طلب استشارةواتساباتصال

يحكم القاضي فى الدعوى حسب العقيدة ، التي تكونت لديه بكامل حريته ، ومع ذلك لا يجوز له أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه فى الجلسة . وكل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة الإكراه أو التهديد به يهدر ولا يعول عليه .

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

الأحكام

1- المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن لقاضى الموضوع السلطة التامة في بحث الدلائل والمستندات المقدمة له تقديماً صحيحاً ، وفى موازنة بعضها بالبعض الآخر وترجيح ما تطمئن نفسه إلى ترجيحه منها ، وفى استخلاص ما يرى أنه هو واقعة الدعوى ، دون أن يكون لمحكمة النقض أية رقابة عليه في ذلك ، ولو أخطأ في نفس الأمر لأن خطأه يكون في فهم الواقع في الدعوى لا في فهم حكم القانون في هذا الواقع ، ومحكمة النقض لا تنظر إلا في مسائل القانون ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا صورة واحدة هي أن يثبت القاضي مصدراً للواقعة التي يستخلصها يكون وهمياً لا وجود له ، أو يكون موجوداً ولكنه مناقض لما أثبته أو غير مناقض ولكن يستحيل عقلاً استخلاص الواقعة منه كما فعل هو .

 

( الطعن رقم 4838 لسنة 89 ق - جلسة 23 / 2 / 2020 )
 

2-  مدار الإثبات فى المواد الجنائية ليس إلَّا اطمئنان المحكمة إلى ثبوت أو نفي الوقائع المطروحة عليها ، فمتى استقرت عقيدتها على رأي فلا يهم أن يكون ما استندت إليه فى ذلك دليلًا مباشراً مؤدياً بذاته إلى النتيجة التي انتهت إليها ، أو غير مباشر لا يوصل إلى هذه النتيجة إلَّا بعملية منطقية ، ولذلك فإن محكمة الموضوع متى قالت بثبوت واقعة ، وأوردت الأدلة التي اعتمدت عليها ، وكانت هذه الأدلة من شأنها أن تؤدى عقلًا إلى ما قالت به فلا تصح مجادلتها فى ذلك لدى محكمة النقض ، وكان من المقرر وفقًا لنص المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية أن القاضي الجنائي يحكم فى الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، مما يطرح أمامه على بساط البحث فى الجلسة دون إلزام عليه بالتقيد بطريق معين من طرق الإثبات إلَّا إذا أوجب عليه القانون ذلك ، أو حظر عليه سلوك طريق معين فى الإثبات ، وإذ كان ذلك ، وكان القانون قد خلا من نص يوجب على المحكمة التقيد فى إثبات جريمتي القتل العمد والشروع فيه المسندتين للطاعن بطريق معين من طرق الإثبات ، فإن إثباتها يكون بكافة طرق الإثبات .

( الطعن رقم 13238 لسنة 85 - جلسة 2018/01/09 )

3- لما كان الطعن على الحكم لمخالفته أحكام المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية إنما محله ألا يكون للدليل أصل فى التحقيقات الأولية ، ولما كان القانون لا يمنع المحكمة أن تعول على أقوال شاهد فى التحقيقات الأولية وفي أي دور من أدوار التحقيق إلى جانب شهادة الشهود الذين سمعتهم ، وكان لها فى سبيل تكوين عقيدتها أن تأخذ بأقوال الشاهد وإن لم تسمع شهادته بنفسها متى كانت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث فى الجلسة واطمأنت إلى صحتها . لما كان ذلك ، فإنه لا تثريب على المحكمة إن هي اعتمدت فى حكمها على أقوال شاهدي الإثبات والتي أدلوا بها فى التحقيق ، ولو لم تسمعها بنفسها ، مادام أن الطاعن كان بإمكانه مناقشة أقوالهم أو أن يطلب من المحكمة سماعها إذا رأى فى ذلك ما يسند دفاعه .

( الطعن رقم 37214 لسنة 85 - جلسة 2017/12/28 )

4- لما كان البين من الاطلاع على محضر جلسة ..... أن المدافع عن الطاعن دفع ببطلان الاعتراف للتعذيب الواقع على المتهم وللإكراه المادي والأدبي ..... وأن النيابة حين ناظرت المتهم وجدت به إصابات عديدة ولا يُعقل أن المتهم أحدثها بنفسه .... وأن هذه الإصابات قبل عرض المتهم على النيابة بوقت كبير ... ، وأضاف أن والدة المتهم وأشقاءه تم تعذيبهم فى ديوان الشرطة حتى يعترف المتهم وأن المتهم قُبض عليه من يوم ... وظل محجوزاً حتى يوم ... وأنه بُوشر عليه التعذيب حتى يعترف وأيضا القبض السابق وهو اعتراف باطل من أثر الإكراه المعنوي والتعذيب " . كما تبين من مطالعة المفردات وجود شكوى مقدمة من الطاعن إلى مدير نيابة مركز ... بتاريخ ... يلتمس فيها إعادة سماع أقواله لبطلان اعترافه لأنه وليد إكراه مادى ومعنوي تعرض له هو ووالدته وأشقاؤه وزوجة شقيقه وبناته وقد تأشر عليها بالنظر والإرفاق ، كما تبين وجود برقية تلغرافية من ... شقيق الطاعن إلى محامى عام ... ومقيدة برقم ... عرائض وهى تتضمن ذات مضمون الشكوى المقدمة من الطاعن سالفة الذكر وتأشر عليها من المحامي العام فى ... بما يفيد إرسالها لنيابة ... لاتخاذ اللازم قانوناً ، كما تبين وجود شكوى من نفس شقيق الطاعن إلى مدير نيابة ... بها ذات المضمون وتأشر عليها من مدير النيابة بتاريخ ... وقد تم سؤاله فى تحقيق النيابة فى ذات التاريخ فقرر أنه بتاريخ ... تم القبض عليه وشقيق الطاعن ووالدته ... وزوجته ... وشقيقته ... وابنته ... وقامت الشرطة بتعذيب والدته بالكهرباء وحلق شعر رأسها أمام الطاعن لإجباره على الاعتراف ، وأن الطاعن طلب من الشرطة ترك أهليته وسوف يقول ما يملي عليه ، وأنه أشهد على ذلك كلا من ... و... وبسؤالهما شهدا بصحة واقعة حجز الطاعن وأهليته بديوان نقطة ... التابعة لمركز شرطة ... إبان حدوث واقعة قتل المجنى عليها وأن الحجز استمر حوالى ثمانية أيام ، ويبين من مطالعة قرار المحامي العام لنيابة ... أنه بعد أن أمر بإحالة الطاعن إلى محكمة جنايات ... أمر بنسخ صورة من الأوراق تخصص عن واقعة الحجز بدون وجه حق يتم التصرف فيها استقلالاً ، ويبين أيضا من مطالعة محاضر جلسات المحاكمة أنه بسؤال ... ابنة شقيق الطاعن شهدت بالقبض عليها ووالديها وجدتها وشقيقتها وحجزها بنقطة شرطة ... وتعذيبهم أمام الطاعن ، كما شهدت أيضا هي وشاهدتا الإثبات ... جارة المجنى عليها ... شقيقة الطاعن أن ما شهدن به فى تحقيقات النيابة لا يطابق الحقيقة وأنهن أدلين به إثر ما تعرضن له من ضغط وتعذيب من رجال الشرطة ، كما شهد... بواقعتي القبض والحجز بدون وجه حق . لما كان ذلك ، وكان يبين من الحكم المطعون فيه أنه استند فيما استند إليه فى إدانة الطاعن إلى اعترافه فى تحقيق النيابة ، وأنه عرض لدفاع الطاعن ببطلان اعترافه لما شابه من إكراه مادى تمثل فى الاعتداء عليه بالضرب من أفراد الشرطة واستدل بما ورد بتقرير الطب الشرعي من جواز حدوث إصابات المتهم وفقاً لما قرره بالتحقيقات بأنه أحدثها بنفسه ، بيد أن الحكم لم يعرض لما أثاره الطاعن ومدافعه ببطلان اعترافه المعزو إليه بتحقيقات النيابة لصدوره وليد إكراه أدبى للقبض عليه وذويه وحجزهم داخل مقار الشرطة وممارسة الضغط عليه وتهديده بأفراد أسرته . لما كان ذلك ، وكان من المقرر عملاً بمفهوم نص المادة 42 من الدستور والفقرة الثانية من المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 أن الاعتراف الذى يعول عليه أن يكون اختيارياً وهو لا يصير كذلك ولو كان صادقاً إذا صدر تحت وطأة الإكراه أو التهديد به ، كائناً ما كان قدره ، وكان الدفع ببطلان الاعتراف هو دفع جوهري يجب على محكمة الموضوع مناقشته والرد عليه رداً سائغاً مادام الحكم قد عول فى قضائه بالإدانة على هذا الاعتراف ، وكان الوعيد أو الإغراء يعد قرين الإكراه والتهديد لأن له تأثيره على حرية المتهم فى الاختيار بين الإنكار أو الاعتراف ويؤدى إلى حمله على الاعتقاد بأنه قد يجنى من وراء الاعتراف فائدة أو يتجنب ضرراً مما كان يتعين معه على المحكمة وقد دُفع أمامها بأن اعتراف الطاعن نتيجة إكراه أدبى تعرض له تمثل فى القبض على والدته وأشقائه وحجزهم بمقار الشرطة وتعذيبهم إذا هو أنكر الاتهام والوعد بتجنيبه ما هُدد به فى حالة إدلائه بالاعتراف أن تتولى هي تحقيق هذا الدفاع وتقدير الأدلة التي أشارت إليها أوراق الدعوى والمتمثلة فى البلاغات والشكاوى والبرقيات المرسلة من الطاعن وشقيقه للنيابة وأقوال الشهود بتحقيقات النيابة العامة وبمحاضر جلسات المحاكمة ، وتبحث الصلة بين هذا الإكراه المدعى به وسببه وعلاقته بهذا الاعتراف فإن هي نكلت عن ذلك ، ولم تعرض البتة للصلة بين التهديد والوعد وبين اعترافه الذى عولت عليه وتقول كلمتها فيه فإن حكمها يكون معيباً بالإخلال بحق الدفاع فضلاً عن القصور فى التسبيب ، ولا يُغنى عن ذلك ما أورده الحكم من أدلة أخرى إذ أن الأدلة فى المواد الجنائية متساندة يشد بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضي بحيث إذا سقط إحداها أو اسُتبعد تعذر التعرف على مبلغ الأثر الذى كان لهذا الدليل الباطل فى الرأي الذى انتهت إليه المحكمة .

( الطعن رقم 4923 لسنة 78 - جلسة 2009/04/07 - س 60 ص 201 ق 26 )

5- من المقرر عملاً بمفهوم المادة 42 من الدستور والفقرة الأخيرة من المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية - أن الاعتراف الذي يعول عليه يتحتم أن يكون اختياريا، وهو لا يعتبر كذلك - ولو كان صادقا. إذا صدرت تحت وطاة الإكراه أو التهديد به كائنا ما كان قدره، وكان الأصل أنه يتعين على المحكمة إن هي رأت التعويل على الدليل المستمد من الاعتراف أن تبحث الصلة بينه وبين الإكراه المقول بحصوله وأن تنفي قيام هذا الإكراه فى استدلال سائغ. وكان ما أورده الحكم المطعون فيه تبريرا لاستناده إلى الدليل المستمد من اعتراف الطاعنين بتحقيق النيابة العامة ليس من شأنه أن يؤدي إلى إهدار ما دفع به الطاعن من بطلان هذا الاعتراف لصدوره وليده إكراه لما يمثله من مصادرة لدفاع الطاعنين قبل أن ينحسم أمره لأنه لا يصح فى منطق العقل والبداهة أن يرد الحكم على الدفع ببطلان الاعتراف الحاصل أمام جهة من جهات التحقيقات لأنه كان وليد الإكراه باطمئنانه إلى هذا الاعتراف لحصوله أمام تلك الجهة ولعدم ذكر من نسب إليه الاعتراف أمامها أنه كان مكرها عليه ما دام أنه ينازع فى صحة ذلك الاعتراف أمام تلك الجهة .

( الطعن رقم 23449 لسنة 71 - جلسة 2002/02/05 - س 53 ص 224 ق 41 )

6- إن الشرعية الإجرائية سواء ما اتصل منها بحيدة المحقق أو بكفالة الحرية الشخصية والكرامة البشرية للمتهم ومراعاة حقوق الدفاع جميعها ثوابت قانونية أعلاها الدستور والقانون وحرص على حمايتها القضاء ليس فقط لمصلحة خاصة بالمتهم وإنما بحسبانها فى المقام الأول تستهدف مصلحة عامة تتمثل فى حماية قرينة البراءة وتوفير اطمئنان الناس إلى عدالة القضاء من أجل ذلك نص الدستور فى المادة 41 منه على أن الحرية الشخصية حق طبيعى وهو مصونة لا تمس . وفيما عدا حالة التلبس لايجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأى قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع _ويصدر هذا الأمر من القاضى المختص أو النيابة العامة ،وذلك وفقاً لأحكام القانون . كما نص الدستور أيضاً فى المادة 42 منه على أن كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأى قيد تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ، ولايجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً ، كما لايجوز حجزه أو حبسه فى غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون ، وكل قول يثبت أنه صدر من مواطن تحت وطأة شىء مما تقدم أو التهديد بشىء منه يهدر ولا يعول عليه ، وهو ذات ما أوردته المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية .

( الطعن رقم 18753 لسنة 65 - جلسة 1998/12/15 - س 49 ص 1456 ق 207 )

7- لما كان الحكم المطعون فيه بعد أن سرد واقعات الدعوى ومضمون الأدلة التى استند إليها فى قضائه ومن بينها اعتراف الطاعن الأول بتحقيقات النيابة العامة حصل دفع الطاعن الأول ببطلان اعترافه فى قوله : ( وقرر المتهم الأول أنه تعرض للضرب بقسم الشرطة وأن الاعتراف كان نتيجة إكراه ) ثم رد على هذا الدفع بقوله : ( وحيث إنه عن الدفع ببطلان اعتراف المتهم الأول وأنه كان نتيجة إكراه وعدم صدق اعترافه وأن ماديات الدعوى تخالف اعترافه وتصويره للحادث فمردود عليه بأن الاعتراف فى المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التى تملك محكمة الموضوع كامل الحرية فى تقدير صحتها وقيمتها فى الإثبات ولها أن تأخذ به متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع ، كما أن لها أن تقدر عدم صحة ما يدعيه المتهم من أن الاعتراف المعزو إليه قد انتزع منه بطريق الإكراه أو صدر منه على إثر أجراء باطل بغير معقب عليها مادامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة . لما كان ذلك ، وكانت المحكمة تطمئن تمام الاطمئنان إلى صحة اعتراف المتهم الأول فى تحقيقات النيابة العامة وأنه كان عن طواعية واختيار وجاء مطابقا للحقيقة والواقع ومنزها من شبهة الإكراه ومن ثم تعول المحكمة عليه فى قضائها وتشيح المحكمة عن هذا الدفاع جملة وتفصيلا ولا تعول المحكمة على إنكار المتهم الأول بجلسة المحاكمة وادعائة أنه تعرض للضرب بقسم الشرطة وأن الاعتراف كان نتيجة إكراه لاطمئنانها إلى أدلة الثبوت السابقة وإلى أن المتهم الأول اعترف أمام النيابة العامة دون أن يذكر هذا المتهم أمامها أن ثمة إكراها قد وقع عليه وأن هناك إكراه معنوى تمثل فى بقاء المتهم الأول من 5 / 7 حتى 14 / 7 / 1992 فى قبضة المباحث ومما يجعل المحكمة تشيح عن ما ادعاه المتهم الاول ودفاعه كمحاولة يائسة للنكول عن اعترافه الذى تأيد بأدلة الثبوت السابقة ما يلى : 1 - أن المتهم الأول قرر بمحضر معاينة النيابة بتاريخ 20 / 7 / 1992 بارتكابه والمتهم الثانى للحادث بعد مضى أربعة أيام من اعترافه بالتحقيقات بالنيابه العامة لدى استجوابه بتاريخ 16 / 7 / 1992 ولم يذكر أمامها أن ثمة إكراها قد وقع عليه أو أنه كان تحت قبضة المباحث طوال تلك الفترة 2 - أن المتهم الأول حضر جلسة تجديد الحبس بتاريخ 25 / 7 / 1993 ولم يذكر الدفاع الحاضر معه بالجلسة أن ثمة إكراه وقع على المتهم أو أنه كان محتجزا دون وجه حق ولم يدفع ببطلان الاعتراف وكذلك بجلسات 1 / 8 / 1993 ، 29 / 8 / 1992 ، 12 / 10 / 1992 ، 19 / 10 / 1992 ، 25 / 10 / 1992 ، ولو كان المتهم الأول قد تعرض لثمة إكراه مادى أو معنوى وقع عليه لبادر الدفاع إلى الكشف عن هذه الإصابات وطلب تحقيق واقعة القبض بدون وجه حق وإبداء هذا الدفاع وإثباته بمحاضر الجلسات وهو ما لم يحدث .3 - لم يثبت من الأوراق أن الدفاع تقدم بطلب الى النيابة العامة لإثبات أن هناك ثمة إكراه مادى أو معنوى تعرض له المتهم الأول يبطل الاعتراف الوارد على لسانه بمحضر التحريات وبتحقيقات النيابة العامة ومن ثم فإن المحكمة تقضى برفض الدفع ببطلان الاعتراف وتعتبر المحكمة ما أثاره الدفاع فى هذا الخصوص قول مرسل ولم يقدم دليل على صحته مما يتعين الالتفات عنه . ولما كان ذلك ، وكان من المقرر - عملاً بمفهوم المادة 42 من الدستور والفقرة الأخيرة من المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية - أن الاعتراف الذى يعول عليه يتحتم أن يكون اختياريا ، وهو لا يعتبر كذلك - ولو كان صادقا - إذا صدر تحت وطأة الإكراه أو التهديد به كائنا ما كان قدره ، وكان الأصل أنه يتعين على المحكمة إن هى رأت التعويل على الدليل المستمد من الاعتراف أن تبحث الصلة بينه وبين الإكراه المقول بحصوله وأن تنفى قيام هذا الإكراه فى استدلال سائغ ، وإذ كان هذا الذى أورده الحكم المطعون فيه تبريرا لاستناده إلى الدليل المستمد من اعتراف الطاعن الأول بتحقيق النيابة العامة ليس من شأنه أن يؤدى إلى إهدار ما دفع به الطاعن من بطلان هذا الاعتراف لصدوره وليد إكراه لما يمثله من مصادرة لدفاع الطاعن الأول قبل أن ينحسم أمره لأنه لا يصح فى منطق العقل والبداهة أن يرد الحكم على الدفع ببطلان الاعتراف الحاصل أمام جهة من جهات التحقيق لأنه كان وليدا لإكراه باطمئنانه إلى هذا الاعتراف لحصوله أمام تلك الجهة ولعدم ذكر من نسب إليه الاعتراف أمامها أنه كان مكرها عليه ، مادام أنه ينازع فى صحة ذلك الاعتراف أمام تلك الجهة .

( الطعن رقم 3943 لسنة 65 - جلسة 1996/01/10 - س 47 ع 1 ص 55 ق 6 )

8- من المقرر - عملاً بمفهوم المادة 42 من الدستور والفقرة الثانية من المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 - أن الاعتراف الذي يعول عليه يتحتم أن يكون اختياريا، وهو لا يعتبر كذلك - ولو كان صادقاً - إذا صدر تحت وطأة الإكراه أو التهديد به، كائناً ما كان قدره، وكان الأصل أنه على المحكمة - إن هي رأت التعويل على الدليل المستمد من الاعتراف أن تبحث الصلة بينه وبين الإكراه المقول بحصوله وأن تنفي هذا الإكراه فى تدليل سائغ، وإذ كان ما أورده الحكم فيما تقدم، ليس من شأنه إهدار ما تمسك به الطاعن من بطلان اعترافه لصدوره تحت وطأة الإكراه، ذلك بأن تحرير الطاعن الاعتراف بخطه وإقراره بصحته فى تحقيق النيابة العامة واعترافه بهذا التحقيق ولدى النظر فى تجديد أمر حبسه وعدم ملاحظة وكيل النيابة وجود إصابات ظاهرة بالطاعن ونفيه له أنه أجبر على الاعتراف وإيضاحه كيفية ارتكاب الجريمة، كل ذلك لا ينفي حصول الإكراه، وكان الحكم قد اتخذ من تلك الأسباب سنداً للتعويل على اعتراف الطاعن، دون أن يدلل على أن هذا الاعتراف قد صدر منه عن إرادة حرة، فإنه يكون فوق فساده فى الاستدلال مشوباً بالقصور فى التسبيب.

( الطعن رقم 23758 لسنة 59 - جلسة 1990/03/08 - س 41 ع 1 ص 504 ق 84 )

9- من المقرر وفق المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 أن القاضي الجنائي يحكم فى الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، إلا أنه محظور عليه أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه بالجلسة، يستوي فى ذلك أن يكون دليلا على الإدانة أو للبراءة، وذلك كي يتسنى للخصوم الاطلاع عليه والإدلاء برأيهم فيه - لما كان ذلك - وكان الحكم المطعون فيه قد أشار إلى أن الدعوى مرتبطة بدعوى أخرى وأحال بشأن وقائع كل منها للأخرى لوحدة المستندات والدفاع فيها دون أن يفصح عن وقائع الدعوى الأخرى التي قال أنها مرتبطة بهذه الدعوى ولم يأمر بضم أوراقها لها حتى يتيح للمدعي بالحق المدني - الطاعن - والذي لم يكن طرفا فيها فرصة الاطلاع عليها وإبداء وجهة نظره فى المستندات والدفاع التي قال الحكم أنها واحدة فى الدعويين بما يعجز محكمة النقض عن مراقبة صحة تطبيق القانون بشأن ما ارتآه من قيام ارتباط بين الدعويين مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

( الطعن رقم 781 لسنة 49 - جلسة 1979/12/06 - س 30 ع 1 ص 902 ق 192 )

10- كان من المقرر وفق المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية أن القاضي الجنائي يحكم فى الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حرية مما يطرح أمامه فى الجلسة دون إلزام عليه بطريق معين فى الإثبات إلا إذا استوجبه القانون أو حظر عليه طريقاً معيناً فى الإثبات. وإذا كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتمد فى إثبات تزوير السند موضوع جريمة الاستعمال إلى ما انتهى إليه تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير المرفق بأوراق الدعوى المدنية المضمومة - من أن الكاتب للتوقيع المنسوب صدوره إلى المدعية بالحقوق المدنية شخص آخر غيرها، فإن ادعاء الطاعن بأن الحكم المطعون فيه أحال فى ذلك إلى الحكم الصادر فى الدعوى المدنية يكون غير صحيح.

( الطعن رقم 830 لسنة 47 - جلسة 1977/12/26 - س 28 ع 1 ص 1085 ق 221 )

11- من المقرر وفق المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية أن القاضي الجنائي يحكم فى الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته مما يطرح أمامه فى الجلسة دون إلزام عليه بطريق معين فى الإثبات إلا إذا استوجبه القانون أو حظر عليه طريقاً معيناً فى الإثبات. وإذ كان ذلك، وكان قانون الإجراءات الجنائية قد نص فى المادة 221 على أن "تختص المحكمة الجنائية بالفصل فى جميع المسائل التي يتوقف عليها الحكم فى الدعوى الجنائية المرفوعة أمامها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك" وفي المادة 222 على أنه "إذا كان الحكم فى الدعوى الجنائية يتوقف على نتيجة الفصل فى دعوى جنائية أخرى وجب وقف الأولى حتى يتم الفصل فى الثانية" وفي الفقرة الأولى من المادة 323 على أنه "إذا كان الحكم فى الدعوى الجنائية يتوقف على الفصل فى مسألة من مسائل الأحوال الشخصية جاز للمحكمة الجنائية أن توقف الدعوى وتحدد أجلاً للمتهم أو للمدعي بالحقوق المدنية أو المجني عليه حسب الأحوال لرفع المسألة المذكورة إلى الجهة ذات الاختصاص" وفي المادة 224 على أنه "إذا انقضى الأجل المشار إليه فى المادة السابقة ولم ترفع الدعوى إلى الجهة ذات الاختصاص يجوز للمحكمة أن تصرف النظر عن وقف الدعوى وتفصل فيها. كما يجوز لها أن تحدد للخصم أجلاً آخر إذا رأت أن هناك أسباباً معقولة تبرر ذلك"، وفي المادة 456 على أنه "يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية فى موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية فى الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها. ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو عدم كفاية الأدلة. ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبيناً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون" وفي المادة 457 على أن "لا تكون للأحكام الصادرة من المحاكم المدنية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها" وأخيراً فى المادة 458 على أن "تكون للأحكام الصادرة من محاكم الأحوال الشخصية فى حدود اختصاصها قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية فى المسائل التي يتوقف عليها الفصل فى الدعوى الجنائية" فإن المشرع بذلك كله قد أمد القاضي الجنائي - وهو يفصل فى الدعوى الجنائية - إدانة أو براءة - بسلطة واسعة تكفل له كشف الواقعة على حقيقتها كي لا يعاقب برئ أو يفلت جان، فلا يتقيد فى ذلك إلا بقيد يورده القانون، ومن ثم كان له الفصل فى جميع المسائل التي يتوقف عليها الفصل فى الدعوى الجنائية لأن قاضي الأصل هو قاضي الفرع - وليس عليه أن يقف الفصل فيها تربصاً لما عسى أن يصدر من أية محكمة غير جنائية من محاكم السلطة القضائية أو من أية جهة أخرى، وهو لا يتقيد بأي قرار أو حكم يصدر فيها اللهم إلا بحكم قد صدر فعلاً من محكمة الأحوال الشخصية فى حدود اختصاصها وفي المسألة - فحسب - التي يتوقف عليها الفصل فى الدعوى الجنائية - وفق صريح نص المادة 458 سالفة الذكر - لما كان ذلك فإن هذه المحكمة وقد انتهت إلى عدم الاعتداد بالقرار الوزاري مثار الطعن لمخالفته القانون، فليس ينال من ذلك فى مجال الدعوى الجنائية ما عسى أن يكون قد سبق أن لحقه من حصانة نتيجة قعود الطاعن عن الطعن فيه لدى الجهة الإدارية المختصة .

( الطعن رقم 1192 لسنة 45 - جلسة 1975/11/23 - س 26 ص 718 ق 159 )

12- إن الطعن على الحكم لمخالفته أحكام المادة 187 من قانون الإجراءات الجنائية والتمسك بأحكام المادة 379 منه التى تعطى للنيابة العامة والمتهم والمدعى بالحقوق المدنية و المسئول عنها الحق فى أن يعارض فى سماع الشهود الذين لم يسبق إعلانهم بأسمائهم ، إنما محله أن يعلن الإتهام أو الدفاع عن المتهم شهوداً لم تدرج أسماؤهم بالقائمة ، كما أن الطعن على الحكم لمخالفته أحكام المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية إنما محله أن لا يكون للدليل أصل فى التحقيقات ، ولما كان القانون لا يمنع المحكمة من أن تعول على أقوال شاهد فى التحقيقات الأولية ، وفى أى دور من أدوار التحقيق إلى جانب شهادة الشهود الذين سمعتهم وكان لها فى سبيل تكوين عقيدتها أن تأخذ بأقوال الشاهد وإن لم تسمع شهادته بنفسها متى كانت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث فى الجلسة وإطمأنت إلى صحتها ، لما كان ذلك فإنه لا تثريب على المحكمة إن هى إستشهدت فى حكمها بأقوال الشهود التى أدلوا بها فى التحقيق ، ولو لم تسمعهم بنفسها ، ما دامت الطاعنة كان فى إمكانها مناقشة أقوالهم أو أن تطلب من المحكمة سماعهم إذا رأت فى ذلك ما يسند دفاعها .

( الطعن رقم 445 لسنة 25 - جلسة 1955/06/07 - س 6 ع 2 ص 1107 ق 323 )

13- العبرة فى المحاكمات الجنائية هي باقتناع القاضي بناء على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته ولا يصح مطالبته بالأخذ بدليل دون دليل، كما أنه من المقرر أن لمحكمة الموضوع كامل الحرية فى أن تستمد اقتناعها من أي دليل تطمئن إليه طالما أن له مأخذ صحيح من أوراق الدعوى كما أن لها أن تعول فى تكوين معتقدها على أقوال متهم آخر متى اطمأنت إليها، ومن حقها كذلك أن تعول على أقوال شهود الإثبات وتعرض عن قالة شهود النفي ما دامت لا تثق بما شهدوا به وهي غير ملزمة بالإشارة إلى أقوالهم طالما أنها لم تستند إليها فى قضائها. وإذ كان ما أورده الحكم يعتبر سائغاً فى الرد على دفاع الطاعن وكان ما يثيره الطاعن بشأنه لا يعدو أن يكون جدلاً فى تقدير أدلة الثبوت فى الدعوى مما تستقل به محكمة الموضوع ولا يجوز أن تصادر فى اعتقادها بشأنه، فإن النعي على الحكم فى هذا الخصوص لا يكون له محل .

( الطعن رقم 113 لسنة 43 - جلسة 1973/03/26 - س 24 ع 1 ص 427 ق 89 )

14- من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفه من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها أصلها فى الأوراق، كما أنه لا يشترط فى الدليل أن يكون صريحاً دالاً بنفسه على الواقعة المراد إثباتها بل يكفي أن يكون ثبوتها منه عن طريق الاستنتاج مما تكشف للمحكمة من الظروف والقرائن وترتيب النتائج على المقدمات. ولما كان الحكم المطعون فيه أثبت فى حق الطاعن بأدلة لها معينها الصحيح فى الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها - وبما لا ينازع الطاعن فيه - أنه بارح الباخرة القادمة من بيروت حاملاً علبة من الكرتون وأن المخدر قد ضبط بمعرفة مأموري الجمرك مخبأ بين طيات هذه العلبة، فإن الحكم إذ استخلص استناداً إلى تلك الأدلة أن الطاعن كان قد حصل قبل ركوبه الباخرة على المخدر المضبوط وأخفاه بين طيات العلبة التي كان يحملها، يكون قد استخلص صورة الدعوى استخلاصاً سائغاً .

( الطعن رقم 111 لسنة 43 - جلسة 1973/03/26 - س 24 ع 1 ص 416 ق 87 )

15- من القواعد الأساسية فى القانون أن إجراءات المحاكمة فى الجنايات يجب أن تكون فى مواجهة المتهم ومحاميه ما دام قد مثل أمام المحكمة, كما أنه من المقرر ألا تبني المحكمة حكمها إلا على العناصر والأدلة المستمدة من أوراق الدعوى المطروحة على بساط البحث تحت نظر الخصوم. ولما كان ما تضمنته إشارة إدارة شرطة ميناء الإسكندرية وخطاب مصلحة أمن المواني من بين ما أسست المحكمة عليه قضاءها برفض الدفع الذي أبدته الطاعنة ببطلان الضبط , وكان ضم هاتين الورقتين إلى أوراق الدعوى قد تم بعد إقفال باب المرافعة وبعد أن خلت المحكمة للمداولة دون أن يكون ذلك فى مواجهة الطاعنة ومحاميها, فإن المحكمة تكون قد بنت حكمها على أحد العناصر التي لم تكن مطروحة على بساط البحث بالجلسة مما يعيب الحكم المطعون فيه ويستوجب نقضه .

( الطعن رقم 634 لسنة 43 - جلسة 1973/10/14 - س 24 ع 3 ص 833 ق 173 )

16- وإن كان يشترط فى دليل الإدانة أن يكون مشروعاً ، إذ لا يجوز أن تبنى إدانة صحيحة على دليل باطل فى القانون ، إلا أن المشروعية ليست بشرط واجب فى دليل البراءة ، ذلك بأنه من المبادئ الأساسية فى الإجراءات الجنائية أن كل متهم يتمتع بقرينة البراءة إلى أن يحكم بإدانته بحكم بات ، وأنه إلى أن يصدر هذ الحكم له الحرية الكالملة فى إختيار وسائل دفاعه بقدر ما يسعفه مركزه فى الدعوى وما تحيط نفسه من عوامل الخوف والحرص والحذر وغيرها من العوارض الطبيعية لضعف النفوس البشرية ، وقد قام على هدى هذه المبادئ حق المتهم فى الدفاع عن نفسه وأصبح حقاً مقدساً يعلو على حقوق الهيئة الإجتماعية التى لا يضيرها تبرئة مذنب بقدر ما يؤذيها ويؤذى العدالة معاً ، إدانة برئ ، هذا إلى ما هو مقرر من أن القانون - فيما عدا ما إستلزمه من وسائل خاصة للإثبات - فتح بابه أمام القضاء الجنائي على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلاً إلى الكشف عن الحقيقة ويزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر ، مع حرية مطلقة فى تقدير ما يعرض عليه ووزن قوته التدليلية فى كل حالة حسبما يستفاد من وقائع الدعوى وظروفها ، مما لا يقبل معه تقييد حرية المحكمة فى دليل البراءة بإشتراط مماثل لما هو مطلوب فى دليل الإدانة ، وبالتالى يكون منعى الطاعنين فى هذا الصدد ، على غير سند .

( الطعن رقم 6097 لسنة 53 - جلسة 1984/02/15- س 35 ص 153 ق 31 )

17- لما كان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن الأول لم يثر شيئاً عما ينعاه فى أسباب طعنه عن بطلان التسجيلات التى أجرتها الشرطة فليس له من بعد أن يثر هذا الأمر لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييباً للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سبباً للطعن فى الحكم ، هذا إلى أنه ليس ما يمنع المحكمة من الأخذ بهذه التسجيلات - على فرض بطلانها - على أنها عنصر من عناصر الإستدلال ما دام أنه كان مطروحاً على بساط البحث و تناوله الدفاع بالمناقشة .

( الطعن رقم 2352 لسنة 52 - جلسة 1983/01/04- س 34 ص 36 ق 4 )

18- إغفال المحكمة الاطلاع على الورقة موضوع الدعوى عند نظرها يعيب إجراءات المحاكمة لأن اطلاع المحكمة بنفسها على الورقة المزورة إجراء جوهري من إجراءات المحاكمة فى جرائم التزوير يقتضيه واجبها فى تمحيص الدليل الأساسي فى الدعوى على اعتبار أن تلك الورقة هي الدليل الذي يحمل أدلة التزوير. ومن ثم يجب عرضها على بساط البحث والمناقشة بالجلسة فى حضور الخصوم ليبدي كل منهم رأيه فيها ويطمئن إلى أن الورقة موضوع الدعوى هي التي دارت مرافعته عليها - ولا يغير من ذلك ما هو مبين على حرز الورقة من اطلاع المحكمة عليها لأن الاطلاع يتعين أن يقع فى حضرة الخصوم - لما كان ذلك - وكان لا يبين من محاضر جلسات المحاكمة الابتدائية أو الاستئنافية ولا من الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أن المحكمة قد اطلعت على المحرر موضوع الدعوى فى حضور الخصوم فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباً بما يبطله ويوجب نقضه .

( الطعن رقم 462 لسنة 44 - جلسة 1974/05/19 - س 25 ع 1 ص 491 ق 105 )

19- الأصل أن المضاهاة لم تنظم سواء فى قانون الإجراءات الجنائية أو فى قانون المرافعات المدنية بنصوص آمرة يترتب البطلان على مخالفتها إذ العبرة فى المسائل الجنائية إنما تكون باقتناع القاضي بأن إجراء من الإجراءات يصح أو لا يصح أن يتخذ أساساً لكشف الحقيقة، وللمحكمة أن تكون عقيدتها فى ذلك بكافة طرق الإثبات غير مقيدة بقواعد الإثبات فى القانون المدني فيحق لها أن تأخذ بالصورة الفوتوغرافية، كدليل فى الدعوى إذا ما اطمأنت إلى مطابقتها للأصل. وإذ كانت المحكمة قد رأت أن الأوراق التي اتخذها الخبير الاستشاري أساساً للمضاهاة هي أوراق تصلح لذلك واطمأنت إلى صحة المضاهاة عليها فلا يقبل من الطاعن أن يعود إلى مجادلتها فيما خلصت إليه من ذلك .

( الطعن رقم 633 لسنة 46 - جلسة 1976/11/07 - س 27 ع 1 ص 848 ق 192 )

20- لاينال من سلامة الحكم ما يدعيه الطاعن من وجود أحد رجال الرقابة الإدارية لدى سؤاله بتحقيق النيابة، ذلك أنه ليس فى حضور رجال الرقابة الإدارية التحقيق-بفرض صحة ذلك-ما يعيب اجراءته، لأن سلطان الوظيفة فى ذاته بما يسبغه على صاحبة من اختصاصات وسلطات لا يعد إكراه ما دام لم يستطل إلى المتهم بالأذى ماديا كان أو معنويا، إذ أن مجرد الخشيه منه لا يعد من الإكراه المبطل للأعتراف لا معنى لا حكما مالم تستخلص المحكمة من ظروف الدعوى وملابستها تاثر إدارة المتهم من ذلك السلطان حين أدلى باعترافه ومرجع الأمر فى ذلك لمحكمة الموضوع ولما كانت المحكمة قد استخلصت سلامة أعتراف الطاعن بتحقيق النيابة، فان ما ينعاه الطاعن على الحكم فى هذا الخصوص يكون فى غير محله .

( الطعن رقم 15077 لسنة 61 - جلسة 1993/01/20 - س 44 ع 1 ص 127 ق 13 )

21- تقدير حالة المتهم العقلية من الأمور الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيها مادامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة ، وهي لا تلتزم الالتجاء إلى أهل الخبرة إلا فيما يتعلق بالمسائل الفنية البحتة التي يتعذر عليها أن تشق طريقها فيها .

( الطعن رقم 6243 لسنة 56 - جلسة 1987/03/04 - س 38 ع 1 ص 378 ق 58 )

22- لما كان الحكم المطعون فيه قد عرض لطلب الدفاع عرض المتهمين على الطب الشرعى لبيان إصابة كل منهما وكيفية حدوثها ، فأطرحه بقوله " أنه بالنسبة لإصابة المتهم الأول ، فإن المذكور لم يطلب به وهو صاحب المصلحة فيه ، وفضلاً عن ذلك وبالنسبة للمتهمين فإن المحكمة بإعتبارها الخبير الأعلى فى الدعوى فإنها تطمئن إلى التقارير الطبية الموجودة بالأوراق ولا يكون هناك داع إلى إجابة الدفاع لطلب عرض المتهمين على الطب الشرعى ، وكان مؤدى ذلك أن الحكم رفض إجابة الدفاع إلى طلبه على دعامتين مستقلتين إحداهما هى إطمئنانه إلى التقارير الطبية المرفقة بالأوراق فهذا حسبه كيما يستقيم قضاءه . لما هو مقرر من أن تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من مطاعن ، مرجعه محكمة الموضوع التى لها كامل الحرية فى تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير ، شأنه فى ذلك شأن سائر الأدلة ، فلها مطلق الحرية فى الأخذ بما تطمئن إليه منها والإلتفات عما عداه ، ولا تقبل مصادرة المحكمة فى هذا التقدير ، وإذ كان ذلك ، وكانت المحكمة قد إطمأنت فى حدود سلطتها التقديرية إلى ما ورد بالتقارير الطبية وإستندت إلى الرأى الفنى الذى تضمنته عن إصابات الشاهد والطاعنين ، فإنه لا تجوز مجادلة المحكمة فى هذا الشأن ولا مصادرة عقيدتها فيه أمام محكمة النقض ، وهى غير ملزمة بإجابة طلب الدفاع ندب الطب الشرعى لإعادة الكشف على المتهمين ، ما دامت الواقعة قد وضحت لديها ولم تر هى من جانبها إتخاذ هذا الإجراء .

( الطعن رقم 279 لسنة 54 - جلسة 1984/10/31 - س 35 ص 706 ق 155 )

23- إذ كان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه إنه عول ضمن الأسباب التى أقام عليها قضاءه بإدانة الطاعن بجريمة هتك عرض المجنى عليها على ما جاء بتقرير المعامل من وجود حيوانات منوية على سروالها ، ولم يستجب إلى طلبه - وقد أنكر التهمة - تحليل تلك الآثار لبيان ما إذا كانت من فصيلة مادته من عدمه مستنداً فى ذلك إلى عدم جدوى هذا الطلب لمضى فترة طويلة على إرتكابه الواقعة . لما كان ذلك وكانت الحقائق العلمية المسلم بها فى الطب الشرعى الحديث تفيد إمكان تعيين فصيلة الحيوان المنوى . كما أشارت بعض المراجع الطبية العلمية إلى بيان طريقة إجراء بحث الفصائل المنوية والخطوات التى تتبع فيها . لما كان ما تقدم ، فقد كان متعيناً على المحكمة أن تحقق هذا الدفاع الجوهرى عن طريق المختص فنياً و هو الطبيب الشرعى أما وهى لم تفعل ، إكتفاء بما قالته من أن فوات فترة طويلة على الحادث يجعل التحليل أمراً غير مجد ، فإنها بذلك تكون قد أحلت نفسها محل الخبير الفنى فى مسألة فنية بحتة ، ومن ثم يكون حكمها معيباً إلى جانب الفساد فى الإستدلال بالإخلال بحق الدفاع مما يتعين معه نقضه والإحالة ، دون حاجة لبحث باقى أوجه الطعن .

( الطعن رقم 5779 لسنة 52 - جلسة 1983/01/04 - س 34 ص 52 ق 5 )

24- حيث إنه يبين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه إعتمد من بين ما إعتمد عليه فى إدانة الطاعن على التقرير الطبى الشرعى وإذ عرض لهذا التقرير لم يورد منه إلا قوله أنه بتشريح جثة المجنى عليه تبين أنه به إصابات راضية إحتكاكية حيوية حدثت من الإصطدام والإحتكاك بجسم أو أجسام صلبة راضة بعضها خشن وبعض السحجات الموصوفة بجثة المجنى عليه عبارة عن سحجات ظفرية آدمية وهى جائزة الحدوث من تعدى المتهم عليه وأن الإصابات الموصوفة بفتحة شرج المجنى عليه هى إصابات رضية حديثة نتيجة إعتداء جنسى حديث عليه وأن وفاة المجنى عليه ناشئة عن اسفكسيا الخنق بالضغط على العنق الذى تبين أنه به إنسكابات دموية حول العظم اللامى دون أن يبين مضمونه من وصف الإصابات المنسوب إلى الطاعن إحداثها وعددها وموضوعها من جسم المجنى عليه وكيفية حدوثها حتى يمكن التحقق من مدى مواءمتها لأدلة الدعوى الأخرى وكان لا يبين من الحكم أن المحكمة حين إستعرضت هذا الدليل فى الدعوى كانت ملمة به إلماما شاملا يهئ لها أن تمحصه التمحيص الشامل الكافى الذى يدل على أنها قامت بما ينبغى عليها من تدقيق البحث لتعرف وجه الحقيقة تمكيناً لمحكمة النقض من التعرف على صحة الحكم من فساده فإن الحكم يكون قد تعيب بالقصور .

( الطعن رقم 22515 لسنة 61 - جلسة 1993/11/09 - س 44 ع 1 ص 965 ق 149 )

25- الأصل أن للمحكمة أن تعول فى تكوين عقيدتها على التحريات باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة طالما أنها كانت مطروحة على بساط البحث، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة ولما كان الثابت أن محرر المحضر لم يبين للمحكمة مصدر تحرياته لمعرفة ما إذا كان من شأنها أن تؤدي إلى صحة ما انتهى إليه من أن الطاعن يؤجر وينسخ ويبيع الأفلام المضبوطة للغير لإثارة شهوات الجمهور وغرائزه، فإن التحريات بهذه المثابة لا تعدو أن تكون مجرد رأي لصاحبها يخض لاحتمالات الصحة والبطلان والصدق والكذب إلى أن يعرف مصدره ويتحدد كنهه ويتحقق القاضي منه بنفسه حتى يستطيع أن يبسط رقابته على الدليل ويقدر قيمته من حيث صحته أو فساده وإنتاجه فى الدعوى أو عدم إنتاجه، وإذ كانت المحكمة قد جعلت أساس اقتناعها وإنتاجه فى الدعوى أو عدم إنتاجه، وإذ كانت المحكمة قد جعلت أساس اقتناعها رأي محرر المحضر، فإن حكمها يكون قد بني على عقيدة حصلها الشاهد من تحريه لا على عقيدة استقلت المحكمة بتحصيلها بنفسها، وكان الحكم المطعون فيه خلا من قيام الدليل على توافر ركن القصد الجنائي لدى الطاعن فإنه يكون معيباً بالقصور.

( الطعن رقم 17759 لسنة 64 - جلسة 2000/03/20 - س 51 ص 320 ق 57 )

شرح خبراء القانون

ماهية مبدأ الإقتناع القضائى :

يعني مبدأ الاقتناع القضائي أن للقاضي أن يقبل جميع الأدلة التي يقدمها إليه أطراف الدعوى، فلا وجود لأدلة يحظر عليه القانون مقدماً قبولها، وله أن يستبعد أي دليل لا يطمئن إليه، فلا وجود لأدلة مفروضة عليه، وله بعد ذلك السلطة التقديرية الكاملة في وزن قيمة كل دليل على حدة، وله في النهاية سلطة التنسيق بين الأدلة التي قدمت إليه، واستخلاص نتيجة منطقية من هذه الأدلة مجتمعة ومساندة تتمثل في تقرير البراءة أو الإدانة وقد قررت هذا المبدأ المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية في قولها «يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته».

ولكن هذا المبدأ لا يعني ألبتة «التحكم القضائي». فلا يجوز للقاضي أن يقضي وفقاً لهواه، أو يحتكم في قضائه المحض عاطفته أو يعتمد على أسلوب تفكير بدائي، وإنما هو ملتزم بأن يتحرى المنطق الدقيق في تفكيره الذي قاده إلى اقتناعه وإذا كانت محكمة النقض لا تراقب القاضي في تكوين اقتناعه، فإنها بغير شك لا تقره على رأيه إذا تبين لها أن تفكيره قد جافي المنطق أو أخل بالأصول المسلم بها في الاستدلال القضائي وبالإضافة إلى ذلك، فقد وضع الشارع تنظيماً لتطبيق هذا المبدأ تضمن بعض القيود عليه، بل لقد أورد إستثناءات عليه عاد فيها - على نحو ما - إلى مبدأ «الأدلة القانونية». ( نقض 3 مارس سنة 1973 مجموعة أحكام محكمة النقض س 24 رقم 46 ص 208 ) . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الثاني ،  الصفحة : 846 )

دور القاضي الجنائي في الإثبات : إن السلطة الواسعة التي خولها الشارع للقاضي الجنائي في الإثبات تلقي عليه عبئاً أثقل مما يحمله قاض سلطته في الإثبات محدودة بقيود قانونية، كالقاضي المدني فالقاضي الجنائي دوره ايجابي في الإثبات، ولا يجوز له أن يقنع بفحص الأدلة التي يقدمها إليه أطراف الدعوى، وإنما يتعين عليه أن يتحرى بنفسه أدلة الدعوى، ويستثير الأطراف إلى تقديم أدلتهم، ومن ثم قيل إنه يتحرى «الحقيقة الموضوعية»، أي الحقيقة في كل نطاقها، وفي أدنى صورها إلى الواقع. وعلى خلاف ذلك، فإن القاضي المدني يلزم جانب الحياد بين أطراف الدعوى، ويتخذ لنفسه دوراَ أقل ايجابية، ويقتصر على فحص ما يقدمه إليه الأطراف من أدلة، ثم يقدرها ويبني عليها حكمه، ومن ثم قيل إنه يتحرى " الحقيقة الشكلية " أي الحقيقة في حدود الصورة التي يعرضها عليه الأطراف، وقد تختلف هذه الصورة عن الواقع وبالإضافة إلى تفسير الفرق بين دوري القاضي الجنائي والقاضي المدني باختلافهما من حيث مدى السلطة في الإثبات، فإنه يفسر هذا الفرق كذلك تعلق الدعوى الجنائية بالنظام العام مما يفرض على القاضي الجنائي أن يتحرى الحقيقة بنفسه وأن يتخذ لنفسه دوراً ايجابياً، أما الدعوى المدنية فتتعلق بنزاع بين مصالح خاصة، ومن ثم يقتصر دور القاضي المدني على فحص الصورة التي ارتضى أطراف الدعوى ضمناً عرضها عليه. وقد أكدت الدور الايجابي للقاضي الجنائي المادة 291 من قانون الإجراءات الجنائية في قولها « للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة ».

رقابة محكمة النقض : يترتب على اعتراف الشارع للقاضي بالسلطة في تقدير القيمة الاقناعية لكل دليل على حدة والقيمة الاقناعية للأدلة مجتمعة، أنه قد اعتبر هذا المجال موضوعاً لسلطة تقديرية كاملة لقاضي الموضوع، ويعني ذلك اعتباره مجالاً مغلقاً دون رقابة محكمة النقض . فلا يجوز لها أن تناقش اقتناع القاضي، فتقول إنه ما كان يجوز له أن يقتنع بدليل معين، أو أنه كان يتعين عليه أن يقتنع بدليل معين ولكن سلطة قاضي الموضوع ليست مطلقة . فإذا جافى تقديره المنطق، أي اعتمد في تفكيره على أساليب ينكرها المنطق السليم، كان لمحكمة النقض أن ترده إليه وإذا فرض الشارع قيوداً على مبدأ الاقتناع القضائي أو أورد عليه استثناءات، كانت لمحكمة النقض الرقابة على التزام القاضي هذه القيود وتطبيقه هذه الاستثناءات . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ،  الصفحة :  852 )

يتعين أن يستمد القاضي اقتناعه من أدلة عرضت في المحاكمة : نصت على هذه القاعدة المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية في قولها «ومع ذلك لا يجوز له (أي القاضي) أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه في الجلسة» وعلة هذه القاعدة هي مبدأ (الشفوية والمواجهة» في المحاكمة الجنائية، وهو مبدأ أساسي في الإجراءات الجنائية، وتقتضيه أولى بديهيات العدالة، فلا يجوز أن يأخذ القاضي بدليل قدمه أحد أطراف الدعوى إلا إذا عرضه شفوياً في جلسة المحاكمة بحيث يعلم به سائر أطراف الدعوى، فتتاح لهم مناقشته وإبداء آرائهم في قيمته : ومن عرض مقدم الدليل وتدعيمه له، ومن مناقشات سائر الأطراف وتقييمهم له يستطيع القاضي أن يحصل اقتناعاً معيناً في شأن قيمة هذا الدليل .

وأهم النتائج التي تترتب على هذه القاعدة هي «عدم جواز أن يقضي القاضي استناداً إلى معلوماته الشخصية».

لا يجوز للقاضي أن يقضي استناداً إلى معلوماته الشخصية : إذا كان القاضي يلتزم - كما قدمنا - بأن يستمد اقتناعه من الأدلة التي طرحت في جلسات المحاكمة وأتيحت لأطراف الدعوى مناقشتها، فإن النتيجة الحتمية لذلك هي عدم جواز استمداده اقتناعه من معلومات شخصية حصل عليها خارج الجلسة وفي غير نطاق المرافعات والمناقشات التي جرت فيها، ذلك أن هذه المعلومات لم تعرض في الجلسة ولم تتح مناقشتها وتقييمها، ومن ثم يكون الاعتماد عليها مناقضاً لمبدأ الشفوية والمواجهة الذي يسود مرحلة المحاكمة وبالإضافة إلى ذلك، فإن صفة القاضي بالنسبة لمعلوماته الشخصية أنه «شاهد»، وثمة تناقض بين صفتي القاضي والشاهد. ويترتب على هذه القاعدة أنه لا يجوز للقاضي أن يقوم بنفسه بتحقيق خاص في وقائع الدعوى - وفي غيبة الأطراف - ويبني عليه حكمه. وإذا كان القاضي بصدد محضر يعد حجة لحين إثبات عكسه، فلا يجوز له أن يقرر نقيض ما فيه استناداً إلى معلوماته الشخصية وغني عن البيان أن مخالفة هذه القاعدة تؤدي إلى بطلان الحكم. ولكن لهذه القاعدة حدودها : فهي لا تعني على الإطلاق أنه محظور على القاضي أن يقوم بمجهود ذاتي لتحري الحقيقة في شأن وقائع الدعوى، ولا تمس دوره الإيجابي، ولكن شرط ذلك أن يكون في نطاق إجراءات الدعوى، وأن يطرح للمناقشة والمواجهة بين الأطراف وإذا كان القاضي بصدد جريمة ارتكبت في الجلسة، فلا مفر من أن يقضي فيها استناداً إلى معلوماته باعتباره قد عاين ارتكابها، وإذا أمر القاضي بإجراء معاينة طبقاً للقانون، فله أن يستند إلى ما حصله فيها من معلومات، ذلك أن إجراءات المعاينة هي امتداد لإجراءات المحاكمة، ويسودها مبدأ الشفوية والمواجهة ولا يعد قضاء بالمعلومات الشخصية استناد القاضي في حكمه إلى رأي يقول به العلم أو يجري به العرف ولكن شرط ذلك ألا يستند إلى رأي محل خلاف علمي، وقد يكون مرجوحاً : إذ التصدي لخلاف علمي والفصل برأي فيه، هو بحث في موضوع فني يتعين أن يترك الرأي فيه للخبير المختص .

يتعين أن يستمد القاضي اقتناعه من دليل مطابق للقانون : ثمة قواعد فرضها القانون على القاضي حين ينقب عن الدليل أو فرضها على أطراف الدعوى حين يقدمون الدليل إلى القاضي، وبعض هذه القواعد إلزامي، فإذا رتب القانون على مخالفتها بطلان الدليل وتجرده تبعاً لذلك من القيمة القانونية في الاقتناع، فلا يجوز للقاضي أن يعتمد عليه ويستمد منه اقتناعه ويدخل في مدلول الدليل الباطل : الدليل الذي لم يستوف شرطاً تطلبه القانون لتكون له قوة الإقناع، أي «الدليل الناقص». وتطبيقاً لذلك، يعد باطلاً الحكم الذي استند إلى اعتراف النزاع بالإكراه أو بالخداع، والحكم الذي اعتمد على شهادة شخص غير مميز، أو اعتمد على شهادة لم تحلف اليمين قبل أدائها، أو اعتمد على معاينة لم يخطر بها أطراف الدعوى ولم يدعوا إلى حضورها . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الثاني ،  الصفحة : 865 )

الشروط المتطلبة فى الشاهد :

يتعين أن يتوافر في الشاهد شرطان كي يكون أهلاً للشهادة، فيوصف ما يصدر عنه بأنه «شهادة» في مدلولها القانوني : يتعين أن يكون مميزاً وحر الإختيار، ويتعين ألا تلحقه حالة من حالات عدم الصلاحية للشهادة .

يتعين أن يكون الشاهد مميزاً وحر الإختيار : إن الشهادة خلاصة عمليات ذهنية متعددة، ومن ثم لا تتصور إلا ممن توافرت له الإمكانات الذهنية التي تتيح القيام بهذه العمليات، وتفترض هذه الإمكانيات توافر التمييز لدى الشاهد، ويفترض استعمالها توافر حرية الاختيار لديه. وتطبيقاً لذلك، لا تقبل شهادة الصغير غير المميز، ولا تقبل كذلك شهادة المجنون، وشهادة السكران الذي أفقده سكره تمييزه ويستوي في استبعاد الشهادة أن يكون انتفاء التمييز وقت ارتكاب الجريمة بحيث لا يستطيع الشاهد أن يحصل على معلومات صحيحة في شأنها، أو وقت إدلائه بشهادته بحيث لا يستطيع أن يروي أمام القاضي أو المحقق ما رآه أو سمعه .

وقاضي الموضوع هو المختص بتقدير مدى تمييز الشاهد وأهليته للشهادة والدفع بعدم تمييز الشاهد هو دفع جوهري، ومن ثم يتعين على المحكمة أن ترد عليه، فإن لم تفعل كان حكمها قاصراً .

ويتعين أن يكون الشاهد - وقت إدلائه بشهادته - حر الإختيار، أما إذا كان خاضعاً في ذلك الوقت لتأثير إكراه مادي أو معنوي، فشهادته باطلة، وقد نصت المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية في فقرتها الثانية على أن «كل قول يثبت أنه صدر من أحد الشهود تحت وطأة الإكراه أو التهديد يهدر ولا يعول عليه».

ولكن تجوز شهادة الأصم الأبكم، إذ أن عاهتيه لا ينفيان بالضرورة تمييزه، وللمحكمة أن تفهم إشارته بنفسها أو عن طريق خبير، وفهمها لدلالة إشارته يدخل في نطاق سلطتها التقديرية وتجوز شهادة الضرير طالما أن ذلك لا يؤثر فيما يدركه بحواسه الأخرى في شأن الوقائع المطلوب إثباتها . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الثاني ،  الصفحة : 883 )

تقدير الرأي الفني للخبير :

فيما يتعلق بالمسائل الفنية التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى - لا يجوز للمحكمة أن تحل نفسها محل الخبير في مسألة فنية بحتة، بل عليها ألا تشق طريقها لإبداء الرأي فيها دون الاستعانة بخبير يخضع رأيه لتقديرها، فإذا تمسك الدفاع مثلاً بعدم مسئولية المتهم بسبب حالته العقلية وجب على المحكمة انتداب خبير للبت في هذه الحالة، كل ذلك دون إخلال بسلطة المحكمة في تقدير رأي الخبير وفقاً لإقناعها، وعلى هذا الأساس لا تلتزم المحكمة بندب خبير آخر مادامت الواقعة قد وضحت لديها ولم تر هي من جانبها حاجة إلى إتخاذ هذا الإجراء .

كما لا تلتزم المحكمة قانوناً بندب خبير إذا كانت ترى في الأدلة غير الفنية المقدمة لديها ما يكفي للفصل في القضية، إكتفاء بما تشير إليه ظروف الحادث .

ووفقاً لهذا المبدأ، قضت محكمة النقض أنه لا يجوز للقاضي أن يجزم بحدوث خلل في بناء في تاريخ سابق على الحادث مادام الخبير قد شهد بأنه لا يستطيع نفي أو إثبات حصول هذا الخلل في ذلك التاريخ، بحسب أن هذا الأمر من الأمور الفنية البحتة. وقد أجازت محكمة النقض لمحكمة الموضوع أن تستند إلى الحقائق العلمية الثابتة بشرط ألا تلجأ إلى ما يحوطه منها خلاف في الرأي، ويتطلب تطبيق المبدأ المتقدم الحذر في تحديد ما يعد من الحقائق العلمية الثابتة، إذ يجب أن يكون له مصدر في أوراق الدعوى لا أن يكون مستمداً من المعلومات الشخصية للقاضي .

وإذا تعددت تقارير الخبراء وتناقضت في خلاصتها فقد يرجع هذا التناقض إلى اختلافهم في تخصصاتهم أو تفاوت كفايتهم أو في مناهج التفسير التي اتبعوها، ومع مراعاة هذه الاعتبارات فإن التناقض بين تقارير الخبراء يوجب الحذر الشديد عند الاقتناع بأي منها، ويجب لمواجهة التناقض بين الأدلة الفنية أو رفعه الاستناد إلى دليل فني محايد، ولا يسوغ عندئذٍ الركون إلى رأي الطبيب الشرعي الذي قام بالتشريح لأن رأيه هو نفسه قد يراد نفيه عن طريق كبير الأطباء الشرعيين، ودون ما يقتضي من المحكمة - وهي تواجه هذه المسألة الفنية البحتة - أن تتخذ من الوسائل لتحقيقها بلوغاً لغاية الأمر فيها، أما وهي لم تفعل فإن حكمها يكون مشوباً بالإخلال بحق الدفاع .

وفيما يتعلق بتقدير السن استقر قضاء محكمة النقض على أنه لا يجوز للقاضي أن يلجأ إلى هذا التقدير إلى أهل الخبرة أو إلى ما يراه بنفسه إلا إذا كانت هذه السن غير محققة بأوراق رسمية، سواء كانت شهادة الميلاد أو إفادة رسمية من إحدى جهات الاختصاص . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب : الأول، الصفحة : 538 )

الإقتناع بالحقيقة :

يمر الاقتناع بالحقيقة بدرجات مختلفة وفقاً لمراحل التحقيق والإحالة والحكم، ففي مرحلة التحقيق يكفي مجرد رجحان إدانة المتهم حتى تتقرر إحالته إلى المحكمة، أما في مرحلة الحكم فيجب أن يتوافر اليقين التام بالإدانة لا مجرد الترجيح، وهذا اليقين ليس هو اليقين الشخصي للقاضي، بل هو اليقين الذي يفرض نفسه على القاضي وينتشر في ضمير الكافة، لأن استخلاصه لابد أن يكون منطقياً، على أن للقاضي أن يبني اقتناعه على ترجيح فرض على آخر مادام الفرض الذي رجحه قد استحال إلى يقين، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه إذا كانت تقارير الأطباء عن العاهة المتخلفة بالمجني عليه قد تضمنت أنه أصيب يوم الحادث بالضرب الذي نشأت عنه العاهة، ومع هذا ورد بما أن ذلك هو على سبيل الترجيح لا على سبيل الجزم، فلا تثريب على المحكمة إذا هي جزمت بصحة ما رجحه الأطباء على اعتبار أنه هو الذي يتفق مع وقائع الدعوى وأدلتها المطروحة عليها ، ولا يصح أن ينعى عليها أنها أقامت قضاءها على الاحتمال والظن لا على اليقين والجزم .

نظام الاقتناع الذاتي :

يخضع تنظيم الإثبات الجنائي لنظامين، أحدهما هو نظام الأدلة القانونية، والثاني هو نظام الاقتناع الذاتي للقاضي.

ويقصد بالأدلة القانونية ذلك النظام الذي يقيد القاضي بالإدانة وفقاً لشروط قانونية يحددها المشرع سلفاً، وفي هذه الحالة لا يتم الاقتناع بحرية في عملية عقلية إنما يصل إليه القاضي من خلال عملية تتوقف على قواعد محددة يحددها المشرع، ويتم ذلك عن طريق تحديد المشرع سلفاً للأدلة القانونية التي يستمد منها القاضي اقتناعه، وليس للقاضي أن يبحث فيما عدا هذه الأدلة عن مصدر آخر لاقتناعه الشخصي. لكنه متى توافرت هذه الأدلة فلا يكون القاضي سيد الموقف في تقدير قيمتها في الإثبات، بل يتمثل دوره في مجرد التحقق من قيامها والاطمئنان إلى حدوثها، وعلى ذلك فإن عمل القاضي في هذا الشأن لا يعدو أن يكون مجرد عملية حساب رياضية - فيما يتعلق بالوقائع المادية التي تجسد هذه الأدلة - لا دخل فيها لاقتناعه الشخصي، وقد عرف هذا النظام في عهد الإمبراطورية الرومانية، وفي أوروبا في القرون الوسطى وما بعدها، وأخذ به القانون الفرنسي القديم .

أما نظام الاقتناع الذاتي، فهو ذلك النظام الذي يقدر القاضي فيه بحرية قيمة الأدلة أياً كانت وقائعها وأياً كان مصدرها، ولا يملي عليه المشرع أي حجية معينة لإعمالها، وعلى القاضي أن يبحث عن الأدلة اللازمة مهما كان مصدرها ثم يقدرها في حرية تامة، على أن هذا التقدير الحر يجب ألا يصل إلى حد التحكم الكامل، فاقتناع القضاة يجب أن يخضع دائماً للعقل والمنطق، فلا يمكن ولا يجوز أن يعني مبدأ الاقتناع الذاتي للقاضي أكثر من هذا، ولا يصح أن يكون معناه إطلاق حرية القاضي في أن يحل محل أدلة الإثبات تخميناته محض تصوراته الشخصية مهما كانت وجاهتها، فالحرية التي يباشرها القاضي في تكوين اعتقاده الذاتي ينظمها القانون في إطار الشرعية الإجرائية، فلا يجوز أن تصل إلى إدانة الأبرياء أو تخالف الضمانات التي حددها القانون لحماية الأصل في المتهم البراءة .

وبناء على ما تقدم، فإن حرية التثبت أمر يختلف عن التحكم، فالإثبات الحر يعني أن القاضي حر في تقييم أدلة الإثبات دون قيد من حيث وقائعها ومن حيث مصدرها أداء لواجبه القضائي، وليس معناه أن يقضي بما يشاء فهذا هو التحكم بعينه الذي يجب أن ينأى عنه القاضي، وبهذا النظام أخذ القانون المصري، فنص في المادة 302 إجراءات على أن «يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته». وقد عبرت عن ذلك محكمة النقض فقالت بأن لمحكمة الموضوع أن تستخلص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها بطريق الاستنتاج والاستقراء وكافة الممكنات العقلية، مادام ذلك سليماً متفقاً مع حكم العقل والمنطق. وقضت أنه لا يجوز مطالبة القاضي بالأخذ بدليل معين، فالعبرة باقتناعه بناءً على الأدلة المطروحة، فللقاضي مطلق الحرية في أن يقرر بنفسه الحقيقة التي يقتنع بها استخلاصاً من الأدلة المقدمة في الدعوى، فله أن يرفض طلب الخبرة إذا ما رأى أنه في غنى عنها بما استخلصه من الوقائع التي ثبتت لديه .

وهذا النظام يطبق على قضاء التحقيق أسوة بقضاء الحكم، لكنه في هذه الحالة ينحصر تقدير قاضي التحقيق في مدى قيمة الأدلة لتقديم المتهم للمحاكمة ويكفي لذلك مجرد ترجيح إدانته في نظره .

وفي جميع الأحوال، يجب على جميع جهات القضاء أن تلتزم الحذر الشديد في تقييم أدلة الإثبات القولية وخاصة إذا ما بينت على مجرد شاهد واحد، أو كانت هناك رابطة بين الشاهد وأحد الخصوم أو أقاربهم، مما يلقي ظلال الشك حول صدق شهادته. وإذا كان الأمر في النهاية مرجعه لتقدير القاضي، فلا يحول هذا أبداً دون مطالبته بالحذر الشديد عند تقديره، فالقاضي في تقديره الذاتي يؤدي واجباً مقدساً يتحرى فيه العدالة بقدر ما يستطيع، بجهد ينبع من ضميره الحر وإيمانه بأنه يؤدي دوراً من أعظم الأدوار وأنبلها، وهو إقامة العدل .

ولا يخضع تقدير القاضي للأدلة - وفقاً لهذا النظام – لرقابة محكمة النقض، فليس لها أن تراقبه في تقديره، وكل ما لها أن تراقبه هو صحة الأسباب التي استدل بها على هذا الاقتناع". وباستقراء قضاء محكمة النقض نجد أنها مارست رقابتها على منطق محكمة الموضوع في استخلاصها للدليل، فاشترطت أن تكون النتيجة التي انتهت إليها تتفق مع العقل والمنطق، فالمنطق المعوج في استخلاص واقعة الدعوى يؤدي إلى تطبيق معوج للقانون، وإذا كان القاضي غير مكلف ببيان أسباب اقتناعه الشخصي لكنه مكلف ببيان أسباب الحكم الذي إنتهى إليه، وهو في مقام هذه الأسباب لابد أن يذكر الأدلة التي اعتمد عليها وكانت مصدراً لاقتناعه، ولكنه ليس مكلفاً بإثبات لماذا اقتنع، وتستطيع محكمة النقض عن طريق مراقبتها لصحة أسباب اقتناع القاضي أن تراقب معقولية اقتناعه ، فالعدالة التي  يمثلها الحكم يجب أن يراها الناس من خلال أسبابه .

وتختلف معقولية الإقتناع المطلوب من القاضي باختلاف مضمون الحكم، فإذا كان الحكم بالإدانة فيجب أن يكون الاقتناع مبنياً على اليقين، هذا بخلاف الحكم الصادر بالبراءة، إذ يكفي لصحته أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة .

اليقين القضائي أساس الحكم بالإدانة :

استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن معيار الجزم واليقين يتمتع بالقيمة الدستورية، بما لا يدع مجالاً معقولاً لشبهة انتفاء البراءة، وهذه القيمة الدستورية لليقين القضائي هي نتيجة منطقية للقيمة الدستورية للأصل في المتهم البراءة ، ولا شك في أن اليقين القضائي يتكامل مع اليقين القانوني الذي يجب أن يتوافر في نصوص قانون العقوبات من خلال نصوص مكتوبة واضحة محددة، احتراماً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، فإذا كان الأمن القانوني يتطلب اليقين القانوني في مواد قانون العقوبات، فلا بد من توافر اليقين القضائي عند إدانة المتهم وفقاً لهذه النصوص، بحسب أن كلا من المشرع والقاضي ملتزم سواءً بسواء بتوفير الأمن القانوني .

ومن المقرر وفقاً لقضاء محكمة النقض أن لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أن دليل تطمئن إليه مادام هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق، كما أن لها أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث - الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى مادام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق لها أصلها في الأوراق، وعلى ذلك، فإنه إذا كان الحكم بعد أن بين واقعة الدعوى وبين أدلة الثبوت فيها قد عقب على ذلك بقوله إن المحكمة ترجح بثبوت التهمة من الأدلة المتقدمة، فإنه يكون معيباً، إذ إن الأحكام الجنائية بالإدانة يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والاحتمال، وفي قول آخر لمحكمة النقض «يجب ألا يبنى الحكم الصادر بالإدانة إلا على حجج قطعية الثبوت تفيد الجزم واليقين». وفي قول للمحكمة الدستورية العليا «أصل البراءة مفترض في كل متهم، فلا يجوز أن يهدم إلا بدليل جازم مستنبط من عيون الأوراق وبموازين الحق، وعن بصر وبصيرة» ، وأنه لا سبيل لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التي تبلغ بقوتها الإقناعية مبلغ الجزم واليقين، بما لا يدع مجالاً معقولاً لشبهة انتفاء التهمة .

ومع ذلك، فقد قضي أن أخذ الحكم بالإدانة بدلیل احتمالي ضمن الأدلة لا يقدح في صحة أن المحكمة قد أسست الإدانة على اليقين .

الشك يفسر لمصلحة المتهم :

يقصد بالشك كل ما يدخل في مرحلة الظن أو الاحتمال دون أن يصل إلى اليقين. فالشك ليس منهجاً للوصول إلى الحقيقة ولا يمكن أن يوصل إليها، فقد قال تعالى { إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } [يونس: 26]"، وورد في الحديث الشريف عن أم المؤمنين عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فأخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»، وروي عن عمر بن الخطاب قوله: «لأن أعطل حدوداً في الشبهات خير من أن أقيمها».

وعلى ذلك، فيكفي لصحة الحكم بالبراءة أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة، فلا يصح النعي على المحكمة أنها قضت بالبراءة بناءً على احتمال ترجح لديها بدعوى قيام احتمالات أخرى قد تصح لدى غيرها، لأن ملاك الأمر كله في الدعوى يرجع إلى وجدان قاضيها، فالأصل في المتهم البراءة، مما لا حاجة معه للجزم أو اليقين بهذه البراءة، لكن الإكتفاء بمجرد الشك يجب أن يكون وليد استدلال منطقي سليم، مما يقتضي بيان ما يدل على أن المحكمة قد أحاطت بظروف الدعوى وأدلة الإثبات إحاطة سليمة ثم تشككت في هذه الأدلة، والمحكمة غير ملزمة بالرد صراحة على كل دليل من أدلة الإثبات مادامت قد رجحت دفاع المتهم، لأن إغفال التحدث عنها يفيد ضمناً أنها طرحتها .

وفي مقام تسبيب حكم البراءة، إذا عنيت المحكمة بالرد صراحة على كل دليل من أدلة الإثبات، فإن ذلك لا يمنع من مراقبة محكمة النقض لمنطق المحكمة في استخلاص البراءة للتحقق مما إذا كان من شأن أسباب البراءة أن تؤدي إلى النتيجة التي إنتهت إليها، مثال ذلك ما قضت به محكمة النقض من أن عدم وجود المحرر المزور لا يترتب عليه حتماً عدم ثبوت جريمة التزوير، وأن القضاء بالبراءة لا يتأسس على القول بعدم وجود دليل بالأوراق رغم وجود إعتراف المتهم إذا لم تعرض المحكمة لهذا الدليل. وقضت محكمة النقض أن الحكم بالبراءة يعد قاصر البيان إذا لم يناقش اعتراف المتهم بتحقيقات النيابة العامة بإحراز المخدر المضبوط، ولم يبين مدى صلته بالإجراءات الباطلة بوصفه أحد أدلة الإثبات التي قام عليها الاتهام .

شروط الوصول إلى اليقين القضائي عند الإدانة :

يجب أن يبنى اقتناع القاضي بالإدانة على اليقين القضائي لا على الاحتمال ولا على اليقين الشخصي ، ويتعين لذلك توافر ثلاثة شروط :

1- أن يعتمد في حكمه على الأدلة القضائية .

2- أن تبين الأدلة على مشروعية الأدلة .

3- أن يخضع اقتناعه للعقل والمنطق .

الاعتماد على الأدلة القضائية :

نصت على هذا الشرط المادة 302 إجراءات فقالت بأنه لا يجوز للقاضي أن يبني حكمه على دليل لم يطرح أمامه في الجلسة ، ويقصد بالأدلة المطروحة في الجلسة كافة الأدلة التي لها مصدر في أوراق القضية المطروحة أمام القاضي، سواء كانت في محاضر الاستدلالات أو التحقيق أو المحاكمة. وهذا الشرط هو ضمان أكيد للعدالة حتى لا يحكم القاضي بمعلوماته الشخصية، ويستمد اقتناعه مما دار في هذه الخصومة لا خارجها، فالمحاضر كلها مهما اختلف نوعها، سواء كان الغرض منها إثبات الحالة أو جمع الاستدلالات (محضر الاستدلال) أو جمع الدليل محضر التحقيق أو المحاكمة) ليست لها في حد ذاتها أية قوة ذاتية في الإثبات، فمناط الأمر يتوقف على الاقتناع الشخصي للقاضي بما دار أمامه في الجلسة، ومتى اقتنع بما ورد في التحقيقات الأولية أصبح مصدر اقتناعه دليلاً قضائياً ، فالصفة القضائية للدليل تمتد من الاطلاع القضائي للمحكمة التي فحصت الدليل ومحصته . وهذا المبدأ هو نتيجة طبيعية للطابع القضائي للدعوى .

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أن إغفال المحكمة الإطلاع على الورقة محل جريمة التزوير عند نظر الدعوى يعيب إجراءات المحاكمة، لأن اطلاع المحكمة بنفسها على الورقة المزورة هو إجراءً جوهري من إجراءات المحاكمة في جريمة التزوير، على حسب أن تلك الورقة هي الدليل الذي يحمل شواهد التزوير، وهي موضوع الدعوى التي تدور حولها المرافعة، هذا بالإضافة إلى أن هذا الإطلاع يرتبط بمبدأ شفوية المرافعة لتمكين الخصوم من إبداء دفاعهم حوله .

وكما بينا عند البحث في إلتزام المحكمة بالكشف عن الحقيقة، فإن من واجب القاضي البحث عن الأدلة، فلا يجوز له أن يقتصد في إجراءات الدعوى بحجة الإسراع في المحاكمة، لأن ذلك ربما يحول دون سماع المحكمة للشهود أو اطلاعها على أدلة أخرى تنير لها سبيل الدعوى وتفسح المجال نحو الوصول إلى الحقيقة، فخطأ كبير أن يتبين القاضي نفسه أمام ظروف تبرز من خلال المرافعة تتطلب تحقيقاً يتوقف إجراؤه على سلطته وحده، فيغمض عينيه عن هذا التحقيق ويمضي قدماً في الدعوى تحت وطأة الرغبة في سرعة إصدار الحكم .

مشروعية الأدلة ونزاهتها :

أوضحنا فيما تقدم حرية الإثبات، وأن هذه الحرية لا يمكن مباشرتها إلا في إطار القانون، وينعكس الإطار القانوني لحرية الإثبات في تقييد القاضي في الاقتناع بالإدانة بمشروعية الدليل، فلحرية القاضي في الاقتناع بالإدانة حد لا يمكن تخطيه وهو ضرورة اتسام الأدلة بالمشروعية والنزاهة، وهو ما يستلزم مطابقتها للشرعية، أي القانون ، أما البراءة فهي أصل عام ولكن على المحكمة التزام بالرد على أدلة الاتهام التي يجوز لها أن تطرحها إذا كانت غير مشروعة أو غير نزيهة .

ولما كانت الخصومة الجنائية تتطلب ضمان حقوق المتهم وحرياته وليس مجرد مباشرة إجراءات جمع الأدلة لإثبات حق الدولة في العقاب، فإنه يتعين على القاضي أن يتحقق أولاً من مشروعية الدليل ونزاهته، ولا يحول دون ذلك أن يكون الدليل صارخاً في مظهره واضحاً في دلالته على إدانة المتهم، ما دام مشبوهاً وملطخاً بإهدار محارم القانون، فالمحاكمة المنصفة التي يجريها القاضي لا يمكن إجراؤها إلا على أساس الشرعية الإجرائية، ويجب الإلتزام بهذه الشرعية روحاً ومضموناً دون الاكتفاء باحترامها شكلاً، فلا يجوز للقائمين على الإجراءات الجنائية مباشرة هذه الإجراءات بقصد المساس بحقوق المتهم وحرياته سعياً وراء جمع أدلة الإدانة، إذ المقصود هو كشف الحقيقة ناصعة بأعلى معانيها. والعقل الذي يسعى إلى المعرفة ليس كافياً وحده، بل لابد من أن يلازمه الضمير الإنساني. ومن أهم صوره الضمير القضائي، بحسب أن رسالة القاضي هي إقامة العدل وأنه الحارس الطبيعي للحريات .

عدم اشتراط المشروعية في دليل البراءة :

لا يشترط في دليل البراءة أن يكون ثمرة إجراء مشروع، وذلك لأن الأصل في المتهم البراءة، فلا حاجة للمحكمة في أن تثبت براءته، وكل ما تحتاج إليه هو أن تشكك في إدانته ، وأن تثبت أن أدلة الاتهام غير مشروعة فتبطلها أو غير نزيهة فلا تقتنع بها. وقد قضت محكمة النقض أنه وإن كان يشترط في دليل الإدانة أن يكون مشروعاً، إلا يجوز أن تبنى إدانة صحيحة على دليل باطل في القانون، لكن المشروعية ليست بشرط واجب في دليل البراءة، ذلك أن الأصل على مقتضى المادة 675 من الدستور (دستور سنة 1971) والمبادئ الأساسية في الإجراءات الجنائية أن كل منهم يتمتع بقرينة البراءة إلى أن يحكم بإدانته بحكم بات، وإلا أن يصدر هذا الحكم له الحرية الكاملة في إختيار وسائل دفاعه بقدر ما يسعفه مركزه في الدعوى وما يحيط نفسه من عوامل الخوف والحرص والحذر وغيرها من العوارض الطبيعية لضعف النفوس البشرية، وقد قام على هدي هذه المبادئ حق المتهم في الدفاع عن نفسه وأصبح حقاً مقدماً يعلو على حقوق الهيئة الاجتماعية التي لا يضيرها تبرئة مذنب بقدر ما يؤذيها ويؤذي العدالة معها إدانة بريء. هذا إلى جانب ما هو مقرر من أن القانون فيما عدا ما استلزمه من وسائل خاصة للإثبات - فتح بابه أمام القاضي الجنائي على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلاً إلى الكشف عن الحقيقة ويزيد قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر مع حرية مطلقة في تقدير ما يعرض عليه ووزن قوته التدليلية في كل حالة حسبما يستفاد من وقائع الدعوى وظروفها، مما لا يقبل معه تقييد حرية المحكمة في دليل البراءة باشتراط مماثل لما هو مطلوب في دليل الإدانة .

استخلاص الاقتناع القضائي بالعقل والمنطق :

يلتزم القاضي بأن يبني اقتناعه على عملية عقلية منطقية تقوم على الاستقراء والاستنباط ينتهي في ختامها إلى نتيجة معينة، فيجب ألا يفهم القاضي من مبدأ حرية الاقتناع أنه تحلل من مراعاة القواعد اللازمة لقبول أدلة الإثبات، فالقاضي حر في أن يعتقد أو لا يعتقد في قيمة الأدلة المطروحة، ولكنه لا يملك التحكم في هذا الاعتقاد، فاليقين المطلوب عند الاقتناع ليس هو اليقين الشخصي للقاضي، وإنما هو اليقين القضائي، الذي يصل إليه القاضي بناء على العقل والمنطق، وهو ما سوف نبحثه على نحو أكثر تعمقاً عند دراسة النقض الجنائي .

وضماناً للوصول إلى الاقتناع القضائي بالعقل والمنطق استقر قضاء محكمة النقض على المعايير الآتية لضمان الوصول إلى اليقين القضائي البعيد عن التحكم :

لا يجوز الاعتماد في الإثبات على الدلائل وحدها، بل يجب أن تكون هذه الدلائل مكملة للدليل . وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول من هذا الباب .

لا يجوز للمحكمة أن تحل نفسها محل الخبير في مسألة فنية بحتة، بل عليها ألا تشق طريقها لإبداء الرأي فيها دون الاستعانة بخبير يخضع رأيه لتقديرها . كل ذلك دون إخلال بسلطة المحكمة في تقدير رأي هذا الخبير وفقاً لاقتناعها . وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك عند دراسة الدليل الفني .

الإلتزام عند الإدانة بمبدأ الأدلة في المواد الجنائية متساندة متكاملة يكمل بعضها بعضاً، ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة، فلا ينظر إلى دليل معين لمناقشته في معزل عن تأثير بقية الأدلة في عقيدة المحكمة، مما مقتضاه أنه لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم ينبئ کل دليل منها ويقطع بالإدانة . بشرط أن تكون المحكمة قد استخلصت اقتناعها اليقيني من مجموع الأدلة . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب : الأول، الصفحة : 571 )

طرح الدليل فى الجلسة مقتضى القاعدة :

منع قانوننا الإجرائي القاضي من بناء حكمه على دليل لم يطرح في الجلسة (م302) ، وذلك تطبيقاً لمبدأ شفهية المرافعة، إذ تبنى الأحكام على التحقيقات التي تحصل بالطرق والشروط القانونية، فلا يسوغ للقاضي أن يحكم على مقتضى معلوماته الشخصية في الدعوى ؛ أي على ما رآه بنفسه أو حققه في غير مجلس القضاء وبدون حضور الخصوم ، بل أنه إذا توافرت لديه معلومات خاصة في الدعوى وجب عليه التنحي عن نظرها وإبداء أقواله كشاهد فحسب، حتى يتمكن الخصوم من مناقشته  ، ويبتعد هو عن الدعوى خشية تأثره بمعلوماته ولو لم يكن لهذا التأثر من صدی ظاهر في أسباب حكمه .

ولا يعد من قبيل قضاء القاضي بعلمه أن يستند إلى بعض المعلومات العامة والتي يلم بها كل شخص ؛ لأن القانون لم يوجب عليه ندب خبراء لكشف أمور هي في ذاتها واضحة يدركها القاضي وغير القاضي .

وإيجاب طرح الدليل في الجلسة طبقاً للمادة 302 إجراءات يعد نتيجة حتمية للقاعدة العامة في شفهية المرافعة التي نصت عليها أيضاً المادة 349 مرافعات (وصحتها المادة 168 مرافعات) التي تقضي بأنه « لا يجوز للمحكمة أثناء المداولة أن تسمع أحد الخصوم أو وكيله إلا بحضور خصمه ، وكذلك لا يجوز قبول أوراق أو مذكرات من أحد الخصوم دون إطلاع الخصم الآخر عليها » .

صداها في القضاء :

فيبطل الحكم من ثم إذا كان مبناه دليلاً لم يطرح للمناقشة، أو لم تتح للخصوم فرصة إبداء الرأي فيه، ومن باب أولى إذا لم يعملوا به أصلاً، وعلى العموم لا يصح للمحكمة أن تطلع بعد انتهاء المرافعة وفي أثناء المداولة في الحكم على أواق غير تلك التي قدمت إليها أثناء نظر الدعوى ما لم تكن قد اطلعت المتهم عليها ليتمكن من مناقشتها والدفاع عن نفسه فيها ، وإلا كان عملها مخلاً بحقوق الدفاع وموجباً لبطلان الحكم .

لذا قضى ببطلان حكم عول على أوراق ضمت بعد إنتهاء المرافعة في الدعوى  كما قضي بأنه لا يجوز للمحكمة أن تعول على أقوال شهود سئلوا في محضر بعد تقديم القضية للإحالة دون أن تلفت الدفاع إليها، فإن في ذلك إخلال بحق الدفاع . ولا أن تعول على شهادة شاهد ولم تأمر بضم القضية الأخرى حتى يطلع عليها الخصوم، وإلا كان حكمها معيباً بما يبطله .

وحكم أكثر من مرة ببطلان الحكم بالإدانة في تزوير محرر إذا تبين أن المحكمة لم تفض الغلاف الذي يحتوي على المحرر المزور، لأن ذلك عيب جوهري يتعارض مع قاعدة وجوب وطرح الدليل في الجلسة، إذ كيف يمكن القول بأنه كان مطروحاً بها إذا كان جسم الجريمة نفسه داخل غلاف مختوم فلم تطلع عليه المحكمة ولا الخصوم .

ولا يصح هذا البطلان أن تفض المحكمة هذا الخلاف لأول مرة في غرفة المداولة بعد انتهاء المرافعة، وغير حضور الخصوم، تأسيساً على نفس القاعدة  وكذلك إذا قضت المحكمة بالإدانة بعد الإطلاع على دفتر الأحوال المخول بإرتكاب التزوير في غرفة المداولة ، وفي غير حضور الخصوم .

كذلك قضى بنقض الحكم الذي عول على مستند طلب من قدم ضده التأجيل لإعداد الرد عليه أو لتفسيره على الوجه الذي يراه في مصلحته، فلم تجبه المحكمة إلى طلب التأجيل، واعتمدت عليه رغم ذلك في تكوين عقيدتها في موضوع الدعوى .

كما قضى بأن تأسيس محكمة الجنايات قضاءها في توافر قصد الاتجار في إحراز المادة المقررة على ورقة أمرت بضمها بعد إقفال باب المرافعة خطأ يعيب الحكم لأنه من المقرر إلا تبني المحكمة حكمها إلا على العناصر والأدلة المستمدة من أوراق الدعوى المطروحة على بساط البحث تحت نظر الخصوم .

وبأنه إذا كان حكم الإدانة قد اعتمد على دليل استقته المحكمة من أوراق قضية أخرى لم تكن مضمونة للدعوى التي تنظرها للفصل فيها ، ولا مطروحة على بساط البحث بالجلسة وتحت نظر الخصوم، فإنه يكون باطلاً .

وقضى بنقض الحكم أيضاً لأنه لم يبين من محاضر الجلسات متى قدم المجني عليه مذكرته التي أشار إليها الحكم المطعون فيه ، وهل كان ذلك في مواجهة الطاعنين ومحاميهم أم في فترة حجز الدعوى للحكم التي لم يصرح فيها بتقديم مذكرات ؛ أو كان لم يؤشر عليها بما يفصح عن التاريخ الذي قدمت فيه .. ومن ثم فإن استناد الحكم إلى هذه المذكرة يعتبر إستناداً إلى دليل لم يطرح بالجلسة، ويعد إخلالاً بحق الطاعنين في الدفاع .

والعبرة في طرح الدليل في الجلسة هي بملف القضية الأصلي، لذا قضى بأنه إذا كان المتهم لا يدعي أن بعض الأوراق التي ركن إليها الحكم في تكوين عقيدته، والمقول بعدم نسخها ضمن الأوراق التي تم نسخها وسلمت إلى المدافع عنه، لم تكن تحت نظر المحكمة ضمن الملف الأصلي للدعوى، فإنه كان من المتعين عليه أن يبني دفاعاً من واقع الملف المذكور، وقد كان مكنته أن يطلب الإطلاع عليه طبقاً للإجراءات التي رسمها القانون في المادة 189 ، أو أن يتقدم بهذا الطلب إلى محكمة الموضوع ، أما وهو لم يفعل فلا يقبل منه النعي على المحكمة التفاتها عن تحقيق إجراء كان عليه أو على المدافع عنه أن يعلن عن رغبته في تحقيقه، ولا يضير الحكم أن تكون الصورة المنسوخة قد جاءت خلواً من بعض الأوراق المطروحة على بساط البحث ، لأن العبرة فى المحاكمة هي بملف القضية الأصلي، مما تكون معه دعوى الإخلال بحق المتهم في الدفاع على غير أساس .

وطرح الدليل في الجلسة ، وإن كان قاعدة جوهرية تفتح مخالفتها باب الطعن بالنقض في الحكم، إلا أن قبول الطعن يتوقف على توافر أية مصلحة للطاعن من وراء طعنه، فحيث تنتفي المصلحة ينتفي إمكان قبول الطعن، لذا قضى بأنه لا جدوى للطاعن فيما ينعاه على المحكمة من عدم اطلاعها على المحررات المطعون فيها بالتزوير إذا كان الحكم المطعون فيه قد دانه بتهمتي التبديد والاشتراك في التزوير، والحد الأقصى لكل من الجريمتين واحد وهو الحبس لمدة ثلاث سنوات، والمحكمة لم تحكم عليه إلا بعقوبة واحدة تطبيقاً للمادة 32 عقوبات .

كما قضى بأنه إذا كان وجه الطعن هو أن الأوراق التي تدل على سن الزوجة المجني عليها كانت موضوعة في مظروف مختوم بالشمع الأحمر، وأن المحكمة لم تفض هذا المظروف لتعلم سن الزوجة على حقيقته ، وكان الطاعن لم يبين ماهية الأوراق التي يدعي بأنها كانت فيه حتى تتأكد المحكمة من قيمتها في التدليل على ما يدعيه، فلا جدوى من هذا الطعن، خصوصاً إذا كان الحكم قد استند في عدم بلوغ الزوجة السن القانونية إلى ما قرره الطاعن نفسه في التحقيقات، وما اعترف به جلسة المحاكمة من أن يعلم بأنها دون السن القانونية . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء : الأول، الصفحة : 840 )

مبدأ حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته :

يختلف القاضي الجنائي عن القاضي المدني فيما يتعلق بالإثبات في أن الأول يتمتع بحرية كاملة في تكوين عقيدته على عكس الثاني فهو مقيد في الإثبات بطرق معينة .

ومؤدى المبدأ المذكور أن القاضي الجنائي أن يوجه تحقيقه في الجلسة بالشكل الذي يراه مناسباً وملائماً للوصول إلى الحقيقة والكشف عنها دون أن يتقيد في ذلك بإتباع وسائل معينة للكشف عن الحقيقة .

وهذا المبدأ مستقر عليه في جميع التشريعات الجنائية لإرتباطه الوثيق بمبدأ الشرعية الذي وجد ضماناً للحريات الفردية، وقد نص المشرع المصري على هذا المبدأ في المادة محل التعليق التي تنص على أن يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته .

مفاد هذا المبدأ أن القاضي مطلق الحرية في تقديره أدلة الدعوى فإن له أن يأخذ بها وله أن يطرحها، كل ذلك بناء على تقييمه لها وليس تحكماً منه وإن كان غير ملزم بإبداء أسباب الطرق أو الاعتماد، فلا يلزم أن يناقش القاضي كل دليل على  حده ، بل له أن يكون عقيدته من الأدلة في مجموعها طالما أنها منتجة في مجموعها في إثبات اقتناعه .

ويترتب على مبدأ حرية اقتناع القاضي الجنائي أنه لا يجوز تقييده في الحكم بقرائن أو افتراضات قانونية. ومع ذلك قد يحدث أن يفترض المشرع بعض عناصر الجريمة وذلك لصعوبة الإثبات وبالتالي يضع قيداً على حرية القاضي في تكوين عقيدته وخلاف هذه الاستثناءات يكون القاضي في تقديره لثبوت الاتهام ونفيه غير مقيد بأي دليل يستمد اقتناعه بما ينتهي إليه من مجموع ما طرح من أدلة .

ومن الشروط الخاصة لممارسة القاضي حريته في الاقتناع أن تكون عقيدة القاضي واقتناعه قد استمد من أدلة طرحت بالجلسة، فلا يسوغ للقاضي أن يستند في حكمه إلى دليل ليس له أصل في الأوراق ولم يحققه في الجلسة طالما كان ذلك ممكناً، ويقع بذلك الحكم باطلاً إذا أسند إلى دليل استمده القاضي من معلومات أو من سماع شهادة شاهد لم تدون بالأوراق فالقانون حين استلزم وجوب تحریر محضر للجلسة فإنما فعل ذلك حتى تكون الأدلة التي يستند إليها الحكم قائمة وثابتة بأوراق الدعوى منعاً للتحكم وتحقيقاً للعدالة في نفس الوقت باعتبار أن القاضي يمكنه أن يرجع إلى محضر الجلسة لتقدير شهادة الشاهد وفي نفس الوقت يمكن هذا التدوين للمحكمة المطعون أمامها من تقدير الحكم من حيث استخلاصه للأدلة السائغة .

ولا يكفي أن يكون ثابتاً بالأوراق واقعة حصول الدليل، بل يلزم أن يكون ما استمده القاضي من هذا الدليل قائماً فعلاً في الأوراق، بمعنى أنه لا يكفي أن يكون مدوناً بمحضر الجلسة شهادة شاهد إذا كان الحكم قد استند إلى بعض أقواله وكانت هذه الأقوال لم تدون بالمحضر .

ويلاحظ أن حرية اقتناع القاضي لا يجب أن تتعارض مع المتهم في الدفاع ولذلك يجب أن يكون استناد القاضي قد استمد من إجراء بوشر في حضور المتهم أو إطلع عليه المتهم، ولذلك يكون معيباً الحكم الذي يستند إلى دليل استخلصته المحكمة من مستندات قدمت في غيبة المتهم أو محاميه ولم تمكنه من الاطلاع عليها، وهذا ما عناه المشرع بالنص على أنه "لا يجوز للقاضي أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه بالجلسة "، فالمقصود بذلك أن تكون الأدلة لها أصل بالأوراق الخاصة بالدعوى طالما أن هذه الأوراق كانت تحت بصر المحكمة بالجلسة وحققتها بحضور الخصوم، أو مكنته من الاطلاع عليها ومناقشتها .

ويجب أن يكون اقتناع القاضي مبيناً على دليل مستمد من إجراء صحيح، فلا يجوز الاستناد إلى دليل استمد من إجراء باطل وإلا أبطل معه الحكم، وذلك تطبيقاً لقاعدة ما بني على الباطل فهو باطل، فلا يجوز الاستناد إلى إعتراف صدر من المتهم في محضر تحقيق النيابة إذا تحقق للمحكمة أن إرادته كانت معيبة وقت صدوره حيث نصت المادة محل التعليق بقولها "وكل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين .............. تحت وطأة الإكراه أو التهديد به يهدر ولا يعول عليه." أما إذا كانت المحكمة قد اطمأنت إلى الاعتراف وأنه لم يكن وليد إكراه فلا معيب عليها .

وإذا كانت الشهادة هي ما يقر به شخص ما أمام جهة قضائية عما يكون قد رآه أو سمعه أو أدركه بحاسة من حواسه متعلقاً الجريمة فإنه ينبغي أن يتوافر فيمن يجوز سماعه كشاهد حرية الإختيار وقت أداء الشهادة، فإذا كان خاضعاً في ذلك الوقت لإكراه مادي أو معنوي كانت شهادته باطلة، وقد نصت على هذا الشرط المادة محل التعليق في عجزها بقولها :"..... وكل قول يثبت أنه صدر من أحد الشهود تحت وطأة الإكراه أو التهديد به يهدر ولا يعول عليه ". وأي قدر من الإكراه يكفي لنفي هذا الشرط، وفي ذلك تقول محكمة النقض : يشترط في أقوال الشاهد التي يعول عليها أن تكون صادرة عنه اختیاراً ، وهي لا تعتبر كذلك إذا صدرت عنه أثر إكراه أو تهديد كائناً ما كان قدر هذا التهديد أو تلك الإكراه . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثالث ، الصفحة : 243 )

مبدأ حرية القاضي في تكوين عقيدته :

يختلف القاضي الجنائي عن القاضي المدني فيما يتعلق بالإثبات فى أن الأول يتمتع بحرية كاملة في تكوين عقیدته على عكس الثاني فهو مقيد في الإثبات بطريقة معينة .

ومؤدى المبدأ المذكور أن للقاضي الجنائي أن يوجه تحقيقه في الجلسة بالشكل الذي يراه مناسباً وملائماً للوصول إلى الحقيقة والكشف عنها دون أن يتقيد في ذلك بإتباع وسائل معينة للكشف عن الحقيقة .

وهذا المبدأ مستقر عليه في جميع التشريعات الجنائية لارتباطه الوثيق بمبدأ الشرعية الذي وجد ضماناً للحريات الفردية، وقد نص المشرع المصری على هذا المبدأ في المادة 302 التي تنص على أن يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته .

ومفاد هذا المبدأ أن للقاضي مطلق الحرية في تقديره أدلة الدعوى، فله أن يأخذ بها وله أن يطرحها، كل ذلك بناء على تقييمه لها وليس تحكماً منه وأن كان غير ملزم بإبداء أسباب الطرح أو الاعتماد  فلا يلزم أن يناقش القاضي كل دليل على حدة، بل له أن يكون من الأدلة في مجموعها طالما أنها منتجة في مجموعها في إثبات اقتناعه، ويترتب على مبدأ حرية اقتناع القاضي الجنائي أنه لا يجوز تقييده في الحكم بقرائن أو افتراضات قانونية ومع ذلك قد يحدث أن يفترض المشرع بعض عناصر الجريمة وذلك لصعوبة الإثبات وبالتالي يضع قيد على حرية القاضي في تكوين عقيدته ، وخلاف هذه الاستثناءات يكون القاضي في تقديره لثبوت الاتهام ونفيه غير مقيد بأي دليل فهو يستمد اقتناعه بما ينتهي إليه من مجموع ما طرح من أدلة .

الشروط الخاصة لممارسة القاضي حريته في الاقتناع :

يتقيد القاضي في مارسته لحريته في الاقتناع وتكوين عقيدته بقيود خاصة أملتها اعتبارات تتعلق بضمان حق المتهم في الدفاع من ناحية ويمنع التحكم الذي قد يؤدي إليه هذا المبدأ من ناحية أخرى، وأهم هذه القيود في :

1- أن تكون عقيدة القاضي واقتناعه قد استمدها من أدلة طرحت بالجلسة فلا يسوغ للقاضي أن يستند في حكمه إلى دليل ليس له أصل في الأوراق ولم يحققه في الجلسة طالما كان ذلك ممكناً ويقع بذلك الحكم باطلاً إذا استند إلى دليل استمده القاضي من معلومات أو من سماع شهادة شاهد لم تدون في الأوراق فالقانون حين استلزم وجوب تحرير محضر للجلسة فإنما فعل ذلك حتى تكون الأدلة التي يستند إليها الحكم قائمة وثابتة بأوراق الدعوى منعاً للتحكم وتحقيقاً للعدالة في الوقت ذاته باعتبار أن القاضي يمكنه أن يرجع إلى محضر الجلسة لتقدير شهادة الشاهد وفي نفس الوقت يمكن هذا التدوين المحكمة المطعون أمامها من تقدير الحكم من حيث استخلاصه للأدلة السائغة .

ولا يكفي أن يكون ثابتاً بالأوراق واقعة حصول الدليل، بل يلزم أن يكون ما استمده القاضي من هذا الدليل قائماً فعلاً في الأوراق . بمعنى أنه لا يكفي أن يكون مدوناً بمحضر الجلسة شهادة شاهد إذا كان الحكم قد استند إلى بعض أقواله وكانت هذه الأقوال لم تكون بالمحضر، ومع ذلك فالقاضي ليس ملزماً بأخذ الدليل بأكمله أو طرحه بأكمله بل من حقه أن يجزئه فيأخذ منه ما يطمئن إليه ويطرح الباقي، إنما لا يجوز للمحكمة التدخل في شهادة الشاهد وتأخذها على مضمون خاص يخالف المضمون الذي قصده الشاهد صراحة، فكل ما القاضي هو أن يأخذ بالدليل أو بجزء منه ويطرح الباقي دون أن ينوله على مفهومه الخاص .

ويلاحظ أن حرية اقتناع القاضي لا يجب أن تتعارض مع حق المتهم في الدفاع، ولذلك يجب أن يكون استناد القاضي قد ورد على دليل استمد من إجراء بوشر في حضور المتهم أو اطلع عليه المتهم، ولذلك يكون معيباً الحكم الذي يستند إلى دليل استخلصته المحكمة من مستندات قدمت في غيبة المتهم أو محاميه ولم تمكنه من الاطلاع عليها ومع ذلك يجوز للمحكمة الاستناد إلى ما ورد بالتحقيقات الأولية من أدلة بوشرت في مواجهة المتهم أو أطلع عليها، وهذا هو ما عناه المشرع بالنص على أنه لا يجوز للقاضي أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه بالجلسة م 302 . فالمقصود بذلك أن تكون الأدلة لها أصل بالأوراق الخاصة بالدعوى طالما أن هذه الأوراق كانت تحت بصر المحكمة بالجلسة وحققتها بحضور الخصوم ، أو مكنتهم من الإطلاع عليها ومناقشتها، إلا أن طرح الدليل بالجلسة لا يحول دون حق القاضي في الأخذ بما ورد بالتحقيقات الأولية طالما اقتنع بها  ولذلك فلا يعيب الحكم أنه أدان المتهم بناء على قراره بمحضر ضبط الواقعة ودون أن تسمعه المحكمة طالما أن الإقرار الوارد بمحضر ضبط الواقعة كان مطروحاً للمناقشة بالجلسة والقاضي ليس ملزماً بتسبيب طرحه لبعض الأدلة والأخذ ببعضها الآخر فهو حر في اقتناعه بالدليل الذي يراه طالما تحقق فيه شرط ثبوته بالأوراق وطرحه بالجلسة لتمكين الخصوم من مناقشته . 

ولا يشترط أن يكون الدليل مستمداً من واقعة معاصرة للجريمة، بل يمكن للمحكمة أن تستند إلى وقائع سابقة أو لاحقة على الجريمة متى كانت متصلة بها وتفيد في الوصول إلى حقيقة الإتهام من حيث الثبوت أو النفي .

وللقاضي أن يستعين في اقتناعه بالقرائن التي تعزز الأدلة وتساندها، فللمحكمة أن تستعين في تعزيز أدلة الثبوت باستعراف الكلب البوليسي، وكذلك يمكنها أن تستمد من سوابق المتهم قرينة تكميلية في إثبات الميل للإجرام، كما لها أيضاً أن تعول في تكوين عقيدتها على ما ورد بالتحريات التي أجراها رجال الشرطة، غير أن استعانة المحكمة بالقرائن المختلفة يجب أن تكون لتعزيز حالة تحقق شرط الاستناد إليها وهو أن تكون لها أصل بالأوراق وطرحت بالجلسة .

2- يجب أن يكون اقتناع القاضي مبنياً على دليل مستمد من إجراء صحيح، فلا يجوز الاستناد إلى دليل مستمد من إجراء باطل وإلا أبطل معه الحكمين وذلك تطبيقاً لقاعدة ما بني على الباطل فهو باطل فلا يجوز الاستناد إلى اعتراف من المتهم في محضر تحقيق النيابة إذا تحقق للمحكمة أن إرادته كانت معيبة وقت صدروه . أما إذا كانت المحكمة قد اطمأنت إلى الاعتراف وأنه لم يكن وليد إكراه فلا عيب عليها . كما لا يجوز أيضاً الاستناد إلى الدليل المستمد من تفتيش باطل  ولا يصح للمحكمة أن تستند إلى ورقة أو مستند أدعى بتزويره دون أن تحقق واقعة التزوير في حضور المتهم أو تمكنه من الإطلاع علي تلك التحقيقات .

وإذا قضت المحكمة ببطلان إجراء من إجراءات التحقيق فهي وحدها التي تملك تقدير مدى اتصال الدليل الذي تستند إليه بالإجراء الباطل، فإذا كان هذا الدليل هو أقوال المتهم التالية للتفتيش الباطل ، فللمحكمة أن تقدر مبلغ تأثير المتهم بالتفتيش الباطل حتى إدلائه بتلك الأقوال، فإذا خلصت إلى أنه لم يكن متأثراً به جاز لها الاستناد إليها في الحكم .

3- يجب أن يكون اقتناع القاضي مبنياً على أدلة مستساغة عقلاً . أن القاضي في تكوين عقيدته وإن كان حراً في اختياره للأدلة التي يطمئن إليها في حكمه إلا أن ذلك مشروط بأن يكون استنتاج القاضي لحقيقة الواقعة وما كشف عنها من أدلة لا يخرج عن مقتضيات العقل والمنطق . حقاً أن استخلاص الحقائق القانونية لا يلزم أن يكون بناء على أدلة صريحة ومباشرة، وانه يمكن للمحكمة الوصول إلى تكوين عقيدتها من جماع الأدلة المطروحة، إلا أن ذلك لابد وأن يكون في إطار ما يقتضيه العقل والتسلسل المنطقي للأمور .

وللقاضي في استخلاصه للأدلة وتكوين اقتناعه يجوز له أن يبني عقيدته على الثقافة العامة السائدة والتي يفترض علمها في كل شخص يتواجد في ذات الزمان والمكان ودون أن يكون ذلك قضاء بعلم القاضي الشخصي . فللمحكمة مثلاً أن تعتمد على التقويم الهجري ليلة الحادث للتدليل على وضوح الرؤية مثلاً بمكان الحادث، كما لها أن تعتمد على مبادئ الرياضة أو الفلك التي تدخل في نطاق المعلومات العامة المفترض العلم بها، إلا أن ذلك كله مشروط بأن يكون استنتاج المحكمة سائغاً عقلاً وتؤدي إليه ظروف الواقعة وأدلتها وقرائن الأحوال فيها، فالتقويم مثلاً ، وإن كان يصلح لمعرفة وضع القمر وأوقات شروقه وغروبه ومدى إكتماله إلا أنه لا يصلح لاستنتاج وضوح الرؤية ، إذ قد يحيط مكان الحادث ظروف تحول دون نفاذ الضوء إليه . كما أن ظروف الحالة الجوية بدورها قد تحول دون استخلاص قرينة قاطعة على إمكان الرؤية .

ولذلك ينبغي أن يكون ما انتهى إليه القاضي في تكوين عقيدته هو أمر يمكن الوصول إليه من الثابت بالأوراق وما طرح من أدلة بالجلسة وذلك وفقاً لمقتضيات العقل والمنطق .

وبعبارة أخرى ، يكفي أن تكون الأدلة فى مجموعها مؤدية إلى ما قصده الحكم منها في إثبات اقتناع المحكمة ما دام ما تخلص إليه لا يخرج عن الاقتضاء العقلي والمنطقي .

4- يجب أن يكون اقتناع القاضي مبنياً على اليقين :

القاعدة هي أن الأصل في المتهم انه برئ حتى تثبت إدانته فلا بد أن يكون هذا القضاء مبنياً على اليقين الذي ينفي الأصل وهو البراءة، فالأحكام لا تبنى على الشك وإنما على اليقين . وترتيباً على ذلك فإن الشك دائماً يفسر لصالح المتهم . ذلك أن الشك لا يصلح لنفي أصل البراءة الذي يجب أن يبنى على دليل يقيني، فإذا كانت الأدلة التي ساقها القاضي في حكمه قد انتهت إلى ترجيحه وقوع الجريمة من المتهم فإن الحكم يكون خاطئاً ومخالفاً للقانون فأي شك يتطرق إلى عقيدة المحكمة في ثبوت التهمة يجب أن تقضي بالبراءة مهما كان احتمال الثبوت ودرجته متی أحاطت المحكمة بالدعوى عن بصر وبصيرة .

ومن أجل ذلك يجب على المحكمة دائماً أن تحقق دفاع المتهم وذلك إذا ما دفع بشئ يتوقف على الفصل فيه براءته . فإذا طعن المتهم في صحة مستند أو ورقة يتوقف على الأخذ بها إدانته وعلى طرحها براءته فإن المحكمة تكون خالفت القانون إذا هي قضت بإدانته مستندة إلى هذه الورقة دون أن تتحقق من مدى صحتها طالما طعن فيها المتهم ولم يقر بصحة ما فيها .

إلا أن هذا الشرط لا يتعارض مع إمكان افتراض صور مختلفة لحصول الواقعة وإدانة المتهم على أية صورة من الصور التي افترضها الحكم . فهنا يكون الاقتناع بوقوع الجريمة وبنسبتها إلى المتهم يقيناً . ولا يقدح في هذا اليقين أن تستخلص المحكمة من الأدلة في مجموعها ومن الأوراق احتمالات متعددة لكيفية وقوع الجريمة طالما أن جميع الاحتمالات تؤدي إلى إدانة المتهم  أما إذا كان هناك احتمال واحد بين البراءة فلا يجب على المحكمة أن تحكم بالإدانة، وإلا كان ذلك خطأ منها ومخالفة لقاعدة أن الشك في الإثبات أو في مفهوم الأدلة يجب أن يفسر لصالح المتهم، والتي هي الوجه الأخر لقاعدة الاقتناع اليقيني للقاضي، وتطبيقاً إذا انتهت المحكمة إلى أن هناك اعتداء قد وقع من أحد المتهمين وأدلة دفاع من متهمين آخرين إلا أنها لم تستطع تحديد من منهم المتعدي ومن منهم كان في حالة دفاع وإدانتهم جميعاً كان حكمها معيباً ومخالفاً لقاعدة الاقتناع اليقيني . وكذلك الحال إذا انتهت المحكمة إلى أن واحداً فقط هو مرتكب الجريمة من بين المتهمين إلا أنها لم تستطيع تحديده من بينهما تعين عليها الحكم ببراءتهما .

5- لا يجوز أن يؤسس القاضي اقتناعه بناء على قرينة واحدة أو إستدلال واحد .

القاعدة هي أن القرائن والدلائل التي لا ترقى إلى مرتبة الأدلة، لا يجوز الإستناد إليها منفردة في الحكم إلا إلى جانب دليل أو أدلة متعددة، ذلك أن دور القرائن والدلائل هو تدعيم الأدلة التي طرحت بالجلسة، فلا يجوز للقاضي أن يستند إلى قرينة استعراف الكلب البوليسي وحدها وإنما تصلح في تعزيز الأدلة القائمة دون أن يؤخذ بها كدليل أساسي على ثبوت التهمة أو يعتمد في الإدانة على شهادة صدرت من صغير وحدها . أو أن يستند فقط إلى شهادة شاهد سمعت أقواله بمحضر النيابة على سبيل الاستدلال دون حلف اليمين القانونية ومع ذلك يجوز الاستناد في الحكم على قرائن متعددة إذا توافرت شروط ذلك كما سنرى .

ومتى كانت القرائن أو الدلائل قد وجدت إلى جانب الأدلة أو دليل واحد على الأقل كان الحكم صحيحاً حتى ولو كانت هذه الدلائل أو القرائن لم تطرح للمناقشة بالجلسة إذ يكفي أن يكون الدليل أساس الإدانة قد طرح في الجلسة وثابتاً بالأوراق، وإذا كانت القرائن أو الدلائل المعززة للأدلة لا يلزم أن تكون قد طرحت بالجلسة إلا أنه يلزم أن يكون لها أصل ثابت بالأوراق، أما الأحوال التي يمكن فيها الإثبات بالقرائن وحدها فيلزم أن تكون قد طرحت الوقائع المتعلقة بها في الجلسة . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء : الثاني ، الصفحة : 1258 )

سلطة المحكمة في تقدير الخبرة :

القاعدة أن المحكمة هي الخبير الأعلى، وذلك فتقارير الخبراء تخضع دائماً لتقديرها فلها أن تطرحها كلياً ولها أن تأخذ برأی خبير دون الأخر، كما أن للمحكمة سلطة الجزم في المسائل التي تتنسق ووقائع الدعوى حتى ولو كان تقرير الخبير لم يجزم فيها برأي . وإذا اختلف خبيران في الرأي فليست المحكمة ملزمة بمواجهتها وإنما تملك ترجيح إحداهما على الأخرى وفقاً لاقتناعها وما تراه مؤيداً بوقائع الدعوى  وهي في ذلك غير ملزمة ببيان أسباب الترجيح كما أنها غير ملزمة بمناقشة التقارير الأخرى طالما لم تر محلاً لها ولم يطلب الخصوم منها شيئاً من ذلك .

ومؤدى السلطة التقديرية للمحكمة أيضاً أنها تملك الأخذ ببعض ما ورد بتقرير الخبير وتطرح الجزء الأخر دون إبداء أسباب لذلك، اللهم إلا في المسائل الفنية فلا يجوز تفنيدها إلا بأسانيد فنية .

ومتى اقتنعت المحكمة بتقرير الخبير ورأت الإستناد إليه في حكمها فيجب أن يكون ما ورد بالتقرير قد طرح للمناقشة بالجلسة وأن كانت تلاوة التقرير غير لازمة وحينما يكون استناد المحكمة إلى رأي الخبير لا يجافي المنطق والقانون فإنها تكون غير ملزمة بإجابة الخصم إلى طلبه في تعيين خبير أخر أو إعادة المهمة إلى ذات الخبير ، كما لا تكون ملزمة بالرد على ذلك في أسباب حكمها .

سلطة المحكمة في تقدير الشهادة :

أن تقدير قيمة الشهادة التي يدلي بها الشهود أمام المحكمة وفي التحقيقات الأولية تخضع للسلطة المطلقة لمحكمة الموضوع فالمحكمة لها أن تأخذ بشهادة شاهد وتطرح الآخرين  كما لها أن تأخذ بالشهادة التي أدلى بها في التحقيقات الأولية وتطرح ما ورد على لسان الشاهد بالمحكمة وبالنسبة للشهادة الواحدة يمكن أن تجزئها فتأخذ منها ما تطمئن إليه وتطرح الباقي  ويجوز للمحكمة أن تطمئن إلى شهادة المجنى عليه ، وكما أن وجود عداوة بين الشاهد والمتهم لا تدعو لإهدار شهادته بل للمحكمة أن تستند إليها في حكمها  وللمحكمة أن تعول على الشهادة السمعية حتى ولو كان من نقلت عنه الرواية قد كذب الشاهد في روايته كما يجوز الاستناد إلى الشهادة السمعية القائمة على تعرف الشاهد لصوت من يشهد عليه حتى ولو لم يره أثناء ارتكاب الجريمة  ولا يلزم أن تكون الشهادة منصبة على الفعل الإجرامي إذ يكفي أن تكون على واقعة تفيد في كشف هذه الحقيقة، ولا يلزم أن تكون الشهادة مطابقة لمضمون الدليل الفني، إذ يكفي أن تكون غير متناقضة ومثال الاختلاف الذي لا يصل إلى مرتبة التناقض فيما يتعلق بتقدير المسافات التي منها الأعيرة النارية على المجني عليه، باعتبار أن تقدير الأشخاص المسافات هي تقريبي أما تقدير الخبير لها فيرجع إلى أصول فنية .

ويثير تقدير الشهادة للمسائل الأتية :

الأولى : هي أقوال متهم على متهم آخر :

لا شك أن أقوال متهم على متهم أخر لا تعتبر شهادة بالمعنى الدقيق إذ أن المتهم لا يحلف اليمين فضلاً عن أن شهادة المتهم على آخر تؤخذ دائماً بالريبة والشك، ورغم ذلك فيجوز للمحكمة أن تستند في حكمها علي أقوال أحد المتهمين على المتهمين الآخرين وتحكم بإدانتهم استناداً على تلك الأقوال متی اطمأنت إليها غير أنه يراعي في أقوال المتهم على المتهمين الأخرين ليست دليلاً  بالمعني وإنما هي من قبيل الاستدلالات التي يجوز للمحكمة أن تعود إليها لتعزيز دليل قائم، ومعني ذلك أنه لا يجوز الاستناد على تلك الأقوال وحدها في إدانة المتهم وإنما يلزم توافر دليل أخر يؤيد هذا القول أو قرائن أخرى تعززه .

الثانية : الشهادة على سبيل الاستدلال :

قد تسمع المحكمة أشخاصاً دون أن يحلفوا اليمين القانونية قبل الإدلاء بأقوالهم إما لكونهم دون الرابعة عشر وما لكونهم قد فقدوا الأهلية القانونية بصدور حکم جنائي وفقاً لنصوص قانون العقوبات. ولا شك أن عدم تحليف الشاهد اليمين بنفي عن أقواله صفة الشهادة القانونية كدليل إثبات ليجعلها في مصاف الاستدلالات التي تعزز الأدلة القائمة في الدعوى دون أن يكون من الجائز الاستناد إليها وحدها في الحكم وإنما يلزم تعزيزها بأدلة أخرى أو قرائن قضائية، ولذلك ففي جميع الأحوال التي لا يحلف فيها الشاهد اليمين أو لا تتوفر لديه أهلية الشهادة لسبب شخصي يتعلق به يمكن للمحكمة أن تقدر قيمة هذه الأقوال ولها أن تأخذ بها إذا اطمأنت إليها  وكل ذلك مشروط بوجود أدلة أخرى تساندها وتعززها، فإذا لم يوجد دليل واحد بالأوراق أو قرائن أخرى فلا يجوز الاستناد إلى تلك الأقوال وحدها للحكم بإدانة، حقاً أن سلطان القاضي مطلق في تقدير العناصر التي يطمئن إليها في حكمه إلا أن ذلك مشروط بألا يخرج هذا التقدير عن الحدود التي رسمها القانون حتى لا نكون في محيط التحكم ، وإذا كان القانون لم يورد الأدلة على سبيل الحصر إلا أنه طالما استلزم في الدليل شروطاً شكلية معينة فمعنى ذلك أن الدليل يفقد صفته هذه إذا ما تخلفت هذه الشروط لها أو بعضها .

ولاشك أن سلطة المحكمة في سماع الشهود على سبيل الاستدلال له أهميته بالنسبة للشهادة الزور، ذلك أن الشهادة الزور لا تكون إلا بالنسبة للشاهد الذي يحلف اليمين بأقوال كاذبة بعد حلفه اليمين أمام المحكمة، أما الشاهد على سبيل الاستدلال فلا يمكن أن يرتكب جريمة الشاهد الزور .

 ثالثاً : سلطة المحكمة في الحكم على الشاهد الزور :

إذا رأت المحكمة أن شهادة الشاهد لا تطمئن إليها فهي تطرحها ولا تأخذ بها . أما إذا تبينت المحكمة كذب الشاهد في شهادته بعد أن يكون قد حلف اليمين القانونية فهو بذلك يعتبر مرتكباً لجريمة الشهادة الزور ، غير أنه لا يجوز تحريك الدعوى العمومية ضده إلا بعد إقفال باب المرافعة دون أن يعدل الشاهد عن شهادته الزور  فإذا عدل عنها وأدلى بالشهادة الصحيحة إفادة هذا العدول في عدم رفع الدعوى العمومية عليه حتى ولو كانت المحكمة قد وجهت إليه الإتهام أو أمرت بالقبض عليه تمهيداً لإحالته إلى النيابة العامة إذ أن قفل باب المرافعة دون عدول الشاهد يعتبر شرطاً لرفع الدعوى .

وإذا أصر الشاهد على أقواله الكاذبة حتى قفل باب المرافعة فيجوز للمحكمة أن توجه إليه الاتهام وتحكم عليه بعد سماع أقوال النيابة العامة إذا كانت الشهادة الزور لها وصف الجنحة . والمحكمة هنا تختص برفع الدعوى والحكم فيها بوصفها من جرائم الجلسات . أما إذا كانت الشهادة الزور لها وصف الجناية فتحيلها إلى النيابة العامة مع المتهم مقبوضاً عليه . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء : الثاني ، الصفحة : 1044 )

حرية القاضى فى الإقتناع :

تنص المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية على أن يحكم القاضي فى الدعوى حسب العقيدة ، التي تكونت لديه بكامل حريته ، ومع ذلك لا يجوز له أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه فى الجلسة . وكل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة الإكراه أو التهديد به يهدر ولا يعول عليه .

وعلى ذلك فإن العبرة في المحاكمات الجنائية هي باقتناع القاضي بناء على ما يجريه من تحقيق في الدعوى ومن كافة عناصرها المعروضة على بساط البحث ولا يصح مطالبته بالأخذ بدلیل غيره ذلك أن من المقرر أن أدلة الدعوى تخضع في كل الأحوال لتقدير القاضي ولو كانت أوراقاً رسمية مادام هذا الدليل غير مقطوع بصحته ويصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي استخلصها القاضي من باقي الأدلة .

وقد قيل في ذلك بأن دور القاضي الجنائي يختلف في نظر الدعوى عن دور القاضي المدني فبينما يقتصر عمل الأخير على تقدير الأدلة التي يقدمها الخصوم لا يلتزم القاضي الجنائي موقفاً سلبياً فمن حقه بل من واجبه أن يتحرى ويتقصى عن الحقيقة وذلك بكافة الطرق سواء نص عليها في القانون أو لم ينص عليها يستوي في ذلك قضاء التحقيق وقضاء الحكم وهذا ما عنته المادة (291) بنصها على أن للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة ذلك أن سلطة القاضي الجنائي في البحث ليست مطلقة فعليه أن يلجأ في ذلك إلى الطرق المشروعة أو التي يقرها العلم .

ويلاحظ أن ثمة قواعد تحدد أسلوب تطبيق مبدأ الاقتناع القضائي وتتمثل فيها قيود على هذا المبدأ وهذه القواعد هي وجوب أن يستمد القاضي اقتناعه من أدلة عرضت واتيحت مناقشتها في المحاكمة ووجوب استمداد اقتناعه من أدلة صحيحة وإلزامه بتسبيب حكمه .

ومن ثم فإن الأحكام الجنائية يجب أن تبني على الأدلة التي تطرح أمام المحكمة على بساط البحث بالجلسة ويقتنع فيها القاضي بإدانة المتهم أو ببرائته ولكن هذا لا يمنع من أن يأخذ القاضي برأي الغير متى اقتنع به  إلا أنه في هذه الحالة يكون من المتعين عليه أن يبين أسباب اقتناعه بهذا  الرأي بإعتباره من الأدلة المقدمة إليه في الدعوى المطلوب الفصل فيها ومن جهة أخرى فإن من المقرر أن القاضي الجنائي حر في استمداد اقتناعه من أي دليل يطمئن إليه طالما لهذا الدليل مأخذه الصحيح في الأوراق إلا أنه لا يكفي لسلامة الحكم أن يكون الدليل صادقاً متى كان وليد إجراء غير مشروع وقد سبق القول في ذلك إلى أن القضاء المصري يشترط مشروعية الدليل حالة الحكم بالإدانة أما حالة الحكم بالبراءة فيجوز أن ينبني الحكم على دليل غير مشروع وأخيراً فإنه يتعين عملاً بنص المادة (310) من قانون الإجراءات الجنائية أن يشتمل الحكم على الأسباب التي بني عليها وإلا كان باطلاً والمراد بالتسبيب المعتبر قانوناً هو تحديد الأسانيد والحجج المبني عليها الحكم والمنتجة فيما انتهى إليه سواء من حيث الواقع أو من حيث القانون . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد : الثالث، الصفحة :  171 )

تقدير رأي الخبير :

من المقرر أن المحكمة غير ملزمة برأي الخبير ليس فقط استناداً إلى نص صريح في قانون الإثبات بل كذلك إلى مبدأ حرية الإقتناع الذي نص عليه قانون الإجراءات الجنائية فتقرير الخبير هو من جملة الأدلة المعروضة على المحكمة خاضع للمناقشة والتمحيص فمحكمة الموضوع في الخبير الأعلى في مكان ما تستطيع أن تفصل فيها بنفسها وعندما ترفض الأخذ بخبرة تتعلق بأمر فني لا تستطيع تقديره بنفسها فعليها أن تستند في هذا الرفض إلى خبرة فنية تنفي ما جاء في الخبرة الأولى حتى يتسنى لها أن ترجح إحدى الخبرتین .

وللمحكمة أن تأخذ من تقرير الخبير ما تطمئن إلى صحته وتطرح ما لا يرتاح إليه ضميرها على أن تعلل قرارها في ذلك تعليلاً معقولاً وإذا وجد أكثر من خبير وتعارضت أراؤهم فإن للمحكمة أن تأخذ بالرأي الذي تقتنع به ويتفق مع الأدلة الأخرى في الدعوى فلها أن تأخذ بتقرير الخبير الذي ندبته سلطة التحقيق وتطرح تقرير الخبير الذي ندبته هي أثناء المحاكمة إذ تأخذ بتقرير الطب الشرعي وتطرح تقرير الخبير الإستشاري، وعلى ذلك فإن رأي الخبير يعطي دائماً بصفة استشارية ولا تتقيد به المحكمة فهو ليس بحكم وليست له قيمة قضائية أكثر من شهادة الشهود ولا يمنع القاضي من حقه التام في تقدير الوقائع التي تعرض عليه حق قدرها بما يعني أن تقرير الخبير هو مجرد دلیل تقدير قيمته من شأن قاضي الموضوع تطبيقاً للقواعد العامة ومن ناحية ثانية فإن ما يقترحه الخبير من إثبات، لواقعة على نحو معين هو قول من وجهة نظر فنية بحتة وفي غياب، وجهة النظر القانونية التي لا اختصاص للخبير بها، ومن ثم كانت مهمة القاضي "الرقابة القانونية للرأي الفني" وكان القاضي هو "الخبير الأعلى في الدعوى . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد : الأول ، الصفحة : 843 )

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / الثاني ، الصفحة / 300

مَا يَصْنَعُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْخِلاَفِيَّةِ:

يَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا. وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَحْكُمُ بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، أَمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ، وَسَوَاءٌ أَضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَمْ يَضِقْ. وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ تَعَذَّرَ هَذَا الشَّرْطُ فَوَلَّى سُلْطَانٌ أَوْ مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ مُقَلِّدًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ.

وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ كَوْنِ الْقَاضِي مُقَلِّدًا. وَالاِجْتِهَادُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ فَقَطْ.

فَعَلَى قَوْلِ مَنِ اشْتَرَطَ الاِجْتِهَادَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلاَ إِجْمَاعٌ لاَ يَحْكُمُ إِلاَّ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ حَسَبَ أُصُولِ الاِجْتِهَادِ.

وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ كَوْنَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا، ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ الْمُقَلِّدُ بِقَوْلِ مُقَلِّدِهِ أَيْ بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَوْلَهُ - يَعْنِي إِمَامَ الْمَذْهَبِ - أَمْ قَوْلَ أَصْحَابِهِ، لاَ بِالضَّعِيفِ، وَلاَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَإِلاَّ نُقِضَ حُكْمُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِلضَّعِيفِ مُدْرَكٌ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي. وَيَجُوزُ لِلإْنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ بِالضَّعِيفِ لأِمْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ. وَقِيلَ: بَلْ يُقَلِّدُ قَوْلَ الْغَيْرِ إِذَا كَانَ رَاجِحًا فِي مَذْهَبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، قَالَ الصَّاوِيُّ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلاَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ: فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: يَحْكُمُ الْقَاضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِمَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ. فَيُرَجِّحُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِاجْتِهَادِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الاِجْتِهَادِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُمْ جَمِيعًا. وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَخَالَفَهُمْ وَاحِدٌ مِنَ التَّابِعِينَ لاَ يُعْتَبَرُ خِلاَفُهُ إِلاَّ إِنْ كَانَ مِمَّنْ أَدْرَكَ عَهْدَهُمْ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفُتْيَا كَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ. فَإِنْ لَمْ يَأْتِ عَنِ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ فَبِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ.

فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ خِلاَفٌ رَجَحَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ  فَقَضَى بِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِئْ عَنْهُمْ شَيْءٌ اجْتَهَدَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الاِجْتِهَادِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لأِنَّهُ كَانَ مِنَ التَّابِعِينَ. وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ يَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا اسْتُفْتِيَ فِي حَادِثَةٍ وَأَفْتَى، وَرَأْيُهُ بِخِلاَفِ رَأْيِ الْمُفْتِي، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ. فَإِنْ تَرَكَ رَأْيَهُ وَقَضَى بِرَأْيِ الْمُفْتِي لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ لِمُصَادَفَتِهِ فَصْلاً مُجْتَهَدًا فِيهِ.

أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الاِجْتِهَادِ فَإِنْ عَرَفَ أَقَاوِيلَ الأْصْحَابِ، وَحَفِظَهَا عَلَى الإْحْكَامِ وَالإْتْقَانِ، عَمِلَ بِقَوْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ قَوْلَهُ حَقًّا عَلَى التَّقْلِيدِ.

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / السادس والعشرون ، الصفحة / 218

أَرْكَانُ الشَّهَادَةِ:

أَرْكَانُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خَمْسَةُ أُمُورٍ: الشَّاهِدُ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ، وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ، وَالصِّيغَةُ.

وَرُكْنُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: اللَّفْظُ الْخَاصُّ، وَهُوَ لَفْظُ (أَشْهَدُ) عِنْدَهُمْ.

سَبَبُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ:

سَبَبُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ طَلَبُ الْمُدَّعِي الشَّهَادَةَ مِنَ الشَّاهِدِ، أَوْ خَوْفُ فَوْتِ حَقِّ الْمُدَّعِي إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُدَّعِي كَوْنَهُ شَاهِدًا.

حُجِّيَّةُ الشَّهَادَةِ:

الشَّهَادَةُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ تُظْهِرُ الْحَقَّ وَلاَ تُوجِبُهُ. وَلَكِنْ تُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِمُقْتَضَاهَا. لأِنَّهَا إِذَا اسْتَوْفَتْ شُرُوطَهَا مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِالْحَقِّ.

شُرُوطُ الشَّهَادَةِ:

لِلشَّهَادَةِ نَوْعَانِ مِنَ الشُّرُوطِ:

شُرُوطُ تَحَمُّلٍ.

وَشُرُوطُ أَدَاءً.

فَأَمَّا شُرُوطُ التَّحَمُّلِ: فَمِنْهَا:

أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَاقِلاً وَقْتَ التَّحَمُّلِ، فَلاَ يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا مِنْ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لاَ يَعْقِلُ؛ لأِنَّ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ عِبَارَةٌ عَنْ فَهْمِ الْحَادِثَةِ وَضَبْطِهَا، وَلاَ يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلاَّ بِآلَةِ الْفَهْمِ وَالضَّبْطِ، وَهِيَ الْعَقْلُ.

أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، فَلاَ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنَ الأْعْمَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ تَحَمُّلِهِ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ التَّسَامُعُ إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ وَقَطَعَ بِأَنَّهُ صَوْتُ فُلاَنٍ.

أَنْ يَكُونَ التَّحَمُّلُ عَنْ عِلْمٍ، أَوْ عَنْ مُعَايَنَةٍ لِلشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنَفْسِهِ لاَ بِغَيْرِهِ: لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم الرَّجُلُ يَشْهَدُ بِشَهَادَةٍ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ عَلَى مَا يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذِهِ الشَّمْسِ وَأَوْمَأَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْسِ.

وَلاَ يَتِمُّ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْعِلْمِ، أَوِ الْمُعَايَنَةِ، إِلاَّ فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ، كَالنِّكَاحِ، وَالنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ. أَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَتُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُعَايَنَةُ.

وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا رَآهُ مِنْ خَطِّ نَفْسِهِ إِلاَّ إِذَا تَذَكَّرَ ذَلِكَ وَتَيَقَّنَ مِنْهُ، لأِنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، وَالْخَتْمَ يُشْبِهُ الْخَتْمَ، كَثِيرًا مَا يَقَعُ التَّزْوِيرُ، فَلاَ مُعَوَّلَ إِلاَّ عَلَى التَّذَكُّرِ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِ عَلَى مَا يَجِدُهُ مِنْ خَطِّ نَفْسِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.

وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَاضِي يَجِدُ فِي دِيوَانِهِ شَيْئًا لاَ يَحْفَظُهُ، كَإِقْرَارِ رَجُلٍ أَوْ شَهَادَةِ شُهُودٍ، أَوْ صُدُورِ حُكْمٍ مِنْهُ وَقَدْ خُتِمَ بِخَتْمِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَقْضِي بِذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي بِهِ.

وَلاَ يُشْتَرَطُ لِلتَّحَمُّلِ: الْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالإْسْلاَمُ، وَالْعَدَالَةُ، حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ وَقْتَ التَّحَمُّلِ صَبِيًّا عَاقِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ كَافِرًا، أَوْ فَاسِقًا، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأُعْتِقَ الْعَبْدُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ، فَشَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ.

وَأَمَّا شُرُوطُ الأْدَاءِ:

 فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الشَّاهِدِ.

وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الشَّهَادَةِ.

وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمَشْهُودِ بِهِ.

وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى النِّصَابِ (أَيْ عَدَدِ الشُّهُودِ).

الرُّجُوعُ عَنِ الشَّهَادَةِ:

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إِنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، فَلاَ يَخْلُو رُجُوعُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا قَبْلَ الْحُكْمِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمَا، لأِنَّ الْحَقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَضَاءِ، وَالْقَاضِيَ لاَ يَقْضِي بِكَلاَمٍ مُتَنَاقِضٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، لأِنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا شَيْئًا عَلَى الْمُدَّعِي، وَلاَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

وَإِنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ التَّنْفِيذِ: فَإِنْ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ لَمْ يَجُزِ الاِسْتِيفَاءُ وَالتَّنْفِيذُ؛ لأِنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلَمْ يَجُزِ الاِسْتِيفَاءُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ.

وَإِنْ كَانَ مَالاً أَوْ عَقْدًا اسْتَوْفَى الْمَالَ لأِنَّ الْقَضَاءَ قَدْ تَمَّ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ حَتَّى يَتَأَثَّرَ بِالرُّجُوعِ؛ فَلاَ يُنْتَقَضُ الْحُكْمُ. وَعَلَى الشُّهُودِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ لإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَلاَ يَرْجِعُونَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ.

أَمَّا إِنْ رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ: فَإِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، لأِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا صَادِقَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا كَاذِبَيْنِ، وَقَدِ اقْتَرَنَ الْحُكْمُ وَالاِسْتِيفَاءُ بِأَحَدِ الاِحْتِمَالَيْنِ؛ فَلاَ يُنْقَضُ بِرُجُوعٍ مُحْتَمَلٍ،وَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَضْمَنَا مَا أَتْلَفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا.

فَإِنْ كَانَ مَا شَهِدَا بِهِ يُوجِبُ الْقَتْلَ، أَوِ الْحَدَّ، أَوِ الْقِصَاصَ: نُظِرَ، فَإِنْ قَالاَ تَعَمَّدْنَا لِيُقْتَلَ بِشَهَادَتِنَا: وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالأْوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ شُبْرُمَةَ.

لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ أَتَيَاهُ بِرَجُلٍ آخَرَ فَقَالاَ: إِنَّا أَخْطَأْنَا بِالأْوَّلِ، وَهَذَا السَّارِقُ، فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الآْخَرِ، وَضَمَّنَهُمَا دِيَةَ يَدِ الأْوَّلِ، وَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا.

وَلأِنَّهُمَا أَلْجَآهُ إِلَى قَتْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُمَا الْقَوَدُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَاهُ عَلَى قَتْلِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ قَوَدَ عَلَيْهِمَا، لأِنَّهُمَا لَمْ يُبَاشِرَا الإْتْلاَفَ، فَأَشْبَهَا حَافِرَ الْبِئْرِ، وَنَاصِبَ السِّكِّينِ، إِذَا تَلِفَ بِهِمَا شَيْءٌ، وَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ.

وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ: أَخْطَأْنَا، أَوْ جَهِلْنَا كَانَتْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً، وَلاَ تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُمَا شَيْئًا؛ لأِنَّ الْعَاقِلَةَ لاَ تَحْمِلُ الاِعْتِرَافَ.

وَإِنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا الشَّهَادَةَ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَهُمْ يَجْهَلُونَ قَتْلَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَمْدِ، وَمُؤَجَّلَةٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ.

فَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا، وَجَبَتْ دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ؛ لأِنَّهُ خَطَأٌ وَلاَ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لأِنَّهَا وَجَبَتْ بِاعْتِرَافِهِمْ.

فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ تَعَمَّدَ وَبَعْضَهُمْ أَخْطَأَ وَجَبَ عَلَى الْمُخْطِئِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ، وَعَلَى الْمُتَعَمِّدِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقَوَدُ لِمُشَارَكَةِ الْمُخْطِئِ.

وَإِنْ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَعَمَّدْنَا كُلُّنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَخْطَأْنَا كُلُّنَا، وَجَبَ عَلَى الْمُقِرِّ بِعَمْدِ الْجَمِيعِ الْقَوَدُ، وَعَلَى الْمُقِرِّ بِخَطَأِ الْجَمِيعِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ.

رُجُوعُ بَعْضِ الشُّهُودِ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا رَجَعَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ اسْتِيفَائِهِ فِي شَهَادَةٍ نِصَابُهَا شَاهِدَانِ ضَمِنَ نِصْفَ الْمَالِ أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَالْعِبْرَةُ لِمَنْ بَقِيَ لاَ لِمَنْ رَجَعَ.

وَلَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْلِ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ فِي شَهَادَةٍ نِصَابُهَا شَاهِدَانِ أَيْضًا، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لِبَقَاءِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ قَائِمًا.

وَكَذَا لَوْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا، لِبَقَاءِ النِّصَابِ.

وَلَوْ رَجَعَ ثَلاَثَةٌ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِمْ نِصْفُ الْمَالِ، لِبَقَاءِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ شَطْرُ الشَّهَادَةِ فَيَتَحَمَّلُونَ شَطْرَ الْمَالِ.

وَلَوْ رَجَعَتِ امْرَأَةٌ وَكَانَ النِّصَابُ رَجُلاً وَامْرَأَتَيْنِ غَرِمَتِ الرَّاجِعَةُ رُبُعَ الْمَالِ.

وَلَوْ شَهِدَ عَشْرُ نِسْوَةٍ وَرَجُلٌ وَاحِدٌ، فَرَجَعَ ثَمَانٍ مِنْهُنَّ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِنَّ، لِبَقَاءِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ.

وَلَوْ رَجَعَ تِسْعٌ مِنْهُنَّ غَرِمْنَ رُبُعَ الْمَالِ.. وَهَكَذَا.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّمَانُ فِيهِ عَلَى الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ وَجَبَ أَنْ يُوَزَّعَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا.

قَالَ الإْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ: إِنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِشَهَادَةٍ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ أَتْلَفَ مَالاً فَإِنَّهُ ضَامِنٌ بِقَدْرِ مَا كَانُوا فِي الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلاَثَةً فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانُوا عَشَرَةً فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ وَحْدَهُ أَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا، وَسَوَاءٌ رَجَعَ الزَّائِدُ عَنِ الْقَدْرِ الْكَافِي فِي الشَّهَادَةِ أَوْ مَنْ لَيْسَ بِزَائِدٍ، فَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالْقِصَاصِ، فَرَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ: عَمَدْنَا إِلَى قَتْلِهِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ.

وَإِنْ شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى عَلَى مُحْصَنٍ فَرُجِمَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوْ سُدُسُ الدِّيَةِ، وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ ثُلُثُ الدِّيَةِ.

الاِخْتِلاَفُ فِي الشَّهَادَةِ:

الشَّهَادَةُ إِذَا وَافَقَتِ الدَّعْوَى قُبِلَتْ، وَإِنْ خَالَفَتْهَا لَمْ تُقْبَلْ؛ لأِنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِيمَا يُوَافِقُهَا وَانْعَدَمَتْ فِيمَا يُخَالِفُهَا.

وَيَنْبَغِي اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمَا لِتَكْمُلَ الشَّهَادَةُ.

فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا، وَشَهِدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا: فَلاَ تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ.

وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَذَهَبَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِلَى أَنَّ الاِتِّفَاقَ فِي الْمَعْنَى هُوَ الْمُعْتَبَرُ.

فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ وَالآْخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، لأِنَّهُمَا اخْتَلَفَا لَفْظًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلاَفِ الْمَعْنَى لأِنَّهُ يُسْتَفَادُ بِاللَّفْظِ، وَهَذَا لأِنَّ الأْلْفَ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الأْلْفَيْنِ، بَلْ هُمَا جُمْلَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فَحَصَلَ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَالِ.

وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ عَلَى الأْلْفِ إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الأْلْفَيْنِ.

وَهُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

لأِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الأْلْفِ، وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالزِّيَادَةِ فَيَثْبُتُ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَصَارَ كَالأْلْفِ وَالأْلْفِ وَالْخَمْسِمِائَةِ.

أَمَّا إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالآْخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ: قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الأْلْفِ عِنْدَ الْجَمِيعِ حَتَّى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاِتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهَا لَفْظًا وَمَعْنًى؛ لأِنَّ الأْلْفَ وَالْخَمْسَمِائَةِ جُمْلَتَانِ عُطِفَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأْخْرَى وَالْعَطْفُ يُقَرِّرُ الأْوَّلَ.

وَمَتَى كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ فَاخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي زَمَنِهِ، أَوْ مَكَانِهِ، أَوْ صِفَةٍ لَهُ تَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ الْفِعْلَيْنِ لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا.

مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَشْهَدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ بِدِمَشْقَ، وَيَشْهَدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ بِمِصْرَ، أَوْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ وَيَشْهَدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَسْوَدَ: فَلاَ تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ؛ لأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ شَاهِدَانِ.

تَعَارُضُ الشَّهَادَاتِ:

قَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ مُدَّعِيًا وَيُقِيمُ عَلَى دَعْوَاهُ بَيِّنَةً (شَهَادَةً) كَامِلَةً، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ أَوْ فِي مِلْكٍ مُقَيَّدٍ بِذِكْرِ سَبَبِ التَّمَلُّكِ.

فَإِنْ كَانَتَا فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ، لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ سَبَبُ التَّمَلُّكِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الدَّعْوَى تَارِيخًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا أَوْ فِي يَدِهِمَا مَعًا.

أ- فَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا: فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ  لِقَوْلِهِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».

وَلأِنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَذُو الْيَدِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَجَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْخَارِجُ، فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَتُرَدُّ بَيِّنَةُ الْيَدِ؛ وَلأِنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا، لأِنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ لِلْخَارِجِ، وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ لاَ تُثْبِتُهُ، لأِنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ بِالْيَدِ، وَإِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ إِثْبَاتًا كَانَتْ أَقْوَى.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ؛ لأِنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَانِ، فَتَبْقَى الْيَدُ دَلِيلاً عَلَى الْمِلْكِ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ نَتْجُهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ».

ب- أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا:

فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ: إِنْ: لَمْ يُؤَرِّخَا وَقْتًا: قُضِيَ بِالشَّيْءِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لاِسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ، وَكَذَا إِذَا أَرَّخَا وَقْتًا بِعَيْنِهِ. وَإِذَا أُرِّخَتْ إِحْدَاهُمَا تَارِيخًا أَسْبَقَ مِنَ الثَّانِيَةِ: فَالأْسْبَقُ أَوْلَى، لأِنَّهُمَا يُعْتَبَرَانِ خَارِجَيْنِ، لِوُجُودِهَا عِنْدَ غَيْرِهِمَا، فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِمَا وَصْفُ (الْمُدَّعِي) فَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُمَا، وَيُحْكَمُ لِلأْسْبَقِ؛ لأِنَّ الأْسْبَقَ يُثْبِتُ الْمِلْكِيَّةَ فِي وَقْتٍ لاَ يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ: إِنْ تَعَذَّرَ تَرْجِيحُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ، وَالْحَالُ؛ أَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا: سَقَطَتَا؛ لِتَعَارُضِهِمَا، وَبَقِيَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ حَائِزِهِ. وَفِي ذَلِكَ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَيْنًا وَهِيَ فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَهُوَ مُنْكِرٌ وَلَمْ يَنْسِبْهَا لأِحَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، وَكَانَتَا مُطَلَّقَتِي التَّارِيخِ أَوْ مُتَّفِقَتَيْهِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً وَالأْخْرَى مُؤَرَّخَةً: سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ، لِتَنَاقُضِ مُوجِبِيهِمَا وَلاَ مُرَجِّحَ، وَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْيَدِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا.

وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ، وَتُنْزَعُ الْعَيْنُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَعَلَى هَذَا تُقْسَمُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ مُنَاصَفَةً فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُرَجَّحُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ.

وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ: تُوقَفُ حَتَّى يَبِينَ الأْمْرُ أَوْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَنْكَرَ الثَّالِثُ دَعْوَى الْمُدَّعِيَيْنِ، فَقَالَ: لَيْسَتْ لَهُمَا وَلاَ لأِحَدِهِمَا: أُقْرِعَ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لأِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ: حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنَ الْمُدَّعِيَيْنِ بَيِّنَةٌ: تَعَارَضَتَا لِتَسَاوِيهِمَا فِي عَدَمِ الْيَدِ، فَتَسْقُطَانِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْعَمَلِ بِإِحْدَاهُمَا.

ج - أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِهِمَا مَعًا:

فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْصِيلِ:

فَإِنْ لَمْ تُؤَرَّخَا تَارِيخًا، وَكَذَا إِذَا أُرِّخَتَا تَارِيخًا مُعَيَّنًا وَكَانَ تَارِيخُهُمَا سَوَاءً: قُضِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ الآْخَرِ؛ لأِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا النِّصْفِ خَارِجٌ فَهُوَ مُدَّعٍ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي.

وَإِنْ أُرِّخَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الأْخْرَى: قُضِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالتَّارِيخِ لِلاِحْتِمَالِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ لِصَاحِبِ التَّارِيخِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ فِي أَيْدِيهِمَا كَمَا كَانَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ تَسَاقُطُ الْبَيِّنَتَيْنِ، إِذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِهَا مِنَ الآْخَرِ، وَقِيلَ: تُجْعَلُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ، وَلاَ يَجِيءُ الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ، إِذْ لاَ مَعْنَى لَهُ، وَفِي الْقُرْعَةِ وَجْهَانِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ الْمُتَنَازِعَيْنِ إِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَتَسَاوَتِ الْبَيِّنَتَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ: تَعَارَضَتَا وَتَسَاقَطَتَا؛ لأِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَنْفِي مَا تُثْبِتُهُ الأْخْرَى، فَلاَ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَلاَ بِإِحْدَاهُمَا فَتَتَسَاقَطَانِ، وَيَصِيرُ الْمُتَنَازِعَانِ كَمَنْ لاَ بَيِّنَةَ لَهُ، فَيَتَحَالَفَانِ، وَيَتَنَاصَفَانِ مَا بِأَيْدِيهِمَا.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى تَرْجِيحِ إِحْدَاهُمَا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ فِي الْبَيِّنَةِ الأْصْلِيَّةِ لاَ الْمُزَكِّيَةِ، وَفِي رَأْيِ بَعْضِهِمْ تُرَجَّحُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ إِذَا أَفَادَتِ الْكَثْرَةُ الْعِلْمَ، بِحَيْثُ تَكُونُ الْكَثْرَةُ جَمْعًا يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.

وَإِنْ كَانَتَا فِي مِلْكٍ مُقَيَّدٍ بِسَبَبِهِ:

وَذَلِكَ بِأَنْ يُذْكَرَ الْمِلْكُ عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ مَثَلاً أَوْ عَنْ طَرِيقِ الشِّرَاءِ أَوِ النِّتَاجِ.

فَفِي الإْرْثِ يُقْضَى بِهِ لِلْخَارِجِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَسْبَقَ، فَيُقْضَى بِهِ لِلأْسْبَقِ.

أَمَّا إِذَا كَانَا خَارِجَيْنِ، بِأَنْ كَانَ الشَّيْءُ عِنْدَ غَيْرِهِمَا: فَيُقْسَمُ الشَّيْءُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُقْضَى بِهِ لِلأْسْبَقِ إِذَا ذَكَرَا تَارِيخًا.

وَفِي الشِّرَاءِ: إِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشِّرَاءَ مِنْ صَاحِبِهِ وَلاَ تَارِيخَ لَهُمَا، وَكَذَا إِنْ أَرَّخَا وَتَارِيخُهُمَا سَوَاءٌ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، وَيُتْرَكُ الشَّيْءُ لِلَّذِي فِي يَدِهِ.

أَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ: فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ، وَإِذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ يُقْضَى لَهُمَا بِالشَّيْءِ نِصْفَيْنِ.

وَفِي النِّتَاجِ: بِأَنْ يَذْكُرَ أَنَّ هَذِهِ النَّاقَةَ نَتَجَتْ عِنْدَهُ، أَيْ: وَلَدَتْ فِي مِلْكِهِ، فَيَكُونُ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى إِذَا لَمْ يُؤَرِّخَا، أَوْ أَرَّخَا وَقْتًا وَاحِدًا؛ لأِنَّ النِّتَاجَ لاَ يَتَكَرَّرُ.

لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نَتَجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عِنْدِي. وَأَقَامَا بَيِّنَةً فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ».

أَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ سَبَبُهُ، كَالْبِنَاءِ، وَالنَّسْجِ، وَالصُّنْعِ، وَالْغَرْسِ: فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى. أَمَّا إِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُمَا الْمِلْكَ وَالآْخَرُ النِّتَاجَ: فَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ أَوْلَى لأِنَّهَا تُثْبِتُ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ لِصَاحِبِهِ.

وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ مَا يَلِي:

أ - إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ الْمِلْكَ بِالاِسْتِقْلاَلِ وَادَّعَى الآْخَرُ الْمِلْكَ بِالاِشْتِرَاكِ فِي مَالٍ، وَالْحَالُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَصَرِّفٌ أَيْ ذُو يَدٍ: فَبَيِّنَةُ الاِسْتِقْلاَلِ أَوْلَى.

ب - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ التَّمْلِيكِ عَلَى بَيِّنَةِ الْعَارِيَّةُ.

ج - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْبَيْعِ عَلَى بَيِّنَةِ الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ وَالإِْجَارَةِ وَتُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الإِْجَارَةِ عَلَى بَيِّنَةِ الرَّهْنِ.

د - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ عَلَى بَيِّنَةِ مَرَضِ الْمَوْتِ.

هـ - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْعَقْلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْجُنُونِ أَوِ الْعَتَهِ.

و - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْحُدُوثِ عَلَى بَيِّنَةِ الْقِدَمِ.

كَثْرَةُ الْعَدَدِ وَقُوَّةُ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ:

إِذَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ سِوَى كَثْرَةِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأْخْرَى بِأَنْ كَانَتِ الأْولَى عَشَرَةَ شُهُودٍ وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ شَاهِدَيْنِ فَقَطْ، أَوْ تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ بِأَنْ كَانَتْ أَظْهَرَ زُهْدًا وَأَوْفَرَ تَحَرُّجًا مِنَ الأْخْرَى.

 فَهَلْ تَتَرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأْخْرَى؟.

ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِهَا بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَقُوَّةِ الْعَدَالَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُغَلَّبُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ وَإِنَّمَا هُمَا سَوَاءٌ؛ لأِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى عَدَدِ الشَّهَادَةِ بِقَوْلِهِ(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ).

وَبِقَوْلِهِ(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ).

فَمَنَعَ النَّصُّ مِنَ الاِجْتِهَادِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ وَلأِنَّهُ لَمَّا جَازَ الاِقْتِصَارُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ، وَعَلَى قَبُولِ الْعَدْلِ مَعَ مَنْ هُوَ أَعْدَلُ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَقُوَّةِ الْعَدَالَةِ.

شَهَادَةُ الأْبْدَادِ:

الأْبْدَادُ: هُمُ الْمُتَفَرِّقُونَ، وَاحِدُهُمْ بُدٌّ، مِنَ التَّبْدِيدِ؛ لأِنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا فِي ذَلِكَ مُتَفَرِّقِينَ، وَاحِدٌ هُنَا وَآخَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَوَاحِدٌ الْيَوْمَ وَوَاحِدٌ غَدًا، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى آخَرَ.

قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: الَّذِينَ انْفَرَدُوا بِبَيَانِ أَحْكَامِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الأْبْدَادِ فِي النِّكَاحِ، وَهِيَ أَنْ لاَ يَجْتَمِعَ الشُّهُودُ عَلَى شَهَادَةِ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ، بَلْ إِنَّمَا عَقَدُوا وَتَفَرَّقُوا، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: (أَشْهِدْ مَنْ لَقِيتَ) هَكَذَا فَسَّرُوهُ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.

فَتَتِمُّ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةِ سِتَّةِ شُهُودٍ: مِنْهُمُ اثْنَانِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجِ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا. وَفِي الْبِكْرِ ذَاتَ الأْبِ تَتِمُّ بِأَرْبَعَةٍ: مِنْهُمْ شَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ وَشَاهِدَانِ عَلَى الْوَلِيِّ.

وَأَمَّا إِنْ أَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ صَاحِبُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَلَيْسَتْ شَهَادَةَ أَبْدَادٍ.

قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: شَهَادَةُ الأْبْدَادِ لاَ تَعْمَلُ شَيْئًا، إِذَا شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ نَصٍّ مَا شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى جَمِيعِ شَهَادَاتِهِمْ وَاحِدًا، حَتَّى يَتَّفِقَ مِنْهُمْ شَاهِدَانِ عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ.

لَكِنْ فِي الْمَذْهَبِ خِلاَفٌ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ، فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَاهِدَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي مَنْزِلٍ أَنَّهُ مَسْكَنُ هَذَا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ حَيْزُهُ، فَقَالَ خَصْمُهُ: قَدِ اخْتَلَفَتْ شَهَادَتُهُمَا. فَقَالَ مَالِكٌ: مَسْكَنُهُ وَحَيْزُهُ شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ تَفْتَرِقُ.

شَهَادَةُ الاِسْتِخْفَاءِ أَوِ الاِسْتِغْفَالِ:

الْمُسْتَخْفِي هُوَ الَّذِي يُخْفِي نَفْسَهُ عَنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِيُسْمَعَ قَرَارُهُ وَلاَ يُعْلَمَ بِهِ، كَأَنْ يَجْحَدَ الْحَقَّ عَلاَنِيَةً وَيُقِرَّ بِهِ سِرًّا، فَيَخْتَبِئُ شَاهِدَانِ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِمَا الْمُقِرُّ لِيَسْمَعَا إِقْرَارَهُ، وَلِيَشْهَدَا بِهِ مِنْ بُعْدٍ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَخْدُوعٍ وَلاَ خَائِنٍ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّهُ لاَ تُسْمَعُ شَهَادَةُ الْمُسْتَخْفِي، لأِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ(وَلاَ تَجَسَّسُوا).

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / الثاني والعشرون ، الصفحة / 132 

تَغَيُّرُ اجْتِهَادِ الْقَاضِي:

مِنْ أَسْبَابِ الرُّجُوعِ أَيْضًا تَغَيُّرُ الاِجْتِهَادِ، فَالْمُجْتَهِدُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ إِلَى رَأْيٍ يُخَالِفُ رَأْيَهُ الأَْوَّلَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنِ اجْتِهَادِهِ الأَْوَّلِ وَالْعَمَلُ بِمَا تَغَيَّرَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَالأَْصْلُ فِي ذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ رضي الله تعالي عنه إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ: وَلاَ يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَ بِهِ الْيَوْمَ فَرَاجَعْتَ فِيهِ رَأْيَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ وَلاَ يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ.

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: يُرِيدُ أَنَّكَ إِذَا اجْتَهَدْتَ فِي حُكُومَةٍ ثُمَّ وَقَعَتْ لَكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلاَ يَمْنَعُكَ الاِجْتِهَادُ الأَْوَّلُ مِنْ إِعَادَتِهِ، فَإِنَّ الاِجْتِهَادَ قَدْ يَتَغَيَّرُ، وَلاَ يَكُونُ الاِجْتِهَادُ الأَْوَّلُ مَانِعًا مِنَ الْعَمَلِ بِالثَّانِي إِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ الْحَقُّ، فَإِنَّ الْحَقَّ أَوْلَى بِالإِْيثَارِ؛ لأَِنَّهُ قَدِيمٌ سَابِقٌ عَلَى الْبَاطِلِ، فَإِنْ كَانَ الاِجْتِهَادُ الأَْوَّلُ قَدْ سَبَقَ الثَّانِيَ، وَالثَّانِي هُوَ الْحَقُّ فَهُوَ أَسْبَقُ مِنْ الاِجْتِهَادِ الأَْوَّلِ؛ لأَِنَّهُ قَدِيمٌ سَابِقٌ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَلاَ يُبْطِلُهُ وُقُوعُ الاِجْتِهَادِ الأَْوَّلِ عَلَى خِلاَفِهِ، بَلِ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنَ التَّمَادِي عَلَى الاِجْتِهَادِ الأَْوَّلِ.

 عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ الاِجْتِهَادِ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الرُّجُوعَ إِلَى مَا تَغَيَّرَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لَكِنَّ ذَلِكَ لاَ يُبْطِلُ الاِجْتِهَادَ الأَْوَّلَ إِذَا صَدَرَ بِهِ حُكْمٌ.

وَهَذَا فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ، قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمُجْتَهِدُ إِذَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ بِرَأْيِهِ - وَهِيَ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ - ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيْهِ ثَانِيًا فَتَحَوَّلَ رَأْيُهُ يَعْمَلُ بِالرَّأْيِ الثَّانِي، وَلاَ يُوجِبُ هَذَا نَقْضَ الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الأَْوَّلِ؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ بِالرَّأْيِ الأَْوَّلِ قَضَاءٌ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهِ لاِتِّفَاقِ أَهْلِ الاِجْتِهَادِ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ هَذَا قَضَاءً مُتَّفَقًا عَلَى صِحَّتِهِ، وَلاَ اتِّفَاقَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الرَّأْيِ الثَّانِي، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ لِقَاضٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَ هَذَا الْقَضَاءَ، كَذَا هَذَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله تعالي عنه قَضَى فِي الْمُشَرَّكَةِ بِإِسْقَاطِ الإِْخْوَةِ مِنَ الأَْبَوَيْنِ وَتَوْرِيثِ الإِْخْوَةِ لأُِمٍّ، ثُمَّ شَرَّكَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ بَعْدُ، وَلَمَّا سُئِلَ قَالَ: تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي، فَأَخَذَ عُمَرُ رضي الله تعالي عنه فِي كِلاَ الاِجْتِهَادَيْنِ بِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْقَضَاءُ الأَْوَّلُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الثَّانِي، وَلَمْ يُنْقَضِ الأَْوَّلُ بِالثَّانِي، فَجَرَى أَئِمَّةُ الإِْسْلاَمِ بَعْدَهُ عَلَى هَذَيْنِ الأَْصْلَيْنِ.

وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي جَوَازِ رُجُوعِ الْقَاضِي عَمَّا قَضَى بِهِ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.

قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَاضِي يَقْضِي بِالْقَضَاءِ ثُمَّ يَرَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَيُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ إِلَى مَا رَأَى، فَذَلِكَ لَهُ مَا كَانَ عَلَى وِلاَيَتِهِ الَّتِي فِيهَا قَضَى بِذَلِكَ الْقَضَاءِ الَّذِي يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لاَ يَجُوزُ فَسْخُهُ، وَصَوَّبَهُ أَئِمَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ قِيَاسًا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ فَسْخُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلاَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلاَ يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِمَالٍ فَسَخَهُ، وَإِنْ كَانَ ثُبُوتَ نِكَاحٍ أَوْ فَسْخَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ. قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ: وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ الرُّجُوعِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لأَِنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى الصَّوَابِ.

لَكِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ ذَكَرَ أَنَّ الْخِلاَفَ إِنَّمَا هُوَ إِذَا حَكَمَ بِذَلِكَ وَهُوَ يَرَاهُ بِاجْتِهَادِهِ، أَمَّا إِنْ قَضَى بِذَلِكَ ذَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلاً فَلاَ يَنْبَغِي الْخِلاَفُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ إِلَى مَا رَأَى إِذْ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ.

وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ بِهِ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ اسْتِنَادًا إِلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ عُمَرَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ رضي الله عنهما .