وإذا كان رفع الدعوى عن جرائم متعددة أمام محكمة وجوبياً حسب القواعد الموضوعة وكان بعض هذه الجرائم من اختصاص محاکم استثنائية كالمحاكم العسكرية فقد رؤى أن يكون رفعها جميعاً أمام المحاكم العادية إلا في حالة واحدة وهي المنصوص عليها في المادة 66 وما بعدها من الدستور الخاصة بالمحكمة العليا المختصة بمحاكمة الوزراء 248 ( أصبحت م 183 من القانون ).
أما المادة 249 ( أصبحت 221 من القانون ) فقد أقرت مبدأ ثابتاً هو أن قاضي الأصل يختص بالفصل في جميع المسائل الفرعية التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجنائية المرفوعة أمامه .
وبينت المواد من 250 إلى 255 ( أصبحت المواد 222 إلى 225 ) أما الفقرة الأولى من المادة 252 والمادة 255 فقد حذفتا اکتفاء بالمواد 454 إلى 458 من القانون الإجراءات التي تتبع إذا كان الحكم في الدعوى الجنائية يتوقف على نتيجة الفصل في دعوى جنائية اخرى أو على الفصل في مسالة من مسائل الأحوال الشخصية أو على الفصل في مسالة مدنية من غير مسائل الأحوال الشخصية فنص على وجوب وقف الدعوى في الحالة الأولى حتى يتم الفصل في الدعوى الجنائية الأخرى ومن البديهي البلاغ الكاذب مثلا يجب وقفها إذا كانت الدعوى الأخرى مرفوعة بالفعل فدعوى البلاغ الكاذب مثلا يجب وقفها إذا كانت هناك دعوى جنائية مرفوعة على المبلغ ضده بالفعل المبلغ عنه أما إذا كانت الدعوى لم ترفع فلا محل للوقوف بل تفصل المحكمة في الدعوى المطروحة أمامها بجميع عناصرها.
أما في الحالة الثانية فانه يجب الوقف دائماً فإذا لم ترفع الدعوى الشرعية في الأجل المضروب تولت المحكمة الفصل في المسالة الشرعية بنفسها وعليها في هذه الحالة أن تتبع ما هو مقرر للقانون للفصل في مسألة الشرعية أما إذا كان الفصل في الدعوى الجنائية يتوقف على الفصل في مسألة مدنية فالوقف لا يكون واجباً كما أن الحكم الذي يصدر من المحكمة المدنية لا يكون ملزماً للمحاكم الجنائية المرفوعة به الدعوى هو الفعل في هذه الحالة أن وقع اعتماداً عليه .
1 ـ لا تتقيد المحكمة وهى تفصل فى الدعوى الجنائية بقواعد الإثبات المقررة فى القانون المدنى إلا إذا كان قضاؤها فى الدعوى يتوقف على وجوب الفصل فى مسألة مدنية هى عنصر من عناصر الجريمة المطروحة للفصل فيها ، فإذا كانت المحكمة ليست فى مقام إثبات عقد مدنى بين المتهم وصاحب الإمضاء - كما هو الشأن فى الدعوى المطروحة - وإنما هى تواجه واقعة مادية هى مجرد تسليم الورقة وإتصال المتهم بها عن طريق تغيير الحقيقة فيها إفتئاتاً على ما إجتمع إتفاقهما عليه ، فلا يقبل من المتهم أن يطالب صاحب الإمضاء بأن يثبت بالكتابة ما يخالف ما دونه هو زوراً قولاً منه بأن المستند المدعى بتزويره تزيد قيمته على عشرة جنيهات ، إذ أن مثل هذا الطلب وما يتصل به من دفاع لا يكون مقبولاً إذ لازمه أن يترك الأمر فى الإثبات لمشيئة مرتكب التزوير وهو لا يقصد إلا نفى التهمة عن نفسه الأمر الممتنع قانوناً لما فيه من خروج بقواعد الإثبات عن وضعها .
(الطعن رقم 2030 لسنة 38 ق - جلسة 1969/01/06 س 20 ع 1 ص 38 ق 9)
2 ـ لا تتقيد المحكمة وهى تفصل فى الدعوى الجنائية بقواعد الإثبات المقررة فى القانون المدنى إلا إذا كان قضاؤها فى الدعوى يتوقف على وجوب الفصل فى مسألة مدنية هى عنصر من عناصر الجريمة المطروحة للفصل فيها ، فإذا كانت المحكمة ليست فى مقام إثبات اتفاق مدنى بين المتهم وصاحب الإمضاء وإنما هى تواجه واقعة مادية هى مجرد تسليم الورقة واتصال المتهم بها عن طريق تغيير الحقيقة فيها افتئاتا على ما اجتمع اتفاقهما عليه ، فلا يقبل من المتهم أن يطالب صاحب الامضاء بأن يثبت بالكتابة ما يخالف ما دونه هو زورا قولا منه بأن السند المدعى بتزويره تزيد قيمته على عشرة جنيهات ، فمثل هذا الطلب وما يتصل به من دفاع لا يكون مقبولا إذ لازمه أن يترك الأمر فى الاثبات لمشيئة مرتكب التزوير وهو لا يقصد إلا نفى التهمة عن نفسه الأمر الممتنع قانوناً لما فيه من خروج بقواعد الإثبات عن وضعها .
(الطعن رقم 1028 لسنة 28 ق - جلسة 1959/02/03 س 10 ع 1 ص 143 ق 31)
3 ـ الأصل فى المحاكمات الجنائية هو أن العبرة فى الإثبات هي باقتناع القاضي بناء على التحقيقات التي يجريها بنفسه واطمئنانه إلى الأدلة التي عول عليها فى قضائه، فقد جعل القانون من سلطته أن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه إلا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه، وهو لا يتقيد بقواعد الإثبات المقررة فى القانون المدني إلا إذا كان قضاؤه فى الدعوى الجنائية يتوقف على وجوب الفصل فى مسألة مدنية هي عنصر من عناصر الجريمة المطروحة للفصل فيها، أما إذا كانت المحكمة ليست فى مقام إثبات اتفاق مدني وإنما هي تواجه واقعة مادية بحت - كما هي الحال فى الدعوى المطروحة - وهي مجرد اتصال المتهم بالمسروقات قبل انتقالها من يده إلى يد من ضبطت عنده، فإنه يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات بما فيها البينة والقرائن.
(الطعن رقم 1390 لسنة 38 ق - جلسة 1968/12/09 س 19 ع 3 ص 1062 ق 217)
4 ـ إن عقد القرض بالربا الفاحش لا ينفك عن جريمة الربا لأنها تنشأ منه و تلازمه ، فعقود القرض بهذه المثابة تعتبر فى جملتها واقعة واحدة و منها يتكون الفعل الجنائي المعاقب عليه بمقتضى المادة 3/339 من قانون العقوبات فتجرى عليها ما يجرى على نظائرها من المسائل الجنائية من طرق الإثبات و يجوز إذن إثباتها و إثبات الإعتياد عليها بكافة الطرق القانونية دون ما قيد على ذلك من القيود الخاصة بالإثبات فى المواد المدنية فلا يلزم من بعد توافر القرائن القوية التى تعزز الإدعاء بأن الدليل الكتابى يتضمن تحايلاً على القانون أو مخالفة للنظام العام حتى يجوز الإثبات بالبينة و القرائن .
(الطعن رقم 2084 لسنة 36 ق - جلسة 1967/03/27 س 18 ع 1 ص 436 ق 82)
5 ـ من المقرر قانوناً أن ما يتعين التزام قواعد الإثبات المدنية فيه عند بحث جريمة التبديد هو عقد الأمانة فى ذاته، أما الاختلاس فهو واقعة مستقلة يصح للمحكمة الجنائية التدليل عليها بجميع طرق الإثبات دون أن تقف فى سبيلها القاعدة المدنية القاضية بعدم تجزئة الإقرار.
(الطعن رقم 1221 لسنة 30 ق - جلسة 1961/10/16 س 12 ع 3 ص 797 ق 155)
6 ـ إن المادة الثانية من قانون التجارة تعتبر كل مقاولة أو عمل متعلق بالمصنوعات عملاً تجارياً ، و هذا الوصف لا ينضبط و لا يتحقق إلا فى شأن الصانع رب العمل وحده و لا يتعداه إلى غيره ممن قد يتعاملون معه - و من ثم فإن مثل هذا العمل يعتبر تجارياً من جانب واحد و لا يجرى عليه الوصف نفسه بالنسبة إلى الجانب الآخر و إنما يختلف الوضع فيه بإختلاف ما إذا كان هذا الجانب تاجراً أو غير تاجر . و من المقرر أن القاضى الجنائي مقيد بقواعد الإثبات العامة كلما توقف قضاؤه فى الواقعة الجنائية على الفصل فى مسألة مدنية أو تجارية تكون عنصراً من عناصر الجريمة التى يفصل فيها . و مقتضى هذه القواعد أنه متى كان العمل تجارياً بالنسبة إلى أحد الطرفين و مدنياً بالنسبة إلى الطرف الآخر إتبعت فى إثباته وسائل الإثبات التجارية - مع من كان العمل تجارياً بالنسبة إليه . و لما كان الحكم المطعون فيه قد أثبت بما له من سلطة تقديرية إشتغال الطاعن بالتجارة لما يقوم به من أعمال من بينها إصلاح النجف و هو صاحب " ورشة " بها عدد من العمال يضارب على عملهم الأمر الذى يندرج تحت نص المادة الثانية من قانون التجارة . فإن الحكم المطعون فيه إذ إنتهى جواز إثبات التعامل بالنسبة إلى الطاعن بشهادة الشهود لا يكون قد خالف القانون .
(الطعن رقم 1163 لسنة 34 ق - جلسة 1964/12/07 س 15 ع 3 ص782 ق 154)
7 ـ من المقرر أنه لا يصح إدانة متهم بجريمة خيانة الأمانة إلا إذا اقتنع القاضي بأنه تسلم المال بعقد من عقود الائتمان الواردة على سبيل الحصر فى المادة 341 من قانون العقوبات و العبرة فى ثبوت قيام هذه العقود فى صدد توقيع العقاب إنما هو بحقيقة الواقع .
(الطعن رقم 4859 لسنة 56 ق - جلسة 1987/03/29 س 38 ع 1 ص 505 ق 82)
8 ـ إن المحكمة فى جريمة خيانة الأمانة فى حل من التقيد بقواعد الإثبات المدنية عند القضاء بالبراءة لأن القانون لا يقيدها بتلك القواعد إلا عند الإدانة فى خصوص إثبات عقد الأمانة.
(الطعن رقم 582 لسنة 44 ق - جلسة 1974/06/09 س 25 ع 1 ص 573 ق 122)
9 ـ لا تلتزم المحكمة الجنائية بقواعد الإثبات المدنية إلا فى أحكام الإدانة دون البراءة .
(الطعن رقم 831 لسنة 39 ق - جلسة 1969/10/20 س 20 ع 3 ص 1087 ق 213)
10 ـ جرى قضاء محكمة النقض على أن الدفع بعدم جواز الإثبات بالبينة ليس من النظام العام فيتعين إبداؤه فى حينه قبل سماع البينة وإلا سقط الحق فى التمسك به.
(الطعن رقم 2310 لسنة 37 ق - جلسة 1968/04/16 س 19 ع 2 ص 467 ق 91)
ويقرر هذا النص تطبيقاً لمبدأ ارتباط قواعد الإثبات بطبيعة الموضوع الذي ترد عليه، لا بنوع القضاء الذي يطبقها وينبني على ذلك أنه إذا ثار النزاع حول وجود عقد الأمانة في اتهام بجريمة خيانة الأمانة، فلا يقبل إثبات هذا العقد إلا بالدليل الكتابي - أو ما يعادله قيمة - إذا جاوزت قيمة العقد خمسمائة جنيه وإذا ثار النزاع - في اتهام بجريمة اغتصاب عقار - حول ملكية هذا العقار، فلا يقبل إثبات هذه الملكية إلا بعقد ناقل للملكية، أشهر وفقاً للقانون.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة: 824)
وعلى الرغم من عموم صياغة النص وإشارته إلى جميع المسائل غير الجنائية، فإن نطاق تطبيقه يتناول بصفة أساسية المسائل المدنية التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجنائية، إذ هي التي تخضع لقواعد إثبات متميزة عن قواعد الإثبات الجنائي. وعلة هذا النص ما قدمناه من ارتباط قواعد الإثبات بطبيعة الموضوع الذي ترد عليه، لا بنوع القضاء الذي يفصل فيها فإذا اختص القضائي الجنائي بالفصل في موضوع مدني طبق عليه قواعد الإثبات المدنية. ويفترض الشارع في هذا النص أن الفصل في الدعوى الجنائية بالإدانة أو البراءة يتوقف على الفصل في وجود علاقة مدنية أو انتفائها. وهذه العلاقة ليست في ذاتها ركنا للجريمة، ومن ثم ليست مسألة جنائية، وإنما هي «مفترض» لها، ومن ثم كان لها كيانها القانوني الذاتي. فتظل لها طبيعتها غير الجنائية على الرغم من افتراض الجريمة لها. والمثل الواضح لذلك جريمة خيانة الأمانة التي تفترض وجود «عقد أمانة» يربط بين الجاني والمجني عليه، فهذا العقد مسألة مدنية، وهو سابق على ارتكاب فعل الاختلاس أو التبديد أو الاستعمال الذي تقوم به الجريمة، ومن ثم يخضع إثباته للقواعد المدنية وأهم موضع للاختلاف بين قواعد الإثبات الجنائية وقواعد الإثبات المدنية هو إطلاق الأولى بحيث يقبل القاضي أي دليل، وتقييد الثانية بحيث لا يجوز قبول الشهادة والقرائن إذا زادت قيمة التصرف القانوني على خمسمائة جنيه (المادة 60 من قانون الإثبات). ويعني ذلك أنه إذا أنكر المتهم بخيانة الأمانة وجود عقد الأمانة وكانت قيمته تزيد على خمسمائة جنيه فلا يجوز إثباته إلا بالكتابة، فإذا لم يقدم دليل كتابي لإثباته تعينت البراءة. وبديهي أنه تطبق على المسألة المدنية جميع قواعد الإثبات المدنية: فيتعين الدليل الكتابي في بعض الحالات على الرغم من أن قيمة التصرف لا تزيد على خمسمائة جنيه (المادة 11 من قانون الإثبات)، ويجوز الإثبات بالشهادة في بعض الحالات على الرغم من أن قيمة التصرف تزيد على خمسمائة جنيه (المادتان 62 ، 63 من قانون الإثبات) .
وموضع تطبيق قواعد الإثبات المدنية أن يكون التصرف المدني مجرد مفترض للجريمة، سابق في وجوده على ارتكاب الفعل الإجرامي، إذ يظل بذلك محتفظاً بطبيعته المدنية. أما إذا كان هذا التصرف هو ذاته الفعل الإجرامي كالعقد الربوي، فإنه يعد تبعا لذلك مسألة جنائية ، ويجوز إثباته بجميع الطرق و غني عن البيان أن موضع التقيد بقواعد الإثبات المدنية هو أن نكون بصدد «تصرف قانوني» يفترضه الفعل الإجرامي، أما إذا كان موضوع الإثبات هو الفعل الإجرامي ذاته، فيجوز إثباته بجميع الطرق ولو كان التصرف الذي يفترضه أو المال الذي ينصب عليه تزيد قيمته على خمسمائة جنيه. وتطبيقاً لذلك يجوز إثبات فعل إتلاف سند بجميع الطرق ولو كانت قيمة السند تزيد على خمسمائة جنيه، ويجوز إثبات فعل التبديد في خيانة الأمانة بجميع الطرق ولو زادت قيمة عقد الأمانة على خمسمائة جنيه، ويجوز إثبات فعل الاختلاس الذي تقوم به جريمة السرقة بجميع الطرق ولو زادت قيمة المسروقات على خمسمائة جنيه .
ولا تتصل قواعد الإثبات المدنية بالنظام العام، إذ هي مقررة لمصلحة المدين (أو المدعى عليه بصفة عامة)، وقد أجاز القانون الاتفاق على ما يخالفها (المادة 60 من قانون الإثبات). ومؤدى ذلك أنه يجوز لذي المصلحة في التمسك بهذه القواعد أن يتنازل عنها، وقد يكون هذا التنازل ضمنياً إذا لم يتمسك بها لدى محكمة الموضوع، ويعني ذلك عدم جواز التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض.
ويقتصر التزام القاضي بقواعد الإثبات المدنية على حالة ما إذا أصدر حكماً بالإدانة، أما إذا أصدر حكمه بالبراءة، فيجوز له أن يستمد اقتناعه بعدم وجود العلاقة المدنية التي تفترضها الجريمة من أي دليل، وقد عللت محكمة النقض ذلك بقولها «إن القانون لا يقيد المحكمة بالقواعد المدنية إلا عند الإدانة احتياطا لمصلحة المتهم حتى لا تتقرر مسئوليته وعقابه إلا بناء على الدليل المعتبر في القانون، ولا كذلك البراءة لانتفاء موجب تلك الحيطة وإسلاساً المقصود الشارع في ألا يعاقب بريئ مهما توافر في حقه من ظواهر الأدلة».(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الثاني ، الصفحة: 869)
القيد الوارد على الإثبات في المسائل غير الجنائية:
إذا كان المشرع أوجب علي المحكمة الجنائية الفصل في المسائل العارضة (المدنية والتجارية) إلا أنه قیده من حيث طرق الإثبات، فقد أوجب عليه أن يتبع في إثبات المسائل غير الجنائية التي يتوقف عليها الحكم في الدعوى الجنائية طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص بتلك المسائل، فلا يجوز أن يطبق القاضي المبدأ المقرر في المواد الجنائية وهو حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته دون التقيد بطرق معينة للإثبات. فإذا كانت المسألة العارضة لا تثبت في قانونها الخاص إلا بالكتابة، فلا يجوز للقاضي أن يثبتها بشهادة الشهود.
غير أن طرق الإثبات وأحكامه الواردة في القانون المدني لا تتعلق بالنظام العام إذ هي مقررة لمصلحة الخصوم ولذلك يجوز التنازل عنها، وبالتالي فإن مخالفة طرق الإثبات لا يترتب عليه بطلان يتعلق بالنظام العام وإنما يتعلق بمصلحة الخصوم الأمر الذي يستلزم التمسك به أمام محكمة الموضوع ولا تجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة: 458)
المقصود بالإثبات في المواد الجنائية:
يقصد بالإثبات في المواد الجنائية إقامة الدليل على وقوع الجريمة وعلى نسبتها إلى المتهم فيراد به إثبات الوقائع لا بيان وجهة نظر الشارع وحقيقة قصده فالبحث في هذا يتعلق بتطبيق القانون وتفسيره وهو من عمل المحكمة، ويختلف في هذا الصدد دور كل من القاضي الجنائي و القاضي المدني فبينما القاضي المدنې دوره سلبي يقتصر على مجرد تقدير الأدلة التي قدمها الخصوم وترجيح بعضها على البعض نجد القاضي الجنائي يقوم بدور إيجابي بحثاً عن الحقيقية بأي طريق مشروع ولذلك نص قانون الإجراءات الجنائية في المادة (291) منه على أن للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى تقديم في دليل تراه لازما لظهور الحقيقة. وكما يلاحظ أن نطاق الإثبات الجنائي لا يقتصر على إقامة الدليل أمام قضاء الحكم بل أنه يتسع لإقامته أمام سلطات التحقيق بل وسلطات الاستدلال كذلك. ويعني ذلك أي نطاق هذه النظرية أوسع من أن ينحصر في مرحلة المحاكمة وتعبير إقامة الدليل " يشمل التنقيب عنه ثم تقديمه ثم تقديره. فقد أخضع الشارع كل ذلك لقواعد تحكمه، ومن ثم ساغ القول بأن الإثبات هو تنقيب عن الدليل و تقديمه وتقديره.
مصادر قواعد الإثبات :
الدستور الحديث يعتبر مصدراً هاماً لبعض قواعد الإثبات وموضع هذه القواعد له دلالة بالغة هي أن المشرع أراد أن يرفعها إلى درجة الأصول الدستورية بما ينبني على ذلك بطبيعة الحال من أن مخالفتها ترتب عليه بطلان مطلق للدليل الذي كان وليد المخالفة. وفي التشريع المصري بعد قانون الإجراءات الجنائية هو المصدر الأول لقواعد الإثبات وقد يكون قانون الإثبات في المواد المدنية مصدراً لبعض القواعد فضلاً عن القواعد الدستورية.
الرجوع إلى قواعد الإثبات المدني في النطاق الجنائي:
يرجع إلى قواعد الإثبات المدني في النطاق الجنائي وذلك في حالتين هما:
الحالة الأولى :
إذا أحال قانون الإجراءات الجنائية على ذلك القانون ومن ذلك مثلاً ما نصت عليه المادة (287) من قانون الإجراءات الجنائية من أنه تسري أمام المحاكم الجنائية القواعد المقررة في قانون المرافعات لمنع الشاهد من أداء الشهادة أو لإعفائه من أدائها والمقصود بتلك القواعد هي الحالات المنصوص عليها في المواد (65، 66، 67) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية الصادرة بالقانون رقم 25 لسنة 1968 حيث نصت المادة (65) من القانون سالف الذكر على أن الموظفون و المكلفون بخدمة عامة لا يشهدون ولو بعد تركهم العمل عما يكون قد وصل إلى عملهم في أثناء قيامهم به من معلومات لم تنشر بالطريق القانوني، ولم تأذن السلطة المختصة في إذاعتها ومع ذلك، فلهذه السلطة أن تأذن لهم في الشهادة بناء على طلب المحكمة أو أحد الخصوم. كما تنص المادة (66) على أنه لا يجوز لمن علم من المحامين أو الوكلاء أو الأطباء أو غيرهم من طريق مهنته أو صفته بواقعة و بمعلومات أن يذكرها ولو بعد إنتهاء خدمته أو زوال صفته ما لم يكن. ذكرت له مقصود بها إرتكاب جناية أو جنحة ومع ذلك يجب على الأشخاص المذكورين أن يؤدوا الشهادة على تلك الواقعة أو المعلومات متى طلب منهم ذلك من أسرها إليهم على ألا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة. كما تنص المادة (67) من ذات القانون على أنه "لا يجوز لأحد الزوجين أن يفشي بغير رضاء الآخر ما أبلغه إليه أثناء الزوجية ولو بعد انفصالها إلا في حالة رفع الدعوى على أحدهما بسبب جناية أو جنحة وقعت منه على الآخر.
ومن أمثلة ذلك أيضاً ما نصت عليه المادة (225) من قانون الإجراءات الجنائية من أن «تتبع المحاكم الجنائية في المسائل غير الجنائية التي تفصل فيها تبعاً للدعوى الجنائية طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص بتلك المسائل» وعلى ذلك فإنه إذا كان المشروع قد أوجب على المحكمة الجنائية الفصل في المسائل العارضة المدنية والتجارية إلا أنه قيد من حيث طرق الإثبات فقد أوجب عليه أن يتبع في إثبات المسائل غير الجنائية التي يتوقف عليها الحكم في الدعوى الجنائية طرق الإثبات المقرر في المواد الجنائية وهو حرية القاضي في تكون عقيدته دون التقيد بطرق معينة للإثبات، فإذا كانت المسألة العارضة لا تثبت في قانونها الخاص إلا بالكتابة فلا يجوز للقاضي أن يثبتها بشهادة الشهود.
الحالة الثانية :
إذا خلا قانون الإجراءات الجنائية من النص على مسألة نظمها قانون الإثبات في المواد المدنية بها لا يتعارض مع أحكام الدعوى العمومية مثلاً لم يرد في قانون الإجراءات الجنائية نص يجيز للمحكمة أن تأمر بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة، ولا مانع من الأخذ بما نص عليه المادة (113) من قانون الإثبات من أن «للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم أن تقرر الإنتقال لمعاينة المتنازع فيه أو أن تندب أحد قضائها لذلك، وقانون الإثبات يفصل الأسباب التي يجوز بناء عليها رد الخبير المادة (141) بينما اقتصرت المادة (89) من قانون الإجراءات الجنائية على النص على أن «للخصوم رد الخبير إذا وجدت أسباب قوية تدعو لذلك» فلا يوجد ما يمنع المحكمة الجنائية من الأخذ بنص المادة (141) من قانون الإثبات ولعل المشروع قد فاته أن يحيل عليها كما فعل بشأن رد القضاء أنظر المادة (248) إجراءات جنائية ومن نصوص الشهادة في المواد المدنية ما لم يرد ما يقابله في قانون الإجراءات الجنائية ولا يتعارض مع أحكام الدعوى العمومية ومن ثم يؤخذ بحكمه، من ذلك ما تنص عليه المادة (83) من قانون الإثبات من أن «من لا قدرة له على الكلام يؤدي الشهادة إذا أمكن أن يبين مراده بالكتابة أو بالإشارة» وما تنص عليه المادة (86) من بطلان الشهادة إذا أديت بغير يمين.
ومن أن الحلف يكون على حسب الأوضاع الخاصة بديانة الشاهد إذا طلب ذلك. وما تنص عليه المادة (90) من أن الشهادة تؤدي شفاهة ولا يجوز الاستعانة بمذكرات مكتوبة إلا بإذن من المحكمة أو القاضي المنتدب وحيث تسوغ ذلك طبيعة الدعوى.
عبء الإثبات
المقصود بعبء الإثبات:
يقصد بعبء الإثبات تكليف أحد المتداعين بإقامة الدليل على صحة ما يدعيه ويسمي التكليف بالإثبات عبئاً لأنه حمل ثقيل ينوء به من يلقي عليه وإنما كان التكليف بالإثبات أمر ثقيلاً لأن من كلف به قد لا يكون مالكاً للوسائل التي يتمكن بها من إقناع القضاء بصدق ما يدعيه ويرجع الأساس الفلسفي لهذه القاعدة إلى إحترام الوضع الظاهر وبراءة الذمة.
القاعدة العامة :
يقع عبء الإثبات على عاتق الإتهام ويجب أن يتناول وقوع الجريمة وتدخل المتهم في ارتكابها وعلى النيابة أن تثبت توفر جميع العناصر المكونة للجريمة من مادية وأدبية، فإذا أقتصر المتهم على إنكار الجريمة فلا يطالب بإقامة أي دليل على إنكاره إذ أن من حقه رفض الدفاع عن نفسه. ولكن إذا أدعى سبباً من أسباب الإباحة أو أسباب عدم المسئولية أو عذراً من الأعذار القانونية فهل يكلف كإثباته کالمدين المدعى عليه في دعوى مدنية إذا أدعى براءة ذمته من الدين المادة (214) مدني قيل في ذلك بأن المتهم لا يكلف مبدئيا بإثبات أوجه الدفع التي يقدمها للأسباب الآتية:
أولاً: لأن النيابة ملزمة بإثبات الشروط اللازمة لوجود الجريمة ومسئولية فاعلها وبالتالي عدم وجود شيء من أسباب الإباحة أو أسباب عدم المسئولية أو الأعذار القانونية أو غير ذلك.
ثانياً: لأن الصفة الإجتماعية للدعوى تلزم القاضي بأن يأخذ من تلقاء نفسه بأوجه الدفع التي يراها في مصلحة المتهم ولو لم يتمسك بها.
ثالثاً: لأن نظام الإثبات في المواد الجنائية يقضي بأن يكون اقتناع القاضي أساساً لحكمه.
وأخيراً: لأن الشك يجب أن يؤول لمصلحة المتهم، وتطبيقا لهذه القاعدة
يجب على النيابة أن تثبت توافر القصد الجنائي لدى المتهم في الأحوال التي يشترط فيها توفر هذا القصد.
وفي تأييد ذلك قيل بأن المتهم قد يدفع بأحد عوارض المسئولية فتقضي القواعد العامة بأن صاحب الدفع يصبح مدعياً وعليه إثبات صحة دفعة ولكن هذه القاعدة لا تسري على إطلاقها في المسائل الجنائية فأمر الدعوى العمومية يهم المجتمع ولذلك يتعين على القاضي أن يمهد السبيل المتهم لإثبات براءته بكافة الطرق.
وأيضاً وفي ذات الإتجاه قيل بأنه إذا دفع المتهم بسبب إباحة وعجز عن إقناع القاضي بصحة دفعه وعجزت النيابة عن إثبات بطلانه فصار القاضي في شك من حيث توافر الإباحة أو عدم توافرها، فإن القرينة السابقة تفرض عليه أن يفصل في الدعوى على أساس توافر الإباحة. ولكن هذه القاعدة النظرية يحد منها في العمل أن المتهم يحرص إذا دفع بتوافر سبب إباحة على أن يثبت دفعه خشية أن يقتنع القاضي بادعاء النيابة عدم توافر الإباحة.
السابقة وتكليف النيابة إثبات فساد هذا الدفع ولكن يحد من تطبيق القاعدة في هذا المجال إعتبار منطقي ذلك أن دفع المتهم هو ادعاء بما يخالف الأصل إذ «الأصل في الناس التمييز والحرية» ومن ثم فإن الأدني إلى المنطق إلا يلتزم المتهم بإثبات دفعة وفي العمل يتولى القاضي الأمر بنفسه فيندب الخبير الذي يدقق المتهم.
كما قيل في ذلك أيضاً أنه فيما يتعلق بعبء الإثبات طرق الدفاع ينبغي التفرقة بين أمرين عبء الإدعاء وعبء الإثبات ويعني عبء الادعاء أن يقوم المتهم الذي يتوافر في حقه سبب من أسباب الإباحة أو مانع من موانع المسئولية أو العقاب بالدفع بهذا السبب أو المانع. لكن لا يقوم بإثباته أما عبء إثبات هذه الأسباب أو الموانع فيقع على عاتق النيابة والمحكمة، وذلك على أساس أن سلطة الإتهام أكثر من المتهم من حيث المكنات والصلاحيات التي تملكها وبالتالي فهي أقدر منه على أن تكشف من المتهم من حيث المكنات والصلاحيات التي تملكها وبالتالي فهي أقدر منه على أن تكشف للقاضي الحقيقة في شأن هذا الدفع، كذلك فإن الدور الإيجابي الذي يلعبه القضاء في الدعوى الجنائية - وفقا لمبدأ حرية الإثبات والاقتناع - يفرض عليهم أن يتحروا الحقيقة بأنفسهم بل يجب عليهم - ومن تلقاء أنفسهم - أن يحلوا محل المتهم في استظهار وسائل الدفاع أن لم يقدر المتهم على ذلك .
وقد استقرت محكمة النقض على الأخذ بالإتجاه الأول ومن أحكامها في هذا الشأن ما يأتي:
استثناء من القاعدة العامة :
إذا كانت القاعدة العامة هي وقوع عبء الإثبات على عاتق النيابة العامة فإن هذه القاعدة يرد عليها بعض الإستثناءات وذلك حين يتدخل المشرع بنص صريح ليلقي عبء الإثبات على عاتق المتهم من أمثلة ذلك القانون رقم 48 لسنة 1941 الخاص بقمع التدليس و الغش الذي افترض علم المتهم بالغش أو الفساد إذا كان من المشتغلين بالتجارة وألقى على عاتقه عبء إثبات انتفاء هذا العلم و المادة (63) من قانون العقوبات التي تلقي في فقرتها الأخيرة على عاتق الموظف المتهم أن يثبت أنه لم يرتكب الفعل الا بعد التثبيت و التحري وأنه كان يعتقد مشروعيته و أن اعتقاده كان مبنياً على أسباب معقولة.
ومن أهم الاستثناءات التي أستقر في شأنها القضاء افتراض علم الشريك في الزنا بزواج من زنى بها. وافتراض علم المتهم بجريمة هتك العرض دون قوة أو تهدید بحقيقة سن المجني عليها وأنها دون الثامنة عشرة. فقد أستقر قضاء محكمة النقض على أن النيابة لا تحمل عبء إثبات المتهم بهذه الأمور بل أنه لا يقبل من المتهم مجرد دفعه بجهله بها بل يتعين عليه أن يثبت أن جهله يرجع لأسباب قهرية أو ظروف استثنائية وأنه لم يكن في مقدوره بحال أن يقف على الحقيقة. ويدخل في هذه الاستثناءات كذلك اقتراض القضاء بتوافر القصد الجنائي العام لدى السكران باختياره.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني ، الصفحة : 584)
إذا كان المشرع قد أوجب على المحكمة الجنائية الفصل في المسألة العارضة المدنية والتجارية ، إلا أنه قيده من حيث طرق الإثبات. فقد أوجب عليه أن يتبع في إثبات المسائل الجنائية طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص بتلك المسائل (م225 ) ، فلا يجوز أن يطبق القاضي المبدأ المقرر في المواد الجنائية وهو حرية القاضي في تكوين عقيدته دون التقيد بطرق معينة للإثبات. فإذا كان المسألة العارضة لا تثبت في قانونها الخاص إلا بالكتابة فلا يجوز للقاضي أن يثبتها بشهادة الشهود.
غير أن طرق الإثبات وأحكامه الواردة في القانون المدني لا تتعلق بالنظام العام إذ هي مقررة لمصلحة الخصوم ولذلك يجوز التنازل عنها. وبالتالي فإن مخالفة طرق الإثبات لا يترتب عليه بطلان يتعلق بالنظام العام وإنما يتعلق بمصلحة الخصوم الأمر الذي يستلزم التمسك به أمام محكمة الموضوع ولا تجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض.
وقد سبق أن رأينا حجية الحكم الصادر في المسألة العارضة المدنية أمام المحاكم الجنائية في دراستنا للدعوى المدنية. وانتهى رأينا ، على عكس ما يقول به البعض، إلى أن الحكم المدني في هذه المسائل لا حجية له على الإطلاق أمام القضاء الجنائي لاعتبارات التي سبق وأن سقناها في موضوعها، وإن كان يمكن للقاضي الجنائي الاستناد إليه.
ونود أن نلفت النظر إلى أن قانون السلطة القضائية ينص في المادة 16 على أنه إذا دفع في قضية مرفوعة أمام المحاكم بدفع يثير نزاعاً يدخل الفصل فيه في ولاية جهة قضائية أخرى وجب على تلك المحاكم إذا رأت ضرورة الفصل في الدفع قبل الحكم في موضوع الدعوى أن توقف الحكم في الموضوع ولن تحدد الخصم الموجه إليه الدفع ميعاداً يستصدر فهي حكماً نهائياً من القاضي المختص فإن لم تر لزوماً لذلك الدفع حكمت في موضوع الدعوى. وإذا قصر في استصدار حكم نهائي في الدفع في المدة المحددة كان للمحكمة أن تفصل في الدعوى.
غير أن هذا النص العام لا ينطبق على اختصاص المحاكم الجنائية بالفصل في المسائل العارضة. ذلك أن قانون الإجراءات الجنائية بتحويله المحاكم الجنائية الفصل في المسائل العارضة يعتبر نصاً خاصاً ویكون هو الواجب التطبيق وفقاً لقواعد التفسير. ومع ذلك تخرج من نطاق اختصاص القاضي الجنائي المسائل الفرعية المتعلقة بقضاء الإلغاء والدستورية. إذ في هذه الأحوال يتعين أعمال المادة 16 من قانون السلطة القضائية.
قد يستلزم الفصل في الدعوى الجنائية أن يفصل القاضي في مسألة غير جنائية ضرورية للحكم في الدعوى وذلك يحدث حينما يكون المشرع قد جعل من عناصر الجريمة مواد مدينة أو تجارية أو أحوال شخصية بأن أدخل في الواقعة الإجرامية عناصر قانونية تذيب لفرع آخر من فروع القانون . ومثال ذلك الملكية في السرقة ، والعقود الخاصة التي تقوم عليها جريمة خيانة الأمانة والزوجية في جريمة الزنا، والشيك في جريمة إصدار شيك بدون رصيد، وصفة التاجر في جريمة التفالس بالتدليس أو التقصير .
ففي جميع هذه الأمثلة يثير المتهم فيما يتعلق بتلك العناصر القانونية للواقعة والتي تدخل في محيط الفروع الأخري . ويتعين على القاضي أن يفصل فيها طالما أن الحكم في الدعوى الجنائية يتوقف عليها ، ومن هنا فقد ألزم القانون القاضي الجنائي في فصله في تلك المواد غير الجنائية أن يتبع طرق الإثبات الخاصة بها (م 225). فلا يجوز للقاضي الجنائي أن يلجأ في إثبات الزوجية بشهادة الشهود طالما كان القانون قد نظم طرقاً معينة لإثباتها . كذلك لا يجوز إثبات الملكية المتعلقة بعقارات بشهادة الشهود كما انه يلتزم أيضاً بطرق الإثبات المقررة في القانون المدني بالنسبة للعقود التي تقوم عليها جريمة خيانة الأمانة (1).
غير أن تقيد القاضي الجنائي بطرق الإثبات المقررة في القوانين غير الجنائية بالنسبة للمواد المتعلقة بتلك القوانين مشروط بشرطين. الأول : هو ألا تكون الواقعة محل الإثبات هي بذاتها الواقعة محل التجريم بمعنى أنه يلزم أن تكون الواقعة المتعلقة بالقوانين غير الجنائية هي مفترض للجريمة وليست هي المكونة للسلوك الإجرامي ذاته. فمثلا تبديد الأمانة في جريمة خيانة الأمانة يمكن أن يأخذ صوراً عدة قد تدخل إحداها في محيط القوانين غير الجنائية . فتصرف المتهم في الشيء المسلم إليه على سبيل الأمانة بالبيع مثلا هو ذاته السلوك الإجرامي المكون للجريمة . ولذلك يمكن للقاضي الجنائي أن يلجأ في إثبات هذه الواقعة وهي واقعة البيع إلى كافة طرق الإثبات ولا يلزم بتلك المقررة في القانون المدني، فهو يلتزم بتلك الأخيرة فقط في إثبات الواقعة التي هي مفترض للسلوك الإجرامي ذائه وفي واقعة التسليم بناء على عقد من عقود الأمانة. الثاني : أن تكون الواقعة المتعلقة بالقوانين غير الجنائية لازمة للفصل في الدعوى الجنائية. فإذا كانت الواقعة المدنية مثلاً إنما تستيل بها المحكمة كقرينة على وقوع الجريمة فلا تثريب عليها إذا هي لم تلجأ إلى قواعد الإثبات المدني. ومثال ذلك إثبات واقعة البيع الحاصلة من المتهم باختلاس أموال عامة كقرينة على أنه اختلس الأشياء المباعة .
ومتى توافر هذان الشرطان تعين على المحكمة أن تلجأ فی تكوین اقتناعها بطرق الإثبات المقررة في القوانين الخاصة بالمواد الجنائية. غير انه يلاحظ في هذا الصدد أن طرق الإثبات المقررة في المواد غير الجنابة لا تتعلق بالنظام العام و إنما بمصلحة الخصوم. ويترتب على هذا أن قضاء المحكمة الذي لا يتبع فيه تلك الطرق لا يكون باطلاً إلا إذا كان صاحب المصلحة قد تمسك صراحة بضرورة الإثبات بالطرق الواردة في القوانين غير الجنائية وذلك أمام محكمة الموضوع ويترتب على إغفاله التمسك بذلك أمام محكمة الموضوع أن يكون الحكم صحيحة ولا يجوز إثارة من هذا الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض.(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 707)
