لا يجوز الرجوع إلى الدعوي الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء علي ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة .
لا يجوز الرجوع إلى الدعوي الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء علي ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة .
1 ـ لما كان من المقرر أنه إذا تبين لمحكمة النقض بعد قبول طلب إعادة النظر ، أن البراءة غير ظاهرة ولا محتملة من خلال وجه الطلب الذى يستند إليه ، تقضى برفض الطلب ولا يحول دون هذا الرفض أن تكون اللجنة المشكلة طبقاً للمادة 443 من قانون الإجراءات الجنائية قد قبلت الطلب المقدم من النائب العام بناء على الحالة الخامسة من المادة 441 من القانون سالف الذكر . وحيث ان المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية قد حددت حالات طلب إعادة النظر بنصها على أنه " يجوز طلب إعادة النظر فى الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة فى مواد الجنايات والجنح فى الأحوال الآتية : (1) إذا حكم على المتهم فى جريمة قتل ، ثم وجد المدعى قتله حياً . (2) إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة ، ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل الواقعة عينها وكان بين الحكمين تناقض بحيث يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما . (3) إذا حكم على أحد الشهود أو الخبراء بالعقوبة لشهادة الزور وفقاً لأحكام الباب السادس من الكتاب الثالث من قانون العقوبات ، أو إذا حكم بتزوير ورقة قدمت أثناء نظر الدعوى وكان للشهادة أو لتقرير الخبير أو للورقة تأثير فى الحكم . (4) إذا كان الحكم مبنياً على حكم صادر من محكمة مدنية أو من إحدى محاكم الأحوال الشخصية وألغى هذا الحكم . (5) إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع ، أو إذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة ، وكان من شأن هذه الواقعة أو الأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه " . وجاء فى المذكرة الإيضاحية للقانون تعليقاً على الفقرة الخامسة التى هى سند الطالب فى طلبه أنه نص فيها على صورة عامة تنص عليها أغلب القوانين الحديثة وهى حالة ما إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو إذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة ، وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق المذكورة ثبوت براءة المحكوم عليه ، وقد استمد الشارع حكم المادة سالفة البيان من المادة 443 من قانون تحقيق الجنايات الفرنسى بعد تعديلها بالقانون الصادر فى 8 من يونيه سنة 1895 التى صار موضعها المادة 622 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسى الجديد الصادر بالقانون الرقيم 31 ديسمبر سنة 1957 ، ويبين من نص القانون المصرى ومما ورد بمذكرته الإيضاحية ومن المقارنة بينه وبين نص القانون الفرنسى أن الحالات الأربع الأولى التى وردت فى المادة 441 المشار إليها ، وهى حالات منضبطة يجمعها معيار محدد أساسه أن الواقعة الجديدة المسوغة لإعادة نظر الدعوى إما أن ينبنى عليها بذاتها ثبوت براءة المحكوم عليه بوجود المدعى قتله حياً أو بقيام التناقض بين حكمين بحيث يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما ، وإما أن ينبنى عليها انهيار أحد الأدلة المؤثرة فى الحكم بالإدانة كالحكم على الشاهد أو الخبير بالعقوبة المقررة لشهادة الزور أو الحكم بتزوير ورقة قدمت فى الدعوى أو إلغاء الأساس الذى بنى عليه الحكم ، والملاحظ أن القانون المصرى كان فى صدد تحديد الحالات التى يجوز فيها طلب إعادة النظر أكثر تشدداً من القانون الفرنسى ، إذ بينما تنص الفقرة الأولى من المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية على " وجوب وجود المدعى قتله حياً " لاعتباره وجهاً لإعادة النظر ، يترخص القانون الفرنسى فيكتفى بظهور أوراق من شأنها إيجاد الأمارات الكافية على وجوده حياً ، وقد كان النص الفرنسى أمام المشرع المصرى وقت وضع قانون الإجراءات الجنائية ومع ذلك فقد آثر احتراماً لحجية الأحكام الجنائية ألا يكتفى بتطلب مجرد ظهور الدليل على وجود المدعى قتله حياً ، بل أوجب وجوده بالفعل حياً ، مما يؤكد أن التشريع القائم لدينا لا يقبل الدليل المحتمل ، بل أنه يتطلب الدليل الجازم القاطع بذاته فى ثبوت براءة المحكوم عليه أو سقوط الدليل على إدانته ، ولما كان من غير المقبول وعلى هدى ما تقدم أن يتشدد الشارع فى الحالات الأربع للمادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية ليفتح الباب على مصراعيه فى الحالة الخامسة التى تستوعب بعمومها ما تقدمها ، وإنما قصد بها فى ضوء الأمثلة التى ضربتها المذكرة الإيضاحية والتى تدل بذاتها على براءة المحكوم عليه أو يلزم عنها سقوط الدليل على إدانته أو على تحمله التبعة الجنائية ، وباستصحاب سياسة التشريع والقاعدة العامة التى أرشد الشارع إلى عناصرها فى الفقرات السابقة عليها أن تكون نصاً احتياطياً ابتغاء أن يتدارك بها ما عساه أن يفلت من صور تتحاذى معها ولا تنفك عنها والتى قد يتعذر فيها إقامة الدليل على الوجه المتطلب قانوناً ، كوفاة الشاهد أو عتهه أو تقادم الدعوى الجنائية قبله أو لغير ذلك من حالات شبيهة ، مما لازمه عدم الاكتفاء بعدول مجرد لشاهد أو متهم عما سبق أن أدلى به لدى محكمة الموضوع دون أن يصاحب عدوله ما يحسم بذاته الأمر ويقطع بترتيب أثره فى ثبوت براءة المحكوم عليه ، وهو ما يقيم موزانة عادلة لا إفراط فيها أو تفريط بين حق المحكوم عليه وصالح المجتمع الذى يضيره المساس من غير سبب جازم بقوة الشئ المقضى فيه جنائياً ، وهى من حالات النظام العام التى تمس مصلحة المجتمع والتى تقضى بوضع حد لنزاع فصل فيه القضاء نهائياً وهو ما سجلته المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية حين نصت على أنه لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانونى للجريمة ، فأصبح بذلك حكم القضاء عنوان حقيقة هى أقوى من الحقيقة نفسها ، مما لا يصح معه النيل منها بمجرد دعوى غير حاسمة ، كما لا يجوز أن تكون محلاً للمساومة بين الأفراد ، والقول بغير ذلك مضيعة لوقت القضاء وهيبته ومجلبة لتناقض أحكامه ما بقى الأمر معلقاً بمشيئة المحكوم عليهم كلما حلا لهم تجديد النزاع وإعادة طرحه على القضاء . لما كان ما تقدم ، وكان القانون قد اشترط فى الوقائع التى تظهر بعد الحكم وتصلح سبباً للالتماس أن تكون مجهولة من المحكمة والمتهم معاً إبان المحاكمة ، وكان البين من الأوراق ومدونات الحكم موضوع الطلب أن المدافع عن الطالب قد دفع بتلفيق الاتهام له من جانب المتهم الثانى ......... بالاتفاق مع المقدم .......... ، وسرد شواهد هذا التلفيق ودوافعه تفصيلاً ، ثم اطرح الحكم هذا الدفع بعد أن أفصح عن اطمئنان المحكمة لإدانته فى الدعوى ، كما عرض الحكم لدفع الطالب ببطلان إجراءات التحقيق لإجرائها قبل رفع الحصانة البرلمانية عنه من مجلس الشعب ، ورفض هذا الدفع اطمئناناً من المحكمة إلى أن إجراءات رفع الحصانة عن الطالب قد اتخذت قبل القبض عليه وتفتيشه ، ولم تطمئن المحكمة إلى ما تمسك به الدفاع عن الطالب من وقائع وأدلة تمسك بدلالتها على بطلان إجراءات التحقيق لإجرائها قبل صدور الإذن برفع الحصانة وكان ما يستند إليه الطالب عن ساعة وصول الإذن إلى مكتب النائب العام ، لا يقطع بذاته ببطلان إجراءات التحقيق وبراءة الطالب ، مادامت المحكمة قد اطمأنت إلى صدور الإذن فى وقت سابق على اتخاذ تلك الإجراءات بوقت يسمح بوصوله إلى سلطة التحقيق بما ساقته من وقائع وأدلة تؤدى إلى ما انتهت إليه ، وذلك بصرف النظر عما يثيره الطالب من ساعة العلم به وطريقة الإخطار به ، ومن ثم فإن ما تمسك به الطالب فى حقيقته لا يعدو دليلاً جديداً على ما سبق أن أثاره من دفاع لم تسايره فيه المحكمة وقصد به محاولة العودة إلى الدعوى بعد الفصل فيها نهائياً ، وهو ما يقدح فى احترام حجية الأحكام الجنائية ، الأمر الذى لا يجوز طبقاً لنص المادة (455) من قانون الإجراءات الجنائية ، وحيث إنه عن عدول المتهم الثانى عن أقواله بتحقيقات النيابة العامة فى الالتماس بتاريخ ........ والتى نفى فيها اشتراك الطالب فى تزوير التوكيلات واستعمالها وعلمه بهذا التزوير ، فإن هذه الأقوال - وإن صح اعتبارها واقعة جديدة لم تكن معلومة وقت المحاكمة - لا تعدو أن تكون مجرد دليل احتمالى لا ينهض بذاته وجهاً لطلب إعادة النظر ، مادام لم يصحبه ما يحسم الأمر ويقطع فى ترتيب أثره فى إهدار الحقيقة التى سجلها الحكم البات ، خاصة أن عدول شاهد الإثبات ليس من شأنه أن يؤدى بذاته إلى ثبوت براءة المحكوم عليه – الطالب – ولا يلزم عنه فى كل الأحوال سقوط الدليل على إدانته . لما كان ما تقدم ، فإن طلب إعادة النظر يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .
( الطعن رقم 13196 لسنة 76 - جلسة 2011/10/16 )
2ـ لما كان طرح واقعة تبديد الطاعن للجرار الزراعى الذى يحمل رقم شاسيه__. موضوع عقد الشركة يبن الطاعن والمدعى بالحقوق المدنية المؤرخ__. وصدور حكم نهائى ببراءته منه تأسيسا على قيام الشريكان ببيع هذا الجرار إلى آخر بموجب عقد البيع المؤرخ __ على سياق المتقدم - يمنع من إعادة محاكمة الطاعن عن الواقعة ذاتها بوصف جديد، لما هو مقرر من أنه لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائيا على تغيير الوصف القانونى للجريمة، وذلك تطبيقا لنصالمادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية فأنه لا يجوز طرح الدعوى من جديد أمام القضاء عن ذات الفعل وضد ذات الطاعن المحكوم ببراءته لما كان ما تقدم، وكانت الواقعة التى حركت سلطة الاتهام- الدعوى لمحاكمة الطاعن عنها فى الجنحة رقم__. لسنة__.. السنبلاوين- موضوع الطعن الماثل - سبق أن طرحت على المحكمة - التى خولها القانون سلطة الفصل فيها - فى الجنحة رقم_.. لسنه__ السنبلاوين وأصدرت فيها حكما نهائيا ببراءته منها، فإن المحكمة إذ عادت إلى نظر الدعوى بوصف آخر للفعل وفصلت فى موضوعها من جديد بالنسبة للطاعن بعد أن زالت ولايتها باصدار الحكم الأول ، يكون حكمها المطعون فيه قد أخطأ فى القانون خطأ يؤذن لهذه المحكمة - عملاً بنص المادة 39/ 1 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض - أن تصحيح الحكم على مقتضى القانون بالقضاء بعدم جواز نظر الدعوى رقم 8271 لسنة 1985 جنح السنبلاوين لسابقة الفصل فيها نهائيا فى الجنحة رقم 3641 لسنة 1984 السنبلاوين.
( الطعن رقم 19172 لسنة 59 - جلسة 1993/12/22 - س 44 ع 1 ص 1226 ق 187 )
3ـ لما كانت النيابة العامة قد أقامت الدعوى ضد المطعون ضده بوصف أنه أنتج وعرض شيئاً من أغذية الإنسان " بنبون " مغشوشاً مع علمه بذلك ، وكان لزاماً على المحكمة أن تبحث الفعل الذى إرتكبه الجاني بكافة أوصافه القانونية التى يحتملها ، ذلك أنها مختصة بالنظر فى ثبوت الفعل المنسوب للمتهم بكافة أوضاعه القانونية إذ تنص المادة 1/308 من قانون الإجراءات الجنائية على أن " للمحكمة أن تغير فى حكمها الوصف القانونى للفعل المسند للمتهم ، ولها تعديل التهمة بإضافة الظروف المشددة التى تثبت من التحقيق أو من المرافعة فى الجلسة ، ولو كانت لم تذكر بأمر الإحالة أو بالتكليف بالحضور فإن المحكمة إذ فصلت فى الدعوى قبل أن تعدل التهمة بإضافة الظرف المشدد وهو أن ما عرضه المطعون ضده من أغذية مغشوشة كان ضاراً بصحة الإنسان تكون بذلك أيضاً قد أخطأت فى القانون ، ذلك بأن حكمها بإعتبار الواقعة خالية من الظرف المشدد من شأنه أن يحول دون محاكمة المطعون ضده عنها مقرنة بذلك الظرف لأن قوام هذه الجريمة هو الواقعة عينها ، إذ تنص المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية على أن " لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانونى للجريمة " .
( الطعن رقم 2957 لسنة 57 - جلسة 1988/11/16 - س 39 ع 1 ص 1067 ق 162 )
4 ـ لما كان طرح واقعة ضبط الكحول فى منزل والد الطاعن بوصف أن الطاعن حازه دون أن يؤدي عنه رسوم الإنتاج وصدور حكم نهائي ببراءته منه تأسيساً على بطلان الدليل المستمد من الضبط - على السياق المتقدم - يمنع من إعادة محاكمته عن الواقعة ذاتها بوصف جديد، لما هو مقرر من أنه لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة، وذلك تطبيقاً لنص المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية، فإنه لا يجوز طرح الدعوى من جديد أمام القضاء عن ذات الفعل وضد ذات الطاعن المحكوم ببراءته .
( الطعن رقم 4438 لسنة 56 - جلسة 1986/12/17 - س 37 ع 1 ص 1080 ق 205 )
5ـ مؤدى إستصحاب سياسة التشريع مع القاعدة العامة التى أرشد الشارع إلى عناصرها بالأحكام الواردة بالفقرة الخامسة من المادة 441 والفقرة الأخيرة من المادة 454 والمادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية أن مقتضيات الحفاظ على قوة الأحكام وإحترامها - التى تمليها المصلحة العامة - تفرض قيداً على سلطة النيابة العامة فى تجديد الدعوى الجنائية بعد صدور حكم فيها بالإدانة ، فهى وإن كان لها أن ترفع الدعوى الجنائية على متهم آخر بوصفه مساهماً مع المحكوم عليه فى الجريمة التى صدر فيها الحكم بإدانته - سواء كان فاعلاً منضمناً أو شريكاً - إلا أنه لا يجوز لها تجديد الدعوى قبل متهم آخر غير المحكوم عليه إذا قامت الدعويين على أساس وحدة الفاعل بأن إتجهت فى دعواها الأخيرة إلى إسناد الواقعة ذاتها إلى متهم جديد بدلاً ممن صدر الحكم بإدانته إذ يمتنع عليها فى هذه الحالة تحريك دعواها الجديدة طالما بقى الحكم الأول قائماً يشهد بأن المحكوم عليه هو مرتكب الجريمة . وقد هيأت الفقرة الخامسة من المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية سالفة البيان للنيابة العامة أن تطلب - عن طريق إلتماس إعادة النظر - إلغاء الحكم متى قدرت أن الوقائع الجديدة قد حسمت الأمر وقطعت بترتيب أثرها فى ثبوت براءة المحكوم عليه ، فإذا ما تم لها ذلك إستعادت سلطتها فى تحريك الدعوى الجنائية من جديد قبل المتهم الآخر . وبذلك يكون مجال تطبيق الفقرة الثانية من المادة المشار إليها مقصور على حالات الأخطاء الإجرائية التى لا ينكشف أمرها إلا بعد صدور حكمين متناقضين فلا يكون من سبيل إلى تداركها إلا عن هذا الطريق . أما ما أشارت إليه النيابة فى طعنها من أنها كانت تسعى إبتداء إلى محاكمة الجاني الحقيقى فى نظرها وكذلك شاهدى الزور حسب تصويرها بغية الحصول على حكمين متناقضين لتجرى فى شأنهما نص الفقرة الثانية من المادة 441 سالفة الذكر ، ما تقول به من ذلك لا يستقيم فى التطبيق الصحيح للقانون بعد أن إستحدثت الفقرة الخامسة من المادة المشار إليها التى لم يكن لها ما يقابلها فى ظل قانون تحقيق الجنايات الملغى ، فضلاً عما فيه من مساس ظاهر بالأحكام ومجلبة لتناقضها ومضيعة لقوتها وهيبتها التى حرص القانون دائماً على صونها مقرراً لها فى سبيل ذلك من الضمانات والقيود ما يكفل تحقيق غرضه تغليباً له عما عداه من إعتبارات أخرى ، ولا تعارض بين هذا النظر وبين القول بأن حجية الحكم نسبية الأثر ، لأن المقام ليس مقام دفع بالحجية حتى يرد بتخلف شرط وحدة الخصوم وإنما هو مجال النظر فى إتباع الطريق القانونى لتحريك الدعوى الجنائية فى هذه الحالة .
( الطعن رقم 1991 لسنة 38 - جلسة 1969/03/31 - س 20 ع 1 ص 401 ق 87 )
6 ـ الفقرة الخامسة من المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية وإن جاء نصها عاماً فلم تقيد الوقائع أو الأوراق التى تظهر بعد صدور الحكم بنوع معين إلا أن المذكرة الإيضاحية للقانون جاء بها تعليق على هذه الفقرة أنه : "نص فيها على صورة عامة تنص عليها أغلب القوانين الحديثة وهى حالة ما إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو إذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق المذكورة ثبوت براءة المحكوم عليه . ومثل ذلك ما لو ثبت بعد الحكم على المتهم أنه كان مصاباً بالعاهة فى عقله وقت إرتكابها أو أنه كان محبوساً فى هذا الوقت أو عثر على الشئ المسروق لدى المجنى عليه أو عثر على إيصال برد الأمانة " . وقد إستمد الشارع حكم المادة سالفة البيان من المادة 443 من قانون تحقيق الجنايات الفرنسى بعد تعديلها بالقانون الصادر فى 8 يونية سنة 1895 التى صار موضوعها المادة 622 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسى الجديد الصادر بالقانون الرقيم 31 ديسمبر سنة 1957 ومن غير المقبول أن يتشدد الشارع فى الحالات الأربع الأولى للمادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية ليفتح الباب على مصراعيه فى الحالة الخامسة التى تستوعب بعمومها ما تقدمها و إنما قصد بها - فى ضوء الأمثلة التى ضربتها المذكرة الإيضاحية - أن تكون الوقائع الجديدة أو الأوراق المقدمة دالة بذاتها على براءة المحكوم عليه أو يلزم عنها حتماً سقوط الدليل على إدانته أو على تحمله التبعة الجنائية . فالغاية التى تغياها الشارع من إضافة هذه الفقرة فى قانون الإجراءات الجنائية إلى حالات الإلتماس الواردة فى الفقرات السابقة عليها أن تكون نصاً إحتياطياً إبتغاء أن يتدارك بها ما عساه أن يفلت من صور تتحاذى معها ولا تنفك عنها والتى قد يتعذر فيها إقامة الدليل على الوجه المتطلب قانوناً ، مما لازمه عدم الإكتفاء فيها بعدول مجرد لشاهد أو متهم عما سبق أن أدلى به لدى محكمة الموضوع أو بمجرد قول مرسل لشاهد أمام محكمة أخرى ما لم يصاحب هذا القول أو ذلك العدول ما لم يحسم بذاته الأمر و يقطع بترتيب أثره فى ثبوت براءة المحكوم عليه ، وهو ما يقيم موازنة عادلة لا إفراط فيها أو تفريط بين حق المحكوم عليه و صالح المجتمع الذى يضيره المساس فى غير سبب جازم بقوة الشئ المقضى فيه جنائياً وهى من حالات النظام العام التى تمس مصلحة المجتمع وتقضى بوضع حد لنزاع فصل فيه القضاء نهائياً ، الأمر الذى سجلته المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية حين نصت على أنه : " لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغير الوصف القانونى للجريمة " . فأصبح بذلك حكم القضاء عنوان حقيقة هى أقوى من الحقيقة نفسها ، مما لا يصح معه النيل منها بمجرد دعوى غير حاسمة ، كما لا يجوز أن تكون محلاً للمساومة بين الأفراد . والقول بغير ذلك مضيعة لوقت القضاء وهيبته ومجلبة لتناقض أحكامه ما بقى الأمر معلقاً بمشيئة المحكوم عليهم كلما حلا لهم تجديد النزاع وإعادة طرحه على القضاء .
( الطعن رقم 1821 لسنة 36 - جلسة 1967/01/31 - س 18 ع 1 ص 142 ق 27 )
7ـ يبين من نص المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية التى حددت حالات طلب إعادة النظر ومما ورد بمذكرتها الإيضاحية ومن المقارنة بينها وبين نص القانون الفرنسى المستمدة منه أن الحالات الأربع الأولى التى وردت فى المادة المشار إليها ، وهى حالات منضبطة يجمعها معيار محدد أساسه أن الواقعة الجديدة المسوغة لإعادة نظر الدعوى إما أن ينبنى عليها بذاتها ثبوت براءة المحكوم عليه بوجود المدعى قتله حياً أو بقيام التناقض بين حكمين بحيث يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما ، وإما أن ينبنى عليها إنهيار أحد الأدلة المؤثرة فى الحكم بالإدانة كالحكم على الشاهد أو الخبير بالعقوبة المقررة لشهادة الزور أو الحكم بتزوير ورقة قدمت فى الدعوى أو إلغاء الأساس الذى بنى عليه الحكم . والملاحظ أن القانون المصرى كان فى صدد تحديد الحالات التى يجوز فيها طلب إعادة النظر اكثر تشدداً من القانون الفرنسى ، إذ بينما تنص الفقرة الأولى من المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية على " وجوب وجود المدعى قتله حياً " إعتباره وجهاً لإعادة النظر ، يترخص القانون الفرنسى فيكتفى بظهور أوراق من شأنها إيجاد الأمارات الكافية على وجوده حياً . وقد كان النص الفرنسى أمام الشارع المصرى وقت وضع قانون الإجراءات الجنائية ومع ذلك فقد آثر إحتراماً لحجية الأحكام الجنائية ألا يكتفى بتطلب مجرد ظهور الدليل على وجود المدعى قتله حياً بل أوجب وجوده بالفعل حياً ، مما يؤكد أنه يتطلب الدليل الجازم القاطع بذاته فى ثبوت براءة المحكوم عليه أو سقوط الدليل على إدانته . ولما كان من غير المقبول - على هدى ما تقدم - أن يتشدد الشارع فى الحالات الأربع للمادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية ليفتح الباب على مصراعيه فى الحالة الخامسة التى تستوعب بعمومها ما تقدمها ، وإنما قصد بها فى ضوء الأمثلة التى ضربتها المذكرة الإيضاحية والتى تدل بذاتها على براءة المحكوم عليه أو يلزم عنها سقوط الدليل على إدانته أو على تحمله التبعة الجنائية ، وبإستصحاب سياسة التشريع والقاعدة العامة التى أرشد الشارع إلى عناصرها فى الفقرات السابقة عليها - أن تكون نصاً إحتياطياً إبتغاء أن يتدارك بها ما عساه أن يفلت من صور تتحاذى معها ولا تنفك عنها والتى قد يتعذر فيها إقامة الدليل على الوجه المتطلب قانوناً ، كوفاة الشاهد أو عتهه أو تقادم الدعوى الجنائية قبله أو لغير ذلك من حالات شبيهة مما لازمة عدم الإكتفاء فيها بعدول مجرد لشاهد أو متهم عما سبق أن أدلى به لدى محكمة الموضوع دون أن يصاحب عدوله ما يحسم بذاته الأمر ويقطع بترتيب أثره فى ثبوت براءة المحكوم عليه ، وهو ما يقيم موازنة عادلة لا إفراط فيها أو تفريط بين حق المحكوم عليه وصالح المجتمع الذى يضيره المساس من غير سبب جازم بقوة الشىء المقضى فيه جنائياً وهى من حالات النظام العام التى تمس مصلحة المجتمع والتى تقضى بوضع حد لنزاع فصل فيه القضاء نهائياً ، وهو ما سجلته المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية حين نصت على أنه لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانونى للجريمة ، فأصبح بذلك حكم القضاء عنوان حقيقة هى أقوى من الحقيقة نفسها مما لا يصح معه النيل منها بمجرد دعوى غير حاسمة ، كما أنه لا يجوز أن تكون محلاً للمساومة بين الأفراد . والقول بغير ذلك مضيعة لوقت القضاء وهيبته ومجلبة لتناقض أحكامه ما بقى الأمر معلقاً بمشيئة المحكوم عليهم كلما حلا لهم تجديد النزاع و إعادة طرحه على القضاء .
( الطعن رقم 1868 لسنة 34 - جلسة 1966/05/03 - س 17 ع 2 ص 555 ق 100 )
8 ـ إذا كانت النيابة العمومية قد رفعت الدعوى على المتهم لأنه عاد لحالة الاشتباه بأن أتهم فى قضية سرقة حالة كونه سبق الحكم عليه باعتباره مشبوهاً، وكان يبين من أسباب الحكم أن المحكمة قد أمرت بضم قضية السرقة استكمالا لتحقيق الدعوى ولكنها لم تتريث حتى ينفذ هذا الأمر بل قضت فيها بالبراءة على أساس خلو الملف مما يدل على إدانة المتهم فى القضية التي أمرت بضمها ولم تضم أو على أن اتهامه فيها كان اتهاما جدياً وعلى أساس حفظ حق النيابة فى الرجوع إلى الدعوى بعد ذلك إذا ما أقامت الدليل الجدي عليها مخالفة بذلك ما تقضي به المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية من عدم جواز هذا الرجوع - فحكمها بذلك يكون مبنياً على خطأ فى تطبيق القانون يوجب نقضه .
( الطعن رقم 918 لسنة 22 - جلسة 1952/11/11 - س 4 ع 1 ص 114 ق 47 )
9 ـ مبدأ حجية الأحكام يفترض وحدة الموضوع والسبب والخصوم - فإذا كانت الواقعة المادية التى تطلب سلطة الاتهام محاكمة المتهم عنها قد طرحت على المحكمة التى خولها القانون سلطة الفصل فيها ، فإنه يمتنع بعد الحكم النهائى الصادر منها إعادة نظرها - حتى ولو تغاير الوصف القانونى طبقاً لأحكام القانون الذى يطبقه قضاء الإعادة ، وإلى هذا الأصل أشارت المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية ، ولما كانت الواقعة التى أسندت إلى المتهم وحكم عليه من أجلها من المجلس العسكرى المختص هى ذات الواقعة التى قدم بها إلى محكمة الجنايات - على ما إستظهره الحكم بأسباب سائغة وبأدلة لها أصلها الثابت فى أوراق المحاكمة العسكرية ، فإن ما إنتهى إليه الحكم من القضاء بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية لسابقة الفصل عملاً بالمادة الأولى من القانون رقم 159 لسنة 1957 يكون قضاء سليماً لا يخالف القانون .
( الطعن رقم 1153 لسنة 29 - جلسة 1960/06/14 - س 11 ع 2 ص 567 ق 108 )
10 ـ لما كان القانون رقم 363 لسنة 1956 - بتنظيم تحصيل رسوم الإنتاج والاستهلاك على الكحول - قد نص فى البند (أ) من المادة 18 منه على أنه "تعتبر مادة مهربة وتضبط (1) الكحول والسوائل الكحولية المنتجة فى معمل أو مصنع غير مرخص طبقا للمادة السابعة وكذلك المواد الأولية التي توجد فيه مما يمكن استعماله فى صناعة الكحول" وكان مفاد نص هذه المادة أن مجرد كون الكحول منتجا فى معمل أو مصنع غير مرخص طبقا للقانون يعتبر مادة مهربة ويضبط ويشكل مخالفة لأحكام القانون آنف الذكر معاقبا عليها بمقتضى أحكام المرسوم بقانون 328 لسنة 1952، ومن ثم يسوغ القول بأن فعل عرض كحول - غير مطابق للمواصفات - للبيع، أو مصنع غير مرخص به وبالتالي مهربا من أداء رسوم الإنتاج، ومن ثم فإنه يمثل فعلا واحدا تقوم به جريمتان لما كان ذلك, وكانت الفقرة الأولى من المادة 32 من قانون العقوبات قد نصت على أنه "إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة وجب اعتبار الجريمة التي عقوبتها أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها ويعني ذلك أن تلتزم المحكمة فى هذه الحالة بأن تقضي فى الفعل على أساس وصفه الأشد وتصرف النظر عن سائر أوصافه، مما مقتضاه أن تبحث المحكمة الفعل الذي ارتكبه الجاني بكافة أوصافه القانونية التي يحتملها, وهي مختصة بالنظر فى ذلك عملاً بالمادة 308 من قانون الإجراءات الجنائية وعليها أن تحكم بالعقوبة المقررة للوصف الأشد منها، وهي متى أصدرت حكمها فى الدعوى فلا تملك إعادة نظرها إلا بالطعن فى هذا الحكم بالطرق المقررة فى القانون، كما أنه لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائيا بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة، وذلك على ما سجلته المادتان 454 و455 من قانون الإجراءات الجنائية، فإنه لا يجوز طرح الدعوى من جديد أمام القضاء عن ذات الفعل وضد ذات المتهم المحكوم عليه. لما كان ما تقدم، وكانت الواقعة التي طلبت سلطة الاتهام محاكمة الطاعن عنها فى الجنحة رقم 2950 لسنة 1971 جرجا - موضوع الطعن الماثل - سبق أن أطرحت على المحكمة - التي خولها القانون سلطة الفصل فيها - فى الجنحة رقم 1408 لسنة 1970 جرجا وأصدرت فيها حكما نهائيا ضد الطاعن، فإن المحكمة إذ عادت إلى نظر الدعوى - بوصف آخر للفعل وفصلت فى موضوعها من جديد بالنسبة للطاعن بعد أن زالت ولايتها بإصدار الحكم الأول، يكون حكمها المطعون فيه قد أخطأ فى القانون خطأ يؤذن لهذه المحكمة - عملاً بنص المادة 29/1 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض - أن تصحح الحكم على مقتضى القانون بالقضاء بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها نهائيا فى الجنحة رقم 1408 لسنة 1970 جرجا .
( الطعن رقم 1668 لسنة 48 - جلسة 1979/06/17 - س 30 ع 1 ص 694 ق 147 )
11 ـ متى كان يبين من الإطلاع على محضر جلسة 10 فبراير سنة 1974 أمام المحكمة الإستئنافية أن المدافع عن المتهمة الأولى طلب القضاء ببراءتها تأسيساً على أنها قدمت للمحاكمة فى الجنحة رقم 3367 لسنة 1972 آداب القاهرة بتهمة الإعتياد على ممارسة الدعارة عن الواقعة ذاتها التى تحاكم عنها بوصف الزنا وقضى ببراءتها لعدم صحة هذه الواقعة ، كما تمسك المدافع عن الطاعن بحجية حكم البراءة المذكور فى الدعوى الحالية . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه إذا رفعت الدعوى عن واقعة معينة بوصف معين وحكم فيها بالبراءة لايجوز بعد ذلك رفع الدعوى عن تلك الواقعة ذاتها بوصف جديد ، كما أن أحكام البراءة المبنية على أسباب غير شخصية بالنسبة للمحكوم لهم بحيث تنفى وقوع الواقعة المرفوع بها الدعوى مادياً تعتبر عنواناً للحقيقة سواء بالنسبة لهؤلاء المتهمين أو لغيرهم ممن يتهمون فى ذات الواقعة ، متى كان ذلك فى مصلحة أولئك الغير ولا يفوت عليهم أى حق يقرر لهم فى القانون ، فلا يجوز أن ترفع الدعوى عليهم على التعاقب . ولما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه لم يعرض لهذا الدفع الجوهرى الذى يقوم على إنتفاء الجريمة ذاتها مع ما يحتاج إليه من تحقيق يتناول فيما يتناوله مدى تعرض الحكم الصادر فى الجنحة رقم 3367 آداب القاهرة لواقعة الزنا موضوع الدعوى الماثلة ، وما قد يترتب عليه - إن صح نفيه لها - من تغيير وجه الرأى فى هذه الدعوى ، فإن الحكم المطعون فيه يكون مشوباً بالقصور والإخلال بحق الدفاع مما يستوجب نقضه والإحالة بالنسبة للطاعن وللمحكوم عليها الأخرى - ولو لم تقرر بالطعن بالنقض - طبقاً للمادة 42 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض لوحدة الواقعة وإتصال وجه النعى بها وحسن سير العدالة .
( الطعن رقم 1977 لسنة 45 - جلسة 1976/03/28 - س 27ص 362 ق 77 )
12ـ إذا رفعت الدعوى على شخص بوصف كونه سارقاً للأشياء المضبوطة وحكم ببراءته، فإنه يجوز أن ترفع عليه الدعوى من جديد بوصفه مخفياً لها لاختلاف الواقعتين، ويستوي الأمر إذا ما اعتبر المتهم فى القضية الأولى شريكاً فى السرقة .
( الطعن رقم 448 لسنة 27 - جلسة 1957/06/10 - س 8 ع 2 ص 637 ق 175 )
13ـ لما كان طرح واقعة ضبط الكحول فى منزل والد الطاعن بوصف أن الطاعن حازه دون أن يؤدي عنه رسوم الإنتاج وصدور حكم نهائي ببراءته منه تأسيساً على بطلان الدليل المستمد من الضبط - على السياق المتقدم - يمنع من إعادة محاكمته عن الواقعة ذاتها بوصف جديد، لما هو مقرر من أنه لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة، وذلك تطبيقاً لنص المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية، فإنه لا يجوز طرح الدعوى من جديد أمام القضاء عن ذات الفعل وضد ذات الطاعن المحكوم ببراءته .
( الطعن رقم 4438 لسنة 56 - جلسة 1986/12/17 - س 37 ع 1 ص 1080 ق 205 )
14 ـ متى كان التقرير الطبى الشرعى الذى عول عليه الحكم المطعون فيه ، فى استبعاد العاهة قد جاء به " نرى من باب الإحتياط الكلى أنه وقد عانى الطفل من إحتباس بولى إمتد بضعة سنوات ، وكان تأثر الجهاز البولى وتمدده ملحوظاً على النحو الذى جاء بالتقارير الطبية الشرعية السابقة ، فنرى قبل القول نهائياً بعدم تخلف عاهة بالجهاز البولى للطفل المذكور أن يجرى له فحص أشعى معملى لوظائف الكلى بمعرفة إخصائى المسالك البولية بمستشفى المنصورة الجامعى حيث لا يتيسر إجراء مثل هذا الفحص بالقسم وكتابة تقرير مفصل قبل البت نهائياً فى حالته " لما كان ذلك ، وكان المفروض على المحكمة أن تبحث الفعل الذى ارتكبه الجاني بكافة أوصافه القانونية التى يحتملها وأن تتيقن من استقرار نتيجة الاعتداء حتى يتهيأ لها إعطاؤه الوصف القانونى الصحيح و ذلك لأنها مختصة بالنظر فى ثبوت الفعل المنسوب للمتهم بكافة أوصافه القانونية عملاً بالمادة 308 من قانون الإجراءات الجنائية ، وإذ كان ما تقدم ، فإن المحكمة إذ فصلت فى الدعوى قبل أن تتيقن من استقرار حالة المجنى عليه وأنه لم تتخلف لديه عاهة مستديمة من الفعل الذى أحدثه به المطعون ضده ، تكون قد تعجلت الفصل فى الدعوى إذ لم تستجل ما طلب التقرير الذى عولت عليه استجلاءه ، وتكون بذلك قد أخطأت فى القانون ، ذلك بأن حكمها باعتبار الواقعة المادية التى أحدثها المطعون ضده جنحة ضرب بسيط من شأنه أن يحول دون محاكمته عما يتخلف عنها من عاهة بالجهاز البولى لأن قوام هذه الجريمة هى الواقعة عينها . وإذ تنص المادة 455 من قانون الإجراءات على أنه " ألا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم نهائيا بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانونى للجريمة " لما كان ما تقدم ، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه و الإحالة بالنسبة لجميع التهم المسندة للمطعون ضده لأن الحكم اعتبرها جرائم مرتبطة وقضى بالعقوبة المقررة لأشدها عملاً بالمادة 32 من قانون العقوبات .
( الطعن رقم 1951 لسنة 39 - جلسة 1970/03/29 - س 21 ع 1 ص 482 ق 116 )
ارتباط الجرائم ارتباطاً غير قابل للتجزئة : نصت على هذا الإرتباط وحددت حكمه المادة 32 من قانون العقوبات (في فقرتها الثانية) فقالت «إذا وقعت عدة جرائم لغرض واحد وكانت مرتبطة ببعضها بحيث لا تقبل التجزئة وجب اعتبارها كلها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشد تلك الجرائم» .
والمشكلة التي يثيرها الإرتباط الذي لا يقبل التجزئة في تحديد قوة الحكم البات تعرض في الصورة التالية: نفترض أن المتهم قد حوكم من أجل جريمة وصدر في شأنها حكم صار باتاً ثم اكتشفت جريمة أخرى مرتبطة بالأولى فأقيمت الدعوى من أجلها، فماذا يكون تأثير الحكم البات على هذه الدعوى؟ هذا الوضع يتضمن حالات ثلاث يتعين التمييز بينها: فقد يصدر الحكم في شأن الجريمة الأشد، وقد يصدر في شأن الجريمة الأخف، وقد يصدر في شأن جريمة تعادل الجريمة المرتبطة بها من حيث الجسامة .
صدور الحكم في شأن الجريمة الأشد: إذا حوكم المتهم من أجل الجريمة الأشد وصدر من أجلها الحكم بالعقاب ثم اكتشفت الجريمة الأخف المرتبطة بها فلا يجوز أن تقام الدعوى الناشئة عنها، ذلك أن موضوع الدعوى الجنائية هو توقيع العقاب على المتهم، فإذا كان القانون يحظر توقيع عقوبة من أجل الجريمة الأخف، فإن الدعوى الناشئة عنها تغدو غير ذات موضوع، ويعادل ذلك انقضاءها وقد قضت محكمة النقض تطبيقاً لذلك بأنه إذا اتهم شخص بتزوير واختلاس مرتبطين، فحكمت عليه محكمة الموضوع بعقوبة واحدة عن جريمة التزوير باعتبارها أشد الجريمتين، فإنه لا يجوز رفع الدعوى من جديد، «لأن القانون قال بوجوب توقيع عقوبة واحدة».
صدور الحكم في شأن الجريمة الأخف : إذا أقيمت الدعوى الناشئة عن الجريمة الأخف وصدر فيها حكم بات ثم اكتشفت الجريمة الأشد فما تأثير هذا الحكم على الدعوى الناشئة عن هذه الجريمة؟ غني عن البيان أن العقوبة التي قضى بها هذا الحكم ليست هي التي يقررها القانون من أجل الجريمتين، فالقانون يقرر أشد العقوبتين، وهذه أخفهما، ولذلك يكون تحريك الدعوى الثانية هو الوسيلة إلى التطبيق الصحيح للقانون، وتكون العقوبة التي يقضي بها الحكم الصادر في هذه الدعوى هي وحدها الواجبة التوقيع على المتهم بإعتبارها أشد العقوبتين وتعرض في هذه الحالة مشكلة: ذلك أن المتهم قد تنفذ عليه العقوبة الأخف التي قضي عليه بها أولاً ثم يصدر ضده الحكم بالعقوبة الأشد، فماذا يكون وضعه بين العقوبتين؟ لا شك في أن العقوبة الثانية هي الواجبة التنفيذ، وما نفذ من العقوبة الأولى لم يكن متفقاً مع القانون، إذ أن أخف العقوبتين غير واجبة التنفيذ، ولكن المتهم ينبغي ألا يضار من إجراء غير صحيح اتخذته السلطات ولم يكن في وسعه أن يحول دونه، فلا يجوز أن تضاف إلى العقوبة الأشد المدة التي أمضاها من العقوبة الأخف ولذلك يكون الحل المنسق مع المنطق القانوني هو اعتبار المتهم أثناء خضوعه للعقوبة الأخف في حكم المحبوس احتياطياً، فتستنزل من مدة العقوبة الأشد المدة التي أمضاها خاضعة للعقوبة الأخف وليس ذلك مفتقرة إلى السند: ذاك أن سلب حرية المحكوم عليه قبل أن يصدر ضده الحكم الواجب التنفيذ - وقد ثبت أن الحكم بالعقوبة الأخف غير واجب التنفيذ - هو حبس احتياطي بإعتباره غير مستند إلى حكم قضائي .
صدور حكم في شأن جريمة معادلة في الجسامة: إذا كانت الجريمة التي اكتشفت أخيرً معادلة في الجسامة الجريمة التي صدر في شأنها الحكم البات، فإن تحديد قوة هذا الحكم على الجريمة المكتشفة يتوقف على ما إذا كان ذلك قد قضى بالحد الأقصى للعقوبة أم قضى بما دونه: فإذا قضى بالحد الأقصى لم يكن محل لإقامة الدعوى الناشئة عن الجريمة التي اكتشفت بعد ذلك، أما إذا قضى بما دون ذلك الحد جازت إقامة الدعوى، وكان للقاضي أن يحكم من أجل الجريمة الثانية بعقوبة لا تجاوز الفرق بين العقوبة التي قضى بها ذلك الحكم والحد الأقصى الذي يقرره القانون وتبرير ذلك أنه إذا قضى في الدعوى الأولى بالحد الأقصى للعقاب كانت هذه العقوبة هل كل ما يقرره القانون من أجل الجرائم المرتبطة التي تتماثل في جسامتها، إذ يصدق عليها أنها «عقوبة مقررة لأشد تلك الجرائم». أما إذا قضى في الدعوى الأولى بما دون ذلك الحد، فالمتهم لم ينزل به بعد كل الجزاء الذي يقرره القانون لجرائمه إذا لم يحكم عليه بالعقوبة المقررة لأشد الجرائم المرتبطة، فيكون للقاضي أن ينطق بالعقوبة من أجل الجريمة الثانية ملتزماً الحدود التي يرسمها القانون لسلطته متمثلة في الحد الأقصى المقرر لأشد الجرائم المرتبطة .
جريمة الاعتياد : القاعدة أن جريمة الإعتياد بكل ما تتضمنه من أفعال هي جريمة واحدة، ومن ثم لا تنشأ عنها غير دعوى واحدة والتكييف الصحيح لكل فعل على حدة أنه مجرد قرينة، أي مجرد دليل، على اكتساب المتهم خلق الإعتياد الذي تقوم به الجريمة .
وتطبيقاً لذلك، فإن الحكم البات الصادر في شأن جريمة اعتياد تنصرف قوته إلى جميع الأفعال التي ارتكبت في الماضي، أي في وقت سابق علی لحظة صدور هذا الحكم، سواء في ذلك ما أشار إليه الحكم منها وما أغفله، بل إن هذه القوة تمتد كذلك إلى الأفعال التي جهلتها سلطة الإتهام والقضاء فلم يتضمن الإتهام إشارة إليها ولم يكن في وسع القاضي العلم بها وإدخالها في اعتباره عند تقدير العقوبة وتعليل ذلك أن هذه الأفعال في جملتها هي مجرد أدلة على جريمة واحدة، ولا تنشأ عن هذه الجريمة غير دعوى واحدة، وقد انقضت بالحكم البات الصادر فيها وإذا اكتشف بعد صدور الحكم فعل أو أكثر لم يكن القاضي عالماً بها ولم يكن في استطاعته هذا العلم، فذلك لا يعدو غير أن يكون «ظهور أدلة جديدة» على اعتياد الجاني، ولا يجيز ظهور هذه الأدلة «الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً» (المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية).
ولكن قوة الحكم البات لا تنصرف إلا إلى الوقائع السابقة عليه، أما ما يتلوه من وقائع فغير متصور انصراف هذه القوة إليه، إذ لا يعقل أن يحاكم شخص من أجل واقعة لم تصدر عنه، وقد لا تصدر عنه أبداً وعلى هذا النحو، كانت الحدود الزمنية لقوة الحكم متمثلة في لحظة اكتسابه الصفة الباتة ويعني ذلك أنه إذا صدر عن المتهم بعد الحكم البات نشاط كاف بذاته لتكوين جريمة اعتياد متوافرة لها جميع أركانها، أي صدر عنه عدد كاف من الأفعال للكشف عن الإعتياد جازت محاكمته ثانية، إذ قد توافرت عناصر جريمة جديدة، ونشأت بها دعوی متميزة عن الدعوى السابقة، التي انقضت بالحكم البات الصادر فيها، والقاعدة أنه لا يجوز الإحتجاج بقوة الحكم البات في غير الدعوى التي صدر فيها .
تعدد الأوصاف القانونية للواقعة : قد تكون الواقعة الواحدة أوصاف قانونية متعددة بحيث يقوم بكل وصف منها جريمة على حدة، ويعني ذلك أن الجرائم تتعدد في نظر القانون على الرغم من أنه لم تتحقق - في عالم الماديات - سوی واقعة واحدة. ويتحقق هذا الوضع في حالتين: الأولى، هي حالة التعدد المعنوي، ومحله أن تتعدد نصوص القانون الواجبة التطبيق على الواقعة، مثال ذلك أن يعبث شخص بعورات آخر في مكان عام، فتقوم بفعله جريمة هتك العرض والفعل الفاضح العلني، أو أن يستعمل شخص محرراً مزوراً للإحتيال على غيره، فتقوم بفعله جريمتان استعمال المحررات المزورة والنصب أو الشروع فيه أما الحالة الثانية، فهي حالة التكييف التخييري، وتفترض خضوع الفعل لواحد لم يعين بعد من أوصاف قانونية متعددة، أي أن الواقعة قد تقوم بها جريمة أو أخرى تبعاً لما يتكشف بعد استجلاء طبيعتها القانونية، مثال ذلك أن يتسبب شخص بنشاطه في وفاة آخر، فيحتمل أن توصف جريمته بأنها قتل عمدي أو ضرب مؤدي إلى موت أو قتل غير عمدي، أو أن يستولی شخص على مال لغيره فيحتمل أن توصف جريمته بأنها سرقة أو خيانة أمانة وتختلف حالتا تعدد الأوصاف في أن أولاهما نفترض اجتماع الأوصاف القانونية المتعددة في الفعل الواحد بحيث يتقبلها جميعاً، في حين أن ثانيتهما تفترض انتقاء وصف واحد يكون دون سواه الوصف الصحيح للفعل ولكن تشترك الحالتان في إثارتهما البحث في عدد من الأوصاف القانونية بمناسبة واقعة مادية واحدة .
والمشكلة التي يثيرها تعدد الأوصاف القانونية تدور حول البحث فيما إذا الحكم الصادر في شأن الواقعة موصوفة بأنها جريمة معينة يحوز قوة إنهاء الدعوى الناشئة عن هذه الجريمة بالذات، أم تمتد قوته إلى كل جريمة يحتمل أن توصف بها هذه الواقعة إذا قلنا بالحل الأول فمعنى ذلك أن من حوکم من أجل جريمة هتك عرض فبرئ أو أدين جازت محاكمته بعد ذلك عن نشاطه ذاته بإعتباره فعلاً فاضحاً علنياً، ومن حوكم من أجل قتل عمدي فبرئ أو أدين جازت محاكمته عن فعله ذاته بوصفه ضرباً مفضياً إلى موت أو قتلاً غير عمدي، ومن حوكم من أجل سرقة جازت محاكمته ثانية عن فعله ذاته بوصفه خيانة أمانة أما إذا قلنا بالحل الثاني فمؤدى ذلك عدم جواز المحاكمة عن الفعل بوصف آخر غير الوصف الذي أسنده الحكم إليه .
حسم الشارع هذه المشكلة فنص في المادة 455 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه «لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناءً على تغيير الوصف القانوني للواقعة». ويسري هذا النص على جميع الأحكام الجنائية، سواء صدرت بالبراءة أو الإدانة، وسواء صدرت في جناية أو جنحة أو مخالفة .
ويعد الحكم البات - وفقاً لهذا النص - فاصلاً في جميع أوصاف الواقعة، ولو لم يشر الإتهام إليها، ولم تعرض لها المحكمة بالبحث، ويعد تبعاً لذلك مانعاً من إثارتها أمام أي قضاء آخر، ويفسر هذا الرأي اقتصار الاتهام والحكم على فحص أحد أوصاف الواقعة دون سواه تقديرهما أن الأوصاف الأخرى غير ذات محل، فيعد الحكم بذلك فاصلاً فيها في معنى استبعادها، ونحن بذلك نستخلص الفكرة الأساسية في هذا الرأي: هذه الفكرة هي أن كل حكم يفصل حتماً في جميع أوصاف الواقعة، فما صرح به واستند إليه في قضائه لا صعوبة فيه، وما أغفل البحث فيه يعد نافياً له، أي مقرراً عدم نسبته إلى الواقعة: فإذا كان الحكم على هذا النحو فاصلاً في كل أوصاف الواقعة، فمقتضى ذلك أن تمتد قوته إليها جميعاً .
ومن هذه الفكرة نستخلص أهم حجة تدعم هذا الرأي: هذه الحجة مضمونها السلطة المخولة للقضاء في أن يفحص الواقعة المعروضة عليه في جميع الأوصاف القانونية التي تحتملها، فإذا كان القضاء غير مقيد بالوصف الذي يخلعه الاتهام على الواقعة أو ينسبه الدفاع إليها، وإنما له - بل عليه - أن يطبق عليها قواعد القانون ويحدد وصفها الصحيح، ولو خالف ما ذهب إليه الإتهام أو الدفاع، استتبع ذلك القول بأن الحكم الذي يصدره القضاء هو حكم فاصل في جميع أوصاف الواقعة: فإذا نسب إليها وصفاً معيناً، فمعنى ذلك أنه استبعد سائر الأوصاف التي تحتملها .
وتدعم هذا الرأي كذلك نفس الحجج التي تستند إليها قوة الأحكام الباتة بصفة عامة، وهي اعتبارات الإستقرار القانوني ووجوب كفالة احترام أحكام القضاء ثم رعاية اعتبارات العدالة التي تتأذى بتكرار المحاكمة من أجل فعل واحد: ذلك أن إعادة المحاكمة من أجل واقعة صدر في شأنها حكم بات استناداً إلى وصف قانوني جديد ينسب إليها يهدد المركز القانوني الذي قرره هذا الحكم، ويدخل بذلك القلق الدائم على المراكز القانونية لأن أوصاف الواقعة الواحدة قد تتعدد، ولا يعلم من صدر في شأنه الحكم البات ما إذا كانت سلطة الإتهام ستعيد تحريك الدعوى قبله أم لا، وكم عدد المرات التي تريد تحريكها، وبذلك يحل تقدير سلطة الإتهام، وهو غير محكوم بقاعدة، محل الإستقرار القانوني الذي تقتضيه مصلحة المجتمع وبالإضافة إلى ذلك، فإن إعادة المحاكمة بعد صدور حکم بات هو جدال فيما فصل فيه هذا الحكم، ويتنافى ذلك مع الإحترام الواجب للأحكام القضائية الباتة. وفي النهاية، فإن تكرار المحاكمة من أجل فعل واحد يؤذي العدالة: ذلك أن إجراءات المحاكمة، وما يسبقها من إجراءات التحقيق تتضمن من الأعباء والمشاق ما يقتضي عدالة ألا يتعرض المتهم له غير مرة واحدة من أجل فعل واحد . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة : 278 )
تعدد الأوصاف القانونية للواقعة الواحدة :
قد تحتمل الواقعة الواحدة تعدداً في الأوصاف القانونية، وترفع الدعوى الجنائية عن أحد هذه الأوصاف ويصدر فيها حكم بات، فما أثر هذا الحكم على الأوصاف المتعددة عن الفعل الواحد.
وقد نصت المادة 455 إجراءات على عدم جواز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة، ويقصد بالحكم النهائي في هذا الصدد الحكم البات، وبناء على ذلك قضي أنه إذا أدين المتهم نهائياً عن عرض كحول مغشوش فلا تجوز إعادة محاكمته عن حيازة كحول لم تؤيد عنه رسوم الإنتاج، لأن الفعل في خصوصية الدعوى المطروحة ينطوي على الوصفين معاً، ومن ثم فلا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة، وإذا حكم ببراءة متهم عن واقعة بوصف أنها سرقة، فلا تجوز إعادة محاكمته عن ذات الواقعة بوصف أنها خيانة أمانة أو نصب .
وهذا المبدأ يرتكز إلى سلطة محكمة الموضوع وفقاً للمادة 308 إجراءات في - تمحيص الواقعة بجميع أوصافها وفي تعديل التهمة بعد تنبيه المتهم إلى ما تحدثه من تغيير لمنحه فرصة الدفاع .
ومناط الواقعة الواحدة التي تمنع إعادة المحاكمة هو اتحاد الأساس الذي أقيمت عليه الوقائع في الدعويين، بمعنى ألا يكون لكل دعوى ذاتية مستقلة وظروف خاصة تتحقق بها الغيرية التي يمتنع معها القول بوحدة السبب فيهما .
والقول بوحدة الواقعة أو بتعددها هو مسألة تكييف قانوني تخضع لرقابة محكمة النقض، كما أن تقدير قيام الارتباط بين الجرائم وتوافر الشروط الواردة في المادة 32 / 2 من قانون العقوبات، وعدم توافرها وإن كان من شأن محكمة الموضوع وحدها، لكنه يخضع لرقابة محكمة النقض . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 333 )
لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها حكماً نهائياً بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة (المادة 455 إجراءات) .
أما إذا كان الحكم ابتدائياً، فإنه أمام المحكمة الاستئنافية يمكن الاستناد إلى ما ظهر من أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو إلى تغيير الوصف القانوني للجريمة وتفصل المحكمة الاستئنافية في الاستئناف في حدود سلطتها المقررة بالقانون . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 1370 )
عدم جواز الرجوع إلى الدعوى بعد الحكم فيها نهائياً بناءاً على اكتشاف ظروف جديدة أو أدلة جديدة أو تغيير وصف الجريمة .
أولاً : إكتشاف ظروف جديدة :
بمقتضى المادة محل التعليق "لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة، فكما أن الحكم في الجريمة يمنع من إعادة رفع الدعوى عن نفس الجريمة، فإنه يمنع من إعادة البحث في أي ظرف من ظروفها المشددة أو المخففة، ولو كان هذا الظرف لم يعرض على المحكمة التي أصدرت الحكم، فلا يجوز طلب تشديد العقوبة المحكوم بها بناء على اكتشاف ظرف مشدد، ولا تخفيفها لظهور ظرف مخفف. فإذا رفعت الدعوى على متهم وحكم عليه بتهمة القتل الخطأ، لم تجز بعد ذلك إعادة رفع الدعوى عليه بواقعة القتل هذه لإكتشاف أن القتل كان عمداً، أو إذا حكم عليه بتهمة القتل العمد لم يجز رفع الدعوى ثانياً بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار، وإذا حكم على شخص بتهمة سرقة لم تجز محاكمته بعد ذلك عن تهمة السرقة المذكورة بحجة ظهور أنها كانت سرقة بإكراه .
ولكن الحكم على متهم لأنه عمل عملية جراحية وخالف بذلك اللوائح الصحية، لا يمنع من محاكمته أمام محكمة الجنح كقاتل خطأ إذا نشأ عن إهماله موت الشخص الذي عملت له العملية، لأن تهمة القتل في ذاتها لم تكن موضوع المحاكمة الأولى، وهي خلاف تهمة مخالفة اللوائح الصحية بإجراء عملية جراحية ومستقلة عنها، فلم يكن الغرض الوصول إلى تشديد العقوبة المحكوم بها أولاً لظهور ظرف مشدد، بل المحاكمة عن تهمة جديدة خلاف التهمة الأولى .
ثانياً : اكتشاف أدلة جديدة :
كذلك تقضي المادة محل التعليق على أنه "لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على ظهور أدلة جديدة وقد تقدم أن الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الصادر من قاضي التحقيق، وأمر الحفظ الصادر من النيابة العمومية لا يمنع من إقامة الدعوى العمومية إذا ظهرت أدلة جديدة، ذلك لأن سلطة التحقيق لا تفصل في التهمة، ولكنها تجمع الأدلة، ومتى رأتها كافية ترفع الدعوى بناء عليها، فإذا لم تجدها كافية فإنها تقرر عدم كفايتها وتنتظر حتى تتجمع لديها الأدلة الكافية ثم ترفع الدعوى. أما المحكمة فإنها تفصل في التهمة متى رفعت إليها، ومتى أصبح حكمها نهائياً فإنه يمنع من رفع الدعوى ثانياً مهما ظهرت الأدلة على خلافه، فلا تقبل الدعوى ثانياً ضد المتهم المحكوم ببراءته لظهور أدلة جديدة على إدانته، كما لا يقبل من المتهم طلب إقالته من الحكم الصادر ضده بالعقوبة لظهور أدلة جديدة تثبت براءته، إلا بطريقة إعادة النظر .
في الجرائم التي لا تقبل التجزئة :
وقد نصت المادة (32) عقوبات على أنه "إذا وقعت عدة جرائم لغرض واحد وكانت مرتبطة ببعضها بحيث لا تقبل التجزئة، وجب إعتبارها كلها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشد تلك الجرائم" ولا صعوبة في الأمر إذا رفعت دعوى واحدة بجميع الجرائم المذكورة وطرحت كلها دفعة واحدة أمام المحكمة فتعتبرها كلها جريمة واحدة وتحكم بالعقوبة المقررة لأشدها. ولكن قد لا يكتشف أولاً إلا بعض تلك الجرائم وترفع بها الدعوى ويحكم فيها نهائياً، ثم يكتشف البعض الآخر، فهل يمكن رفع دعوى مستقلة به وصدور حكم بعقوبة مستقلة؟ إن قاعدة عدم ضم العقوبات في الجرائم التي لا تتجزأ هي قاعدة موضوعية، ولا يجوز أن تختلف بإختلاف الظروف والمصادفات، فسواء رفعت بها دعوى واحدة أو أكثر يجب ألا توقع على المتهم إلا العقوبة المقررة للجريمة الأشد. ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك عملاً؟ يجب التفرقة بين ما إذا كانت الدعوى رفعت أولاً بالجريمة الأخف أو بالجريمة الأشد .
صدور الحكم أولاً في الجريمة الأخف :
فإذا كانت الدعوى رفعت أولاً بالجرائم الأخف وحكم فيها بالعقوبة المقررة، ثم إكتشفت جريمة أشد منها فإنه لا شيء يمنع من رفع الدعوى عنها والحكم بالعقوبة المقررة لها، ولكن يجب أن ينص في الحكم على خصم العقوبة الأولى منها عند التنفيذ، ويكون للعقوبة الجديدة أثر رجعي، أي تعتبر أنها حكم بها من وقت توقيع العقوبة الأولى، وأن العقوبة الأولى جزء منها صار تنفيذه .
صدور الحكم أولاً في الجريمة الأشد :
أما إذا رفعت الدعوى أولاً بالجريمة وحكم بأقصى عقوبتها فإنه لا يمكن أن تنفذ على المتهم بعد ذلك أية عقوبة أخرى .
ثالثاً : تغيير وصف الجريمة :
كذلك بمقتضى المادة محل التعليق لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة" ويكون للحكم قوة الشيء المحكوم فيه بالنسبة للأفعال المادية المكونة للجريمة، بصرف النظر عن الوصف القانوني الذي أعطى لها في أمر الإحالة أو في التكليف بالحضور، أو في الحكم نفسه. فلا تجوز محاكمة المتهم عن فعل واحد إلا مرة واحدة مهما تغير وصفه القانوني، فإذا حكمت المحكمة في التهمة بوصف معين فلا يقبل رفع الدعوى عليه ثانياً عن نفس التهمة بوصف آخر، فإن الدعوى إنما ترفع للمحكمة بفعل معین لا بوصف معين، والمحكمة إنما تتقيد بالفعل المرفوع به الدعوى لا بالوصف القانوني الموصوف به في قرار الإحالة أو في التكليف بالحضور، فإذا رفعت الدعوى بالتهمة على اعتبار أنها سرقة، فبرأت المحكمة المتهم، فلا يجوز رفع الدعوى عليه ثانياً بحجة أن الفعل نفسه يعتبر نصباً أو خيانة أمانة، لأن المحكمة لا يجوز لها أن تبريء المتهم إلا إذا رأت أن الفعل المنسوب له لا يعاقب عليه القانون بأي وجه من الوجوه، وإذا رأت أنه يعاقب عليه بمادة غير المادة المرفوعة بها الدعوى وجب الحكم عليه بالمادة المنطبقة مطلقاً، وخطأ الحكم في هذه الحالة قد يكون سبباً للطعن فيه بالطرق القانونية، ولكنه لا يكون سبباً للعدول عنه بعد أن أصبح نهائياً، وينطبق هذا المبدأ على جميع الأحكام سواء كانت صادرة من محاكم الجنايات أم من محاكم الجنح والمخالفات . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الرابع ، الصفحة : 271 )
المبدأ العام :
المبدأ الذي يأخذ به القانون المصري وأغلب القوانين الأخرى الحديثة أنه لا تجوز محاكمة الفرد عن واقعة واحدة أكثر من مرة فتقضي الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائياً، ولا يجوز العودة إلی الإجراءات مرة أخرى ولو كان ذلك بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناء على تغيير الوصف القانوني للجريمة وذلك بإستثناء حالات الطعن بإعادة النظر .
وإذا كان المشرع قد إستخدم عبارة الحكم النهائي فإنه يقصد الحكم البات الذي يحوز حجية والذي يمتنع معه كقاعدة عامة الرجوع إلى إجراءات الخصومة الجنائية بالنسبة للمتهم أو الواقعة التي حوكم من أجلها .
والحكم البات هو التعرض النهائي للخصومة الجنائية فهو الذي يفصل في النزاع الذي ينشأ بوقوع الجريمة من الدولة ولها سلطة في العقاب والمتهم يتمتع بالحق في الحرية، والأمر المقضي به هو مضمون الحكم البات الذي لا يجوز تغييره أو الرجوع فيه. وحجية الأمر المقضي به يشير إلى القوة أو الفاعلية التي يعترف بها المشرع للأحكام الباتة .
ومبدأ حجية الأمر المقضي به من النظام العام فيجوز التمسك به من الخصوم وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها والدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها من الدفوع الجوهرية التي توجب على المحكمة أن تتعرض لها إيراداً ورداً فإغفال الرد عليها يعيب الحكم . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الرابع ، الصفحة : 61 )