إذا كان الإستئناف مرفوعاً من النيابة العامة ، فللمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته .
إذا كان الإستئناف مرفوعاً من النيابة العامة ، فللمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته .
ولايجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلابإجماع آراء قضاة المحكمة .
أما إذا كان الإستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الإستتناف ، ويجوز لها إذا قضت بسقوط الإستئناف أو بعدم قبوله أو بعدم جوازه أو برفضه – أن تحكم على رافعه بغرامة لا تتجاوز خمسة جنيهات .
استبقى المشروع نظام الاستئناف جرياً على ما عليه الحال في أغلب التشريعات مراعاة لاعتبارات عملية لا يمكن إغفالها .
لكنه من ناحية أخرى أحاطه بقيود محتلفة درءاً لسوء استعماله ولكي لا يتخذ وسيلة للماطلة وعرقلة التنفيذ .
ففيما يتعلق بالأحكام التي يجيز استئنافها نص في المادة 427 ( أصبحت 403 من القانون ) على أنه يجوز استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات وفي الجنح التي يجوز إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي .
1- من المتهم إذا حكم عليه بعقوبة غير الغرامة والمصاريف أو بغرامة وتعويضات يزيد مجموهما على النصاب الذي يحكم فيه القاضي الجزئي نهائياً في المواد المدنية أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات .
وبديهي أنه في حالة الحكم بغرامة وتعويضات يتجاوز مجموعها عشرين جنيهاً لا أهمية لمقدار الغرامة المحكوم بها، فالاستئناف جائز ولو كان مقدار الغرامة أقل من ثلاثة جنيهات .
2- من النيابة العمومية إذا طلبت الحكم بغير الغرامة والمصاريف أو بغرامة تزيد على ثلاثة جنيهات وحكم ببراءة المتهم أو لم يحكم بما طلبته .
وهذا النظام في مجمله يشبه إلى حد ما نظام الاستئناف الحالي الخاص بالمخالفات غير أنه لم ينص على إجازة الاستئناف من النيابة أو من المتهم لخطأ في تطبيق نصوص القانون أو في تأويلها كما تقضي به المادة 153 من القانون الحالي لأنه رؤى أن الوسيلة الوحيدة للطعن في الحكم في هذه الحالة تكون بطريق النقض والإبرام وفقاً للاوضاع المقررة في القانون كما هو متبع في النظام الفرنسي والمختلط وقد لوحظ في ذلك أن محكمة النقض هي المرجع النهائي في مراقبة صحة تطبيق القانون .
أما في الجنح الأخرى أي التي لا يجوز قانوناً إصدار العقوبة فيها بأمر جنائي فقد ظل حق الاستئناف في الأحكام الصادرة من المحكمة الجزئية مطلقاً بالنسبة للنيابة والمتهم - المادة 428 - ( حذفت اكتفاء بنص المادة 402 من القانون ) فللمتهم أن يستأنف كل حكم يصدر عليه في جريمة منها حتى ولو كان صادراً بالغرامة مهما كان مقدارها كما يجوز للنيابة أن تستأنف أي حکم صادر بالبراءة أو الادانة بغير النظر إلى طلباتها في الجلسة أما الأحكام الصادرة من المحكمة الإبتدائية فلا يجوز استئنافها وقد بين المشروع في المادة 430 ( أصبحت م 404 من القانون ) الحالي في حالة صدور حكم في الجرائم مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة وكان بعض هذه الجرائم لا يجوز استئناف الحكم الصادر فيه فأباح لمن يجوز له استئناف الحكم بالنسبة لبعض الجرائم أن يستأنفه أيضاً بالنسبة للبعض الأخر وذلك منعاً للتعارض فإذا اتهم شخص بمخالفته للائحة السيارات وتسبب بذلك في قتل إنسان وقدم المحاكمة عن الجريميتين فإنه يجوز للمحكوم عليه أن يستأنف الحكم بالنسبة للجريميتن معاً ولو كان الحكم في المخالفة غير جائز استئنافه استقلالاً بناء على القواعد المتقدمة .
3- نص في المادة 431 ( أصبحت م 405 من القانون ) على عدم جواز استئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع وهي الأحكام التحضيرية والتمهيدية والأحكام التي تصدر في المسائل الفرعية ولم تنته بها الخصومة أمام المحكمة وذلك لعدم إطالة سير الدعوى على أن استئناف الحكم الصادر في الموضوع يترتب عليه حتماً استنئاف هذه الأحكام واستثنى من ذلك الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص فنص على جواز استئنافها ومثلها الأحكام الصادرة بالاختصاص إن لم يكن للمحكمة ولاية الحكم في الدعوى وذلك لأن الأحكام عدم الإختصاص تنهي الخصومة أمام المحكمة ولأنه لا يستساغ في الحالة الثانية أن تستمر المحكمة في نظر الدعوى وهي لا ولاية لها مطلقاً .
4- فيما يتعلق باستئناف المسئول عن الحقوق المدنية والمتهم فيما يختص بالحقوق المدنية وحدها نص في المادة 429 / 2 ( أصبحت المادة 457 من القانون ) على أن الاستئناف لا يجوز من المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية إلا إذا كانت التعويضات المحكوم بها تزيد على النصاب النهائي للقاضي الجزئي وذلك بخلاف الوضع الحالي فإن الاستئناف في المخالفات متوقف على مقدار التعويضات المدعي بها لا التي قضى بها ( المادة 153 من القانون الحالي ) ومثله في الجنح بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية ( المادة 176 ) والعلة في التعديل الذي أدخل هي أن الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحاكم الجنائية يتبع في الفصل فيها الاجراءات المقررة للدعوى الجنائية - مادة 62 - ( أصبحت المادة 265 وعدلت ) ولما كان من المقرر أن المحكوم عليه جنائياً لا يجوز له أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالعقوبة إلا بالنسبة لما حکم به بصرف النظر عما طلبته النيابة فإنه لايجوز كذلك أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالتعويضات إلا بالنسبة لما قضى بصرف النظر عما طلبه المدعي بالحقوق المدنية وكذلك الحال بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية (أنظر المادة 247 فقرة أخيرة من قانون تحقيق الجنايات المختلط).
وبالنسبة إلى إجراءات الطعن بالاستئناف ومواعيده لم يدخل المشروع تعديلاً يذكر اللهم إلا إطلاق حق استئناف النائب العمومي في میعاد ثلاثين يوماً بحيث يصبح جائزاً في المخالفات كما هو جائز في الجنح - المادة 432 / 2 - ( أصبحت م 406 / 2 من القانون ) كذلك نص المادة 433 ( أصبحت م 408 من القانون ) على أن قلم الكتاب يحدد للمستأنف تاريخ الجلسة وذلك رغبة في الإسراع على أن ذلك التاريخ لا يكون قبل ثلاثة أيام كاملة .
ونصت المادة 434 فقرة أولى على أن قلم الكتاب لا يقبل التقرير باستئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع والتي نص على عدم جواز استئنافها على حدة في المادة 431 ونظمت الفقرة الثانية من هذه المادة طريق التظلم لطالب الاستئناف في هذه الحالة . ومما استحدثه المشروع الأخذ بفكرة الاستئناف الفرعي جرياً على ما سار عليه كثير من التشريعات القانون الفرنسي وما أخذ به قانون تحقيق الجنايات المختلط فنصت المادة 435 ( أصبحت م 409 من القانون ) على أنه إذا استأنف أحد الخصوم فإن ميعاد الاستئناف يمتد خمسة أيام أخرى بالنسبة إلى من له حق الاستئناف من باقي الخصوم في الدعوى من تاريخ إنتهاء العشرة أيام المقررة للاستئناف .
والحكمة في ذلك ظاهرة فقد يستأنف أحد الخصوم في نهاية العشرة أيام وبذلك يفاجئ خصمه الذي يكون قد امتنع عن الاستئناف إزاء سکوت خصمه عنه فمن العدل أن تتاح له الفرصة ويستأنف إذا أراد صوناً لحقوقه وعلى ذلك إذا استأنف المتهم الحكم الصادر عليه إمتد میعاد بالنسبة للنيابة والمدعي بالحقوق المدنية خمسة أيام أخرى .
وغنى عن البيان أن الاستئناف الفرعي لا يجوز إلا إذا كان الاستئناف الأصلي مرفوعاً في ميعاد العشرة الأيام وينبني على ذلك أن الاستئناف الذي يرفع من النائب العام بعد هذا الميعاد في مدة ثلاثين يوماً المقررة له لا يعطى حق رفع الاستئناف الفرعي لأحد من الخصوم .
وأبقى المشروع على القواعد الأساسية بها الأن الخاصة بتنفيذ الأحكام مؤقتاً رغم الاستئناف وضمنها المادة 437 ( أصبحت المادة 463 من القانون ) غير أنه لم يذكر حالة التشرد بين الأحوال التي يجب فيها النفاذ فوراً ولو منع الاستئناف وآثر ذلك ينظمه القانون الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم رؤى في الوقت نفسه أن يكون الحكم بالحبس واجب النفاذ على كل من ليس له محل إقامة ثابت بمصر ولو كان قانون التشرد غير منطبق عليه لعدم سبق إنذاره أو لسبب آخر .
وفيما يتعلق بتنفيذ العقوبات التبعية نص في المادة 438 ( أصبحت م 464 من القانون ) على تنفيذ العقوبات التبعية المقيدة للحرية المحكوم بها مع عقوبة الحبس إذا نفذت عقوبة الحبس طبقاً للمادة 437 السابقة ( أصبحت م 463 من القانون ) وعلى ذلك فالوضع تحت المراقبة والحرمان من تعاطي بعض المهن والصناعات وسحب الرخص والوضع في ملجأ وما إلى ذلك من العقوبات التي تقيد حرية المحكوم عليه من ناحية ما تنفذ عليه متى كان تنفيذ العقوبة الحبس المحكوم بها واجباً وسيان في ذلك أكان الحبس واجب فوراً من أول الأمر أم وجب تنفيذه لعدم قيام المحكوم عليه بتقديم الكفالة مثلاً .
ونص في الفقرة الأخيرة من المادة 437 ( أصبحت م 463 من القانون ) على تخويل المحكمة الأمر بتنفيذ الحكم بالتعويضات للمدعي بالحق المدني تنفيذاً مؤقتاً ولو مع حصول الاستئناف على حسب ما تقدم في صدد المعارضة طبقاً للمادة 467 .
ولما كان الأصل أن الاستئناف يترتب عليه إيقاف التنفيذ فقد رؤى أن ما جاء في النص الحالي للمادة 181 من قانون تحقيق الجنايات من وجوب الإفراج عن المتهم إذا قضى له بالبراءة استثناء من هذا الحكم لا يشمل جميع الصور التي يجب الإفراج فيها عن المتهم المحبوس احتياطياً ومن ذلك حالة الحكم بوقف تنفيذ العقوبة وكون المتهم قد قضى في الحبس الاحتياطي المدة المحكوم بها أو أكثر منها وحالة الحكم عليه بغير عقوبة الحبس أو بعقوبة لا يقتضي تنفيذها الحبس ففي هذه الأحوال الإفراج واجب رغم الاستئناف ولو أنه لا يمكن قياسها على حالة البراءة لأن إدانة المتهم ثابتة فيها بالحكم الابتدائي لذلك نص في المادة 439 ( أصبحت م 465 من القانون ) على وجوب الإفراج فوراً في هذه الأحوال .
وتنص المادة 440 ( أصبحت م 466 من القانون ) صراحةً على القاعدة الأصلية التي جرى عليها القانون الحالي فيما يتعلق بأثر الاستئناف من حيث تنفيذ الحكم الإبتدائي ومضمونها أنه في غير الأحوال المعينة التي نص عليها بوقف التنفيذ أثناء الميعاد المقرر للاستئناف وأثناء نظر الاستئناف الذي يرفع في الميعاد .
وقد أبقى المشروع القواعد المعمول بها في نظر الدعوى في دور الاستئناف - المادتان 441 و 443 - ( المادتان 411 و 413 من القانون ) وإنما ضماناً لجدية تقرير التلخيص الذي يقدمه أحد أعضاء المحكمة الاستئنافية نص في المادة 441 ( اصبحت م 411 من القانون ) على أنه يجب أن يكون موقعاً عليه منه وأن يكون مشتملاً على جميع العناصر اللازمة للفصل في الدعوى من بيان وقائعها وظروفها ومنعاً لإساءة إستعمال حق الاستئناف واحتراماً للحكم الواجب النفاذ نصت المادة 442 ( أصبحت م 412 من القانون ) على أنه لا يقبل الاستئناف المرفوع من المتهم المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية الواجبة النفاذ ما لم يتقدم قبل يوم الجلسة .
وقد أدخل المشروع تعديلاً هاماً فيما يتعلق بتشديد العقوبة المحكوم بها إبتداءً وإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة إذ نص في المادة 444 ( حذفت قبلها فقرة من المادة 417 من القانون ) على أنه لا يجوز التشديد ولا الإلغاء إلا بإجماع أراء قضاة المحكمة فالأغلبية لا تكفي في هذه الحالة وذلك على أساس أن رأي القاضی أول درجة يجب أن يكون محل إعتبار عند الفصل في الدعوى استئنافياً .
فإذا كان رأی أحد قضاة الاستئناف مطابقاً لرأي قاضي محكمة أول درجة فلا يجوز إلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة لأنه إذا كان هناك محل للترجيح فإنما ترجح كفة الرأي الذي يشترك فيه القاضي الذي يشترك فيه القاضي الذي أجري تحقيقاً في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو القاضي الجزئي هذا فضلاً عما في ترجيح هذا الرأي من مراعاة لمصلحة المتهم .
ونصت المادة 445 ( أصبحت المادة 416 من القانون ) على حكم واجب بطبيعته هو رد التعويضات التي يكون قد نفذ بها تنفيذاً مؤقتاً إذا ألغي الحكم المستأنف الصادر بها وبينت المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون الحالي ) مدى تقيد المحكمة الاستئنافية بمصلحة المستأنف فنصت صراحة على أن استئناف النيابة يجيز للمحكمة أن تحکم بناءً عليه لمصلحة المتهم أما بالنسبة لباقی الخصوم فلا يمكن أن يضار أحدهم بالاستئناف المرفوع وما قررته هذه المادة مطابق لما جرى عليه العمل الآن .
ورئى أنه لا داعي لذكر الفقرة الثانية من المادة 186 من القانون الحالي الخاصة بعدم جواز الحكم بعدم الاختصاص إذا كان الاستئناف مرفوعاً عن المتهم وحده وذلك لأن هذا الحكم نتيجة حتمية القاعدة التي قررها المشروع في المادة 446 ( أصبحت المادة 417 من القانون ).
ونصت المادة 447 ( أصبحت المادة 418 من القانون ) على أنه فيما يتعلق بالأحکام الغيابية والمعارضة فيها يتبع ما هو مقرر أمام محكمة أول درجة وهذا مطابق للوضع الحالي .
وأخيراً قررت المادة 448 ( أصبحت م 419 من القانون ) حق تصدي المحكمة الاستئنافية لنظر الدعوى الموضوع فنصت على أنه إن ألغت المحكمة حكماً صادراً بعدم الإختصاص أو حكماً في مسألة فرعية انتهت به الخصومة أمام المحكمة أو لدرجة وجب عليها أن تفصل في موضوع الدعوى بعد إجراء ما يجب من التحقيق فيها وذلك اختصاراً للإجراءات .
المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث
وقد أدخل المشروع تعديلاً هاماً فيما يتعلق بتشديد العقوبة المحكوم بها ابتداء وإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة إذ نص في المادة (444) ( 2/417 ) على أنه لا يجوز التشديد ولا إلا إلغاء بإجماع آراء قضاة المحكمة فالأغلبية لا تكفي في هذه الحالة وذلك على أساس أن رأي قاضي أول درجة يجب أن يكون محل اعتبار عند الفصل في الدعوى استئنافاً فإذا كان رأي أحد قضاة الاستئناف مطابقاً لرأي قاضي محكمة أول درجة فلا يجوز إلغاء حكم البراءة أو تشدید العقوبة لأنه إذا كان هناك محل للترجيح فإنما ترجح كفة الرأي الذي يشترك فيه القاضي الذي أجرى تحقيقاً في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو القاضي الجزئي فضلاً عما في ترجيح هذا الرأي من مراعاة لمصلحة المتهم .
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونيتد للإصدارات القانوني
مادة 1278 مكرراً – استئناف النيابة يترتب عليه نقل موضوع الدعوى برمته إلي المحكمة الاستئنافية واتصال هذه المحكمة يخولها الحق في أن تؤيد الحكم المستأنف أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته إلا أنه لا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع قضاه المحكمة .
أما إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف .
1- لما كان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه أنه اقتصر فى بيانه لواقعة الدعوى والتدليل على ثبوتها فى حق الطاعن على قوله : " وحيث إن الواقعة تخلص فيما أبلغ به محرر المحضر من أن المتهم زاول إلحاق المصريين العاملين بالخارج قبل الحصول على ترخيص ، وحيث إن الجريمة المسندة إلى المتهم قد استكملت أركانها القانونية والمادية والمعنوية ، طبقاً لما هومبين بالأوراق ، وحيث إن التهمة المسندة إلى المتهم ثابتة فى حقه ثبوتاً كافياً لإدانته مما سطر فى محضر ضبط الواقعة ومن أقوال ... ومن عدم ... لدفع التهمة المسندة إليه بدفاع مقبول مما يتعين عقابه طبقاً لمواد الاتهام وعملاً بالمادة 304 أ/ج وحيث إن المتهم قدم ..... " ثم أضاف الحكم المطعون فيه بعد أن أفصح عن تأييده للحكم المستأنف لأسبابه قوله : " وحيث إن الثابت من بلاغ كل من ...... ، ...... وأقوالهما فى محضر الضبط فى .... من أن المتهم قد قام بتسفيرهم لدولة ...... لقاء مبلغ 8000 ج الحال منهم 3800 ج والمؤخر منهم 4200 ج إلا أن الشروط التي قام بالسفر عليها فى ...... كانت وهمية وقام بالعمل الحر ابتداءً من ...... حتى حضورهما فى .... وبسؤال المتهم أنكر وبسؤال بعض الشهود قرروا بأقوال الشاكين وجاءت التحريات لتقرر بصدق رواية الشاكين ، وقدمت النيابة المتهم بتهمة إلحاق عمالة بالخارج بدون ترخيص ، ولما كانت هذه التهمة ثابتة قبل المتهم ثبوتاً كافياً لإدانته أخذاً من بلاغ وأقوال المجني عليهما وشهودهما وتحريات المباحث بما تطمئن معه المحكمة لثبوت التهمة وتقضي عملاً بحقها بنص المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية بتعديل الحكم المستأنف حسبما ورد بالمنطوق " . لما كان ذلك ، وكانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت أن يشتمل كل حكم بالإدانة على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمة والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة الإدانة ، ومؤدى كل منها حتى يتضح وجه استدلالها بها وسلامة مأخذها تمكيناً لمحكمة النقض من مراقبة صحة التطبيق القانوني على الواقعة وإلا كان قاصراً . لما كان ذلك ، وكان ما أورده الحكم المطعون فيه بياناً لواقعة الدعوى جاء غامضاً ولا تبين منه أركان الجريمة المسندة إلى الطاعن وهي مزاولته مهنة إلحاق المصريين بالعمل بالخارج قبل الحصول على ترخيص وقد خلا كل من الحكمين الابتدائي والاستئنافي من مضمون العقود التي ألحق بها الشاكين للعمل بالخارج ومضمون هذه العقود وصلة الطاعن بها وصفته فيها حتى يوفر فى حقه الجريمة المسندة إليه والتي أدين من أجلها فضلاً عن حكم أول درجة المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه قد عول على اكتمال أركان الجريمة فى حق الطاعن على ما هو مبين بالأوراق دون أن يورد مضمونها ومؤداها حتى يكشف عن وجه استدلال المحكمة بهذا الدليل الذي استنبطت منه معتقدها فى الدعوى مما يصمه بالقصور فى البيان بما يوجب نقضه والإعادة بغير حاجة لبحث باقي الأوجه الأخرى وكيما يتاح محاكمة المتهم على ضوء حكم المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية ما نصت عليه المادة 175 من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981 من عدم جواز الحكم بوقف تنفيذ العقوبات المالية بما يتحقق به معنى القانون الأصلح للطاعن .
( الطعن رقم 9786 لسنة 67 - جلسة 2006/10/18 - س 57 ص 821 ق 89 )
2 - لما كان من المقرر - على ما جرى به قضاء محكمة النقض - أن مراد الشارع فى المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية على وجوب إجماع قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة فى تقدير الوقائع والأدلة ، وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كافية فى تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة أو إقامه التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة، وكل ذلك فى حدود القانون إيثارا من الشارع لمصلحة المتهم ، فاشتراط إجماع القضاة قاصر على حالة الخلاف فى تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة ، أما النظر فى استواء حكم القانون فلا يصح أن يرد عليه خلاف والمصير إلى تطبيقه على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع بل لا يتصور أن يكون الإجماع ذريعة إلى تجاوز حدود القانون أو إغفال حكم من أحكامه . لما كان ذلك ، وكانت المادة 157 من القانون رقم 116 لسنة 1983 قد جعلت الحد الأدنى لعقوبة الحبس فى جريمة إقامة مصانع أو قمائن طوب فى الأرض الزراعية هى ستة أشهر وكان حكم محكمة أول درجة قد نزل بتلك العقوبة عن الحد الأدنى فاستأنفت النيابة هذا للحكم للخطأ فى تطبيق القانون وقضى الحكم الاستئنافى الغيابى المعارض فيه وفقاً لصحيح القانون بجعل عقوبة الحبس ستة أشهر ، فإنه يكون قائماً على النظر فى استواء حكم القانون وهو ما لا يقتضى صدور الحكم فى المعارضة الاستئنافية بإجماع آراء قضاة المحكمة، ومن ثم فلا يعيب الحكم المطعون فيه عدم النص على صدوره بإجماع الآراء .
( الطعن رقم 17875 لسنة 65 - جلسة 2004/12/05 - س 55 ع 1 ص 797 ق 120 )
3 - لما كانت الواقعة التي رفعت بها الدعوى على المطعون ضده والتي كانت مطروحة بالجلسة أمام محكمة أول درجة تعد من بعد إعمال القانون 146 لسنة 1988 جناية بالمادة 21 منه لا جنحة تبديد ، فإن محكمة أول درجة إذ اعتبرت الواقعة جنحة تبديد بالمخالفة لأحكام هذا القانون الذي يحكمها وفصلت فيها ، وكان عليها مع اعتبار الواقعة جناية أن تحكم بعدم اختصاصها وتحيلها إلى النيابة العامة لاتخاذ ما يلزم فيها عملاً بالمادة 305 من قانون الإجراءات الجنائية التي جرى نصها على أنه " إذا تبين للمحكمة الجزئية أن الواقعة جناية أو أنها جنحة من الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر على غير الأفراد، تحكم بعدم اختصاصها وتحيلها إلى النيابة العامة لاتخاذ ما يلزم فيها " ، فإنها تكون قد أخطأت فى تطبيق القانون ، وكانت المحكمة الاستئنافية قد سايرتها وأخطأت بدورها واعتبرت الواقعة جنحة وقضت بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي ثلاث سنين وكان عليها بعد أن حاز قضاء الحكم الابتدائي الضمني بالاختصاص قوة الأمر المقضي وصار الاختصاص معقوداً لمحكمة الجنح وحدها وكان الاستئناف مرفوعاً من المتهم وحده دون النيابة العامة ومع اعتبار الواقعة جناية إما أن تؤيد الحكم المستأنف أو تعدله لمصلحة المطعون ضده ، وذلك عملاً بالفقرة الثالثة من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية التي جرى نصها على أنه : " أما إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف ، .... " لما كان ما تقدم وكان الحكم المطعون فيه بما تضمنه قضاؤه سالف الذكر قد خالف القانون فإنه يتعين نقضه . ولما كان ذلك الحكم قد قصر بحثه على التقادم ولم يتعرض للواقعة المسندة إلى المطعون ضده إثباتاً ونفياً حتى تتمكن محكمة النقض من إنزال صحيح القانون عليه فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإعادة .
( الطعن رقم 19497 لسنة 65 - جلسة 2004/11/01 - س 55 ع 1 ص 725 ق 110 )
4 - لما كان يبين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه صدر بتأييد الحكم الغيابى الاستئنافى المعارض فيه من الطاعن والقاضى بإلغاء الحكم المستأنف الصادر بإعفاء الطاعن من العقوبة المقضى بها من محكمة أول درجة دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة خلافاً لما تقضى به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية من أنه " إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة " ولما كان من شأن ذلك ، كما جرى عليه قضاء محكمة النقض أن يصبح الحكم المذكور باطلاً فيما قضى به من تأييد الحكم الغيابى الاستئنافى القاضى بإلغاء البراءة وذلك لتخلف شرط صحة الحكم بهذا الإلغاء وفقاً للقانون ، ولا يكفى فى ذلك أن يكون الحكم الغيابى الاستئنافى القاضى بإلغاء حكم أول درجة الذى قضى بإعفاء الطاعن من العقوبة المقضى بها قد نص على صدوره بإجماع آراء القضاة لأن المعارضة فى الحكم الغيابى من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض بحيث إذا رأت المحكمة أن تقضى فى المعارضة بتأييد الحكم الغيابى الصادر بإلغاء حكم أول درجة القاضى بإعفاء الطاعن من العقوبة المقضى بها ، فإنه يكون من المتعين عليها أن تذكر فى حكمها أنه صدر بإجماع آراء القضاة ، ولأن الحكم فى المعارضة وإن صدر بتأييد الحكم الغيابى الاستئنافى إلا أنه فى حقيقته قضاء منها بإلغاء الحكم الصادر من محكمة أول درجة . لما كان ذلك ، وكان لهذه المحكمة طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين مما هو ثابت فيه أنه بنى على مخالفة للقانون أو على خطأ فى تطبيقه أو فى تأويله ، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم الغيابى الاستئنافى وتأييد الحكم المستأنف الصادر بإعفاء الطاعن من الغرامة المقضى بها ومثلها لصالح الخزانة العامة .
( الطعن رقم 14626 لسنة 65 - جلسة 2004/03/19 - س 55 ع 1 ص 263 ق 36 )
5 - حيث إنه يبين من الأوراق أن الحكم الغيابى الاستئنافى قد صدر بإلغاء حكم أول درجة القاضى ببراءة الطاعن دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة خلافاً لما تقضى به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية من أنه ’’ إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة ‘‘ ولما كان من شأن ذلك - كما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - أن يصبح الحكم المذكور باطلاً فيما قضى به من إلغاء حكم أول درجة الصادر ببراءة الطاعن وذلك لتخلف شرط صحة الحكم بهذا الإلغاء وفقاً للقانون 0 لما كان ذلك ، وكان مقتضى الجمع بين حكمى المادتين 401 ، 417 من قانون الإجراءات الجنائية يجعل النص على إن إلغاء حكم البراءة كان بإجماع الآراء واجباً لصحة كل منالحكم الغيابى الاستئنافى الصادر بناء على استئناف النيابة والحكم الصادر فى معارضة المتهم فى ذلك الحكم ومن ثم لا يكون أمام المحكمة الاستئنافية وهى تقضى فى المعارضة إلا أن تقضى بتأييد الحكم المستأنف مادام الحكم الغيابى لم يصدر بالإجماع وكان الحكم المطعون فيه قد قضى على خلاف ذلك بتأييد الحكم الغيابى الاستئنافى فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون . لما كان ذلك ، وكان لهذه المحكمة طبقاً لنص المادة 35 فقرة ثانية من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين مما هو ثابت فيه أنه مبنى على مخالفة القانون أو على خطأ فى تطبيقه أو فى تأويله فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم الغيابى الاستئنافى وتأييد الحكم المستأنف الصادر ببراءة الطاعن .
( الطعن رقم 29552 لسنة 63 - جلسة 2003/02/26 - س 54 ص 322 ق 33 )
6 - لما كان يبين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه صدر بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر برفض الدعوى المدنية, دون أن يذكر فيه أنه صدر بإجماع آراء القضاة. لما كان ذلك, وكان قضاء هذه المحكمة - قد جرى على أن حكم الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية يسري على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم قبول الواقعة, سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه, فمتى كان الحكم الابتدائي قد قضى ببراءة المتهم وبرفض الدعوى المدنية المرفوعة عليه من المدعي بالحقوق المدنية لعدم ثبوت الواقعة - كما هو الحال فى الدعوى - فإنه لا يجوز إلغاء هذا الحكم الصادر فى الدعوى المدنية والقضاء فيها استئنافيا بالتعويض إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة, كما هو الشأن فى الدعوى الجنائية, نظرا لتبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية من جهة ولارتباط الحكم بالتعويض بثبوت الواقعة الجنائية من جهة أخرى. لما كان ذلك, فإن الحكم المطعون فيه, إذ قضى بهذا الإلغاء دون أن يصدر بإجماع الآراء, يكون قد خالف القانون, اعتباراً بأن اشتراط الإجماع لإلغاء الحكم الصادر برفض الدعوى المدنية. هو من القواعد الموضوعية المتعلقة بأصل الحق فى التعويض, فإنه فى ذلك شأن الحكم الصادر بإلغاء الحكم القاضي بالبراءة أو تشديد العقوبة المحكوم بها, فهو من القواعد الموضوعية المتعلقة بأصل الحق فى العقاب, ومن ثم لزاما على الحكم المطعون فيه وقد تخلف شرط الإجماع أن يقضي بتأييد الحكم المستأنف. لما كان ذلك, وكان لهذه المحكمة طبقا لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959, أن تنقض الحكم لمصلحة الطاعن من تلقاء نفسها إذا تبين لها مما هو ثابت فيه أنه مبني على مخالفة للقانون أو على خطأ فى تطبيقه أو تأويله, فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه بالنسبة إلى الطاعن وإلغاء الحكم المطعون فيه, وتأييد الحكم الابتدائي القاضي برفض الدعوى المدنية قبله .
( الطعن رقم 10087 لسنة 61 - جلسة 2001/10/21 - س 52 ع 1 ص 764 ق 142 )
7 - لما كان البين من الأوراق أن الدعوى الجنائية أقيمت على المطعون ضدهم لمحاكمتهم بجنحة ضرب فقضت محكمة أول درجة حضورياً بحبس كل منهم شهراً مع الشغل طبقاً للمادة 242/1، 3 من قانون العقوبات وبإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المختصة، ولما استأنفوا وحدهم هذا الحكم على ما ثبت بالحكم المطعون فيه فقضت المحكمة الاستئنافية حضورياً بإلغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص محكمة أول درجة بنظر الدعوى استناداً لما أثبته التقرير الطبي من نشوء عاهة مستديمة لدى المجني عليه.......مما يثير شبهة الجناية المنصوص عليها فى المادة 240 من القانون المذكور. لما كان ذلك، وكانت الفقرة الثالثة من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه" إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف" فإنها بذلك تكون قد دلت على أنه إذا كان الاستئناف مرفوعاً من المتهم وحده دون النيابة العامة فليس للمحكمة الاستئنافية أن تحكم بعدم اختصاص محكمة أول درجة بنظر الدعوى إذا ما ثبت لها أن الواقعة المرفوعة بها الدعوى فى حقيقتها جناية لما فى ذلك من تسوئ لمركز المستأنف بعد أن حاز قضاؤه الضمني بالاختصاص قوة الأمر المقضي. وإذ كان الحكم المطعون فيه قد قضى على خلاف ذلك بعدم اختصاص محكمة أول درجة بنظر الدعوى استناداً إلى أن الواقعة تثير شبهة الجناية فإنها تكون قد خالفت ما نص عليه القانون فى المادة المذكورة مما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه ولما كان ذلك الحكم قد قصر بحثه على الاختصاص ولم يتعرض للواقعة الجنائية ذاتها من ناحية ثبوتها أو عدم ثبوتها ضد المطعون ضدهم حتى تتمكن محكمة النقض من إنزال صحيح القانون عليها فإنه يتعين إحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع لتفصل فيها من جديد .
( الطعن رقم 20237 لسنة 64 - جلسة 2000/12/20 - س 51 ص 850 ق 168 )
8 - لما كان يبين من الإطلاع على الأوراق أن محكمة أول درجة قضت حضورياً بتغريم المطعون ضده مائة جنيه والإيقاف والغلق عن جريمة فتح وإدارة محل بدون ترخيص المسندة إليه، فاستأنف المحكوم عليه وحده هذا الحكم، والمحكمة الاستئنافية قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وبتغريم المتهم خمسين جنيهاً والمصاريف. لما كان ذلك، وكان نص الفقرة الثالثة من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية يجري على أنه" إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم وتعدله لصالح رافع الاستئناف". وكان إلغاء وقف التنفيذ يعتبر تشديداً للعقوبة حتى مع إنقاص مقدار الغرامة المقضي بها، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد أخطأ فى القانون حين ألغى وقف تنفيذ عقوبة الغرامة المقضي بها. لما كان ذلك، وكان العيب الذي شاب الحكم المطعون فيه مقصوراً على الخطأ فى تطبيق القانون بالنسبة للواقعة كما صار إثباتها فى الحكم، فإنه يتعين حسب القاعدة الأصلية المنصوص عليها فى المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 أن تصحح محكمة النقض الخطأ وتحكم بمقتضى القانون. لما كان ما تقدم، فإنه يتعين نقض الحكم نقضاً جزئياً وتصحيحه بإيقاف عقوبة تنفيذ الغرامة المقضي بها .
( الطعن رقم 15525 لسنة 64 - جلسة 2000/10/17 - س 51 ص 657 ق 128 )
9 - لما كان البين من المفردات المضمومة أن الحكم المطعون فيه قد صدر بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي المعارض فيه من الطاعن والقاضي بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة خلافاً لما تقضي به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائيةمن أنه " إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة." لما كان ذلك، وكان منطوق الحكم المطعون فيه قد جاء خلواً مما يفيد صدوره بالإجماع كما خلا رول الجلسة الموقع عليه من رئيس الهيئة وكذلك محضرها من إثبات صدور الحكم بالإجماع طبقاً للثابت من المفردات، وكان الشارع إذ استوجب انعقاد الإجماع معاصراً لصدور الحكم فى الاستئناف بتشديد العقوبة المحكوم بها أو إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إنما دل على اتجاه مراده إلى أن يكون الإجماع معاصراً لصدور الحكم وليس له تالياً لأن ذلك هو ما تتحقق به حكمه تشريعه، ومن ثم فإن النص على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة شرط لازم لصحة صدور الحكم بالإلغاء والقضاء بالإدانة، وإذ كانت العبرة فيما تقضي به الأحكام هي بما ينطق به القاضي بالجلسة العلنية عقب سماع الدعوى، فإنه لا يكفي أن تتضمن أسباب الحكم ما يفيد انعقاد الإجماع ما دام لم يثبت بورقة الحكم أن تلك الأسباب قد تليت علناً بجلسة النطق به مع المنطوق وهو ما خلا الحكم من الدلالة عليه، ولا يكفي فى ذلك أن يكون الحكم الغيابي الاستئنافي القاضي بإلغاء حكم البراءة قد نص على صدوره بإجماع آراء القضاة، لأن المعارضة فى الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض بحيث إذا رأت المحكمة أن تقضي فى المعارضة بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي إلا أنه فى حقيقته قضاء منها بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة. لما كان ذلك، وكان لهذه المحكمة طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين مما هو ثابت فيه أنه مبني على مخالفة للقانون أو على خطأ فى تطبيقه أو فى تأويله، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم الاستئنافي الغيابي وتأييد الحكم المستأنف الصادر ببراءة الطاعن.
( الطعن رقم 21274 لسنة 64 - جلسة 2000/07/24 - س 51 ص 536 ق 104 )
10- لما كان البين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه قد صدر بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي المعارض فيه من المطعون ضده والقاضي بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة الذين أصدروه خلافا لما تقضي به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائيةمن أنه إذا كان الاستئناف مرفوعا من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة، ولما كان من شأن ذلك أن يكون الحكم المطعون فيه فيما قضى به من تأييد الحكم الغيابي القاضي بإلغاء البراءة فقد افتقد شرط صحة الحكم بهذا الإلغاء وفقا للقانون، ولا يكفي فى هذا أن يكون الحكم الغيابي الاستئنافي قد نص على صدوره بإجماع آراء القضاة لأن المعارضة فى الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض، بحيث إذا رأت المحكمة أن تقضي فى المعارضة بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي إلا أنه فى حقيقته قضاء منها بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة. لما كان ذلك، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد خالف القانون اعتباراً بأن اشتراط الإجماع لإلغاء الحكم الصادر بالبراءة أو تشديد العقوبة المحكوم بها هو من القواعد الموضوعية المتعلقة بأصل الحق فى العقاب، ومن ثم فقد كان لزاما على الحكم المطعون فيه وقد تخلف شرط الإجماع أن يقضي بتأييد الحكم المستأنف. لما كان ذلك، وكان لهذه المحكمة طبقا لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض المار ذكره أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين لها مما هو ثابت أنه مبني على مخالفة القانون أو على خطأ فى تطبيقه أو تأويله فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم الغيابي الاستئنافي وتأييد الحكم الابتدائي القاضي بالبراءة .
( الطعن رقم 10625 لسنة 64 - جلسة 2000/02/09 - س 51 ص 153 ق 27 )
11- لما كان البين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه قد صدر بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر بانقضاء الدعوى الجنائية قبل الطاعن والمحكوم عليها الأخرى وهو صنو الحكم الصادر بالبراءة دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة خلافا لما تقضي به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية من أنه "إذا كان الاستئناف مرفوعا من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة" ولما كان من شأن ذلك - كما جرى عليه قضاء محكمة النقض - أن يصبح الحكم المذكور باطلا فيما قضى به من إلغاء البراءة. وذلك لتخلف شروط صحة الحكم بهذا الإلغاء وفقا للقانون. لما كان ذلك، وكان لهذه المحكمة طبقا لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين مما هو ثابت فيه أنه مبني على مخالفة القانون أو على خطأ فى تطبيقه أو فى تأويله، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وتأييد الحكم المستأنف الصادر بانقضاء الدعوى الجنائية قبل الطاعن، وذلك بغير حاجة للتعرض لأوجه الطعن المقدمة منه، أما المحكوم عليها الأخرى فقد صدر عليها الحكم المطعون فيه غيابيا وبالتالي فهو قابل للطعن فيه بالمعارضة فلا يمتد أثر الطعن إليها .
( الطعن رقم 18331 لسنة 64 - جلسة 2000/01/26 - س 51 ص 96 ق 15 )
12- لما كان البين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه قد صدر بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر ببراءة الطاعن دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة الذين أصدروه خلافا لما تقضي به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية إذا كان الاستئناف مرفوعا من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة , ولما كان من شأن ذلك - كما جرى قضاء محكمة النقض - أن يصبح الحكم المذكور باطلا فيما قضي به من إلغاء البراءة وذلك لتخلف شرط صحة الحكم بهذا الإلغاء وفقا للقانون , فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه فيما قضي به على الطاعن وتصحيحه بتأييد الحكم المستأنف الصادر ببراءته .
( الطعن رقم 3944 لسنة 64 - جلسة 1999/02/21 - س 50 ص 132 ق 28 )
13- لما كانت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت فى فقرتها الثالثة على أنه " إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف " فإنها بذلك تكون قد دلت على أنه إذا كان الاستئناف مرفوعاً من المتهم وحده دون النيابة العامة فليس للمحكمة الاستئنافية أن تحكم بعدم اختصاص محكمة أول درجة بنظر الدعوى إذا ما ثبت لها أن الواقعة المرفوعة بها الدعوى فى حقيقتها جناية لما فى ذلك من تسوئ لمركز المستأنف ،ولا يكون أمامها فى هذه الحالة إلا أن تؤيد حكم الإدانة الابتدائى أو تعدله لمصلحة المستأنف بعد أن حاز قضاؤه الضمني بالاختصاص قوة الأمر المقضى ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد قضى _ على خلاف ذلك _بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى استناداً إلى أن الواقعة جناية دون أن يتقيد بنص المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية أو بنص المادة 401/ 1 من ذات القانون التي تقضى بأنه لا يجوز بأية حال أن يضار المعارض بناء على المعارضة المرفوعة منه ، فإنه يكون قد خالف القانون ، ويعد بذلك منهياً للخصومة على خلاف ظاهره لأنه سوف يقابل حتماً بقضاء محكمة الجنايات بعدم اختصاصها بنظر الدعوى فيما لو رفعت إليها إذ لا اختصاص لها بنظرها على مقتضى القانون بغض النظر عن حقيقة وصفها بعد أن صار هذا الاختصاص معقوداً لمحكمة الجنح وحدها ، ومن ثم يكون الطعن بطريق النقض فى الحكم الماثل جائزاً .
( الطعن رقم 24574 لسنة 62 - جلسة 1998/04/22 - س 49 ص 603 ق 78 )
14- لما كان الثابت ان المدعى بالحقوق المدنية هو وحده - دون النيابة العامة او المتهم - الذى استأنف الحكم الصادر من محكمة اول درجة الذى قضى بادانة المطعون ضده والزامه بالتعويض ، وكان من المقرر انه لا يصح ان يضار المستأنف بناء على الاستئناف المرفوع منه وحده وذلك وفقا لحكم الفقرة الثالثة من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية التى جرى نصها على انه اذ كان الاستئناف مرفوعا من غير النيابة العامة فليس للمحكمة الا ان تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف ، وهو حكم ينطبق على الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية تطبيقا للمادة 266 من قانون الإجراءات الجنائية - لما كان ما تقدم ، فان الحكم المطعون فيه - بقضائيه ضمنيا برفض الدعوى المدنية - يكون مشوبا بالبطلان ومخطئا فى القانون بما يتعين معه نقضه والاعادة فيما قضى به فى الدعوى المدنية .
( الطعن رقم 2855 لسنة 63 - جلسة 1997/10/19 - س 48 ع 1 ص 1113 ق 167 )
15- ان مراد المشرع من النص فى المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية على وجوب اجماع قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو الغاء حكم البراءة مقصورا على حالات الخلاف بينها وبين محكمة اول درجة فى تقدير الادلة وان تكون هذه الوقائع والادلة كافية فى تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة او اقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة وكل ذلك فى حدود القانون إيثارا من المشرع لمصلحة المتهم ، اما النظر فى استواء حكم القانون فلا يصح ان يرد عليه خلاف ، والمصير الى تطبيقه على وجهه الصحيح لا يحتاج الى اجماع بل لا يتصور ان يكون الاجماع ذريعة الى تجاوز حدود القانون او اغفال حكم من احكامه ، واذ كان حكم محكمة اول درجة قد أخطأ فى تطبيق القانون فى حساب الميعاد المقرر لتقديم الشكوى اللازمة لتحريك الدعوى المنصوص عليها فى المادة 3 فقرة 2 من قانون الإجراءات الجنائية ، اذ قضى بعدم قبول الدعوى تأسيسا على ان الحديث نشر فى 19 / 4 / 1987 وان الطاعن لم يعلن الا فى 27 / 9 / 1987 فان الحكم المطعون فيه اذ قضى بقبول الدعوى تأسيسا على ان المدعى بالحقوق المدنية قدم شكواه فى 16 / 7 / 1987 قبل مرور ثلاثة اشهر المنصوص عليها فى القانون يكون قد اقتصر على تطبيق القانون على وجهه الصحيح ولا يشترط لذلك اجماع قضاة المحكمة ، ومن ثم فلا على الحكم المطعون فيه ان لم ينص على صدوره بالاجماع .
( الطعن رقم 9378 لسنة 60 - جلسة 1997/10/08 - س 48 ع 1 ص 1046 ق 156 )
16- لما كان يبين من الأوراق أن المحكمة الابتدائية أصدرت بتاريخ 9/2/1988 حكمها بحبس كل من المتهمين سنة مع الشغل فى واقعة الضرب التي قدمتهم بها النيابة العامة، فاستأنف المتهمون وحدهم وقضت المحكمة بجلسة 3/10/1989 بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص المحكمة نوعياً بنظر الدعوى وبإحالتها للنيابة العامة لاتخاذ شئونها فيها استنادا لما ثبت بالتقرير الطبي الشرعي المرفق بالأوراق من تخلف عاهة مستديمة بالمجني عليه. لما كان ذلك، وكانت الفقرة الثالثة من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه " إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدل لمصلحة رافع الاستئناف" فإنها بذلك تكون قد دلت على أنه إذا كان الاستئناف مرفوعا من المتهم وحده دون النيابة العامة فليس للمحكمة الاستئنافية أن تحكم بعدم الاختصاص بنظر الدعوى إذا ما ثبت لها أن الواقعة المرفوعة بها الدعوى فى حقيقتها جناية لما فى ذلك من تسوئ لمركز المستأنف ولا يكون أمامها فى هذه الحالة إلا أن تؤيد حكم الإدانة الابتدائي أو تعدله لمصلحة المستأنف بعد أن حاز قضاؤه الضمني بالاختصاص قوة الأمر المقضي، وإذ كان الحكم الاستئنافي قد قضى على خلاف ذلك - بعدم الاختصاص بنظر الدعوى استنادا إلى أن الواقعة تثير شبهة الجناية فإنه يعد منهياً للخصومة على خلاف ظاهره لأنه سوف يقابل حتماً بقضاء محكمة الجنايات بعدم اختصاصها بنظر الدعوى فيما لو رفعت إليها إذ لا اختصاص لها بنظرها على مقتضى القانون بغض النظر عن حقيقة وصفها بعد أن صار هذا الاختصاص معقوداً لمحكمة الجنح وحدها، ومن ثم فقد وجب - حرصاً على العدالة أن يتعطل سيرها - قبول الطلب المقدم من النيابة العامة بشأن تعيين المحكمة المختصة، وتعيين محكمة الجنح المستأنفة بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية للفصل فى الدعوى .
( الطعن رقم 12791 لسنة 62 - جلسة 1997/03/22 - س 48 ع 1 ص 386 ق 54 )
17- مراد الشارع من النص فى المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية على وجوب إجماع قضاة المحكمة عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة فى تقدير الوقائع والأدلة وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كافية فى تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة وكل ذلك فى حدود القانون إيثاراً من الشارع لمصلحة المتهم فاشتراط إجماع القضاة قاصر على حالة الخلاف فى تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة. وإذ كان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه بعد أن انتهى إلى بطلان حكم محكمة أول درجة الصادر ببراءة المتهم ورفض الدعوى المدنية قضى فى موضوع الدعوى بإدانته وعاقبه بعقوبة الغرامة وبإلزامه بالتعويض المقضي به - تأسيساً على ثبوت التهمة فى حق المتهم مما مؤداه اختلاف المحكمة الاستئنافية مع محكمة أول درجة فى تقدير الوقائع والأدلة الأمر الذي كان يتعين معه صدور حكمها بإجماع آراء القضاة تطبيقاً لنص المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية وإذ كان القانون لا يستوجب النص على الإجماع عند الحكم بالبطلان باعتبار أن تطبيق القانون على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع، إلا أن الحكم المطعون فيه قد تضمن إلى جانب بطلان حكم محكمة أول درجة لخلو الأوراق منه القضاء بإدانة المتهم بعد أن قضت محكمة أول درجة ببراءته وهو ما يستوجب بصريح النص شرط الإجماع، وكان الحكم المطعون فيه قد افتقد شرط صدوره بإجماع آراء القضاة الذين أصدروه بالنسبة للدعويين الجنائية والمدنية فإنه يكون باطلاً لتخلف شرط من شروط صحته ويتعين لذلك نقض الحكم المطعون فيه وتأييد الحكم المستأنف الصادر ببراءة الطاعن ورفض الدعوى المدنية وإلزام رافعها المصروفات .
( الطعن رقم 1431 لسنة 60 - جلسة 1997/01/12 - س 48 ع 1 ص 71 ق 10 )
18- حكم الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية يسرى أيضاً على استئناف المدعى بالحقوق المدنية للحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفت النيابة العامة حكم البراءة أو لم تستأنفه . لما كان ذلك , وكان الحكم الإبتدائى قد قضى ببراءة المتهم وبرفض الدعوى المدنية المرفوعة من المدعية بالحقوق المدنية فإنه لا يجوز الفاء هذا الحكم الصادر فى الدعوى المدنية والقضاء فيها استئنافيا وبالتعويض الا بإجماع آراء قضاء المحكمة كما هو الشأن فى الدعوى الجنائية وذلك نظراً لتبعية الدعوى المدنية الجنائية من جهة ولارتباط الحكم بالتعويض بثبوت الواقعة الجنائية من جهة أخرى .
( الطعن رقم 47330 لسنة 59 - جلسة 1996/11/25 - س 47 ع 1 ص 1246 ق 180 )
19- إن نطاق الاستئناف يتحدد بصفة رافعة، فغث الاستئناف النيابة العامة وهي لا صفة لها فى التحدث إلا عن الدعوى الجنائية ولا شأن لها بالدعوى المدنية لا ينقل النزاع أمام المحكمة الاستئنافية، إلا فى خصوص الدعوى الجنائية دون غيرها طبقاً لقاعدة الأثر النسبي للطعن، وإذا تصدت المحكمة الاستئنافية للدعوى المدنية وقضت للمدعية بالحقوق المدنية بالتعويض المؤقت،فإنها تكون قد تصدت لما لا تملك القضاء فيه وفصلت فيما لم ينقل إليها ولم يطرح عليها ويكون حكمها معيباً بمخالفة لقانون من هذه الناحية، بما كان يتعين معه نقضه نقضاً جزئياً عملاً بنص لفقرة الأولى من لمادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 وتصحيحه بإلغاء ما قضى به فى الدعوى المدنية، إلا انه لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه اعتنق أسباب الحكم المستأنف الصادر من محكمة أول درجة والذي قضى ببراءة الطاعنين ورفض الدعوى المدنية فى وله: (وحيث إن الحكم أول درجة والذي قضى ببراءة الطاعنين ورفض الدعوى المدنية فى قوله " ( وحيث إن الحكم المستأنف فى محله لأسباب الواردة به والتي تأخذ به هذه المحكمة فيتعين تأييده .....) ثم انتهى الحكم المطعون فيه فى منطوقه إلى القضاء بإلغاء الحكم لمستأنف وإدانة الطاعنين وإلزامها بالتعويض، فإن ما انتهى إليه الحكم فى منطوقه مناقضاً لأسبابه التي بنى عليها يعيبه بالتناقض والتخاذل ويكون الأمر ليس مقصوراً على مجرد خطأ مادي بل يتجاوزه إلى اضطراب ينبئ عن اختلال فكرة الحكم من حيث تركيزها فى موضوع الدعوى وعناصر الواقعة، مما يعيبه ويوجب نقضه والإعادة وعلى محكمة الموضوع عند الإعادة تطبيق صحيح القانون بشان الدعوى المدنية، لأنه ليس بوسع هذه المحكمة ان تصحح منطوق حكم قضت بنقضه .
( الطعن رقم 915 لسنة 64 - جلسة 1999/12/29 - س 50 ص 715 ق 160 )
20- متى كان يبين من الإطلاع على الأوراق والمفردات المضمومة أنه وإن جاء منطوق الحكم المطعون فيه خلواً مما يفيد صدوره بالإجماع إلا أن رول الجلسة الموقع عليه من رئيس الهيئة قد أثبت فيه هذا البيان كذلك نص بمحضر الجلسة الذى صدر فيها الحكم المطعون فيه على صدوره بإجماع الآراء لما كان ذلك وكان الشارع إذ إستوجب صدور الحكم بالإجماع معاصراً لصدور الحكم فى الإستئناف بتشديد العقوبة المحكوم بها أو بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة إنما دل على إتجاه مراده أن يكون الإجماع معاصراً لصدور الحكم وليس تالياً له لأن ذلك ما يتحقق به حكمة تشريعه ومن ثم فإن النعى على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة أو برفض الدعوى المدنية شرط لازم لصحة صدور الحكم بالإلغاء والقضاء بالإدانة أو بالتعويض وإذ كانت العبرة فيما يقضى به الأحكام هى بما ينطق به القاضى بالجلسة العلنية عقب سماع الدعوى فإن إثبات هذا البيان برول الجلسة الموقع عليه من رئيس الهيئة وبمحضر تلك الجلسة دليل على حصوله قرين النطق بالحكم - كما هو الحال فى هذه الدعوى - ومن ثم يكون منعى الطاعن فى هذا الخصوص ولا محل له .
( الطعن رقم 6774 لسنة 53 - جلسة 1984/04/16 - س 35 ص 425 ق 94 )
21 ـ لما كان لا يصح فى القانون القول بتقييد الإستئناف المرفوع من النيابة العامة بأى قيد إلا إذا نص فى التقرير على أنه عن واقعة معينة دون أخرى من الوقائع محل المحاكمة ، وكان إستئناف النيابة لا يخصص بسببه وإنما هو ينقل الدعوى برمتها إلى محكمة ثانى درجة لمصلحة أطراف الدعوى جميعاً فيما يتعلق بالدعوى الجنائية فتفصل بما يخولها النظر من جميع نواحيها غير مقيدة فى ذلك بما تضعه النيابة فى تقرير إستئنافها أو تبديه فى الجلسة من طلبات ، فإن الحكم المطعون فيه إذ جانب هذا النظر على ما سلف بيانه فإنه يكون قد خالف القانون لما كان ذلك ، وكان العيب الذى شاب الحكم مقصوراً على الخطأ فى تطبيق القانون على الواقعة كما صار إثباتها فى الحكم ، فإنه يتعين حسب القاعدة الأصلية المنصوص عليها فى المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض أن تحكم محكمة النقض فى الطعن وأن تصحح الخطأ وتحكم بمقتضى القانون بما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه وتصحيحه وفق القانون بجعل عقوبة الغرامة خمسين جنيهاً .
( الطعن رقم 6115 لسنة 53 - جلسة 1984/03/05 - س 35 ص 243 ق 50 )
22 ـ لما كان الثابت من الاطلاع على الأوراق أن محكمة الدرجة الأولى قضت ببراءة المتهم ورفض الدعوى المدنية، فاستأنفت النيابة العامة هذا الحكم دون المدعية بالحقوق المدنية - التي كانت قد ادعت بقرش صاغ على سبيل التعويض المؤقت وما كان لها أن تستأنف. ولما كان من المقرر أن نطاق الاستئناف يتحدد بصفة رافعه، فإن استئناف النيابة العامة - وهي لا صفة لها فى التحدث إلا عن الدعوى الجنائية ولا شأن لها بالدعوى المدنية لا ينقل النزاع أمام المحكمة الاستئنافية إلا فى خصوص الدعوى الجنائية دون غيرها طبقاً لقاعدة الأثر النسبي للطعن. ولما كانت الدعوى المدنية قد أنحسم الأمر فيها برفضها وصيرورة هذا القضاء نهائياً بعدم الطعن عليه ممن يملكه وهي المدعية بالحقوق المدنية وحدها فإن تصدي المحكمة الاستئنافية للدعوى المدنية والقضاء للمدعية بالحقوق المدنية بالتعويض المؤقت يكون تصدياً منها لما لا تملك القضاء فيه وفصلاً فيما لم ينقل إليها ولم يطرح عليها مما هو مخالفة للقانون، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباً من هذه الناحية بما يتعين معه نقضه نقضاً جزئياً عملاً بنص الفقرة الأولى من المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض - وتصحيحه بإلغاء ما قضى به الدعوى المدنية ورفض الطعن فيما عدا ذلك .
( الطعن رقم 1644 لسنة 47 - جلسة 1978/04/02 - س 29 ع 1 ص 329 ق 61 )
23 ـ من المقرر أن حق النيابة العامة فى الإستئناف مطلق تباشره فى الموعد المقرر له متى كان الحكم جائزاً إستئنافه ، وكان الحكم الصادر فى معارضة المتهم هو حكم قائم بذاته فللنيابة حق الطعن عليه بالإستئناف إذا ما رأت وجهاً لذلك ، وغاية الأمر أنها إذا إستأنفت الحكم الصادر فى المعارضة فلا يجوز للمحكمة الإستئنافية أن تجاوز العقوبة التى قضى بها الحكم الإبتدائى الغيابى المعارض فيه - كى لا يضار المعارض بمعارضته اللهم إلا إذا كانت النيابة قد إستإنفت الحكم الغيابى . لما كان ذلك وكان الحكم الإبتدائى الغيابى قد قضى بتغريم المطعون ضده عشرة جنيهات والإزالة إلا أن النيابة لم تستأنف هذا الحكم وإنما إستأنفت الحكم الصادر فى معارضة المطعون ضده والقاضى بتأييد الحكم الغيابى المعارض فيه فإنه لا تثريب على المحكمة الإستئنافية أن هى قبلت إستئناف النيابة لهذا الحكم ، بيد أنه لم يكن لها بناء على هذا الإستئناف أن تجاوز حد العقوبة التى قضى بها الحكم الإبتدائى الغيابى و إذ خالف الحكم هذا النظر وشدد عقوبة الغرامة برفعها إلى مائتى جنيه فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون ، ولما كان تصحيح هذا الخطأ لا يخضع لأى تقدير موضوعى فإنه يتعين - إعمالاً للمادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض - تصحيح الحكم المطعون فيه وفقاً للقانون بتأييد الحكم المستأنف .
( الطعن رقم 2317 لسنة 52 - جلسة 1982/10/26 - س 33 ص 807 ق 165 )
24- مراد الشارع في المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية على وجوب إجماع قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة في تقدير الوقائع والأدلة وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كافية في تقدير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة وكل ذلك في حدود القانون إيثارًا من الشارع لمصلحة المتهم فاشتراط إجماع القضاة قاصراً على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة أما النظر في استواء حكم القانون فلا يصح أن يَرِدّ عليه خلاف والمصير إلى تطبيقه على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع بل لا يتصور أن يكون الإجماع زريعة إلى تجاوز حدود القانون أو إغفال حكم من أحكامه، وإذ ما كان حكم محكمة أول درجة - المستأنف - قد أخطأ في تطبيق القانون بالنزول بعقوبة الغرامة عن حدها الأدنى وهو مائة ألف جنيه، وأعمل الحكم المطعون فيه نص القانون على وجه الصحيح بجعل عقوبة الغرامة مائة ألف جنيه، فإنه يكون قد اقتصر على تطبيق القانون تطبيقاً سليماً ولا يشترط لذلك إجماع قضاة المحكمة .
( الطعن رقم 7171 لسنة 95 ق - جلسة 25 / 10 / 2025 )
25- من المقرر بنص المادة ( 419 مكررًا 3 ) المضافة بالقانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية أنه ( يتبع في نظر الاستئناف والفصل فيه جميع الأحكام المقررة للاستئناف في مواد الجنح ، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ) وكان المقرر - على ما جرى به قضاء محكمة النقض - أن مراد الشارع في المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية على وجوب إجماع قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة في تقدير الوقائع والأدلة ، وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كافية في تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة ، وكل ذلك في حدود القانون إيثارًا من الشارع لمصلحة المتهم ، فاشتراط إجماع القضاة قاصر على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة ، أما النظر في استواء حكم القانون فلا يصح أن يرد عليه خلاف والمصير إلى تطبيقه على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع بل لا يتصور أن يكون الإجماع ذريعة إلى تجاوز حدود القانون أو إغفال حكم من أحكامه . لما كان ذلك ، وكانت محكمة أول درجة أسست قضاءها بالبراءة لكون مكان الحفر لا يخضع لهيئة الآثار ولا من ضمن الحزام الأمني للآثار ولم يضبط به قطع أثرية ، وأن التحريات وحدها لا تصلح أن تكون دليلًا ، وأن الحكم الاستئنافي المطعون فيه أسس قضاءه بالإدانة وفقًا لنص المادة 42 / 3 بند 2 من القانون رقم 117 لسنة 1983 بشأن حماية الآثار المعدلة بالقانونين رقمي 3 لسنة 2010 ، 91 لسنة 2018 والتي توجب عقاب كل من يقوم بأعمال الحفر في أي موقع سواء كان أثريًا أو غير ذلك مملوكًا ملكية عامة أو خاصة ، متى كان القصد من ذلك هو الحصول على الآثار دون ترخيص من الجهة المختصة وسواء تحقق الغرض الذي قصده من ذلك أو لم يتحقق ودون أن يكون هناك محل للتحدي بقصر مناط التجريم على الأراضي المعتبرة أثرية أو تلك المتاخمة للمواقع والأراضي الأثرية أو التي تقع في محيطها - وهو ما أكدته الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض في حكمها الصادر بجلسة 22 / 3 / 2023 في الطعن رقم 10219 لسنة 91 قضائية - فإن قضاء الحكم الاستئنافي المطعون فيه يكون قائمًا على النظر في استواء حكم القانون وهو ما لا يقتضي صدور الحكم في الاستئناف بإجماع آراء قضاة المحكمة ، ومن ثم فلا يعيب الحكم المطعون فيه عدم النص على صدوره بإجماع الآراء .
( الطعن رقم 10273 لسنة 94 ق - جلسة 13 / 5 / 2025 )
26- لما كانت المادة 419 مكرر/3 من القانون رقم 1 لسنة 2024 بشأن تعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية والخاص بتنظيم إجراءات التقاضي في مواد الجنايات على درجتين والصادر بتاريخ 16 من يناير سنة 2024 والذي نشر بذات التاريخ وتم العمل به اعتباراً من تاريخ 17 من يناير سنة 2024 قد نصت على : ( يتبع في نظر الاستئناف والفصل فيه جميع الأحكام المقررة للاستئناف في مواد الجنح ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ) لما كان ذلك ، وكانت العقوبة المقررة لجريمة إحراز سلاح ناري غير مششخن بغير ترخيص التي انتهى الحكم بإدانة الطاعن بها بحسبانها الجريمة الأشد بعد أن طبق المادتين 17 ، 32 من قانون العقوبات هي السجن وغرامة لا تجاوز خمسة آلاف جنيه إعمالاً لنص المادة 26/1 من القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر المستبدلة بالقانون رقم 6 لسنة 2012 ، وكان الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد عاقب الطاعن بالحبس لمدة سنتين دون القضاء بالغرامة المقررة طبقًا لنص التجريم فإنه يكون قد تعيب بالخطأ في تطبيق القانون مما كان يؤذن لمحكمة الاستئناف بتصحيحه ، إلا أنه لما كان لا يصح في القانون تشديد العقوبة المقضي بها من محكمة أول درجة إذا كان الاستئناف مرفوعًا من المتهم وحده دون النيابة العامة حتى لا يضار المستأنف باستئنافه وفقًا لحكم الفقرة الثالثة من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية ، ولما كان الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر فإنه يكون أصاب صحيح القانون .
( الطعن رقم 8806 لسنة 94 ق - جلسة 26 / 2 / 2025 )
تقيد المحكمة الاستئنافية بصفة المستأنف ومصلحته :
القاعدة وعلتها : القاعدة أن المحكمة الاستئنافية تتقيد بصفة الخصم المستأنف، فإذا فصل الحكم الابتدائي في الدعويين الجنائية والمدنية فإن استئناف أحد الخصوم لا يطرح أمام المحكمة الاستئنافية إلا الدعوى التي كان خصماً فيها أمام محكمة الدرجة الأولى، أما الدعوى الأخرى فلا صفة له فيها. ومن ثم لا يطرحها استئنافه على المحكمة الاستئنافية وتطبيقاً لذلك، فإن استئناف النيابة العامة لا يطرح على المحكمة الاستئنافية الدعوى المدنية إذ لا صفة لها فيها، واستئناف المدعي المدني والمسئول المدني لا يطرحان الدعوى الجنائية، أما المتهم فإن استئنافه يطرح الدعويين معاً أو إحداهما فقط وفقاً لما ارتآه في تقرير استئنافه .
وتتقيد المحكمة الاستئنافية بمصلحة المستأنف: فلا يجوز لها أن تعدل الحكم المستأنف على نحو يكون من شأنه الإضرار به: فإما أن تبقيه، وإما أن تعدله في مصلحته. وعلة هذه القاعدة أن المحكمة الاستئنافية قد استمدت سلطتها في نظر الدعوى من استئناف الخصم وطلباته، وهو يطلب تعديل الحكم في مصلحته، فإذا عدلته في غير مصلحته تكون قد قضت بما لم يطلب منها، فيكون قضاؤها باطلاً وبالإضافة إلى ذلك، فإن تعديلها الحكم ضد مصلحة المستأنف هو تحسين لوضع خصمه، فإذا كان هذا الأخير لم يستأنف، فإن قضاء المحكمة الاستئنافية يكون كذلك قضاء بما لم يطلب منها. وفي النهاية، فإن المحكمة الاستئنافية تتقيد بالمبدأ الأساسي في كل طرق الطعن، مبدأ «عدم جواز أن ينقلب تظلم المرء وبالاً عليه». وتطبق هذه القاعدة ولو شاب الحكم الابتدائي خطأ في القانون، فإذا كان إصلاح هذا الخطأ مسيئاً إلى وضع المستأنف امتنع على المحكمة الاستئنافية تصحيحه، وكان أقصى ما تستطيعه هو إبقاء الحكم الابتدائي دون تعديل وتفهم هذه القاعدة على نحو خاص إذا كان المستأنف هو النيابة العامة، فمصلحتها هي التطبيق الصحيح للقانون، ومن ثم جاز للمحكمة الاستئنافية - بناء على استئناف النيابة العامة وحدها – أن تلغي حكم الإدانة أو تخفف العقوبة، ومن ثم تستخلص القاعدة في أن «استئناف النيابة العامة يطرح الدعوى الجنائية في جميع عناصرها ويعطي المحكمة سلطة شاملة عليها» .
ونفصل فيما يلي أثر استئناف كل من الخصوم في الدعويين :
استئناف المتهم :
للمتهم أن يستأنف الحكم في الدعويين الجنائية والمدنية، وله أن يقصر استئنافه على إحداهما، وفي هذه الحالة لا يطرح استئنافه إلا الدعوى التي تعلق بها استئنافه. وقد يكون استئناف المتهم مقتصراً بالضرورة على إحدى الدعويين، كما لو حكم ابتدائياً لمصلحته في إحداهما، فيكون استئنافه مقتصراً - بداهة - على الأخرى وفي الحالتين، أي سواء استأنف المتهم الحكم في الدعويين أو في إحداهما فقط، فإن المحكمة الاستئنافية تتقيد بمصلحته .
استئناف المتهم الحكم في الدعوى الجنائية :
إذا أستأنف المتهم وحده الحكم الصادر في الدعوى الجنائية أي لم تستأنفه النيابة العامة كذلك فإنه لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تعدله ضد مصلحة المتهم فإما أن تبقيه دون تعديل، وإما أن تعدله لمصلحته وقد نصت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الثالثة) على أنه «إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف». وما يمتنع على المحكمة الاستئنافية هو أن تشدد على المتهم في منطوق حكمها، أي أن تزيد من شدة العقوبة التي قضى بها الحكم الابتدائي، ولكن يجوز لها أن تعدل في أسباب حكمها أو تغير وصف الواقعة تغييراً ليس في مصلحة المتهم، أو تستنبط أدلة إدانة جديدة، طالما أن ذلك لم يقترن بتشديد العقوبة على المتهم ويمكن تأصيل هذه القاعدة بالقول بأن «استئناف المتهم يطرح على المحكمة الاستئنافية الدعوى في جميع عناصرها مع التزامها بألا تشدد في منطوق حكمها العقوبة». وقد عبرت محكمة النقض عن ذلك بقولها «الاستئناف المرفوع من المتهم عن الحكم الصادر عليه ينقل الدعوى بحالتها التي كانت عليها أمام محكمة الدرجة الأولى إلى المحكمة الاستئنافية لتعيد النظر فيها بكامل حريتها في تقدير عناصرها، غير متقيدة بشئ إلا بمقدار العقوبة الذي يعتبر في حالة استئناف المتهم وحده حداً أقصى لا يجوز للمحكمة أن تتعداه» ويعني ذلك أن لهذه القاعدة شقين فمن ناحية تضيق سلطة المحكمة الاستئنافية عن التشديد على المتهم، ومن ناحية ثانية تتسع سلطتها لفحص شامل لجميع العناصر الواقعية والقانونية للدعوى .
وتطبيقاً للشق الأول من القاعدة، لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تستبدل بالحبس البسيط الذي قضى به الحكم المستأنف الحبس مع الشغل وإن كانت مدته أقل، ولا يجوز لها أن تستبدل بالغرامة الحبس وإذا كان الحكم الابتدائي قد أغفل الحكم بعقوبة تكميلية جوازية أو وجوبية، فلا يجوز أن يقضي بها الحكم الاستئنافي وإذا كان الحكم الابتدائي قد حكم بالعقوبة وشملها بإيقاف التنفيذ، فلا يجوز أن تلغي المحكمة الاستئنافية إيقاف التنفيذ، ولو تبين أن أحد شروطه غير متوافر ولا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تدين المتهم عن واقعة أغفلتها محكمة الدرجة الأولى ولا يجوز لها أن تضيف إلى الواقعة ظرفاً مشدداً أغفلته محكمة الدرجة الأولى ولا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تحكم بعدم اختصاصها إذا كان ينبني على ذلك تعريض المتهم لعقوبة أشد يحتمل أن ينطق بها القضاء الذي يراد تقرير الاختصاص له: فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تحكم بعدم اختصاصها لأن الواقعة جناية ولكن يجوز لها أن تقضي بعدم اختصاصها إذا لم يكن ينبني على ذلك الإساءة إلى مركز المتهم، كما لو حكمت بعدم اختصاصها بجنحة الصحافة لأنها من اختصاص محكمة الجنايات، أو حكمت بعدم اختصاصها لأن المتهم طفل ويطبق هذا القيد، ولو تضمن الحكم الاستئنافي خطأ واضحاً، طالما أن إصلاحه ينطوي على الإساءة إلى المتهم وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا قضى الحكم الابتدائي بالغرامة فاستأنفه المتهم، وتبين للمحكمة الاستئنافية أن القانون يقرر للجريمة الحبس وجوباً، فإنها لا تستطيع أن تحكم بهذه العقوبة، لأن ذلك ينطوي على التشديد على المتهم، وليس لها إلا أن تؤيد الحكم بالغرامة على الرغم من مخالفته للقانون وإذا أغفل الحكم الابتدائي عقوبة تكميلية وجوبية، فليس للمحكمة الاستئنافية أن تحكم بها وإذا شمل الحكم الابتدائي العقوبة بإيقاف التنفيذ حيث لا تتوافر شروط إيقاف التنفيذ، فليس للمحكمة الاستئنافية أن تلغيه .
ولكن المحكمة الاستئنافية يجوز لها - تطبيقاً للشق الثاني من القاعدة - أن تعيد فحص الدعوى في جميع عناصرها الواقعية والقانونية غير مقيدة بما ارتأته محكمة الدرجة الأولى، ولو كان ما تخلص إليه ليس في مصلحة المتهم، طالما أن ذلك لم ينعكس على منطوق حكمها بما يسئ إلى المتهم. وتطبيقاً لذلك، فإن للمحكمة الاستئنافية أن تغير الوصف القانوني للواقعة ولها أن تضيف إلى أدلة الإدانة دليلاً أغفلته محكمة الدرجة الأولى أو استبعدته). ولها أن تضيف إلى أسباب الحكم الابتدائي أسبابة جديدة تدعمها ولها أن تعتبر المتهم عائداً طالما أنها لم تشدد عقوبته وإذا أدان الحكم الابتدائي المتهم من أجل جريمتين، فيجوز للمحكمة الاستئنافية أن تبرأه من إحداهما وتبقي عقوبته دون تعديل، بشرط ألا تكون هذه العقوبة مجاوزاً الحد الأقصى لعقوبة الجريمة التي استبقتها وللمحكمة الاستئنافية أن تستبعد ظرفاً مشدداً قرره الحكم الابتدائي وتبقى العقوبة دون تعديل، بشرط ألا تكون مجاوزاً الحد الأقصى لعقوبة الجريمة البسيطة .
استئناف المتهم الحكم الصادر في الدعوى المدنية :
إذا استأنف المتهم (دون المدعي المدني) الحكم الصادر في الدعوى المدنية فإن المحكمة الاستئنافية تتقيد كذلك بعدم تعديل الحكم ضد مصلحته: فلا يجوز لها أن تزيد من مقدار التعويض الذي حكمت به محكمة الدرجة الأولى . وتطبيقاً لهذه القاعدة، فإنه إذ حكم بالتعويض على عدد من المتهمين بالتضامن، فاستأنفوا الحكم، فقضت المحكمة الاستئنافية بإلغاء الحكم بالنسبة لهم - عدا واحداً ألزمته بالتعويض - فلا يجوز لها أن تلزمه بأكثر من نصيبه من مبلغ التعويض الذي كان محكوماً به عليه وعلى زملائه .
استئناف النيابة العامة :
استئناف النيابة العامة تحكمه قاعدتان: الأولى، أنه يقتصر على الدعوى الجنائية، والثانية، أنه يطرح الدعوى الجنائية على المحكمة الاستئنافية في جميع عناصرها ويعطيها عليها سلطة شاملة .
يقتصر استئناف النيابة العامة على الدعوى الجنائية، ومن ثم فهو لا يطرح الدعوى المدنية على المحكمة الاستئنافية، ولا يخولها أن تدخل أي تعديل على ما يكون الحكم الابتدائي قد قضى به في شأن هذه الدعوى. وتطبيقاً لذلك، فإذا كان الحكم الابتدائي قد رفض طلب المدعي بالتعويض فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية - بناء على استئناف النيابة العامة وحدها - أن تقرر له تعويضاً وإذا كان الحكم الابتدائي قد قرر للمدعي المدني تعويضاً بمبلغ معين، فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تزيد من هذا المبلغ ولا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تلغي بناء على استئناف النيابة العامة التعويض الذي قرره الحكم الابتدائي أو تنقص مقداره ولا يجوز لها أن تتصدي للدعوي المدنية وتأمر بإحالتها إلى المحكمة المدنية المختصة .
ويترتب على استئناف النيابة العامة طرح الدعوى الجنائية على المحكمة الاستئنافية في جميع عناصرها الواقعية والقانونية، فتكون لها عليها سلطة تماثل ما كان لمحكمة الدرجة الأولى، ولها بناء على ذلك أن تعدل الحكم الابتدائي على أي نحو تراه، سواء ضد مصلحة المتهم أو لمصلحته، ولها من باب أولى أن تبقيه دون تعديل وقد نصت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الأولى) على أنه «إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة للمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته». ولا يحد من إطلاق هذه القاعدة إلا أن تقيد النيابة نطاق استئنافها في تقريرها بالاستئناف، فتقتصر سلطة المحكمة الاستئنافية على شطر الحكم الذي تعلق بالاستئناف به فإذا فصل الحكم الابتدائي في تهمتين فاستأنفته النيابة بالنسبة لقضائه في إحداهما، أو صدر هذا الحكم في شأن متهمين فاستأنفته النيابة بالنسبة لأحدهما، انحصرت سلطة المحكمة الاستئنافية في النطاق الذي ورد الاستئناف عليه . وقد قالت محكمة النقض في ذلك «إن مجرد حصول الاستئناف من النيابة يلزم عنه حتماً اتصال المحكمة الاستئنافية بالدعوى المستأنف حكمها في حدود هذا الاستئناف .
« ومتى اتصلت بها كان لها مطلق الحرية في نظر الدعوى من جميع وجوهها، وفي التصرف فيها كأنها لم تقدم من بادئ الأمر إلا إليها، طبقاً لما تراه من الدواعي والمقتضيات»، وأضافت إلى ذلك أن «المحكمة تتقيد بما ورد في تقرير استئناف النيابة في صورتين صورة ما إذا تعددت التهم المحكوم فيها وقصر الاستئناف على الحكم الصادر في بعضها دون الصادر في البعض، وصورة ما إذا تعدد المتهمون وقصر الاستئناف على بعضهم دون البعض» ولا ينتقص من هذه السلطة ما تكون النيابة قد أبدته من طلبات أو عرضت من حجج، سواء في تقرير الاستئناف أو في مرافعتها في الجلسة فإذا طلبت النيابة تشديد العقوبة على المتهم، فللمحكمة الاستئنافية أن تبرأه أو تخفف عقوبته أو تشملها بإيقاف التنفيذ. وإذا طلبت الحكم بعدم الاختصاص، فللمحكمة أن ترفض هذا الطلب وتشديد العقوبة وإذا طلبت تغيير وصف التهمة أو تغيير وضع المتهم من شريك إلى فاعل، فلا تقتصر سلطة المحكمة على النظر في هذا الطلب، وإنما يكون لها أن تنظر في موضوع الدعوى بجميع عناصره وليس من شأن استئناف المتهم قبل استئناف النيابة أن ينقص من سلطة المحكمة في تشديد العقاب ولا تتقيد النيابة في مرافعتها بالجلسة بالأسباب التي ذكرتها في تقرير الاستئناف .
وإذا كان للنيابة أن تستأنف الحكم لمصلحة المتهم فتطلب براءته أو تخفيف عقوبته، فإن هذا الطلب لا يمنع المحكمة من تشديد العقاب .
استئناف المدعي المدني :
استئناف المدعي المدني لا يطرح على المحكمة الاستئنافية إلا الدعوى المدنية، فلا يطرح عليها الدعوى الجنائية، ولو كان هو الذي حركها أمام محكمة الدرجة الأولى بادعائه المباشر، ذلك أن دوره قد توقف عند تحريكها، أما استئناف الحكم الصادر فيها فهو استعمال لها تختص به النيابة العامة دونه وتطبيقاً لذلك، فإن المحكمة الاستئنافية لا تستطيع - بناء على استئناف المدعي المدني - أن تدين المتهم الذي برئ أو أن تشدد عقوبته وإذا حكمت المحكمة الاستئنافية بعدم الاختصاص بناء على طلب المدعي المدني، فإن هذا الحكم لا يضير المتهم: فإذا دفع المدعي المدني بعدم الاختصاص لأن الواقعة جناية، وتبينت المحكمة صحة الدفع، فهي لا تحيل المدعي المدني إلى محكمة الجنايات، ولكن تحيله إلى المحكمة المدنية المختصة وحق المدعي المدني في استئناف الحكم مستقل عن حق النيابة العامة في استئنافه لتعلق كل استئناف بدعوى على حدة، ونتيجة لذلك، فله استئناف الحكم ولو صار في شقه الجنائي باتاً لعدم استئناف النيابة له في الميعاد .
ويترتب على ذلك أنه في حالة استئناف المدعي المدني دون النيابة العامة تقوم الدعوى المدنية وحدها أمام المحكمة الاستئنافية، وذلك خلافاً للأصل العام الذي يقضي بأن هذه الدعوى لا تقوم استقلالاً أمام القضاء الجنائي وفي هذه الحالة، فإن المحكمة الاستئنافية لا تتقيد بما يكون قد قرره الحكم الجنائي الذي صار باتاً «فهي لا تتقيد به من جهة ثبوت الفعل، بل من واجبها أن تتعرض له من حيث وقوعه وصحة نسبته إلى المدعى عليه لترتب على ذلك آثاره القانونية» ، فإذا قضى الحكم الجنائي الذي صار باتاً ببراءة المتهم لعدم حصول الواقعة أو عدم نسبتها إلى المتهم فأستأنف المدعي المدني، فللمحكمة الاستئنافية أن تقضي له بالتعويض لأنه ثبت لديها حصول واقعة وصدورها عن المتهم والتناقض واضح بين ما قرره الحكم الجنائي الابتدائي الذي صار باتاً وما قررته المحكمة الاستئنافية في شأن دعوی مدنية، وهذا التناقض لا مفر من قبوله، إذ تفرضه القواعد العامة .
ومن باب أولى، فإن المحكمة الاستئنافية لا تتقيد بالوصف القانوني الذي أسبغه على الواقعة الحكم الجنائي الابتدائي الذي صار باتاً وتطبيقاً لذلك، فإذا أدان الحكم الجنائي المتهم بجريمة الإصابة غير العمدية، ثم بت للمحكمة الاستئنافية - وهي تنظر في الدعوى المدنية - وفاة المجني عليه بناء على إصابته، كان لها أن تعطي الواقعة وصفها الصحيح باعتبارها قتلاً غير عمدي .
وتتقيد المحكمة الاستئنافية بعدم الإساءة إلى وضع المدعي المدني - بناء على استئنافه - فلا يجوز لها إلغاء التعويض الذي قرره له الحكم الابتدائي أو الإنقاص منه .
استئناف المدعي المدني الحكم الابتدائي الذي قرر عدم قبول الدعوى أو عدم اختصاص المحكمة بها :
إذا أقام المدعي المدني دعواه المدنية أمام محكمة الدرجة الأولى مستهدفاً تحريك الدعوى الجنائية، فقضت المحكمة بعدم قبول هذه الدعوى أو عدم اختصاصها بها، فاستأنف هذا الحكم، فإذا ألغته المحكمة الاستئنافية، فهل تعيد إلى محكمة الدرجة الأولى ( باعتبارها لم تستنفد بعد سلطتها في نظر الموضوع ) الدعوى المدنية وحدها أم تعيد إليها الدعويين معاً .
أثارت هذه المشكلة خلاف في الرأي، وتطور في شأنها قضاء محكمة النقض: فقضت أولاً بأن «القانون خول المدعي المدني بطريقة استثنائية رفع دعواه المدنية للمحكمة الجنائية وتحريك الدعوى الجنائية وخوله بذلك المركز الذي تشغله النيابة العامة عادة في تحريك الدعوى الجنائية، فيجب أن يكون له حق التقاضي أمام درجتين لا فيما يتعلق بدعواه المدنية وحدها، بل فيما يتعلق بالنتيجة الاستثنائية المترتبة عليه من تحريك الدعوى الجنائية وطرحها على بساط البحث حتى لا تعرقل حقوق المدعي المدني إذا لم تستأنف النيابة حكم البراءة مع أن الدعوى المباشرة لم توضع إلا صيانة لهذه الحقوق في حالة ما إذا تخلفت النيابة عن رفع الدعوى العمومية: فإذا حكمت المحكمة بعدم الاختصاص ولم تتعرض للموضوع فإن استئنافه يحرك الدعوى الجنائية أيضاً، ويسمح للمحكمة الاستئنافية بأن تلغي الحكم فيما يتعلق بالدعويين معاً» .
ولكن محكمة النقض عدلت عن رأيها، وقررت أن استئناف المدعي بالحق المدني لا يطرح أمام المحكمة الاستئنافية إلا الدعوى المدنية في حدود ما هو مستأنف من الأحكام الصادرة فيها، ذلك أن أثر تحريك الدعوى الجنائية يعتبر منتهياً بمجرد رفع الدعوى المدنية أمام محكمة الدرجة الأولى، وما يجري بعد ذلك في الدعوى الجنائية من طلب العقوبة واستئناف الأحكام الصادرة فيها فهو من شأن النيابة دون غيرها». واستخلصت من ذلك أنه إذا کان المدعي المدني هو وحده الذي استأنف الحكم الذي قضى بعدم اختصاص المحكمة أو عدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية، فإن الحكم الصادر بعدم الإختصاص بالدعوى الجنائية أو عدم قبولها يصبح نهائياً حائزاً القوة الشيء المحكوم فيه ويعني ذلك أن محكمة النقض ترى أنه إذا قضت محكمة الدرجة الأولى بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية أو بعدم اختصاصها بهما فاستأنف المدعي المدني هذا الحكم. فإن استئنافه يقتصر على الشق المدني منه، فإذا ألغته المحكمة الاستئنافية فإنها تعيد إلى محكمة الدرجة الأولى ( باعتبارها لم تستنفد سلطتها في نظر الموضوع ) الدعوى المدنية فقط، أما الدعوى الجنائية فتعتبر قد انقضت بالحكم الابتدائي الذي صار باتاً لعدم استئناف النيابة له. وحجة محكمة النقض في ذلك أن المدعي المدني قد استنفذ حقوقه بالنسبة للدعوى الجنائية بمجرد تحريكها أمام محكمة الدرجة الأولى ولم تعد له بعد ذلك سلطة عليها، وإنما تقتصر حقوقه على دعواه المدنية، وما يعقب تحريك الدعوى الجنائية من إجراءات (ومن بينها استئناف الحكم بعدم الاختصاص بها أو عدم قبولها) فهو من شأن النيابة العامة وحدها. فإذا استأنف المدعي المدني هذا الحكم اقتصر استئنافه على ما قرره في شأن الدعوى المدنية، فإذا ألغته المحكمة الاستئنافية فإنها تعيد إلى محكمة الدرجة الأولى الدعوى المدنية وحدها، إذ هي التي ألغي في شأنها الحكم بعدم القبول .
وقضاء محكمة النقض محل نظر: فالحق الذي قرره الشارع للمدعي المدني هو حقه في تحريك الدعوى الجنائية عن طريق رفعه دعواه المدنية، وله أن يفصل في حقه هذا على درجتين، فإذا أنكرت عليه محكمة الدرجة الأولى هذا الحق، كان له أن يطلب من المحكمة الاستئنافية أن تقول رأيها في ذلك. ولا يعتبر بذلك متجاوزاً حقوقه، ومشاركة النيابة سلطتها في استعمال الدعوى الجنائية، فطالما لم تقبل الدعوى فما زال النزاع يدور حول تحريكها، ولم تدخل بعد في مرحلة الاستعمال التي تستأثر بها النيابة العامة. لذلك نرى أن الأدنى إلى الصواب أن المدعي المدني حين يستأنف الحكم الابتدائي بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية (أو عدم الاختصاص بهما) إنما ينصرف استئنافه إلى حقه في تحريك الدعوى الجنائية عن طريق ادعائه المباشر الذي أنكره عليه الحكم الابتدائي، فإذا رأت المحكمة الاستئنافية أن له هذا الحق اقتضى الاعتراف له به أن تعاد الدعويان معاً إلى محكمة الدرجة الأولى. ويعيب رأي محكمة النقض أنه يؤدي إلى قيام الدعوى المدنية وحدها أمام محكمة الدرجة الأولى، وهو وضع يناقض الأصل المقرر من أن الدعوى المدنية لا تقوم استقلالاً أمام القضاء الجنائي. بل إن الدعوى المدنية تقوم أمام القضاء الجنائي - وفقاً لرأي محكمة النقض - في وقت أنكر فيه على المدعي المدني حقه في تحريك الدعوى الجنائية بحكم صار باتاً، مع أن إنكار هذا الحق عليه كان يستتبع عدم قبول دعواه المدنية أمام القضاء الجنائي، باعتبارها الوسيلة الوحيدة إلى استعماله .
وبديهي أنه إذا قضت المحكمة الاستئنافية بإلغاء الحكم الابتدائي بعدم قبول الدعوى المدنية، تعين عليها أن تعيد الدعوى إلى محكمة الدرجة الأولى للفصل فيها، ولا يجوز لها أن تتصدى لموضوعها وتفصل فيها فصلاً مبتدءاً، وإلا فوتت على المتهم إحدى درجات التقاضي .
استئناف المسئول المدني :
يقتصر استئناف المسئول المدني على الدعوى المدنية، فلا يطرح الدعوى الجنائية على المحكمة الاستئنافية طالما لم يستأنف الحكم المتهم أو النيابة العامة . ولا يحول دون قبول استئناف المسئول المدني أن الحكم في الدعوى الجنائية قد صار باتاً لعدم استئنافه ممن لهم الصفة في ذلك. وإذا استأنف المسئول المدني الحكم بعد أن صار الحكم في الدعوى الجنائية باتاً، فلا تتقيد المحكمة الاستئنافية - وهي تنظر في الدعوى المدنية - بما يكون الحكم الجنائي قد قرره، فإذا أدان الحكم الابتدائي المتهم وألزم المسئول المدني بالتعويض، فاستأنف المسئول المدني وحده الحكم، فلا تتقيد المحكمة الاستئنافية بإدانة المتهم، فلها أن ترفض إلزام المسئول المدني بالتعويض مؤسسة قضاءها على نفي ارتكاب الجريمة أو نفي صدورها عن المتهم والتناقض واضح بين الحكم الجنائي الذي صار باتاً وما قررته المحكمة الاستئنافية في الدعوى المدنية، وهو تناقض لا مفر من قبوله باعتباره تطبيقاً للقواعد العامة .
ولا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تسئ إلى وضع المسئول المدني بناء على استئنافه وحده :
فلا يجوز لها أن تزيد من مقدار التعويض الذي قضت به محكمة الدرجة الأولى، وإذا تعدد المسئولون المدنيون وأغفل الحكم الابتدائي تقرير التضامن بينهم، فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تقرره بناء على استئنافهم وحدهم . وإنما يجوز لها أن تعفي المسئول المدني من التعويض أو تنقص منه أو تبقيه دون تعديل .
وغني عن البيان أنه إذا استأنف الحكم في الدعوى المدنية المسئول المدني والمدعي المدني معاً كانت للمحكمة الاستئنافية سلطة شاملة على الدعوى المدنية، وكان لها بناء على ذلك أن تعدل الحكم الابتدائي بالإنقاص من التعويض أو إلغائه أو الزيادة فيه .
الحكم في الموضوع : نصت على حالات الحكم في الموضوع المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 419 في فقرتها الأولى. فالمادة 417 نصت على أنه «إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فللمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته. ولا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة. أما إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف». ونصت المادة 419 (في فقرتها الأولى) على أنه «إذا حكمت محكمة أول درجة في الموضوع ورأت المحكمة الاستئنافية أن هناك بطلاناً في الإجراءات أو في الحكم، تصحح البطلان وتحكم في الدعوى». والجامع بين الحالات التي تنظر فيها المحكمة الاستئنافية في موضوع الدعوى وتفصل فيه هو أن تكون محكمة الدرجة الأولى قد نظرت الموضوع وفصلت فيه، ومن ثم تكون الدعوى بذلك قد نظرت على درجتين. وحين تصدر المحكمة الاستئنافية حكمها في موضوع الدعوى فإنها تتقيد بعدم الإضرار بمصلحة المستأنف، فلا يجوز لها أن تعدل الحكم المستأنف تعديلاً فيه إساءة إلى مركز المستأنف. وإذا كانت النيابة العامة هي التي استأنفت الحكم كانت للمحكمة الاستئنافية سلطة شاملة على الدعوى الجنائية، وكان لها بناء على ذلك تعديل الحكم المستأنف - في شقه الجنائي - على الوجه الذي يطابق القانون، ولكنها تتقيد بألا تشدد العقوبة المحكوم بها أو تلغي الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء أعضائها .
تقيد المحكمة الاستئنافية بمصلحة المستأنف : تتقيد المحكمة الاستئنافية بمصلحة المستأنف، فلا يجوز لها، أن تعدل الحكم الابتدائي تعديلاً يسئ إلى مصلحته، فإما أن تبقيه دون تعديل وإما أن تعدله لمصلحته، وقد نصت على هذا الأصل المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الثالثة)، فقالت «إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف». وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا استأنف المتهم لم يكن للمحكمة أن تشدد عقوبته، وإذا استأنف المدعي المدني لم يكن للمحكمة أن تلغي التعويض الذي قرره له الحكم الابتدائي أو تنقص مبلغه)، وإذا استأنف المسئول المدني لم يكن للمحكمة أن تزيد مبلغ التعويض الذي ألزمه به الحكم الابتدائي). أما إذا استأنفت النيابة العامة الحكم، فإن المحكمة الاستئنافية يكون لها «أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته» (المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية، الفقرة الأولى)، أي يكون لها أن تعدل الحكم على أي وجه تراه: فلها أن تؤيد الحكم، ولها أن تشدد عقوبة المتهم، ولها أن تخفف عقوبته، ولها أن تبرئه، وعلة هذه السلطة الشاملة أن مصلحة النيابة العامة في استئناف الحكم هي التطبيق الصحيح للقانون، وهو ما قد يتحقق - حسب تقدير المحكمة الاستئنافية - في إحدى الصور السابقة .
عدم جواز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة : نصت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الثانية على أنه «لا يجوز تشدید العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة». وعلة هذه القاعدة أن انضمام أحد قضاة المحكمة الاستئنافية في الرأي إلى قاضي محكمة الدرجة الأولى يعني تساوي الآراء، فيرجح الرأي الذي ينتمي إليه قاضي الدرجة الأولى لسببين: الأول، أنه الرأي الذي استند إلى تحقيق الدعوى، ولم يقتصر على مجرد الاطلاع على الأوراق، والثاني أنه الرأي الأصلح للمتهم .
ويتعين أن يتضمن الحكم الاستئنافي الذي إلغي البراءة التي قررها الحكم الابتدائي أو شدد العقوبة التي قضى بها النص على صدوره بالإجماع، وإلا كان باطلاً وإذا كان الحكم الاستئنافي الذي إلغي البراءة أو شدد العقوبة دون أن ينص على صدوره بالإجماع حكماً غيابياً، فإنه لا يزيل بطلانه أن ينص الحكم الصادر في المعارضة التي طعن بها فيه على صدوره بالإجماع، يخالف ذلك قاعدة «عدم جواز أن يضار المعارض بناء على معارضته»ويكون أمام المحكمة في هذه الحالة إلا أن تؤيد الحكم الابتدائي وإذا تضمن الحكم الاستئنافي الغيابي النص على صدوره بالإجماع، ولكن الحكم الصادر في المعارضة فيه لم يتضمن النص على صدوره بالإجماع، فإن هذا الحكم يكون باطل إذ أنه في حقيقته قضاء بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة ويعني ذلك أنه يتعين أن ينص كل من الحكم الاستئنافي الغيابي والحكم الصادر في المعارضة على صدوره بالإجماع، أي أن النص على ذلك في أحدهما دون الآخر غير كاف .
اشتراط الإجماع إذا إلغي الحكم الاستئنافي الحكم الابتدائي الذي قضى برفض الدعوى المدنية لعدم ثبوت الواقعة : إذا قضى الحكم الابتدائي برفض الدعوى المدنية بناء على تبرئة المتهم لعدم ثبوت الواقعة، فإنه لا يجوز للمحكمة الاستئنافية إلغاء هذا الحكم إلا بإجماع آراء قضاتها، وذلك لارتباط الحكم بالتعويض بثبوت الواقعة، وتبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية ويعني ذلك قياس الحكم برفض الدعوى المدنية لعدم ثبوت الواقعة على الحكم بالبراءة استناداً إلى هذا السبب، واشتراط الإجماع لإلغاء كل منهما. وسند هذا القياس اتحاد العلة في الحكمين، وهي عدم ثبوت الواقعة. ويتعين أن ينص الحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم الابتدائي برفض الدعوى المدنية على صدوره بالإجماع، وإلا كان باطلاً .
قصر اشتراط الإجماع على حالة إلغاء البراءة أو تشديد العقوبة لخلاف بين محكمة الدرجة الأولى والمحكمة الاستئنافية في تقدير الوقائع : يقتصر اشتراط الإجماع على حالة ما إذا كان إلغاء المحكمة الاستئنافية حكم البراءة الذي أصدرته محكمة الدرجة الأولى أو تشديدها العقوبة التي قضت بها راجعاً إلى اختلاف المحكمتين في تقدير الوقائع أو الأدلة. أما إذا اختلفنا في تفسير القانون أو تطبيقه، فلا يشترط الإجماع لإلغاء البراءة أو تشديد العقوبة. وقد فصلت محكمة النقض هذه الحدود التي وضعتها لاشتراط الإجماع في قولها «إن مراد الشارع من النص على وجوب إجماع آراء قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة في تقدير الوقائع والأدلة، وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كامنة في تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة، وكل ذلك في حدود القانون إيثاراً من الشارع لمصلحة المتهم، يشهد لذلك أن حكم القاعدة مقصور على الطعن بالاستئناف دون الطعن بالنقض الذي يقصد منه العصمة من مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه، وأن المذكرة الإيضاحية قد أفصحت في بيانها لعلة التشريع عن أن ترجيح رأي قاضي محكمة أول درجة في حالة عدم توافر الإجماع مرجعه إلى أنه هو الذي أجرى التحقيق في الدعوى وسمع الشهود بنفسه، وهو ما يوحي بأن اشتراط إجماع القضاة مقصور على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة، أما النظر في استواء حكم القانون فلا يصح أن يرد عليه خلاف، والمصير على تطبيقه على وجه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع، بل لا يتصور أن يكون الإجماع إلا لتمكين القانون وإجراء أحكامه، لا أن يكون ذريعة إلى تجاوز حدوده» .
عدم تجاوز العقوبة التي قضى بها الحكم الغيابي الذي لم تستأنفه النيابة العامة : إذا صدر حكم غيابي، فلم تستأنفه النيابة العامة وعارض فيه المتهم فأيدته المحكمة، فإن النيابة لا يكون لها استئناف الحكم الصادر في المعارضة، ذلك أنه اندمج في الحكم الغيابي الذي فوتت النيابة حقها في استئنافه، «ولأنه لم يسلبها شيئاً مما حصلت عليه بالحكم الغيابي وقنعت به».
أما إذا عدل الحكم الغيابي بناءً على معارضة المتهم، فإن ذلك يعني زوال الحكم الغيابي وحلول الحكم في المعارضة محله، فيكون للنيابة العامة أن تستأنف هذا الحكم ولكن المحكمة الاستئنافية تتقيد بألا تجاوز فيما تقضي به العقوبة التي قضى بها الحكم الغيابي الذي لم تستأنفه النيابة العامة: فمن جهة قد ارتضت النيابة هذه العقوبة لأنها لم تستأنف هذا الحكم، ومن ثم فقد حاز قوة الشئ المحكوم فيه في مواجهتها. ومن ناحية ثانية، فإن النيابة لم ينفتح لها طريق الاستئناف إلا بناء على معارضة المتهم، وما ترتب عليها من تعديل الحكم الغيابي، فلا يجوز أن يكون سعي المتهم الذي استهدف به تخفيف عقوبته سبباً في التشديد عليه وأقصى ما تستطيعه المحكمة الاستئنافية هو أن تقضي بالعقوبة التي كان محكوماً بها غيابياً، وهي أشد من العقوبة التي حكم بها في المعارضة . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة : 1306 )
وعلة اشتراط الإجماع في هذه الحالة أن انضمام أحد قضاة المحكمة الاستئنافية في الرأي إلى قاضي محكمة الدرجة الأولى يعني تساوي الآراء، فيرجح الرأي الذي ينتمي إليه قاضي الدرجة الأولى لسببين : الأول، أنه الرأي الذي استند إلى تحقيق لوقائع الدعوى، ولم يقتصر على مجرد الاطلاع على الأوراق، والثاني، أنه الرأي الأصلح للمتهم . ( الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد الثاني، الصفحة : 1073)
وإذا رأت المحكمة الإستئنافية لأي سبب كان زيادة مقدار التعويض المحكوم بة ابتدائياً وجب أن يصدر الحكم من المحكمة الإستئنافية بإجماع آراء قضاتها أسوة بالحكم الصادر منها بتشديد العقوبة المحكوم بها ابتدائياً م 2/417 إجراءات . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة 1200 )
لذا أجاز قانوننا الإجرائي للنيابة العامة أن تطعن بالاستئناف ولو لمصلحة المتهم دون الإتهام فنصت المادة 417 منه على أنه " إذا كان الإستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فللمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته ". وهذه القاعدة مسلم بحكمها في النقض أيضاً، ولو أنه لم يرد بالنسبة له نص صريح كذلك النص الذي ورد بالنسبة للاستئناف، فللنيابة أن تطلب نقض الحكم لصالح المتهم دون الإتهام . بل أن طعن النيابة بوجه عام لا يفيد محكمة الطعن في شئ فلها أن تلغي الحكم المطعون فيه أو تعدله لمصلحة المتهم، ولو بنى تقرير الطعن في الأصل على وجه كان من المفروض أن يضار به هذا الأخير فمصلحة المجتمع مفترضاً في كل طعن صادر من النيابة، بما في ذلك كونها مصلحة جدية، وقانونية، وحالة .
لكن ينبغي أن يراعي في نفس الوقت أن افتراض المصلحة في طعن النيابة هو أدنى إلى أن يكون افتراضاً للصفة في طعنها، منه إلى أن يكون افتراضاً للمصلحة فيه بكل خصائصها ومميزاتها، فلنيابة صفة مباشرة - في أن تطعن لحساب الإتهام أو لحساب المتهم على حد سواء، فلا يقال لها أن طعنك غير مقبول إذ لا فائدة منه للاتهام، أسوة بالمتهم عندما يقال له أن طعنك غير مقبول إذ لا فائدة منه شخصية مباشرة لك .
وهذا هو كل الفارق بين الطعنين، أما فيما عدا ذلك فإن طعن النيابة يتفق مع طعن المتهم في أنه لا ينبغي أن يبنى على مصلحة نظرية صرف، كبطلان في الإجراءات إذا لم يؤد إلى بطلان في الحكم، أو كالخطأ في أسباب الحكم إذا لم يؤد إلى خطأ في منطوقه، أو كالخطأ في تطبيق القانون أو في تأويله إذا لم يؤيد إلى اختلاف في العقوبة المقضي بها، وفي ذلك أيضاً يتفق الطعن في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية مع الطعن في الحكم الصادر في الدعوى المدنية عندما يصدر الطعن من أحد أطراف هذه الدعوى .
وهذا المعنى هو ما عبر عنه حكم 19 من يونيه سنة 1933 الأنف الإشارة إليه بقوله " أن النيابة العامة والمحكوم عليه والمدعي المدني لا يقبل من أيهم الطعن بطريق النقض ما لم يكن له مصلحة حقيقية في نقض الحكم المطعون فيه .
وللنيابة صفة في أن تطعن في الحكم الصادر في كل دعوى جنائية ولو كانت قد تحركت بمعرفة جهة أخرى كمحكمة الجنايات في أحوال التصدي، أو كالمضرور من الجريمة بمقتضى نظام الإدعاء المباشر. فخصومة الدعوى الجنائية معقودة على الدوام بين النيابة بوصفها سلطة اتهام وبين المتهم ، فانتفاء الصفة في الطعن في الحكم الصادر في الدعوى الجنائية بحث لا يثار بالنسبة لها، وإن كان يصلح أن يثار بالنسبة للمتهمين في الدعوى الجنائية ولأطراف الدعوى المدنية، بما قد يقتضيه انتفاء الصفة من انتفاء المصلحة في الطعن بالتالي .
وقانوننا الإجرائي لم يكتف بأن أعطى النيابة حق الطعن لمصلحة المتهم دون الإتهام، بل أنه خول محكمة النقض أيضاً أن تنقض الحكم من تلقاء نفسها - متى كان الطعن جائزاً ومقبولاً شكلاً - لمصلحة المتهم ولغير الأسباب التي بني عليها الطعن إذ تبين لها مما هو ثابت في الحكم أنه مبنى على مخالفة للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله، أو أن المحكمة التي أصدرته لم تكن مشكلة وفقاً للقانون أولاً ولاية لها بالفصل في الدعوى، أو إذا صدر بعد الحكم المطعون فيه قانون يسرى على واقعة الدعوى " (م 425 / 2 وم 35 من القرار بقانون رقم 57 لسنة 1959) .
فكأن هذا النص أعطى محكمة النقض صفة - إذا صح هذا التعبير- أن تنقض الحكم لوجه من الأوجه المبينة به من تلقاء نفسها، ودون أن يكون هذا الوجه وارداً في طعن المتهم ولا الإتهام، جاعلاً بذلك من نفس المحكمة مشرفة على مصلحة الإثنين معاً إذا فات أمرها على أيهما، بحيث يمكن أن يستفيد المتهم - والمتهم وحده في النهاية من وضع الأمور في نصابها، متى بني الحكم على مخالفة لقانون العقوبات أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله، أو على بطلان في إجراء من الإجراءات الواردة في النص على سبيل الحصر .
وهذا الوضع الذي جاء به قانوننا الإجرائي الحالي لئن أشار إلى شئ فإلى مدى حرصه على صالح المتهم بوصفه جزءً لا يتجزأ من صالح الجماعة، في أن يكون تطبيق القانون سليماً دائماً، ولو أدى ذلك إلى أن تصبح للمحكمة صفة نقض الحكم لصالح المتهم، ولو لسبب لم ترد عنه إشارة ما في أسباب الطعن .
عدم الإضرار بمصلحة الطاعن :
نصت المادة 43 من القرار بالقانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن أحوال وإجراءات الطعن بالنقض على أنه (إذا كان نقض الحكم حاصلاً بناء على طلب أحد من الخصوم غير النيابة العامة فلا يضار بطعنه) .
كما قررت نفس القاعدة المادة 401 / 1 من قانون الإجراءات الحالي بالنسبة للمعارضة والمادة 417 / 3 بالنسبة للاستئناف وهذه المواد تقرر قاعدة كانت مستقرة في ظل قانون تحقيق الجنايات أيضاً .
فالطاعن لا ينبغي أن يضار بطعنه سواء في الدعوى الجنائية أم المدنية، ما دام قد صدر الطعن منه وحده أما إذا صدر الطعن من جانبي الخصومة الجنائية أو المدنية فقد استردت المحكمة التي تنظر الطعن - أياً كان نوعها - كامل حريتها، بما قد يترتب على ذلك من إحتمال تغيير المراكز والإضرار بمصلحة بعض الخصوم لحساب البعض الآخر .
كما تسترد حريتها إذا صدر الطعن من النيابة العامة، إذ قد يكون نقض الحكم حاصلاً لمصلحة المتهم، لا لحساب الإتهام، لأن النيابة تمثل المجتمع الذي من مصلحته براءة البريء قبل إدانة المسئ ومن مصلحته .
كذلك أن يجئ حكم القضاء مطابقاً لحكم القانون، في موضوع الدعوى وإجراءاتها معاً، وإلا كان غير جدير بالبقاء، ولا أن يعد قرينة قاطعة عند الكافة على الحقيقة المطلقة، كما يريد القانون في الحكام بوجه عام .
أما إذا صدر الطعن من المتهم المحكوم بإدانته من محكمة الموضوع، فقد منعت سلطة القضاء من الإضرار بمصلحة الطاعن، وهذه القاعدة تقيد محكمة النقض إذا كان هناك خطأ في تطبيق قانون العقوبات أو في تأويله كما تقيد محكمة الموضوع التي تعاد محاكمته أمامها إذا كان هناك أي بطلان في الحكم المطعون فيه أو في إجراءاته فيه، وذلك على التفصيل الآتي :
فإذا كان نقض الحكم حاصلاً لخطأ في تطبيق قانون العقوبات أو في تأويله فإن محكمة النقض تلتزم - عند تصحيح ما في الحكم من خطأ - ألا تسئ إلى مصلحة الطاعن، متى كان الطعن صادراً منه وحده فإذا كان الحكم المطعون فيه قد أخطأ بتكييف الواقعة بوجه معين، لم ترضى عنه مصلحة المتهم الطاعن، فلمحكمة النقض أن تصحح هذا التكييف وتبقى العقوبة على حالها، أو تعيد تقديرها في ضوء التكييف الصحيح، ولكن ليس لها أن تشدد العقوبة على أي وجه، ولو كان التكييف الصحيح حسبما أرتأته هي لا يسمح بمثل العقوبة الخفيفة المحكوم بها، ومهما كان خطأ الحكم المنقوض بعيداً عما يسمح به هذا التكييف، والعبرة هي بموضع العقوبة في ترتيب العقوبات كما هو وارد في المادتين 10، 11 ع .
وتطبيقاً لهذا الترتيب تعتبر الغرامة مهما بلغ مقدارها ارتفاعاً أخف من الحبس البسيط مهما بلغت مدته انخفاضه ، يعتبر الحبس مع الشغل أشد من الحبس البسيط عند تساوي المدة أما عند اختلافها فإن من تكون منها مدتها أطول فهي الأشد ولو كانت الحبس البسيط وعند تباين أنواع العقوبات تكون العبرة بترتيبها بحسب المواد 10، 11، 12 من قانون العقوبات .
والأصل دائماً هو التقيد بأسباب الطعن، ولكن يجوز لمحكمة النقض الخروج عن هذه الأسباب والتصدي لما يشوب الحكم من أخطاء في القانون عملاً بحقها المقرر في المادة 35 / 2 من القانون رقم 57 لسنة 1959 . والتي تجيز لمحكمة النقض أن تنقض الحكم من تلقاء نفسها إذا تبين لها مما هو ثابت فيه أنه مبني على مخالفة للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله، أو أن المحكمة التي أصدرته لم تكن مشكلة وفقاً للقانون، أو لا ولاية لها بالفصل في الدعوى، أو إذا صدر بعد الحكم المطعون فيه قانون يسري على واقعة الدعوى على أنه يشترط هنا أيضاً أن يكون النقض لمصلحة المتهم فقط، فلا يجوز أن يضار المتهم بتصحيح الخطأ في القانون في هذه الحالة .
بالعقوبة المقضي بها، دون التكييف الذي اعتنقه الحكم، على ما سيرد فيما بعد .
والعبرة في عدم الإضرار بمصلحة الطاعن هي - في نهاية المطاف .
وإذا كان نقض الحكم حاصلاً لبطلان فيه أو في الإجراءات أثر فيه، فإن المحكمة التي تعيد محاكمة الطاعن مقيدة أيضاً بعدم الإضرار بالطاعن وهنا أيضاً لا يصح إعمال هذا المبدأ إلا من ناحية مقدار العقوبة الذي يعتبر حداً أقصى لا يجوز للهيئة الثانية أن تتعداه ولا يصح أن يتناول االنواحي الأخرى مثل تقدير وقائع الدعوى أو إعطاء الحادث أبعاد جديدة . (فإذا كانت الهيئة التي أصدرت الحكم المطعون فيه لا تختلف مع الهيئة الأولى التي نقض حجمها، لا في تقدير وقائع الدعوى، ولا في الوصف القانوني الذي أعطته لها، وكانت العقوبة التي قضي بها في نفس العقوبة في الحكم السابق نقضه، فلا يمكن القول بأن الحكم المطعون فيه قد سوأ مركز الظاعن .
كما قضي بأن للحكم الجديد كامل الحرية في تقدير الوقائع وإعطاء الحادث وصفه الصحيح، كأن يعتبر الواقعة قتلاً عمداً مع تطبيق المادة 17 ع حين إعتبرها الحكم السابق تجاوزاً لحدود حق الدفاع الشرعي، ولا يعتبر أنه بذلك قد سوأ مركز الطاعن ما دام لم يتجاوز العقوبة المقضي بها .
كما قضى بأنه إذا كانت المحكمة التي أحيل إليها المتهم لمحاكمته من أجل تهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار قد استبعدت في حكمها ظرف سبق الإصرار، ثم لما طعن في هذا الطعن قضي بنقضه وأعيدت المحاكمة، فهذه المحاكمة تكون على أساس أمر الإحالة السابق صدوره الذي ورد فيه أن القتل العمد قد وقع مع سبق الإصرار، لا على أساس أمر الإحالة معدلاً على وفق ما قضى به الحكم المنقوض، إذا أن هذا الحكم بعد نقضه يكون ملغياً عديم الأثر .
إنما لا يجوز على أية حال للمحكمة عند إعادة المحاكمة بناء على نقض الحكم أن يشدد العقاب على المتهم ما دام نقض الحكم كان بناء على طعنه ولا يغير من ذلك أن تكون قد قضت بوقف تنفيذ العقوبة الجديدة (فإن وقف التنفيذ وخفض مدة العقوبة، وأن كانا من دلائل الرأفة بالمتهم، إلا أن لكل منهما في واقع الأمر إعتبارته وظروفه على مقتضى أحكام القانون ولمحكمة النقض في سبيل إرجاع الأمور إلى نصابها أن تخفض العقوبة إلى الحد الذي كان مقضي به في الحكم المنقوض مع مراعاة وقف التنفيذ المقضي به في الحكم الثاني) .
وينبغي أن يراعي في هذا الشأن أن الأمر بوقف التنفيذ عرضة للإلغاء إذا ارتكب المحكوم عليه جريمة جديدة في خلال ثلاث سنوات من تاريخ الحكم السابق ولذا، فلا يجوز على أية حال تشديد العقوبة على الطاعن حتى ولو شملت المحكمة العقوبة الجديدة بالأمر بوقف تنفيذها .
كذلك إذ كان المتهم قد حكم عليه إبتدائياً بتغريمه مائة قرش وإزالة المباني المخالفة للقانون على مصاريفه، ثم استأنف ولم تستأنف النيابة فقضي ببراءته استئنافياً فأنه مع نقض هذا الحكم بناءً على طعن النيابة لا يجوز أن تزيد الغرامة في المحاكمة الجديدة على ما حكم به ابتدائياً .أو أن تحكم بغرامة أغفلها الحكم الجزئي خطأ رغم كونها وجوبية .
هذا عن الغرامة ، أما عن أتعاب المحاماة المحكوم بها في الحكم المطعون فيه فإنها لا تتعدى إليها قاعدة جواز إضرار مصلحة الطاعن بطعنه، وبالتالي فإن تقديرها يرجع إلى ما تتبنيه المحكمة من الجهد الذي بذله المحامي في الدعوى وما تكبده المحكوم له من أتعاب لمحاميه، الأمر في هذا التقدير متروك لمحكمة الموضوع دون غيرها، وبالتالي فمن الجائز أن تقضي جهة الفصل في الطعن بأتعاب محاماة تتجاوز تلك المحكوم بها في الحكم المطعون فيه ولو صدر الطعن من المحكوم عليه بها وحده .
وبوجه عام تكون سلطة الهيئة الجديدة التي تعاد المحاكمة أمامها بعد قبول الطعن بناء على طلب المتهم معادلة تماماً لسلطة المحكمة الاستئنافية في شأن تقدير العقوبة عندما يكون المتهم هو المستأنف الوحيد للحكم الصادر من المحكمة الجزئية، أو عند المعارضة في الحكم الغيابي من المتهم المحكوم عليه، فلا يجوز الإضرار بمصلحته وضابط هذا الإضرار مشتركة بين المعارضة والاستئناف والنقض لا محل فيها لأية مغايرة في شأن تقدير العقوبة فمثلاً لا يجوز تشديد العقوبة الأصلية السابق الحكم بها، ولا إضافة عقوبة تكميلية، ولا إلغاء وقف التنفيذ،" ولا أن تقضي من أن سوابق المتهم تجهله عائداً في حكم المادتين 49 / 1 ، 51 ع .
كما قضي في فرنسا بأنه يعد إضرار مكرر المستأنف أن تضيف المحكمة الاستئنافية الغرامة على الحبس ولو انقضت مدة الحبس السابق الحكم بها. ولكن يجوز للمحكمة الإستئنافية إذا ألغت الحبس أن تزيد مقدار الغرامة، وأن تبدل الحبس مهما قلت مدته بالغرامة مهما بلغ مقدارها ارتفاعاً لأن العبرة هي بترتيب العقوبة في قانون العقوبات .
وقضى في بلادنا بأنه إذا حكم إبتدائياً بعقوبة واحدة لعدة جرائم، واستأنف المتهم وحده فللمحكمة الاستئنافية أن تستبعد بعضها وتبقى العقوبة المحكوم بها على حالها، ما دامت هي لم تتجاوز ذلك نطاق الحكم الإبتدائي , وكذلك للمحكمة الإستئنافية أن تضيف مادة العود إلى المواد التي عاقبت المتهم بها محكمة الدرجة الأولى ما دامت لم تشدد العقوبة المحكوم بها عليه ولم يترتب على ذلك أي أثر .
كما قضي أيضا بأنه إذا استبعدت المحكمة الإستئنافية ظرفاً مشدداً كالإصرار السابق في الضرب، فلها أن تؤيد مع ذلك العقوبة المقضي بها إبتدائياً ولو كان الاستئناف من المتهم وحده ما دامت هذه العقوبة داخلة في نطاق المواد التي طبقتها عليه أي أن العبرة في عدم الإضرار بمركز الطاعن تكون بمنطوق الحكم لا ما ورد في أسبابه .
وللمحكمة الاستئنافية أن تستند في تأييد إدانة المتهم ولو كان هو المستأنف الوحيد إلى أسباب جديدة وأدلة أخرى غير تلك التي أخذ بها الحكم الابتدائي دون أن يعد ذلك تسويئاً لمركزه . لذا قضي بأنه يجوز للمحكمة الإستئنافية أن تعول في إدانة المتهم على ما أسفر عنه التفتيش الذي رأت صحته بعد أن كانت محكمة الدرجة الأولى قد قضت ببطلانه .
وفي الجملة تكون الدعوى أمام الهيئة الجديدة بعد قبول الطعن بالنقض كما لو كانت قد أقيمت أمامها مباشرة ولم يسبق نظرها فتجري فيها المحاكمة على أساس أمر الإحالة الأصيلة .. على أنه ينبغي أن تتقيد الهيئة الجديدة بنفس قيود الإستئناف المختلفة التي كانت تقيد الهيئة السابقة وبوجه خاص عدم الإضرار بمصلحة المستأنف الوحيد .
أما فيما عدا ذلك فإن الدعوى تعود إلى محكمة الموضوع بنفس الحالة التي كانت عليها أمام الهيئة السابقة فيكون للهيئة الجديدة مطلق الحرية في التصرف بما تراه، لأن الحكم متى نقض يصبح لا وجود له قانوناً، فلا يقيد الهيئة الجديدة بشئ فيما إنتهى إليه من نتائج في الإجراءات المختلفة السابقة عليه، ولا يكون ثمة محل لمناقشته أو للرد عليه عند إعادة المحاكمة فإن مصلحة الطاعن تتعلق في النهاية بالمنطوق كما قلنا دون الإجراءات السابقة على الحكم ودون أسباب الحكم المنقوص التي لا يلزم مناقشتها أو الرد عليها عند إعادة المحاكمة .
إلا أنه إذا كان أحد من الخصوم قد سبق له التمسك بدفع فرعي، مثل عدم الإختصاص، أو عدم قبول الدعوى الجنائية أو المدنية، أو انتفائها لأي سبب من الأسباب، أو بطلان قرار الإحالة، وحكمت الهيئة السابقة برفضه وأصبح حكمها نهائياً لعدم الطعن فيه، فلا يحق له أن يعود إلى التمسك به ثانية بعد إلغاء الحكم في الموضوع وإحالة الدعوى للفصل فيها مجدداً وذلك سواء أكان الطاعن هو نفس مقدم هذا الدفع، أو هو مقدم ضده، إذ أن العبرة هي بحجية الحكم السابق الذي فصل في الدفع، بما يحول دون إمكان إثارته من جديد، ما دام لم يلغ هذا الحكم في النقض إذا جاز فيه الطعن استقلالاً كالأحكام المانعة من السير فى الدعوى أو إذا طعن فيه مع نفس الحكم الصادر في الموضوع، ومن باب أولى إذا لم يطعن فيه أصلاً . ( الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 97 )
الأثر الناقل للاستئناف :
يترتب على الاستئناف انتقال الدعوى الجنائية إلى المحكمة الاستئنافية، في إطار له ثلاثة حدود :
(الأول) نطاق الدعوى التي فصل فيها الحكم المستأنف .
(الثاني) موضوع الاستئناف .
(الثالث) صفة الخصم .
وفيما يأتي نبين مضمون الأثر الناقل للاستئناف في ضوء هذا الإطار المحدد.
من حيث نطاق الدعوى
المبدأ :
يترتب على الاستئناف أن تعرض من جديد على المحكمة الاستئنافية جميع النقاط الموضوعية والقانونية التي سبق أن فصل فيها القاضي الجزئي. هذا بخلاف الحال في المعارضة، فإنه يترتب عليها بعد قبولها - عند حضور المعارض - عرض الدعوى برمتها على القاضي بغض النظر عما فصل فيه هذا القاضي ويترتب على هذا الخلاف بين المعارضة والاستئناف أن محكمة المعارضة تلتزم بإعادة تحقيق الدعوى من جديد، بخلاف محكمة الاستئناف فإنها تحاكم أخطاء حكم محكمة أول درجة وتعالج ما شاب إجراءاتها من نقص دون أن تلزم بتحقيق الدعوى برمتها من جديد. وفي سبيل أداء مهمتها يجوز لها أن تجري ما تشاء من تحقيقات إن رأت محلاً لذلك، ومن واجبها وقد نقل الموضوع إليها أن ترجع الأمور إلى نصابها الصحيح وتفصل في موضوع الدعوى بناء على ما تراه هي من واقع أوراقها والأدلة القائمة .
ويتحدد الأثر الناقل للاستئناف دون تفرقة بين الاستئناف الأصلي والاستئناف الفرعي، وفيما يأتي نبين الحدود التي ترسم إطار الأثر الناقل للاستئناف .
التقيد بنطاق الدعوى التي فصل فيها الحكم المستأنف :
المبدأ : تتقيد المحكمة الاستئنافية بالواقعة التي طرحت على المحكمة الجزئية كما وردت في أمر الإحالة أو في التكليف بالحضور، سواء فيما يتعلق بالدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية. فإذا دانت المحكمة الاستئنافية المتهم في واقعة لم تعرض على المحكمة الجنائية ولم تفصل فيها فإن هذا يعد قضاء لم تتصل به محكمة أول درجة طبقاً للقانون وفيه حرمان للمتهم من درجة من درجات التقاضي ولو كان للواقعة أساس في التحقيق الذي أجرته المحكمة، مما يسلب المحكمة الاستئنافية اختصاصها بنظرها ويجعل حكمها باطلاً، وتطبيقاً لذلك قضي أنه إذا كانت الدعوى قد رفعت على المتهم عن سرقة أوراق معينة، وقضت محكمة أول درجة ببراءته من سرقة هذه الأوراق فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تدينه في سرقة أوراق أخرى لم تكن الدعوى مرفوعة بها .
تحديده : يتحدد نطاق الدعوى كما طرحت أمام محكمة أول درجة بكل من الحدود الشخصية والعينية للدعوى، وهو ما يسمى بعدم جواز تقديم طلبات جديدة أمام المحكمة الاستئنافية .
فمن حيث الحدود الشخصية، لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تدخل في الدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية التبعية من لم يكن طرفاً في الحكم المستأنف، فلا يجوز للنيابة العامة إدخال متهم جديد في الدعوى الجنائية، ولا يقبل الادعاء المدني لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية، هذا دون إخلال بإمكان تدخل المسئول عن الحقوق المدنية من تلقاء نفسه في الدعوى الجنائية في أية حالة كانت عليها الدعوى طبقاً للمادة 254 إجراءات والتي تبيح للنيابة العامة وللمدعي المدني المعارضة في قبول تدخله .
وقد نصت المادة 515 - 3 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي على أنه يجوز للمدعي المدني أن يطلب زيادة مبلغ التعويض عن الضرر الذي أصابه وترتب بعد حكم محكمة أول درجة. وهو ما لا يجوز طبقاً للقانون المصري لعدم وجود نص يسمح بذلك .
ومن حيث الحدود العينية للدعوى، فليس للمحكمة الاستئنافية أن تنظر في واقعة لم تكن معروضة على محكمة أول درجة، فإذا برأته هذه المحكمة من سرقة شيء معين لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تدينه بواقعة سرقة شيء آخر، وإذا حوكم أمام محكمة أول درجة عن واقعة التزوير لم يجز محاكمته أمام المحكمة الاستئنافية عن واقعة استعمال محرر مزور".
ولا يحول ذلك دون تقديم حجج أو أدلة جديدة لم تكن معروضة أمام محكمة أول درجة، مادام ذلك في حدود الواقعة التي طرحت أمام محكمة أول درجة، فيجوز للمدعي المدني أن يعرض أساساً قانونياً جديداً للتعويض عن الضرر الذي أصابه. ولكن لا يجوز للمتهم لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية أن يطلب من المدعي المدني تعويضاً عن الضرر الذي أصابه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه، أو أن يرفع عليه لذات السبب في دعوى مباشرة بتهمة البلاغ الكاذب سواء بتكليفه مباشرة بالحضور أمام المحكمة أو بتوجيه التهمة إلى المدعي بالحقوق المدنية عند حضوره الجلسة وقبوله المحاكمة .
سلطة المحكمة الاستئنافية في نطاق الدعوى :
للمحكمة الاستئنافية أن تغير الوصف القانوني للواقعة، ولها أن تضيف إليها عناصر جديدة، أي أن تعدل التهمة. وكل ما عليها هو ألا تشدد العقوبة على المتهم إذا كان هو المستأنف وحده .
وليس في تغيير وصف التهمة أو تعديلها تفويت لإحدى درجات التقاضي مادامت الواقعة المطروحة على المحكمة الاستئنافية هي بعينها التي رفعت بها الدعوى أمام محكمة أول درجة، مما ينفي عن الحكم الاستئنافي القول بالإخلال بحق الدفاع. وتلتزم المحكمة الاستئنافية بتنبيه المتهم إلى تغيير وصف التهمة أو تعديلها وفقاً لما أوضحناه عند بيان حدود الدعوى الجنائية أمام المحكمة، إذا كانت هي التي أجرت هذا التغيير أو التعديل، أما إذا كانت محكمة أول درجة هي التي غيرت أو عدلت التهمة، فإن المتهم يكون على علم به يوم استأنف الحكم الصادر منها فلا يحتاج إلى مزيد من التنبيه .
ثانياً التقيد بموضوع الاستئناف :
تتقيد المحكمة الاستئنافية بالموضوع الذي ورد عليه الاستئناف حسبما ورد في تقرير الاستئناف، وذلك بالنسبة إلى ما استؤنف بالفعل من أجزاء الحكم، ومن حيث طبيعة الحكم .
(أ) فمن حيث ما استؤنف بالفعل من الحكم، يجوز للمتهم استئناف الحكم الصادر في الدعوى الجنائية دون المدنية والعكس. ولا يملك المدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية غير استئناف الحكم الصادر في الدعوى المدنية. ويجوز للنيابة العامة وللمتهم أن يقصر استئنافهما على ما فصلت فيه المحكمة الجزئية في تهمة دون أخرى، كما يجوز للنيابة العامة استئناف الحكم بالنسبة إلى بعض المتهمين دون البعض الآخر. كما إذا استأنفت النيابة العامة حكم البراءة بالنسبة إلى أحد المتهمين دون آخر، فقضت المحكمة الاستئنافية بإلغاء هذه البراءة رغم ما قد يكون هناك من تعارض بين هذا الحكم والحكم ببراءة المتهم الآخر الذي لم يستأنف الحكم الصادر ضده كما أنه إذا استأنف المدعي المدني وحده الحكم الصادر برفض الدعوى المدنية، فإنه وفقاً لقضاء محكمة النقض يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تلغي هذا الحكم رغم ما قد يكون هناك من تعارض مع الحكم الصادر بالبراءة الذي لم تستأنفه النيابة العامة .
وتستمد المحكمة الاستئنافية سلطتها على الدعوى بحكم القانون بمجرد التقرير بالاستئناف، فلا تتصل المحكمة الاستئنافية بغير الموضوع الذي طرح لديها بموجبه هذا التقرير . فإذا قررت النيابة العامة وحدها بالاستئناف ثم اقتصر ممثل النيابة في الجلسة على طلب تأييد الحكم المستأنف، فإن ذلك لا يحول دون سلطة المحكمة في تشديد العقوبة .
(ب) ومن حيث طبيعة الحكم المستأنف، إذا كان هذا الحكم لم يتناول موضوع الدعوى واقتصر على الفصل في الشكل فقط - فإن استئناف هذا الحكم يقتصر عليه وحده دون أن يمتد إلى الموضوع، كما إذا كان الحكم بعدم قبول المعارضة لرفعها بعد الميعاد أو لرفعها عن حكم غير قابل لها .
استئناف الأحكام التحضيرية والقطعية التمهيدية :
كما بينا من قبل نصت المادة 405 / 2 إجراءات على أنه يترتب حتماً علی استئناف الحكم الصادر في الموضوع استئناف هذه الأحكام. وأساس هذا النظر ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 405 المذكورة من أنه لا يجوز قبل أن يفصل في موضوع الدعوى استئناف الأحكام التحضيرية والتمهيدية والصادرة في مسائل فرعية .
استئناف الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص :
نصت الفقرة الثالثة من المادة 405 إجراءات على أنه في جميع الأحوال الصادرة بعدم الاختصاص يجوز استئنافها كما يجوز استئناف الأحكام الصادرة بالاختصاص إذا لم يكن للمحكمة ولاية الحكم في الدعوى .
من حيث صفة الخصم المستأنف
التقيد بصفة المستأنف ومصلحته :
تتقيد المحكمة الاستئنافية بصفة الخصم المستأنف في الدعويين الجنائية والمدنية فالنيابة العامة لا يطرح استئنافها سوى الدعوى الجنائية، فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية بناء على استئناف النيابة العامة وحدها أن تقرر تعويضاً للمدعي المدني الذي حكمت محكمة أول درجة برفضه، أو أن تزيد من مبلغ التعويض. أما المتهم، فإنه يطرح الدعويين الجنائية والمدنية التبعية، ما لم يقيد في تقرير استئنافه ما يطرحه بالشق الجنائي أو بالشق المدني وحده .
ولا صفة للمدعي المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية إلا في الدعوى المدنية التبعية فقط ولذلك، إذا صدر حكم ببراءة المتهم ولم تستأنف النيابة العامة وقضي في نفس الحكم برفض الدعوى المدنية فاستأنف هذا الحكم المدعي المدني طرحت الدعوى المدنية وحدها أمام المحكمة الاستئنافية، مما يسمح بأن ينشأ بسبب ذلك تناقض بين الحكم الجنائي والحكم المدني .
على أنه يحد هذا التقيد مبدآن :
1- إطلاق سلطة المحكمة عند استئناف النيابة العامة .
2- عدم الإضرار بالخصم المستأنف من غير النيابة العامة .
إطلاق سلطة المحكمة عند استئناف النيابة العامة :
لا يتخصص استئناف النيابة العامة بسبب معين، وإنما ينقل الدعوى برمتها إلى المحكمة الاستئنافية من أجل المصلحة العامة التي قد تشترك مع مصلحة أحد الخصوم، فتصل بالدعوى الجنائية اتصالاً يخولها النظر فيها من جميع نواحيها غير مقيدة في ذلك بما ضمنته النيابة العامة في تقرير الاستئناف أو في مرافعتها بالجلسة من طلبات. وأساس ذلك أن النيابة العامة بحكم تمثيلها للمجتمع لا تعبر عن مصلحة ذاتية لها، وإنما هي تعبر عن المصلحة العامة ولو توافقت مع مصلحة المتهم .
وقد نصت المادة 417 إجراءات على أنه إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة للمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته .
ولذلك تنتقل الدعوى الجنائية برمتها إلى المحكمة الاستئنافية بناء على استئناف النيابة العامة غير مقيدة حتي بطلبات النيابة ذاتها. وقد حكم بأنه إذا كانت النيابة العامة قد اقتصرت في تقرير الاستئناف على طلب الحكم بعدم الاختصاص فإن المحكمة إذا رأت أنها مختصة فإنه لا يقيدها ما ورد في ذلك التقرير ولا يحد من سلطتها المطلقة في نظر الموضوع من كل نواحيه والحكم فيه طبقاً لما تراه هي في حدود القانون .
على أن عدم تقیید استئناف النيابة العامة بسببه أو بطلبات النيابة العامة في التقرير لا يحول دون تقييده بالأحكام التي اقتصر التقرير على استئنافها، فإذا اشتمل الحكم على الفصل في أكثر من تهمة جاز للنيابة العامة الاقتصار في تقريرها بالاستئناف على ذكر الحكم الصادر في تهمة معينة دون غيرها. وإذا كانت النيابة العامة قد استأنفت الحكم الصادر في المعارضة التي أقامها المتهم على الحكم الغيابي الابتدائي - فإن استئناف النيابة يكون قاصراً على هذا الحكم ولا يخول للمحكمة الاستئنافية أن تتجاوز العقوبة التي قضى بها الحكم الغيابي المعارض فيه، إذا قضت بإلغاء الحكم الصادر في المعارضة أو تعديله بناء علی استئناف النيابة العامة .
وكما أشرنا آنفاً، لا يمتد أثر استئناف النيابة العامة إلى الدعوى المدنية، وبناء على ذلك فإن قضت المحكمة الاستئنافية بناء على استئناف النيابة العامة وحدها ببراءة المتهمين، فلا يجوز لها أن تقضي أيضاً برفض الدعوى المدنية، وذلك لأن استئناف النيابة العامة يقتصر أثره على الدعوى الجنائية وحدها، فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تأمر بإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة .
عدم الإضرار بالخصم المستأنف من غير النيابة العامة :
المبدأ : من المقرر أنه لا يجوز للمحكمة الاستئنافية الإضرار بمصلحة الخصم المستأنف إذا كان من غير النيابة العامة. وقد تقرر هذا المبدأ في فرنسا بادئ الأمر في فتوى لمجلس الدولة الفرنسي في 12 نوفمبر سنة 1806، ثم قننه المشرع الفرنسي بعد ذلك (المادة 515 إجراءات). وبهذا المبدأ أخذ المشرع المصري فنص على أنه إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو أن تعدله لمصلحة رافع الاستئناف المادة 417 / 3 إجراءات
استئناف المتهم : وبناء على هذا المبدأ، فإنه إذا كان الاستئناف مرفوعاً من المتهم وحده لا يجوز الإساءة إليه، سواء بالحكم عليه بعقوبة أشد مما حكم به ابتدائياً، أو بإلغاء وقف التنفيذ، أو بإضافة عقوبة تكميلية، أو بتعدد العقوبات رغم الحكم عليه ابتدائياً بعقوبة واحدة، أو بالحكم بعدم الاختصاص لأن الواقعة جناية، أو بزيادة التعويض المحكوم به للمدعي المدني .
على أنه يلاحظ أن منع المحكمة من تشديد العقوبة ينصرف إلى التشديد بمعناه القانوني لا إلى التشديد الواقعي أو الفعلي، فيجوز الحكم بتدبير احترازي طويل المدة على الطفل بدلاً من الحكم عليه بالعقوبات المقررة أصلاً للبالغين، مثل عقوبة الحبس ولمدة قصيرة ، أو الحكم بعقوبة الغرامة مهما كانت جسامتها بدلاً من عقوبة الحبس .
والعبرة هي بما يرد في منطوق حكمها، فللمحكمة الاستئنافية أن تغير الوصف القانوني للواقعة بما هو أشد مادام منطوق حكمها لم يتضمن أية عقوبة أشد مما قضي به ابتدائياً .
وهنا يجدر التنبيه إلى أن محكمة أول درجة قد تخطئ في تطبيق القانون وقد يصل بها الخطأ إلى حد الحكم بعقوبة ملغاة أو لا يعرفها القانون مطلقاً، ثم لا يستأنف الحکم الحكم غير المتهم وحده . فما الحل في هذه الحالة ؟
والأصل أن المحكمة الاستئنافية تصحح هذا الخطأ القانوني في منطوق حكمها بما لا يترتب عليه إضرار بمركز المتهم، وهذه النتيجة يصل إليها القانون لأن تطبيق قانون العقوبات لا يكون إلا بواسطة قانون الإجراءات الجنائية إعمالاً لمبدأ لا عقوبة بغير دعوى جنائية. فإذا جاء قانون الإجراءات ونص على عدم جواز الإضرار بمركز المتهم الذي استأنف وحده تعين النرول عند هذا المبدأ وعدم محاولة تطبيق قانون العقوبات بعيداً عنه، ولا تملك المحكمة في هذه الحالة إلا أن تؤيد الحكم المستأنف رغم ما شابه من عوار قانوني .
ومع ذلك، فإنه إذا جاء الحكم بعقوبة لا يعرفها القانون مطلقاً (کالجلد مثلاً) فيتعين على المحكمة الاستئنافية أن تصحح هذا الخطأ بأن تقضي بإلغاء هذه العقوبة. وأساس هذا النظر أن حق الدولة في العقاب ينصرف إلى العقوبات الواردة في القانون، فإذا قضى الحكم بغير هذه العقوبات فيكون قد قرر شيئاً لا يعد عقوبة، وبالتالي لا يكون قد قرر للدولة حقها في العقاب كما رسمه وحده القانون. ولا تملك المحكمة الاستئنافية أن تقضي بعقوبة أخرى حتى لا ينقلب استئناف المتهم وبالاً عليه وكل ما تملكه هو أن ترفع عنه تلك العقوبة التي لا يعرفها القانون .
ويلاحظ أن تقيد المحكمة بصالح المتهم قاصر على ما يرد في منطوق حكمها، فيكون من حقها أن تبيح صحيح القانون في أسباب الحكم ولو كان في غير صالح المتهم مادامت قد التزمت صالحه في منطوق حكمها. وكما قالت محكمة النقض فإنه إذا كان الاستئناف مرفوعاً من المتهم وحده فإن مقدار العقوبة المقضي بها عليه يعد حداً أقصى لا يجوز للمحكمة أن تتعداه .
مراعاة جانب المتهم رغم استئناف النيابة :
إذا صدر حكم غيابي على المتهم بعقوبة معينة ولم تستأنفه النيابة العامة وعارض فيه المتهم، ثم قضت المعارضة بتعديل الحكم الغيابي إلى عقوبة أخف، فاستأنفت النيابة العامة هذا الحكم الأخير، فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تقضي على المتهم مما يجاوز العقوبة المحكوم بها غيابياً، إعمالاً لمبدأ أن الخصم لا يضار بطعنه. ومادام المتهم هو الذي عارض في الحكم فلا يجوز أن تعد هذه المعارضة وبالاً عليه، وكل ما تملكه المحكمة الاستئنافية هو أن تقضي بالعقوبة التي سبق الحكم بها غيابياً على المتهم ولو كانت أشد من التي قضى بها الحكم الصادر في المعارضة .
استئناف المدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية :
ينصرف هذا الاستئناف إلى ما قضت به المحكمة الجنائية في الدعوى المدنية التبعية دون الدعوى الجنائية وإذا كان أحدهما هو المستأنف وحده فإن المحكمة الاستئنافية تلتزم بعدم الإضرار بمصلحته. فإذا كان المدعي المدني وحده هو المستأنف لا يجوز لها أن تلغي الحكم بالتعويض أو أن تخفض قيمة التعويض أو تقضي بعدم الاختصاص .
وإذا كان الاستئناف مرفوعاً من المسئول عن الحقوق المدنية وحده فلا تملك المحكمة إلا أن تؤيد الحكم الابتدائي أو تلغيه أو تعدله في مصلحته وليس لها أن تزيد من مبلغ التعويض المحكوم به، وإذا ألغي الحكم الصادر بالتعويضات وكان قد نفذ بما تنفيذاً مؤقتاً، ترد هذه التعويضات بناء على حكم الإلغاء (المادة 416 إجراءات) .
ويلاحظ أن المادة 254 / 1 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أن للمسئول عن الحقوق المدنية أن يدخل من تلقاء نفسه في الدعوى المدنية في أية حالة كانت عليها الدعوى. وهذا النص يسمح له بالتدخل لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية، وهو استثناء مقتصر على تدخل المسئول عن الحقوق المدنية من تلقاء نفسه، فلا يجوز للنيابة العامة أن تدخله ولو لم يكن في الدعوى مدع بحقوق مدنية للحكم عليه بالمصاريف المستحقة للحكومة اعتماداً على نص المادة 253 / 3 إجراءات التي تحيز لها ذلك، لأن هذا الحق لا تجوز ممارسته إلا أمام محكمة أول درجة حتى لا يحرم المسئول عن الحقوق المدنية من التقاضي على درجتين، ولا يجوز القياس على الاستثناء المسموح به للمسئول عن الحقوق المدنية في المادة 254 إجراءات، فالاستثناء لا يقاس عليه. وما يسري على المسئول عن الحقوق المدنية يسري على الضامن تطبيقاً للمادة 258 مكرراً إجراءات التي نصت على أن تسري على المؤمن لديه جميع الأحكام الخاصة بالمسئول عن الحقوق المدنية المنصوص عليها في هذا القانون . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الثاني الصفحة : 93)
الأحكام التي يشترط فيها إجماع الأراء :
الأحكام الصادرة من محكمة الجنح المستأنفة بتشديد العقوبة المحكوم بها، أو بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة (المادة 417 إجراءات)، وعلة ذلك - كما - أفصحت المذكرة الإيضاحية للقانون - هي أن ترجيح رأي قاضي محكمة أول درجة في حالة عدم توافر الإجماع مرجعه إلى أنه إذا كان أحد قضاة المحكمة الاستئنافية يؤيد حكم القاضي الجزئي فإنه يكون هناك رأيان بعدد متساوي من الأصوات، فيرجح الجانب الذي فيه القاضي الجزئي، لأنه هو الذي أجرى التحقيق في الدعوى وسمع الشهود بنفسه .
واشتراط إجماع الآراء قاصر على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة والعقوبة، أما النظر في استواء حكم القانون فلا يصح أن يرد عليه خلاف، والمصير إلى تطبيقه على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع. فكما قالت محكمة النقض، لا يتصور أن يكون الإجماع إلا لتمكين القانون وإجراء أحكامه لا لأن يكون ذريعة إلى تجاوز حدده أو إغفال حكم من أحكامه .
وقد جرى قضاء محكمة النقض على أن شرط الإجماع يسري أيضاً على استئناف المدعي بالحقوق المدنية للحكم الصادر برفض دعواه المدنية بناء على على تبرئة المتهم، سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه . على أنها قضت أن هذا الشرط لا ينسحب إذا تعلق الأمر بزيادة مبلغ التعويض المقضي به ابتداءً بعد أن تحققت نسبة الواقعة الجنائية إلى المتهم، وذلك استناداً إلى أن علة اشتراط إجماع الآراء ترتبط بحالة تسوئ مركز المتهم في خصوص الواقعة الجنائية وحدها أو عندما يتصل التعويض المدني المطالب به في الدعوى المدنية التبعية بثبوت تلك الواقعة الجنائية، دون حالة تسوئ مركز المتهم في خصوص مبلغ التعويض بعد تحققت نسبة الواقعة الجنائية إليه . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 1381 )
إن إستئناف الحكم الصادر من المحكمة الجزئية يطرح الدعوى من جديد أمام محكمة الدرجة الثانية، وكان مقتضى هذا أنه يحق لها أن تعدل الحكم أو تلغيه سواء لمصلحة المستأنف أو ضد مصلحته، إلا أنه لما كان للخصم المستأنف أن يرتضى الحكم المستأنف - وهو في الواقع لم يستأنفه - إلا ليحصل على فائدة له أو أوجب الأمر أن لا يضار باستئنافه. وهذه هي القاعدة التي تقيد محكمة الدرجة الثانية عند نظر الموضوع، غير أنه إذا كان الخصم المستأنف هو النيابة العامة فلأنها تمثل المجتمع وتنشد الحقيقة يجوز أن يصدر الحكم بغير ما تطلبه، وفقاً للتفصيل الآتي :
(أ) إستئناف النيابة :
نصت المادة محل التعليق في فقرتها الأولى : « إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة للمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته ».
فطرح الدعوى الجنائية أمام محكمة الدرجة الثانية بناء على إستئناف النيابة العامة يمنح هذه المحكمة الحرية الكاملة فيما تقضي به وفقاً لتقديرها وما تراه من واقع أوراقها والأدلة القائمة فيها، ولو بعكس طلبات النيابة العامة بما قد يستفيد معه المتهم فتحكم ببراءته مثلاً ولو لم يقرر بالاستئناف، أو بما يضره فتحكم بالتشديد رغم طلب النيابة العامة تأييد الحكم المستأنف، ومرجع هذه القاعدة أن النيابة العامة تمثل المجتمع الذي يهمه إظهار براءة البريء قدر ما يهمه إدانة المجرم. ولكن إن اقتصر استئناف النيابة العامة على بعض المتهمين فلا يستفيد متهم آخر لم يستأنف الحكم الصادر ضده ولم تستأنفه النيابة العامة .
ولقد نصت المادة محل التعليق في فقرتها الثانية على أنه «لا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة». فإستئناف النيابة الحكم الصادر بالإدانة ابتغاء التشديد أو إستئنافها الحكم الصادر بالبراءة إبتغاء توقيع العقوبة لا يجوز تعديل أولهما أو إلغاء الآخر إلا بإجماع آراء قضاة محكمة الدرجة الثانية. والحكمة في هذا هي وجوب أن يكون لرأي قاضي محكمة أول درجة اعتباره لأنه إذا كان هناك مجال للترجيح فمن الأوفق أن يرجع الجانب الذي فيه القاضي الذي سمع الدعوى بنفسه وناقشها كاملة أمام محكمة الدرجة الأولى .
وقد يصدر الحكم الجزئي بالإدانة في غيبة المتهم ويعارض المحكوم عليه فيه فتعدله محكمة الدرجة الأولى لصالحه. فإن استأنفت النيابة العامة هذا الحكم الأخير يثور البحث لتعرف حدود المحكمة عند تعديل الحكم القاضي بالعقوبة، هل يجوز لها رفعه إلى أكثر من الحد الذي قضى به الحكم الغيابي استناداً إلى أن النيابة العامة هي التي إستأنفت؟ لما كانت القاعدة هي أن المعارض لا يضار بمعارضته وقد كان بمقدوره أن يرتضي الحكم الصادر في غيبته والذي لم تستأنفه النيابة العامة. فطعنه الذي إبتغى به فائدة له ينبغي إذن أن لا يلحق به ضرراً، ومن ثم إن عدلت محكمة الدرجة الثانية الحكم المستأنف فلا يجوز لها أن ترتفع بالعقوبة عن الحد الذي صدر به الحكم الغيابي. أما إذا كانت النيابة العامة في الصورة السابقة قد سبق لها أن إستأنفت الحكم الغيابي فإنه يترتب على تعديل الحكم الغيابي سقوط إستئنافها، وإن إستأنفت الحكم الصادر في المعارضة جاز للمحكمة أن ترتفع بالعقوبة عن ما جاء بالحكم الصادر في غيبة المتهم. لأن النيابة العامة لم يرضها ذلك الحكم وكانت قد حفظت حقها بالطعن فيه .
(ب) إستئناف باقي الخصوم :
نصت المادة محل التعليق في فقرتها الثالثة على أنه «إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الإستئناف»، وهو تقنين للقاعدة التي تقرر أن الشخص لا يضار بفعله وقد كان بمقدوره أن يرتضي الحكم الصادر في الدعوى، فإستئناف المتهم وحده لا يجيز تشديد العقوبة عليه، ولا زيادة التعويض المقضي به، واستئناف المسئول عن الحقوق المدنية لا يجيز زيادة المبلغ المحكوم به ضده، استئناف المدعي بالحقوق المدنية لا يجيز أن يقلل التعويض الذي حكم له به، واستئناف جميع الخصوم الذين كانوا ممثلين أمام محكمة الدرجة الأولى يعيد النزاع جميعه أمام محكمة ثاني درجة فتقضي فيه حسبما يتراءى لها .
وقد استحدث المشرع حكماً بنهاية الفقرة الثالثة من المادة محل التعليق بموجب القانون رقم 107 لسنة 1962 أجاز بمقتضاه للمحكمة إذا قضت بسقوط الإستئناف أو بعدم قبوله أو بعدم جوازه أو برفضه من أن تحكم على رافعه بغرامة لا تجاوز خمسة جنيهات .
وواضح أن هذا الحكم جوازي للمحكمة ليترك لها تقدير ما إذا كان هناك إساءة لاستخدام هذا الحق من عدمه . ( المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الرابع ، الصفحة : 90 )
هذه المادة معدلة بالقانون رقم 107 لسنة 1962.
إذا استأنفت النيابة العامة وحدها انصرف الاستئناف إلى الدعوى الجنائية دون المدنية ويترتب على رفع هذا الاستئناف من جانبها نقل موضوع الدعوى الجنائية برمته إلى المحكمة الإستئنافية واتصال هذه المحكمة به اتصالاً يخولها النظر فيه من جميع نواحيه والحكم فيه طبقاً لما تراه في حدود القانون كأن الدعوى لم تقدم من بادئ الأمر إلا إليها، دون أن تتقيد بأي قيد تضعه النيابة العامة في تقرير الاستئناف سواء وقت الإدلاء به في قلم الكتاب أو بعد هذا الإدلاء كقاعدة عامة. فلها أن تؤيد الحكم الابتدائي أو تلغيه أو أن تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته. وعلى هذا الأساس فإن استئناف النيابة كما يمكن أن يضر المتهم يمكن، كذلك أن يفيده لكن لا يفيد المدعي بالحق المدني قط لأن أثره قاصراً على الدعوى الجنائية دون المدنية .
وتطبيقاً لذاك إذا استأنفت النيابة العامة وحدها فلا يجوز للمحكمة الإستئنافية أن تحكم للمدعي بتعويض على المتهم أو برفض التعويض المحكوم به ابتدائياً لكن يجوز للمحكمة أن تشدد العقوبة على المتهم أو أن تلغي إيقاف تنفيذ العقوبة المحكوم بها ابتدائياً ولو كانت النيابة العامة لم تطلب من المحكمة إلا إشهار الحكم. ومن هنا قررت المادة ( 1/417) إجراءات جنائية أنه إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فللمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته وإنما تتقيد المحكمة بما ورد في تقرير الاستئناف في صورتين صورة ما إذا تعدد التهم المحكوم فيها وقصر الاستئناف على الحكم الصادر في بعضها دون البعض الآخر. وصورة ما إذا تعدد المتهمون وقصر الاستئناف على بعضهم دون البعض ووجه التقيد هو أن الاستئناف لا ينقل للمحكمة الإستئنافية سوى الموضوع المستأنف حكمه ولا يبيح لها التعرض لغير المستأنف عليه من المتهمين .
غير أنه إذا رأت المحكمة تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة فيجب أن يصدر الحكم بإجماع آراء القضاة ويقال تعليلاً لهذه القاعدة أن الحكم إذا استؤنف فإن الدعوى تكون قد عرضت على أربعة قضاة هم القاضي الجزئي الذي نظرها أولاً - ثم القضاة الثلاثة أعضاء المحكمة الإستئنافية ولو اكتفي المشرع بالأغلبية العادية عند الحكم بتشديد العقوبة أو بإلغاء حكم البراءة لكان معنى ذلك أن أحد قضاة المحكمة الإستئنافية وأن انضم في الرأي إلى قاضي محكمة أول درجة فأصبح هناك قاضيان في جانب المتهم وقاضيان ضده وإذا تعادلت الكفتان وجب ترجيح رأي الفريق الأول لأنه في صالح المتهم من جهته ولأنه من جهة أخرى يضم قاضياً حقوق الدعوى بنفسه ولم يكتف في حكمه بمجرد الإطلاع على الأوراق .
غير أن محكمة النقض تضع قيداً على شرط الإجماع فهي لا توجبه إلا إذا كان الخلاف منصباً على تقدير الوقائع أما حيث يكون منصباً على تفسير القانون أو على تأويله أو تطبيقه فإن الإجماع يكون غير لازم. ويصح عندئذ إلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة بالأغلبية العادية. وقد أوضحت محكمة النقض رأيها وبينت سندها فيه بقولها "إن مراد الشارع من النص على وجوب إجماع آراء قضاة المحكمة الإستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على إلغاء حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة في تقدير الوقائع والأدلة وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كامنة في تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه لعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة. وكل ذلك في حدود القانون إيثاراً من الشارع لمصلحة المتهم يشهد لذلك أن حكم القاعدة مقصور عليه الطعن بالاستئناف. دون الطعن بالنقض الذي يقصد منه العصمة من مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه وأن المذكرة الإيضاحية قد أفصحت في بيانها لعلة التشريع عن أن ترجیح رأي قاضي محكمة أول درجة في حالة عدم توافر الإجتماع مرجعه إلى أنه هو الذي أجرى التحقيق في الدعوى، وسمع الشهود بنفسه، وهو ما يوحي بأن اشتراط إجماع القضاة مقصور على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة وتقدر العقوبة أما النظر في استواء حكم القانون فلا يصح أن يرد عليه خلاف والمصير في تطبيقه على الوجه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع بل لا يتصور أن يكون الإجماع إلا لتمكين القانون وإجراء أحكامه لا أن يكون ذريعة إلى تجاوز حدود القانون أو إغفال حكم من أحكامه .
( نقض جلسة 1 / 3 / 1960 - أحكام النقض س 11 ص 201 )
وعلى ذلك فالإجماع لا يلزم إذا كان الحكم المستأنف قد أعمل نصوصاً ملغاة فقضي بالبراءة أو بعقوبة غير العقوبة المقررة في النصوص النافذة ولا يلزم الإجماع كذلك إذا كانت العقوبة التي قضى بها الحكم المستأنف دون الحد الأدنى للعقوبة المقررة قانوناً، أو إذا كان الحكم المستأنف قد أوقع عقوبة واحدة عن تهم متعددة على خلاف ما يوجبه القانون الواجب التطبيق أو إذا أغفل توقيع عقوبة تكميلية وجوبية کالمصادرة أو الإزالة .
الاستئناف المرفوع من غير النيابة العامة :
إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فتلتزم المحكمة بمراعاة صالح الخصم المستأنف وذلك بعدم الإساءة إلى مركزه المكتسب من الحكم المستأنف ولذلك ليس لها إلا أن تؤيد الحكم المستأنف أو تعدله لصالح رافع الاستئناف فإذا كان المستأنف، هو المتهم فليس لها أن تشدد العقوبة المقضي بها في حكم أول درجة مع مراعاة ما سبق بيانها بالمقصود بالإساءة إلى مركز المتهم كما ليس لها أن تزيد عن مقدار التعويض المحكوم به وكذلك الحال، إذا كان المستأنف هو المسئول عن الحقوق المدنية أو المدعي المدني إذ يمتنع على المحكمة أن تصدر حكماً بما فيه إساءة لمركز الطاعن وإذا كان الإلغاء فيه إساءة لمركز الطاعن فلا يجوز للمحكمة الإستئنافية إلغاء الحكم وإنما لها أن تؤيده أو تعدله لمصلحته. ويلاحظ أن المشرع وإن لم يذكر جواز الحكم بالإلغاء إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة إلا أن نصه على التعديل لمصلحة رافع الاستئناف يتضمن أيضاً الإلغاء لمصلحته ومثال ذلك صدور الحكم الابتدائي بالإدانة فإن إستئناف المتهم يخول المحكمة إلغاء الحكم الابتدائي والحكم ببراءة المتهم .
ويلاحظ أن الحظر الوارد على سلطة المحكمة في التشديد ينصب فقط على المنطوق بمعنى أنه لا يجوز لها الإساءة إلى مركز الخصم المستأنف الذي اكتسبه من منطوق الحكم المستأنف أما التكييف الصحيح للوقائع فللمحكمة أن تجريه حتى ولو كان وصفاً أشد طالما أنها لم تشدد العقوبة بناء عليه لذلك فإن واجب المحكمة هو إعطاء الوقائع التكييف الصحيح مادام أنها لم تقضي بعقوبة أشد من تلك المقضي بها في حكم أول درجة .
وإذا تعد الخصوم المستأنفون فإن المحكمة تملك مطلق حريتها في الحكم في حدود الدعوى التي تعدد المستأنفون بصددها فإذا استأنفت النيابة العامة والمتهم الحكم الصادر في الدعوى الجنائية فإن المحكمة لا تلتزم بمراعاة صالح المتهم فيما تحكم به وكذلك إذا استأنف المدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية والمتهم الحكم الصادر في الدعوى المدنية فتملك المحكمة أيضاً مطلق السلطة في الحكم بالتأييد أو الإلغاء أو التعديل ذلك لأن أي حكم يصدر في هذه الحالة سيكون في صالح البعض وضد صالح الآخرين. ويجوز للمحكمة إذ قضت برفض الاستئناف أن تحكم على رافعه بغرامة لا تتجاوز خمسة جنيهات ( 3/417) إجراءات .
الدكتور مأمون سلامة المرجع السابق ص 487 وما بعدها . ( المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة : 699 )
إذا كانت النيابة العامة هي الخصم المستأنف فإن الدعوى التي تطرح على المحكمة هي فقط الدعوى الجنائية، فليس للنيابة العامة صفة في الدعوى المدنية وليست خصماً فيها ، وبالتالي لا يجوز للمحكمة الاستئنافية التعرض لما فصل فيه الحكم متعلقاً بالدعوى المدنية فهذه الدعوى الأخيرة لا تطرح على المحكمة طالما أن المستأنف هي النيابة العامة وحدها. وترتيباً على ذلك لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تقضي للمتهم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به من الإدعاء المدني عليه إذا كان حكم أول درجة هو برفض طلبات المدعي المدني ، باعتبار أن في ذلك تجاوز لسلطة المحكمة .
واستئناف النيابة العامة بطرح الدعوى الجنائية فقط حتى ولو كانت الدعوى قد رفعت أمام أول درجة بطريق الإدعاء المباشر . فقد رأينا أن الإدعاء المباشر يقتصر أثره فقط على رفع الدعوى الجنائية ، أما مباشرتها بعد ذلك فهي من اختصاص النيابة العامة وتصبح الدعوى المدنية تابعة للدعوى الجنائية ويباشرها المدعي المدني . وعلى ذلك إذا رفعت الدعوي بطريق الادعاء المباشر فقضت محكمة أول درجة قبول الدعويين فاستأنفت النيابة العامة الحكم ، فإن الاستئناف لا يطرح إلا ما فصل فيه حكم أول درجة بعدم قبول الدعوى الجنائية . ويترتب على ذلك أن الحكم في الاستئناف بإلغاء حكم أول درجة وإعادة القضية إلى المحكمة للفصل في الموضوع ، لا ينصرف هذا الحكم إلا إلى الدعوى الجنائية فقط ، وتلتزم محكمة أول درجة به في الدعاوي الجنائية وحدها، ومن ثم لا يجوز الإدعاء المدني من جديد أمامها، وإذا قضى بقبول استئناف النيابة العامة بالنسبة للمتهمين واستئناف أحد المتهمين وإلغاء الحكم بالنسبة للمتهم المستأنف فلا يجوز الحكم بعدم قبول الاستئناف المرفوع من متهم أخر وعدم التعرض للموضوع بالنسبة له ذلك أن استئناف النيابة بالنسبة للمتهمين جمعيهم يعتبر كافياً للتعرض للموضوع بالنسبة لجميع المتهمين سواء من استأنف منهم استئنافاً مقبولاً ومن لم يقبل منه استئنافه .
واستئناف النيابة العامة للحكم الصادر في الدعوى الجنائية من شأنه أن يطرح الدعوى بأكملها أمام المحكمة الاستئنافية في حدود ما قررت به النيابة بالاستئناف، كما سبق وأن ذكرنا . غير أنه متى طرحت الدعوى أمام المحكمة فإنها تكون غير مقيدة بالأسباب التي ساقتها النيابة العامة كأساس للطعن، وتفصل المحكمة في الطعن غير مقيدة بطلبات النيابة باعتبارها الخصم المستأنف فيمكن للمحكمة أن تقضي بعكس ما طلبته النيابة .
فالحظر الوارد على سلطة المحكمة بما لا يضر بمركز المستأنف من الحكم المطعون فيه قاصر فقط على الخصوم الأخرين خلاف النيابة العامة . إذ أن هذه الأخيرة ليس لها صالح خاص حتى تراعيه المحكمة الاستئنافية .
ويترتب على كون استئناف النيابة يطرح الدعوى برمتها على المحكمة الاستئنافية وأن هذه الأخيرة غير مقيدة بطلباتها ولا بصالح معین خلاف الصالح العام ، إذ أنه يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تقضي بوقف تنفيذ العقوبة حتى ولو كان استئناف النيابة للتشديد ، كما يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تشدد العقوبة المحكوم بها في حكم أول درجة حتى ولو كانت النيابة العامة لم تطلب ذلك في تقرير الاستئناف أي في الجلسة وإنما كان استئنافها لخطأ وقع فيه للحكم أول درجة بإغفال النص على عقوبة تكميلية يقضي بها القانون إلى جانب العقوبة الأصلية .
استئناف المتهم :
إذا كان الخصم المستأنف هو المتهم فإن المحكمة الاستئنافية فضلاً عن تقيدها بما ورد بتقرير الاستئناف من حيث انصرافه إلى ما قضى به الحكم في الدعوى الجنائية فقط أو الدعوى المدنية فقط أو الدعويين معاً ، فإنها تتقيد بصفة المستأنف من حيث سلطتها في الفصل في الاستئناف . فهذه السلطة تجد حدوداً لها في قاعدة عدم جواز أن يضار طاعن بطعنه . وقد نص المشرع على هذه القاعدة بالنسبة للاستئناف في المادة 417 إجراءات . غير أن تطبيق هذه القاعدة مشروط بأن يكون الخصم المستأنف هو المتهم وحده أما إذا تعدد الاستئناف من الخصوم فإن سلطة المحكمة الإستئنافية تعود إلى إطلاقها في الحكم بما تراه، ومع ذلك فلا يجوز أن يضار المتهم بطعنه حتى ولو طعن بالاستئناف من الخصوم الأخرين وتلتزم المحكمة بعدم الإساءة إلى مركز المتهم المكتسب من الحكم المطعون فيه في الحالتين الآتيتين :
الحالة الأولى :
إذا كان الحكم المستأنف هو الحكم الصادر في المعارضة فاصلاً في الموضوع واستأنفته النيابة العامة فهنا تطبيقاً لقاعدة لا يضار معارض من معارضته لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تشدد العقوبة إلى ما يجاوز العقوبة المحكوم بها في الحكم الغيابي الذي ارتضته النيابة العامة بعدم استئنافها .
الحالة الثانية :
هي حالة الاستئناف الفرعي إذا كان الاستئناف الأصلي مرفوعاً من المتهم، ذلك أن الاستئناف الفرعي مفاده أن الخصم ارتضى الحكم الابتدائي ولم يطعن بالاستئناف الفرعي إلا خوفاً من تعديل الحكم من المحكمة الاستئنافية بما يسيء إلى مركزه المكتسب من الحكم الابتدائي أو إلغائه بمعرفتها ، ولذلك فلا يجوز في هذه الحالة أن تشدد المحكمة العقوبة أو ترفع مبلغ التعويض المحكوم به ، نظراً لأن استئناف المتهم هو الذي أدى إلى الاستئناف الفرعي من الخصوم الأخرين . ولذلك فتطبيقاً لقاعدة لا يضار خصم من استئنافه لا يجوز التشديد أياً كانت صورته .
وجدير بالذكر أن التزام المحكمة بصفة الخصم المستأنف إذا كان هو المتهم وحده وعدم جواز الإساءة إلى مركزه المكتسب من الحكم المطعون فيه قد يؤدي إلى الحكم بما يخالف القانون في الفروض التي يكون فيها التطبيق السليم للقانون فيه إساءة للمتهم ويتحقق هذا حينما تخطئ محكمة أول درجة في حكمها وتقضي بعقوبة أخف من العقوبة التي ينص عليها القانون للجريمة بأن تنزل عن الحد الأدنى المقرر للجريمة دون سند قانوني أو تغفل النص على عقوبة تكميلية وجوبية ويستأنف المتهم وحده الحكم فهنا تلتزم المحكمة بعدم الإساءة إليه تطبيقاً للقاعدة السابقة ، وعليها أما أن تؤيد الحكم أو تعدل لصالح المتهم ولا تملك إلغاؤه (م417) .
وقاعدة عدم جواز أن يضار طاعن بطعنه لا تقف بالنسبة للمتهم عند حد الدعوى الجنائية وإنما أيضاً بالنسبة لما قضى به الحكم في الدعوى المدنية . فلا يجوز زيادة مبلغ التعويض المحكوم به أو الحكم بالرد إلى جانب التعويض إذا كان حكم أول درجة قضى فقط بالتعويض ولو يستأنفه سوی المتهم أو استأنف المدعي المدني فرعياً وليس أصلياً .
استئناف المدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية :
إن استئناف المدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية لا ينصرف إلا إلى الدعوى المدنية وحدها، فهو لا يطرح الدعوى الجنائية أمام المحكمة الاستئنافية . وأن كان هذا لا يمنع المحكمة من التعرض لوقائع الدعوى الجنائية لا للفصل فيها وإنما لإمكان الحكم في الدعوى المدنية وتلتزم المحكمة هنا أيضاً بمراعاة لا يضار طاعن بطعنه . إذا كان الطاعن هو المدعي وحده فلا يجوز للمحكمة أن تخفض مبلغ التعويض المحكوم به أو تحكم بإلغاء الحكم الابتدائي فيما قضى به من ثبوت حق الطاعن في التعويض. والحال كذلك بالنسبة للمسئول عن الحقوق المدنية . أما إذا تعدد الخصوم الطاعنون بالاستئناف فسنرى أن المحكمة لا تكون مقيدة بمراعاة عدم الإضرار بمراكز الطاعنين وإنما تحكم بما تراه في حدود الاستئناف به المرفوع من الخصوم .
ويلاحظ أن استئناف المدعي المدني للحكم الصادر في موضوع الدعوی المدنية لا يطرح على المحكمة الاستئنافية سوى هذه الدعوى دون الدعوى الجنائية حتى ولو كان رفع هذه الأخيرة قد تم بناء على الإدعاء المباشر . ومع ذلك فسوف نرى أن استئناف الحكم الصادر بعدم قبول الدعوى المباشرة له تأثير على الدعوى الجنائية .
إذا كان الخصم المستأنف هو النيابة العامة فالقاعدة أن المحكمة الاستئنافية لا تراعي سوى المصلحة العامة دون مراعاة لصالح خصم بعينه. ذلك أن النيابة العامة ليس لها مصالح خاص حتى تراعية المحكمة وإنما تهدف دائماً في كل تصرفاتها إلى الصالح العام. ولذلك فإن المحكمة لها. أن تؤيد تحكم المستأنف أو تلغيه أو تعدله سواء أكان ذلك في صالح المتهم أو ضد مصلحته (م 417 / 1 ). فإذا كان استئناف النيابة العامة هو التشديد فللمحكمة الاستئنافية أن تلغي الحكم المستأنف وتقضي بالبراءة. فالمحكمة غير ملزمة بإجابة النيابة العامة إلى طلباتها كما أنها غير مقيدة بأسباب استئنافها .
إلا أن المشرع استلزم لتشديد العقوبة المحكوم بها أو إلغاء حكم البراءة بإجماع الأراء ( م 417 / 2 ).
ومع ذلك فبالنسبة لاستئناف النيابة للحكم الصادر في المعارضة لايجوز للمحكمة الاستئنافية أن تشدد العقوبة عن الحد الذي قضى به الحكم الغيابي اللهم إلا إذا كانت النيابة قد أستأنفته هو الأخر. وكذلك الحال بالنسبة للاستئناف الفرعي من النيابة. إذ في هاتين الحالتين لا يجوز التشديد عما قضى به حكم أول درجة تطبيقاً لقاعدة لا يضار المتهم بطعنه .
الاستئناف المرفوع من غير النيابة العامة :
إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فتلتزم المحكمة بمراعاة صالح الخصم المستأنف وذلك بعدم الإساءة إلى مركزه المكتسب من الحكم المستأنف . ولذلك ليس لها إلا أن تؤيد الحكم المستأنف أو تعدله لصالح رافع الاستئناف . فإذا كان المستأنف هو المتهم فليس لها أن تشدد العقوبة المقضي بها في حكم أول درجة، مع مراعاة ما سبق بيانه بالمقصود بالإساءة إلى مركز المتهم. كما ليس لها أن تزيد من مقدار التعويض المحكوم به. وكذلك الحال إذا كان المستأنف هو المسئول عن الحقوق المدنية أو المدعي المدني. إذ تمتنع على المحكمة أن تصدر حكمها بما فيه إساءة لمركز الطاعن. وإذا كان الإلغاء فيه إساءة لمركز الطاعن فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية إلغاء الحكم وإنما لها أن تؤيده أو تعدله لمصلحته. ويلاحظ أن المشرع وأن لم يذكر جواز الحكم بالإلغاء إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة إلا أن نصه على التعديل لمصلحة رافع الاستئناف يتضمن أيضاً الإلغاء لمصلحته. ومثال ذلك صدور الحكم الابتدائي بالإدانة فإن استئناف المتهم يخول المحكمة إلغاء الحكم الابتدائي والحكم ببراءة المتهم .
ويلاحظ أن الحظر الوارد على سلطة المحكمة في التشديد ينصب فقط على المنطوق بمعنى أنه لا يجوز لها الإساءة إلى مركز الخصم المستأنف الذي اكتسبه من منطوق الحكم المستأنف، أما التكييف الصحيح للوقائع فللمحكمة أن تجربه حتى ولو كان وصفاً أشد طالما أنها لم تشدد العقوبة بناءً عليه، لذلك فإن واجب المحكمة هو إعطاء الوقائع التكييف الصحيح مادام أنها لم تقضي بعقوبة أشد من تلك المقضي بها في حكم أول درجة .
وتطبيقاً لذلك لا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تحكم بعدم الاختصاص لكون الواقعة جناية إذا كان المستأنف في الدعوى الجنائية هو المتهم وحده ، كما لا يجوز لها أن تحكم بإلغاء الحكم المستأنف لخطئه في تطبيق نصوص القانون بعقوبة أقل من الحد الأدنى المقرر للجريمة وتقضي بعقوبة أشد من المحكوم بها .
أما إذا تعدد الخصوم المستأنفون فإن المحكمة تملك مطلق حريتها في الحكم في حدود الدعوى التي تعدد المستأنفون بصددها، فإذا استأنفت النيابة العامة والمتهم الحكم الصادر في الدعوى الجنائية فإن المحكمة لا تلتزم بمراعاة صالح المتهم فيما تحكم به، وكذلك إذا استأنف المدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية والمتهم الحكم الصادر في الدعوى المدنية فتملك المحكمة أيضاً مطلق السلطة في الحكم بالتأييد أو الإلغاء أو التعديل، ذلك لأن أي حكم يصدر في هذه الحالة سيكون في صالح البعض وضد صالح الأخرين .
ويجوز للمحكمة إذا قضت برفض الاستئناف أن تحكم على رافعه بغرامة لا تتجاوز خمسة جنيهات (م 417 / 3 ) . ( الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثالث، الصفحة : 1660 )
نصت على حالات الحكم في الموضوع المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 419 في فقرتها الأولى . فالمادة 417 نصت على أنه إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة للمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته . ولا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة . أما إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف " . ونصت المادة 419 (في فقرتها الأولى) على أنه " إذا حكمت محكمة أول درجة في الموضوع ورأت المحكمة الاستئنافية أن هناك بطلاناً فی الإجراءات أو في الحكم، تصحح البطلان وتحكم في الدعوى:. والجامع بين الحالات التي تنظر فيها المحكمة الاستئنافية في موضوع الدعوى وتفصل فيه هو أن تكون محكمة الدرجة الأولى قد نظرت الموضوع وفصلت فيه، ومن ثم تكون الدعوى بذلك قد نظرت على درجتين. وحين تصدر المحكمة الاستئنافية حكمها في موضوع الدعوى فإنها تتقيد بعدم الإضرار بمصلحة المستأنف، فلا يجوز لها أن تعدل الحكم المستأنف تعديلاً فيه إساءة إلى مركز المستأنف. وإذا كانت النيابة العامة هي التي استأنفت الحكم كانت للمحكمة الاستئنافية سلطة شاملة على الدعوى الجنائية، وكان لها بناء على ذلك تعديل الحكم المستأنف - فى شقة الجنائي - على الوجه الذي يطابق القانون، ولكنها تتقيد بألا تشدد العقوبة المحكوم بها أو تلغي الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء أعضائها .
أحكام عدم جواز تشديد العقوبة أو إلغاء البراءة إلا بالإجماع :
نصت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الثانية على أنه : " لا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة ". ويتعين أن ينص كل - من الحكم الاستئنافي الغيابي والحكم الصادر في المعارضة على صدوره بالإجماع ، أي أن النص على ذلك في أحدهما دون الآخر غير كاف .
كما يشترط الإجماع إذا ألغى الحكم الاستئنافي الحكم الابتدائي الذي قضى بالبراءة ورفض الدعوى المدنية لعدم ثبوت الواقعة . فإذا قضى الحكم الابتدائي برفض الدعوى المدنية وبراءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة ، فإنه لا يجوز للمحكمة الاستئنافية إلغاء هذا الحكم إلا بإجماع آراء قضاتها ، وذلك لارتباط الحكم بالتعويض بثبوت الواقعة ، وتبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية .
ويقتصر اشتراط الإجماع على حالة ما إذا كان إلغاء المحكمة الاستئنافية لحكم محكمة أول درجة راجعاً إلى اختلاف المحكمتين في تقدير الوقائع أو الأدلة، أما إذا اختلفنا في تفسير القانون أو تطبيقه فلا يشترط الإجماع لإلغاء البراءة أو تشديد العقوبة ولذلك قضت محكمة النقض بأن مراد الشارع من النص على وجوب إجماع آراء قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور علی حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة في تقدير الوقائع والأدلة ، وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كامنة في تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة ، أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة ، وكل ذلك في حدود القانون إثارة من الشارع لمصلحة المتهم، يشهد لذلك أن جكم القاعدة مقصور على الطعن بالاستئناف دون الطعن بالنقض الذي يقصد منه العصمة من مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه ، وأن المذكرة الإيضاحية قد أفصحت في بيانها لعلة التشريع عن أن ترجيح رأي قاضی محكمة أول درجة في حالة عدم توافر الإجماع مرجعه إلى أنه هو الذي أجرى التحقيق في الدعوى وسمع الشهود بنفسه، وهو ما يوحي بأن اشتراط إجماع القضاة مقصور على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة ، أما النظر في استواء حكم القانون فلا يصح أن يرد عليه خلاف ، والمصير على تطبيقه على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع ، بل لا يتصور أن يكون الإجماع إلا لتمكين القانون وإجراء أحكامه ، لا أن يكون ذريعة إلى تجاوز حدوده .
أحكام عدم جواز تشديد العقوبة التى قضى بها الحكم الغيابى الذى لم تستأنفه النيابة العامة :
إذا صدر حكم غيابي فلم تستأنفه النيابة العامة وعارض فيه المتهم فأيدته المحكمة ، فإن النيابة لا يكون لها استئناف الحكم الصادر في المعارضة، ذلك أنه اندمج في الحكم الغيابي الذي فوتت النيابة حقها في استئنافه، " ولأنه لم يسلبها شيئاً مما حصلت عليه بالحكم الغيابي وقنعت به .
أما إذا عدل الحكم الغيابي بناء على معارضة المتهم ، فإن ذلك یعني زوال الحكم الغيابي وحلول الحكم في المعارضة محله ، فيكون للنيابة العامة أن تستأنف هذا الحكم ولكن المحكمة الاستئنافية تتقيد بألا تتجاوز فيما تقضي به العقوبة التي قضى بها الحكم الغيابي الذي لم تستأنفه النيابة العامة .
وأقصى ما تستطيعه المحكمة الاستئنافية هو أن تقضي بالعقوبة التي كان محكوم بها غيابياً ، وهي أشد من العقوبة التي حكم بها في المعارضة . ومن باب أولى، فليس للمحكمة الاستئنافية في هذه الحالة أن تقضي بعدم الاختصاص لأن الواقعة جناية .
قاعدة عدم جواز أن يضار المستأنف باستئنافه :
نصت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية في ( فقرتها الثالثة ) على أنه : " إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف " . وتطبيق لذلك ، فإنه إذا استأنف المتهم لم يكن للمحكمة أن تشدد عقوبته، وإذا استأنف المدعي المدني لم يكن للمحكمة أن تلغي التعويض الذي قرره له الحكم الابتدائي أو تنقص مبلغه ، وإذا استأنف المسئول المدني لم يكن للمحكمة أن تزيد مبلغ التعويض الذى ألزمه به الحكم الابتدائي، أما إذا استأنفت النيابة العامة الحكم ، فإن المحكمة الاستئنافية يكون لها أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته " (المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية ، الفقرة الأولى) ، أي يكون لها أن تعدل الحكم على أي وجه تراه : فلها أن تؤيد الحكم، ولها أن تشدد عقوبة المتهم ، ولها أن تخفف عقوبته ، ولها أن تبرئه .
وتجدر الإشارة إلى وجود العديد من الأحكام القضائية بصدد تطبيق المادة 417 إجراءات جنائية وكلها تدور حول المعنى المشار إليه سابقاً .
ولقد نصت المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية على أن : " إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة للمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته .
ولا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة .
أما إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف، ويجوز لها إذا قضت بسقوط الاستئناف أو بعدم قبوله أو بعدم جوازه وبرفضه أن تحكم على رافعه بغرامة لا تجاوز خمسة جنيهات ". ( الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الرابع، الصفحة : 57 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والأربعون ، الصفحة / 152
نَقْضُ الْقَضَاءِ :
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِنَقْضِ الْقَضَاءِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا خَالَفَ فِي حُكْمِهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا كَانَ قَضَاؤُهُ فَاقِدًا لِشَرْطٍ وَوَجَبَ نَقْضُهُ، إِذْ أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالاِجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ رضي الله عنه : «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو» وَلأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، إِذْ لاَ مَسَاغَ لِلاِجْتِهَادِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَزَادَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ زِيَادَاتٍ أُخْرَى كَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي حُكْمِ مَا يُنْقَضُ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ شَيْئًا لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَإِلَى أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمٌ أَصْلاً، غَيْرَ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ سُنَّةٍ آحَادٍ أَوْ خَالَفَ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بِخِلاَفِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ.
مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَ النَّقْضَ فِي نِطَاقِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ لِلنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَمَنَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْقَاضِي لاَ تَخْلُو عَنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
قِسْمٌ يُنْقَضُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ يُمْضَى بِكُلِّ حَالٍ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِوَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الْقِسْمُ الأَْوَّلُ: مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ إِذَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِْجْمَاعَ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ: مَا يَشِذُّ مَدْرَكُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، أَوْ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَقَيَّدَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوِ الْقِيَاسَ أَوِ النَّصَّ - فَالْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَلاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيَجِبُ نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلأَْخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلاَفُ الإِْجْمَاعِ، لأََنَّ الأُْمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الأَْخَ، وَأَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأُْمَّةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّحْقِيقِ - نُقِضَ بِهِ حُكْمُهُ وَحُكْمُ غَيْرِهِ؛لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادٍ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمْلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَكَانَ لاَ يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَوَرَّثَهَا عُمَرُ».
وَقَضَى فِي الأَْصَابِعِ بِقَضَاءٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِلِ»وَنَقَضَ عَلِيٌّ رضي الله عنه قَضَاءَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لأُِمٍّ - بِأَنَّ الْمَالَ لِلأَْخِمُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ هَذِهِ الآْيَةِ. فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَتْ إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَصْلُ الإِْجْمَاعِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ خَالَفَ قَطْعِيًّا كَنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ ظَنًّا مُحْكَمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَيَلْزَمُهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ، فَلْيَحْكُمْ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِ الْحَادِثَةِ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا، وَلاَ يَنْقُضُ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً، بَلْ يُمْضِيهِ، ثُمَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتَتَبَّعُ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، وَلَهُ تَتَبُّعُ قَضَاءِ نَفْسِهِ لِيَنْقُضَهُ.
وَقَالَ: مَا يَنْقُضُ مِنَ الأَْحْكَامِ لَوْ كُتِبَ بِهِ إِلَيْهِ لاَ يَخْفَى أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ. وَأَمَّا مَا لاَ يَنْقُضُ وَيَرَى غَيْرَهُ أَصْوَبَ مِنْهُ فَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلاَ يُنَفِّذُهُ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ خَطَأً، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لاَ أُحِبُّ تَنْفِيذَهُ. وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِتَجْوِيزِ تَنْفِيذِهِ.
وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ (الشَّافِعِيُّ) بِنَقْلِ الْخِلاَفِ فَقَالَ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ قَبْلَهُ فَلَمْ يَرَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي النَّقْضَ، لَكِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْرِضُ عَنْهُ، وَأَصَحُّهُمَا: يُنْفِذُهُ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ تَغَيُّرًا لاَ يَقْتَضِي النَّقْضَ، وَتَرَافَعَ الْخُصُومُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمْضِي حُكْمَهُ الأَْوَّلَ وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ مِنْهُ.
وَيَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ مُخَالَفَةُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) فَإِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَزَوُّجِ امْرَأَةِ الأَْبِ وَجَارِيَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا الأَْبُ، فَلَوْ حَكَمَ قَاضٍ بِجَوَازِ ذَلِكَ نَقَضَهُ مَنْ رُفِعَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لِلزَّوْجِ الأَْوَّلِ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ بِدُونِ إِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْ جُلُّ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ، وَمُخَالَفَةُ
الْبَعْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ خِلاَفٌ لاَ اخْتِلاَفٌ، وَقَالُوا: يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ حُكْمًا لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ :
لاَ يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ كُلُّ حُكْمٍ وَافَقَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، فَإِذَا أَصَابَ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ كَمَا إِذَا حَكَمَ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ نَافِذًا، لاَ يُتَعَقَّبُ بِفَسْخٍ وَلاَ نَقْضٍ، لأَِنَّ هَذَا الْقَضَاءَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ فَنَفَذَ، وَلَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَجُوزُ إِبْطَالُهُ، وَالأَْصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم كَانَ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ مَا قَضَى، فَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ»وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه «أَنَّهُ حَكَمَ بِحِرْمَانِ الإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ مِنَ التَّرِكَةِ فِي الْمُشْرِكَةِ، ثُمَّ شَرَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُضْ قَضَاءَهُ الأَْوَّلَ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي»، وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يَرُدَّ الأُْولَى، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلاً، لأَِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّالِثُ يُخَالِفُ الثَّانِيَ، فَلاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لَوْ قَضَى عَلَى خِلاَفِ قِيَاسٍ خَفِيٍّ - وَهُوَ مَا لاَ يُزِيلُ احْتِمَالَ الْمُفَارَقَةِ وَلاَ يَبْعُدُ كَقِيَاسِ الأُْرْزِ عَلَى الْبُرِّ فِي بَابِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الطَّعَامِ - فَلاَ يَنْقُضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفَ لَهُ، لأَِنَّ الظُّنُونَ الْمُتَعَادِلَةَ لَوْ نَقَضَ بَعْضُهَا بَعْضًا لَمَا اسْتَمَرَّ حُكْمٌ وَلَشَقَّ الأَْمْرُ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنِ اجْتَهَدَ مِنَ الْحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ خَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَمْ يَرُدَّهُ، وَحَكَمَ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ بِالَّذِي هُوَ أَصْوَبُ.
وَيُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ.
فَالْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِينِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَانَ الْقَاضِي يَرَى سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا، فَإِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لاَ يَرَى ذَلِكَ يُمْضِيهِ وَلاَ يَنْقُضْهُ. وَكَذَا لَوْ قَضَى لاِمْرَأَةٍ بِشَهَادَةِ زَوْجِهَا وَآخَرَ أَجْنَبِيٍّ، فَرُفِعَ لِمَنْ لاَ يُجِيزُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ أَمْضَاهُ، لأَِنَّ الأَْوَّلَ قَضَى بِمُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، لأَِنَّ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ، وَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلاَءِ هَلْ تَصِيرُ حُجَّةً لِلْحُكْمِ أَوْ لاَ؟
فَالْخِلاَفُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ لاَ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ.
وَفَصَّلُوا مَسْأَلَةَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيَّ بِهِ، فَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يَنْقُضْهُ الثَّانِي بَلْ يُنْفِذُهُ لِكَوْنِهِ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، لِمَا عُلِمَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِأَيِّ الأَْقْوَالِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ قَضَاءً مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَوْ نَقَضَهُ إِنَّمَا يَنْقُضُهُ بِقَوْلِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا صَحَّ بِالاِتِّفَاقِ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مَعَ الثَّانِي دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ بَلِ اجْتِهَادِيٌّ، وَصِحَّةُ قَضَاءِ الْقَاضِي الأَْوَّلِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَهُوَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِأَيِّ وَجْهٍ اتَّضَحَ لَهُ، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ مَا مَضَى بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُوجِبُ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْقَضَاءِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الاِجْتِهَادِ وَأَنْ لاَ يَجُوزَ نَقْضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ بِرَفْعِهِ إِلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الأَْوَّلِ فَيَنْقُضُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ الْمُدَّعِي إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ يَرَى خِلاَفَ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَنْقُضُ نَقْضَهُ، وَيَقْضِي كَمَا قَضَى الأَْوَّلُ، فَيُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ تَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ وَالْمُنَازَعَةُ أَبَدًا، وَالْمُنَازَعَةُ فَسَادٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْفَسَادِ فَسَادٌ.
فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي رَدَّ الْحُكْمَ، فَرَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ ثَالِثٍ - نُفِّذَ قَضَاءُ الأَْوَّلِ وَأُبْطِلَ قَضَاءُ الْقَاضِي الثَّانِي، لأَِنَّهُ لاَ مَزِيَّةَ لأَِحَدِ الاِجْتِهَادَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَْوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلاَ يُنْتَقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ كَانَ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِهَادِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ بِالإِْجْمَاعِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ مِنَ
الثَّانِي مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ، فَيَكُونُ بَاطِلاً، وَلأَِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الاِجْتِهَادُ بِالاِجْتِهَادِ، وَالدَّعْوَى مَتَى فَصَلَتْ مَرَّةً بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لاَ تُنْتَقَضُ وَلاَ تُعَادُ، فَيَكُونُ قَضَاءُ الأَْوَّلِ صَحِيحًا، وَقَضَاءُ الثَّانِيَ بِالرَّدِّ بَاطِلاًوَشَرْطُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي حَادِثَةٍ وَدَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَإِنْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ كَانَ فَتْوَى لاَ حُكْمًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ نَفْسُهُ مُجْتَهَدًا فِيهِ، أَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّازِلَةِ مَوْضُوعِ الدَّعْوَى يَرْفَعُ الْخِلاَفَ، فَلاَ يَجُوزُ لِمُخَالِفٍ فِيهَا نَقْضُهَا، فَإِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ صِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ يَرَى ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لِقَاضٍ غَيْرِهِ وَلاَ لَهُ نَقْضُهُ، وَهَذَا فِي الْخِلاَفِ الْمُعْتَبَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِقِيَاسٍ خَفِيٍّ رَآهُ أَرْجَحَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ فَلاَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ، بَلْ يُمْضِيهِ وَيَحْكُمُ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي نَقْضِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ :
الأَْحْكَامُ الَّتِي يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بَيْنَ الْقَوْلِ بِنَقْضِهَا وَالْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهَا، وَأَهَمُّهَا:
أ- الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْحُكْمُ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ: هُوَ مَا يَقَعُ الْخِلاَفُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الْحُكْمِ، فَقِيلَ: يَنْفُذُ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ عَلَى إِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَفَيَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَ الأَْوَّلِ إِذَا مَالَ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلاَفِ اجْتِهَادِ الأَْوَّلِ، لأَِنَّ قَضَاءَهُ لَمْ يُجَزْ بِقَوْلِ الْكُلِّ، بَلْ بِقَوْلِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَلَمْ يَكُنْ جَوَازُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَكَانَ مُحْتَمِلاً لِلنَّقْضِ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي بَطَلَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ كَمَا لَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ لاِمْرَأَتِهِ، لأََنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا أَمْضَاهُ الْقَاضِي الثَّانِي فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ حَكَمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ نَقْضُهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي مَحَلٍّ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الاِجْتِهَادِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ؛ لأَِنَّهُ مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَنْفُذُ لِوُقُوعِ الاِتِّفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَخَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الاِجْتِهَادِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ لاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - أَمَّا مُحَمَّدٌ فَيَرَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ الْمُتَقَدِّمَ، فَكَانَ هَذَا الْفَصْلُ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلاَ يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الاِجْتِهَادِ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لاَ يَنْفُذُ، بَلْ يَنْقُضُهُ لأَِنَّ قَضَاءَ الأَْوَّلِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلاً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ - فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ - فَحَكَمَ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ أَنَّ الصَّوَابَ خِلاَفُهُ فَلاَ يَنْقُضُهُ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ نَقْضُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلاَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلاَ يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالُوا: يُفْسَخُ الْحُكْمُ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاضِي حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَوَافَقَ قَوْلاً شَاذًّا نَقَضَ حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاذًّا لَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ لاَ يَرَى الْبَتَّةَ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً، فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَسْتُ أَرَاهُ، لاَ يَرْجِعُ الْقَاضِي عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ وَلاَ إِلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الأَْوْلَى خَطَأً بَيِّنًا صُرَاحًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْمُسْتَنِدِ إِلَى اجْتِهَادِهِ الْمُخَالِفِ خَبَرَ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي لاَ يَحْتَمِلُ إِلاَّ تَأْوِيلاً بَعِيدًا يَنْبُو الْفَهْمُ عَنْ قَبُولِهِ - يُنْقَضُ، وَقِيلَ: لاَ يُنْقَضُ، مِثَالُهُ الْقَضَاءُ بِنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ - عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ - وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِلاَ وَلِيٍّ. وَقِيلَ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِوَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، ثُمَّ بَانَ لَهُ فَسَادُ اجْتِهَادِهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلاَّ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ دُونَ الأَْوَّلِ، وَلَوْ بَانَ لَهُ فَسَادُ الاِجْتِهَادِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِهِ حَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ إِنْ بَانَ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ خَطَأُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اجْتِهَادِهِ قَبْلَ صَلاَتِهِ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي دُونَ الأَْوَّلِ، وَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَصَلَّى، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلاَةَ الثَّانِيَةَ بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا رَفَعَ إِلَى قَاضٍ حَكَمَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لاَ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنَفِّذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ فِي الأَْصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ صَحِيحًا، لأَِنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلاَفُ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِوَقِيلَ: يَحْرُمُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي لاَ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ قَبْلَهُ.
ب- عَدَمُ عِلْمِ الْقَاضِي بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ :
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضٍ حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ، أَيْ: أُلْزِمَ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، لَوْ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَالِمًا بِاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ، وَلاَ يُمْضِيهِ الثَّانِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ فِي الْخُلاَصَةِ: وَيُفْتَى بِخِلاَفِهِ - وَكَأَنَّهُ - تَيْسِيرًا.
وَأَضَافَ ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا قَضَى الْمُجْتَهِدُ فِي حَادِثَةٍ، لَهُ فِيهَا رَأْيٌ مُقَرَّرٌ قَبْلَ قَضَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ قَضَاءَهُ هَذَا عَلَى خِلاَفِ رَأْيِهِ الْمُقَرَّرِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَحِينَئِذٍ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ رَأْيَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ قَضَائِهِ أَنَّ فِيهَا خِلاَفًا، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ بِأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي بِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلاَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ، لأَِنَّ
عِلْمَهُ بِالْخِلاَفِ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلاَ بُطْلاَنِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ.
ج- الْخَطَأُ فِي الْحُكْمِ :
يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَصَدَ الْحُكْمَ بِشَيْءٍ فَأَخْطَأَ عَمَّا قَصَدَهُ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوِ اشْتِغَالِ بَالٍ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَيَنْقُضُهُ الَّذِي أَصْدَرَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلاَ اجْتِهَادٍ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ، وَوَجْهُ النَّفَاذِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِيَقِينٍ لأَِنَّ رَأْيَهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ الصَّوَابَ، وَرَأْيُ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ خَطَأً، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَطَأً بِيَقِينٍ، فَكَانَ حَاصِلُهُ قَضَاءً فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، وَوَجْهُ عَدَمِ النَّفَاذِ أَنَّ قَضَاءَهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ عَبَثٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ. وَبِهَذَا أَخَذَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الأَْوْزَجَنْدِيُّ، وَبِالأَْوَّلِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ لأَِنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ.
د- إِذَا خَالَفَ مَا يَعْتَقِدُهُ أَوْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ :
إِذَا خَالَفَ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ مَذْهَبَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ، وَبِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُقَلِّدًا وَقَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ هُوَ حُكْمَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ، وَأَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدَهُ لَمْ يُنْقَضْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدَ مَنْ شَاءَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْقَاضِي مُتَّبِعًا لإِِمَامٍ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ أَوْ قَلَّدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أَوْ أَتْقَى مِنْهُ فَحَسَنٌ، وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ خِلاَفَ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي أُمِرَ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، فَإِنْ عَمِلَ وَحَكَمَ لاَ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ الرَّأْيَ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي قَاضِيًا لِلْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْمَذْكُورِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُقَلِّدَ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ جَدَّتْ أُخْرَى مُمَاثِلَةً فَإِنَّ حُكْمَهُ لاَ يَتَعَدَّى لِلدَّعْوَى الأُْخْرَى، فَالْمُجْتَهِدُ يَجْتَهِدُ فِي النَّازِلَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالْمُقَلِّدُ يَحْكُمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلاً مِنْ رَاجِحِ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِضِدِّهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِفَسْخِ نِكَاحِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلاَ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَجَدَّدَ مِثْلُهَا، فَنَظَرَهَا قَاضٍ يَرَى صِحَّةَ الزَّوَاجِ بِدُونِ وَلِيٍّ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ارْتَفَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ نَقْضُهُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْقَضِيَّةِ الأُْولَى هِيَ ذَاتَ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِذَا خَالَفَ الْقَاضِي مَا يَعْتَقِدُهُ: بِأَنْ حَكَمَ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لاِعْتِقَادِهِ بُطْلاَنَهُ، فَإِنِ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَقْتَ الْحُكْمِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلاَ نَصَّ وَلاَ إِجْمَاعَ لَمْ يَنْقُضْهُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ.
هـ - صُدُورُ الْحُكْمِ مِنْ قَاضٍ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ:
إِذَا وَلِيَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لِجَهْلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، مَا أَصَابَ فِيهَا وَمَا أَخْطَأَ، أَمْ يَقْتَصِرُ النَّقْضُ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي يَشُوبُهَا الْخَطَأُ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا تُنْقَضُ وَإِنْ أَصَابَ فِيهَا، لأَِنَّهَا صَدَرَتْ مِمَّنْ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، لَكِنَّ صَاحِبَ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَلاَّهُ ذُو شَوْكَةٍ بِحَيْثُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ مَعَ الْجَهْلِ، أَوْ نَحْوِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مَا أَصَابَ فِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ أَمْ لاَ يَسُوغُ، لأَِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ كَعَدَمِهِ، لأَِنَّ شَرْطَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّ الأَْوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ. وَلاَ يُنْقَضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالْحَقُّ إِذَا وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَمْ يُغَيَّرْ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ مَضَى قَطْعًا وَلَمْ يُتَعَقَّبْ حُكْمُهُ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلاَّ مَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ هَذَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ زَمَنٍ وَلاَ يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِخِلاَفِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَأَعْطَى بِذَلِكَ حُجَّةً لاَ يُنَفَّذُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَلاَ يُعْمَلُ بِالْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ»أَيْ قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ وَحَكَمَ بِخِلاَفِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَكَذَا قَاضٍ قَضَى عَلَى جَهْلٍ.
و- صُدُورُ حُكْمٍ مِنْ قَاضٍ جَائِرٍ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْحْكَامِ الَّتِي يُصْدِرُهَا الْقَاضِي إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجَوْرِ وَكَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ وَسِيرَتِهِ - عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلاً، ظَهَرَ جَوْرُهُ أَوْ خَفِيَ - هَلْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا جَانَبَ الصَّوَابَ وَمَا وَافَقَهُ، أَمْ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ الْخَاطِئَةُ دُونَ غَيْرِهَا؟
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمَا - إِلَى وُجُوبِ نَقْضِ أَحْكَامِهِ كُلِّهَا، صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ حَيْفُهُ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا ظَهَرَ الصَّوَابُ وَالْعَدْلُ فِي قَضَائِهِ، وَكَانَ بَاطِنُ أَمْرِهِ فِيهِ جَوْرٌ، وَلَكِنْ عُرِفَ مِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّ حُكْمَهُ فِيهَا صَوَابٌ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ عَرَفَ الْقَضَايَا،فَإِنَّ أَحْكَامَهُ تَمْضِي وَلاَ تُنْقَضُ، لأَِنَّهَا إِذَا نُقِضَتْ وَقَدْ مَاتَتِ الْبَيِّنَةُ وَانْقَطَعَتِ الْحُجَّةُ كَانَ ذَلِكَ إِبْطَالاً لِلْحَقِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنَّ أَقْضِيَةَ الْخُلَفَاءِ وَالأُْمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ جَائِزَةٌ مَا عُدِلَ فِيهِ مِنْهَا، وَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ جَوْرٌ أَوِ اسْتُرِيبَ، مَا لَمْ يُعْرَفِ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَاضِي غَيْرِ الْعَدْلِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّلُ : تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي : عَدَمُ نَقْضِهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، مَا لَمْ يَثْبُتِ الْجَوْرُ، وَفِي التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ ضَرَرٌ لِلنَّاسِ وَوَهَنٌ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَعْدَاءٍ يَرْمُونَهُ بِالْجَوْرِ يُرِيدُونَ الاِنْتِقَامَ مِنْهُ بِنَقْضِ أَحْكَامِهِ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ تَمْكِينِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ : رَأْيُ أَصْبَغَ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عَدَلَ فِيهِ وَلَمْ يُسْتَرَبْ فِيهِ، وَيُنْقَضْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْجَوْرُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُ مَنْ شَاعَ
جَوْرُهُ إِذَا أَثْبَتَ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاضِي تَعَمَّدَ الْجَوْرَ فِيمَا قَضَى وَأَقَرَّ بِهِ فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَيُعَزَّرُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ لاِرْتِكَابِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَيُعْزَلُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ جَوْرُهُ وَرِشْوَتُهُ رُدَّتْ قَضَايَاهُ وَشَهَادَتُهُ.
ز- الْحُكْمُ الْمَشُوبُ بِالْبُطْلاَنِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ أَوْ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ مَنْ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ : يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ - نَقْضَ الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ بَاطِلاً لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ، فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ شَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي : يَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ لَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَسِيرُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ تَظْهَرُ مِنْهُ تُهْمَةٌ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ هُوَ اعْتِرَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لاِبْنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهَا.
وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ إِذَا أَثْبَتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ عَدَاوَةٍ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الْقَاضِي، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ أَحَدِ وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ بِخِلاَفِ شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ.
ح- الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ فِيهَا خَلَلٌ :
إِذَا كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ بَيِّنَةً لاَ شِيَةَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ، وَإِنِ اعْتَوَرَ الْبَيِّنَةَ مَا يَعِيبُهَا، نُظِرَ: هَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ أَمْ لاَ؟ وَقَدْ فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ أَوْ صَغِيرَيْنِ :
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ إِذَا بُنِيَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَهَرَ كَوْنُهُمَا كَافِرَيْنِ، أَوْ صَغِيرَيْنِ فِيمَا عَدَا الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بَيْنَ الصِّغَارِ بِشُرُوطِهَا - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا .
فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا قَبْلَ الْحُكْمِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ لِفِسْقِهِمَا.
وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ لَكِنَّهُ إِذَا قَضَى بِمُوجِبِهِمَا لاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِلاَّ فِيمَا ذُكِرَ.
وَيَرَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ الْحُكْمِ بِفِسْقِ الشُّهُودِ إِلاَّ بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمَا، أَوْ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِوَيَرَى ابْنُ قُدَامَةَ وَأَبُو الْوَفَاءِ أَنَّهُ إِذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْقُضْهُ.
تَقْصِيرُ الْقَاضِي فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ :
إِذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَصَّرَ فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ وَأَتَى بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ بِمَا يَجْرَحُهُمْ كَالْفِسْقِ، فَفِي نَقْضِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ، وَبِالنَّقْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِعَدَمِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ.
الْجِهَةُ الَّتِي تَنْقُضُ الْحُكْمَ :
فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا نَقْضُ الْحُكْمِ: إِمَّا أَنْ يَنْقُضَهُ الْقَاضِي الَّذِي أَصْدَرَهُ أَوْ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُوَلَّى الْقَضَاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ سَلَفِهِ، أَوْ كَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَدَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ، أَصْدَرَهُ مَنْ تَلْحَقُهُ الشُّبْهَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ :
الأَْصْلُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ فَلَيْسَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نَقْضُ حُكْمِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ نَصُّوا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَهِمَ فِي قَضَائِهِ أَوْ نَسِيَ أَوْ قَضَى بِخِلاَفِ رَأْيِهِ - وَهُوَ لاَ يَذْكُرُ - وَلَكِنْ عَلَى مَا قَضَى بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً، فَيَنْقُضُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَقُولُ بِمُضِيِّ هَذَا الْفَصْلِ وَلاَ يُرْجَعُ فِيهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ لاَ يُعْرَفُ خَطَؤُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ كَمُخَالَفَتِهِ لِرَأْيِهِ السَّابِقِ فَلاَ يَنْقُضُهُ سِوَاهُ، مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، فَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
ب- نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ :
لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَتَبُّعُ قَضَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ لأَِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا، لَكِنْ إِنْ وَجَدَ فِيهَا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً نَقَضَهَا، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ أَوْ يَنْقُضُ الْحُكْمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ج- نَقْضُ الأَْمِيرِ وَالْفُقَهَاءِ حُكْمَ الْقَاضِي :
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ جَمْعُ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، فَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِذَا اشْتُكِيَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الأَْمِيرِ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلاً فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ فَأَرَى أَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ الأَْمِيرُ فِي ذَلِكَ وَلاَ يَقْبَلَ شَكْوَى مَنْ شَكَاهُ وَلاَ يُجْلِسَ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ إِنْ فَعَلَهُ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ إِنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلاً بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَلِّ غَيْرَهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوا هُمْ أَيْضًا، أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَفَسَخَهُ الأَْمِيرُ أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إِلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ، فَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الأَْوَّلِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الأَْئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْقَاضِي بَعْضَ مَا لاَ يَنْبَغِي مِنَ الْقُضَاةِ وَلَكِنَّ الأَْمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَى الأَْمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِلْ مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشِيرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَلَ بَعْدُ فِي الْخُصُومَةِ فَصْلاً، فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا قَالَ: قَدْ حَكَمْتُ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ عَنِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا فَتَلْزَمُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَزَلَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الأَْمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَحَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْجَمَاعَةِ فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلاَحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْ عَلَيْهِ شَكْوَى وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلاَ يَفْعَلُ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ إِلاَّ أَنْ يُشْتَكَى مِنْهُ اسْتِبْدَادٌ بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكُ رَأْيِ مَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتِ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقْدَمَهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَزَلَهُ.
قَالَ: وَلَوْ جَهِلَ الأَْمِيرُ وَكَتَبَ إِلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ كَتَبَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالأُْمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمُ بِأَفْضَلِ مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالَّذِي يَرَاهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لاَزِمًا لِمَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلاَفِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ الآْنَ عَلَى مِثْلِ مَا اشْتُكِيَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إِلَى الأَْمِيرِ فَيَكُونُ هُوَ الآْمِرَ بِالَّذِي يَرَاهُ وَالْحَاكِمَ فِيهِ دُونَهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالَ فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ وَرَدَ بِنَصِّهِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ.
طَلَبُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ نَقْضَ الْحُكْمِ :
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ النَّقْضَ إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - كَالطَّلاَقِ- نَقَضَهُ الْقَاضِي بِدُونِ طَلَبٍ، هَذَا فِيمَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَمَا لاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ الضَّمَانُ.
وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُهُ إِلاَّ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ حَتَّى وَإِنْ عَلِمَا بِذَلِكَ، لأَِنَّهُمَا قَدْ يَتَوَهَّمَانِ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَْصْحَابِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلاَفًا لاِبْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي قَالَ: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْهِ نَقَضَ الْحُكْمَ.
صِيغَةُ النَّقْضِ :
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ صِيغَةَ النَّقْضِ هِيَ: نَقَضْتُهُ، أَوْ فَسَخْتُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهُ، وَلَوْ قَالَ: بَاطِلٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَقْضًا؛ إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ.
تَسْبِيبُ حُكْمِ النَّقْضِ :
إِذَا نَقَضَ الْقَاضِي الْحُكْمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي نَقَضَ الْحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُنْسَبَ لِلْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالنَّقْضِ الْجَوْرُ وَالْهَوَى بِنَقْضِهِ الأَْحْكَامَ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الْقُضَاةُ.
تَسْجِيلُ حُكْمِ النَّقْضِ :
يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَجِّلَ النَّقْضَ كَمَا يُسَجِّلُ الْحُكْمَ؛ لِيَكُونَ تَسْجِيلُ الثَّانِي مُبْطِلاً لِلأَْوَّلِ كَمَا صَارَ الثَّانِي نَاقِضًا لِلْحُكْمِ الأَْوَّلِ .