يبدأ التحقيق في الجلسة بالمناداة على الخصوم والشهود ، ويُسأل المتهم عن إسمه ولقبه وسنه وصناعته ومحل إقامته ومولده ، وتتلى التهمة الموجهة إليه بأمر الإحالة أو بورقة التكليف بالحضور على حسب الأحوال ، ثم تقدم النيابة العامة والمدعى بالحقوق المدنية إن وجد طلباتهما .
موسوعة قانون الإجراءات الجنائية
وبعد ذلك يسأل المتهم عما إذا كان معترفاً بارتكاب الفعل المسند إليه ، فإن إعترف جاز للمحكمة الإكتفاء بإعترافه والحكم عليه بغير سماع الشهود ، وإلا فتسمع شهادة شهود الإثبات ، ويكون توجيه الأسئله للشهود من النيابة العامة أولاً ، ثم من المجني عليه ، ثم من المدعى بالحقوق المدنية ، ثم من المتهم ، ثم من المسئول عن الحقوق المدنية .
وللنيابة العامة وللمجني عليه وللمدعي بالحقوق المدنية أن يستجوبوا الشهود المذكورين مرة ثانية لإيضاح الوقائع التي أدوا الشهادة عنها في أجوبتهم .
أما باقي الإجراءات الإحالة إلى المحكمة المختصة وطريقة الإعلان والتكليف بالحضور والاستجواب وشهادة الشهود والأدلة الأخرى والحكم فقد أخذ فيها بصفة عامة بالنظام الحالي إلا أنه روعي إدخال تعديل فيما يتبع عند اعتراف المتهم في الجلسة فنص على أن الاعتراف إذا كان منصباً على كل الفعل المكون للجريمة جاز الحكم في الدعوى بدون سماع شهود على أن ذلك لا يصح أن يكون سبباً للحكم في الدعوى بدون مرافعة ولا مناقشة كما هي الحال في قانون تحقيق الجنايات الحالي.
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث،
من المذكرة الإيضاحية تعليقاً على المادة (271) إجراءات :
روعي إدخال تعديل فيما يتبع عند اعتراف المتهم في الجلسة فنص على أن الإعتراف إذا كان منصباً على كل الفعل المكون للجريمة جاز الحكم في الدعوى بدون سماع شهود على أن ذلك لا يصح في قانون تحقيق الجنايات الحالي.
من تقرير لجنة التنسيق المقصود هنا بالاعتراف تسليم المتهم بالتهمة تسليماً غير مقيد إذا لم يعترض عليه محاميه فإذا كان الإعتراف جزئياً أو قيده المتهم بتحفظات أو اعترض محاميه على صحة اعترافه وجب على المحكمة المضي في تحقيق الدعوى وسماع شهودها.
1- لما كان الطاعن الثاني لم يكشف بأسباب طعنه أوجه مخالفة المحكمة للمواد من 271 - 276 من قانون الإجراءات الجنائية ، حتى يتضح مدى تأثير ذلك على صحة الحكم المطعون فيه ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يكون مقبولاً .
( الطعن رقم 5216 لسنة 85 ق - جلسة 12 / 10 / 2015 )
2- يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً ، وكان الطاعنين لم يفصحا عن ماهية مخالفة الحكم لنصوص المواد 271 ، 276 ، 411 من قانون الإجراءات الجنائية حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة، فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون في غير محله .
( الطعن رقم 48513 لسنة 59 ق - جلسة 21 / 4 / 2002 )
3- ما نصت عليه المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية هو من قبيل تنظيم الإجراءات فى جلسة المحاكمة وأن مخالفتها لا يترتب عليها البطلان، ومن ثم فإن تلاوة أمر الإحالة فى جلسة وسؤال المتهم عن التهمة المسندة إليه فى جلسة تالية لا ينشأ عنه بطلان ويكون منعى الطاعن فى هذا الشأن غير سديد .
( الطعن رقم 17411 لسنة 69 ق - جلسة 3 / 4 / 2000 )
4- لما كان الحكم قد عرض للدفع ببطلان الإعتراف ورده بقوله"ومن حيث إنه بالنسبة لما دفع به محامى المتهم من أن إعترافه بالتحقيقات كان وليد إكراه وتعذيب فإن الأوراق خالية من أى دليل أو قرينة على تعرض المتهم لتعذيب أو تهديد أو أن إعترافه صدر نتيجة إكراه وقع عليه فلم تنطو الأوراق على إصابته بأية إصابات يحدثها تعذيب أو إعتداء بالضرب وكان إعترافه بالجرائم المنسوبة إليه فى التحقيقات سليما صادرا عن إرادة حرة كاملة غير منقوصة لم يعتورها إكراه مادى أو معنوى أو ضغط بأية صورة من الصور"لما كان ذلك وكان البين من الإطلاع على التقرير الطبى الشرعى الخاص بالمحكوم عليه خلوه من أية آثار إصابية، وكان الحكم قد خلص فى منطق سائغ وتدليل مقبول إلى إطراح الدفع ببطلان إعتراف المحكوم عليه لصدوره تحت تأثير الإكراه وأوضح إطمئنانه إلى صحة ذلك الإعتراف وخلوه من أية شائبة ومطابقته للحقيقة والواقع لما كان ذلك وكان من المقرر أن الإعتراف فى المسائل الجنائية من عناصر الإستدلال التى تملك محكمة الموضوع كامل الحرية فى تقدير صحتها وقيمتها فى الإثبات بغير معقب عليها ما دامت تقيمه على أسباب سائغة كما هو الحال فى الدعوى المطروحة ولها سلطة مطلقة فى الأخذ بإعتراف المتهم فى أى دور من أدوار التحقيق وإن عدل عنه بعد ذلك متى إطمأنت إلى سلامة الدليل المستمد من هذا الإعتراف ومن ثم يكون النعى على إعتراف الطاعن على غير أساس .
( الطعن رقم 6430 لسنة 62 ق - جلسة 1993/11/08 - س 44 ع 1 ص 949 ق 148 )
5- لما كان يشترط فى الاعتراف الذى يؤدى إلى إعفاء المستأجر الذى يتقاضى مبالغ كخلوا الرجل والوسيط فى هذه الجريمة وفقاً لنص المادة 77 من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر أن يكون صادقاً كاملاً يغطى جميع وقائع الجريمة التى ارتكبها المستأجر أو الوسيط دون نقص أو تحذيف وأن يكون حاصلاً لدى جهة الحكم حتى تتحقق فائدته فإذا حصل الاعتراف لدى جهة التحقيق ثم عول عنه لدى المحكمة فلا يمكن أن ينتج الإعفاء .
( الطعن رقم 564 لسنة 53 ق - جلسة 1983/06/13 - س 34 ص 759 ق 151 )
6- الأصل أن الإجراءات قد روعيت، كما أن الأصل أن تجرى المحاكمات باللغة الرسمية للدولة وهي اللغة العربية ما لم يتعذر على المحكمة مباشرة الإجراءات دون الاستعانة بوسيط يقوم بالترجمة أو يطلب منها المتهم ذلك ويكون طلبه خاضعا لتقديرها وإذ خلا محضر الجلسة مما ينبئ عن حاجة المحكمة أو الطاعن الذي وجه ألفاظ الإهانة باللغة العربية إلى ذلك، فإن هذا النعي يكون غير سديد .
( الطعن رقم 698 لسنة 49 ق - جلسة 1979/10/17 - س 30 ع 1 ص 762 ق 160 )
7- غرفة الإتهام ، بإعتبارها هيئة تحقيق ، لا تسرى عليها أحكام المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية الخاصة بإجراءات التحقيق بجلسة المحاكمة . وقد نظمت المادة 173 من القانون إجراءات نظر الدعوى أمام غرفة الإتهام فنصت على أن تعقد جلستها فى غير علانية وتصدر أوامرها بعد سماع تقرير من أحد أعضائها والإطلاع على الأوراق ومذكرات الخصوم وسماع الإيضاحات التى ترى لزوم طلباً منهم . لما كان ذلك ، فإن النعى على القرار المطعون فيه بمخالفة القانون إذ تستجوب غرفة الإتهام المتهمين ولم تسمع طلبات النيابة ودفاع المدعى بالحق المدنى - على فرض صحته - لا يعتبر الخطأ فى تطبيق القانون أو فى تأويله وبالتالى لا يكون هذا النعى مقبولاً عملاً بالمادة 195 إجراءات .
( الطعن رقم 305 لسنة 32 ق - جلسة 8 / 10 / 1962 )
8- إن المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية قد رتبت البطلان على عدم مراعاة الأحكام المتعلقة بأي إجراء جوهري، والإجراء يعتبر جوهرياً إذا كان الغرض منه المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة المتهم أو أحد الخصوم، أما إذا كان الغرض منه ليس إلا الإرشاد والتوجيه فلا يكون جوهرياً ولا يترتب على عدم مراعاته البطلان. وما نصت عليه المادتان 271 و 272 من بيان ترتيب الإجراءات فى الجلسة وإن كان فى ذاته مفيداً فى تنظيم سير الدعوى وتسهيل نظرها إلا أنه لم يرد على سبيل الوجوب ولم يقصد به إلى حماية مصلحة جوهرية للخصوم، فإذا كان الإخلال المدعى بذلك الترتيب لم يحرم المتهم من إبداء دفاعه وطلباته ومن الرد على دفاع خصمه ولم يمس ما له من حق مقرر فى أن يكون آخر من يتكلم فإنه لا يترتب عليه البطلان .
( الطعن رقم 332 لسنة 22 ق - جلسة 1952/06/14 - س 3 ع 3 ص 1103 ق 413 )
الإجراءات أمام المحكمة الجزئية :
تتعقد المحكمة الجزئية للنظر في مواد المخالفات والجنح، وتبدأ الإجراءات أمامها في إثبات حضور الخصوم وسماع الشهود وذلك بأن ينادي على الخصوم والشهود لتبين المحكمة الحاضر منهم والغائب. والمقصود بالخصوم هنا المتهم والمدعى بالحقوق المدنية والمسئول عن هذه الحقوق إن وجد الأخيران، لأن النيابة العامة مفترض حضورها إذ بغير تمثيلها يكون تشكيل المحكمة باطلاً. ويثبت حضور الخصوم والشهود أو غيابهم بمحضر الجلسة حيث أن تدوين التحقيق النهائي هو من القواعد الأساسية للمحاكمة. فإذا كان المتهم حاضراً فإنه يسأل عن اسمه ولقبه وسنه وصناعته ومحل إقامته ومولده وهو أمر لا يحصل عملاً اكتفاء بما هو ثابت في هذا الصدد بأوراق الدعوى، وبأنه هو الذي يتقدم بنفسه عند نداء الاسم في بدء نظر الدعوى. وقد تطلب المشرع في المادة محل التعليق أن تتلى التهمة الموجهة إلى المتهم بأمر الإحالة أو بورقة التكليف بالحضور على حسب الأحوال، وذلك حتى يتبين في بدء المحاكمة ما يسند إليه، على أن عدم التلاوة لا يسفر عن بطلان في الإجراءات، لأن التهمة الموجهة إلى المتهم قد أعلنت إليه في ورقة التكليف بالحضور أو أمر الإحالة، فضلاً عن حقه في الإطلاع على أوراق الدعوى وطلب التأجيل لإعداد دفاعه إن لم يكن قد مكن من ذلك الإطلاع. ولما كانت النيابة العامة هي التي تمثل الاتهام أمام المحاكم الجنائية فهي التي تقدم بطلباتها إلى المحكمة أولاً، وإن كان هناك مدع بحقوق مدنية تقدم بطلباته من بعدها، وعلى أساس هذه الطلبات جميعاً يقيم المتهم دفاعه فيما يسند إليه وليس هناك وقت محدد لتقديم الطلبات والعبرة في إثبات طلبات الخصوم هي بحقيقة الواقع لا بما يثبته سهواً كاتب الجلسة (الفقرة الأولى من المادة محل التعليق).
وقد نصت الفقرة الثانية من المادة محل التعليق في صدرها على أن: يسأل المتهم عما إذا كان معترفاً بارتكاب الفعل المسند إليه، فإن اعترف جاز للمحكمة الاكتفاء باعترافه والحكم عليه بغير سماع شهود ". وسؤال المتهم يقتصر على مجرد معرفة قوله مجملاً في التهمة المسندة إليه إن كان قد قارف الجريمة من عدمه، فلا تصح مناقشته تفصيلاً في الأدلة الموجودة في ثنايا أوراق الدعوى، لأن هذا يعد استجواباً محرماً على المحكمة إلا بقيود معينة. وسؤال المتهم لا يعتبر من النظام العام ولا يتعلق بمصلحة جوهرية للخصوم وإنما هو إجراء تنظيمي ولا يترتب البطلان على إغفاله، إذ في مقدوره أن يتكلم عندما يكون هذا في صالحه. وفي حالة عدم اعتراف المتهم تقوم المحكمة بسماع شهادة شهود الإثبات، و يكون توجيه الأسئلة للشهود من النيابة العامة أولاً، ثم من المجني عليه ثم من المدعي بالحقوق المدنية، ثم من المتهم، ثم من المسئول عن الحقوق المدنية.
ولما كانت مناقشة الخصوم للشهود في الدعوى قد تكشف عن معلومات جديدة لم تكن محلاً لمناقشة سابقة اقتضى هذا أن يمنح الخصوم حق مناقشة أولئك الشهود مرة ثانية إيضاحاً للوقائع التي أدوا الشهادة عنها في أجوبتهم على الأسئلة التي وجهت إليهم. (الفقرة الثالثة من المادة محل التعليق). (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة:29)
الإعتراف هو إقرار المتهم على نفسه بصحة ارتكابه للتهمة المسندة إليه وهو سيد الأدلة وأقواها تأثيراً في نفس القاضي وادعاها إلى اتجاهه نحو لإدانته.
الدكتور رؤوف عبيد في مبادئ الإجراءات الجنائية الطبعة الخامسة عشر لعام 1983 ص 696 .
ويتضح من ذلك أن الاعتراف في جوهرة تقرير أو إعلان وأن يكون من صدر الإقرار عنه هو نفسه من تنسب إليه الواقعة بما يترتب عليه من قيام مسئوليته الجنائية عنها ويعني ذلك أن المتهم هو المقر وهو نفسه الذي تنسب إليه الواقعة موضوع الإقرار.
الدكتور محمود نجيب حسني -شرح قانون الإجراءات الجنائية- طبعة 1988 ص 461 .
ولذلك فقد نصت المادة (271) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه وبعد ذلك يسأل المتهم عما إذا كان معترفاً بارتكاب الفعل المسند إليه فإن اعترف جاز للمحكمة الاكتفاء باعترافه والحكم عليه بغير سماع الشهود وإلا فتسمع شهادة شهود الإثبات.
ويجمع الإعتراف بين كونه إجراء يباشره المتهم ودليلاً تأخذ به المحكمة فالإدلاء بالاعتراف أمام المحكمة هو إجراء من إجراءات الإثبات ومضمون الإعتراف ذاته هو الدليل الذي تعتمد عليه المحكمة وغالباً ما يكون الإعتراف ثمرة إستجواب المتهم أمام سلطة التحقيق الإبتدائي .
وخلاصة ما سبق أن الإعتراف هو إقرار المتهم على نفسه بارتكاب الوقائع المكونة للجريمة كلها أو بعضها والواضح من هذا التعريف أن الإعتراف عمل إرادي ينسب به المتهم إلى نفسه إرتكاب وقائع معينة تتكون بها الجريمة.
واعتراف المتهم أما أن يكون شفهياً أو مكتوب والإعتراف الشفهي كاف في الإثبات ويمكن أن يثبت بواسطة المحقق أو كتاب التحقيق أو كاتب الجلسة ولا يلزم أن يكون الاعتراف المثبت بمحضر التحقيق موقعاً عليها من المتهم طالما أن المحضر قد وقع عليه المحقق والكاتب.
ولكن الإعتراف الشفهي يعتبر أقل قيمة من الاعتراف المكتوب فكثير من المعترفين ينكرون اعترافاتهم الشفهية ويدعون أنهم أجبروا باستعمال العنف معهم أو التهديدات والوعود.
والاعتراف المكتوب لا يتطلب أن يكون له شكل معين فقد يكون مكتوباً على الآلة الكاتبة أو باليد أو في صورة حديث مسترسل أو في شكل أسئلة وأجوبة.
أركان الاعتراف:
ينبغي التفرقة بين أركان الاعتراف وشروط صحته فالأركان هي العناصر اللازمة لوجوده أما شروط صحته فهي لازمة لتقدير المحكمة لقيمته وللاعتراف أربعة أركان هي:
1) أن يصدر من المتهم نفسه.
2) أن يكون موضوع الإعتراف واقعة.
3) أن تكون الواقعة موضوع الإعتراف ذات أهمية في الدعوى.
4) أن يكون من شأن هذه الواقعة تقرير مسئولية المتهم أو تشديدها.
شروط صحة الاعتراف:
يشترط لصحة اعتراف المتهم أن تتوافر فيه الشروط الآتية:
1) الأهلية الإجرائية: وتتوافر إذا كان المعترف متهما سواء باتخاذ أحد إجراءات التحقيق الإبتدائي قبله أو بتكليفه بالحضور أمام المحكمة فما يصدر من إقرار قبل ذلك لا يعتبر اعترافاً بالمعنى الدقيق مثال ذلك إعتراف المتهم أثناء سؤاله كشاهد في الدعوى هذا الإعتراف لا يؤخذ به ضد المتهم إلا بعد توجيه الاتهام إليه هذا كما أن الإعتراف الصادر من المشتبه فيه في مرحلة الاستدلالات لا يعتبر اعترافاً بالمعنى الدقيق باعتبار أنه قد صدر من شخص لم يوجه إليه الإتهام قانوناً بعد هذا دون إخلال بسلطة المحكمة في الاعتماد على هذا الإعتراف إذا تأيد بأدلة أخرى في الدعوى وجاء مطابقاً للواقع .
2) يجب أن يكون المتهم قد أدلى به وهو في كامل إرادته ووعيه فلا يجوز الاستناد إلى الاعتراف الذي يصدر من المتهم في حالة فقدان الإرادة كما لو كان تحت تأثير التنويم المغناطيسي أو تحت تأثير مخدر أو عقار يسلبه إرادته كما هو الشأن بالنسبة لما يسمى بعقار الحقيقة ذلك أن الإعتراف هو سلوك إنساني والقاعدة أنه لا يعتبر سلوكاً إلا ما كان يجد مصدراً في الإرادة.
3) لا عبرة بالاعتراف ولو كان صادقاً إذا كان نتيجة إكراه مادي أو معنوي مهما كان قدره أو كان نتيجة وعد أو إغراء لأنه يعد قرين الإكراه والتهديد وله تأثيره على حرية المتهم في الاختيار بين الإنكار والاعتراف ويؤدي إلى حمله على الاعتماد بأنه قد يجني من وراء الإعتراف فائدة أو يتجنب ضرراً.
ويلاحظ أنه يشترط لاستبعاد الإعتراف الناتج عن إكراه أو إغراء أن تكون هناك رابطة سببية بين الإكراه أو الإغراء وبين الإعتراف أو إذا تبين القاضي عدم وجود تلك الرابطة فلا تثريب عليه إذ هو استند في حكمه إلى الإعتراف بشرط أن يوضح انقطاع السببية وإلا كان حكمه ناقص البيان. وإذا كان المتهم لم يثر أم محكمة الموضوع أن الإعتراف المنسوب إليه صدر عن إكراه فلا يقبل منه أن يثير ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض ذلك أن الفصل في هذه المسألة يقتضي تحقيق موضوعية لا شأن لمحكمة النقض به.
4) يلزم أن يكون الإعتراف صريحاً لا لبس فيه فلا يعد اعترافاً إقرار المتهم بواقعة أو أكثر لها تعلقها بالدعوى كإقرار بالضغينة بينه وبين المجني عليه أو بوجوده في محل الحادث قبيل وقوعه أو بعده.
كذلك لا يجوز أن يستنتج الإعتراف من بعض تصرفات المتهم مثل هربه أو تصالحه مع المجني عليه ومن إقرار المتهم بالقيام بواقعة معينة غير الجريمة أياً كان تعلقها بالدعوى كقول المتهم بأنه موجوداً في مكان الجريمة وقت ارتكابها أو بأنه سبق أن اعتدى على المجني عليه أو هدده بالقتل ولا يعني ذلك أن تلتزم المحكمة بنص الإعتراف وظاهرة إنما يكون لها أن تستنبط منه الحقيقة التي تصل إليها بطريق الاستنتاج والاستقراء وكافة الممكنات الفعلية ما دام ذلك سليماً متفقاً مع حكم العقل والمنطق.
5) لا يعتبر اعترافاً إلا الإقرارات التي تصدر من المتهمين أمام مجلس القضاء أما الإعترافات الصادرة أمام مأموري الضبط القضائي أو النيابة بمحاضر الاستدلالات والتحقيق الابتدائي فلا تعتبر إلا مجرد أقوال وليست اعترافاً بالمعنى القانوني للكلمة ومع ذلك فهذه الأقوال تخضع لتقديرها للمحكمة ويمكنها الاستناد إليها كدليل بعد تحقيقها والاطمئنان إليها كما لا يعتبر اعترافاً الإقرار بارتكاب الجريمة أم أحد الشهود طالما أن المتهم قد أنكر في التحقيقات أمام سلطة التحقيق أو أمام المحكمة وإن كان يمكن سماع شهادة الشاهد الذي أدلى أمامه بالإعتراف وذلك كدليل مستقل مستمد من الشهادة وليس من إعتراف المتهم .
6) يجب أن يستند الإعتراف إلى إجراءات صحيحة فإذا كان الإعتراف ثمرة إجراءات باطلة وقع باطلاً مثال ذلك أن يصدر ذلك الإعتراف نتيجة لاستجواب باطل بسبب تحليفه اليمين أو بسبب عدم دعوة محامي المتهم في الجناية للحضور قبل استجوابه في غير حالتي التلبس والاستعجال المادة (124) إجراءات أو أن يصدر الإعتراف أمام الخبير إذا كان إجراء الخبرة قد وقع باطلاً ويجدر التنبيه إلى أن الإعتراف الصادر بناء على قبض أو تفتيش باطل لا يقع باطلاً إلا إذا كان خاضعاً لتأثير هذا الإجراء الباطل على نحو يجرده من إرادته الحرة الواعية.
العدول عن الاعتراف :
القاعدة المقررة في القانون المدني هي عدم جواز العدول عن الاعتراف فقد نصت المادة (104) من قانون الإثبات في فقرتها الأولى على أن الإقرار حجة قاطعة على المقر ولكن هذه القاعدة التي تنبع عن دور الاعتراف في القانون المدني وكونه نزولاً والنزول كما قدمنا لا رجوع فيه هذه القاعدة لا تطبق في الإجراءات الجنائية إذ الإعتراف مجرد دلیل وتقديره يخضع لمبدأ الاقتناع القضائي وتقدير الاعتراف يشمل تقديره في ذاته وتقدير العدول عنه وتطبيقاً لذلك كان القاضي أن يرجع فيهدر الإعتراف وله كذلك الاعتداد بالعدول ويبقى على الاعتراف وهو في الحالتين لا يصدر إلا عن محض اقتناعه.
الدكتور محمود نجيب حسني – المرجع السابق ص 470
وخلاصة ذلك أنه على العكس مما هو مقرر في القانون المدني من أن الإقرار حجة قاطعة على المقر (م 104/ 1 من قانون الإثبات) فإن الإعتراف في نطاق قانون الإجراءات الجنائية يجوز الرجوع عنه في أي لحظة وحتى إقفال باب المرافعة وتجد هذه الخصيصة مبررها في كون الاعتراف كدليل جنائي يخضع لمبدأ حرية القاضي في تكوين عقيدته إذ يستطيع القاضي وفقاً لهذا المبدأ أن يقدر قيمة الإعتراف كما يقدر قيمة الرجوع فيه وفقاً لمطلق اقتناعه.
تجزئة الاعتراف:
يتفرع عن مبدأ حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته أنه يجوز له تجزئة إعتراف المتهم ولذلك لا تسري هنا قاعدة عدم تجزئة الإقرار المقرر في المادة ( 104/ 2) من قانون الإثبات والاعتراف الذي تصح تجزئته هو ما يتضمن الإقرار بإرتكاب الجريمة وينحصر إنكار المتهم في الوقائع المتصلة بظروف الجريمة أو بتقدير العقاب كما إذا إعترف المتهم بارتكاب جريمة القتل ولكنه بغير سبق إصرار أو أنه ارتكب الجريمة مع غيره أو أنه ارتكب الجريمة متجاوزاً بها حدود الدفاع الشرعي.
على أن القول بتجزئة الإقرار لا يؤخذ به على إطلاقه فتصح التجزئة إذا انصب الإقرار على الواقعة الجنائية وكان الوصف المقترن به متعلقاً بتقدير العقاب كما إذا أقر المتهم بارتكابه القتل العمد ولكن بغير سبق إصرار أو تجاوز حدود الدفاع الشرعي فمثل هذه الإقرارات تنطوي على إعتراف بواقعة جنائية للمحكمة أن تأخذ بها ثم تبحث بعد ذلك في حقيقة ما أنكر أو دفع به. أما إذا كان الإقرار في مجموعة نافيا للخطأ أو المسئولية فإنه لا يعد اعترافاً ولا تجوز فيه التجزئة ومن هذا القبيل أن يقر المتهم بإرتكاب القتل وهو في حالة دفاع شرعي أو تأثير الإكراه أو بتسلمه الأشياء المقول بتبديدها على سبيل الأمانة وأنه مع ذلك ردها أو برئ منها وليس معنى هذا أن المحكمة تطرح ما أقر به المتهم من وقائع وإنما الذي لا يجوز هو أن تعتبر مثل هذا الإقرار إعترافا وترتب عليه النتيجة الواردة في القانون .
وقيل بأن قاعدة جواز تجزئة الإعتراف تنحسر حيث يتوقف الفصل في الدعوى الجنائية على الفصل في مسألة مدنية إذ يجب أن تطبق للفصل في المسألة المدنية قواعد الإثبات المدنية و منها قاعدة عدم جواز تجزئة الإقرار مثال ذلك إثبات عقد الأمانة فيما يتعلق بدعوى خيانة الأمانة فإذا أقر المتهم بوجود العقد وبأنه قد رد المال محل العقد إلی مالكه فإنه لا يجوز تجزئة هذا الإقرار والأخذ بإقرار المتهم بوجود العقد وطرح إقراره برد المال محل العقد وإنما يجب الأخذ به كله أو طرحه كله.
ليس بلازم تطابق إعتراف المتهم ومضمون الدليل الفني :
من المقرر أنه ليس بلازم أن يتطابق إعتراف المتهم ومضمون الدليل الفني على الحقيقة التي وصلت إليها المحكمة بجميع تفاصيلها على وجه دقیق بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفنى تناقضاً يستعصى على الملاءمة والتوفيق.
لا يجوز الأخذ بأقوال محامي متهم على متهم آخر:
إذا جاز قانون الأخذ بأقوال المتهم على آخر فإنه لا يجوز مطلقاً الأخذ بأقوال محامي على متهم آخر ما دامت هذه الأقوال لم تصدر ولم تود أقواله هذه بصفته شاهداً فإذا استندت المحكمة في إدانة متهم إلى عبارة صدرت من محامي متهم على آخر بصفته محامياً لا بصفته شاهداً في الدعوى فإن هذا يعيب حكمها ولكن إذا كان الحكم قائماً على أدلة أخرى ناهضة بالإدانة فإن خطأه في الاستدلال بمثل تلك العبارة لا يعيبه عيباً يبطله.
تقدير الاعتراف:
طبقاً لمبدأ بتربية القاضي في تكوين عقيدته التي تأخذ به التشريعات تحديثة أصبحت للقاضي الحرية في تقدير حجية الإعتراف فله أن يعول على إعتراف المتهم في أية مرحلة من مراحل التحقيق متى اطمأن إلى أنه يمثل الواقع وذلك على الرغم من جحوده أمامه بجلسة المحاكمة وصار تقدير قيمة الاعتراف أمراً من شئون قاضي الموضوع يجريه حسبما يتكشف له من ظروف الدعوى ومن المقرر أن الأدلة في المواد الجنائية إقناعية وما لم يستوجب القانون طريقاً معيناً في الإثبات فإن القاضي الجنائي حرفي تكوين عقيدته وأن الإعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير حجتها وقيمتها التضليلية على المعترف ولها في سبيل ذلك أن تأخذ باعتراف المتهم ولو كان وارداً في محضر الشرطة أو في تحقيق إداري متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع وأن عدل عنه في مراحل التحقيق الأخرى ومتى خلصت المحكمة إلى سلامة الدليل المستمد من الإعتراف فإن مفاد ذلك أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ به.
وغني عن البيان أنه إذا كان للمحكمة أن تعتد بإعتراف المتهم ولو أنكره أمامها فإنه يكون لها ومن باب أولى- أن تأخذ بإعترافه أمامها ولو كان قد أنكر في المراحل السابقة على المحاكمة كذلك يكون للمحكمة - إذا لم تقتنع بصدق الإعتراف- أن تقضي بالبراءة ولكن يجب عليها عندئذ أن تبين سبب، طرحها للإعتراف وإلا كان الحكم مشوباً بالقصور في التسبيب.
وقيل بأن القاضي تطبيقاً لمبدأ الاقتناع القضائي أن يأخذ باعتراف المتهم في بعض مراحل الدعوى دون بعضها فيأخذ باعترافه في التحقيق الابتدائي على الرغم من إنكاره صدوره عنه في جلسة المحاكمة ولكن يلتزم القاضي بالرد على هذا الإنكار ومن باب أولى فإن القاضي أن يأخذ باعتراف المتهم أمامه على الرغم من أنه كان قد أنكر ارتكابه الجريمة في المراحل السابقة من الدعوى وللقاضي سلطة تفسير الإعتراف وتحديد دلالته التي يستند إليها في تكوين اقتناعه وله القول بمدى الاتساق بينه وبين سائر الأدلة وهو في تفسيره له لا يلتزم بألفاظه بل له أن يستنبط منه الحقيقة كما يشف عنها ولكنه في تفسيره للإعتراف يلتزم بأن يحصره في موضوعه الذي أراده له المتهم فإذا كانت إرادة المتهم أن يعترف بواقعة معينة فلا يجوز للقاضي تحت ستار تفسير اعترافه أن ينسب إليه الإعتراف بواقعة مختلفة وتطبيقاً لذلك فإنه إذا اعترف المتهم بالاغتصاب بإرتكابه فعلاً لا يعدو أن يكون مجرد فعل فاضح فلا يجوز أن يفسر اعترافه على أنه إعتراف بالاغتصاب.
الدكتور محمود نجيب حسني – الاختصاص والإثبات في قانون الإجراءات الجنائية طبعة 1992 ص 121
هل الدفع ببطلان الاعتراف من النظام العام؟
ذهب رأي في الفقه إلى أنه لا جدال في أن كل إجراء يتعلق بالحرية الشخصية للأفراد أو بحرياتهم العامة هو من النظام العام وصحيح أن فكرة النظام العام مازالت تحتاج إلى المزيد من البحث لتحديدها أو لوضع معيار لها ولكن من المستقر أن القواعد الإجرائية التي تحمي الشرعية أو تؤكدها هي من صميم النظام العام ومن هذه القواعد تلك التي توفر ضمانات الحرية الشخصية للمتهم فالحرية الشخصية للمتهم ليست مجرد مصلحة شخصية له بل هي مصلحة اجتماعية يجب ضمانها في مواجهة السلطة فحرية الفرد سياج قانوني لا يجوز للسلطة أن تتجاوزه أو تتخطاه في الدولة القانونية حيث يعلو القانون على السلطة فكيف لا يكون الاعتداء على حريات الأفراد متعلقاً بالنظام العام نفسه هذا هو ما تقتضيه الشرعية الإجرائية ويترتب على اعتبار البطلان بطلاناً مطلقاً أو بطلاناً من النظام العام عدة نتائج هي:
أولاً: عدم جواز التنازل عن التمسك بالبطلان.
ثانياً: أن واجب محكمة الموضوع أن تقضي به من تلقاء نفسها وبغير طلب.
ثالثاً: جواز التمسك بالبطلان في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض .
ولكن الرأي السابق لا يتفق مع اتجاه محكمة النقض المصرية التي وأن كان قضاء هذه المحكمة لم يتعرض لهذه المسألة صراحة وإنما يمكن أن يستخلص من جماع أحكامها أن الدفع ببطلان الاعتراف هو دفاع موضوعي يتوقف الفصل فيه على عناصر موضوعية لا تجوز إثارة الجدل بشأنها لأول مرة أمام محكمة النقض ومن ثم لا يدخل في عداد الدفوع المتعلقة بالنظام العام كما أن الاعتراف دلیل من أدلة الإثبات الجنائي وتقدير الأدلة من اختصاص محكمة الموضوع ولا يجوز الخوض فيه أمام محكمة النقض ولكن لا يعني ذلك عدم إمكانية طرح هذا الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض في جميع الأحوال إذا يمكن لهذه المحكمة نظر الدفع ببطلان الاعتراف في الحالات الآتية:
أ) إذا دفع به المتهم أو المدافع عنه ولم تقم محكمة الموضوع بمناقشته والرد عليه وتفنيده.
ب) إذا لم تقم محكمة الموضوع بتحقيق دفاع المتهم ببطلان اعترافه.
ج) إذا كان النعي على الحكم الذي أخذ المتهم بالاعتراف رغم بطلانه - ينطوي على قدر من التعلق بمسألة قانونية تنفذ من خلالها محكمة النقض إلى إلغاء الحكم وإعادة محاكمة المتهم.
د) المحكمة النقض - ولمحكمة الموضوع أيضاً- الحق في إستبعاد أي دليل لم تر سلامته قانوناً ولو لم يطلب منها أحد الخصوم إستبعاده.
الإجراءات التي تتبع عند إعتراف المتهم أثناء التحقيق معه :
إذا أحيط المتهم علماً بالتهمة المنسوبة إليه في بداية التحقيق و اعتراف بها فهنا يجب على المحقق أن يبدأ على الفور في استجوابه ويكون ذلك متى قبل سؤال شهود الإثبات وحكمة ذلك المبادرة بتدوين هذا الاعتراف قبل أن يتراجع فيه المتهم، ويعدل عنه أو يغيره فيه بالزيادة أو النقصان فينأى به عن الحقيقة فيذكر فكر في الجريمة وخطط لها وكيف ارتكبها ونفذ حلقاتها ويسرد الوقائع كما حدثت ويجب على المحقق أن يترك المتهم في سرد اعترافاته دون مقاطعته وفي ذات الوقت يدون النقاط التي ستكون موضع المناقشة والاستيضاح حتى لا يغيب عن ذاكرته شيء منها فإذا انتهى المتهم من أقواله أخذ المحقق في مناقشته في كل جزئية من هذا الإعتراف فيناقشه في الوقت الذي طرأت لديه فكرة قتل المجني عليه وكيف أعد للجريمة ومتى حصل على السلاح الذي نفذ به القتل وهل اشترك أحد معه في ارتكابها بطريق التحريض أو الاتفاق أو المساعدة وكيف كان هذا الاشتراك ومداه أو تداخل أحد آخر معه وارتكاب الجريمة سوياً ....... كل هذا لتحقيق ظرف سبق الإصرار والاشتراك والتعدد ثم يناقشه في الأفعال المكونة للجريمة وكافة ظروفها وملابساتها ويسأله عن المكان الذي أخفي فيه أداة القتل أو المسروقات وأين دفن جثة القتيل إذا كان أخفاها ومناقشته عن الدافع له على ارتكاب الجريمة وتحقيق الظروف المخففة والمشددة وتدعيما لهذا الاعتراف يجدر بالمحقق الانتقال مع المتهم بعد استجوابه إلى مكان الجريمة ويطلب منه تصویر كيفية ارتكابها ويكلفه الإرشاد عن المكان الذي دفن فيه الجثة وهكذا ....... أن التوسع في مناقشة المتهم في حالة الاعتراف وترديده على لسان المتهم يزيد هذا الإعتراف تدعيماً وتثبيتاً بما يؤكد صحته وإصرار المتهم عليه بحيث إذا جاء المتهم أمام المحكمة عند نظر القضية وعدل عن هذا الإعتراف المتكرر كان العدول بقصد الإفلات من وزر الجريمة والتخلص من العقاب. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة: 19)
يجوز للمحكمة أن تستغني عن سماع الشهود وذلك استثناء من مبدأ شفوية المرافعة في حالة اعتراف المتهم أمام المحكمة عن سؤاله عن التهمة المسندة إليه. وقد أجازت المادة 271 إجراءات. فللمحكمة في حالة اعتراف المتهم أن تحكم في الدعوى بغير سماع الشهود .
وهذا الاستثناء مشروط بأن يتم الاعتراف شفوياً أمام المحكمة ، فلا يجوز أن تحكم في الدعوى بغير سماع الشهود بناء على اعتراف المتهم في محضر جمع الاستدلالات أو في محضر التحقيق الابتدائي ويلزم هنا أن يكون الاعتراف مستوفياً لجميع شروط صحته الموضوعية والشكلية.
وبطبيعة الجمالي لا تحكم المحكمة بغير سماع الشهود بناء على الاعتراف إلا إذا ارتأت أن الدعوى صالحة للحكم فيها بناء على الدليل المستمد من الاعتراف ومطابقة الاعتراف الأموال الشهود.
يبدأ التحقيق في الجلسة بالمناداة على الخصوم وشهود الإثبات والنفسي المعلنين وبعد ذلك تبدأ المحكمة بإثبات البيانات الخاصة بالمتهم وهي اسمه ولقبه وسنه وصناعته ومحل إقامته ومولده.
ويلي ذلك تلاوة التهمة الموجهة إلى المتهم بامر الإحالة أو بورقة التكليف بالحضور على حسب الجهة التي رفعت الدعوى. ثم تقدم النيابة العامة والمدعي بالحقوق المدنية إن وجد طلباتهما.
ويسال بعد ذلك المتهم في التهمة المسندة إليه عما إذا كان معترفاً من علمه. فإن اعترف جاز للمحكمة الاكتفاء باعترافه والحكم عليه بغير سماع الشهود.
أن هناك فرقاً بين الاستجواب وبين سؤال المتهم من قبل المحكمة. فليس كل سؤال يوجه إلى المتهم عن المتهمة يعتبر استجواباً يمتنع عليها القيام به فالمحكمة من واجبها بعد سؤال المتهم عن البيانات المتعلقة بشخصه للتحقق منه، أن تسأله عن التهمة المنسوبة إليه، وهذا الحق مقرر بمقتضى نص المادة 271 التي أوردت في إجراءات التحقيق بالجلسة سؤال المتهم عما إذا كان معترفاً بالتهمة المنسوبة إليه، كما أن للمحكمة إذا أنكر المتهم أن ترخص للمتهم بتقديم الإيضاحات اللازمة إذا ظهر أثناء المناقشة أو المرافعة بعض الوقائع التي ترى لزوم تقديم إيضاحات عنها من المتهم لظهور الحقيقة. فكل هذه الأسئلة التي توجهها المحكمة للاستيضاح لا تعتبر استجواباً، وإنما الاستجواب المحظور هو ذلك الإجراء الذي تباشره المحكمة المتمثل في مناقشة المتهم تفصيلياً في الدعوى، في التهمة المسندة إليه، وفي الأدلة المسافة ضده ومواجهته بها، فلا يجوز للمحكمة أن تواجه المتهم بأقوال الشهود أو بالأشياء المضبوطة في منزله أو بما انتهى إليه رأى الخبير وتطلب منه تفنيد تلك الأدلة. أما مجرد استيضاحها من بعض الوقائع غير المتعلقة بأدلة الإثبات فإنها تفيد في كشف الحقيقة، فللمحكمة حق توجيهها إلى المتهم، وللمتهم من ناحية أخرى حق الامتناع عن الإجابة إلا أنه في حالة امتناعه عن الإجابة أو إذا كانت أقواله في الجلسة مخالفة لأقواله في محضر جمع الاستدلالات أو تحقيق النيابة، فللمحكمة توجيه الأسئلة بشأنها دون أن ترقى إلى مرتبة الاستجواب سؤال المتهم عن سوابقه أو سؤاله عن الضغائن القائمة بينه وبين أسرة المجنى عليه وللمتهم أن يمتنع عن الإجابة إذا شاء دون أن يعد هذا الامتناع قرينة ضده.
الإعتراف هو قول صادر عن المتهم يقر فيه بصحة نسبة التهمة إليه وهو بذلك يعتبر سيد الأدلة.
ويجب التفرقة بين الاعتراف وبين أقوال المتهم التي قد يستفاد منها ضمنياً ارتكابه الفعل الإجرامي المنسوب إليه. فهذه الأقوال مهما كانت دلالتها لا ترقى إلى مرتبة الاعتراف الذي لابد أن يكون صريحاً فالاعتراف هو قرار بارتكاب الفعل المسند إلى المتهم، والإقرار بطبيعته لابد أن يكون واضحاً في الوقت ذاته، ولذلك فإن أقوال المتهم وإقراره ببعض الوقائع التي يستفاد منها باللزوم العقلي والمنطقي ارتكابه للجريمة لا يعتبر اعترافاً وهذه الصفة الحزم توافرها في الاعتراف هي التي جعلت منه الدليل الأول للإثبات باعتبار أنه لا يحتمل تفسيراً أو تأويلاً.
كذلك لا يعتبر اعترافاً أقوال المتهم على متهم آخر اشترك معه في ارتكاب الجريمة. فهذا الاعتراف يقتصر على ما أدلى به المتهم من أقوال يقر فيها بسلوكه الشخصي هو، أما أقواله على غيره من المتهمين ف لا تعتبر اعترافاً وإنما أقوالاً لا ترقى إلى مرتبة الشهادة القانونية التامة وأن كانت المحكمة تملك تقديرها على سبيل الاستدلال كما يخرج من محيط الاعتراف أقوال المتهم التي يقر فيها بتواجده على مسرح الجريمة إلا أنه ينفي في الوقت ذاته مشاركته في ارتكاب الفعل المنسوب إليه.
وقد يكون الاعتراف كاملاً كما قد يكون جزئياً. فالاعتراف الكامل هو الذي يقر فيه المتهم بصحة إسناد التهمة إليه كما صورتها ووصفتها سلطة التحقيق، وذلك إذا كان الاعتراف أمام المحكمة. وإذا كان الاعتراف بالتحقيقات الأولية فإنه يكون كاملاً إذا كان منصباً على ارتكاب الجريمة موضوع التحقيق في أركانها المادية والمعنوية، ويكون جزئياً إذا اقتصر المتهم على الإقرار بارتكاب الجريمة في ركنها المادي نافياً مع ذلك مسئوليته عنها أو اعتراف بمساهمته فيها بوصفه شريكاً بالمساعدة ونفى قيامه بارتكاب السلوك الإجرامي المنسوب إليه. ففي جميع الأحوال التي يقر فيها المتهم بإتيانه سلوكاً يندرج في جزء منه تحت التهمة المنسوبة إليه يكون الاعتراف جزئياً، حتى ولو أورد في أقواله من الوقائع التي تنفي عنه المساءلة الجنائية. كما يكون جزئياً أيضاً إذا أقر بارتكابه الجريمة ولكن في صورة مخففة تختلف عن التصوير المنسوب إليه. كما لو كانت التهمة المنسوبة إليه هي القتل العمد فيعترف بأنه قتل المجني عليه خطأ.
يشترط في الاعتراف لكي يكون صحيحاً ويمكن الاستناد إليه كدليل في الحكم الشروط الآتية :
يجب أن يكون المتهم قد أدلى به وهو في كامل إرادته ووعيه. فلا يجوز الاستناد إلى الاعتراف الذي يصدر من المتهم في حالة فقدان الإرادة كما لو كان تحت تأثير التنويم المغناطيسي أو تحت تأثير مخدر، أو عقار يسلبه إرادته كما هو الشأن بالنسبة لما يسمى بعقار الحقيقة. ذلك أن الاعتراف هو سلوك إنساني. والقاعدة أنه لا يعتبر سلوكاً إلا ما كان يجد مصدراً له في الإرادة.
ولا يكفي أن يكون المتهم قد أدلى باعترافه عن إرادة واعية بل يلزم أن تكون هذه الإرادة لم يباشر عليها أي ضغط من الضغوط التي تعيبها وتؤثر عليها كإكراه لو تعذيب أو تهديد ولا يتوافر للاعتراف شروط صحته حتى في الأحوال التي يحصل فيها الإقرار نتيجة تضليل أو خداع كالوعد مثلاً بالإفراج عنه وتبرئته أو إيهام المتهم أن الاعتراف في صالحه وأن من مصلحته الخاصة أن يعترف وإلا أساء لمركزه في الدعوى. ففي جميع هذه الفروض تكون إرادة المتهم ليست حرة فيما أدلت به ولذلك يجب طرح هذا الدليل ولا يجوز الاستناد إليه في الحكم .
يجب أن يكون الاعتراف قد توافر فيه الشكل القانوني المعتمد من الجهة التي يحلى أمامها المتهم باعترافه. فلا يعتبر اعترافاً إلا الإقرارات التي تصدر من المتهمين أمام مجلس القضاء. أما الاعتراف المصادر أمام مأموري الضبط القضائي أو النيابة بمحاضر الاستدلالات فلا تعتبر إلا مجرد أقوال وليست اعترافات بالمعنى القانوني للكلمة كما لا يعتبر اعترافاً الإقرار بارتكاب الجريمة أمام أحد الشهود طالما أن المتهم قد أنكر في التحقيقات أمام سلطة التحقيق الابتدائي أو أمام المحكمة، وإن كان يمكن سماع شهادة الشاهد الذي أدلى أمامه بالاعتراف وذلك كدليل مستقل مستمد من شهادة الشاهد وليس من اعتراف المتهم.
3- يجب أن يكون الاعتراف قد صدر بناء على إجراء صحيح. فالاعتراف الذي جاء وليد إجراء باطل يعتبر باطلاً هو الآخر ولا يجوز الاعتماد إليه. فاعتراف المتهم نتيجة استجواب المحكمة له دون قبوله الصريح يعتبر باطلاً. كذلك الاعتراف الذي جاء وليد تفتيش باطل يكون هو الأخر باطلاً ذلك أنه في مثل تلك الفروض تكون إرادة المتهم في إدلائه بأقواله متأثرة بما أسفر عنه الإجراء الباطل. ويقع باطلاً أيضاً الاعتراف الذي جاء وليد تعرف المجني عليه على المتهم في عملية عرض باطلة أو نتيجة التعرف عليه من الكلاب البوليسية في عرض باطل. إذ مظنة التأثير على الإرادة في جميع تلك الفروض تكون قائمة ومن ثم تعين استبعاد الاعتراف كدليل. وإذا استندت إليه المحكمة في حكمها كان مشوباً بالبطلان.
يجب أن يكون الاعتراف صريحاً وواضحاً في الوقت ذاته، لا يحتمل تأويلاً أو تفسيراً، فغموض الأقوال التي أدلى بها المتهم من حيث دلالتها على ارتكابه للجريمة محل الاتهام المنسوب إليه بنفسي عنها صفة الاعتراف وأن كان للمحكمة أن تمتد إلى تلك الأقوال لتعزيز أدلة الثبوت الأخرى، وإنما لا يجوز تستند إلى تلك الأقوال وحدها في إدانة المتهم. ومع ذلك فقد يدلى المتهم بأقوال يستفاد منها ضمن اعترافه بارتكاب الجريمة المسندة إليه، إلا أننا نرى حتى في مثل تلك الفروض، التي يطلق عليها البعض الاعتراض الضمني، لا نكون بصد اعترافه قليل مستقل وأنما يمكن أن تستند المحكمة إلى تلك الأقوال طالما وجلست أدلة أخرى تعزز ما انتهت إليه المحكمة في تكوين عقيدتها ويعطى البعض أمثلة للاعتراف الضمني بما يحدث في الأحوال التي يبدأ فيها المتهم استعداده للاعتذار أو التوبة أمام المحكمة أو أمام سلطة التحقيق.
والواقع أن مثل تلك الأمثلة من الاعترافات الضمنية قد يكون الباعث على الإدلاء بها هو حرص المتهم على الخروج من دائرة الاتهام التي أحاطت به معتقداً أن يطلب المغفرة سيكون بمنجى من العقوبة التي ابتدأ سحبها يتردد أمامه. ولذلك يكون من الخطورة بمكان أخذ مثل هذه الأقوال باعتبارها اعترافاً وإدانته على أساسها استقلالاً. إذا أن دافع الرهبة والخوف والحرص على التخلص من التهمة التي أسندت إليه ولا يدفع بعض المتهمين وغالباً الذين يجرمون لأول مرة لأن يتورطوا في مثل تلك الأموال التي تؤخذ عليهم باعتبارها اعترافاً ضمنياً.
ومن أجل ذلك فإننا نرى لزوم لن يكون الاعتراف حتى يمكن الأخذ به دلیل مستقل عن أدلة ثبوت التهمة.
سلطة المحكمة في تقدير الاعتراف :
يخضع الاعتراف في تقدير قيمته كدليل إلى سلطة المحكمة شأنه في ذلك شأن أدلة الإثبات الأخرى. فليس معنى اعتراف المتهم بالتهمة المنسوبة إليه أن تكون المحكمة ملزمة بالحكم بالإدانة، بل لها أن لم يكن من واجبها أن تتحقق من أن الاعتراف الصادر من المتهم قد توافرت فيه شروط صحته من حيث عدم تأثر إرادة المتهم بأي مؤثر خارجي. كما ينبغي عليها مراعاة باقي الشروط الأخرى حتى يمكنها التعويل عليها كدليل.
وحتى الاعتراف المتوافر فيه شروط الصحة كلها لابد أن يكون مطابق وماديات الواقعة كما استخلصتها المحكمة في تحقيقاتها ومن الأوراق. فالاعتراف المتناقض مع حقيقة الواقعة لا يصح التعويل عليه ويقع على عاتق المحكمة واجب التحقيق من تطابق الاعتراف الموضوعي مع وقائع الدعوى وتطابقه النفسي من حيث اتجاه إرادة المعترف إلى اقتراف السلوك الإجرامي وليس إلى مجرد تحمل المسئولية.
وخضوع الاعتراف لمطلق تقرير المحكمة واضح من نص المادة 244 التي أجازت المحكمة عند اعتراف المتهم أمامها أن تحكم في الدعوى دون سماع الشهود وتحقيق الدعوى. ومعنى ذلك أنه يجوز للمحكمة أن تسير في الدعوى إلى نهايتها وتحقق الأدلة الأخرى رغم صدور اعتراف من المتهم أمامها.
ومتى اطمأنت المحكمة إلى الاعتراف وتحققت من توافر جميع شروط صحته كان لها أن تستند إليه في الحكم على المتهم حتى ولو لم يكن قد وقع أمامها وإنما أمام سلطات التحقيق . كذلك لا يؤثر في إمكان الاستناد الاعتراف أن يكون المتهم قد أنكر التهمة في مرحلة تالية من التحقيق الابتدائي وعدل عن اعترافه حتى ولو أصر على العدول أمام المحكمة.
ويكون الحكم صحيحاً ولو عول على اعتراف المتهم رغم أنه دفع بوقوعه على إكراه أو تحت تأثير مادامت المحكمة قد حققت دفاعه واطمأنت إلى أن الاعتراف كان صحيحاً لتوافر شروط صحته فيه.
والمحكمة في تقريرها للاعتراف عليها أن تحقق إذا ما حكمت ببطلان الإجراء السابق عليه من أنه لم يكن وليد الإجراء الباطل. وهي في ذلك لها مطلق التقدير ، فيجوز للمحكمة أن تعتمد الاعتراف الصادر من المتهم أمام النيابة أثر تفتیش باطل من مأموري الضبط القضائي طالما أنها خلصت إلى أن المتهم حين أدلى به لم يكن متأثراً بالإجراء الباطل، مهما كانت الفترة الزمنية التي انقضت بين الإجراء الباطل والاعتراف.
فقد تكون فترة قصيرة ورغم ذلك تعد المحكمة بالاعتراف وقد تكون بعيدة بعض الشيئ ولكن ترى المحكمة أن المتهم كان متأثراً بالإجراء الباطل.
إذا كان الاعتراف يخضع لتقدير المحكمة باعتباره ليلاً يمكن الاستناد إليه، فيكون من سلطة المحكمة أن تطرحه كلية أو تأخذه بجزء منه وتطرح الباقي طالما لم تطمئن إليه وهذه القاعدة العامة مستفادة من حرية القاضي في تكوين اقتناعه فقد رأينا أن القاضي يمكنه تجزئة الدليل المقدم في الدعوى والذي طرح بالجلسة فيأخذ منه ما يفيده في تكوين عقيدته متى اطمأن إليه ويطرح ما لا يطمئن إليه. والاعتراف في هذا شأنه شأن سائر الأدلة الأخرى .
ويلاحظ أن سلطة المحكمة في تجزئة الاعتراف تختلف عما يطلق عليه الاعتراف الجزئي. فالاعتراف الجزئي هو اعتراف بوقائع معينة دون أن ينصرف إلى التهمة بأكملها، والاعتراف الجزئي هو صورة من صور الاعتراف ولذلك يجوز تجزئته هو الآخر.
والمقصود بتجزئة الاعتراف أن تستند المحكمة إلى اعتراف المتهم بوقائع معينة وتطرح اعترافه بالنسبة لوقائع أخرى بأقواله لأنها لم تطمئن إلى صدقها .
وقد يحدث أن يكون اعتراف المتهم يتضمن في جزء منه أقوالاً على متهم آخر. وهنا لا نكون بصدد اعتراف بالنسبة للجزء الخاص بالمتهم الأخر وإنما تعتبر أقوال متهم على متهم وهي ليست دليلاً من أدلة الإثبات وإنما تؤخذ على سبيل الاستدلال. ومن ثم لا يصح الاستناد على تلك الأقوال بمفردها للحكم على المتهم لتعزيز الأدلة الأخرى القائمة في الدعوى. ونظراً لقيمة الاعتراف في الإثبات فإن المحكمة يجب عليها إذا رأت عدم الأخذ به تسبيب رأيها في ذلك فإذا كان للمحكمة مطلق التقدير في طرح الأدلة الأخرى دون أن تبين الأسباب التي أدت إلى عدم اطمئنانها إليها، فإنه بالنسبة للاعتراف لا يجوز لها ذلك، حتى ولو كان الاعتراف جزئياً. ذلك أن الاعتراف الجزئي وأن تمثل في جانب منه في صورة دليل أثبت فهو في جانبه الآخر وسيلة من وسائل دفاع المتهم للتهمة المنسوبة إليه، ولذلك ينبغي على المحكمة دائماً إذا طرحت الاعتراف الجزئي أن تبين الأسباب التي استندت إليها في ذلك. غير أن تسبیب طرح الاعتراف الكامل لو الجزئي يستلزم أن تكون المحكمة قد قضت بعكس ما يؤدي إليه الاعتراف. ولذلك فإن التسبيب يكون واجباً في الاعتراف الكامل إذ هي قضت بالبراءة ويكون واجباً في الاعتراف الجزئي إذا هي قضت بالإدانة.
يجوز للمحكمة الاستغناء عن سماع الشاهد في الأحوال الآتية :
1- إذا اعترف المتهم بالواقعة المنسوبة إليه عند سؤاله عنها (م 271).
2 - إذا تنازل المتهم أو المدافع عنه عن سماع الشهادة سواء أكان تنازلاً صريحاً أو ضمنياً.
3 - إذا تعذر سماع الشاهد لأي سبب من الأسباب أو استحال ذلك.
4 - إذا كانت المحاكمة تجري في غيبة المتهم في جناية أمام محكمة الجنايات فلها أن تحكم في الدعوى دون سماع شهود.
5 - إذا لم يحضر المتهم بعد تكليفه بالحضور ولم يرسل وكيلاً عنه في الأحوال التي يجوز فيها ذلك فللمحكمة أن تحكم في غيبته بعد الإطلاع على الأوراق ودون سماع الشهود.
عبء الإثبات في المواد الجنائية :
إذا كان الأصل في الإنسان البراءة فعلى من يدعي عكس هذا الأصل إثباته.
والنيابة العامة برفعها الدعوى العمومية على المتهم والتي تطلب فيها الحكم عليه وإنما يجب عليها أن تقيم الدليل على ما تدعيه وتقدم للمحكمة ما يفيد الإدانة. فإذا هي عجزت عن إقناع المحكمة قضت تلك الأخيرة بالبراءة طالما لم يقدم الدليل المقنع على الإدانة، وعلى النيابة إثبات توافر عناصر الجريمة المرفوعة عنها الدعوى و انطباق النصوص التجريمية عليها وإذا كانت هناك شبهة وجود سبب من أسباب الإباحة أو مانع من موانع المسئولية أو العقاب فعليها أن تنفيها. أي أن النيابة عليها عبء إثبات توافر العناصر القانونية اللازمة لتوقيع العقاب على الجاني.
ولما كان الأصل في الإنسان أنه مسئول عن أفعاله في نفي هذا الأصل يقع على من يدعي به، ولذلك إذا دفع المتهم بأنه قام لديه مانع من موانع المسئولية فعليه أن يثبت ذلك. وكذلك الحال إذا قام لديه سبب خاص من أسباب الإباحة أو مانع من موانع العقاب فعليه إثبات ما يدعيه. كل تلك والقاضي لا يأخذ موقفاً سلبياً وإنما عليه أن يتحقق دائماً من صدق الاتهام أو صدق الدفاع ويتحرى بنفسه الحقيقة ويبحث عنها بكافة طرق الإثبات التي أطلقها له المشرع من كل قيد عدا الاستثناءات التي رأيناها. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 971)
نصت المادة 271/ 2 إجراءات على أنه يسأل المتهم عما إذا كان معترفاً بارتكاب الفعل المسند إليه، فإن اعترف جاز للمحكمة الاكتفاء باعترافه والحكم عليه بغير سماع الشهود، وبناء على ذلك، فإن الاعتراف أمام المحكمة يجيز للمحكمة الاستغناء عن سماع الشهود وعن اتخاذ أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق النهائي.
ولكن هذه الرخصة الممنوحة للمحكمة لا تحول بينها وبين التحقق من صحة هذا الاعتراف وصدقه، وأنه يتماشى مع واقع الدعوى. فللمحكمة أن تحقق الدعوى رغم هذا الاعتراف ولها من خلال ذلك أن تستبين حقيقة واقعة الدعوى ودور سائر المتهمين فيها.
ويشترط أن يصر المتهم على اعترافه أمام المحكمة حق قفل باب المرافعة، فإن عدل عنه وجب على المحكمة اتخاذ سائر إجراءات التحقيق النهائي للدعوى وعدم إعمال الأثر الإجرائي للمادة 271/ 2 إجراءات .
وجوب إتمام التحقيق النهائي بطريقة شفوية :
يتم التحقيق النهائي بطريقة شفوية. وقد كفل قانون الإجراءات الجنائية في الفصل السادس من الباب الثاني إيراد الأحكام المتعلقة بمبدأ شفوية المرافعة. والمقصود من هذا المبدأ هو طرح عناصر الدعوى وجعلها تحت نظر الخصوم بالجلسة لفحصها وإتاحة مناقشتها شفوياً أمام المحكمة طبقاً لما يراه الخصوم محققاً لدفاعهم في هذا الصدد. ولهذا فإن مبدأ شفوية المرافعة يتكامل مع مبدأ المواجهة بين الخصوم.
والأصل بناء الأحكام الجنائية على التحقيق الذي تجريه المحكمة في الجلسة وتسمع فيه الشهود متى كان ذلك ممكناً. فللمحكمة تلاوة أقوال الشاهد إذا تعذر سماع أقواله أو قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك. فلا يجوز للمحكمة أن تبني اقتناعها على مجرد محاضر استدلالات والتحقيقات، بل يجب عليها أن تستمع بنفسها إلى أقوال الخصوم وشهادة الشهود أو آراء الخبراء، كما يجب أن تكون سائر الأدلة التي تضمنتها الاستدلالات والتحقيقات تحت سمع و بصر الحكمة وخاضعة للمناقشة الشفوية.
ويقتضي هذا المبدأ ما يأتي :
1- يجب على المحكمة أن تسمع بنفسها عناصر الدعوى وأن تناقشها شفوياً، مثل الشهود والخبراء ومأموري الضبط الذين باشروا التفتيش.
2- الأصل أنه يجب أن تباشر المحكمة بجميع أعضائها إجراءات التحقيق النهائي، فإذا تغير أحد أعضاء المحكمة أو أعيد تشكيلها، فيجب على الهيئة الجديدة إعادة مباشرة هذه الإجراءات.
وذلك بحسب أن الأصل في الأحكام الجنائية أن تبين على المرافعة الشفوية التي تحصل أمام القاضي نفسه الذي أصدر الحكم، وذلك دون إخلال بأن تعتمد المحكمة في قضائها على ما أثبتته محاضر الجلسات التي عقدتها الهيئة السابقة.
3- لا يجوز للمحكمة أن تعتمد في اقتناعها على دليل لم يطرح في الجلسة.
فإذا عولت المحكمة في الإدانة على مستند أرفق بملف الدعوى بعد حجزها للحكم، فإنها تكون قد استندت إلى دليل لم يخضع للمناقشة الشفوية في الجلسة مما يصم حكمها بالبطلان.
على أن القانون قد أورد بعض الاستثناءات على سماع الشهود، سنبينها فيما بعد. ولكن إعفاء المحكمة من سماع الشهود لا يحول دون واجبها من تمكين الخصوم من مناقشة أقوال الشهود المدونة في المحاضر شفوياً في الجلسة. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 532)
والاستيضاح الذي يجوز للمحكمة أن تتقدم به فتطلب إلى المتهم أن يبدى لها ملاحظاته في صدده إذا ما أراد هو استفسار المحكمة منه عن بعض ما يظهر أثناء سماع أدلة الدعوى والمرافعة فيها وعما تری تحقيقاً للعدالة سماع كلمته في شأنه قبل الأخذ به عليه أو له ولا يقدح في صحة الاستيضاح أن يتم قبل سماع الشهود وقبل المرافعة، ولا عدم لفت المحكمة نظر المتهم إلى الوقائع التي ترى لزوم تقديم إيضاحات عنها منه الظهور الحقيقة، ولا عدم ترخيصها له بتقديم تلك الإيضاحات، طالما أن المتهم قد أجاب المحكمة طواعية واختياراً دون أن يبدو منه أو من محاميه أي اعتراض.
عملاً بالمادة 271/ 2 من قانون الإجراءات الجنائية فإنه لا يجوز للقاضي أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه بالجلسة. فيجب على المحكمة - محكمة أول درجة أو محكمة الجنايات - أن تسأل المتهم عما إذا كان معترفاً بارتكاب الفعل المسند إليه ولو كان اعترافه ثابتاً في أوراق التحقيق الابتدائي أو في محضر جمع الاستدلالات وعليها أيضاً عملاً بالمادة 289 من قانون الإجراءات الجنائية أن تسمع الشهود الذين أبديت شهادتهم في التحقيق الابتدائي أو في محضر جمع الاستدلالات أو أمام الخبير ما لم يتعذر سماع الشاهد لأي سبب من الأسباب أو يقبل المتهم أو المدافع عنه صراحة أو ضمناً الاستغناء عن سماعه، و عليها أن تمكن الخصوم من مناقشة تقارير الخبراء والإدلاء بملاحظاتهم عليها. لأن الأصل في المحاكمات الجنائية أن تسمع المحكمة بنفسها أدلة الدعوى إثباتا ونفيا.
واستثناءاً من هذا الأصل يجوز للمحكمة الاستغناء عن سماع الشهود في الحالات الآتية :
أولاً : في حالة الاعتراف بالجريمة :
إذا سألت محكمة أول درجة المتهم عما إذا كان معترفاً بارتكاب الفعل المسند إليه فاعترف بذلك، فيجوز لها الاكتفاء باعترافه والحكم عليه بغیر سماع الشهود (م 271/ 2 إجراءات) . وكذلك يكون لمحكمة الجنايات بمقتضى المادتين 381، 271 من قانون الإجراءات الجنائية أن تكتفي باعتراف المتهم وتحكم عليه بغير سماع الشهود .
الإخلال بأحكام الاعتراف :
القواعد العامة :
1- إن اعتراف المتهم على نفسه يجيز للمحكمة أن تكتفي بهذا الاعتراف وتحكم عليه بغير سماع أي شهود عملاً بالمادة 271/ 2 من قانون الإجراءات الجنائية .
2- اعتراف المتهم على غيره لا يعد اعترافاً ولكنه من قبيل الاستدلالات التي يجوز للمحكمة أن تعزز بها ما لديها من أدلة، ومن ثم لا تصلح وحدها للحكم بالإدانة وهذا يعد شهادة يسوغ للمحكمة أن تعول عليها في الإدانة ، وهي شهادة - طبقاً لرأي محكمة النقض - دون حلف يمين . فهي ليست شهادة وليست اعترافاً ولكن رأي محكمة النقض أنها تأخذ باعتراف متهم على متهم في التحقيقات متى اطمأنت إليه ووثقت به ولو لم يؤيد بدليل آخر بل وحتى لو عدل صاحبه عنه في الجلسة.
3- يحسن أن يكون الاعتراف أمام المحكمة التي تنظر الدعوى : بالرغم من أن قضاء النقض قرر أن لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في حق نفسه وفي حق غيره من المتهمين في أي دور من أدوار التحقيق ولو عدل عنه بعد ذلك متى اطمأنت إلى صحته ومطابقته للحقيقة والواقع ، ويشترط أن تبين سبب اطراحها لإنكار المتهم أمامها وتعويلها على إقراره في التحقيق الابتدائي .
4- يجب أن يكون الاعتراف نصاً في اقتراف الجريمة ، فلا يعد اعترافاً :
أ- هروب المتهم بعد الواقعة .
ب - الإقرار بالتصالح مع المجنى عليه لا يعد اعترافاً بالجريمة .
ج - الإقرار بتواجده وقت الحادث وأن بينه وبين المجني عليه ضغينة لا تزول.
5- يجب أن يكون الاعتراف صادراً عن إرادة حرة : وليس وليد إكراه من أي صورة ، ويلاحظ أن مجرد وجود ضابط البوليس في التحقيق لا يعد إكراها مادام لم يستطل بالأذى إلى المتهم مادياً أو معنوياً ونشك في انتفاء الإكراه المعنوي في حضور الضابط.
للمحكمة أن تعول على الاعتراف إذا توافرت شروطه ومتى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع، وقد يكون سبب الاعتراف غیر صادق في الحالات الآتية:
1- الرغبة في تخليص المجرم الحقيقي .
2- الرغبة في تجنب اتهام أشد خطورة .
3- الرغبة في دخول السجن .
4-للرغبة في البطولة في الجرائم السياسية.
رفض الدفع بأن الاعتراف كان وليد إكراه يجب أن تقيمه المحكمة على أسباب سائغة. و المحكمة ملزمة إن أخذت به أن ترد على ما نعاه المتهم عليه من عيوب وإذا قررت عدم الأخذ به لعدم الاطمئنان له فعلى المحكمة أن تبين سبب عدم الأخذ به .
سكوت المتهم لا يصح أن يتخذ قرينة على ثبوت التهمة عليه .
إذا طلب المتهم استجوابه وأغفلت المحكمة طلبه فإنها تكون قد أخلت بحق الدفاع .
الاستجواب المحظور هو مناقشة المتهم تفصيليا في الأدلة نفياً وإثباتاً، أما سؤال المتهم في الحالات التالية لا يعد استجواباً :
1- عن الفعل المسند إليه .
2- سؤاله عن شخص آخر له صلة بالدعوى .
3- سؤاله عن صلته بأحد الشهود .
4 - سؤال المتهم عن سوابقه .
5- الاستفسار عن شئ غامض بسيط مجرد استيضاحات.
يترتب على استجواب المتهم بدون قبوله الصريح أو الضمنى بطلان كافة الإجراءات التي ترتبت على الاستجواب .
المحكمة إذا أخذت بدليل يجب عليها أن تقرر لماذا أخذت بسه بأسباب سائغة ، وإذا أهدرت دلیل فعليها أن تقرر لماذا أهدرته بأسباب سائغة، وإذا لم تشر إلى الدليل يشترط أن تكون قد أحاطت بالواقعة عن بصر وبصيرة وظروفها وأدلتها. (الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزءالثالث، الصفحة 9)
وهذا النص لا يضفي على الاعتراف قوة إثبات خاصة، وإنما يقرر ترتيباً خاصاً لإجراءات المحاكمة إذا صدر الاعتراف.
أركان الاعتراف:
أركان الاعتراف أربعة:
فيتعين أن يصدر عن المتهم نفسه، أما ما يصدر عن غير المتهم في شأن واقعة مسندة إلي المتهم فهو شهادة ويرتبط بذلك أن يكون موضوع الاعتراف واقعة ينسبها المتهم إلى نفسه، أما ما ينسبه المتهم إلى متهم آخر، وإن يكن مساهماً معه في جريمته، فهو ليس اعترافاً، وإنما هو كذلك شهادة، ولا يعد اعترافاً ما ينسبه محامي المتهم إليه ويتعين أن يكون موضوع الاعتراف واقعة، فذلك أصل عام في جميع وسائل الإثبات، أما ما يصدر عن المتهم في شأن نسبة وصف قانوني معين إلى الواقعة التي صدرت عنه، فهو ليس اعترافاً، وإنما هو محض «رأي» في الدعوى: وليست له قوة إثبات ويتعين أن تكون الواقعة موضوع الاعتراف ذات أهمية في الدعوى، وهي تكون كذلك إذا كانت تتصل بارتكاب الجريمة ونسبتها إلى المتهم. ويتعين أن يكون من شأن الواقعة موضوع الاعتراف تقرير مسئولية المتهم أو تشديدها، أما ما يقرره المتهم الذي ثبت إسناد الجريمة إليه في شأن واقعة يترتب عليها نشوء سبب إباحة لمصلحته أو مانع مسئولية أو مانع عقاب أو سبب تخفيف فهو ليس اعترافاً، وإنما هو «دفع».
- أنواع الاعتراف: التقسيم الأساسي للاعتراف هو التمييز بين الاعتراف القضائي والاعتراف غير القضائي: فالأول هو ما صدر أمام قضاء الحكم، أي في مرحلة المحاكمة وفي جلستها، أما الاعتراف غیر القضائي فهو ما يصدر في غير هذه الحالة، وقد يصدر في مرحلة التحقيق الابتدائي أو مرحلة في الاستدلال، بل قد لا يصدر أمام إحدى سلطات الإجراءات الجنائية.
نصت المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية (فقرتها الثانية) على أن «يسأل المتهم عما إذا كان معترفاً بارتكاب الفعل المسند إليه، فإن اعترف جاز للمحكمة الاكتفاء باعترافه، والحكم عليه بغير سماع الشهود». وعلة هذا الاستثناء ما يحمله الاعتراف من حجية على صحة الاتهام، مما يبرر ابتسار إجراءات المحاكمة بحيث يستبعد تطبيق مبدأ الشفوية. وهذا الاستثناء محل نظر، ذلك أن الاعتراف ليس دائماً موضع ثقة، بالإضافة إلى أن مبدأ الشفوية لا يهدف إلى مصلحة المتهم، وإنما يهدف إلى ضمان السير السليم لإجراءات المحاكمة.
ويفترض هذا الاستثناء أن الاعتراف كان في جلسة المحاكمة وبناء على سؤال المحكمة. وتطبيقاً لذلك، لا يكون لهذا الاستثناء محل، إذا كان المتهم قد اعترف بجريمته في مرحلة سابقة على جلسة المحاكمة، كما لو اعترف في محضر الاستدلال أو التحقيق الابتدائي. ويفترض النص أن الاعتراف صریح، إذ يجيئ رداً على سؤال المحكمة. (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة: 905)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الأول ، الصفحة / 235
الشَّهَادَةُ:
مِنْ مَعَانِي الشَّهَادَةِ فِي اللُّغَةِ الْبَيَانُ وَالإْظْهَارُ لِمَا يَعْلَمُهُ، وَأَنَّهَا خَبَرٌ قَاطِعٌ.
وَشَرْعًا: إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ لِلْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ صِيَغُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تَبَعًا لِتَضَمُّنِهَا شُرُوطًا فِي قَبُولِهَا كَلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَمَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ.
حُكْمُهَا:
لِلشَّهَادَةِ حَالَتَانِ: حَالَةُ تَحَمُّلٍ، وَحَالَةُ أَدَاءٍ.
فَأَمَّا التَّحَمُّلُ، وَهُوَ أَنْ يُدْعَى الشَّخْصُ لِيَشْهَدَ وَيَحْفَظَ الشَّهَادَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ. فَإِنْ تَعَيَّنَ بِحَيْثُ لاَ يُوجَدُ غَيْرُهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ. وَأَمَّا الأْدَاءُ، وَهُوَ أَنْ يُدْعَى الشَّخْصُ لِيَشْهَدَ بِمَا عَلِمَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ،لقوله تعالى « وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا»وقوله تعالى « وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ»
دَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ طُرُقِ الْقَضَاءِ، لقوله تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ».
وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»
وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأْمَّةُ عَلَى أَنَّهَا حُجَّةٌ يُبْنَى عَلَيْهَا الْحُكْمُ.
مَدَى حُجِّيَّتِهَا:
الشَّهَادَةُ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، أَيْ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً بِنَفْسِهَا إِذْ لاَ تَكُونُ مُلْزِمَةً إِلاَّ إِذَا اتَّصَلَ بِهَا الْقَضَاءُ. وَتَفْصِيلُ أَحْكَامِ الشَّهَادَةِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوْطِنِهِ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَة).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني ، الصفحة / 340
أَدَاءُ الشَّهَادَةِ
حُكْمُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ:
أَدَاءُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّه) وَقَوْلِهِ( وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) فَإِذَا تَحَمَّلَهَا جَمَاعَةٌ وَقَامَ بِأَدَائِهَا مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ سَقَطَ الأْدَاءُ عَنِ الْبَاقِينَ، لأِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا حِفْظُ الْحُقُوقِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِبَعْضِهِمْ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْكُلُّ أَثِمُوا جَمِيعًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه) وَلأِنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ فَلَزِمَ الأْدَاءُ عِنْدَ الطَّلَبِ.
وَقَدْ يَكُونُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ فَرْضَ عَيْنٍ إِذَا كَانَ لاَ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ، وَتَوَقَّفَ الْحَقُّ عَلَى شَهَادَتِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الأْدَاءُ؛ لأِنَّهُ لاَ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إِلاَّ بِه.
إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ مُتَعَلِّقَةً بِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَأَسْبَابِهَا أَيْ فِي مَحْضِ حَقِّ الآْدَمِيِّ، وَهُوَ مَا لَهُ إِسْقَاطُهُ كَالدَّيْنِ وَالْقِصَاصِ فَلاَ بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمَشْهُودِ لَهُ لِوُجُوبِ الأَْدَاءِ، فَإِذَا طُلِبَ وَجَبَ عَلَيْهِ الأْدَاءُ، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ بَعْدَ الطَّلَبِ يَأْثَمُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ قَبْلَ طَلَبِ الْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ» وَلأِنَّ أَدَاءَهَا حَقٌّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، فَلاَ يُسْتَوْفَى إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبُّ الشَّهَادَةِ بِأَنَّ الشَّاهِدَ تَحَمَّلَهَا اسْتُحِبَّ لِمَنْ عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ إِعْلاَمُ رَبِّ الشَّهَادَةِ بِهَا.
وَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ مُتَعَلِّقَةً بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيمَا سِوَى الْحُدُودِ، كَالطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ الْحُرُمَاتِ فَيَلْزَمُهُ الأْدَاءُ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الأْدَاءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَاد.
وَأَمَّا فِي أَسْبَابِ الْحُدُودِ مِنَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَالسَّتْرُ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ» وَلأِنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَرْءِ الْحَدِّ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الأْوْلَى السَّتْرُ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْجَانِي مُتَهَتِّكًا، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ.
وَإِذَا وَجَبَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَى إِنْسَانٍ وَلَكِنَّهُ عَجَزَ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ، كَأَنْ دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ كَانَ سَيَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ فَلاَ يَلْزَمُهُ الأْدَاءُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى«وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ» وَقَوْلِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ»وَلأِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَضُرَّ نَفْسَهُ لِنَفْعِ غَيْرِهِ.
كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لاَ يَجِبُ الأْدَاءُ إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ غَيْرَ عَدْلٍ، قَالَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ: كَيْفَ أَشْهَدُ عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ عَدْلاً، لاَ أَشْهَدُ.
كَيْفِيَّةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ:
يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي أَدَائِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِكَذَا وَنَحْوَهُ؛ لأِنَّ الشَّهَادَةَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الإْتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهَا؛ وَلأِنَّ فِيهَا مَعْنًى لاَ يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الأْلْفَاظِ، وَلَوْ قَالَ: أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ أَوْ أَعْرِفُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، إِلاَّ أَنَّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لأِدَاءِ الشَّهَادَةِ صِيغَةً مَخْصُوصَةً بَلْ قَالُوا: الْمَدَارُ فِيهَا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ عِلْمِ الشَّاهِدِ بِمَا شَهِدَ بِهِ كَرَأَيْتُ كَذَا أَوْ سَمِعْتُ كَذَا وَهُوَ الأْظْهَرُ عِنْدَهُمْ وَلِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا شُرُوطٌ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَةٌ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع ، الصفحة / 57
اسْتِفْسَار
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِفْسَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَفْسَرْتُهُ كَذَا إِذَا سَأَلْتُهُ أَنْ يُفَسِّرَهُ لِي.
وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ فِي الْفِقْهِ عَنْهُ فِي اللُّغَةِ.
وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: طَلَبُ ذِكْرِ مَعْنَى اللَّفْظِ، حِينَ تَكُونُ فِيهِ غَرَابَةٌ أَوْ إِجْمَالٌ.
فَالاِسْتِفْسَارُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ أَخَصُّ مِنْهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْفِقْهِ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السُّؤَالُ:
2 - السُّؤَالُ هُوَ: الطَّلَبُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ تَوْضِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِكَ: سَأَلْتُهُ عَنْ كَذَا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. أَمَّا الاِسْتِفْسَارُ فَهُوَ خَاصٌّ بِطَلَبِ التَّوْضِيحِ.
ب - الاِسْتِفْصَالُ:
3 - الاِسْتِفْصَالُ هُوَ طَلَبُ التَّفْصِيلِ (ر: اسْتِفْصَالٌ)، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِفْسَارِ، لأَِنَّ التَّفْسِيرَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ التَّفْصِيلِ، كَمَا فِي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ بِمُرَادِفِهِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
4 - حُكْمُهُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
الاِسْتِفْسَارُ مِنْ آدَابِ الْمُنَاظَرَةِ، فَإِذَا خَفِيَ عَلَى الْمُنَاظِرِ مَفْهُومُ كَلاَمِ الْمُسْتَدِلِّ لإِِجْمَالٍ أَوْ غَرَابَةٍ فِي الاِسْتِعْمَالِ اسْتَفْسَرَهُ، وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُرَادِهِ عِنْدَ الاِسْتِفْسَارِ، حَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ لَبْسٌ وَلاَ إيهَامٌ، وَحَتَّى تَجْرِي الْمُنَاظَرَةُ عَلَى خَيْرِ الْوُجُوهِ.
مِثَالُ الإِْجْمَالِ: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: يَلْزَمُ الْمُطَلَّقَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِالأَْقْرَاءِ، فَيَطْلُبُ الْمُنَاظِرُ تَفْسِيرَ الْقُرْءِ، لأَِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الطُّهْرِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَيْضِ.
وَمِثَالُ الْغَرَابَةِ قَوْلُهُ: لاَ يَحِلُّ السِّيدُ (بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الْيَاءِ) فَيَسْتَفْسِرُ الْمُنَاظِرُ مَعْنَاهُ، فَيُجِيبُهُ بِأَنَّهُ الذِّئْبُ.
هَذَا، وَيَعُدُّ الأُْصُولِيُّونَ الاِسْتِفْسَارَ مِنْ جُمْلَةِ الاِعْتِرَاضَاتِ بِمَعْنَى الْقَوَادِحِ، وَيُرَتِّبُونَهُ فِي أَوَّلِهَا، وَمَوْطِنُ اسْتِيفَائِهِ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
حُكْمُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
5 - عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَفْسِرَ ذَوِي الْعَلاَقَةِ الأُْمُورَ الْغَامِضَةَ، لِيَكُونَ فِي حُكْمِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، كَاسْتِفْسَارِهِ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مُبْهَمٍ، وَاسْتِفْسَارِهِ الشَّاهِدَ السَّبَبَ، كَمَا إِذَا شَهِدَا أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ.
6 - وَقَدْ لاَ يَجِبُ الاِسْتِفْسَارُ لاِعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ، كَاسْتِفْسَارِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يُسْتَفْسَرُ كَيْفِيَّةُ حُصُولِ الإِْكْرَاهِ، دَرْءًا لِلْحُدُودِ مَا أَمْكَنَ، خِلاَفًا لِلأَْذْرَعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ الاِسْتِفْسَارِ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
7 - بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ أَوْرَدُوا الْمَبَادِئَ الْمَنْطِقِيَّةَ، كَمُقَدِّمَةٍ لِعِلْمِ الأُْصُولِ، وَذَكَرُوا الاِسْتِفْسَارَ ضِمْنَهَا، وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُهُ فِي مَبَاحِثِ الْقَوَادِحِ فِي الدَّلِيلِ.
كَمَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الإِْقْرَارِ، حِينَ الْكَلاَمِ عَلَى الإِْقْرَارِ بِمُبْهَمٍ، وَفِي بَحْثِ طَلاَقِ الْمُكْرَهِ مِنْ كِتَابِ الطَّلاَقِ، بِمُنَاسَبَةِ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ، هَلْ يُسْتَفْسَرُ؟ وَفِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَا يَجِبُ فِيهِ ذِكْرُ سَبَبِ الشَّهَادَةِ، وَفِي كِتَابِ الْقَضَاءِ كَذَلِكَ.
اسْتِفْصَال
التَّعْرِيفُ:
1 - يُسْتَفَادُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَاتِ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّ الاِسْتِفْصَالَ: طَلَبُ التَّفْصِيلِ. وَلَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الْمَعَاجِمِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ، وَكَفَى بِهِ حُجَّةً فِي لُغَةِ الْعَرَبِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِفْسَارُ:
2 - الاِسْتِفْسَارُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: طَلَبُ ذِكْرِ مَعْنَى اللَّفْظِ حِينَ تَكُونُ فِيهِ غَرَابَةٌ أَوْ خَفَاءٌ، وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: طَلَبُ التَّفْسِيرِ مُطْلَقًا.
ب - السُّؤَالُ:
3 - السُّؤَالُ: الطَّلَبُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ تَفْصِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ.
. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
حُكْمُهُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
4 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ تَرْكَ الاِسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الْحَالِ، مَعَ قِيَامِ الاِحْتِمَالِ، يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ. وَمِثَالُهُ «أَنَّ غَيْلاَنَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم: أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ كَيْفِيَّةِ وُرُودِ عَقْدِهِ عَلَيْهِنَّ، أَكَانَ مُرَتَّبًا أَمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؟ فَكَانَ إطْلاَقُ الْقَوْلِ، دَالًّا عَلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ.
وَفِي دَلاَلَةِ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَعَدَمِهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
حُكْمُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
5 - يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَفْصِلَ فِي الأُْمُورِ الأَْسَاسِيَّةِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ الصَّحِيحُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أُمُورٍ وَاضِحَةٍ لاَ لَبْسَ فِيهَا وَلاَ غُمُوضَ. كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ إذْ أَقَرَّ بِالزِّنَا، فَلَمْ يَرْجُمْهُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم إلاَّ بَعْدَ أَنِ اسْتَفْصَلَ مِنْهُ فَقَالَ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟ قَالَ: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَنِكْتَهَا لاَ يُكَنِّي قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ».
فَلَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم مَجَالاً لاِحْتِمَالِ التَّجَوُّزِ.
6 - وَهُنَاكَ أُمُورٌ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الأَْهَمِّيَّةِ فَيُنْدَبُ فِيهَا لِلْحَاكِمِ الاِسْتِفْصَالُ وَلاَ يَجِبُ، كَمَا إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ جِهَةَ تَحَمُّلِهَا، وَوَثِقَ الْقَاضِي بِمَعْرِفَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ بِشَرَائِطِ التَّحَمُّلِ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِلْقَاضِي فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَهُ، فَيَسْأَلَهُ: بِأَيِّ سَبَبٍ ثَبَتَ هَذَا الْمَالُ؟ وَهَلْ أَخْبَرَك بِهِ الأَْصْلُ (الشَّاهِدُ الأَْصْلِيُّ) أَوَّلاً وَكَمَا إِذَا شَهِدَ الْمُغَفَّلُ الَّذِي لاَ يَضْبِطُ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، وَبَيَّنَ سَبَبَ الشَّهَادَةِ، كَأَشْهَدُ أَنَّ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفًا قَرْضًا، فَيُنْدَبُ لِلْحَاكِمِ اسْتِفْصَالُهُ فِيهِ.
7 - عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ الاِسْتِفْصَالُ لاِعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ، كَمَا إِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكٌ لَهُ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ أَنَّهُ دُونَ نِصَابٍ، أَوْ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ فِي الأَْخْذِ، لَمْ يُقْطَعْ، وَلاَ يُسْتَفْصَلْ فِي دَعْوَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عُلِمَ كَذِبُهُ، نَظَرًا إلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث عشر، الصفحة / 140
تَقْرِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّقْرِيرُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ قَرَّرَ، يُقَالُ قَرَّرَ الشَّيْءَ فِي الْمَكَانِ: ثَبَّتَهُ، وَقَرَّرَ الشَّيْءَ فِي مَحَلِّهِ: تَرَكَهُ قَارًّا، وَقَرَّرَ فُلاَنًا بِالذَّنْبِ: حَمَلَهُ عَلَى الاِعْتِرَافِ بِهِ، وَقَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ أَوِ الرَّأْيَ وَضَّحَهُ وَحَقَّقَهُ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ - كَمَا ذُكِرَ فِي أَقْسَامِ السُّنَّةِ: سُكُوتُ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم - عَنْ إنْكَارِ قَوْلٍ قِيلَ بَيْن يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَمِلَ بِهِ، أَوْ سُكُوتُهُ عَنْ إنْكَارِ فِعْلٍ حِينَ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْقْرَارُ:
2 - الإِْقْرَارُ لُغَةً: الإِْذْعَانُ لِلْحَقِّ وَالاِعْتِرَافُ بِهِ. يُقَالُ: أَقَرَّ بِالْحَقِّ أَيِ اعْتَرَفَ بِهِ.
وَاصْطِلاَحًا: إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ بِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ أَثَرًا لِلتَّقْرِيرِ.
ب - السُّكُوتُ:
3 - السُّكُوتُ: تَرْكُ الْكَلاَمِ وَالسُّكُوتُ عَنِ الأَْمْرِ عَدَمُ الإِْنْكَارِ، وَالصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّقْرِيرِ هِيَ أَنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَدْ يَكُونُ تَقْرِيرًا وَقَدْ لاَ يَكُونُ.
وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: لاَ يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ، لَكِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ اسْتُثْنِيَ بِهَا مَسَائِلُ عَدِيدَةٌ اعْتُبِرَ السُّكُوتُ فِيهَا تَقْرِيرًا وَمِنْ ذَلِكَ:
سُكُوتُ الْبِكْرِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ.
وَقَبُولُ التَّهْنِئَةِ بِالْمَوْلُودِ وَالسُّكُوتُ عَلَى ذَلِكَ يُعْتَبَرُ إِقْرَارًا بِالنَّسَبِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: السُّكُوتُ بِمُجَرَّدِهِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالنُّطْقِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ، وَلِهَذَا كَانَ تَقْرِيرُهُ صلي الله عليه وسلم مِنْ شَرْعِهِ، وَكَانَ الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ حُجَّةً عِنْدَ كَثِيرِينَ. أَمَّا غَيْرُ الْمَعْصُومِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ إِلاَّ إِذَا قَامَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ.
ج - الإِْجَازَةُ:
4 - مِنْ مَعَانِي الإِْجَازَةِ: الإِْنْفَاذُ، يُقَالُ: أَجَازَ الشَّيْءَ إِذَا أَنْفَذَهُ وَجَوَّزَ لَهُ مَا صَنَعَ وَأَجَازَ لَهُ: أَيْ سَوَّغَ لَهُ ذَلِكَ وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ: جَعَلْتُهُ جَائِزًا نَافِذًا وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى تَكُونُ كَالتَّقْرِيرِ لِلأَْمْرِ الَّذِي حَدَثَ، وَمِنْ ذَلِكَ إِجَازَةُ الْمَالِكِ لِتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
(الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ ):
أَوَّلاً - التَّقْرِيرُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
5 - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ التَّقْرِيرَ بِاعْتِبَارِهِ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَسْكُتَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم عَنْ إِنْكَارِ قَوْلٍ قِيلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ أَوْ سَكَتَ عَنْ إِنْكَارِ فِعْلٍ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ. وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَأَضَافَهُ إِلَى عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم وَكَانَ مِمَّا لاَ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِ.
6 - وَالتَّقْرِيرُ حُجَّةٌ وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ، لَكِنْ ذَلِكَ لاَ بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ قُدْرَةِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم عَلَى الإِْنْكَارِ، وَكَوْنِ الْمُقَرَّرِ مُنْقَادًا لِلشَّرْعِ، وَكَوْنِ الأَْمْرِ الْمُقَرَّرِ ثَابِتًا لَمْ يَسْبِقِ النَّهْيُ عَنْهُ.
لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ التَّقْرِيرَ لاَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لأَِنَّ السُّكُوتَ وَعَدَمَ الإِْنْكَارِ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم سَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ فَلاَ يَكُونُ الْفِعْلُ إِذْ ذَاكَ حَرَامًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَكَتَ عَنْهُ لأَِنَّ الإِْنْكَارَ لَمْ يَنْجَحْ فِيهِ وَعَلِمَ أَنَّ إِنْكَارَهُ ثَانِيًا لاَ يُفِيدُ فَلَمْ يُعَاوِدْهُ، وَبِذَلِكَ لاَ يَصْلُحُ التَّقْرِيرُ دَلِيلاً عَلَى الْجَوَازِ وَالنَّسْخِ.
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
ثَانِيًا - التَّقْرِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
7 - يَأْتِي التَّقْرِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعَانٍ ثَلاَثَةٍ:
الأَْوَّلُ: بِمَعْنَى تَثْبِيتِ حَقِّ الْمُقَرَّرِ فِي شَيْءٍ وَتَأْكِيدِهِ:
أَوْرَدَ الْحَنَفِيَّةُ التَّقْرِيرَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي مَسْأَلَةِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ، إِذْ أَنَّهُمْ يَقْسِمُونَ طَلَبَ الشُّفْعَةِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ، وَطَلَبُ التَّقْرِيرِ، وَطَلَبُ الْخُصُومَةِ وَالْمِلْكِ، فَطَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ هُوَ طَلَبُ الشُّفْعَةِ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ بِهَا، لِبَيَانِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنِ الشُّفْعَةِ وَالإِْشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ.
وَطَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالإِْشْهَادِ هُوَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى طَلَبِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ إِ نْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، أَوْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ سَلَّمَهُ الْمَبِيعَ أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ.
فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ. وَهَذَا الطَّلَبُ يُسَمَّى طَلَبَ التَّقْرِيرِ أَوْ طَلَبَ الإِْشْهَادِ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ قَرَّرَ حَقَّهُ وَأَكَّدَهُ.
وَالشَّفِيعُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ التَّقْرِيرِ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الإِْشْهَادُ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ. أَمَّا إِذَا اسْتَطَاعَ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ الإِْشْهَادَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي أَوِ الْعَقَارِ فَذَلِكَ يَكْفِيهِ وَيَقُومُ مَقَامَ الطَّلَبَيْنِ، وَالإِْشْهَادُ إِنَّمَا هُوَ لإِِثْبَاتِ الْحَقِّ عِنْدَ التَّجَاحُدِ.
هَذَا وَبَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ تَذْكُرُ الإِْشْهَادَ دُونَ لَفْظِ التَّقْرِيرِ، وَفِي اعْتِبَارِ الإِْشْهَادِ شَرْطًا لاِسْتِقْرَارِ الشُّفْعَةِ أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ. يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِشْهَادٌ، وَشُفْعَةٌ) .
الثَّانِي: بِمَعْنَى اسْتِمْرَارِ الأَْمْرِ الْمَوْجُودِ وَإِبْقَائِهِ عَلَى حَالِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا يَأْتِي:
أ - فِي الشَّرِكَةِ:
8 - إِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالتَّرِكَةِ دَيْنٌ وَلاَ دِيَةٌ فَلِلْوَارِثِ الرَّشِيدِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَتَقْرِيرِ الشَّرِكَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ تَقْرِيرُ الشَّرِكَةِ إِلاَّ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ. (ر: شَرِكَةٌ)
ب - فِي الْقِرَاضِ:
9 - إِذَا مَاتَ الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْوَارِثُ الاِسْتِمْرَارَ عَلَى الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاضًّا فَلَهُمَا ذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَأْنِفَا عَقْدًا بِشَرْطِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّرْكِ وَالتَّقْرِيرِ بِأَنْ يَقُولَ الْوَارِثُ: تَرَكْتُكَ أَوْ قَرَّرْتُكَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِفَهْمِ الْمَعْنَى.
وَإِذَا مَاتَ عَامِلُ الْمُضَارَبَةِ وَأَرَادَ الْمَالِكُ تَقْرِيرَ وَارِثِ الْعَامِلِ مَكَانَهُ فَتَقْرِيرُهُ مُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ عَلَى نَقْدٍ مَضْرُوبٍ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُضَارَبَةٍ (قِرَاضٌ).
ج - فِي الْقَضَاءِ:
10 - الأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمٍ سَابِقٍ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا. بَلْ كَانَ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. لَكِنْ هَلْ تَقْرِيرُ الْقَاضِي مَا رُفِعَ إِلَيْهِ يُعْتَبَرُ حُكْمًا لاَ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟
عَقَدَ ابْنُ فَرْحُونَ فِي تَبْصِرَتِهِ فَصْلاً بِعِنْوَانِ تَقْرِيرُ الْحَاكِمِ مَا رُفِعَ إِلَيْهِ. قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ (يَعْنِي الْمَالِكِيَّةَ) هَلْ يَكُونُ تَقْرِيرُ الْحَاكِمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ حُكْمًا بِالْوَاقِعِ فِيهَا أَمْ لاَ؟ كَمَا إِذَا زَوَّجَتِ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى قَاضٍ حَنَفِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَسْخُهُ وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فَلاَ يَعْتَرِضُهُ قَاضٍ آخَرُ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلِغَيْرِهِ فَسْخُهُ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا لَوْ رُفِعَ لَهُ فَقَالَ: لاَ أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِهِ فَهَذِهِ فَتْوَى وَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِمَا يَرَاهُ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (قَضَاءٌ).
الثَّالِثُ - التَّقْرِيرُ بِمَعْنَى طَلَبِ الإِْقْرَارِ مِنَ الْمُتَّهَمِ وَحَمْلُهُ عَلَى الاِعْتِرَافِ
11 - لِلْقَاضِي تَقْرِيرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَطْلُبَ الْقَاضِي مِنْهُ الْجَوَابَ إِمَّا بِالإِْقْرَارِ أَوْ بِالإِْنْكَارِ.
وَإِقْرَارُ الْمُكْرَهِ لاَ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ. لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ جَعَلُوا مِنْ بَابِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُرَاعَاةَ شَوَاهِدِ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمُتَّهَمِ وَقُوَّةَ التُّهْمَةِ فَأَجَازُوا التَّوَصُّلَ إِلَى الإِْقْرَارِ بِالْحَقِّ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ اسْتِنَادًا إِلَى قوله تعالي : ( وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالي عنه لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم هُوَ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فِي أَثَرِ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَمَلَتْ خِطَابَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِي الْكِتَابِ إِخْبَارٌ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَأَدْرَكَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ الْمَرْأَةَ وَاسْتَنْزَلاَهَا وَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا الْكِتَابَ فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ رضي الله تعالي عنه : أَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم وَلاَ كَذَبْنَا، وَلْتُخْرِجِنَّ لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنْهُ اسْتَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا».
لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِلْقَاضِي أَوْ لِوَالِي الْمَظَالِمِ؟
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي وَلِلْوَالِي ضَرْبُ الْمُتَّهَمِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ لأَِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنِ الإِْمَامِ فِي تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ يَكُونُ ذَلِكَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ وَلاَ يَكُونُ لِلْقَاضِي، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا.
12 - قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الدَّعَاوَى قِسْمَانِ: دَعْوَى تُهْمَةٍ وَدَعْوَى غَيْرِ تُهْمَةٍ.
فَدَعْوَى التُّهْمَةِ أَنْ يَدَّعِيَ فِعْلَ مُحَرَّمٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ يُوجِبُ عُقُوبَتَهُ مِثْلَ قَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُدْوَانِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فِي غَالِبِ الأَْحْوَالِ.
وَدَعْوَى غَيْرِ التُّهْمَةِ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَقْدًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَكُلٌّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ قَدْ يَكُونُ حَدًّا مَحْضًا كَالشُّرْبِ وَالزِّنَى، وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا مَحْضًا لآِدَمِيٍّ كَالأَْمْوَالِ، وَقَدْ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلأَْمْرَيْنِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ. فَهَذَا الْقِسْمُ (أَيْ دَعْوَى غَيْرِ التُّهْمَةِ) إِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي حُجَّةً شَرْعِيَّةً وَإِلاَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».
13 - أَمَّا الْقِسْمُ الأَْوَّلُ مِنَ الدَّعَاوَى: وَهُوَ دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأَْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ فَهَذَا يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ. فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الْبُرَآءِ.
قَالَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ رحمها الله: لاَ أَدَبَ عَلَى الْمُدَّعِي إِلاَّ أَنْ يَقْصِدَ أَذِيَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَيْبَهُ وَشَتْمَهُ فَيُؤَدَّبُ. وَقَالَ أَصْبَغُ: يُؤَدَّبُ قَصَدَ أَذِيَّتَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ.
14 - (الْقِسْمُ الثَّانِي): أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ. وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي. هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ مَنْصُوصُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَمُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ: «قَدْ حَبَسَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ. ثُمَّ الْحَاكِمُ قَدْ يَكُونُ مَشْغُولاً عَنْ تَعْجِيلِ الْفَصْلِ وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ حُكُومَاتٌ سَابِقَةٌ فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ مَحْبُوسًا مُعَوَّقًا مِنْ حِينِ يُطْلَبُ إِلَى أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَهَذَا حَبْسٌ بِدُونِ التُّهْمَةِ فَفِي التُّهْمَةِ أَوْلَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي أَدَبِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
15 - (الْقِسْمُ الثَّالِثُ): أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا «أَمَرَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ».
قَالَ شَيْخُنَا: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ؟ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي أَوِ الْقَاضِي هَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَاضِي مِصْرَ فَإِنَّهُ قَالَ:
يُمْتَحَنُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ حَكَاهُ الْقَاضِيَانِ (أَبُو يَعْلَى وَالْمَاوَرْدِيُّ) وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إِثْبَاتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لاَ يُضْرَبُ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ وَكَثِيرٍ مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلاَثَةِ بَلْ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ لَكِنَّ حَبْسَ الْمُتَّهَمِ عِنْدَهُمْ أَبْلَغُ مِنْ حَبْسِ الْمَجْهُولِ.
ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لاَ يُحْبَسُ إِلَى الْمَوْتِ.
وَاَلَّذِينَ جَعَلُوا عُقُوبَتَهُ لِلْوَالِي دُونَ الْقَاضِي قَالُوا: وِلاَيَةُ أَمِيرِ الْحَرْبِ مُعْتَمَدُهَا الْمَنْعُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ وَقَمْعُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ وَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالْعُقُوبَةِ لِلْمُتَّهَمِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالإِْجْرَامِ بِخِلاَفِ وِلاَيَةِ الْحُكْمِ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا إِيصَالُ الْحُقُوقِ إِلَى أَرْبَابِهَا قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُلَّ وَلِيِّ أَمْرٍ يَفْعَلُ مَا فُوِّضَ إِلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ وَلِيَّ الصَّدَقَاتِ يَمْلِكُ مِنَ الْقَبْضِ وَالصَّرْفِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ وَالِي الْخَرَاجِ وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ وَالِي الْحَرْبِ وَوَالِي الْحُكْمِ يَفْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا اقْتَضَتْهُ وِلاَيَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ مَعَ رِعَايَةِ الْعَدْلِ وَالتَّقَيُّدِ بِالشَّرِيعَةِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع والعشرون ، الصفحة / 332
الإِْقْرَارُ:
تَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ إِذَا كَانَ مُكَلَّفًا بِأَنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلاً، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي سَبَقَ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ السَّارِقَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فِي إِقْرَارِهِ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الإِْقْرَارِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَلاَ يُعْتَدُّ بِهَذَا الإِْقْرَارِ. وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ بِصِحَّةِ إِقْرَارِ السَّارِقِ مَعَ الإِْكْرَاهِ لأَِنَّ السُّرَّاقَ قَدْ غَدَوْا لاَ يُقِرُّونَ طَائِعِينَ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُعْمَلُ بِإِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ مَعَ الإِْكْرَاهِ إِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ.
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ بِالسَّرِقَةِ نَاطِقًا، وَلِهَذَا فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْتَدُّونَ بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ، وَلَوْ كَانَتْ مُفْهِمَةً؛ لاِحْتِمَالِ إِشَارَتِهِ الإِْقْرَارَ وَغَيْرَهُ، وَهَذَا يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ. وَيَرَى الْجُمْهُورُ صِحَّةَ إِقْرَارِهِ، إِنْ كَانَتْ إِشَارَتُهُ مُفْهِمَةً قَبْلَ هَذَا الإِْقْرَارِ.
وَلاَ يَكُونُ الإِْقْرَارُ كَافِيًا لإِِقَامَةِ الْحَدِّ، إِلاَّ إِذَا كَانَ صَرِيحًا وَتَبَيَّنَ الْقَاضِي مِنْهُ تَوَافُرَ أَرْكَانِ السَّرِقَةِ، بِحَيْثُ لاَ تَبْقَى مَعَهُ أَيُّ شُبْهَةٍ.
وَاشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَصْدُرَ الإِْقْرَارُ عِنْدَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِالإِْقْرَارِ الصَّادِرِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلاَ بِالإِْقْرَارِ قَبْلَ الدَّعْوَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ الإِْقْرَارِ الَّتِي تُوجِبُ إِقَامَةَ حَدِّ السَّرِقَةِ: فَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، يَكْتَفُونَ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لأَِنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم «قَطَعَ سَارِقَ خَمِيصَةِ صَفْوَانَ وَسَارِقَ الْمِجَنِّ»، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدَهُمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الإِْقْرَارُ؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ بِالْحُقُوقِ يَكْتَفِي بِإِيرَادِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ إِخْبَارٌ تَرَجَّحَ فِيهِ جَانِبُ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ، فَلَنْ يَزِيدَهُ التَّكْرَارُ رُجْحَانًا. أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ صُدُورَ الإِْقْرَارِ مَرَّتَيْنِ، فِي مَجْلِسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ أَقَرَّ السَّارِقُ مَرَّةً وَاحِدَةً، لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. لأَِنَّ «النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم : مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ صلي الله عليه وسلم مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، وَلَمْ يَقْطَعْهُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَكَرَّرَ إِقْرَارُهُ»، فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ يَجِبُ بِالإِْقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمَا أَخَّرَهُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْخُصُومَةِ مَعَ الإِْقْرَارِ: فَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، يَشْتَرِطُونَ لِقَبُولِ الإِْقْرَارِ مُطَالَبَةَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَسْرُوقِ؛ لأَِنَّ عَدَمَ مُطَالَبَتِهِ يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ مِنْ مَجْهُولٍ أَوْ مِنْ غَائِبٍ.
وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عَدَمَ تَوَقُّفِ إِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَى دَعْوَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، لِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ، وَعَدَمِ وُجُودِ مَا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْعُمُومِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يُقِرُّ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ مِنْ مَجْهُولٍ أَوْ غَائِبٍ إِذَا ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ؛ لأَِنَّ الْمُقِرَّ لاَ يُتَّهَمُ فِي الإِْقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 71
رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ
إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).
صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:
عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).