للمحكمة أن تأمر ، ولو من تلقاء نفسها ، أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة .
موسوعة قانون الإجراءات الجنائية
1ـ متى كان يبين من الإطلاع على الأوراق أن المحكمة الإستئنافية تحقيقاً لدفاع الطاعن وإستجلاء لواقعة الدعوى قبل الفصل فيها تمكينه من الطعن بالتزوير وأوقفت الدعوى من بعد ذلك لتحقق النيابة العامة هذا الطعن ، وإذ إستأنفت الدعوى سيرها وحجزتها المحكمة للحكم فيها أعادتها للمرافعة بأسباب جاء فيها أن قسم أبحاث التزييف والتزوير طلب إستكتاب المدعى بالحق المدنى لإسمه عدة مرات بالطريقة العادية - فضلاً عن طلب المتهم ضم الشكوى الإدارى رقم 79/454 قسم دمياط . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد قضى بتأييد الحكم المستأنف لأسبابه مكتفياً بتعديل العقوبة فقط - دون أن يشير طلبه إلى تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير المقدم فى الدعوى ولم يورد فحواه ولم يعرض لما إنتهى إليه من نتائج ، فإن ذلك مما ينبئ بأن المحكمة لم تواجه عناصر الدعوى ولم تلم بها على وجه يفصح عن أنها فطنت لها ووازنت بينها ، ولا يحمل قضاؤها على أنه عدول عن تحقيق الدعوى عن طريق مكتب الخبراء إكتفاء بالأسباب التى قام عليها الحكم الإبتدائى ، ذلك بأنه من المقرر أنه إذا كانت المحكمة قد رأت أن الفصل فى الدعوى يتطلب تحقيق دليل بعينه فواجب عليها أن تعمل على تحقيق هذا الدليل أو تضمن حكمها الأسباب التى دعتها إلى أن تعود فتقرر عدم حاجة الدعوى ذاتها إلى هذا التحقيق ، أما هى ولم تفعل ولم تعن بتحقيق دفاع الطاعن بعد أن قدرت جديته - ولم تقسطه حقه بلوغاً إلى غاية الأمر فيه ، وهو دفاع يعد فى خصوص هذه الدعوى جوهرياً ومؤثراً فى مصيرها بل سكتت عنه إيراداً له ورداً عليه ، فإن ذلك مما يعيب حكمها ويوجب نقضه والإحالة بغير حاجة إلى بحث سائر أوجه الطعن .
( الطعن رقم 3978 لسنة 54 - جلسة 1984/11/25 - س 35 ص 821 ق 185 )
2ـ عجز الخبير عن إجراء عملية المضاهاة فى جريمة التزوير لعدم صلاحية إستكتاب المتهم لإجرائها لا يمنع المحكمة من تحقيق وقوع التزوير من المتهم بكافة الأدلة الأخرى .
( الطعن رقم 410 لسنة 24 - جلسة 1954/05/03- س 5 ع 3 ص 559 ق 190 )
3ـ للمحكمة إذا رأت من تلقاء نفسها اتخاذ إجراء ما، ثم رأت فيما بعد أن ظهور الحقيقة لا يتوقف حتماً على تنفيذ هذا الإجراء أن تعدل عنه، إذ لا يعدو كونه قراراً تحضيرياً منها فى صدد تجهيز الدعوى وجمع الأدلة فيها لا تتولد عنه حقوق للخصوم توجب حتماً العمل على تنفيذه صوناً لهذه الحقوق .
( الطعن رقم 1061 لسنة 21 - جلسة 1951/11/12 - س 3 ع 1 ص 179 ق 66 )
4ـ لا وجه للنعي على المحكمة أنها لم تنفذ قراراً أصدرته بسماع شاهد ما دامت هي التي أمرت باستدعاء هذا الشاهد وآخر ثم استغنت عنه بعد سماعها شهادة الشاهد الآخر وموافقة الدفاع على ذلك .
( الطعن رقم 1791 لسنة 20 - جلسة 1951/03/12 - س 2 ع 2 ص 749 ق 283 )
التزام المحكمة بالكشف عن الحقيقة :
متى دخلت الدعوى حوزة المحكمة سواء بتكليف المتهم بالحضور في الجنح بناء على محضر الاستدلالات، أو بإحالة المتهم بجناية أو جنحة إلى المحكمة بعد تحقيقها، تلتزم المحكمة بتحقيقها للوصول إلى الحقيقة وعدم الاقتصار على الاستماع إلى ما تقدمه النيابة العامة والمدعي المدني والمتهم والمسئول عن الحقوق المدنية من أدلة. ولهذا تلتزم المحكمة بجمع عناصر الأدلة، سواء ما كان منها في صالح المتهم أو في غير صالحه. ومتى جمعت المحكمة هذه الأدلة استقرأتها لكي تستنبط منها الحقيقة التي تقتنع بها. وهو ما يختلف عن التزام النيابة العامة كسلطة اتهام أمام المحكمة والذي يتمثل في مجرد تقديم عناصر الأدلة التي تكون في غير صالح المتهم لدعم الاتهام الذي تباشره، ما لم تتهاوى هذه العناصر أمام المحكمة وتتجمع لديها عناصر في صالح المتهم. فتلتزم بتقديمها بحكم حيادها في أداء وظيفتها .
وفي مقام جمع عناصر الأدلة نصت المادة 291 من قانون الإجراءات الجنائية على أن للمحكمة أن تأمر - ولو من تلقاء نفسها - أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماُ لظهور الحقيقة. كما نصت المادة 294 إجراءات على أنه إذا تعذر تحقيق دليل أمام المحكمة جاز لها أن تندب أحد أعضائها أو قاضياُ آخر التحقيقه. والتزاماُ من المحكمة للوصول إلى الحقيقة لها في أية حالة كانت عليها الدعوى أن توجه للشهود أي سؤال ترى لزومه لظهور الحقيقة، وأن تأذن للخصوم بذلك (المادة 273/ 1 إجراءات)، وإذا ظهر أثناء المرافعة والمناقشة بعض وقائع يرى لزوم تقديم إيضاحات عنها من المتهم لظهور الحقيقة يلفته القاضي إليها ويرخص له بتقديم تلك الإيضاحات (المادة 274/ 1 إجراءات)، وللمحكمة أثناء نظر الدعوى أن تستدعي وتسمع أقوال أي شخص ولو بإصدار أمر بالضبط والإحضار، إذا دعت الضرورة لذلك، ولها أن تأمر بتكليفه بالحضور في جلسة أخرى (المادة 377/ 2 إجراءات) صحتها ( المادة 277 / 2 ) ، ولها أن تسمع شهادة أي إنسان يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى ( المادة 377/ 3 إجراءات ) صحتها ( المادة 277 / 3 ) .
وطبقاُ للمادة 202/ 2 عقوبات صحتها ( المادة 302 / 2 ) بشأن القذف في حق موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة، للمحكمة أن تأمر بإلزام الجهات الإدارية بتقديم ما لديها من أوراق ومستندات معززة لما يقدمه المتهم من أدلة لإثبات حقيقة الأفعال التي أسندها للمجني عليه. فاستخلاص الحقيقة يؤدي دوراً مهماً وأساسياً في تحديد حكم القانون وتطبيقه، والاستخلاص المعوج للوقائع يؤدي إلى تطبيق معوج للقانون. من أجل ذلك فإن القاضي الجنائي يجب أن يصل إلى معرفة الحقيقة التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجنائية التي تطالب بحق العقاب .
ونظراً لأن الأمر يتصل بالحقوق والحريات، فعلى القاضي الجنائي " كما بينا - أن يقوم بدور ايجابي في جميع الدليل وفحصه وتقديره، فهو لا يهيم في فراغ يعتمد في ملئه على أطراف الدعوى، وإنما يبحث بنفسه عن الحقيقة من خلال محاكمة منصفة تحترم فيها كافة ضمانات الحقوق والحريات، وفي إطار الشرعية الإجرائية التي تعتمد على أن الأصل في المتهم البراءة. فإذا كان الحكم بالإدانة قائماً على استخلاص سائغ لوقائع الدعوى بما يتفق مع العقل والمنطق واستنباط سليم لأدلتها - لا يجوز النعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلبه منها المتهم .
وبناء على ذلك، فإذا رأت المحكمة أن ملف الدعوى تنقصه أدلة الإثبات بسبب وجود بلاغات أو محاضر استدلالات عن وقائع لم يتم تحقيقها بسبب سوء تحقيق الدعوى، فإن ذلك لا يعد كافياً لكي تقضي بالبراءة أو بالإدانة، فليس لها أن تفعل ذلك إلا إذا أحاطت بالدعوى عن بصر وبصيرة ومحصلتها وأحاطت بظروفها .
ولا شك في أن تمحيص الدعوى والإحاطة بظروفها لا يتفق مع الوقوف على نحو سلبي والقعود عن أداء الدور الإيجابي للقاضي الجنائي من أجل ظهور الحقيقة (طبقاً للمادة 291 إجراءات) شريطة أن يكون ذلك ممكناً.
ويبدو التزام المحكمة بأداء دورها الايجابي في الإثبات الجنائي عند تقديم دفاع جوهري في الدعوى قبل قفل باب المرافعة، وهو الدفاع الذي لو صح لتغير وجه الرأي في الدعوى. ففي هذه الحالة تلتزم المحكمة إما بإجابة الدفاع إلى طلباته في تحقيق الدعوى أو أن ترد على هذا الدفاع رداً مقنعاً. وقد قضت محكمة النقض أنه إذا تمسك الدفاع بسماع شهادة رئيس المباحث القائم بضبط الواقعة، فلا يجوز للمحكمة أن ترفض طلبه على أساس رأيها في شهادته لاحتمال أن تجيء الشهادة التي تسمعها ويباح للدفاع مناقشتها بما يقنعها بحقيقة قد يتغير بها وجه الرأي في الدعوى . وقضت أن المحكمة إذا طرحت دفاع الطاعن بأن اعترافه كان وليد إكراه مادي دون أن تبحث الصلة بين هذا الاعتراف والإصابات المقول بحصولها لإكراه الطاعن ونفي قيامها في استدلال سائغ يجعل حكمها قاصراً قصوراً يبطله. وقضت أنه لا يجوز الحكم بالبراءة بناء على عدم وجود المحرر المزور، لأن ذلك لا يترتب عليه حتماً عدم ثبوت جريمة التزوير، وأن القضاء بالبراءة لا يتأسس على عدم وجود دليل بالأوراق إذا لم يعرض الحكم لاعتراف المتهم .
ويبدو الأساس التشريعي لمرحلة جمع مصادر الدليل في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي في سائر النصوص التي تنظم إجراءات جمع الاستدلالات إضافة إلى إجراءات التحقيق الإبتدائي و إجراءات المحاكمة. فبالنسبة إلى إجراءات جمع الاستدلالات نصت المادة 21 إجراءات على أن يجمع مأمورو الضبط القضائي الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى. وبالنسبة إلى الأساس التشريعي في هذه المرحلة بالنسبة إلى إجراءات التحقيق الابتدائي، فإنه فضلاً عما نص عليه القانون بشأن اختصاص قاضي التحقيق ( المادة 169 صحتها المادة 69 إجراءات أو النيابة العامة (المادة 199 إجراءات بالتحقيق - فللنيابة العامة وباقي الخصوم أن يقدموا إلى قاضي التحقيق الدفوع والطلبات التي يرون تقديمها أثناء التحقيق ( المادة 81 إجراءات ). وبالنسبة إلى الأساس التشريعي لهذه المرحلة بالنسبة إلى إجراءات المحاكمة، فقد نص القانون على أن للمحكمة أن تأمر، ولو من تلقاء نفسها، في أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة (المادة 291 إجراءات) .
ويتجلى الأساس التشريعي لمرحلة مناقشة أدلة الإثبات في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي في النصوص التي تكفل مبدأ شفوية المرافعة بما يمكن الخصوم من مناقشة الأدلة المعروضة على المحكمة، وفي مبدأ المواجهة بين الخصوم الذي يكفل حضور الخصوم في أثناء إجراءات التحقيق، ما لم تتطلب الضرورة غير ذلك (المادة 77/ 1 إجراءات)، أو تتطلب حالة الاستعجال مباشرة بعض إجراءات التحقيق في غيبتهم (المادة 77/ 2 إجراءات)، وسائر النصوص التي تؤكد حق الدفاع .
أما الأساس التشريعي لمرحلة تقدير قيمة أدلة الإثبات بواسطة المحكمة، في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي، فيبدو فيما نصت عليه المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية من أن يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، ومع ذلك لا يجوز للقاضي أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه في الجلسة. وفيما نصت عليه المادة 300 إجراءات من أنه لا تتقيد المحكمة بما هو مدون في التحقيق الإبتدائي أو في محاضر جمع الاستدلالات، إلا إذا وجد في القانون نص على خلاف ذلك .
ومفاد حرية الإثبات أنه لا يتقيد بمصدر معين، فهناك حرية كاملة في تكوين عقيدة القاضي من أي مصدر مشروع للإثبات، يصلح لذلك. ولا يجوز الخلط بين مبدأ حرية جمع الأدلة وعرضها ومبدأ احترام الالتزام بحدود القانون. فالحرية التي يكفلها القانون ليست حرية هوجاء وإنما هي حرية تلتزم الإطار الذي يرسمه القانون دون خروج على محارمه أو حدوده . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 542 )
ضبط ما يفيد في كشف الحقيقة :
يهدف التفتيش - بوصفه من إجراءات التحقيق - إلى كشف الحقيقة وليس دون ذلك من الأغراض الإدارية أو الوقائية. وقد أشارت المادة 91/ 2 إجراءات إلى هذا الغرض حين أجازت تفتيش الأماكن لضبط كل ما يفيد في كشف الحقيقة. والمراد بكشف الحقيقة في هذا الصدد هو حيازة شيء مفيد لتحقيق الجريمة التي صدر إذن التفتيش من أجلها. ويستوي في ذلك أن يكون هذا الشيء في حيازة الشخص أو منزله، أو أن يكون هذا الشخص متهماً أو لا، كل ما هنالك أنه إذا كان الشخص غير متهم فإن تفتيشه هو أو منزل يخضع لأحكام خاصة. ولا يعد تفتيشاً للبحث عن الدليل للكشف عن الجريمة، لأنه بوصفه إجراء من إجراءات التحقيق يفترض أن تكون الجريمة قد وقعت فعلاً ودخلت الدعوى في حوزة سلطة التحقيق . ومن ثم فإن التفتيش هو إجراء لضبط أحد أدلة الجريمة التي يجري تحقيقها .
ولا يكفي مجرد الاتمام بالجريمة لتبرير التفتيش ما لم تكن هناك فائدة مرجوة من ضبط أدلة تفيد التحقيق. ويستوي في هذه الأدلة أن تكون لإثبات التهمة أو لنفيها. فإذا صدر أمر التفتيش لأسباب لا علاقة لها بالجريمة التي يجري تحقيقها كان التفتيش باطلاً. مثال ذلك تفتيش منزل المتهم لضبط أمواله من أجل تمكين المجني عليه من الحجز عليه والحصول على التعويض الذي عسى أن يحكم به له .
وبهذا الشرط يتميز التفتيش كإجراء من إجراءات التحقيق عن الأعمال الأخرى المشابهة له كالتفتيش الإداري والتفتيش الوقائي ودخول المحلات العامة ودخول المنازل لغير التفتيش. ويتطلب هذا الشرط توافر دلائل كافية على أن الشخص أو المكان الخاص المراد تفتيشه حائز على أشياء تتعلق بالجريمة أو تفيد فى كشف الحقيقة. وقد عبر القانون عن هذه الدلائل الكافية ب«القرائن» بالنسبة إلى التفتيش الذي يجريه قاضي التحقيق أو النيابة العامة للأماكن الخاصة ( المادة 91 إجراءات ) وعبر عنها ب«الأمارات القوية» بالنسبة إلى التفتيش الذي يجريه كل منهما للشخص ( المادة 94 إجراءات ) . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 926 )
دور القاضي الجنائي في الإثبات : إن السلطة الواسعة التي خولها الشارع للقاضي الجنائي في الإثبات تلقي عليه عبئاً أثقل مما يحمله قاض سلطته في الإثبات محدودة بقيود قانونية، كالقاضي المدني فالقاضي الجنائي دوره ايجابي في الإثبات، ولا يجوز له أن يقنع بفحص الأدلة التي يقدمها إليه أطراف الدعوى، وإنما يتعين عليه أن يتحرى بنفسه أدلة الدعوى، ويستثير الأطراف إلى تقديم أدلتهم، ومن ثم قيل إنه يتحرى «الحقيقة الموضوعية»، أي الحقيقة في كل نطاقها، وفي أدنى صورها إلى الواقع. وعلى خلاف ذلك، فإن القاضي المدني يلزم جانب الحياد بين أطراف الدعوى، ويتخذ لنفسه دوراَ أقل ايجابية، ويقتصر على فحص ما يقدمه إليه الأطراف من أدلة، ثم يقدرها ويبني عليها حكمه، ومن ثم قيل إنه يتحرى " الحقيقة الشكلية " أي الحقيقة في حدود الصورة التي يعرضها عليه الأطراف، وقد تختلف هذه الصورة عن الواقع وبالإضافة إلى تفسير الفرق بين دوري القاضي الجنائي والقاضي المدني باختلافهما من حيث مدى السلطة في الإثبات، فإنه يفسر هذا الفرق كذلك تعلق الدعوى الجنائية بالنظام العام مما يفرض على القاضي الجنائي أن يتحرى الحقيقة بنفسه وأن يتخذ لنفسه دوراً ايجابياً، أما الدعوى المدنية فتتعلق بنزاع بين مصالح خاصة، ومن ثم يقتصر دور القاضي المدني على فحص الصورة التي ارتضى أطراف الدعوى ضمناً عرضها عليه. وقد أكدت الدور الايجابي للقاضي الجنائي المادة 291 من قانون الإجراءات الجنائية في قولها « للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة ».
رقابة محكمة النقض : يترتب على اعتراف الشارع للقاضي بالسلطة في تقدير القيمة الاقناعية لكل دليل على حدة والقيمة الاقناعية للأدلة مجتمعة، أنه قد اعتبر هذا المجال موضوعاً لسلطة تقديرية كاملة لقاضي الموضوع، ويعني ذلك اعتباره مجالاً مغلقاً دون رقابة محكمة النقض . فلا يجوز لها أن تناقش اقتناع القاضي، فتقول إنه ما كان يجوز له أن يقتنع بدليل معين، أو أنه كان يتعين عليه أن يقتنع بدليل معين ولكن سلطة قاضي الموضوع ليست مطلقة . فإذا جافى تقديره المنطق، أي اعتمد في تفكيره على أساليب ينكرها المنطق السليم، كان لمحكمة النقض أن ترده إليه وإذا فرض الشارع قيوداً على مبدأ الاقتناع القضائي أو أورد عليه استثناءات، كانت لمحكمة النقض الرقابة على التزام القاضي هذه القيود وتطبيقه هذه الاستثناءات . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة : 852 )
أمر المحكمة بتقديم دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة :
يجعل القانون للقاضي الجنائي دوراً ايجابياً في تحقيق الدعوى المنظورة أمامه. فقد نصت المادة محل التعليق على أنه " للمحكمة أن تأمر، ولو من تلقاء نفسها، أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة". فالقاضي أثناء نظر الدعوى، وفي سبيل الوصول إلى الحقيقة أن يستدعي ويسمع أقوال أي شخص حتى ولو لم يطلب أحد سماعه. وللمحكمة في سبيل ذلك إصدار أمر بضبط الشخص وإحضاره إذا دعت الضرورة إلى ذلك، كما لها أن تأمر بتكليفه بالحضور الجلسة أخرى إذا تخلف عن الحضور بعد طلبه، ولها أن تسمع شهادة أي إنسان يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى، وهذا نابع من واجب المحكمة ودورها الايجابي في تحقيق الدعوى . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثالث ، الصفحة : 193 )
إن محكمة الموضوع هي صاحبة الحق في تقدير كل دليل يطرح عليها تفصل فيه على الوجه الذي ترتاح إليه على ضوء ما تسمعه من أقوال الخصوم والشهود وما تشاهده بنفسها ومن المسلم به أن المحكمة متى رأت أن الفصل في الدعوى يتطلب تحقيق دليل بعينه فإن عليها تحقيقه مادام ذلك ممكناً. ولها أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة بصرف النظر عن مسلك المتهم في شأن هذا الدليل . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 125 )
الدور الإيجابى للقاضى الجنائى فى البحث عن الحقيقة :
إن المبدأ الثاني الذي يحكم الإثبات في المواد الجنائية يتعلق بدور القاضي الجنائي في البحث عن الحقيقة. فليس دور القاضي الجنائي مجرد موازنة للأدلة المثبتة للإدانة التي تقدمها النيابة العامة وتلك النافية للتهمة التي يدافع بها المتهم ، وإنما عليه دور ايجابي يفرض عليه التحرى عن الحقيقة والكشف عنها. وهو لذلك يختلف عن القاضي المدني الذي يكون دوره في الدعوى المدنية المنظورة أمامه سلبياً يقتصر على الموازنة بين أبلة الخصوم .
وهذا الدور الإيجابي للقاضي الجنائي هو الذي جعل المشرع يحرره من قيود الإثبات التي قيد بها القاضي المدني، فالخصومة الجنائية تتميز عن الخصومة المدنية باتصالها بالمصلحة العامة للمجتمع ومن ثم يجب علي القاضي أن يصل في حكمه إلى الحقيقة بالبحث عن الأدلة التي تسوقه إلى ذلك. فله أن يطالب النيابة العامة أو المتهم بتقديم دليل معين يراه ضرورياً للفصل في الدعوى. ولهذا نصت المادة 291 أن للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة. كما خول المشرع للقاضي حق ندب الخبراء من تلقاء نفسه وكذلك إعلانهم ليقدموا إيضاحات عن التقارير المقدمة منهم (م 292 ، 293) .
ولذلك ، إذا كانت القاعدة العامة في الإثبات أن عبء الإثبات يقع علي المدعي وهو في المواد الجنائية النيابة العامة التي عليها أن تثبت إدانة المتهم، فالقاضي غير ملزم بالإدانة ويتعين عليه أن يتحقق بنفسه من عدم وجود أدلة براءة ظاهرة بالأوراق حتى ولو لم يدفع بها المتهم .
فالقاضي يحكم من تلقاء نفسه بالبراءة إذا تبين له أن المتهم كان في حالة دفاع شرعي أو توافر مانع من موانع المسئولية أو من موانع العقاب. كما أن المتهم إذا دفع التهمة بتوافر سبب من الأسباب التي تحول دون الإدانة فالقاضي يجب عليه أن يحقق دفاعه ويرد عليه في أسباب حكمه .
عبء الإثبات في المواد الجنائية :
إذا كان الأصل في الإنسان البراءة فعلى من يدعي عکس هذا الأصل إثباته .
والنيابة العامة برفعها الدعوى العمومية على المتهم والتي تطلب فيها الحكم عليه وإنما يجب عليها أن تقيم الدليل عي ما تدعيه وتقدم للمحكمة ما يفيد الإدانة. فإذا هي عجزت عن اقناع المحكمة قضت تلك الأخيرة بالبراءة طالما لم يقم الدليل المقنع على الإدانة، وعلى النيابة إثبات توافر عناصر الجريمة المرفوعة عنها الدعوى وانطباق النصوص التجريمية عليها وإذا كانت هناك شبهة وجود سبب من أسباب الإباحة أو مانع من موانع المسئولية أو العقاب فعليها أن تتفيها. أي أن النيابة عليها عبء إثبات توافر العناصر القانونية اللازمة لتوقيع العقاب على الجاني .
ولما كان الأصل في الإنسان أنه مسئول عن أفعاله فنفي هذا الأصل يقع على من يدعي به، ولذلك إذا دفع المتهم بأنه قام لديه مانع من موانع المسئولية فعليه أن يثبت ذلك. وكذلك الحال إذا قام لديه سبب خاص من أسباب الإباحة أو مانع من موانع العقاب فعليه إثبات ما يدعيه. كل تلك والقاضي لا يأخذ موقفاً سلبياً إنما عليه أن يتحقق دائماً من صدق الاتهام أو صدق الدفاع ويتحرى بنفسه الحقيقة ويبحث عنها بكافة طرق الإثبات التي أطلقها له المشرع من كل قيد عدا الاستثناءات التي رأيناها . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 1272 )