يجوز إستئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية في المخالفات والجنح من المدعي بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها ، إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيها القاضي الجزئي نهائياً .
يجوز إستئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية في المخالفات والجنح من المدعي بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها ، إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيها القاضي الجزئي نهائياً .
استبقى المشروع نظام الاستئناف جرياً على ما عليه الحال في أغلب التشريعات مراعاة لاعتبارات عملية لا يمكن إغفالها .
لكنه من ناحية أخرى أحاطه بقيود محتلفة درءاً لسوء استعماله ولكي لا يتخذ وسيلة للماطلة وعرقلة التنفيذ .
ففيما يتعلق بالأحكام التي يجيز استئنافها نص في المادة 427 ( أصبحت 403 من القانون ) على أنه يجوز استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات وفي الجنح التي يجوز إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي .
1- من المتهم إذا حكم عليه بعقوبة غير الغرامة والمصاريف أو بغرامة وتعويضات يزيد مجموهما على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً في المواد المدنية أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات .
وبديهي أنه في حالة الحكم بغرامة وتعويضات يتجاوز مجموعها عشرين جنيهاً لا أهمية لمقدار الغرامة المحكوم بها، فالاستئناف جائز ولو كان مقدار الغرامة أقل من ثلاثة جنيهات .
2- من النيابة العمومية إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وهذا النظام في مجمله يشبه إلى حد ما نظام الاستئناف الحالي الخاص بالمخالفات غير أنه لم ينص على إجازة الاستئناف من النيابة أو من المتهم لخطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها كما تقضي به المادة 153 من القانون الحالي لأنه رؤى أن الوسيلة الوحيدة للطعن في الحكم في هذه الحالة تكون بطريق النقض والإبرام وفقاً للاوضاع المقررة في القانون كما هو متبع في النظام الفرنسي والمختلط وقد لوحظ في ذلك أن محكمة النقض هي المرجع النهائي في مراقبة صحة تطبيق القانون .
أما في الجنح الأخرى أي التي لا يجوز قانوناً إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي فقد ظل حق الاستئناف في الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية مطلقاً بالنسبة للنيابة والمتهم - المادة 428 - ( حذفت اكتفاء بنص المادة 402 من القانون ) فللمتهم أن يستأنف كل حكم يصدر عليه في جريمة منها حتى ولو كان صادراً بالغرامة مهما كان مقدارها كما يجوز للنيابة أن تستأنف أي حکم صادر بالبراءة أو الادانة بغير النظر إلى طلباتها في الجلسة أما الأحكام الصادرة من المحكمة الإبتدائية فلا يجوز استئنافها وقد بين المشروع في المادة 430 ( أصبحت م 404 من القانون ) الحالي في حالة صدور حكم في الجرائم مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة وكان بعض هذه الجرائم لا يجوز استئناف الحكم الصادر فيه فأباح لمن يجوز له استئناف الحكم بالنسبة لبعض الجرائم أن يستأنفه أيضاً بالنسبة للبعض الأخر وذلك منعاً للتعارض فإذا اتهم شخص بمخالفته للائحة السيارات وتسبب بذلك في قتل إنسان وقدم المحاكمة عن الجريميتين فإنه يجوز للمحكوم عليه أن يستأنف الحكم بالنسبة للجريميتن معاً ولو كان الحكم في المخالفة غير جائز استئنافه استقلالاً بناء على القواعد المتقدمة .
3- نص في المادة 431 ( أصبحت م 405 من القانون ) على عدم جواز استئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع وهي الأحكام التحضيرية والتمهيدية والأحكام التي تصدر في المسائل الفرعية ولم تنته بها الخصومة أمام المحكمة وذلك لعدم إطالة سير الدعوى على أن استئناف الحكم الصادر في الموضوع يترتب عليه حتماً استنئاف هذه الأحكام واستثنى من ذلك الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص فنص على جواز استئنافها ومثلها الأحكام الصادرة بالاختصاص إن لم يكن للمحكمة ولاية الحكم في الدعوى وذلك لأن الأحكام عدم الإختصاص تنهي الخصومة أمام المحكمة ولأنه لا يستساغ في الحالة الثانية أن تستمر المحكمة في نظر الدعوى وهي لا ولاية لها مطلقاً .
4- فيما يتعلق باستئناف المسئول عن الحقوق المدنية والمتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها نص في المادة 429 / 2 ( أصبحت المادة 457 من القانون ) على أن الاستئناف لا يجوز من المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية إلا إذا كانت التعويضات المحكوم بها تزيد على النصاب النهائي للقاضي الجزئي وذلك بخلاف الوضع الحالي فإن الاستئناف في المخالفات متوقف على مقدار التعويضات المدعي بها لا التي قضى بها ( المادة 153 من القانون الحالي ) ومثله في الجنح بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية ( المادة 176 ) والعلة في التعديل الذي أدخل هي أن الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحاكم الجنائية يتبع في الفصل فيها الاجراءات المقررة للدعوى الجنائية - مادة 62 - ( أصبحت المادة 265 وعدلت ) ولما كان من المقرر أن المحكوم عليه جنائياً لا يجوز له أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالعقوبة إلا بالنسبة لما حکم به بصرف النظر عما طلبته النيابة فإنه لايجوز كذلك أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالتعويضات إلا بالنسبة لما قضى بصرف النظر عما طلبه المدعي بالحقوق المدنية وكذلك الحال بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية (أنظر المادة 247 فقرة أخيرة من قانون تحقيق الجنايات المختلط).
وبالنسبة إلى إجراءات الطعن بالاستئناف ومواعيده لم يدخل المشروع تعديلاً يذكر اللهم إلا إطلاق حق استئناف النائب العمومي في میعاد ثلاثين يوماً بحيث يصبح جائزاً في المخالفات كما هو جائز في الجنح - المادة 432 / 2 - ( أصبحت م 406 / 2 من القانون ) كذلك نص المادة 433 ( أصبحت م 408 من القانون ) على أن قلم الكتاب يحدد للمستأنف تاريخ الجلسة وذلك رغبة في الإسراع على أن ذلك التاريخ لا يكون قبل ثلاثة أيام كاملة .
ونصت المادة 434 فقرة أولى على أن قلم الكتاب لا يقبل التقرير باستئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع والتي نص على عدم جواز استئنافها على حدة في المادة 431 ونظمت الفقرة الثانية من هذه المادة طريق التظلم لطالب الاستئناف في هذه الحالة . ومما استحدثه المشروع الأخذ بفكرة الاستئناف الفرعي جرياً على ما سار عليه كثير من التشريعات القانون الفرنسي وما أخذ به قانون تحقيق الجنايات المختلط فنصت المادة 435 ( أصبحت م 409 من القانون ) على أنه إذا استأنف أحد الخصوم فإن ميعاد الاستئناف يمتد خمسة أيام أخرى بالنسبة إلى من له حق الاستئناف من باقي الخصوم في الدعوى من تاريخ إنتهاء العشرة أيام المقررة للاستئناف .
والحكمة في ذلك ظاهرة فقد يستأنف أحد الخصوم في نهاية العشرة أيام وبذلك يفاجئ خصمه الذي يكون قد امتنع عن الاستئناف إزاء سکوت خصمه عنه فمن العدل أن تتاح له الفرصة ويستأنف إذا أراد صوناً لحقوقه وعلى ذلك إذا استأنف المتهم الحكم الصادر عليه إمتد میعاد بالنسبة للنيابة والمدعي بالحقوق المدنية خمسة أيام أخرى .
وغنى عن البيان أن الاستئناف الفرعي لا يجوز إلا إذا كان الاستئناف الأصلي مرفوعاً في ميعاد العشرة الأيام وينبني على ذلك أن الاستئناف الذي يرفع من النائب العام بعد هذا الميعاد في مدة ثلاثين يوماً المقررة له لا يعطى حق رفع الاستئناف الفرعي لأحد من الخصوم .
وأبقى المشروع على القواعد الأساسية بها الأن الخاصة بتنفيذ الأحكام مؤقتاً رغم الاستئناف وضمنها المادة 437 ( أصبحت المادة 463 من القانون ) غير أنه لم يذكر حالة التشرد بين الأحوال التي يجب فيها النفاذ فوراً ولو منع الاستئناف وآثر ذلك ينظمه القانون الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم رؤى في الوقت نفسه أن يكون الحكم بالحبس واجب النفاذ على كل من ليس له محل إقامة ثابت بمصر ولو كان قانون التشرد غير منطبق عليه لعدم سبق إنذاره أو لسبب آخر .
وفيما يتعلق بتنفيذ العقوبات التبعية نص في المادة 438 ( أصبحت م 464 من القانون ) على تنفيذ العقوبات التبعية المقيدة للحرية المحكوم بها مع عقوبة الحبس إذا نفذت عقوبة الحبس طبقاً للمادة 437 السابقة ( أصبحت م 463 من القانون ) وعلى ذلك فالوضع تحت المراقبة والحرمان من تعاطي بعض المهن والصناعات وسحب الرخص والوضع في ملجأ وما إلى ذلك من العقوبات التي تقيد حرية المحكوم عليه من ناحية ما تنفذ عليه متى كان تنفيذ العقوبة الحبس المحكوم بها واجباً وسيان في ذلك أكان الحبس واجب فوراً من أول الأمر أم وجب تنفيذه لعدم قيام المحكوم عليه بتقديم الكفالة مثلاً .
ونص في الفقرة الأخيرة من المادة 437 ( أصبحت م 463 من القانون ) على تخويل المحكمة الأمر بتنفيذ الحكم بالتعويضات للمدعي بالحق المدني تنفيذاً مؤقتاً ولو مع حصول الاستئناف على حسب ما تقدم في صدد المعارضة طبقاً للمادة 467 .
ولما كان الأصل أن الاستئناف يترتب عليه إيقاف التنفيذ فقد رؤى أن ما جاء في النص الحالي للمادة 181 من قانون تحقيق الجنايات من وجوب الإفراج عن المتهم إذا قضى له بالبراءة استثناء من هذا الحكم لا يشمل جميع الصور التي يجب الإفراج فيها عن المتهم المحبوس احتياطياً ومن ذلك حالة الحكم بوقف تنفيذ العقوبة وكون المتهم قد قضى في الحبس الاحتياطي المدة المحكوم بها أو أكثر منها وحالة الحكم عليه بغير عقوبة الحبس أو بعقوبة لا يقتضي تنفيذها الحبس ففي هذه الأحوال الإفراج واجب رغم الاستئناف ولو أنه لا يمكن قياسها على حالة البراءة لأن إدانة المتهم ثابتة فيها بالحكم الابتدائي لذلك نص في المادة 439 ( أصبحت م 465 من القانون ) على وجوب الإفراج فوراً في هذه الأحوال .
وتنص المادة 440 ( أصبحت م 466 من القانون ) صراحةً على القاعدة الأصلية التي جرى عليها القانون الحالي فيما يتعلق بأثر الاستئناف من حيث تنفيذ الحكم الإبتدائي ومضمونها أنه في غير الأحوال المعينة التي نص عليها بوقف التنفيذ أثناء الميعاد المقرر للاستئناف وأثناء نظر الاستئناف الذي يرفع في الميعاد .
وقد أبقى المشروع القواعد المعمول بها في نظر الدعوى في دور الاستئناف - المادتان 441 و 443 - ( المادتان 411 و 413 من القانون ) وإنما ضماناً لجدية تقرير التلخيص الذي يقدمه أحد أعضاء المحكمة الاستئنافية نص في المادة 441 ( اصبحت م 411 من القانون ) على أنه يجب أن يكون موقعاً عليه منه وأن يكون مشتملاً على جميع العناصر اللازمة للفصل في الدعوى من بيان وقائعها وظروفها ومنعاً لإساءة إستعمال حق الاستئناف واحتراماً للحكم الواجب النفاذ نصت المادة 442 ( أصبحت م 412 من القانون ) على أنه لا يقبل الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية الواجبة النفاذ ما لم يتقدم قبل يوم الجلسة .
وقد أدخل المشروع تعديلاً هاماً فيما يتعلق بتشديد العقوبة المحكوم بها إبتداءً وإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة إذ نص في المادة 444 ( حذفت قبلها فقرة من المادة 417 من القانون ) على أنه لا يجوز التشديد ولا الإلغاء إلا بإجماع أراء قضاة المحكمة فالأغلبية لا تكفي في هذه الحالة وذلك على أساس أن رأي القاضی أول درجة يجب أن يكون محل إعتبار عند الفصل في الدعوى استئنافياً .
فإذا كان رأی أحد قضاة الاستئناف مطابقاً لرأي قاضي محكمة أول درجة فلا يجوز إلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة لأنه إذا كان هناك محل للترجيح فإنما ترجح كفة الرأي الذي يشترك فيه القاضي الذي يشترك فيه القاضي الذي أجري تحقيقاً في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو القاضي الجزئي هذا فضلاً عما في ترجيح هذا الرأي من مراعاة لمصلحة المتهم .
ونصت المادة 445 ( أصبحت المادة 416 من القانون ) على حكم واجب بطبيعته هو رد التعويضات التي يكون قد نفذ بها تنفيذاً مؤقتاً إذا ألغي الحكم المستأنف الصادر بها وبينت المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون الحالي ) مدى تقيد المحكمة الاستئنافية بمصلحة المستأنف فنصت صراحة على أن استئناف النيابة يجيز للمحكمة أن تحکم بناءً عليه لمصلحة المتهم أما بالنسبة لباقی الخصوم فلا يمكن أن يضار أحدهم بالاستئناف المرفوع وما قررته هذه المادة مطابق لما جرى عليه العمل الآن .
ورئى أنه لا داعي لذكر الفقرة الثانية من المادة 186 من القانون الحالي الخاصة بعدم جواز الحكم بعدم الاختصاص إذا كان الاستئناف مرفوعاً عن المتهم وحده وذلك لأن هذا الحكم نتيجة حتمية القاعدة التي قررها المشروع في المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون ).
ونصت المادة 447 ( أصبحت المادة 418 من القانون ) على أنه فيما يتعلق بالأحکام الغيابية والمعارضة فيها يتبع ما هو مقرر أمام محكمة أول درجة وهذا مطابق للوضع الحالي .
وأخيراً قررت المادة 448 ( أصبحت م 419 من القانون ) حق تصدي المحكمة الاستئنافية لنظر الدعوى الموضوع فنصت على أنه إن ألغت المحكمة حكماً صادراً بعدم الإختصاص أو حكماً في مسألة فرعية انتهت به الخصومة أمام المحكمة أو لدرجة وجب عليها أن تفصل في موضوع الدعوى بعد إجراء ما يجب من التحقيق فيها وذلك اختصاراً للإجراءات .
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونيتد للإصدارات القانونية
مادة 1254 – لا شأن للنيابة العامة في استئناف الأحكام الصادرة من المحكمة الجنائية في الدعوى المدنية ومع ذلك ففي الحالات التي تدخل فيها النيابة المسئولين عن الحقوق المدنية للحكم عليهم بالمصاريف المستحقة للحكومة فإنه يجوز لها استئناف الحكم الصادر في هذا الشأن .
مادة 1255 – يجوز للمتهم استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية مع استئنافه الحكم الصادر في الدعوى الجنائية بغير تقيد بنصاب معين أما إذا استأنف الحكم الصادر في الدعوى المدنية وحده فيجب لكي يكون هذا الاستئناف جائزاً أن تكون التعويضات المطلوبة منه تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً ولا يجوز للمدعي بالحقوق المدنية أو المسئول عنها أن يستأنف الحكم الصادر في الدعوى المدنية إلا إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب سالف الذكر .
1- لما كان البين من مطالعة الأوراق أن الحكم الجزئي قضى ببراءة المطعون ضده من جريمة التهرب من أداء الضريبة على المبيعات ورفض الدعوى المدنية ، فاستأنف المدعي بالحقوق المدنية بصفته ، فقضت محكمة ثاني درجة بعدم جواز الاستئناف تأسيساً على أن الطاعن بصفته يطالب بالضريبة الإضافية وهي عقوبة فضلاً عن أنه لم يدع مدنياً . لما كان ذلك ، وكانت المادة 43 من قانون ضريبة المبيعات رقم 11 لسنة 1991 المنطبق على واقعة الدعوى قد نصت على أنه : " مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد يقضي بها قانون آخر ،يعاقب على التهرب من الضريبة بالحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين ويحكم على الفاعلين متضامنين بالضريبة والضريبة الإضافية وتعويض لا يجاوز مثل الضريبة ، وفي حالة العود يجوز مضاعفة العقوبة والتعويض .... " ، وكان قضاء محكمة النقض قد جرى على اعتبار التعويضات المتعلقة بالضرائب والرسوم ومن بينها قانون الضريبة العامة على المبيعات آنف الذكر من قبيل العقوبات التكميلية التي تنطوي على عنصر التعويض ، وأجاز نظراً لتوافر هذا العنصر تدخل الخزانة العامة أمام المحكمة الجنائية بطلب الحكم به ، ثم الطعن فى الحكم الذي يصدر بشأنه ، وإذ كان هذا هو النظر الصحيح فى القانون ، ذلك أن الصفة المختلطة للجزاءات المقررة بالقوانين آنفة الذكر يختلط فيها معنى الزجر والردع المستهدف من توقيع العقوبة بما فى ذلك التشديد فى حالة العود ، بالتعويض المدني للخزانة جبراً للضرر ، وهذه الصفة المختلطة تجعل من المتعين أن يطبق فى شأنها باعتبارها عقوبة القواعد القانونية العامة فى شأن العقوبات ، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز الحكم بها إلا من المحكمة الجنائية وحدها دون المحكمة المدنية ، وأن المحكمة تحكم بها من تلقاء نفسها بغير توقف على تدخل الخزانة العامة ولا يقضى بها إلا على مرتكبي الجريمة فاعلين أصليين أو شركاء دون سواهم ، فلا يمتد إلى ورثتهم ولا المسئولين عن الحقوق المدنية ، وتلتزم المحكمة فى تقديرها الحدود التي رسمها القانون ، ولأنها لا تقوم إلا على الدعوى الجنائية ، فإن وفاة المتهم بارتكاب الجريمة يترتب عليه انقضاء الدعوى عملاً بالمادة 14 من قانون الإجراءات الجنائية ، كما تنقضي أيضاً بمضي المدة المقررة فى المادة 15 من ذات القانون ، ولا تسري فى شأنها أحكام اعتبار المدعي بالحق المدني تاركاً دعواه ، هذا ومن جهة أخرى ، ونظراً لما يخالط هذه العقوبة من صفة التعويض المترتب على الجريمة ، فإنه يجوز للجهة الممثلة للخزانة العامة صاحبة الصفة والمصلحة فى طلب الحكم بهذه التعويضات ، أن تتدخل أمام المحكمة الجنائية طالبة الحكم بها ، وذلك إعمالاً للأصل العام المقرر فى المادة 251 من قانون الإجراءات الجنائية ، وأن تطعن فيما يصدر بشأن طلبها من أحكام ذلك بأن هذا التدخل - وإن وصف بأنه دعوى مدنية أو وصفت مصلحة الضرائب على المبيعات بأنها مدعية بالحقوق المدنية - لا يغير من طبيعة التعويض المذكور ما دام أنه ليس مقابل ضرر نشأ عن الجريمة بالفعل ، بل هو فى الحقيقة والواقع عقوبة رأى الشارع أن يكمل بها العقوبة الأصلية ، وليس من قبيل التعويضات المدنية الصرفة ، كما أن طلب مصلحة الضرائب على المبيعات فيه يخرج فى طبيعة خصائصه عن الدعوى المدنية التي ترفع بطريق التبعية أمام المحكمة الجنائية . لما كان ذلك ، وكان يبين من محاضر جلسات محكمة أول درجة أن الطاعن بصفته قد تدخل مدعياً بالحقوق المدنية طالباً القضاء له على المطعون ضده بمبلغ 20262 جنيهاً قيمة التعويضات المستحقة ولم يقض له بطلباته فاستأنف هذا الحكم ، وكانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه " يجوز استئناف الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية فى المخالفات والجنح من المدعي بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها ، إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً " ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم جواز الاستئناف ، يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون خطأ حجبه عن نظر الدعوى ، مما يتعين معه نقضه والإعادة فى خصوص ما قضى به فى الدعوى المدنية .
( الطعن رقم 11362 لسنة 67 - جلسة 2006/11/07 - س 57 ص 858 ق 94 )
2-لما كانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه " يجوز استئناف الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية فى المخالفات والجنح من المدعى بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذى يحكم به القاضى الجزئى نهائياً ". وكان البادى من عبارة النص أن استئناف المتهم للحكم الصادر ضده بالتعويض يخضع للقواعد المدنية فيما يتعلق بالنصاب الانتهائى للقاضى الجزئى إذا كان قاصر على الدعوى المدنية وحدها . أى فى حالة الحكم ببراءته وإلزامه بالتعويض أما فيما عدا ذلك . فإنه إذا استأنف المتهم الحكم الصادر عليه من المحكمة الجزئية فى الدعويين الجنائية والمدنية أياً كان مبلغ التعويض المطالب به فلا يجوز – لكون الدعوى المدنية – تابعة للدعوى الجنائية – قبول الاستئناف بالنسبة إلى إحداهما دون الأخرى , لما فى ذلك من التجزئة . لما كان ذلك , فإن قضاء المحكمة الاستئنافية بقبول الاستئناف المرفوع من المتهم عن الحكم الصادر ضده من محكمة أول درجة فى الدعوى الجنائية لرفعه عن حكم جائز استئنافه – وبعدم جواز استئناف المتهم لهذا الحكم فى الدعوى المدنية على أساس أن مبلغ التعويض المطالب به لا يزيد على النصاب النهائى للقاضى الجزئى ، يكون معيباً بالخطأ فى القانون – مما كان يؤذن بتصحيحه والقضاء بقبول الاستئناف للمتهم فى الدعوى المدنية – إلا أنه لما كان الحكم قد شابه القصور فى التسبيب على النحو سالف الذكر ، فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإعادة ، لما هو مقرر من أن القصور فى التسبيب له الصدارة على وجه الطعن المتعلق بمخالفة القانون .
( الطعن رقم 2234 لسنة 67 - جلسة 2005/02/21 - س 56 ص 154 ق 21 )
3-لما كان مراد الشارع بما نص عليه فى المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية فى باب الاستئناف من أن شرط جواز الطعن فى الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية هو تجاوز التعويض المطالب به حد النصاب النهائي للقاضي الجزئى ولو وصف هذا التعويض بأنه مؤقت ، قد انصرف إلي وضع قاعدة عامة تسري علي كافة طرق الطعن فيمتد أثرها الي الطعن بالنقض ، وكان مفاد تلك المادة أيضاً أن استئناف المتهم للحكم الصادر ضده بالتعويض يخضع للقواعد العامة فيما يتعلق بالنصاب الانتهائي للقاضي الجزئي إذا كان مقصوراً علي الدعوى المدنية وحدها ، أما إذا استأنف المتهم الحكم الصادر ضده فى الدعويين الجنائية والمدنية فلا يتقيد بنصاب معين والعلة فى ذلك أن الدعوى المدنية تابعة للدعوي الجنائية ، فلا يجوز قبول الإستئناف بالنسبة لإحداهما دون الآخري لما فى ذلك من تجزئة ، وكل ما يشترط فى هذه الحالة أن يكون استئنافه للحكم الجنائي جائزاً . لما كان ذلك ، وكان البين من الأوراق أنه ولئن كان استئناف الطاعن للحكم الصادر ضده بالتعويض جائزاً على الرغم من عدم تجاوز التعويض المطالب به – فى الدعوى الماثلة – للنصاب النهائي للقاضي الجزئي وذلك لنظره مع استئنافه للشق الجنائي فى الحكم الصادر ضده بالإدانة ولتبعية الدعوى المدنية للدعوي الجنائية ، إلا أن هذا لا يخوله حق الطعن بالنقض فى الحكم المطعون فيه الصادر ضده فى الدعوى المدنية لقلة النصاب وذلك لانفصالها عن الدعوى الجنائية التي قضي فيها بالبراءة فى هذه المرحلة من مراحل الدعوى . ومن ثم فإن الطعن بالنقض فى الحكم المطعون فيه يكون غير جائز .
( الطعن رقم 6489 لسنة 65 - جلسة 2004/04/26 - س 55 ع 1 ص 450 ق 60 )
4- من المقرر أن المادة 266 من قانون الإجراءات الجنائية تقضي بأن يتبع فى الفصل فى الدعاوى المدنية التي ترفع أمام المحاكم الجنائية الإجراءات المقررة فى قانون الإجراءات الجنائية ومن ثم فإن الدعاوى المدنية تخضع أمام القضاء الجنائي للقواعد المقررة فى مجموعة الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بالمحاكمة والأحكام وطرق الطعن فيها، وكانت المادة 381 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه : " .. تتبع أمام محكمة الجنايات جميع الأحكام المقررة فى الجنح والمخالفات ما لم ينص على خلاف ذلك " . ولما كانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية أجازت للمدعى بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر فى الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية فيما يختص بحقوقه المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطالب بها تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي انتهائيا، وكانت هذه القاعدة تسري ولو وصف التعويض المطالب به بأنه مؤقت ، فلا يجوز للمدعى المدني أن يستأنف الحكم الصادر ضده من المحكمة الجزئية متى كان التعويض المطالب به لا يزيد عن النصاب الانتهائي للقاضي الجزئي وبالتالي لا يكون له حق الطعن فى هذه الحالة بطريق النقض . لما كان ذلك، وكان البين من استقراء النصوص المتقدمة وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض أن مراد المشرع بما نص عليه فى المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية فى باب الاستئناف من أن شرط جواز الطعن فى الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية من المدعي بالحقوق المدنية هو تجاوز التعويض المطالب به حد النصاب النهائي للقاضي الجزئي ولو وصف هذا التعويض بأنه مؤقت قد انصرف إلى وضع قاعدة تسري على كافةطرق الطعن فيمتد أثرها إلى الطعن بالنقض إذ لا يقبل أن يكون فى الوقت الذي أُوصد فيه باب الطعن بالاستئناف فى هذه الأحكام الصادرة من محكمة الجنح لقلة النصاب أن يترك الباب مفتوحاً للطعن فيها بالنقض ، وسوى فى ذلك بين الأحكام الصادرة من محكمة الجنح ومحكمة الجنايات، إذ القول بغير ذلك يؤدي إلى مغايرة فى الحكم فى ذات المسألة الواحدة بغير ما مبرر وهو ما يتنزه عنه المشرع ويخرج عن مقصده، فلا يتصور أن يكون الحكم فى الدعوى المدنية الصادر من محكمة الجنح غير جائز الطعن فيه بالنقض لقلة النصاب، ويكون فى ذات الوقت قابلاً لهذا الطعن لمجرد صدوره من محكمة الجنايات رغم أن ضمان العدالة فيها أكثر توافراً . لما كان ذلك، وكان الطاعنون فى دعواهم المدنية أمام محكمة الجنايات قد طالبوا بتعويض قدره خمسمائة وواحد جنيه وهو بهذه المثابة لا يجاوز النصاب الانتهائي للقاضي الجزئي الذي أصبح طبقاً للقانون رقم 18 لسنة 1999 ألفي جنيه فإن طعنهم فى هذا الحكم بطريق النقض لا يكون جائزاً، هذا فضلاً عن أن المدعين بالحقوق المدنية - الطاعنون - قد طلبوا القضاء لهم بتعويض مؤقت قدره خمسمائة وواحد جنيه قبل المتهمين وقد قضى لهم الحكم المطعون فيه بإلزام المتهمين - المقضي بإدانتهم عن جريمة القتل العمد المنسوبة إليهم - بأن يؤدوا لكل منهم هذا المبلغ كاملاً .
( الطعن رقم 38328 لسنة 73 - جلسة 2004/04/01 - س 55 ع 1 ص 287 ق 42 )
5- لما كانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية تجيز للمدعي بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر من المحكمة الجزئية فى المخالفات والجنح فيما يختص بحقوقه المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد عن النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائيا وكان الثابت بالأوراق أن الطاعن عدل بجلسة ......... أمام محكمة أول درجة طلب التعويض إلى مبلغ خمسمائة وواحد جنيه وهو ما يجاوز النصاب الانتهائي للقاضي الجزئي طبقا لنص المادة 42 من قانون المرافعات المعدل بالقانون رقم 23 لسنة 1992 وإذ كان الحكم قد خالف الثابت بالأوراق بأن التعويض المطالب به مائة وواحد جنيه ورتب على ذلك القضاء بعدم جواز نظر الاستئناف فإنه يكون معيباً لمخالفته الثابت بالأوراق بما أسلمه إلى الخطأ فى تطبيق القانون بقضائه بعدم جواز الاستئناف الأمر الذي حجبه عن نظر شكل وموضع الاستئناف ومن ثم يتعين نقضه .
( الطعن رقم 21652 لسنة 65 - جلسة 2002/11/13 - س 53 ص 1102 ق 183 )
6- لما كانت المادة 381 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه (تتبع أمام محكمة الجنايات جميع الأحكام المقررة فى الجنح والمخالفات ما لم ينص على خلاف ذلك). ولما كانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية قد أجازت للمدعى بالحق المدني أن يستأنف الحكم الصادر فى الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية فيما يختص بحقوقه المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطالب بها تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي انتهائيا, وكانت هذه القاعدة تسري ولو وصف التعويض المطالب به بأنه مؤقت فلا يجوز للمدعي المدني أن يستأنف الحكم الصادر ضده من المحكمة الجزئية متى كان التعويض المطالب به لا يزيد عن النصاب الانتهائي للقاضي الجزئي وبالتالي لا يكون له حق الطعن فى هذه الحالة بطريق النقض .
( الطعن رقم 8150 لسنة 63 - جلسة 2001/12/20 )
7- لما كان مراد المشرع بما نص عليه فى المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية فى باب الاستئناف - من أن شرط جواز الطعن فى الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية من المدعى بالحقوق المدنية هو تجاوز التعويض المطالب به حد النصاب النهائي للقاضي الجزئي ولو وصف هذا التعويض بأنه مؤقت - قد انصرف إلى قاعدة تسري على كافة طرق الطعن فيمتد أثرها إلى الطعن بالنقض إذ لا يقبل أن يكون فى الوقت الذي أوصد فيه باب الطعن بالاستئناف فى هذه الأحكام الصادرة من محكمة الجنح لقلة النصاب أن يترك الباب مفتوحا للطعن فيها بالنقض, وسوى فى ذلك بين الأحكام الصادرة من محكمة الجنح ومحكمة الجنايات, إذ القول بغير ذلك يؤدي إلى المغايرة فى الحكم فى ذات المسألة الواحدة بغير ما مبرر وهو ما يتنزه عنه المشرع ويخرج عن مقصده, فلا يتصور أن يكون الحكم فى الدعوى المدنية الصادرة من محكمة الجنح غير جائز الطعن فيه بالنقض لقلة النصاب ويكون فى ذات الوقت قابلا لهذا الطعن لمجرد صدوره من محكمة الجنايات ورغم أن ضمان العدالة فيها أكثر توافرا. لما كان ذلك, وكانت الطاعنة فى دعواها المدنية أمام محكمة الجنايات قد طالبت بتعويض قدره مائتان وخمسون جنيها وهو بهذه المثابة لا يجاوز النصاب الانتهائي للقاضي الجزئي فإن طعنها فى هذا الحكم بطريق النقض لا يكون جائزاً .
( الطعن رقم 8150 لسنة 63 - جلسة 2001/12/20 )
8- لما كانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية تجيز للمدعي بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر من المحكمة الجزئية من المخالفات والجنح فيها يختص بحقوقه المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً، وحق المدعي بالحقوق المدنية فى ذلك هو حق مستقل عن حق كل من النيابة العامة والمتهم، ومتى رفع استئنافه كان على المحكمة الاستئنافية أن تعرض لبحث عناصر الجريمة من حيث توافر أركانها وصحة نسبتها إلى المتهم لترتب على ذلك أثاره القانونية غير مقيدة بما قضت به محكمة أول درجة فى هذا الخصوص، ولا يمنعها من ذلك كون الحكم فى الدعوى الجنائية قد حاز قوة الأمر المقضي لأن الدعويين الجنائية والمدنية وإن كانتا ناشئتين عن سبب واحد إلا أن الموضوع فى كل منهما يختلف عنه فى الأخرى مما لا يمكن معه التمسك بحجية الحكم الجنائي وإلا لعطل حق الاستئناف المقرر للمدعي بالحقوق المدنية ولعطلت وظيفة محكمة الجنح المستأنفة فى شأنه إذا كان المدعي بالحقوق المدنية هو المستأنف وحده .
( الطعن رقم 13409 لسنة 61 - جلسة 2000/10/08 - س 51 ص 595 ق 115 )
9- لما كانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية قد أجازت للمدعى بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر فى الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية إذا كان التعويض المطالب به يزيد على النصاب الذى يحكم فيه القاضى الجزائى نهائياً ، وكانت هذه القاعدة تسرى ولو وصف التعويض بأنه مؤقت ، فلا يجوز للمدعى بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر ضده من المحكمة الجزئية متى كان التعويض المطالب به لا يزيد على النصاب النهائى للقاضى الجزئى وبالتالى لا يجوز له الطعن فى هذه الحالة بطريق النقض - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - لأنه حيث ينغلق باب الطعن بطريق الاستئناف لا يجوز من باب أولى الطعن بطريق النقض إذ لا يعقل أن يكون الشارع قد أوصد باب الاستئناف فى هذه الدعاوى لقلة قيمتها وفى الوقت ذاته يسمح بالطعن فيها بطريق النقض . لما كان ذلك ، وكان كل من الطاعنين قد ادعى مدنياً قبل المطعون ضده بمبلغ يدخل فى حدود النصاب النهائى للقاضى الجزئى - على ما سلف البيان - فإن طعنهما الماثل يكون غير جائز . ولا يغير من ذلك ، أن يكون الحكم القاضى برفض الدعوى المدنية قد صدر من المحكمة الاستئنافية بعد أن استأنف المطعون ضده الحكم الصادر من المحكمة الجزائية بإدانته وإلزامه بالتعويض ، ذلك أن قضاء المحكمة الاستئنافية ليس من شأنه أن ينشىء للمدعيين بالحقوق المدنية حقاً فى الطعن بالنقض فى الحكم الصادر فى الدعوى المدنية متى امتنع عليهما حق الطعن فيه ابتداء بطريق الاستئناف .
( الطعن رقم 63077 لسنة 59 - جلسة 1996/01/17 - س 47 ع 1 ص 93 ق 12 )
10- نطاق الإستئناف يتحدد بصفة رافعه فإن إستئناف المدعى بالحق المدنى - وهو لا صفة له فى التحدث إلا عن الدعوى المدنية ولا شأن له بالدعوى الجنائية - لا ينقل النزاع أمام المحكمة الإستئنافية إلا فى خصوص الدعوى المدنية دون غيرها طبقاً لقاعدة الأثر النسبى للطعن ، ولما كانت الدعوى الجنائية قد إنحسم الأمر فيها بتبرئة المتهم وصيرورة هذا القضاء نهائياً بعدم الطعن عليه ممن يملكه وهى النيابة العامة وحدها فإن تصدى المحكمة الإستئنافية للدعوى الجنائية والقضاء بحبس المتهم أسبوعين مع الشغل يكون تصدياً منها لما لا تملك القضاء فيه وفصلاً فيما لم ينقل إليها ولم يطرح عليها مما هو مخالفة للقانون ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباً من هذه الناحية مما يتعين معه نقضه عملاً بنظر الفقرة الأولى من المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض وتصحيحه بإلغاء ما قضى به فى الدعوى الجنائية ، لما كان ذلك وكانت المحكمة الإستئنافية قد قضت فى الإستئناف المرفوع إليها من المطعون ضده - المدعى بالحقوق المدنية - بإلغاء الحكم المستأنف وبقبول الدعوى المدنية وتصدت لموضوعها وفصلت فيها فصلاً مبتدأ بإلزام الطاعن التعويض المؤقت مع أنه كان من المتعين عليها أن تقضى بإلغاء الحكم المستأنف وإعادة القضية إلى محكمة أول درجة للفصل فى موضوعها حتى لا تفوت على المتهم أحد درجتى التقاضى وذلك طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 419 من قانون الإجراءات الجنائية أما هى ولم تفعل فإنها تكون قد أخطأت فى تطبيق القانون ، لما كان ذلك وكان لهذه المحكمة طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من القانون رقم 57 لسنة 1959 سالف الذكر أن تقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين مما هو ثابت فيه أنه مبنى على مخالفة القانون أو على خطأ فى تطبيقه أو فى تأويله فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وتصحيحه بالقضاء فى موضوع الإستئناف بإلغاء الحكم المستأنف وإعادة القضية إلى محكمة أول درجة للفصل فى موضوع الدعوى المدنية .
( الطعن رقم 6209 لسنة 53 - جلسة 1984/03/20 - س 35 ص 310 ق 65 )
11- المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية تجيز للمسئول عن الحقوق المدنية إستئناف الحكم الصادر فى الدعوى المدنية فيما يختص بالحقوق المدنية إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذى يحكم فيه القاضى الجزئى نهائياً وحقه فى ذلك قائم ومستقل عن حق النيابة العامة وعن حق المتهم لا يقيده إلا النصاب وطرح الدعوى المدنية وحدها أمام المحكمة الإستئنافية بإستئناف الطاعن المسئول عن الحقوق المدنية - لو كان مقبولاً شكلاً - لا يمنع هذه المحكمة من أن تعرض لبحث عناصر الجريمة من حيث توافر أركانها وثبوت الفعل المكون لها فى حق المتهم و تقدير التعويض عن الضرر المترتب على ذلك .
( الطعن رقم 1933 لسنة 53 - جلسة 1983/11/24 - س 34 ص 991 ق 119 )
12-أجازت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية للمدعى بالحقوق المدنية والمسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها - إستئناف الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية فى المخالفات والجنح ، إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذى يحكم فيه القاضى الجزئى نهائياً ، فإنه لا يجوز للمدعى بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر ضده من المحكمة الجزئية متى كان التعويض المطالب ، لا يجاوز النصاب النهائى للقاضى الجزئى ولو شاب الحكم خطأ فى تطبيق القانون أو تأويله ، حتى ولو وصف التعويض المطالب به بأنه مؤقت ، وبالتالى لا يكون له الطعن فى هذه الحالة بطريق النقض - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - لأنه حيث ينغلق باب الطعن بطريق الإستئناف لا يجوز من باب أولى الطعن بطريق النقض إذ لا يقبل أن يكون الشارع قد حظر إستئناف هذه الدعاوى لتفاهة قيمتها ، وفى الوقت ذاته يجيز الطعن فيها بطريق النقض . لما كان ذلك ، وكانت الطاعنة قد إدعت مدنياً بمبلغ قرش واحد على سبيل التعويض المؤقت فإنه لا يجوز الطعن فى دعواها المدنية بطريق النقض طالما أن التعويض المطلوب فى حدود النصاب النهائى للقاضى الجزئى . ولا يغير من ذلك أن يكون الحكم المطعون فيه قد صدر من محكمة الدرجة الثانية بعد أن إستأنف المتهم الحكم الإبتدائى القاضى بالإدانة والتعويض ذلك أن قضاء المحكمة الإستئنافية ليس من شأنه أن ينشئ للمدعية مدنياً حقاً فى الطعن بطريق النقض فى الحكم الصادر فى الدعوى المدنية متى إمتنع عليها حق الطعن إبتداء بطريق الإستئناف . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن يكون غير جائز و يتعين لذلك القضاء بعدم جوازه و مصادرة الكفالة و إلزام الطاعنة المصاريف .
( الطعن رقم 1991 لسنة 49 - جلسة 1980/06/08 - س 31 ع 1 ص 712 ق 138 )
13- لما كان الحكم المطعون فيه قد أيد الحكم الصادر برفض الدعوى المدنية لأسبابه ، وكان مفاد ذلك أن محكمة ثانى درجة إعتبرت الحكم الإبتدائى حائزاً لقوة الشىء المقضى فيه بعدم إستئناف النيابة له بحيث يمتنع عليها و هى فى سبيل الفصل فى الدعوى المدنية المستأنفة أمامها أن تتصدى لبحث عناصر الجريمة ومدى خطأ المجنى عليه لتقدير التعويض عن الضرر الذى أصابه ، وهذا القول ينطوى على خطأ فى تطبيق القانون ، ذلك أن المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية تجيز للمدعى بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر من المحكمة الجزئية فى المخالفات والجنح ، فيما يختص بحقوقه المدنية وحدها ، إن كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذى يحكم فيه القاضى الجزئى نهائياً وحقه فى ذلك قائم لأنه مستقل عن حق النيابة العامة وعن حق المتهم لا يقيده إلا النصاب ، ومتى رفع إستئنافه كان على المحكمة الإستئنافية أن تعرض لبحث عناصر الجريمة من حيث توافر أركانها وثبوت الفعل المكون لها فى حق المتهم من جهة وقوعه وصحة نسبته إليه لترتب على ذلك آثاره القانونية غير مقيدة فى ذلك بقضاء محكمة أول درجة ، ولا يمنع من هذا كون الحكم فى الدعوى الجنائية قد حاز قوة الأمر المقضى ، لأن الدعويين الجنائية والمدنية وإن كانتا ناشئتين عن سبب واحد إلا أن الموضوع فى كل منهما يختلف عنه فى الأخرى مما لا يمكن معه التمسك بحجية الحكم النهائى .
( الطعن رقم 34 لسنة 49 - جلسة 1980/03/17 - س 31 ع 1 ص 391 ق 73 )
14- لما كانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية أجازت للمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها استئناف الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية - فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها - إذا كانت التعويضات المطالب بها تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً. فلا يجوز للمدعي بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر ضده من المحكمة الجزئية متى كان التعويض المطالب به لا يجاوز النصاب ألانتهائي للقاضي الجزئي، ولو شاب الحكم خطأ فى تطبيق القانون أو تأويله. لما كان ذلك، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه حيث ينغلق باب الطعن بطريق الاستئناف لا يجوز من باب أولى الطعن بطريق النقض، إذ لا يعقل أن يكون الشارع قد أقفل باب الاستئناف فى هذه الدعاوى لتفاهة قيمتها وفي الوقت ذاته يسمح بالطعن فيها بطريق النقض .
( الطعن رقم 1541 لسنة 45 - جلسة 1976/01/19 - س 27 ص 80 ق 16 )
15- إن حق الاستئناف المقرر للمدعي بالحقوق المدنية بالمادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية إنما هو حق مستقل عن حق النيابة العامة والمتهم، فعلى المحكمة الاستئنافية - بناء على استئناف ذلك المدعي - أن تبحث أركان الجريمة وثبوت الفعل المكون لها فى حق المتهم، بغير أن يكون حكمها هي نفسها الصادر فى الدعوى الجنائية، حائلاً دون ذلك، لأن الدعويين الجنائية والمدنية وإن نشأتا عن سبب واحد إلا أن الموضوع فى كلتيهما مختلف مما لا يسيغ التمسك بقوة الأمر المقضي، وإلا لعطل حق الاستئناف المقرر للمدعي بالحقوق المدنية ولعطلت وظيفة محكمة الجنح المستأنفة فى شأنه إذا ما نظر استئنافه على استقلال فى جلسة لاحقة لتلك التي سبق أن فصل فيها فى استئناف النيابة العامة، إذ قد لا يتحد ميعاد الاستئناف فى بدايته أو فى مداه - وفق المادتين 406 و407 من ذلك القانون بالنسبة إلى المتهم أو النيابة العامة أو النائب العام، وقد لا يتحد تاريخ الجلسة الذي تحدد فى تقرير الاستئناف وفق المادة 408 وقد لا يتحد تاريخ تقديم الاستئناف إلى الدائرة المختصة عملاً بالفقرة الأولى من المادة 410 من قانون الإجراءات الجنائية .
( الطعن رقم 212 لسنة 45 - جلسة 1975/03/24 - س 26 ص 280 ق 65 )
16- إن ما أورده الشارع فى المادة 21 من القرار بقانون رقم 363 لسنة 1956 بتنظيم تحصيل رسم الإنتاج أو الاستهلاك على الكحول، من أنه "مع عدم الإخلال بالعقوبات المنصوص عليها فى المواد السابقة يجوز الحكم على المخالف بأداء تعويض للخزانة العامة لا يزيد على ثلاثة أمثال الرسوم المستحقة، وإذا تعذر معرفة مقدار الرسوم قدرت المحكمة التعويض بحيث لا يزيد على ألف جنيه وفي حالة العود خلال سنة يضاعف الحد الأقصى للتعويض" إنما هو مستقل عن العقوبات الواردة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 328 لسنة 1952 وبالمادة20من القرار بالقانون رقم 363 لسنة 1956 سالف الذكر، ذلك بأنه إذ جوز القضاء على المخالف بتعويض للخزانة العامة على النحو الذي أورده، وإذ قضى فى حالة العود خلال الأجل المضروب، بمضاعفة الحد الأقصى للتعويض، إنما كان رائده فى ذلك - على ما هو ظاهر من عبارات النص - الضرب على أيدي المتهربين من أداء حق الخزانة، بتأثيم فعلهم والعمل فى الوقت نفسه على اقتضائها تعويضاً عن الرسوم التي ضاعت عليها أو كانت عرضة للضياع بسبب مخالفة القانون، ومن ثم كانت المسحة المسماة تعويضاً، غير رافعة عنه صفة العقوبة المكملة للعقوبات الأخرى المقررة فى القانون، وغير متطلبة لجواز الحكم بها ثمة ادعاء من الخزانة، أو وقوع مضارتها بالفعل كما لا يرفع عنه هذه الصفة ما أوردته المادة 22 من القرار بقانون آنف الذكر عن رفع الدعوى الجنائية أو التصالح وأثره فى انقضاء الدعوى الجنائية أو وقف تنفيذ العقوبة، لأن لهذه الأحكام مثيلاً فى جريمة السرقة إضراراً بالزوج أو الأصول أو الفروع، وفي غيرها من الجرائم ذات العقوبات الجنائية المحضة بلا جدال، وإذ كان ما تقدم كذلك، فإن تلك المسحة من التعويض تجيز للخزانة العامة مطالبة الجاني به أمام مختلف درجات القضاء الجنائي ولو قضى فى الدعوى الجنائية لصالح المتهم - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - ومن ثم فإن تدخل من يمثل الخزانة فى الدعوى أمام المحاكم الجنائية للمطالبة بهذا التعويض يكون جائزاً، وإذ كان الطاعن قد تدخل مدعياً بالحقوق المدنية أمام محكمة الدرجة الأولى طالباً القضاء على المطعون ضدهم بمبلغ 565 ج و690 م قيمة رسم الإنتاج والتعويض المستحق ولم يقض له بطلباته، فاستأنف هذا الحكم، وكانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه "يجوز استئناف الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية فى المخالفات والجنح من المدعي بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً". فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم جواز الاستئناف لرفعه من غير صفة يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون خطأ حجبه عن نظر الدعوى فيتعين نقضه والإعادة .
( الطعن رقم 111 لسنة 45 - جلسة 1975/03/09 - س 26 ص 223 ق 50 )
17- لا يغير من عدم جواز الطعن بالنقض على الحكم الصادر برفض الدعوى المدنية فى الإدعاء بمبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت - أن يكون هذا الحكم قد صدر من محكمة الدرجة الثانية - بعد أن استأنف المتهم الحكم الابتدائي الذي قضى بالإدانة والتعويض - ذلك بأن قضاء المحكمة الاستئنافية ليس من شأنه أن ينشئ للمدعي حقاً فى الطعن بالنقض فى الحكم الصادر فى الدعوى المدنية متى امتنع عليه حق الطعن فيه ابتداء بطريق الاستئناف والقول بغير ذلك وبجواز الطعن بالنقض من المدعي فى هذه الحالة يؤدي إلى التفرقة فى القضية الواحدة بين المدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها، إذ بينما لا يجوز للأخير - فى حالة الحكم فى الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية بإلزامه التعويض المطالب به الذي لا يجاوز النصاب النهائي لتلك المحكمة - أن يطعن على الحكم بأي طريق من طرق الطعن بما فى ذلك النقض ، يكون للمدعي - إذا ما استأنف المتهم وقضي من محكمة ثاني درجة برفض الدعوى المدنية أن يطعن على الحكم بطريق النقض ، وبذلك يباح للمدعي - ما حرم منه المسئول - من حق الطعن على الحكم الصادر فى الدعوى المدنية بطريق النقض ، فى حين أن القانون قد سوى - فى المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية- بين المدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها فى حق الطعن فى الحكم الصادر فى الدعوى المدنية فلم يجز لأيهما أن يستأنفه - ولو أخطأ فى تطبيق نصوص القانون أو فى تأويله إذا كانت التعويضات المطلوبة فى حدود النصاب الإنتهائي للقاضي الجزئي . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن المرفوع من الطاعن يكون غير جائز ويتعين لذلك القضاء بعدم جواز الطعن .
( الطعن رقم 990 لسنة 43 - جلسة 1973/12/09 - س 24 ع 3 ص 1157 ق 236 )
18- العبرة فى تقدير قيمة التعويض هى بما يطالب الخصوم به لا بما يحكم به فعلاً . ولما كان المبلغ المطلوب القضاء به كتعويض يزيد على النصاب الذى يحكم فيه القاضى الجزئى نهائياً و المحدد فى القانون بما لا تتجاوز فيه قيمة الدعوى خمسين جنيهاً ، فإنه يكون للمدعية بالحقوق المدنية طبقاً لنص المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية الحق فى إستئناف الحكم الصادر فى الدعوى المدنية .
( الطعن رقم 438 لسنة 37 - جلسة 1967/04/17 - س 18 ع 2 ص 527 ق 101 )
19- تخضع الدعاوى المدنية أمام القضاء الجنائي للقواعد المقررة فى قانون الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بالمحاكمة والأحكام وطرق الطعن فيها . ولما كانت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية أجازت للمدعى بالحقوق المدنية والمسئول عنها استئناف الأحكام الصادرة فى الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية - فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها - إذا كانت المطالب بها تزيد عن النصاب الذى يحكم فيه القاضى الجزئى نهائيا ، فلا يجوز للمدعى بالحقوق المدنية أن يستأنف الحكم الصادر ضده من المحكمة الجزئية متى كان التعويض المطالب به لا يجاوز النصاب الانتهائى للقاضى الجزئى ولو شاب الحكم خطأ فى تطبيق القانون أو تأويله . وكانت هذه القاعدة تسرى ولو وصف التعويض المطالب به بأنه مؤقت وبالتالى لا يكون له الطعن فى هذه الحالة بطريق النقض - على ما جرى به قضاء محكمة النقض - لأنه حيث ينغلق باب الطعن بطريق الاستئناف لا يجوز من باب أولى بطريق النقض ، إذ لا يعقل أن يكون الشارع قد أقفل باب الاستئناف فى هذه الدعاوى لتفاهة قيمتها وفى الوقت ذاته يسمح بالطعن فيها بطريق النقض . ومؤدى ذلك أنه ما دام إستئناف المدعى جائزاً كان الطعن بطريق النقض جائزاً متى كان الحكم صادراً من آخر درجة وفقا للمادة 30 من القانون رقم 57 لسنة 1959 . ولما كان الطاعن قد إدعى مدنياً بمبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت فإنه لا يجوز له الطعن بالنقض فى الحكم الصادر برفض دعواه المدنية . ولا يغير من ذلك أن يكون الحكم الصادر برفض الدعوى المدنية قد صدر من محكمة الدرجة الثانية - بعد أن استأنف المتهم الحكم الابتدائى الذى قضى بالإدانة والتعويض - ذلك بأن قضاء المحكمة الاستئنافية ليس من شأنه أن ينشئ للمدعى حقا فى الطعن بالنقض فى الحكم الصادر فى الدعوى المدنية متى امتنع عليه حق الطعن فيه ابتداء بطريق الاستئناف . والقول بغير ذلك وبجواز الطعن بالنقض من المدعى فى هذه الحالة يؤدى إلى التفرقة - فى القضية الواحدة - بين المدعى بالحقوق المدنية والمسئول عنها ، إذ بينما لا يجوز للأخير - فى حالة الحكم فى الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية بالزامه بالتعويض المطالب به الذى لا يجاوز النصاب النهائى لتلك المحكمة - أن يطعن على الحكم بأى طريق من طرق الطعن بما فى ذلك النقض ، يكون للمدعى - إذا ما استأنف المتهم وقضى من محكمة ثانى درجة برفض الدعوى المدنية - أن يطعن على الحكم بطريق النقض وبذلك يباح للمدعى - ما حرم منه المسئول - من حق الطعن على الحكم الصادر فى الدعوى المدنية بطريق النقض ، فى حين أن القانون سوى - فى المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية - بين المدعى بالحقوق المدنية والمسئول عنها فى حق الطعن فى الحكم الصادر فى الدعوى المدنية فلم يجز لأيهما أن يستأنفه - و لو لخطأ فى تطبيق نصوص القانون أو فى تأويله - إذ كانت التعويضات المطلوبة فى حدود النصاب الانتهائى للقاضى الجزئى .
( الطعن رقم 1306 لسنة 35 - جلسة 1966/03/28 - س 17 ع 1 ص 354 ق 70 )
20- مفاد نص المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية أن إستئناف المتهم للحكم الصادر ضده بالتعويض يخضع للقواعد المدنية فيما يتعلق بالنصاب الإنتهائى للقاضى الجزئى إذا كان قادراً على الدعوى المدنبة وحدها ، أما إذا إستأنف المتهم الحكم الصادر ضده فى الدعويين الجنائية والمدنية - أياً كان مبلغ التعويض المطالب به ، فلا يجوز - لكون الدعوى المدنية تابعة للدعوى الجنائية - قبول الإستئناف بالنسبة إلى إحداهما دون الأخرى لما فى ذلك من التجزئة . ومن ثم فإن قضاء المحكمة الإستنافية بقبول الإستنئناف المرفوع من المتهم عن الحكم الصادر ضده فى الدعوى الجنائية لرفعه عن حكم جائز إستئنافه - وبعدم جواز إستئنافه لهذا الحكم فى الدعوى المدنية على أساس أن مبلغ التعويض المطالب به لا يزيد عن النصاب النهائى للقاضى الجزئ يكون معيباً بالخطأ فى القانون بما يوجب نقضه وتصحيحه والحكم بقبول إستئناف المتهم فى الدعوى المدنية .
( الطعن رقم 2826 لسنة 32 - جلسة 1963/06/11 - س 14 ع 2 ص 521 ق 101 )
21- تجيز المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية للمسئول عن الحقوق المدنية إستئناف الحكم الصادر فى الدعوى المدنية فيما يختص بالحقوق المدنية إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذى يحكم فيه القاضى الجزئى نهائياً . ومن المقرر أن حقه فى ذلك قائم ولو كان الحكم فى الدعوى الجنائية قد أصبح نهائياً وحائزاً قوة الشىء المحكوم فيه ، لأنه مستقل عن حق النيابة العامة وعن حق المتهم ، لا يقيده إلا النصاب ، ذلك أن الدعويين وإن كانتا ناشئتين عن سبب واحد ، إلا أن الموضوع فى أحداهما يختلف عنه فى الأخرى مما لا يمكن معه التمسك بحجية الحكم الجنائي . وطرح الدعوى المدنية وحدها أمام المحكمة الإستئنافية ، لا يمنع هذه المحكمة من أن تعرض لبحث عناصر الجريمة من حيث توافر أركانها وثبوت الفعل المكون لها فى حق المتهم . ولما كانت المحكمة الإستئنافية قد إعتبرت الحكم الإبتدائى حائزاً لقوة الشىء المقضى به بعدم إستئناف النيابة له . بحيث يمتنع عليها وهى فى سبيل الفصل فى الدعوى المدنية المستأنفة أمامها أن تتصدى لبحث عناصر الجريمة من حيث توافر أركانها وثبوت الفعل المكون لها فى حق المتهم ، فإنه بذلك تكون قد أخطأت فى تطبيق القانون ، بما يستوجب نقض الحكم .
( الطعن رقم 22 لسنة 33 - جلسة 1963/06/03 - س 14 ع 2 ص 476 ق 93 )
22- ليس للمدعى بالحقوق المدنية صفة فى الطعن على الحكم بأوجه متعلقة بالدعوى الجنائية إلا إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذى يحكم به القاضى الجزئى نهائياً و إنطوى العيب الذى شاب الحكم على مساس بالدعوى المدنية . لما كان ذلك ، وكان البين من مدونات الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أنه إستند فى قضائه بإعتبار الطاعن تاركاً لدعواه المدنية على تخلفه عن الحضور بالجلسة رغم علمه بها ولم يتصل هذا الشق من الحكم بالأسباب التى بنيت عليها البراءة فإنه لا تكون للطاعن صفة أو مصلحة فيما يثيره فى أسباب طعنه من أوجه متعلقه بالدعوى الجنائية ويضحى منعاه فى شأنها غير مقبول .
( الطعن رقم 1588 لسنة 45 - جلسة 1976/02/01 - س27 ص 139 ق 27 )
23- يترتب على رفع الدعوى المدنية بطريق الإدعاء المباشر أمام المحكمة الجنائية تحريك الدعوى تبعاً لها ، و متى تحركت هذه الدعوى أصبحت مباشرتها من حقوق النيابة وحدها دون المدعى المدنى بالنسبة لجميع من تحركت قبلهم ، كما أن إستئناف المدعى بالحقوق المدنية يقتصر أثره على الدعوى المدنية وحدها لأن إتصال المحكمة الإستئنافية بالدعوى الجنائية لا يكون إلا عن طريق النيابة العامة والمتهم . ومن ثم فلا محل لما يثيره المدعى بالحقوق المدنية من أن إستئنافه ينصب على الدعويين الجنائية والمدنية . ولما كان الثابت أن المدعى بالحق المدنى هو وحده دون النيابة الذى إستأنف حكم محكمة أول درجة الذى قضى بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية ، فإن الحكم الصادر منها فى الدعوى الجنائية بعدم قبولها يصبح نهائياً حائزاً لقوة الشئ المحكوم فيه . وإذ إلتزم الحكم المطعون فيه هذا النظر و قام بتصحيح ما وقع فيه الحكم المستأنف الصادر من محكمة أول درجة من خطأ وقضى بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية لسابقة الفصل فيها ، فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون .
( الطعن رقم 1721 لسنة 40 - جلسة 1971/03/22 - س 22 ع 1 ص 271 ق 65 )
استئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية :
تمهيد :
نصت المادة 403 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه « يجوز استئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية في المخالفات والجنح من المدعى بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً ».
ضابط الاستئناف هو مقدار التعويض المطالب به :
الضابط في جواز استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية هو مقدار التعويض الذي طالب به المدعي المدني وتجاوزه النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئى نهائياً وهذا النصاب هو خمسة آلاف جنيه وفقاً للمادة 42 من قانون المرافعات المعدلة بالقانون رقم 76 لسنة 2007 ويعني ذلك أن هذا الضابط ينظر فيه إلى مقدار التعويض المطالب به وليس إلى مقدار التعويض الذي يحكم به فإذا طالب المدعي المدني بتعويض يزيد مقداره على خمسة آلاف جنيه ولكن المحكمة لم تحكم له بشئ أو قضت له بتعويض يقل عن خمسة آلاف جنيه فإن استئناف هذا الحكم يكون جائزاً .
ويتقيد بهذا الشرط المدعي المدني والمسئول المدني والمتهم إذا قصر استئنافه على الحكم الصادر في الدعوى المدنية وذلك ما عناه الشارع بقوله استئناف المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها .
ويتقيد بهذا الشرط المدعي المدني والمسئول المدني ولو انطوى الحكم في المخالفة على خطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها أو لبطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم فكان استئناف المتهم والنيابة العامة للحكم جائزاً .
تعدد المدعين أو المدعى عليهم :
إذا تعدد المدعون أو تعدد المدعى عليهم فالعبرة بمجموع ما يطالب به المدعون أو مجموع ما يطالب به المدعي جميع المدعى عليهم وليست العبرة بما يطالب به كل مدع على حدة أو ما يطالب به كل مدعى عليه على حدة ويعني ذلك أنه إذا كان ما يطلبه به المدعون يزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً فإن الاستئناف يكون جائزاً وتطبق ذات القاعدة إذا تعدد المدعى عليهم وكان ما يطالب به كل منهم على حدة لا يزيد على هذا النصاب ولكن ما يطالبون به جميعاً يزيد على ذلك وهذه القاعدة تطبيق للمادة 39 من قانون المرافعات التي نصت على أنه «إذا كانت الدعوى مرفوعة من واحد أو أكثر على واحد أو أكثر بمقتضى سبب قانوني واحد كان التقدير بإعتبار قيمة المدعى به دون التفات إلى نصيب كل منهم فيه»، وقد اشترط لتطبيق هذه القاعدة «وحدة السبب القانوني» الذي يستند إليه المدعي فيما يطالب به وهو ما يتحقق إذا كان التعويضات المطلوبة عن جريمة واحدة أو عن جرائم ارتبطت فيما بينها ارتباطاً غير قابل للتجزئة كما لو طالب مدع بتعويض ضرر التزوير وطالب بتعويض الضرر الناشئ عن استعمال المحرر المزور .
المطالبة بتعويض مؤقت :
إذا طالب المدعي بتعويض وصفه بأنه مؤقت وكان مقداره لا يزيد على خمسة آلاف جنيه فلا يكون الحكم الذي يصدر في الدعوى المدنية جائزاً استئنافه لأن العبرة هي بمقدار هذا التعويض .
ولا محل لتطبيق المادة 40 من قانون المرافعات إذ ليس التعويض المؤقت جزءاً من حق متنازع عليه وإنما يحتمل أن يعتبره المدعي كل ما يكفيه تعويضاً عن الضرر الذي ناله .
عدم تقيد المتهم بنصاب الاستئناف إذا استأنف الحكم في الدعوى الجنائية والدعوى المدنية : إذا استأنف المتهم الحكم الصادر في الدعوى الجنائية والحكم الصادر في الدعوى المدنية كذلك فإن استئنافه الحكم الصادر في الدعوى المدنية جائز ولو كان التعويض الذي يطالب به لا يجاوز النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً وهذه القاعدة تستخلص بمفهوم المخالفة من تقرير الشارع تقييد المتهم بالنصاب «فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها»، مما يعني أنه إذا استأنف الحكم في الدعويين معاً فلا يتقيد بهذا النصاب وقد قررت محكمة النقض هذه القاعدة قبل العمل بقانون الإجراءات الجنائية استناداً إلى تبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية وعدم جواز قبول استئناف الحكم في الدعوى الجنائية وعدم قبوله في الدعوى المدنية ولكن شرط قبول استئناف المتهم للحكم الصادر في الدعوى المدنية دون تقيد بالنصاب هو أن يكون استئنافه الحكم في الدعوى الجنائية جائزاً فالفرض أن استئناف الأول قبل تفادياً لتجزئة الدعويين وهو ما يفترض أن المحكمة الاستئنافية ستنظر في الدعويين ويعني ذلك أنه إذا كان استئناف المتهم الحكم في الدعوى الجنائية غير جائز فإن استئنافه الحكم الصادر في الدعوى المدنية طالما كان التعويض المطالب به دون النصاب يكون غير جائز كذلك .
الخصوم الذين يجوز لهم الطعن بالاستئناف :
لجميع الخصوم استئناف الحكم : القاعدة أن لجميع الخصوم، سواء في الدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية استئناف الحكم فيجوز لكل من النيابة العامة والمتهم والمدعي المدني والمسئول المدني استئناف الحكم وإن اختلفت شروط وآثار استئناف كل خصم وثمة شروط عامة يتعين توافرها لقبول استئناف الخصم وهذه الشروط مردها إلى الصفة والمصلحة في الاستئناف والأصل هو الإستقلال بين الخصوم من حيث الحق في الاستئناف فلا يتوقف استئناف خصم على استئناف سائر الخصوم أو أحدهم وإذا تعدد الخصوم الذين طعنوا بالاستئناف فلا ارتباط بين طعونهم ولا يقبل الحق في الاستئناف تنازلاً ونفصل فيما يلي هذه القواعد وتعقب ذلك بتحديد وضع كل خصم من حيث الاستئناف .
الصفة في الاستئناف : لا يقبل الاستئناف إلا ممن كان خصماً في الدعوى التي قامت أمام محكمة الدرجة الأولى وانتهت بالحكم المستأنف فإذا طعن بالاستئناف شخص غير المتهم الذي صدر ضده حكم محكمة الدرجة الأولى ولو كانت صلته به وثيقة كأبيه أو زوجته فالاستئناف غير مقبول وإذا قرر بالاستئناف وكيل الخصم بعد زوال صفته بعزله من الوكالة أو وفاة موكله الذي كان مدعياً مدنياً أو مسئولاً مدنياً فالاستئناف غير مقبول . وتطبيقاً لذات القاعدة فإنه لا يقبل الاستئناف ممن لم يكن مدعياً مدنياً أمام محكمة الدرجة الأولى ولو كانت له صفة الشاكي حين كانت الدعوى قائمة أمام هذه المحكمة ويتصل ذلك بأصل عدم جواز الادعاء المدني لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية (المادة 251 من قانون الإجراءات الجنائية، الفقرة الأولى) ولا يقبل استئناف المسئول المدني إلا إذا كان قد تدخل أو أدخل في الدعوى وهي قائمة أمام محكمة الدرجة الأولى فصار خصماً في الدعوى المدنية أمام هذه المحكمة ولكن الشارع أجاز للمسئول المدني أن يتدخل من تلقاء نفسه في الدعوى الجنائية في أية حالة كانت عليها المادة 254 من قانون الإجراءات الجنائية ولا يعد هذا التدخل استئنافاً للحكم وإنما هو تدخل مبتدأ .
المصلحة في الاستئناف : لا يقبل الاستئناف إلا ممن له مصلحة فيه، وضابط المصلحة أن يكون حكم محكمة الدرجة الأولى قد ألحق به ضرراً أو رفض كل أو بعض طلباته فيسعي عن طريق الاستئناف إلى رفع هذا الضرر أو إلى إقرار طلباته فإذا انتفت المصلحة فلا يقبل الاستئناف وتطبيقاً لذلك فإن المتهم الذي قضي ببراءته لا يقبل استئنافه ولو كان يعيب على أسباب الحكم سند البراءة الذي تضمنته كما لو كانت البراءة قد أسندت إلى مانع عقاب وكان يرى وجوب استنادها إلى سبب إباحة أو إلى إنتفاء أحد أركان الجريمة ولا يقبل الاستئناف إستناداً إلى محض مصلحة نظرية ولا يقبل استئناف المدعي المدني الذي قضى له بكل طلباته ولو استند إلى عدم اختصاص المحكمة التي أصدرت هذا الحكم ولا يقبل استئناف المسئول المدني الحكم الذي رفض الدعوى المدنية ولو كان قد أدان المتهم .
ولكن شرط المصلحة له دلالته الخاصة حين يصدر الاستئناف عن النيابة العامة فليست مصلحتها في إدانة المتهم أو تشديد العقوبة التي حكم بها عليه وإنما مصلحتها في التطبيق السليم للقانون وبناء على ذلك كان لها أن تستأنف الحكم ولو صدر مطابقاً تماماً لطلباتها ولها أن تستأنف الحكم لمصلحة المتهم وحده كما لو استأنفت حكم الإدانة مطالبة ببراءة المتهم أو بتطبيق الظروف المخففة عليه . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ،الصفحة : 1254 )
الدعوى المدنية التبعية
(أ) حق الاستئناف في الحكم الصادر في الدعوى المدنية التبعية : طبقاً للمادة 403 إجراءات يجوز استئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية التبعية في الجنح والمخالفات سواء من المدعي بالحقوق المدنية أو من المسئول عنها أو من المتهم، وذلك فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً. وهذا النصاب هو خمسة آلاف جنيه طبقاً للمادة 42 من قانون المرافعات المعدلة بالقانون رقم 76 لسنة 2007، وواضح من النص أن العبرة في تحديد هذا النصاب هي ما طلبه المدعي المدني لا بما حكم به .
وإذ تقيد المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية بهذا النصاب، فإن المتهم لا يتقيد به إذا استأنف الحكم الصادر ضده في الدعوى الجنائية، وهو ما أوضحه نص المادة 403 إجراءات حين قيد المتهم بهذا النصاب فيما يخص الحقوق المدنية وحدها، أي إذا كان استئنافه منصباً فقط على الحكم الصادر ضده في الدعوى المدنية فإنه يتقيد بهذا النصاب، ومؤدى ذلك أنه إذا كان استئناف المتهم للحكم الصادر في الدعوى الجنائية غير جائز، يكون استئنافه للحكم الصادر في الدعوى المدنية وحده غير جائز أيضاً، مادام التعويض المطالب به دون نصاب الاستئناف .
ولا يجوز للمدعي المدني ولا المسئول عن الحقوق المدنية استئناف الحكم الصادر في الدعوى الجنائية، وكل ما لهما هو استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية، وهذا الاستئناف لا يطرح أمام المحكمة الاستئنافية إلا الدعوى المدنية وحدها، فلا يجوز للمحكمة أن تتعرض مطلقاً للدعوى الجنائية بناء على هذا الاستئناف، فإذا أخطأت المحكمة الاستئنافية وفصلت في الدعوى الجنائية بناء على استئناف المدعي المدني وحده أو المسئول عن الحقوق المدنية فإن حكمها يكون منعدماً، لأن الخصومة الجنائية أمام هذه المحكمة لا يمكن أن تتصل بهذه المحكمة بناء على إجراء من أحد أطراف الدعوى المدنية، ويستوي في التعويض المطلوب أن يكون مؤقتاً أو نهائياً، لأن العبرة في جواز استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية هي بمقدار التعويض المطلوب دون نظر إلى كونه نهائياً أو مؤقتاً .
(ب) شروط قبول الاستئناف في الدعوى المدنية : يشترط لقبول الاستئناف في الحكم الصادر في الدعوى المدنية أن يكون المتهم أو المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية طرفاً في الحكم المستأنف. وإذا لم يكن المسئول عن الحقوق المدنية قد أدخل أو تدخل أمام محكمة أول درجة فلا يقبل منه الاستئناف ، لأنه لم يكن طرفاً في الحكم المستأنف، هذا دون إخلال بحقه في التدخل من تلقاء نفسه في الدعوى في أية حالة كانت عليها (المادة 254 إجراءات) أي أن له التدخل في أثناء نظر الاستئناف المرفوع من المدعي المدني أو المتهم .
ويلاحظ أن قانون الإجراءات الجنائية قد قصر ترك الدعوى وفقاً لما نص عليه في المادتين 260 و 261 منه - على المدعي بالحقوق المدنية دون غيره من الخصوم، ولهذا قضت محكمة النقض أنه لا يصح للمحاكم الجنائية أن تحكم بإعتبار المسئول عن الحقوق المدنية تاركاً لاستئنافه، لأن ذلك لا يتفق بحسب طبيعته وآثاره مع تبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية ووجوب سيرهما معاً بقدر المستطاع، بل إنه يتعارض مع نص المادتين 253 و 254 من قانون الإجراءات الجنائية من أن للنيابة العامة أن تدخل المسئولين عن الحقوق المدنية للحكم عليهم بالمصاريف المستحقة للحكومة، ومن حق المسئول عن الحقوق المدنية في أن يدخل من تلقاء نفسه في الدعوى الجنائية في أية حالة كانت عليها .
وقد يستأنف الخصم بنفسه أو بواسطة وكيل عنه، ويجوز للولي أن يستأنف نيابة عن المتهم ناقص الأهلية. فإذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير المتهم الحقيقي الذي أقيمت عليه الدعوى أو ممن يوكله في الطعن فينبغي على المحكمة أن تقضي بعدم قبول الاستئناف شكلاً لرفعه من غير ذي صفة . (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني الصفحة : 58)
الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية
القاعدة :
يجوز استئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية في المخالفات والجنح من المدعى بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يخص الحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً (المادة 403 إجراءات) .
وإعمالاً لهذه القاعدة يشترط لجواز استئناف هذا النوع من الأحكام ما يأتي :
1- صدور حكم في الدعوى المدنية التبعية فإذا قضت المحكمة في الدعوى الجنائية وأرجأت الفصل في الدعوى المدنية فلم يصدر فيها حكم، فإن استئناف الشق الخاص بالدعوى المدنية يكون غير جائز لعدم صدور الحكم فيها .
2- إذا كان الاستئناف يخص الحقوق المدنية وحدها سواء كان من المدعي بالحقوق المدنية أو من المسئول عنها أو من المتهم فيجب أن تزيد التعويضات المطلوبة على النصاب الذي يحكم به القاضي الجزئي نهائياً (المادة 403 إجراءات)، وهذا النصاب هو خمسة آلاف جنيه (المادة 43 مرافعات وفقاً لتعديلها بالقانون رقم 76 لسنة 2007 ) .
والعبرة بالطلب لا بما تقضي به المحكمة. وإذا تعدد المدعون أو المدعي عليهم تقدر قيمة المدعى به بتمامه بغير إلتفات إلى نصيب كل منهم بشرط أن ترفع الدعوى بمقتضى سبب قانوني واحد أما إذا نشأت طلبات المدعي المدني عن أسباب قانونية مختلفة كان التقدير بإعتبار قيمة كل منها على حدة (المادة 38 مرافعات) كما إذا تعددت الجرائم المنسوبة إلى المتهم وتعددت بناءً عليها طلبات المدعي المدني بالتعويض .
وقد طبقت محكمة النقض هذا المبدأ على المدعي المدني حين يستأنف الحكم الصادر ضده من المحكمة الجزئية متى كان التعويض المطالب به لا يجاوز النصاب النهائي للقاضي الجزئي ولو وصف التعويض المطالب به بأنه مؤقت ولو شاب الحكم خطأ في تطبيق القانون أو تأويله .
وتقدر قيمة الدعوى بطلبات المدعي المدني ولو وصفها بأنها مؤقتة وبناء على ذلك فإذا اقتصر المدعي المدني على المطالبة بتعويض مؤقت نظراً لعدم قدرته على تحديد مدى الضرر وقت رفع الدعوى فلا يجوز له ولا للمسئول عن الحقوق المدنية استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية إذا كان الطلب المؤقت في حدود النصاب النهائي للقاضي الجزئي وسوف نبين فيما بعد أنه حيث ينغلق باب الطعن بطريق الاستئناف لا يجوز من باب أولى الطعن بطريق النقض .
أما المتهم فيتوقف قبول استئنافه للحكم الصادر في الدعوى المدنية في حدود النصاب النهائي للقاضي الجزئي على ما إذا كان استئنافه قاصراً على هذه الدعوى أم يمتد إلى الدعويين الجنائية والمدنية معاً فإذا كان الاستئناف قاصراً على الدعوى المدنية وحدها فلا يكون مقبولاً هذا بخلاف الحال إذا كان استئنافه منصباً على الحكم الصادر في الدعويين الجنائية والمدنية معاً ولو كان الحكم الصادر في الدعوى المدنية في حدود النصاب النهائي للقاضي الجزئي فإن الاستئناف يكون مقبولاً .
وتتضح هذه التفرقة من نص المادة 403 إجراءات التي تحدثت عن استئناف الحكم فيما يختص بالدعوى المدنية «وحدها» إذا كان التعويض المطلوب یزید على النصاب النهائي للقاضي الجزئي .
ويلاحظ أنه لا يجوز للمدعي المدني ولا للمسئول عن الحقوق المدنية استئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية في حدود النصاب النهائي للقاضي الجزئي بناء على الخطأ في القانون بمعناه الواسع . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني الصفحة : 67 )
عدم جواز الاستئناف :
إذا كان الحكم غير جائز استئنافه تعين الحكم بعدم جواز الاستئناف ولكن ما الحل لو ألغي الحكم المستأنف أو عدل قبل نظر الاستئناف كما إذا كان الحكم الابتدائي قد صدر غيابياً واستأنفته النيابة العامة وقبل نظر الاستئناف فصل المحكمة الجزئية في المعارضة إما بإلغاء الحكم الغيابي أو بتعديله في هذه الحالة يكون الاستئناف وارداً على غير ذي موضوع لأن محله لا يكون قد استوفى شروطه القانونية وبالتالي يتعين الحكم بعدم جواز الاستئناف وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن يحكم في هذه الحالة بسقوط الاستئناف ونرى أن هذا التعبير محل نظر لأن السقوط جزاء إجرائي يرد على الحق في مباشرة إجراء معين بسبب عدم مباشرته في ميعاد معين أو بسبب عدم مباشرة واقعة معينة وليس هذا هو الشأن في هذه الحالة .
ورغم أن جواز الاستئناف أمر يدخل في مجال الشروط الشكلية للاستئناف لكن الحكم بعدم جواز الاستئناف يسبق الحكم بعدم قبوله شكلاً بحسب أن النظر في الشكل أمر لاحق على قابلية الحكم أصلاً للاستئناف من عدمه . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني الصفحة : 126 )
للمدعى بالحق المدني الحق في الإستئناف والنقض إذا توافرت شرائطها أما المعارضة فقد حرمه التشريع الإجرائي منها صراحة (م 399) وذلك اختصاراً للإجراءات ورغبة في عدم تعطيل الفصل في الدعوى الجنائية بسبب الدعوى المدنية ولأن المدعي بالحق المدني يمكنه دائماً الحضور بواسطة وكيل عنه على خلاف الحال في الدعوى الجنائية حيث يلزم حضور المتهم بنفسه بحسب الأصل .
وبالنسبة للاستئناف فإن للمدعي المدني أن يستأنف الحكم الصادر في دعواه فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً وهو خمسون جنيهاً (م403 إجراءات) .
ولا يجوز للمدعي بالحق المدني إستئناف الحكم ولو لبطلان فيه أو في الإجراءات أثر فيه متى كان النصاب لا يمسح بالاستئناف ويسري ذلك حتى ولو كان التعويض المدعي به قد وصف بأنه مؤقت لكن مقداره جنيه واحد فلا يجوز من ثم إستئناف الحكم الصادر فيه وإذا تعدد المدعون بالحق المدني فالعبرة في جواز الإستئناف هي بمجموع طلباتهم جميعاً .
وحق المدعى المدني في الإستئناف قائم بذاته مستقل عن إستئناف الحكم الصادر في الدعوى الجنائية لا يؤثر فيه ألا يستأنف أحد الحكم في هذه الأخيرة .
ومن المقرر أن إستئناف المدعي بالحق المدني وحده وإن كان ينصرف إلى الدعوى المدنية فحسب بإعتبار أن حقه فيه مستقل عن حق كل من النيابة العامة والمتهم إلا أنه يعيد طرح الواقعة بوصفها مصدراً للفعل الضار المؤثم قانوناً على محكمة الدرجة الثانية التي يتعين عليها تمحيص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقاً صحيحاً، وكل ما عليها من قيد هو ألا توجه أفعالاً جديدة إلى المتهم .
ومن ثم فإنه للمحكمة الاستئنافية في هذه الحالة أن تعدل مثلاً وصف التهمة التي هي أساس الحكم بالتعويض من الإصابة الخطأ المطبقة على المادة 244 إلي القتل الخطأ المنطبق على المادة 238 إذا ما تحقق لديها أن وفاة المجني عليه نشأت عن الإصابة الخطأ والمحكمة في هذه الحالة لا تعتبر أنها قد وجهت إلى المدعى عليه المتهم فعلاً جديداً ذلك لأن الوفاة إنما هي نتيجة للإصابة التي حدثت بخطئه والتي أقامت النيابة العامة الدعوى الجنائية عليه من أجلها ودانه الحكم المستأنف بها .
ولا يؤثر في حق المحكمة الاستئنافية في ذلك كون الحكم الصادر في الدعوى الجنائية قد أصبح نهائياً للمحكمة وهي تفصل في الاستئناف المرفوع عن الدعوى المدنية إذ أن الدعويين وأن كانتا ناشئتين عن سبب واحد إلا أن الموضوع في أحداهما يختلف عنه في الأخرى .
أما بالنسبة للنقض فللمدعي بالحق المدني أن يطعن فيما يختص بحقوقه فقط في الأحكام النهائية الصادرة من آخر درجة إذا كان الإدعاء بمبلغ يتجاوز النصاب الإنتهائي للقاضي الجزئي فإذا جاز له الاستئناف جاز له الطعن بالنقض وهو يكون فحسب للبطلان في الإجراءات أو لمخالفة القانون أو للخطأ في تطبيقه أو في تأويله أما إذا لم يجر الاستئناف فلا يجوز الطعن بالنقض إطلاقاً .
كما له أن يطعن فيما يختص به بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الجنايات في غيبة المتهم بجناية (م 423) وله كذلك أن يطعن بنفس الطريق في أوامر مستشار الإحالة بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية (م193 إجراءات معدلة بالقرار بالقانون رقم 107 لسنة 1962) وذلك إذا كان الأمر مبنياً على مخالفة للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله أو إذا وقع بطلان في الأمر أو وقع في الإجراءات بطلان أثر فيه ويحصل الطعن وينظر فيه بالأوضاع المقررة للطعن بطريق النقض (م 195 معدلة) وفي هذه الحالة يجوز الطعن دون التقيد ببلوغ مقدار التعويض المدعى به نصاباً معيناً (على عكس الحال عند الطعن في الحكم المدني بالاستئناف ثم بالنقض وليس للمدعي بالحق المدني الطعن في الأمر الصادر من مستشار الإحالة بإحالة الدعوى إلى المحكمة الجزئية بإعتبار الواقعة جنحة أو مخالفة (راجع المادة 194 معدلة ).
وإنما ينبغي دائماً في طعن المدعي بالحق المدني أن ينصرف إلى موقفه من الدعوى المدنية فليس له أن يواجه طعنه إلى أوجه متصلة بالدعوى الجنائية وحدها أو بإجراءاتها ما دامت لا تؤثر في مركزه هو ومن ذلك مثلاً التحدث عن الوصف الذي أسنده الحكم المطعون فيه للواقعة الجنائية فلا صفة له في التحدث فيه إلا بقدر اتصاله بحقوقه المدنية إن كان ثمة إتصال ولا صفة له أيضاً في التحدث في أي بطلان يكون قد ألحق الإجراءات الخاصة بالدعوى الجنائية أو لحق الحكم الصادر فيها إذ أن هذا الطعن مقصور على النيابة والمتهم .
هذا وقد حكم بأنه إذا كان مستشار الإحالة قد تصدى للدعوى المدنية وقضى فيها بالرفض فإن قضاءه يكون لغواً لا يعتد به ولا يجوز قوة الأمر المقضي ولا يرتب النعي عليه سوى تقرير لأمر نظري بحت لا يفيد منه أحد من الخصوم ولا يضار به غيره وهو الأمر الذي لا تتحقق به المصلحة المعتبرة لقبول الطعن .
وهذا القضاء سليم في موضوعه من ناحية إنتفاء ولاية مستشار الإحالة للفصل في موضوع الدعوى المدنية لكن في إستناده إلى إنتفاء المصلحة من الطعن يبدو محل نظر لأن مصلحة المدعي المدني كانت متوافرة بغير شبهة من إلغاء القضاء الباطل الصادر بالرفض من مستشار الإحالة حتى ولو وصل هذا البطلان إلى حد إنعدام القرار من أساسه كما ذهب هذا القضاء بل أن كل ما قد يقال أن المصلحة هنا كانت محتملة فحسب بمقدار إحتمال تمسك المدعى عليه بمثل هذا القرار فيما بعد والمصلحة المحتملة تصلح أساساً للطعن كالمصلحة المحققة سواء بسواء .
وليس للنيابة بطبيعة الحال أن تطعن في الحكم الصادر في الدعوى المدنية المرفوعة من المدعى بالحق المدني لا بالإستئناف ولا بالنقض لإنتفاء صفتها في هذا الطعن .
ولذا قضى بأنه لما كان من تنعاه النيابة الطاعنة على الحكم المطعون فيه أنه ما كان يجوز إعتبار قيمة المبلغ المختلس عنصراً في التعويض بعد القضاء برده بالتطبيق لحكم المادة 118 إنما ينصرف إلى قضاء الحكم في الدعوى المدنية بالتعويض وكانت النيابة لا تنازع في العقوبات المقضي بها على المحكوم عليه منها عقوبة الرد فإن النعي بهذه الصورة إنما يرد على القضاء في الدعوى المدنية وحدها ومن ثم يكون الطعن غير مقبول .
وليس للمدعى بالحق المدني أن يطلب إعادة النظر سواء أجاز هذا الطلب بالنسبة للحكم الصادر في الدعوى الجنائية أم لم يجز وبصرف النظر عن قواعد المرافعات المدنية في هذا الشأن تطبيقاً لقاعدة خضوع الدعوى المدنية أمام القضاء الجنائي لقواعد الإجراءات الجنائية .
حق المتهم في الطعن في الحكم الصادر في الدعوى المدنية :
للمتهم المدعى عليه بحق مدني أمام القضاء الجنائي حق المعارضة في الحكم الصادر في الدعوى المدنية إذا كان قد صدر غيابياً وكلما جازت له المعارضة في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية وله أن يعارض في الحكمي معاً أو أحدهما دون الآخر حسبما يراه متفقاً مع مصلحته وإذا عارض في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية وحدها فلا يجوز للمدعي المدني الحضور في المعارضة لأنها لا تطرح عندئذ من جديد سوى الدعوى الجنائية وحدها أما إذا عارض المتهم في الحكم الصادر في الدعويين الجنائية والمدنية معاً فللمدعي المدني أن يحضر المعارضة كيما يدافع عن الحكم الصادر لمصلحته في الدعوى المدنية ويجب إعلانه بوصفه خصماً فيها .
وإذا حكم غيابياً على المتهم بالعقوبة وبالتعويض المدني وحضورياً على المسئول عن الحق المدني بالتعويض المدني وعارض المتهم في هذا الحكم فمعارضته تكون مقصورة عليه طبقاً لقاعدة نسبية أثر الطعن ومن ثم لا يمكن للمسئول عن الحق المدني في نظر جانب من الرأي أن يستفيد من معارضة المتهم إذا قضى له فيها بالبراءة من التهمة مع إلغاء الحكم بالتعويض المدني الصادر عليه فلذا لا يقبل منه أي طلب في المعارضة عندئذ ولا يكون أمامه إلا الطعن بالإستئناف في الحكم الصادر ضده إذا جاز الإستئناف .
إلا أن جانب آخر يرى أنه إذا سقط الحكم بالتعويض عن المتهم فلا وجه للقول ضد المسئول عن الحق المدني ولذلك إذا عارض المتهم وجب إعلان المسئول عن الحق المدني ليبدي طلباته ولهذا الرأي الأخير وجاهته الواضحة في منع تضارب الأحكام خصوصاً وأن أساس مسئولية المسئول عن الحق المدني هو مسئولية المتهم فلا محل للقول ببقاء التزامه مع سقوط أساس هذا الإلتزام ثم أن هذا التضارب في الأحكام قد لا تتيسر إزالته عن طريق الإستئناف إذا قد لا يكون جائزاً وإذا قضى غيابياً على المتهم بالعقوبة وبالتعويض فعارض المتهم وحده في الحكم الصادر ضده بالعقوبة وبالتعويض ولم يعارض المسئول عن الحق المدني في الحكم بالتعويض بل فوت ميعاد المعارضة فلا يكون أمام هذا الأخير سوى استئناف الحكم الغيابي الصادر ضده بالتعويض إذا جاز له الإستئناف .
وللمتهم المدعى عليه بالحق المدني أن يطعن أيضاً بالاستئناف إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزائي نهائياً وبصرف النظر عما قضى به (م 403 إجراءات و 42 مرافعات) وإذا استأنف الحكم الصادر في الدعويين الجنائية والمدنية معاً فيقبل استئنافه عن الحكم في الدعوى المدنية أياً كان مبلغ التعويض المدعي به بإعتبار أنها تابعة للدعوى الجنائية أي ولو لم يتجاوز النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً لكن إذا كانت الدعوى المدنية قابلة للاستئناف فلا يؤثر ذلك في الدعوى الجنائية إذا لم تكن قابلة له .
وللمتهم أن يطعن بالنقض فى الحكم الصادر ضده في الدعوى المدنية بالإضافة إلى حقه في الطعن بالنقض في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية وذلك إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله أو إذا وقع بطلان في الحكم، أو إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم (م 30 من القرار بالقانون رقم 57 لسنة 1959)، وبشرط أن يكون الإستئناف جائزاً وبعد استنفاد طريق الاستئناف .
أما عن طلب إعادة النظر فهو لا يجوز إلا في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة في مواد الجنايات والجنح في أحوال معينة (راجع 441 إجراءات)، فلا يجوز بالتالي أن ينصب على الحكم الصادر في الدعوى المدنية بالتعويض فطلب إعادة النظر أمام القضاء الجنائي مقصور بحكم هذا النص على الأحكام الصادرة في الدعاوي الجنائية دون غيرها وبصرف النظر عما ورد في قانون المرافعات في هذا الصدد ما دامت القاعدة هي أن الدعوى المدنية تخضع أمام القضاء الجنائي لقواعد الإجراءات الجنائية ومع مراعاة ما نصت عليه المادة 451 إجراءات من أنه يترتب على إلغاء الحكم المطعون فيه (بطلب إعادة النظر) سقوط الحكم بالتعويضات ووجوب رد ما نفذ به منها بدون إخلال بقواعد سقوط الحق بمضي المدة . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة : 1172 )
شروط قبول الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية التابعة :
واضح من هذا النص أن الذين لهم حق إستئناف هذه الأحكام هم أطراف الدعوى المدنية وحدهم وهم المدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها والمتهم أما النيابة العامة فليس لها صفة في إستئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية حتى ولو كان الحكم مخالفاً للقانون لأنها ليست طرفاً في هذه الدعوى .
والمناط في قابلية الحكم للاستئناف هو مقدار التعويضات المطالب بها في عريضة دعوى التعويض وليس بما يحكم به القاضي فإذا جاوزت قيمة التعويضات التي طلبها المدعي بالحقوق المدنية النصاب المسموح به للقاضي الجزئي بصفة نهائية جاز لكل من أطراف الدعوى المدنية إستئناف الحكم الصادر في هذه الدعوى بصرف النظر عن مقدار ما قضى به الحكم فعلاً من تعويض أو لو كان الحكم صادراً برفض الدعوى المدنية والعبرة في تحديد مقدار طلب التعويض هي بالطلبات النهائية قبل قفل باب المرافعة أما الطلبات التي يتقدم بها المدعي بعد قفل باب المرافعة فلا يعتد بها وإذا كان مقدار التعويض المطالب به يدخل في حدود النصاب النهائي للقاضي الجزئي فلا يجوز إستئناف الحكم ولو كان رافع الدعوى قد وصف طلبه التعويض بأنه مؤقت ولا يدخل في تقدير قيمة التعويض المطالب به ما يطلبة المدعي من إلزام خصمه بأن يدفع له مصاريف الدعوى لأن القانون هو الذي يفرض الحكم بهذه المصاريف على من خسر الدعوى .
تقدير قيمة الدعوى في حالة تعدد المدعين أو المدعي عليهم :
لم يرد نص في قانون الإجراءات الجنائية يضع حكماً خاصاً لتقدير قيمة الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية ولما كنا أمام دعوى مدنية مرفوعة إستثناء أمام المحاكم الجنائية فقد جاز الاستئناس بالقاعدة العامة في قانون المرافعات حول تقدير قيمة الدعوى وقد نصت المادة (39) من قانون المرافعات المدنية والتجارية على أنه إذا كانت الدعوى مرفوعة من واحد أو أكثر على واحد أو أكثر بمقتضي سبب قانوني واحد كان التقدير بإعتبار قيمة المدعي به بتمامه بغير التفات إلى نصيب كل منهم فيه وعلى ذلك فالعبرة في تقدير قيمة الدعوى في حالة تعدد المدعين أو المدعي عليهم لبيان نصاب الطعن بالإستئناف بقيمة المدعي به بأكمله فإذا رفع أربعة مدعين الدعوي مطالبين بتعويض يزيد على النصاب المسموح به للقاضي الجزئي بصفة نهائية كان الحكم الصادر في هذه الدعوى جائز استئنافه دون نظر إلى نصيب كل منهم من هذا المبلغ طالما أن السبب القانوني لرفع الدعوى واحد وهو الضرر الناشئ عن الجريمة فإذا تعددت الأسباب تعين تقدير قيمة الدعوى بالنسبة لكل سبب على حدة . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 782 )
للمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها إستئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية فيما يختص بالتعويضات المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطالب بها تزيد عن النصاب الإنتهائي للقاضي الجزئي أما إذا لم يتجاوز التعويض هذا النصاب فليس لهما حق الإستئناف ولو شاب الحكم خطأ في تطبيق القانون أو تأويله وتسري هذه القاعدة ولو وصف التعويض المطالب به أنه مؤقت لأن القانون خص النيابة والمتهم وحدهما باستئناف الأحكام التي تصدر مشوبة بالبطلان دون المدعي بالحق المدني كذلك استئناف كل من المدعي بالحق المدني والمسئول عن الحقوق المدنية يقتصر على الدعوى المدنية ولا يتعداه إلى موضوع الدعوى الجنائية حتى ولو كان هو الذي حركها لأن اتصال المحكمة الإستئنافية بهذه الدعوى لا يكون إلا عن طريق إستئناف النيابة والمتهم وأن حقيهما في ذلك قائم ولو كان الحكم في الدعوى الجنائية قد أصبح نهائياً وحائزاً قوة الشيء المحكوم فيه مستقل عن حق النيابة العامة وعن حق المتهم لا يقيده إلا النصاب وذلك أن الدعويين وإن كانت ناشئين عن سبب واحد إلا أن الموضوع في أحدهما يختلف عنه في الأخرى مما لا يمكن معه التمسك بحجية الحكم الجنائي وإذا تصدت المحكمة الاستئنافية للدعوى المدنية والأمر بإحالتهما إلى المحكمة المدنية المختصة رغم صيرورة القضاء برفضها نهائياً لعدم الطعن فيه من المدعي المدني مخالفة للقانون وتقدر قيمة الدعوى المدنية إذا تعدد المدعى عليهم بقيمة المدعى به بتمامه بغير إلتفات إلى نصيب كل منهم بشرط أن ترفع الدعوى بمقتضى سبب قانوني واحد والعبرة في تقدير قيمة التعويض هي بما يطالب به الخصوم لا بما يحكم به فعلاً .
وخلاصة ذلك أن مقتضى النص محل التعليق أن إستئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية والصادر من المحكمة الجزئية يكون جائزاً سواء كان صادراً في جنحة أو مخالفة لكل أطراف هذه الدعوى وهم المدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها والمتهم ولا يتقيد الإستئناف إلا بقيد واحد هو أن يزيد التعويض المطلوب على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً وهو ألفي جنيهاً وفقاً للمادة 42 من قانون المرافعات والمعدلة بالقانون رقم 18 لسنة 1999 والتي تنص على أن تختص محكمة المواد الجزئية بالحكم الابتدائي في الدعاوي المدنية والتجارية التي لا تجاوز قيمتها عشرة آلاف جنيه ويكون حكمها انتهائياً إذا كانت قيمة الدعوى لا تجاوز ألفي جنيه والعبرة في جواز الإستئناف هي بما يطلبه المدعي المدني وليس بما تحكم به المحكمة فيكون جائزاً إذا كان ما طلبه المدعي يزيد على ألفي جنيه ولو قضت له المحكمة بما دون ذلك .
ولو وصفه المدعي المدني بأنه مؤقت ويكون غير جائز ولو وصفه المدعي المدني بأنه مؤقت إذا كان دون هذا الحد .
وتسري هذه القاعدة سواء بالنسبة للمدعي بالحقوق المدنية أو المسئول عنها أما المتهم فلم يقيده المشرع بهذا القيد إلا إذا اقتصر استئنافه على ما قضى به في الدعوى المدنية فإذا استأنف المتهم الحكم الصادر في الدعوى الجنائية حيث يكون ذلك جائزاً فإن القيد ينحسر عنه فيجوز له أن يستأنف الحكم الصادر عليه في الدعوى المدنية دون تقيد بالنصاب وقد عبرت المادة (403) عن هذا الحكم بقولها يجوز إستئناف ....................... إلخ من المدعي بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات، المطلوبة ................ إلخ) . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 598 )
إن الحكم الصادر في الدعويين الجنائية والمدنية قد يكون قابلاً للطعن فيها سواء من جانب المتهم أو من جانب النيابة العامة كما يجوز الطعن فيه أيضاً من قبل المسئول عن الحقوق المدنية والمدعي المدني .
وقد يحدث ألا تطعن النيابة العامة في الحكم الصادر من المحكمة بخصوص الدعوى الجنائية كما قد لا يطعن المتهم وإنما الذي يطعن هو المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية بخصوص الدعوى المدنية وحدها وفي هذا الفرض تطرح الدعوى المدنية وحدها أمام المحكمة الاستئنافية دون الدعوى الجنائية وتفصل فيها المحكمة الاستئنافية غير مقيدة بحكم أول درجة حتى فيما يتعلق بما قضى به في الدعوى الجنائية فهي تعيد تحقيق الدعوى المدنية على ضوء تحقيقها في الدعوى الجنائية من حيث ثبوت عناصر الجريمة ومسئولية المتهم وتفصل في الدعوى المدنية على ضوء ما أظهره تحقيقها غير مقيدة بما قضت به محكمة أول درجة فيجوز أن تقضي المحكمة الاستئنافية بالتعويض رغم أن حكم أول درجة كان بالبراءة لعدم كفاية الأدلة كما لها أن تحكم برفض الدعوى المدنية رغم أن حكم أول درجة كان بالإدانة ويجوز أيضاً أن تطرح الدعوى المدنية وحدها أمام محكمة النقض إذا كان الطعن بالنقض قد قرر به من قبل المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية دون المتهم أو النيابة العامة وتنظر المحكمة في الطعن في الدعوى المدنية رغم أن الدعوى الجنائية تكون قد انقضت بصدور حكم فيها صار باتاً .
ويلاحظ أن طعن المتهم قد يطرح الدعوى المدنية وحدها دون الدعوى الجنائية وذلك في الحالات التي لا ينصرف فيها طعنه إلى الدعوى الجنائية كما لو كان قد قضى في الدعوى الجنائية بالبراءة وفي الدعوى المدنية بالتعويض فيجوز له الطعن في الحكم الصادر في الدعوى المدنية وحدها بطريق الاستئناف أو النقض أن كانا جائزين وتنفصل بذلك الدعوى المدنية عن الدعوى الجنائية .
وقد نص المشرع على القاعدة السابقة في المادة 403 إجراءات حيث ورد بها أنه يجوز استئناف الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية من المحكمة الجزئية في المخالفات والجنح من المدعى بالحقوق المدنية ومن المسئول عنها أو المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً . (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع الجزء الثاني ، الصفحة : 883 )
الشروط الخاصة باستئناف الحكم في الدعوى المدنية :
الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية المرفوعة تبعاً للدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية في الجنح والمخالفات يجوز استئنافها من الخصوم في الدعوى المدنية إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً .
وعلى ذلك فلكي يقبل الاستئناف في الحكم الصادر في الدعوى المدنية يلزم توافر ثلاثة شروط :
أولاً : أن يكون الحكم الصادر من المحكمة الجزئية قد فصل في الدعوى المدنية .
لا يكفي لقبول الاستئناف أن يكون هناك إدعاء مدني أمام المحكمة الجزئية بل يلزم أن يكون الحكم الذي صدر من تلك المحكمة قد فصل فی طلبات التعويض فإذا كان قد أغفل الفصل فيها كلياً فلا يجوز الاستئناف وإنما على المدعي المدني أن يلجأ إلى القضاء المدني مطالباً بحقه في التعويض كما سبق وأن رأينا أما إذا كان الحكم قد فصل في بعض الطلبات دون البعض الآخر جاز الاستئناف بالنسبة لما فصل فيه من الطلبات أما الطلبات الأخرى فتنظر فيها ذات المحكمة الجزئية بالطريق الذي رسمته المادة 193 مرافعات أي بإعلان المدعى عليه وتكليفه بالحضور أمام المحكمة الجزئية للفصل في مواجهته في تلك الطلبات على التفصيل الذي رأيناه في موضعه ويستوي مع الإغفال الكلي تأجيل الفصل في الدعوى المدنية وصدور الحكم في الدعوى الجنائية وحدها فهذا حكم باطل في شقه المتعلق بالدعوى المدنية وصحيح ومنتج لأثاره في شقه المتعلق بالدعوى الجنائية وطالما أن الدعوى الجنائية تخرج من حوزة القضاء الجنائي بفصله في موضوعها بحكم فلا سبيل أمام المدعي المدني إلا الإلتجاء للطريق المدني ولا يجوز له استئناف الحكم الصادر في الدعوى الجنائية وهو ليس خصماً فيها .
ثانياً : أن يكون المستأنف خصماً في الدعوى المدنية الصادر فيها الحكم .
ولذلك يجوز الاستئناف من المدعي المدنى ومن المتهم ومن المسئول عن الحقوق المدنية إذا كان قد أدخل في الدعوى أمام محكمة أول درجة أو دخل من تلقاء نفسه أما النيابة العامة فلا يجوز لها استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية باعتبار أنها ليست خصماً فيها ويلاحظ أن المتهم يعتبر خصماً في الدعوى الجنائية والدعوى المدنية ولذلك يجوز بداءة استئنافه على الحكم الصادر في الدعوى الجنائية والدعوى المدنية إلا أنه يجوز أن يقصر استئنافه على الحكم الصادر في الدعوى المدنية بالنسبة له دون الدعوى الجنائية كما لو كان بالبراءة أو بغرامة في واقعة هي مخالفة وليست جنحة .
ثالثاً : أن تكون التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الإنتهائي للقاضي الجزئي .
إذا كان القانون لم يحدد اختصاص المحكمة الجزئية بالنسبة لدعاوي التعويضات الناشئة عن إرتكاب جنحة منظورة أمامها وإنما جعلها مختصة أياً كانت قيمة الدعوى إلا أنه حدد اختصاصها الانتهائي بألفي جنيه فإذا كانت قيمة التعويضات المطلوبة لا تزيد عن هذا المبلغ كان حكم المحكمة الجزئية غير قابل للاستئناف (م 42 /1 مرافعات).
ويلاحظ أن العبرة في تحديد جواز الاستئناف من عدمه هو بقيمة الطلب وليس بما تقضي به المحكمة في حكمها وتطبق بشأن تقدير الدعوى القواعد الواردة بقانون المرافعات المدنية والتجارية مع ملاحظة أن الأوصاف التي يضفيها المدعي على طلباته بكونها مؤقتة لا قيمة لها وإنما تحتسب القيمة بما طلب فعلاً لا بما أسبغه عليها من أوصاف . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث، الصفحة : 1631 )
الضابط في جواز استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية هو مقدار التعويض الذي طالب به المدعي المدني وتجاوزه النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً، وهذا النصاب هو 2001 جنيهاً وفقاً للمادة 43 من قانون المرافعات ويعني ذلك أن هذا الضابط ينظر فيه إلى مقدار التعويض المطالب به وليس إلى مقدار التعويض الذي يحكم به فإذا طالب المدعي المدني بتعويض يزيد مقداره علی 2001 جنيهاً ولكن المحكمة لم تحكم له بشئ أو قضت له بتعويض يقل عن 2001 جنيها، فإن استئناف هذا الحكم يكون جائزاً .
ويتقيد بهذا الشرط المدعي المدني والمسئول المدني والمتهم إذا قصر استئنافه على الحكم الصادر في الدعوى المدنية وذلك ما عناه الشارع بقوله استئناف المتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها .
ويتقيد بهذا الشرط المدعي المدني والمسئول المدني ولو انطوى الحكم في المخالفة على خطأ في تطبيق نصوص القانون أو تأويلها فكان استئناف المتهم والنيابة العامة للحكم جائزاً وقد قالت المحكمة في ذلك بأن القانون خص المتهم والنيابة العامة وحدهما باستئناف الأحكام التي تصدر مشوبة بالبطلان دون المدعي بالحق المدني ومن ثم فإذا كان الاستئناف قد رفع من المدعي بالحق المدني بتعويض يقل عن النصاب الإنتهائي للقاضي الجزئي فإن استئنافه يكون غير جائز قانوناً ولا يغير من ذلك ما طرأ أثناء نظر الاستئناف ولم يكن في حسبان المدعي بالحق المدني وقت رفعه الاستئناف من عدم إيداع الحكم الابتدائى أو التوقيع عليه في الميعاد القانوني مما يلحق به البطلان إذ يشترط لجواز الدفع ببطلان الحكم أن يكون لمبديه حق استئناف الحكم إبتداءً .
وإذا تعدد المدعون أو تعدد المدعى عليهم فالعبرة بمجموع ما يطالب به المدعون أو مجموع ما يطالب به المدعي جميع المدعى عليهم، وليست العبرة بما يطالب به كل مدع على حدة أو ما يطالب به کل مدعى عليه على حدة ويعني ذلك أنه إذا كان ما يطلبه به المدعون يزيد على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً، فإن الاستئناف يكون جائزاً وتطبق ذات القاعدة إذا تعدد المدعي عليهم وكان ما يطالب به كل منهم على حدة لا يزيد على هذا النصاب ولكن ما يطالبون به جميعاً يزيد على ذلك وفي ذلك تقول محكمة النقض ذلك أن المبلغ إنما كان طلبه على أساس أنه تعويض عن ضرر ناشئ عن سبب واحد هو الأفعال الجنائية التي وقعت من المدعى عليهم وإذن فالتخصيص الذي يكون المدعون قد أجروه فيما بينهم في الدعوى لا يكون له تأثير على حقهم في الاستئناف إذ العبرة في هذه الحالة هي بمجموع الأنصبة مادام مرجعها جميعاً إلى سند واحد .
( نقض 3 يونيه سنة 1940 مجموعة القواعد القانونية ج 5 رقم 118 ص 223 ، 27 فبراير سنة 1952 مجموعة أحكام محكمة النقض س3 رقم 279 ص 744، 16 يناير سنة 1956 س 7 رقم 22 ص 57 ) .
وهذه القاعدة تطبيق للمادة 39 من قانون المرافعات التي نصت على أنه إذا كانت الدعوى مرفوعة من واحد أو أكثر على واحد أو أكثر بمقتضى سبب قانوني واحد کان التقدير بإعتبار قيمة المدعى به دون التفات إلى نصيب كل منهم فيه وقد اشترط لتطبيق هذه القاعدة وحدة السبب القانوني الذي يستند إليه المدعى فيما يطالب به وهو ما يتحقق إذا كان التعويضات المطلوبة عن جريمة واحدة أو عن جرائم ارتبطت فيما بينها ارتباطاً غير قابل للتجزئة كما لو طالب مدع بتعويض ضرر التزوير وطالب بتعويض الضرر الناشئ عن إستعمال المحرر المزور كما لو نسب إلى بعض المدعي عليهم تزوير المحرر وإلی بعضهم الإشتراك في هذا التزوير وإلى بعضهم إستعماله مع العلم بتزويره .
وإذا طالب المدعي بتعويض وصفه بأنه مؤقت وكان مقداره لا يزيد على 2001 جنيهاً ، فلا يكون الحكم الذي يصدر فى الدعوى المدنية جائزاً استئنافه لأن العبرة هي بمقدار هذا التعويض ولا محل لتطبيق المادة 40 من قانون المرافعات والتي تنص على أنه إذا كان المطلوب جزءاً من حق قدرت الدعوى بقيمة هذا الجزء إلا إذا كان الحق متنازعاً فيه ولم يكن الجزء المطلوب باقياً منه فيكون التقدير باعتبار قيمة الحق بأكمله إذ ليس التعويض المؤقت جزءاً من حق متنازع عليه وإنما يحتمل أن يعتبره المدعي كل ما يكفيه تعويضاً عن الضرر الذي ناله .
وإذا استأنف المتهم الحكم الصادر في الدعوى الجنائية والحكم الصادر في الدعوى المدنية كذلك فإن استئنافه الحكم الصادر في الدعوى المدنية جائز ولو كان التعويض الذي يطالب به لا يجاوز النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً وهذه القاعدة تستخلص بمفهوم المخالفة من تقرير الشارع تقييد المتهم بالنصاب فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها مما يعني أنه إذا استأنف الحكم في الدعويين معاً فلا يتقيد بهذا النصاب، وقد قررت محكمة النقض هذه القاعدة قبل العمل بقانون الإجراءات الجنائية استناداً إلى تبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية وعدم جواز قبول استئناف الحكم في الدعوى الجنائية وعدم قبوله في الدعوى المدنية ولكن شرط قبول استئناف المتهم للحكم الصادر في الدعوى المدنية دون تقيد بالنصاب هو أن يكون استئنافه الحكم فى الدعوى الجنائية جائزاً فالفرض أن استئناف الأول قبل تفادياً لتجزئة الدعويين وهو ما يفترض أن المحكمة الاستئنافية ستنظر في الدعويين ويعني ذلك أنه إذا كان استئناف المتهم الحكم في الدعوى الجنائية غير جائز فإن استئنافه الحكم الصادر في الدعوى المدنية طالما كان التعويض المطالب به دون النصاب يكون غير جائز كذلك .
الصفة في الاستئناف :
لا يقبل الاستئناف إلا ممن كان خصماً في الدعوى التي قامت أمام محكمة الدرجة الأولى وانتهت بالحكم المستأنف على التفصيل التالي :
1- فإذا طعن بالاستئناف شخص غير المتهم الذي صدر ضده حكم محكمة الدرجة الأولى، ولو كانت صلته به وثيقة كأبيه أو زوجته، فالاستئناف غير مقبول .
2- وإذا قرر بالاستئناف وكيل الخصم بعد زوال صفته بعزله من الوكالة أو وفاة موكله الذي كان مدعياً مدنياً أو مسئولاً مدنياً، فالاستئناف غير مقبول .
3- لا يقبل الاستئناف ممن لم يكن مدعياً مدنياً أما محكمة الدرجة الأولى، ولو كانت له صفة الشاكي حين كانت الدعوى قائمة أمام هذه المحكمة .
4- ويتصل ذلك بأصل عدم جواز الادعاء المدني لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية (المادة 251 من قانون الإجراءات الجنائية) ، الفقرة الأولى .
5- ولا يقبل استئناف المسئول المدني إلا إذا كان قد تدخل أو أدخل في الدعوى وهي قائمة أمام محكمة الدرجة الأولى فصار خصماً في الدعوى المدنية أمام هذه المحكمة، ولكن الشارع أجاز للمسئول المدني أن يتدخل من تلقاء نفسه في الدعوى الجنائية فى أية حالة كانت عليها (المادة 254 من قانون الإجراءات الجنائية)، ولا يعد هذا التدخل استئنافاً للحكم، وإنما هو تدخل مبتدأ .
المصلحة في الاستئناف :
لا يقبل الاستئناف إلا ممن له مصلحة فيه، وضابط المصلحة أن يكون حكم محكمة الدرجة الأولى قد ألحق به ضرراً أو رفض كل أو بعض طلباته، فيسعى عن طريق الاستئناف إلى رفع هذا الضرر أو إلى إقرار طلباته. فإذا انتفت المصلحة فلا يقبل الاستئناف، وتطبيقاً لذلك، فإن المتهم الذي قضى ببراءته لا يقبل استئنافه، ولو كان يعيب على أسباب الحكم سند البراءة الذي تضمنته، كما لو كانت البراءة قد استندت إلى مانع عقاب، وكان يرى وجوب استنادها إلى سبب إباحة أو إلى انتفاء أحد أركان الجريمة، وقد قالت محكمة النقض في ذلك بأنه "لا تصح مطالبة الخصم باستئناف الحكم بسبب وجود خطأ في أسبابه، متى كان الحكم قد قضى له بكل طلباته، فإن استئنافه في هذه الحالة لا يكون مقبولاً منه لعدم المصلحة "، ولا يقبل الاستئناف استناداً إلى محض مصلحة نظرية، ولا يقبل استئناف المدعي المدني الذي قضى له بكل طلباته، ولو استند إلى عدم اختصاص المحكمة التي أصدرت هذا الحكم، ولا يقبل استئناف المسئول المدني الحكم الذي رفض الدعوى المدنية، ولو كان قد أدان المتهم .
ولكن شرط المصلحة له دلالته الخاصة حين يصدر الاستئناف عن النيابة العامة، فليست مصلحتها في إدانة المتهم أو تشديد العقوبة التي حكم بها عليه، وإنما مصلحتها في التطبيق السليم للقانون، وبناء على ذلك كان لها أن تستأنف الحكم ولو صدر مطابقاً تماماً لطلباته، ولها أن تستأنف الحكم لمصلحة المتهم وحده، كما لو استأنفت حكم الإدانة مطالبة ببراءة المتهم أو بتطبيق الظروف المخففة عليه . ( الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الرابع، الصفحة : 24 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 152
نَقْضُ الْقَضَاءِ :
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِنَقْضِ الْقَضَاءِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا خَالَفَ فِي حُكْمِهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا كَانَ قَضَاؤُهُ فَاقِدًا لِشَرْطٍ وَوَجَبَ نَقْضُهُ، إِذْ أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالاِجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ رضي الله عنه : «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو» وَلأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، إِذْ لاَ مَسَاغَ لِلاِجْتِهَادِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَزَادَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ زِيَادَاتٍ أُخْرَى كَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي حُكْمِ مَا يُنْقَضُ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ شَيْئًا لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَإِلَى أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمٌ أَصْلاً، غَيْرَ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ سُنَّةٍ آحَادٍ أَوْ خَالَفَ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بِخِلاَفِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ.
مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَ النَّقْضَ فِي نِطَاقِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ لِلنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَمَنَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْقَاضِي لاَ تَخْلُو عَنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
قِسْمٌ يُنْقَضُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ يُمْضَى بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِوَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الْقِسْمُ الأَْوَّلُ: مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ إِذَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِْجْمَاعَ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ: مَا يَشِذُّ مَدْرَكُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، أَوْ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَقَيَّدَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوِ الْقِيَاسَ أَوِ النَّصَّ - فَالْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَلاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيَجِبُ نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلأَْخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلاَفُ الإِْجْمَاعِ، لأََنَّ الأُْمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الأَْخَ، وَأَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأُْمَّةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّحْقِيقِ - نُقِضَ بِهِ حُكْمُهُ وَحُكْمُ غَيْرِهِ؛لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادٍ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمْلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَكَانَ لاَ يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَوَرَّثَهَا عُمَرُ».
وَقَضَى فِي الأَْصَابِعِ بِقَضَاءٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِلِ»وَنَقَضَ عَلِيٌّ رضي الله عنه قَضَاءَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لأُِمٍّ - بِأَنَّ الْمَالَ لِلأَْخِمُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ هَذِهِ الآْيَةِ. فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَتْ إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَصْلُ الإِْجْمَاعِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ ظَنًّا مُحْكَمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَيَلْزَمُهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ، فَلْيَحْكُمْ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِ الْحَادِثَةِ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا، وَلاَ يَنْقُضُ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً، بَلْ يُمْضِيهِ، ثُمَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتَتَبَّعُ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، وَلَهُ تَتَبُّعُ قَضَاءِ نَفْسِهِ لِيَنْقُضَهُ.
وَقَالَ: مَا يَنْقُضُ مِنَ الأَْحْكَامِ لَوْ كُتِبَ بِهِ إِلَيْهِ لاَ يَخْفَى أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ. وَأَمَّا مَا لاَ يَنْقُضُ وَيَرَى غَيْرَهُ أَصْوَبَ مِنْهُ فَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَطَأً، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لاَ أُحِبُّ تَنْفِيذَهُ. وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِتَجْوِيزِ تَنْفِيذِهِ.
وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ (الشَّافِعِيُّ) بِنَقْلِ الْخِلاَفِ فَقَالَ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ قَبْلَهُ فَلَمْ يَرَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي النَّقْضَ، لَكِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْرِضُ عَنْهُ، وَأَصَحُّهُمَا: يُنْفِذُهُ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ تَغَيُّرًا لاَ يَقْتَضِي النَّقْضَ، وَتَرَافَعَ الْخُصُومُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمْضِي حُكْمَهُ الأَْوَّلَ وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ.
وَيَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ مُخَالَفَةُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) فَإِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَزَوُّجِ امْرَأَةِ الأَْبِ وَجَارِيَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا الأَْبُ، فَلَوْ حَكَمَ قَاضٍ بِجَوَازِ ذَلِكَ نَقَضَهُ مَنْ رُفِعَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لِلزَّوْجِ الأَْوَّلِ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ بِدُونِ إِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْ جُلُّ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ، وَمُخَالَفَةُ
الْبَعْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ خِلاَفٌ لاَ اخْتِلاَفٌ، وَقَالُوا: يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ حُكْمًا لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ كُلُّ حُكْمٍ وَافَقَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، فَإِذَا أَصَابَ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ كَمَا إِذَا حَكَمَ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ نَافِذًا، لاَ يُتَعَقَّبُ بِفَسْخٍ وَلاَ نَقْضٍ، لأَِنَّ هَذَا الْقَضَاءَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ فَنَفَذَ، وَلَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَجُوزُ إِبْطَالُهُ، وَالأَْصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم كَانَ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ مَا قَضَى، فَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ»وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه «أَنَّهُ حَكَمَ بِحِرْمَانِ الإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ مِنَ التَّرِكَةِ فِي الْمُشْرِكَةِ، ثُمَّ شَرَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُضْ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي»، وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يَرُدَّ الأُْولَى، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلاً، لأَِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّالِثُ يُخَالِفُ الثَّانِيَ، فَلاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لَوْ قَضَى عَلَى خِلاَفِ قِيَاسٍ خَفِيٍّ - وَهُوَ مَا لاَ يُزِيلُ احْتِمَالَ الْمُفَارَقَةِ وَلاَ يَبْعُدُ كَقِيَاسِ الأُْرْزِ عَلَى الْبُرِّ فِي بَابِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الطَّعَامِ - فَلاَ يَنْقُضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفَ لَهُ، لأَِنَّ الظُّنُونَ الْمُتَعَادِلَةَ لَوْ نَقَضَ بَعْضُهَا بَعْضًا لَمَا اسْتَمَرَّ حُكْمٌ وَلَشَقَّ الأَْمْرُ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنِ اجْتَهَدَ مِنَ الْحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ خَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَمْ يَرُدَّهُ، وَحَكَمَ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ بِالَّذِي هُوَ أَصْوَبُ.
وَيُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ.
فَالْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِينِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَانَ الْقَاضِي يَرَى سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا، فَإِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لاَ يَرَى ذَلِكَ يُمْضِيهِ وَلاَ يَنْقُضْهُ. وَكَذَا لَوْ قَضَى لاِمْرَأَةٍ بِشَهَادَةِ زَوْجِهَا وَآخَرَ أَجْنَبِيٍّ، فَرُفِعَ لِمَنْ لاَ يُجِيزُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ أَمْضَاهُ، لأَِنَّ الأَْوَّلَ قَضَى بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، لأَِنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ، وَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلاَءِ هَلْ تَصِيرُ حُجَّةً لِلْحُكْمِ أَوْ لاَ؟
فَالْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ لاَ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ.
وَفَصَّلُوا مَسْأَلَةَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، فَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يَنْقُضْهُ الثَّانِي بَلْ يُنْفِذُهُ لِكَوْنِهِ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، لِمَا عُلِمَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِأَيِّ الأَْقْوَالِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَوْ نَقَضَهُ إِنَّمَا يَنْقُضُهُ بِقَوْلِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا صَحَّ بِالاِتِّفَاقِ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مَعَ الثَّانِي دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ بَلِ اجْتِهَادِيٌّ، وَصِحَّةُ قَضَاءِ الْقَاضِي الأَْوَّلِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَهُوَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِأَيِّ وَجْهٍ اتَّضَحَ لَهُ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا مَضَى بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُوجِبُ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْقَضَاءِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الاِجْتِهَادِ وَأَنْ لاَ يَجُوزَ نَقْضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ بِرَفْعِهِ إِلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الأَْوَّلِ فَيَنْقُضُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ الْمُدَّعِي إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَنْقُضُ نَقْضَهُ، وَيَقْضِي كَمَا قَضَى الأَْوَّلُ، فَيُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ تَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ وَالْمُنَازَعَةُ أَبَدًا، وَالْمُنَازَعَةُ فَسَادٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْفَسَادِ فَسَادٌ.
فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي رَدَّ الْحُكْمَ، فَرَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ - نُفِّذَ قَضَاءُ الأَْوَّلِ وَأُبْطِلَ قَضَاءُ الْقَاضِي الثَّانِي، لأَِنَّهُ لاَ مَزِيَّةَ لأَِحَدِ الاِجْتِهَادَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَْوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلاَ يُنْتَقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ كَانَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ بِالإِْجْمَاعِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ مِنَ
الثَّانِي مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ، فَيَكُونُ بَاطِلاً، وَلأَِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الاِجْتِهَادُ بِالاِجْتِهَادِ، وَالدَّعْوَى مَتَى فَصَلَتْ مَرَّةً بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لاَ تُنْتَقَضُ وَلاَ تُعَادُ، فَيَكُونُ قَضَاءُ الأَْوَّلِ صَحِيحًا، وَقَضَاءُ الثَّانِيَ بِالرَّدِّ بَاطِلاًوَشَرْطُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَدَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَإِنْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ كَانَ فَتْوَى لاَ حُكْمًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ نَفْسُهُ مُجْتَهَدًا فِيهِ، أَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّازِلَةِ مَوْضُوعِ الدَّعْوَى يَرْفَعُ الْخِلاَفَ، فَلاَ يَجُوزُ لِمُخَالِفٍ فِيهَا نَقْضُهَا، فَإِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ صِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ يَرَى ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لِقَاضٍ غَيْرِهِ وَلاَ لَهُ نَقْضُهُ، وَهَذَا فِي الْخِلاَفِ الْمُعْتَبَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ فَلاَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ، بَلْ يُمْضِيهِ وَيَحْكُمُ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي نَقْضِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ :
الأَْحْكَامُ الَّتِي يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بَيْنَ الْقَوْلِ بِنَقْضِهَا وَالْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهَا، وَأَهَمُّهَا:
أ- الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ: هُوَ مَا يَقَعُ الْخِلاَفُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الْحُكْمِ، فَقِيلَ: يَنْفُذُ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ عَلَى إِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَفَيَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَ الأَْوَّلِ إِذَا مَالَ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلاَفِ اجْتِهَادِ الأَْوَّلِ، لأَِنَّ قَضَاءَهُ لَمْ يُجَزْ بِقَوْلِ الْكُلِّ، بَلْ بِقَوْلِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَلَمْ يَكُنْ جَوَازُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَكَانَ مُحْتَمِلاً لِلنَّقْضِ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي بَطَلَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ كَمَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ لاِمْرَأَتِهِ، لأََنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا أَمْضَاهُ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ نَقْضُهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي مَحَلٍّ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ؛ لأَِنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَنْفُذُ لِوُقُوعِ الاِتِّفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَخَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ لاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - أَمَّا مُحَمَّدٌ فَيَرَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ، فَكَانَ هَذَا الْفَصْلُ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلاَ يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الاِجْتِهَادِ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لاَ يَنْفُذُ، بَلْ يَنْقُضُهُ لأَِنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلاً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ - فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ - فَحَكَمَ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ أَنَّ الصَّوَابَ خِلاَفُهُ فَلاَ يَنْقُضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ نَقْضُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلاَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلاَ يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالُوا: يُفْسَخُ الْحُكْمُ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاضِي حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَوَافَقَ قَوْلاً شَاذًّا نَقَضَ حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاذًّا لَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ لاَ يَرَى الْبَتَّةَ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً، فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَسْتُ أَرَاهُ، لاَ يَرْجِعُ الْقَاضِي عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ وَلاَ إِلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الأَْوْلَى خَطَأً بَيِّنًا صُرَاحًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْمُسْتَنِدِ إِلَى اجْتِهَادِهِ الْمُخَالِفِ خَبَرَ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي لاَ يَحْتَمِلُ إِلاَّ تَأْوِيلاً بَعِيدًا يَنْبُو الْفَهْمُ عَنْ قَبُولِهِ - يُنْقَضُ، وَقِيلَ: لاَ يُنْقَضُ، مِثَالُهُ الْقَضَاءُ بِنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ - عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ - وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِلاَ وَلِيٍّ. وَقِيلَ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِوَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، ثُمَّ بَانَ لَهُ فَسَادُ اجْتِهَادِهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلاَّ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ دُونَ الأَْوَّلِ، وَلَوْ بَانَ لَهُ فَسَادُ الاِجْتِهَادِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِهِ حَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ إِنْ بَانَ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ خَطَأُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اجْتِهَادِهِ قَبْلَ صَلاَتِهِ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، وَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَصَلَّى، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلاَةَ الثَّانِيَةَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا رَفَعَ إِلَى قَاضٍ حَكَمَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لاَ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنَفِّذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ فِي الأَْصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ صَحِيحًا، لأَِنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلاَفُ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِوَقِيلَ: يَحْرُمُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي لاَ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ قَبْلَهُ.
ب- عَدَمُ عِلْمِ الْقَاضِي بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ :
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ، أَيْ: أُلْزِمَ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، لَوْ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَالِمًا بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ، وَلاَ يُمْضِيهِ الثَّانِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ فِي الْخُلاَصَةِ: وَيُفْتَى بِخِلاَفِهِ - وَكَأَنَّهُ - تَيْسِيرًا.
وَأَضَافَ ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا قَضَى الْمُجْتَهِدُ فِي حَادِثَةٍ، لَهُ فِيهَا رَأْيٌ مُقَرَّرٌ قَبْلَ قَضَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ قَضَاءَهُ هَذَا عَلَى خِلاَفِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَحِينَئِذٍ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ رَأْيَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ قَضَائِهِ أَنَّ فِيهَا خِلاَفًا، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ بِأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي بِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلاَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ، لأَِنَّ
عِلْمَهُ بِالْخِلاَفِ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلاَ بُطْلاَنِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ.
ج- الْخَطَأُ فِي الْحُكْمِ :
يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَصَدَ الْحُكْمَ بِشَيْءٍ فَأَخْطَأَ عَمَّا قَصَدَهُ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوِ اشْتِغَالِ بَالٍ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَيَنْقُضُهُ الَّذِي أَصْدَرَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلاَ اجْتِهَادٍ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ، وَوَجْهُ النَّفَاذِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِيَقِينٍ لأَِنَّ رَأْيَهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ الصَّوَابَ، وَرَأْيُ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ خَطَأً، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَطَأً بِيَقِينٍ، فَكَانَ حَاصِلُهُ قَضَاءً فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، وَوَجْهُ عَدَمِ النَّفَاذِ أَنَّ قَضَاءَهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ عَبَثٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ. وَبِهَذَا أَخَذَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الأَْوْزَجَنْدِيُّ، وَبِالأَْوَّلِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ لأَِنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ.
د- إِذَا خَالَفَ مَا يَعْتَقِدُهُ أَوْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ :
إِذَا خَالَفَ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ مَذْهَبَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ، وَبِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُقَلِّدًا وَقَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ هُوَ حُكْمَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ، وَأَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْقَاضِي مُتَّبِعًا لإِِمَامٍ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ أَوْ قَلَّدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أَوْ أَتْقَى مِنْهُ فَحَسَنٌ، وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ خِلاَفَ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي أُمِرَ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، فَإِنْ عَمِلَ وَحَكَمَ لاَ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ الرَّأْيَ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي قَاضِيًا لِلْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْمَذْكُورِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُقَلِّدَ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ جَدَّتْ أُخْرَى مُمَاثِلَةً فَإِنَّ حُكْمَهُ لاَ يَتَعَدَّى لِلدَّعْوَى الأُْخْرَى، فَالْمُجْتَهِدُ يَجْتَهِدُ فِي النَّازِلَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالْمُقَلِّدُ يَحْكُمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً مِنْ رَاجِحِ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِضِدِّهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِفَسْخِ نِكَاحِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلاَ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَجَدَّدَ مِثْلُهَا، فَنَظَرَهَا قَاضٍ يَرَى صِحَّةَ الزَّوَاجِ بِدُونِ وَلِيٍّ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ارْتَفَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ نَقْضُهُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْقَضِيَّةِ الأُْولَى هِيَ ذَاتَ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِذَا خَالَفَ الْقَاضِي مَا يَعْتَقِدُهُ: بِأَنْ حَكَمَ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لاِعْتِقَادِهِ بُطْلاَنَهُ، فَإِنِ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَقْتَ الْحُكْمِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلاَ نَصَّ وَلاَ إِجْمَاعَ لَمْ يَنْقُضْهُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ.
هـ - صُدُورُ الْحُكْمِ مِنْ قَاضٍ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ:
إِذَا وَلِيَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لِجَهْلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، مَا أَصَابَ فِيهَا وَمَا أَخْطَأَ، أَمْ يَقْتَصِرُ النَّقْضُ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي يَشُوبُهَا الْخَطَأُ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا تُنْقَضُ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا، لأَِنَّهَا صَدَرَتْ مِمَّنْ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، لَكِنَّ صَاحِبَ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَلاَّهُ ذُو شَوْكَةٍ بِحَيْثُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ مَعَ الْجَهْلِ، أَوْ نَحْوِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مَا أَصَابَ فِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ أَمْ لاَ يَسُوغُ، لأَِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ كَعَدَمِهِ، لأَِنَّ شَرْطَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّ الأَْوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ. وَلاَ يُنْقَضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالْحَقُّ إِذَا وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَمْ يُغَيَّرْ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ مَضَى قَطْعًا وَلَمْ يُتَعَقَّبْ حُكْمُهُ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلاَّ مَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ هَذَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ زَمَنٍ وَلاَ يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِخِلاَفِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَأَعْطَى بِذَلِكَ حُجَّةً لاَ يُنَفَّذُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَلاَ يُعْمَلُ بِالْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ»أَيْ قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِخِلاَفِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَكَذَا قَاضٍ قَضَى عَلَى جَهْلٍ.
و- صُدُورُ حُكْمٍ مِنْ قَاضٍ جَائِرٍ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا الْقَاضِي إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجَوْرِ وَكَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ وَسِيرَتِهِ - عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلاً، ظَهَرَ جَوْرُهُ أَوْ خَفِيَ - هَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا جَانَبَ الصَّوَابَ وَمَا وَافَقَهُ، أَمْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْخَاطِئَةُ دُونَ غَيْرِهَا؟
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمَا - إِلَى وُجُوبِ نَقْضِ أَحْكَامِهِ كُلِّهَا، صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ حَيْفُهُ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا ظَهَرَ الصَّوَابُ وَالْعَدْلُ فِي قَضَائِهِ، وَكَانَ بَاطِنُ أَمْرِهِ فِيهِ جَوْرٌ، وَلَكِنْ عُرِفَ مِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّ حُكْمَهُ فِيهَا صَوَابٌ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ عَرَفَ الْقَضَايَا،فَإِنَّ أَحْكَامَهُ تَمْضِي وَلاَ تُنْقَضُ، لأَِنَّهَا إِذَا نُقِضَتْ وَقَدْ مَاتَتِ الْبَيِّنَةُ وَانْقَطَعَتِ الْحُجَّةُ كَانَ ذَلِكَ إِبْطَالاً لِلْحَقِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنَّ أَقْضِيَةَ الْخُلَفَاءِ وَالأُْمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ جَائِزَةٌ مَا عُدِلَ فِيهِ مِنْهَا، وَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ جَوْرٌ أَوِ اسْتُرِيبَ، مَا لَمْ يُعْرَفِ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَاضِي غَيْرِ الْعَدْلِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّلُ : تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي : عَدَمُ نَقْضِهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، مَا لَمْ يَثْبُتِ الْجَوْرُ، وَفِي التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ ضَرَرٌ لِلنَّاسِ وَوَهَنٌ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَعْدَاءٍ يَرْمُونَهُ بِالْجَوْرِ يُرِيدُونَ الاِنْتِقَامَ مِنْهُ بِنَقْضِ أَحْكَامِهِ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ تَمْكِينِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ : رَأْيُ أَصْبَغَ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عَدَلَ فِيهِ وَلَمْ يُسْتَرَبْ فِيهِ، وَيُنْقَضْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْجَوْرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُ مَنْ شَاعَ
جَوْرُهُ إِذَا أَثْبَتَ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاضِي تَعَمَّدَ الْجَوْرَ فِيمَا قَضَى وَأَقَرَّ بِهِ فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَيُعَزَّرُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ لاِرْتِكَابِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَيُعْزَلُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ جَوْرُهُ وَرِشْوَتُهُ رُدَّتْ قَضَايَاهُ وَشَهَادَتُهُ.
ز- الْحُكْمُ الْمَشُوبُ بِالْبُطْلاَنِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ أَوْ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ مَنْ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ : يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ - نَقْضَ الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ بَاطِلاً لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ، فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ شَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي : يَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ لَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَسِيرُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ تَظْهَرُ مِنْهُ تُهْمَةٌ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ هُوَ اعْتِرَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لاِبْنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهَا.
وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ إِذَا أَثْبَتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ عَدَاوَةٍ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الْقَاضِي، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ أَحَدِ وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ بِخِلاَفِ شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ.
ح- الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ فِيهَا خَلَلٌ :
إِذَا كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ بَيِّنَةً لاَ شِيَةَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ، وَإِنِ اعْتَوَرَ الْبَيِّنَةَ مَا يَعِيبُهَا، نُظِرَ: هَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ أَمْ لاَ؟ وَقَدْ فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ أَوْ صَغِيرَيْنِ :
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ إِذَا بُنِيَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَهَرَ كَوْنُهُمَا كَافِرَيْنِ، أَوْ صَغِيرَيْنِ فِيمَا عَدَا الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بَيْنَ الصِّغَارِ بِشُرُوطِهَا - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا .
فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا قَبْلَ الْحُكْمِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ لِفِسْقِهِمَا.
وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ لَكِنَّهُ إِذَا قَضَى بِمُوجِبِهِمَا لاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِلاَّ فِيمَا ذُكِرَ.
وَيَرَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ الْحُكْمِ بِفِسْقِ الشُّهُودِ إِلاَّ بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمَا، أَوْ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِوَيَرَى ابْنُ قُدَامَةَ وَأَبُو الْوَفَاءِ أَنَّهُ إِذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْقُضْهُ.
تَقْصِيرُ الْقَاضِي فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ :
إِذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَصَّرَ فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ وَأَتَى بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ بِمَا يَجْرَحُهُمْ كَالْفِسْقِ، فَفِي نَقْضِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ، وَبِالنَّقْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِعَدَمِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ.
الْجِهَةُ الَّتِي تَنْقُضُ الْحُكْمَ :
فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا نَقْضُ الْحُكْمِ: إِمَّا أَنْ يَنْقُضَهُ الْقَاضِي الَّذِي أَصْدَرَهُ أَوْ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُوَلَّى الْقَضَاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ سَلَفِهِ، أَوْ كَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَدَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ، أَصْدَرَهُ مَنْ تَلْحَقُهُ الشُّبْهَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ :
الأَْصْلُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ فَلَيْسَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نَقْضُ حُكْمِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ نَصُّوا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَهِمَ فِي قَضَائِهِ أَوْ نَسِيَ أَوْ قَضَى بِخِلاَفِ رَأْيِهِ - وَهُوَ لاَ يَذْكُرُ - وَلَكِنْ عَلَى مَا قَضَى بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً، فَيَنْقُضُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَقُولُ بِمُضِيِّ هَذَا الْفَصْلِ وَلاَ يُرْجَعُ فِيهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ لاَ يُعْرَفُ خَطَؤُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ كَمُخَالَفَتِهِ لِرَأْيِهِ السَّابِقِ فَلاَ يَنْقُضُهُ سِوَاهُ، مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، فَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
ب- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ :
لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَتَبُّعُ قَضَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ لأَِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا، لَكِنْ إِنْ وَجَدَ فِيهَا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً نَقَضَهَا، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ أَوْ يَنْقُضُ الْحُكْمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ج- نَقْضُ الأَْمِيرِ وَالْفُقَهَاءِ حُكْمَ الْقَاضِي :
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ جَمْعُ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، فَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِذَا اشْتُكِيَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الأَْمِيرِ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلاً فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ فَأَرَى أَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ الأَْمِيرُ فِي ذَلِكَ وَلاَ يَقْبَلَ شَكْوَى مَنْ شَكَاهُ وَلاَ يُجْلِسَ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ إِنْ فَعَلَهُ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ إِنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلاً بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَلِّ غَيْرَهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوا هُمْ أَيْضًا، أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَفَسَخَهُ الأَْمِيرُ أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إِلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ، فَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الأَْوَّلِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الأَْئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْقَاضِي بَعْضَ مَا لاَ يَنْبَغِي مِنَ الْقُضَاةِ وَلَكِنَّ الأَْمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَى الأَْمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِلْ مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشِيرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَلَ بَعْدُ فِي الْخُصُومَةِ فَصْلاً، فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا قَالَ: قَدْ حَكَمْتُ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ عَنِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا فَتَلْزَمُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَزَلَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الأَْمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَحَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْجَمَاعَةِ فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلاَحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْ عَلَيْهِ شَكْوَى وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلاَ يَفْعَلُ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ إِلاَّ أَنْ يُشْتَكَى مِنْهُ اسْتِبْدَادٌ بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكُ رَأْيِ مَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتِ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقْدَمَهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَزَلَهُ.
قَالَ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ وَكَتَبَ إِلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ كَتَبَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالأُْمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمُ بِأَفْضَلِ مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالَّذِي يَرَاهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لاَزِمًا لِمَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلاَفِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ الآْنَ عَلَى مِثْلِ مَا اشْتُكِيَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إِلَى الأَْمِيرِ فَيَكُونُ هُوَ الآْمِرَ بِالَّذِي يَرَاهُ وَالْحَاكِمَ فِيهِ دُونَهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالَ فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ وَرَدَ بِنَصِّهِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ.
طَلَبُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ نَقْضَ الْحُكْمِ :
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ النَّقْضَ إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - كَالطَّلاَقِ- نَقَضَهُ الْقَاضِي بِدُونِ طَلَبٍ، هَذَا فِيمَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَمَا لاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ الضَّمَانُ.
وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُهُ إِلاَّ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ حَتَّى وَإِنْ عَلِمَا بِذَلِكَ، لأَِنَّهُمَا قَدْ يَتَوَهَّمَانِ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَْصْحَابِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلاَفًا لاِبْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي قَالَ: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْهِ نَقَضَ الْحُكْمَ.
صِيغَةُ النَّقْضِ :
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ صِيغَةَ النَّقْضِ هِيَ: نَقَضْتُهُ، أَوْ فَسَخْتُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهُ، وَلَوْ قَالَ: بَاطِلٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَقْضًا؛ إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ.
تَسْبِيبُ حُكْمِ النَّقْضِ :
إِذَا نَقَضَ الْقَاضِي الْحُكْمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي نَقَضَ الْحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُنْسَبَ لِلْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالنَّقْضِ الْجَوْرُ وَالْهَوَى بِنَقْضِهِ الأَْحْكَامَ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الْقُضَاةُ.
تَسْجِيلُ حُكْمِ النَّقْضِ :
يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَجِّلَ النَّقْضَ كَمَا يُسَجِّلُ الْحُكْمَ؛ لِيَكُونَ تَسْجِيلُ الثَّانِي مُبْطِلاً لِلأَْوَّلِ كَمَا صَارَ الثَّانِي نَاقِضًا لِلْحُكْمِ الأَْوَّلِ .