية ، ويلاحظ أن الحكم الذي يتمتع بهذه الحجية هو فقط ذو الطبيعة الجنائية، فالحكم الصادر من المحكمة الجنائية في الدعوى المدنية التبعية لا يجوز هذه الحجية وإنما يخضع للقواعد العامة في حجية الأحكام الصادرة في الدعاوى المدنية التي وردت أحكامها بالقانون المدني وقانون المرافعات .
3- أن يكون الحكم الجنائي حائزاً لقوة الشيء المقضي به أي يكون باتاً. فإذا لم يكن كذلك بأن كان قابلاً للطعن بالمعارضة أو الاستئناف أو النقض فلا تكون له هذه الحجية لإحتمال إلغائه عند الطعن فيه .
وعلى ذلك فلا تكون هناك حجية أمام القضاء المدني للقرارات الصادرة من سلطات التحقيق بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية حتى ولو صارت نهائية لأنها ليست أحكاماً كما أن الأمر الجنائي وأن اتفق في آثاره مع الأحكام الجنائية الصادرة من المحكمة إلا أنه ليس حكماً بالمعنى الدقيق ولذلك لا يحوز حجية أمام القضاء المدني وإن كانت له حجية أمام القضاء الجنائي كما سنرى في موضعه ، وذلك نظراً للطبيعة الخاصة بأمر الحكم الجنائي حتى ولو كان صادر من القاضي .
4- ألا تكون الدعوى المدنية أمام القضاء المدني قد فصل فيها بحكم اكتسب قوة الشيء المقضي به ، إذ يجب أن تكون الدعوى المدنية ما زالت منظورة أمام القضاء المدني .
5- أن يكون الحكم الجنائي قد فصل في الموضوع لازم للحكم في الدعوى الجنائية .
العناصر التي تحوز الحجية في الحكم الجنائي أمام القضاء المدني :
ليست جميع المسائل التي وردت بالحكم الجنائي تحوز الحجية أمام القاضي المدني ، فهذه الحجية قاصرة على بعض عناصر الحكم دون البعض الأخر .
والمعيار الذي يهتدى به هذا الشأن هو أن جميع العناصر الفاصلة في مسائل ضرورية ولازمة للحكم في الدعوى الجنائية تتمتع بالحجية أمام القضاء المدني، فإذا لم تكن ضرورية لذلك انتفت عنها صفة الحجية أمام القاضي المدني . ويستوي بعد ذلك أن تكون هذه العناصر قد وردت في منطوق الحكم أو وردت بذلك الجزء من الأساليب الذي يعتبر مكملاً للمنطوق .
والعناصر ذات الحجية أمام القضاء المدني هي :
أولاً : صحة وقوع الجريمة :
فالحكم الجنائي له حجية فيما يتعلق بثبوت وقوع الجريمة من عدمه، والمقصود بوقوع الجريمة الوجود المادي والقانوني لها، بمعنى أن القاضي المدني ملزماً بما ورد بالحكم الجنائي متعلقاً بوقوع الفعل المادي المكون للجريمة وحدوث النتيجة لم تقع غير المشروع وعلاقة السببية بينهما، فإذا انتهى الحكم الجنائي إلى أن الجريمة لم تقع أصلاً أو حكمت بانتفاء رابطة السببية بين الفعل والنتيجة فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تناقش وقوع الفعل أو أن تناقش علاقة السببية فإذا قدم متهم بتهمة الضرب المفضي إلى عاهة مستديمة واعتبرت المحكمة الجنائية الواقعة مجرد ضرب بسيط لإنتفاء علاقة السببية بين الفعل والنتيجة فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تقضي بالتعويض على أساس العاهة بإعتبار أن علاقة السببية قائمة بين السلوك وهذه النتيجة غير المشروعة، كذلك ليس للمحكمة المدنية أن تناقش أية نتيجة كانت تحت بصر المحكمة الجنائية قبل الحكم الجنائي، ولكن للمحكمة المدنية أن تأخذ في تقديرها للتعويض المضاعفات التي نتجت عن الجريمة ولم تأخذها المحكمة الجنائية في اعتبارها نظراً لحدوثها بعد الحكم، ومثال ذلك مدة المرض مثلاً في جريمة الإيذاء البسيط إذا زادت عن مدة العشرين يوماً .
كذلك بالنسبة لإنتفاء الجريمة لانعدام القصد الجنائي إذا كانت العناصر المكونة للقصد الجنائي هي بذاتها المكونة للمسئولية المدنية، وتطبيقاً لذلك حكم بأن الحكم بالبراءة لانتفاء القصد في جريمة النصب يكون له حجية أمام المحكمة المدنية فيما يتعلق بإنتفاء التدليس كعيب من عيوب الرضاء ، ولذلك فإن المضرور يتعين عليه أن يؤسس دعواه على أسباب أخرى خلاف التدليس لإثبات عیب الإرادة .
وعلى ذلك فإن صحة وقوع الجريمة لا تشمل فقط النتيجة غير المشروعة التي تحققت وإنما أيضاً الواقعة الإجرامية بجميع عناصرها وظروفها وكيفية حدوثها ، وكذلك أيضاً عناصرها النفسية المستوجبة للمسئولية الجنائية : أي أنها تشمل جميع العناصر التي بتوافرها تقوم الجريمة . ولذلك إذا حكم القاضي الجنائي بالإدانة في جريمة قتل خطأ فلا يجوز للمحكمة المدنية مناقشة ثبوت الخطأ من عدمه ويتعين عليها أن تفصل في موضوع الدعوى المدنية بما يتفق وما جاء بالحكم الجنائي .
أما إذا كان الحكم الجنائي قد قضى بالبراءة لتخلف عنصر من عناصر الجريمة وبالتالي انتهى إلى انتفائها فإن القاضي المدني لا يتقيد بهذا الحكم، وإلا إذا كانت الدعوى المدنية قد أسست على ذات العنصر الذي انتهت المحكمة الجنائية إلى تخلفه أما إذا كان أساس الدعوى الجنائية مختلفاً فلا يتقيد القاضي المدني بالحكم الجنائي، ومفاد ذلك أن القاضي المدني يتقيد بالحكم الجنائي فيما فصل فيه إذا كان هناك اتحاد في الواقعة بعناصرها المادية والمعنوية بين الدعويين، فإن اختلفت الواقعتين في أحد عناصرهما فلا تتقيد المحكمة المدنية إلا بالنسبة للعناصر موضوع الإتفاق دون العناصر الأخرى .
وتطبيقاً لذلك فإن المحكمة المدنية لا تتقيد بحكم البراءة الصادر في جريمة الإصابة الخطأ أو القتل الخطأ لإنتفاء الإهمال وعدم الإحتياط إذا كانت الدعوى المدنية قد أسست على العنصر المادي للواقعة فقط بإعتبار أن المشرع المدني يفترض الخطأ في جانب المدعى عليه، كما هو الشأن في المسئولية عن فعل الحيوان مثلاً فهنا تتقيد المحكمة المدنية فقط بما جاء بالحكم الجنائي متعلقاً بوقوع الفعل المادي ، أما ما جاء به متعلقاً بانتفاء الركن المعنوي فلا تتقيد به المحكمة بإعتباره أمراً غير لازم لها للفصل في الدعوى المدنية، أما الوقوع المادي للفعل فهو أمر ضروري لها ومن ثم يتعين أن تلتزم بما جاء بالحكم الجنائي .
ثانياً : الوصف القانوني للجريمة :
تتقيد المحكمة المدنية بالوصف القانوني للواقعة والوارد بالحكم الجنائي فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تحكم في الدعوى المدنية المنظورة أمامها بناء على تكييف لها الواقعة بما يتناقض مع ما انتهى إليه الحكم الجنائي .
وتطبيقاً لذلك إذا حكمت المحكمة الجنائية بأن الواقعة هي ضرب جسيم فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تعتبرها ضرباً بسيطاً وتقضي بناء على ذلك. ولا يجوز للمحكمة المدنية أن تكيف الواقعة تكييفاً مغايراً لما قضت به المحكمة الجنائية طالما أن العناصر التي تدخلها في التكييف كانت تحت بصر القاضي الجنائي قبل الحكم. ولذلك لا يجوز للمحكمة أن تفصل في الدعوى المدنية على أساس أن الواقعة هي ضرب مفض إلى موت بينما قضت المحكمة الجنائية بإنتفاء رابطة السببية وعقاب المتهم بوصف الواقعة ضرب بسيط، كذلك إذا حكمت المحكمة الجنائية بمعاقبة المتهم عن الواقعة بوصفها خيانة أمانة فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تفصل في دعوى الإسترداد المرفوعة أمامها بوصف الواقعة سرقة، ويدخل في الوصف القانوني أيضاً الظروف المشيدة والمتعلقة بجسامة الضرر فإذا انتهى القاضي الجنائي إلى تكييف الواقعة بناء على توافر الظرف المشدد المتمثل في جسامة الضرر حال ذلك دون الفصل في الواقعة بإعتبار الضرر اليسير .
ثالثاً : إسناد الفعل للمتهم :
الحكم الجنائي يعتبر حجة أمام القاضي المدني أيضاً فيما يتعلق بثبوت التهمة قبل الفاعل. ويستوي في هذه الحالة أن يكون الحكم قاطعاً في نفي التهمة أو متشكك فيها، فبراءة المتهم بناء على الثبوت القطعي بعدم ارتكابها تستوي مع البراءة المؤسسة على عدم كفاية الأدلة، وهذا ما حرص المشرع على النص عليه صراحة في المادة 456 بقوله «ويكون الحكم بالبراءة هذه القوة بني على انتقاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة» .
وتأسيساً على ذلك إذا حكم القاضي الجنائي بانتفاء التهمة في القتل الخطأ بناء على أن المتهم لم يرتكب السلوك المادي المؤدي إلى النتيجة فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تناقض هذه الواقعة من جديد، كذلك أيضاً إذا كانت البراءة لإنتفاء التهمة تأسيساً على نفي الخطأ غير العمدي فلا يجوز للقاضي المدني بحث الإهمال أو عدم الإحتياط، وإذا كان الحكم الجنائي قد أسس البراءة على أساس أن النتيجة قد تدخل في أحداثها عامل خارجي تمثل في خطأ الغير أو خطأ المجني عليه المضرور ذاته فلا يصح للقاضي المدني التعرض لعلاقة السببية هذه ويكون حكم القاضي الجنائي حجة في هذا المجال في نفيه للتهمة أو إسنادها إلى المتهم .
ومع ذلك فإن مثل هذا الحكم الجنائي لا ينفي إمكان الحكم في الدعوى المدنية بالتعويض إذا كان أساس الحكم المدني ليس هو ثبوت التهمة أو ثبوت الخطأ أو ثبوت علاقة السببية وإنما كان مؤسساً على المسئولية المفترضة. وإذا كانت المسئولية المفترضة تنفي بإنتفاء رابطة السببية فإن الحكم الجنائي القاضي بانتفاء هذه الرابطة يعتبر حجة فيما قضى به بالنسبة للمحكمة المدنية .
ما يقيد حجية الحكم الجنائى أمام القضاء المدنى
لا يكون للحكم الجنائي أمام القضاء المدني حجية في حالتين :
الحالة الأولى - الحكم بالبراءة لعدم العقاب على الفعل : لا تثبت الحجية أمام المحكمة المدنية لحكم البراءة المؤسس على أن القانون لا يعاقب على الفعل ذلك أن المشرع قدر أن الحكم بالبراءة لعدم العقاب على الفعل ليس معناه انتفاء المسئولية المدنية ولا يمنع أن تكون نفس هذه الواقعة فعلاً ضاراً يوجب ملزومية فاعله بتعويض الضرر ، ولذلك فإن الحكم في هذه الحالة لا يعتبر فاصلاً في واقعة ضرورية للفصل في الدعوى المدنية باعتبار أن السبب المنشئ للدعوى المدنية مختلف عن الأساس الذي بنت عليه المحكمة الجنائية حكمها، ولذلك فإن الحكم الجنائي لا يقيد القاضي المدني إلا في حالة نفيه الإسناد إلى الفاعل بالنسبة لواقعة منشئة لنتائج جنائية ومدنية، أما إذا كان الحكم قد انتهى إلى أن الفعل المنسوب إلى المتهم لا يكون فعلاً معاقباً عليه بمقتضى قانون العقوبات فإن المحكمة المدنية لا تكون ملزمة بما قضى به، ويستوي أن يكون سبب عدم العقاب على الفعل هو لأن القانون ليس به نص تجريمي يعاقب به عليه، أو أن يكون الفعل لم تكتمل له العناصر القانونية اللازمة توافرها لكي تقوم الجريمة ومثال ذلك انتفاء الركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي وكان القانون لا يعاقب إلا على مانع من موانع العقاب ففي جميع هذه الأحوال لا تتقيد المحكمة المدنية بما جاء بالحكم بالبراءة ، وقد سبق لنا أن رأينا أن المحكمة الجنائية ذاتها يمكن أن تحكم بالتعويض رغم أنها حكمت بالبراءة لانتفاء القصد الجنائي أو لوجود مانع من موانع المسئولية أو مانع من موانع العقاب ، فيكون للمحكمة المدنية أن تفصل في الدعوى المدنية غير مقيدة بما انتهى إليه الحكم الجنائي بهذا الصدد من باب أولى .
الحالة الثانية : لا يكون للحكم الجنائي حجية فيما فصل فيه ولم يكن ضرورياً للحكم في الدعوى الجنائية، ففي جميع الأحوال لا يكون الحكم الجنائي حجة أمام القضاء المدني إلا إذا كان ما فصل فيه من حيث وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها وتكييفها القانوني وكل ما عدا ذلك من عناصر الحكم ضرورياً للفصل في الدعوى الجنائية، فإذا لم يكن فصله ضرورياً فلا قيمة لما جاء به أمام المحكمة المدنية ويكون لها أن تقضي بغير ما ورد به، ومثال ذلك أن تقضي المحكمة ببراءة المتهم لأن القانون لا يعاقب على الواقعة ومع ذلك تقضي بتوافر رابطة السببية بين السلوك والنتيجة، فإثبات رابطة السببية بين السلوك والنتيجة ليس لازماً للحكم بالبراءة والذي يكفي فيه أن الواقعة غير معاقب عليها قانوناً. فيمكن للمحكمة المدنية في هذه الحالة أن تحكم بانتفائها ، ومثال ذلك أن يقدم شخص إلى المحكمة الجنائية بتهمة الإتلاف غير العمدي وتنتهي المحكمة إلى البراءة تأسيساً على أن القانون لا يعاقب على الإتلاف غير العمدي ومع ذلك تقضي المحكمة بثبوت الإهمال في حق الفاعل ، فثبوت الإهمال هنا ليس من العناصر الضرورية للحكم بالبراءة والذي يكفي فيه التأكد من انتفاء القصد الجنائي ، ولذلك يجوز للمحكمة المدنية أن ترفض الدعوى المدنية تأسيساً على انتفاء الخطأ المدني . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 927 )