طلب استشارةواتساباتصال

إذا ترك المدعى بالحقوق المدنية دعواه المرفوعة أمام المحاكم الجنائية ، يجوز له أن يرفعها أمام المحاكم المدنية، ما لم يكن قد صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى .

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المذكرة الإيضاحية

المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني  ،

من تقرير لجنة الإجراءات الجنائية لمجلس الشيوخ:

هذه المادة في أصل المشروع تخالف المبدأ المسلم به عموماً والمنصوص عليه في المادة (305) من قانون المرافعات المعمول به الآن. والمادة (233) من مشروع قانون المرافعات الجديد وهو أن ترك الدعوى لا يمس أصل الحق المرفوع به الدعوى إلا إذا صرح بالتنازل بذلك. ويقضي قانون تحقيق الجنايات المعمول به الآن بمثل ذلك ضمناً فقد نصت المادة (239) منه على أنه إذا رفع أحد طلبه إلى المحكمة المدنية فلا يجوز له أن يرفعه إلى المحكمة الجنائية بعد ذلك بصفته مدع بحقوق مدنية ويفهم بطريق العكس أنه إذا رفع طلبه للمحكمة الجنائية فله أن يترك دعواه أمامها ويرفعها للمحكمة المدنية. ومعنى ذلك أن الترك يسقط الدعوى المرفوعة ولكن لا تأثير له على الحق نفسه موضوع الدعوى. ويجوز أن ترفع به الدعوى من جديد ولكن المادة (57) من المشرع الحالي عكست الموضوع وقررت أنه إذا ترك المدعي المدني دعواه أمام المحكمة الجنائية فلا يجوز له أن يرفعها أمام المحكمة المدنية ما لم يكن قد احتفظ بحقه في ذلك وقد رأت اللجنة تصحيح الوضع طبقاً لما هو منصوص عليه في قانون المرافعات ومشرع قانون المرافعات الجديد وقانون تحقيق الجنايات كما تقدم.

 

الأحكام

1 ـ لما كان القانون قد خول المدعى بالحقوق المدنية فى مواد الجنح والمخالفات أن يرفع دعواه إلى المحكمة المختصة بتكليف المتهم مباشرة بالحضور امامها فتتحرك بذلك الدعوى الجنائية فتفصل فيها المحكمة هى والدعوى المدنية، وكانت المادة 262 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه " إذا يرفعها امام المحاكم المدنية ما لم يكن قد صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى " . ومفاد ذلك أن المشرع قد أجاز للمدعى بالحقوق المدنية الذى قضى بإثبات ترك دعواه المدنية من المحكمة الجنائية .أن يلجأ إلى المحاكم المدنية للحكم له بطلباته ما دام لم يصرح بترك الحق المرفوع به الدعوى غير أنه لا يجوز له أعادة طرح الأمر مرة ثانية على المحكمة الجنائية لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الدعوى الجنائية لا ترفع من المدعى بالحقوق المدنية -بالطريق المباشر إلا إذا كانت دعواه المدنية مقبولة فإذا كانت الدعوى المدنية مقبولة بسبب سابق على تحريك الدعوى الجنائية وقبل اتصال المحكمة بها فإن الدعوى الجنائية تكون غير مقبولة لما كان ذلك، وكانت الدعوى المدنية موضوع الطعن الماثل قد سبق الحكم فيها من المحكمة الجنائية بإثبات وان هذا السبب قد توافر من قبل تحريك الدعوى الجنائية مرة ثانية بالطريق المباشرة وليس بسبب جد بعد رفعها واتصال المحكمة بها فمن ثم فإن كلا الدعويين المدنين والجنائية تكون غير مقبولة لما كان ما تقدم وكان الحكم المطعون فيه قد خالف هذه النظر ومضى فى نظر الدعويين المدنية والجنائية فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون ومن ثم يتعين تصحيحه بالقضاء بعدم قبول الدعويين المدنية والجنائية .

(الطعن رقم 8830 لسنة 59 ق - جلسة 1992/05/28 س 43 ع 1 ص 580 ق 85)

2 ـ من المقرر أن التعويضات المنصوص عليها فى القانون رقم 363 لسنة 1956 بتنظيم تحصيل رسم الإنتاج او الإستهلاك على الكحول ، و ان كانت تنطوى على تضمينات مدنية تجيز للجهة الممثلة للخزانة العامة صاحبة الصفة و المصلحة التدخل فى الدعوى امام المحاكم الجنائية للمطالبة بها و الطعن فيما يصدر بشأن هذه المطالبة من أحكام ، الا أنها فى حقيقتها عقوبات تكميلية حدد الشارع قدرها تحديدا تحكميا غير مرتبط بتحقق وقوع أى ضرر على الخزانة فلا يجوز توقيعها إلا من محكمة جنائية و لا يتوقف قضاؤها لها بها على تدخل من جانبها فى الدعوى و تلتزم المحكمة فى هذا القضاء القدر المحدد فى القانون ، و من ثم فان هذا التدخل لا يجرى عليه - و ان وصف بأنه دعوى مدنية - حكم اعتبار المدعى بالحقوق المدنية تاركا للدعوى المدنية الواردة بالمادة 262 من قانون الإجراءات الجنائية و حكم احالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المختصة المنصوص عليه بالمادة 309 منه لان تلك الاحكام ما وضعت الا للدعوى المدنية التى تقام بطريق التبعية ممن لحقه ضرر بالفعل من الجريمة للمطالبة بالتضمينات البحته - أى بالتعويض الذى تقدره المحكمة بنفسها بعد طلبه مقابل الضرر الواقع - و الاصل فى هذه الدعوى أن ترفع امام المحاكم المدنية و هى بذلك تختلف طبيعة و حكما عن ذلك التدخل من جانب الخزانة العامة . و من ثم فإن الحكم المطعون فيه اذ قضى بتأييد الحكم الابتدائى فيما تضمنه من احالة الدعوى المدنية الى المحكمة المدنية المختصة يكون قد جانب التطبيق السليم للقانون .

(الطعن رقم 1390 لسنة 58 ق - جلسة 1989/04/20 س 40 ص 535 ق 86)

3 ـ لما كان نص المادة 262 من قانون الإجراءات الجنائية قد جرى على أنه : " إذا ترك المدعى بالحقوق المدنية دعواه المرفوعة أمام المحاكم الجنائية ، يجوز له أن يرفعها أمام المحاكم المدنية . ما لم يكن قد صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى " ، و مفاد ذلك بمفهوم المخالفة ، و أنه لا يجوز للمدعى بالحقوق المدنية - بعد أن حكم فى دعواه المدنية من المحكمة - بالترك - و ما دام حكم الترك قائماً لم يلغ ، على السياق المتقدم ، و هو الحال فى الدعوى الماثلة - أن يعود فيجدد الدعوى تلك من جديد أمام المحكمة الجنائية لأن هذا الترك منه يعد إسقاطا تتحقق أثاره القانونية بمجرد صدور الحكم به و لا يملك المسقط العودة إلى ما أسقط حقه فيه بإعتبار أن طبيعة الإسقاط تتأبى على الرجوع فيما تناوله من إسقاط ، و كل ماله هو اللجوء إلى المحكمة المدنية ما لم يكن قد صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى .

(الطعن رقم 5736 لسنة 58 ق - جلسة 1989/01/05 س 40 ص 5 ق 1)

شرح خبراء القانون

إذا حصل ترك الدعوى المدنية أمام المحكمة الجنائية فلا يجوز تجديدها ثانية أمام القضاء الجنائي. ولكن يبقى للمدعي بالحق المدني رفع دعواه بالتعويض أمام القضاء المدني بعد ذلك حتى ولو لم يكن قد احتفظ لنفسه عند ترك الدعوى بحقه في رفعها أمام القضاء المدني. ولا يفقد المدعي المدني حقه في الالتجاء إلى القضاء المدني إلا إذا صرح عند ترکه دعواه أنه يترك الحق نفسه المرفوعة به الدعوى.

ومع ذلك، إذا وقع ترك الدعوى المدنية أمام محكمة الجنح المستأنفة، وكان الحكم المستأنف قد صدر لصالح المتهم برفض الدعوى المدنية التي أقامها المدعي بالحق المدني، فإن ترك الأخير لدعواه المدنية - وهو تنازل عن إجراءات الخصومة المدنية - في هذه المرحلة، يترتب عليه صيرورة حكم أول درجة نهائياً، فيمتنع على المدعي بالحق المدني رفع دعواه من جديد أمام القضاء المدني، وإذا تعدد المدعون بالحق المدني وترك بعضهم فقط دعواه المدنية، فإن آثار ترك الدعوى المدنية لا تتصرف إلا إلى من تركها ولا تؤثر على غيره ممن لم يترك الدعوى. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة: 768)

اختيار الطريق الجنائي أولاً:

إذا كان المضرور من الجريمة قد رفع دعواه أولاً إلى المحكمة الجنائية فيمكنه أن يترك هذا الطريق ويقيم نفس دعواه من جديد أمام المحكمة المدنية يستوي في ذلك أن يكون قد رفع دعواه الأولى أمام المحكمة الجنائية بطريق الادعاء المباشر أم بطريق الادعاء المدني بالتبعية للدعوى العمومية المرفوعة من النيابة أو من إحدى الجهات التي تملك استثناء تحريك هذه الدعوى. إلا أن ترك الدعوى المدنية قد يكون مع التصريح بترك نفس الحق المدعى به أي مع التنازل عنه وعندئذ يمنع من العودة إلى الدعوى من جديد أمام أية جهة من الجهات ولا يكون إلا صريحاً.

وقد ذهب رأي إلى أنه إذا تم الإدعاء بالحق المدني أمام سلطة التحقيق ثم عدل المدعي عن سلوك هذا الطريق فلا يقبل منه أن يعود إليه مرة أخرى. كما لا يقبل منه أن يلجأ إلى المحكمة الجنائية إذا ما أحيلت الدعوى إليها من سلطة التحقيق ولا يجوز في هذا الصدد التمسك بحرفية نص المادة (262) من قانون الإجراءات الجنائية فعبارة المحاكم الجنائية الواردة بهذا النص يجب أن تفسر تفسيراً واسعاً بحيث تشمل سلطات التحقيق لأن هذه السلطات تستوي مع المحاكم الجنائية من حيث إمكانية الإدعاء المدني أمامها وبعبارة أخرى فإن المشرع قصد بعبارة المحاكم الجنائية الواردة بالنص السالف الذكر الطريق الجنائي على وجه العموم سواء كان سلطة التحقيق أم قضاء الحكم. ولكن يعيب هذا الرأي تصادمه الصريح مع صراحة نص المادة (262) التي نص بصريح العبارة على أنه إذا ترك المدعي بالحقوق المدنية دعواه المرفوعة أمام المحاكم الجنائية... ولذلك فإن المتفق مع صراحة النص هو أنه إذا تم الترك أمام قضاء التحقيق فإنه يجوز للمدعي المدني تجديد دعواه أمام المحكمة الجنائية عند رفع الدعوى الجنائية إليها فالتنازل أمام قضاء التحقيق لا يعني التنازل عن الطريق الجنائي برمته فهذا المعنى لا يستفاد إلا إذا تم التنازل والدعوى منظورة أمام قضاء الحكم لأن هذا القضاء هو الذي يملك الفصل في هذه الدعوى.

وفي تأييد الرأي الأخير قيل بأنه إذا وقع الترك أمام القضاء الجنائي فلا يجوز للتارك أن يجدد دعواه من جديد أمام نفس القضاء أما إذا حصل الإدعاء المدني أمام إحدى سلطات التحقيق وحصل الترك أمامها أيضاً فإنه لا مانع يمنع من تجديد نفس الإدعاء بعدئذ أمام سلطة التحقيق قبل إنتهائه أو بعد العودة إليه إذا كان قد إنتهى بصدور قرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى ثم ظهرت أدلة جديدة أو حتى أمام المحكمة إذا ما أحيلت إليها الدعوى والمادة (262) تشجع على هذا التفسير الواسع إذ هي تتكلم عن ترك الدعوى المرفوعة أمام المحاكم الجنائية أما الترك - أو بالادق مجرد الإنسحاب أمام سلطة التحقيق - فمقتضاه فحسب أن صاحبه لا يريد أن يستعمل حقه في تتبع التحقيق ومراقبته. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني  ، الصفحة : 914)

وطالما أن حق الالتجاء إلى المحكمة المدنية هو الأصل فإن هذا الحق لا يسقط حتى ولو كان المضرور قد رفع دعواه أمام المحكمة الجنائية، فطوال نظر الدعوى المدنية أمام المحكمة الجنائية يظل حق المضرور في الاختيار قائماً ويجهز له في أية لحظة لن يترك دعواه أمام المحكمة الجنائية ويرفعها أمام المحكمة المدنية اللهم إلا إذا كان الحق في دعواه المدنية قد انقضى. وعلى هذا تنص المادة 262 إجراءات بأنه إذا ترك المدعي بالحقوق المدنية دعواه أمام المحاكم الجنائية ، يجوز له أن يرفعها أمام المحاكم المدنية ما لم يكن قد صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى.

وإذا حدث الترك أمام المحكمة المدنية بصدد الدعوى المدنية المرفوعة أمامها ابتداء فلا يؤثر ذلك على حق المدعي في الالتجاء إلى القضاء الجنائي طالما أن حقه في الخيار لم يكن قد سقط وفقاً للقواعد السابق بيانها في أحوال سقوط الحق. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ،  الصفحة : 889)

الأصل أنه متى ترتب على الجريمة ضرر معين جاز للمضرور أن يرفع دعواه المدنية أمام القضاء الجنائي تبعاً لدعواه المرفوعة أمام هذا القضاء.

ويجوز له بدلاً من ذلك أن يرفع الدعوى المدنية أمام القضاء المدني، ولكن حقه في الالتجاء إلى القضائين المدني والجنائي ليس مطلقاً من كل قيد، إذ لا يسمح للمدعي المدني بأن يتنقل بين جهات القضاء وفقاً لمشيئته، ففي ذلك إضاعة الوقت القضاء وتعقيد للإجراءات. ولذلك، تقرر في القانون الروماني أن اختيار أحد الطريقين يمنع العودة إلى الطريق الآخر (Electa una Via).

وقد أخذ القانون المصري بهذه القاعدة منذ قانون سنة 1883، ونص عليها قانون الإجراءات الجنائية الحالي في المادتين 262 و 264 إجراءات. فنصت المادة 262 على أنه إذا ترك المدعي بالحقوق المدنية دعواه المرفوعة أمام المحاكم الجنائية يجوز له أن يرفعها أمام المحاكم المدنية ما لم يكن قد صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى. أما المادة 264 إجراءات فتنص على أنه إذا رفع من ناله ضرر من الجريمة دعواه بطلب التعويض إلى المحكمة المدنية ، ثم رفعت الدعوى الجنائية، جاز له إذا ترك دعواه أمام المحكمة المدنية أن يرفعها إلى المحكمة الجنائية مع الدعوى الجنائية. وقد نص على هذه القاعدة كذلك كل من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي (المادة 5). ولم يعرفها القانون الإنجليزي ومعظم قوانين الولايات المتحدة، فهي لم تفتح للمدعي المدني غير سبيل القضاء المدني وحده.

يترتب على ترك الدعوى المدنية التنازل عن كافة إجراءاتها التي باشرها المدعي المدني أمام القضاء الجنائي، وسلب سلطة المحكمة تبعاً لذلك في الفصل فيها بحيث تقتصر مهمتها على مجرد إثبات حصول هذا الترك. ولا يؤثر الترك في الحق المدني، فيجوز للمدعي المدني المطالبة به أمام القضاء المدني ما لم يقرر أن يكون ترکه شاملاً لكل من الدعوى والحق (المادة 262 إجراءات).

ولا يشترط لكي ينتج الترك أثره قبول المتهم أو التمسك به أمام المحكمة، بل يتعين على المحكمة أن تقرر ثبوته من تلقاء نفسها. ولا يجوز للمتهم أن يدفع لأول مرة أمام محكمة النقض بأن المدعي المدني قد ترك دعواه المدنية ما لم تكن الأوراق تشهد بذلك دون حاجة إلى تحقيق موضوعی. كما لا يجوز استئناف الحكم بترك الدعوى المدنية لأنه غير فاصل في الموضع. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 447)

ولكي يكون هذا الدفع مقبولاً يجب أن يثبت أنه كان أمام المضرور حق الخيار بين الطريقين فاختار الطريق المدني، وحتى يمكن القول بعدم قبول الدعوى المدنية لسقوط الحق في اختيار الطريق الجنائي فإنه يجب أن تتاح للمضرور حرية الاختيار بين الطريقين أولاً ثم يحكم بعد ذلك بتوافر الدفع من عدمه. فإذا كان الطريق الجنائي موصداً في وجه المضرور ولم يكن أمامه إلا الطريق المدني فلا مجال للقول بتوافر حرية الاختيار وبالتالي فلا مجال لإعمال الدفع بعدم القبول. ويكون الطريق الجنائي موصداً في عدة حالات ، حيث قد تكون الدعوى الجنائية مرفوعة أمام محكمة لا تقبل الدعوى المدنية أمامها بصفة تبعية، كما لو كانت الدعوى مرفوعة أمام محكمة عسكرية أو أمام محكمة أمن دولة أو محكمة أحداث. كما أن الطريق الجنائي يكون مغلقاً إذا كانت الدعوى لم تستقم بعد أمام القضاء الجنائي، كما لو تعذر رفعها لعدم تقديم الشكوى أو الطلب أو صدور الأذن إذا كانت الدعوى لا يجوز تحريكها بطريقة الادعاء المباشر كما لو كانت جناية. أو لو كان المضرور مضطرا إلي اللجوء إلي القضاء المدني لصدور أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أو انقضت الدعوى بسبب من أسباب الانقضاء حال دون تحريكهما أمام المحكمة کوفاة أو سقوط الجريمة بالتقادم أو التصالح فيها. والأصل أن للمضرور الاختيار بن الطريقين الجنائي والمدني والانتقال بينهما بترك أحدهما والتمسك بالطريق الآخر. فإذا لم تكن الدعوى العمومية قد رفعت فلجأ المضرور إلى الطريق المدني، سقط الحق في ترك الطريق المدني واللجوء إلى الادعاء المدني التبعي أمام القضاء الجنائي (م 264 إجراءات) وفي المقابل للمضرور أن يترك الدعوى المدنية التبعية ويعود للأصل وهو الطرق المدني (م 262 ) ما لم يكن قد صرح بترك حقه في المطالبة بالتعويض المدني بصفة مطلقة. ولكن إذا كان المضرور رغم وجود الدعوى الجنائية أمامه إلا أنه تركها وتوجه إلي القضاء المدني رافعها دعواه بالتعويض فمعني ذلك أنه تنازل عن حق الادعاء المدني التبعي ولجأ إلي الطريق الآخر، وعندئذ يسقط حقه في اختيار الطريق الجنائي ولا يجوز له بعد ذلك أن يترك القضاء المدني ليعود إلي الادعاء المدني التبعي ، ومن ثم تكون دعواه غير مقبولة لسقوط حقه في اختيار الطريق الجنائي .

ولكي يصح التمسك بهذا الدفع من قبل صاحب المصلحة يجب أن تكون الدعوى الجنائية مرفوعة قبل رفع دعوى التعويض أمام القضاء المدني وأن تكون هناك وحدة بين الدعويين المدنية و المدنية التبعية في الخصوم والموضوع والسبب فإذ لم تتحقق هذه الشروط، تعذر قبول الدفع لعدم توافر شروطه.

وتجدر الإشارة إلي أن المشرع في المادة 264 من قانون الإجراءات الجنائية قد قرر "سقوط" حق المدعي المدني في اختيار الطريق الجنائي، كما قرر أيضاً بالمادة 260/ 2 المعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 حق المدعي المدني في الادعاء مدنياً عن ذات الفعل أمام المحكمة الجنائية، وذلك عند الحكم بترك الدعوى الجنائية.

ونحن نرى أن هذا التعبير يفيد عدم الجواز وإن اتحداً في تعبير السقوط. (الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 670)

مدى حق المدعي المدني في تعديل اختياره:

ثمة قاعدتان تحددان مدى هذا الحق:

القاعدة الأولى، تقرر أنه إذا اختار المدعي الطريق المدني فلا يجوز له أن يعدل عنه إلى الطريق الجنائي، أي أنه إذا أقام دعواه أمام المحكمة المدنية فلا يجوز له أن يتركها ويقيم هذه الدعوى أمام المحكمة الجنائية.

والقاعدة الثانية، تقرر أنه إذا اختار المدعي الطريق الجنائي، فله أن يعدل عنه إلى الطريق المدني، أي أنه إذا أقام دعواه أمام المحكمة الجنائية كان له أن يتركها ويقيم هذه الدعوى أمام المحكمة المدنية.

وقد نصت على القاعدة الثانية المادة 292 من قانون الإجراءات الجنائية في قولها «إذا ترك المدعي بالحقوق المدنية دعواه المرفوعة أمام المحاكم الجنائية، يجوز له أن يرفعها أمام المحاكم المدنية مما لم يكن صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى». ومن هذا النص استخلصت القاعدة الأولى بمفهوم المخالفة.

- علة القيد الوارد على خيار المدعي: إن القاعدة التي ترخص المدعي المدني بترك الطريق الجنائي إلى الطريق المدني لا تحتاج إلى تعليل، فمؤدى الخيار على إطلاقه أن يكون لصاحبه الحق في تعديله، ولكن الذي يحتاج إلى التعليل هو حظر أن يكون له تعديل اختياره إذا اختار الطريق المدني.

إن أهم تعليل لذلك أن الطريق المدني هو الأصل بالنسبة للدعوى المدنية، فقد أنشئ القضاء المدني ليختص بهذه الدعوى، أما الطريق الجنائي فهو استثنائي بالنسبة لها، فالمحكمة الجنائية لا تختص بالدعوى المدنية إلا في أضيق الحدود، إذ هي لم تنشأ لتختص بهذه الدعوى، وبناء على ذلك فإن من اختار الأصل فقد عدل عن الاستثناء، والتزم بعدوله. أما من اختار الاستثناء فيجب أن ينظر إلى اختياره على أنه مؤقت، ومن ثم لا يجوز أن يسلبه حقه في العودة إلى الطريق الأصلي ويعلل هذه القاعدة كذلك اعتبار إنساني مستمد من مصلحة المتهم: فمن المعلوم أن الطريق الجنائي أثقل عبئاً على المتهم من الطريق المدني، فهو يخضع فيه الإجراءات جنائية تتسم بالحزم والسرعة (وقد يكون منها الحبس الاحتياطي)، فإذا اختار المدعي الطريق الأخف عبئاً على المتهم، فمن الظلم أن ينتقل به - حسب هواه ووفق ظنه بأنه قد لا يحكم لمصلحته - إلى الطريق الآخر الأثقل عليه وطأة والأقداح عبئاً، ولكنه إذا اختار منذ البداية الطريق الأشد على المتهم وطأة (وهو الطريق الجنائي) فإن عدوله عنه إلى الطريق الأخف عبئاً أن لا يجوز يكون موضعاً لشكوى من جانب المتهم أو لرفض من جانب المجتمع.

- مجال تطبيق قاعدة عدم جواز الالتجاء إلى الطريق الجنائي بعد سبق اختيار الطريق المدني: تحدد هذا المجال قواعد ثلاث: وحدة الدعوى، وقصر الاحتجاج بها على المدعي المدني دون النيابة العامة، واشتراط أن يكون من يحتج عليه بهذه القاعدة مدعياً في الطريقين.

لا تطبق هذه القاعدة إلا إذا كانت الدعوى التي أقيمت أمام القضاء المدني أولاً هي نفسها الدعوى التي تقام بعد ذلك أمام القضاء الجنائي، أما إذا اختلفتا كانت الدعوى الثانية مقبولة أمام القضاء الجنائي.

والضابط في وحدة الدعوى هو وحدة عناصرها، وعناصر الدعوى - على ما تقدم - هي أطرافها وموضوعها وسببها. ويعني ذلك أن الطريق الجنائي لا ينغلق أمام من سبق له أن التجأ إلى الطريق المدني إلا إذا ثبت أن دعواه التي أقامها أمام القضاء الجنائي إنما تدور بين ذات الخصوم الذين دارت بينهم الدعوى التي سبق له أن أقامها أمام القضاء المدني، وأن لها ذات موضوعها وسببها، أما إذا اختلفت عنها في أحد هذه العناصر فهي مقبولة ولو كانت متحدة معها في سائرها.

وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا أقام المدعي دعواه أمام القضاء المدني ضد فاعل الجريمة كان له أن يقيمها أمام القضاء الجنائي ضد الشريك في هذه الجريمة وإذا أقام أحد المضرورين من الجريمة دعواه أمام القضاء المدني كان لمضرور آخر من هذه الجريمة أن يقيم دعواه أمام القضاء الجنائي، فبين الدعويين في هذين المثالين اختلاف في الأطراف.

وإذا أقام المدعي دعواه أمام القضاء المدني للمطالبة باسترداد ماله المسروق، كان له أن يقيم دعواه أمام القضاء الجنائي للمطالبة بتعويض الضرر الذي أصابه بحرمانه من حيازة ماله وإذا أقام المدعي دعواه أمام القضاء المدني للمطالبة بالحكم بتزوير العقد، كان له أن يقيم دعواه أمام القضاء الجنائي للمطالبة بتعويض الضرر الذي ترتب على هذا التزوير، فبين الدعويين في المثالين السابقين اختلاف في الموضوع.

وإذا أقام المستفيد من شيك بدون رصيد دعواه أما القضاء المدني مطالباً بقيمة الشيك كان له أن يقيم دعواه أمام القضاء الجنائي، للمطالبة بتعويض الضرر المترتب على عدم حصوله على مبلغ الشيك، فبين هاتين الدعويين اختلاف في السبب: فسبب الدعوى الأولى هو الحق السابق على إعطاء الشيك والذي أعطى الشيك من أجل تسويته، أما سبب الدعوى الثانية فهو فعل إعطاء الشيك ذاته. ولذات العلة فإن للمودع الذي أقام دعواه أمام القضاء المدني للمطالبة برد المال المودع أن يقيم بعد ذلك دعواه أمام القضاء الجنائي للمطالبة بتعويض الضرر الذي ترتب على اختلاس أو تبديد هذا المال، ذلك أن سبب الدعوى الأولى هو عقد الوديعة، أما سبب الدعوى الثانية فهو فعل الاختلاس أو التبديد.

ولا يحتج بهذه القاعدة إلا على المدعي المدني، فهو الذي له الخيار، أما النيابة فلا يحتج بها عليها، إذ لا خيار لها، فليس لها إلا الطريق الجنائي دون سواه وتطبيقاً لذلك، فإنه لا يجوز دفع الدعوى التي تقيمها النيابة ضد المتهم بخيانة الأمانة بأن المجني عليه قد أقام دعواه أمام المحكمة المدنية وحصل على حكم بالتعويض عن الأضرار التي ترتبت على الجريمة.

ويشترط لتطبيق هذه القاعدة أن يكون لمن يحتج عليه بهذه القاعدة صفة المدعي في الدعويين: أما إذا كان مدعى عليه في الدعوى التي أقيمت أمام القضاء المدني، فإن الدعوى التي يقيمها باعتباره مدعياً أمام القضاء الجنائي تكون مقبولة. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا أقيمت الدعوى أمام المحكمة المدنية في شأن نزاع على ملكية عقار فأنكر المدعى عليه صحة العقد الذي يستند إليه المدعي ولكن المحكمة قضت بصحته، فإن للمدعى عليه أن يقيم دعواه أمام المحكمة الجنائية للمطالبة بتعويض الضرر المترتب على تزوير هذا العقد، ذلك أنه في الدعوى الأولى كان مدعى عليه وهو في الثانية المدعي.

- شروط تطبيق قاعدة عدم جواز الالتجاء إلى الطريق الجنائي بعد سبق اختيار الطريق المدني: يتعين أن يتوافر شرطان لتطبيق هذه القاعدة: فيتعين أن ترفع الدعوى المدنية أمام القضاء المدني الوطني المختص، ويتعين أن يكون المدعي المدني قد أقام هذه الدعوى عن علم بالحقيقة.

- رفع الدعوى المدنية أمام القضاء المدني الوطني المختص: ينطوي هذا الشرط في حقيقته على أمرين: فيتعين أن يوصف الإجراء الذي صدر عن المدعي بأنه «رفع الدعوى المدنية»، ويتعين أن يكون ذلك أمام محكمة مدنية يتوافر لها شرطان: أن تكون مختصة بهذه الدعوى، وأن تكون وطنية، أي مصرية.

وتحديد المراد برفع الدعوى يقتضي الرجوع إلى قانون المرافعات، وقد نصت المادة 63 منه على أن ترفع الدعوى إلى المحكمة بناء على طلب المدعي بصحيفة تودع قلم كتاب المحكمة ما لم ينص القانون على غير ذلك»، ويعني ذلك أن الإجراء الذي ترفع به الدعوى هو «إيداع الصحيفة في قلم الكتاب» فإذا كان ما صدر عن المدعي هو دون ذلك، كما لو وجه إلى خصمه إنذاره أو برتستو عدم الدفع، أو قدم طلباً للدخول في تفلیسته، أو بعث إلى جهة ما بشكوى ضده، فلا يعد بذلك قد رفع الدعوى ولا يسقط حقه في الالتجاء إلى الطريق الجنائي. أما إذا أودع صحيفة الدعوى، فإنه يعد بذلك قد رفعها، ويسقط حقه في الالتجاء إلى الطريق الجنائي. ولا يتوقف ذلك على أي إجراء لاحق، فلا يقتضي قيد الدعوى وفقاً للمادة 67 من قانون المرافعات. ولكن تقضي القواعد العامة بأن الدعوى لا تعتبر قد رفعت إلا إذا كانت صحيفتها صحيحة، أما إذا ثبت بطلانها فلا تعد الدعوى مرفوعة ويبقى للمدعي خیاره.

ويتعين أن تكون المحكمة التي رفعت إليها الدعوى المدنية مختصة بذلك نوعياً ومحلياً  أما إذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها فتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل رفع الدعوى، وفيها كان للمدعي خياره وعلة هذا الشرط أن سقوط خيار المدعي يقتضي أن يكون القضاء المدني الذي أقام الدعوى أمامه له الحق في أن يفصل في هذه الدعوى، وإلا فإنه يكون قد سلك طريقاً مغلقاً، فيكون وضعه كما لو كان لم يسلكه ابتداء ويتعين أن تكون هذه المحكمة مصرية، وهذا الشرط تطبيق «لمبدأ إقليمية الإجراءات الجنائية» الذي يأبى أن يتقيد اختصاص القضاء الجنائي بإجراء اتخذ أمام سلطات أجنبية.

- يتعين أن يكون المدعي قد رفع دعواه أمام القضاء المدني وهو عالم بالحقيقة: يعني هذا الشرط أن يكون المدعي المدني حين رفع دعواه أمام القضاء المدني عالماً بحقيقة الواقعة سبب هذه الدعوى، وأن لها تكييفاً جنائياً، وأن له تبعاً لذلك الحق في أن يرفع دعواه أمام القضاء الجنائي. أما إذا كان جاهلاً هذا التكييف، معتقداً أن الواقعة لا تنشأ عنها إلا دعوى مدنية، أي كان جاهلاً أن له ذلك الخيار، فإن رفعه هذه الدعوى لا يمكن أن يفسر على أنه استعمال لخياره ونزول عن الطريق الجنائي  وعلة هذا الشرط أن استعمال الخيار، وما يفترضه من نزول عن حق هو تعبير عن إرادة»، والإرادة لا تقوم إلا على أساس من علم بالحقيقة. وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا أقسام المودع دعوى أمام المحكمة المدنية يطالب فيها الوديع برد المال المودع لديه ثم تبين له بعد ذلك أن الوديع قد بدد هذا المال كان له أن يقيم دعواه أمام القضاء الجنائي، ذلك أنه وقت أن أقام دعواه المدنية كان جاهلاً ارتكاب الوديع جريمته.

ولكن أهم تطبيق لهذا الشرط هو أن تنشأ واقعة جديدة جوهرية من شأنها أن تؤثر على استعمال المدعي خياره. وأهم مثال لهذه الواقعة أن تقيم النيابة العامة الدعوى الجنائية بعد أن رفع المدعي دعواه أمام المحكمة المدنية. ويعد واقعة جديدة كذلك أن يكون الطريق الجنائي مغلقاً دون المدعي المدني وقت أن رفع دعواه أمام المحكمة المدنية ثم يتاح له بعد ذلك، فيكون له أن يعدل إليه بعد أن صار مفتوحاً له، مثال ذلك أن تكون الدعوى الجنائية مرهونة بإذن لم يصدر بعد، أو طلب لم يقدم بعد وقت رفع الدعوى إلى المحكمة المدنية، ثم يصدر الإذن أو يقدم الطلب، فيكون للمدعي أن يعدل إلى الطريق الجنائي الذي صار متاحاً له، ويعد زوال العقبة الإجرائية التي كانت تعترضه بمثابة واقعة جديدة.

والأثر الثاني للترك، هو بقاء الحق في التعويض، فقد نصت عليه المادة 143 من قانون المرافعات في قولها: إن الترك «لا يمس الحق المرفوعة به الدعوى»، واستخلصت المادة 262 من قانون الإجراءات الجنائية النتيجة التي تترتب على ذلك في قولها «إذا ترك المدعي بالحقوق المدنية دعواه المرفوعة أمام المحاكم الجنائية، يجوز له أن يرفعها أمام المحاكم المدنية ما لم يكن قد صرح بترك الحق المرفوع به الدعوى». ويعني ذلك بمفهوم المخالفة أنه لا يجوز له أن يرفعها من جديد أمام المحكمة الجنائية. (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة:  332)