8 – المفقود
8 - المفقود
يحكم بموت المفقود الذى يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنوات من تاريخ فقده .
ويعتبر المفقود ميتاً بعد مضى مدة ثلاثين يوماً علي الأقل من تاريخ فقده ، فى حالة ما إذا ثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت أو كان فى طائرة سقطت ، أو بعد مضي سنة من تاريخ فقده إذا كان من أفراد القوات المسلحة وفُقد اثناء العمليات الحربية، أو من أعضاء هيئة الشرطة وفُقد أثناء العمليات الأمنية.
ويصدر رئيس مجلس الوزراء أو وزير الدفاع أو وزير الداخلية بحسب الأحوال وبعد التحري وإستظهار القرائن التى يغلب معها الهلاك قراراً بأسماء المفقودين الذين إعتبروا أمواتاً فى حكم الفقرة السابقة ويقوم هذا القرار مقام الحكم بموت المفقود.
وفى الأحوال الأخرى يفوض تحديد المدة التي يحكم بموت المفقود بعدها إلى القاضى على ألا تقل عن أربع سنوات . وذلك بعد التحري عنه بجميع الطرق الممكنة والموصلة الى معرفة إن كان المفقود حياً او ميتاً.
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الثاني
المذكـرة الإيـضاحية
الحكم بموت المفقود إذا مات أقرانه أو بلغ من العمر تسعين سنة حسب أحكام مذهب أبى حنيفة الجارى عليها العمل بالمحاكم الشرعية أصبح لا يتفق الأن مع حالة الرقى التى وصلت إليها طرق المواصلات فى العصر الحاضر فإن التخاطب بالبريد والتلغراف والتليفون وإنتشار مفوضيات وقنصليات المملكة المصرية في أنحاء العالم جعل من السهل البحث عن الغائبين غيبة منقطعة (المفقودين) ومعرفة إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة أو لا في وقت قصير .
لذلك عينت الوزارة قبل الأن بأمر زوجة المفقود فوضعت لها أحكاماً في القانون رقم 25 لسنة 1920من مذهب الأمام مالك (مادتي 7 و 8) .
أما أمر ماله فقد ترك على الحالة الجاري عليها العمل من قبل المحاكم ولكن تبين من البحث وجود قضايا كثيرة بالمجالس الحسبية تختص بأحوال المفقودين تستدعى الإهتمام والعناية بتصرف هذه الأمور على وجه أصلح فقد بلغت هذه القضايا لغاية فبراير سنة 1927/ 1166 قضية منها 767 قضية تقل قيمتها عن مائة جنيه أو مجهولة القيمة ومنها 36 قضية تزيد قيمتها عن ألف جنيه والباقي قيمته بين المقدارين ، لهذا رأت الوزارة أن تضع أحكاماً لأموال المفقودين تصلح من الحالة الموجودة الأن وتتناسب مع حالة العصر الحاضر بقدر المستطاع ، ولما كان بعض المفقودين يفقد في حالة يظن معها موته كمن يخرج لقضاء حاجة قريبة ثم لا يعود أو يفقد في ميدان القتال والبعض بفقد في حالة يظن معها بقاؤه سالماً كمن يغيب للتجارة أو طلب العلم أو السياحة ثم لا يعود رأت الوزارة الآخذ بمذهب الإمام أحمد بن حنبل في الحالة الثانية – ففي الحالة الأولى ينتظر إلى تمام أربع سنين من حين فقده فإذا لم يعد وبحث عنه فلم يوجد اعتدت زوجته عدة الوفاة وحلت للأزواج بعدها وقسم ماله بين ورثته وفى الحالة الثانية يفوض أمر تقدير المدة التى يعيش بعدها المفقود إلى القاضي فإذا بحث في مظان وجوده بكل الطرق الممكنة وتحرى عنه بما يوصل إلى معرفة حاله فلم يجده وتبين أن مثله لا يعيش إلى هذا الوقت حكم بموته.
ولما كان الراجح من مذهب الأمام أبى حنيفة أنه لابد من حكـم القاضي بموت المفقود وأنه من تاريخ الحكم بموته تعتد زوجته عدة الوفاة ويستحق تركته ورثته الموجودين فقد رئي الآخذ بمذهبه في الحالتين لأنه أضبط وأصلح لنظام العمل في القضاء .
لهذا وضعت المادتان الحادية والعشرون والثانية والعشرون من هذا المشروع .
ملحوظة هامة: تم تعديل الفقرتين الثانية والثالثة من هذه المادة بالقانون رقم 140 لسنة 2017 الصادر بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية والمنشور في الجريدة الرسمية، العدد 29 (مكرر) في 22 يولية 2017، وقد شمل التعديل زيادة المدة التي يُعتبر فيها المفقود ميتاً من خمسة عشر يوماً لتصبح ثلاثين يوماً إذا ثبت أن المفقود كان على ظهر سفينة غرقت أو في طائرة سقطت، كما شمل التعديل إضافة أعضاء هيئة الشرطة إذا ما فُقدوا أثناء العمليات الأمنية، وعليه تم إضافة وزير الداخلية إلى كل من رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع في الفقرة الثالثة بما يتناسب مع التعديلات الواردة في الفقرة الثانية. (مركز الراية للدراسات القانونية).
المفقود هو الغائب الذي لا يعرف له موضع ولا يدرى حياته ولا موته فإذا غاب إنسان فلم يعرف له مكان ولا يعلم أحي هو أم ميت ، إعتبر مفقوداً منذ التاريخ الذى يثبت فقده أى بأثر رجعى يرتد إلى تاريخ غيابه والذى يثبت بكافة طرق الإثبات القانونية وأهمها البينة الشرعية , وكما يجوز إقامة وكيل عنه لحفظ أمواله وإستيفاء حقوقه والإنفاق من ماله على من تجب عليه نفقته من أصوله وفروعه وذلك بالإعمال لحكم المادة 74 من القانون رقم 119 لسنة 1952 فإنه يجوز الحكم بثبوت غيبته أو ثبوت فقده , وهذا الحكم ذو طبيعة كاشفة يرتد أثره القانونى إلى التاريخ الذى يثبت فيه فقده .
تعريف المفقود وأثر الحكم الصادر بثبوت فقده
والمفقود – أى الغائب – (الصادر حكم نهائى بثبوت فقده أى ثبوت غيبته) يعتبر حياً في حق نفسه وميتاً في حق غيره حتى تثبت وفاته بحكم منشئ ويحكم بها القاضي , ويترتب على ذلك نتيجتان :
أولهما : عدم جواز قسمة أمواله بين ورثته من حين فقده, وذلك لأنه طالما لم يصدر حكم نهائى بإعتباره ميتاً فهو حى ولو حكماً .
وثانيهما : ألا يرث أحداً ممن مات من أقاربه حيث يوقف نصيبه طالما لم يصدر حكم نهائى بإعتباره ميتاً وذلك إعمالاً لحكم المادة 45 من قانون المواريث رقم 43 لسنة 1977 .
تضمنت المادة 21 المعدلة محل التعليق أربعة فقرات عالجت ثلاثة حالات للمفقودين أولها حالة المفقود الذي يغلب عليه الهلاك والثانية حالة المفقودين نتيجة غرق السفن أو سقوط الطائرات . أو نتيجة العمليات العسكرية والثالثة حالة المفقودين في غير الحالات السابقة .
وقد استحدث التعديل الذي أدخل على المادة محل التعليق الحكم المتعلق بحالة فقد المدنين نتيجة غرق السفن أو سقوط الطائرات وذلك بالقانون رقم 33 لستة 1992 حيث كان النص قبل تعديله يخلو من تناول حالة الفقد نتيجة تلك الحوادث ، ويتعين تناول كل حالة من الحالات الثلاث بالتعليق .
الحالة الأولى : حكم المفقودين الذين يغلب عليهم الهلاك
تضمنت الفقرة الأولى من النص حالة المفقود الذي تغيب في حالة يغلب عليه فيها الهلاك فنصت على جواز الحكم بموته إذا كانت قد إنقضت مدة أربع سنوات على تاريخ فقده ويتحدد تاريخ الفقد بتاريخ الغياب .
وقد أوردت المذكرة الإيضاحية للنص بعض الأمثلة على ما يعد من الحالات التى يغلب عليها الهلاك كمن يخرج لقضاء حاجة قريبه ثم لا يعود أو كمن يفقد في ميدان القتال .
الحالة الثانية : المفقودين نتيجة غرق السفن أو سقوط الطائرات
استحدث المشرع النص على حالة المفقودين نتيجة غرق السفن أو سقوط الطائرات بعد وقوع بعض تلك الحوادث خلال السنين القريبة.
وقد أجاز النص الحكم بإعتبار المفقودين نتيجة تلك الحوادث موتى إذا ما انقضت خمسة عشر يوماً على تاريخ وقوع الحادثة .
والحكمة من قصر الميعاد الذي يحكم بعده بموت المفقودين في تلك الحوادث هو أن هلاكه أقرب إلى التوكيد ، فضلاً عن أن مفاجأة فقده تشكل بالنسبة لأسرته حالة إستعجال تستلزم سرعة تعريفهم وتحديد مراكزهم القانونية فضلاً عن تقديم وسائل الإتصال .
ويسرى النص سواء كان المفقود من تلك الحوادث من المدنيين أو العسكريين .
ويقتصر الحكم هنا على حالة المفقودين نتيجة غرق سفينة أو سقوط طائرة ولا يمتد إلى المفقودين في غير تلك الحوادث كالفقد المترتب على الزلازل أو على حوادث القطارات فالنص أورد حوادث السفن والطائرات على سبيل الحصر فلا يجوز القياس عليها فيخرج منها الفقد نتيجة غرق قوارب الصيد الصغير أو المراكب الشراعية .
وتحديد ما يعد سفينة من عدمه مسألة فنية يرجع فى شأنها إلى ذوى الخبرة الخاصة بهذا الأمر .
وقد أناطت الفقرة الثالثة من المادة برئيس مجلس الوزراء أن يصدر قراراً بأسماء المفقودين الذين إعتبروا أمواتاً بسبب غرق السفن أو سقوط الطائرات وذلك بعد إجراء التحريات اللازمة والوقوف على القرائن والشواهد التى يغلب معها الهلاك كغرق السفينة حال كونها تمخر عباب المحيطات والبحار أو إنفجار الطائرات في الجو وهكذا .
ويقوم القرار الصادر من رئيس الوزراء فى تلك الحالة مقام الحكم الذي يصدر من المحاكم بموت المفقود من حيث الآثار القانونية المترتبة عليه.
المفقودين نتيجة العمليات الحربية
ويأخذ حكم الفقد نتيجة غرق السفن أو سقوط الطائرات المفقودين من أفراد القوات المسلحة أثناء العمليات الحربية, إلا أنه يشترط إنقضاء سنة هجرية من تاريخ الفقد إعمالاً لحكم المادة 23 من القانون ، وعلى ذلك فإن المفقود من أفراد القوات المسلحة في غير العمليات الحربية يخضع من حيث إجراءات الحكم بإعتباره ميتاً إلى ما يسرى على المفقودين المدنين .
والنص يتطلب حتى يسرى على المفقود حكم الفقرة الثانية منه توافر شرطين هما :
1- أن يكون المفقود من أفراد القوات المسلحة .
2- أن يكون فقده قد وقع أثناء العمليات الحربية .
ويتعين إجتماع الشرطين بحيث يؤدى تخلف أحدهما إلى خروج المفقود عن نطاق تطبيق الفقرة الثانية من المادة .
والحكمة من إختصاص المفقودين من أفراد القوات المسلحة أثناء العمليات الحربية بقواعد أيسر في تقرير إعتبارهم موتى هو طبيعة صفاتهم والحالة التى يغيبون فيها بإعتبار أنها مما يغلب عليها الهلاك دائماً لكونها تنحصر في العمليات الحربية .
وإعتبار المفقودين أثناء العمليات الحربية من رجال القوات المسلحة يكون بقرار يصدر من وزير الدفاع يتضمن أسماء المفقودين الذين إعتبروا أمواتاً .
وقد أوجب النص ألا يصدر هذا القرار إلا بعد إجراء التحريات اللازمة حول ظروف الفقد والوقوف على القرائن والشواهد التى تؤكد أن الفقد تم أثناء العمليات الحربية .
ويقوم القرار الذي يصدر من رئيس مجلس الوزراء أو من وزير الدفاع في الحالتين المنصوص عليهما فى الفقرة الثانية من المادة (الفقد نتيجة غرق السفن أو سقوط الطائرة وحالة الفقد أثناء العمليات الحربية لرجال القوات المسلحة) مقام الحكم الذي يصدر من القضاء بموت المفقود من حيث الآثار القانونية المترتبة عليه.
الحالة الثالثة – حكم المفقودين فى حالات لا يغلب عليها الهلاك
تضمنت الفقرة الأخيرة من المادة محل التعليق حالة المفقودين فى غير الأحوال المنصوص عليها فى الفقرتين الأولى والثانية .
و قد ضربت المذكرة الإيضاحية للنص أمثلة للغياب فى الحـالة التى لا يغلب عليها الهلاك بمن يغيب للتجارة أو طلب العلم أو السياحة ثم لا يعود وهى نماذج وردت على سبيل المثال لا الحصر .
وقد ترك النص أمر تقدير المدة التى يحكم بعدهـا بموت المفقود فى الحالات التى لا يغلب عليها الهلاك إلى القاضى بحيث لا تقل عن أربع سنوات تحتسب من تاريخ فقده ولكن يجوز أن تزيد عليها وذلك إسترشاداً بالغياب فى الحالة التى يغلب عليها الهلاك بإعتبار أن عدم الهلاك أدعى إلى التمهل وإنتظار عودة المفقود قبل الحكم بموته ويدخل فى تقدير المدة ما يعرف عن حالة المفقود الصحية وعمره وظروف غيابه وأسبابه .
والسنة المقصودة بالفقرة الأولى والثانية من المادة هى السنة الهجرية وليست السنة الميلادية عملاً بالمادة 23 من القانون .
وقت إعتبار المفقود ميتاً
وإذا كان النص قد اشترط مضى أربع سنوات على الأقل قبل الحكم بموت المفقودين عموماً أى سواء فى الحالة التى يغلب عليها أو لا يغلب عليها الهلاك إلا أنه لم يشترط سوى إنقضاء مدة سنة هجرية واحدة على غياب المفقود فى حالة غرق السفينة أو سقوط الطائرات أو من فقد من رجال القوات المسلحة أثناء العمليات الحربية قبل صدور قرار رئيس مجلس الوزراء أو وزير الدفاع بفقده ، مما يجوز معه أن يصدر القرار فى تلك الحالات قبل إنقضاء مدة الأربع سنوات سالفة الذكر .
وجوب التحري عن الغائب قبل الحكم بموته
وقد أوجب النص فى جميع الأحوال سبق التحرى عن المفقود قبل الحكم بموته ، والتكليف كما هو موجه للمدعى يخاطب أيضاً المحكمة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع الذين عليهم أيضاً إتخاذ كافة الإجراءات التى يتثبت منها بوفاة المفقود ، وقد جرى العمل فى هذا المجال على قيام المحكمة بإحالة الدعوى إلى التحقيق لسماع الشهود وتكليف جهة الإدارة بعمل التحريات الإدارية اللازمة بهذا الخصوص كما أن من المحاكم من يقوم بإستجواب أهلية المفقود من غير المدعى ولا يشترط فى التحرى أن يكون معاصراً لواقعة الغياب وإنما يمكن أن يتم بتاريخ لاحق لها .
الوكيل الغائب
وجدير بالذكر أن قرار تنصيب وكيل عن المفقود (وكيل الغائب) الذى يصدر عن محكمة الولاية على المال إعمالاً للمادة 74 من القانون رقم 119 لسنة 1952 لا يغنى عن إجراء التحريات والإجراءات المشار إليهـا والتى يؤدى التخلف عنهـا إلى تعيب الحكـم بعيب عدم تحصيل القانون.
ولا يعتبر المفقود ميتاً إلا بعد الحكم بموته وصيرورة هذا الحكم نهائياً والحكم هنا يكون ذا طبيعة منشئة وليست كاشفة على عكس الحكم بثبوت الغياب .
ومن الأحكام التى صدرت متضمنة المبادئ المتقدمة الحكم الصادر من محكمة شبين القناطر الشرعية فى القضية رقم 202 لسنة 1930 بتاريخ 29/1/1931 وفيه ذهبت المحكمة إلى أنه "يحكم بموت المفقود الذى يغلب عليه الهلاك بعد إتمام أربعة سنين من تاريخ فقده ويفوض الأمر للقاضى فيما عدا ذلك وهو يتحرى عنه بجميع الطرق الممكنة ومن هنا يبين أن الحكم بموت المفقود مقيد بمضى المدة فى جميع الأحوال وألا يكفى الإثبات وحده من غير هذا التحرى لزيادة الإحتياط والإطمئنان ولا يكفى فى هذا التحرى تنصيب الوكيل عنه وبعد هذا التحرى والإثبات لا مانع من الحكم بموته وهو موت حكمى فيعتبر بالموت الحقيقى فتعتد عروسه ويقتسم ورثته الموجودين يوم الحكم بموته أمواله ولا يرث من مات قبل تمام المدة أو بعدها وقبل الحكم بموته لأنه حين مات كان المفقود أى الغائب حياً ولو حكماً كما إذا كانت حياته معلومة .
ونحن نرى أنه لا يشترط إختصام الوكيل عن الغائب فى دعوى إثبات موت المفقود إلا إذا كان يراد الإحتجاج فى مواجهته بشيء مما يدخل فى إختصاصه القانونى كالتنفيذ فى مواجهته بخصوص دين وجب بعقده وعلى ذلك فوكيل الغائب لا يعد خصماً فيما يدعى على المفقود ولا فيما يدعيه له .موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الثاني ، الصفحة : 459
تعريف المفقود :
المفقود لغة المعدوم، وشرعاً هو الذي إنقطعت أخباره ولا يعرف مكانه ولا يعلم حياته ولا موته.
وقد نظم المرسوم بقانون رقم ۱۱۹ لسنة 1952 بأحكام الولاية على المال إدارة أموال الغائب.
فنص على أن تقيم المحكمة وكيلاً عن الغائب كامل الأهلية في الأحوال الآتية متى كانت قد إنقضت مدة سنة أو أكثر على غيابه وترتب على ذلك تعطيل مصالحه.
(أولاً): إذا كان مفقوداً لا تعرف حياته أو مماته.
(ثانياً): إذا لم يكن له محل إقامة ولا موطن معلوم، أو كان له محل إقامة أو موطن معلوم خارج جمهورية مصر وإستحال عليه أن يتولى شئونه بنفسه أو أن يشرف على من ينيبه في إدارتها (م74). وإذا ترك الغائب وكيلاً عاماً تحكم المحكمة بتثبيته - متى توافرت فيه الشروط الواجب توافرها في الوصي وإلا عينت غيره (م75). وتنتهي الغيبة بزوال سببها أو بموت الغائب أو بالحكم من جهة الأحوال الشخصية بإعتباره ميتاً (م 76).
المفقودون الذين كانوا على ظهر سفينة غرقت أو في طائرة سقطت أو من أفراد القوات المسلحة الذين فقدوا أثناء العمليات الحربية أو من أعضاء هيئة الشرطة وفقد أثناء العمليات الأمنية:
(أ) قبل العمل بالقانون رقم ۲ لسنة 2006:
المفقودون الذين يثبت أنهم كانوا على ظهر سفينة غرقت أو في طائرة سقطت أو من أفراد القوات المسلحة الذين فقدوا أثناء العمليات الحربية، كانوا قبل العمل بالقانون رقم 33 لسنة ۱۹۹۲ يخضعون للحكم الوارد بالمادة (۲۱) بالنسبة للمفقود الذي يغلب عليه الهلاك، فكان يصدر حكم من القضاء بموتهم بعد فوات مدة أربع سنين على تاريخ فقدهم، عدا المفقودين من أفراد القوات المسلحة أثناء العمليات الحربية فكان وزير الحربية يصدر قراراً بإعتبارهم موتى بعد مضى السنوات الأربع، ويقوم هذا القرار مقام الحكم.
غير أن القانون رقم 33 لسنة ۱۹۹۲ إستثني المفقودين الذين يثبت أنهم كانوا على ظهر سفينة غرقت أو في طائرة سقطت أو من أفراد القوات المسلحة الذين فقدوا أثناء العمليات الحربية، ونص على إعتبار كل منهم ميتاً بعد مضى سنة من تاريخ فقده ولم يشمل الإستثناء أعضاء هيئة الشرطة الذين يفقدون أثناء العمليات الأمنية.
فقد نصت الفقرة الثانية من المادة (۲۱) بعد تعديلها بالقانون المذكور على أن: «ويعتبر المفقود ميتاً بعد مضي سنة من تاريخ فقده، في حالة ما إذا ثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت، أو كان في طائرة سقطت، أو كان من أفراد القوات المسلحة وفقد أثناء العمليات الحربية»..
كما نص على أن يصدر رئيس مجلس الوزراء بعد التحري وإستظهار القرائن التي يغلب معها الهلاك، قراراً بأسماء المفقودين من هؤلاء عدا المفقودين من أفراد القوات المسلحة أثناء العمليات الحربية».
ويقوم القرار في الحالتين مقام الحكم بموت المفقود.
فقد جرى نص الفقرة الثالثة من المادة (۲۱) بعد تعديلها بالقانون المذكور على أن:
ويصدر رئيس مجلس الوزراء أو وزير الدفاع، بحسب الأحوال، وبعد التحري واستظهار القرائن التي يغلب معها الهلاك، قراراً بأسماء المفقودين الذين إعتبروا أمواتاً في حكم الفقرة السابقة. ويقوم هذا القرار مقام الحكم بموت المفقود».
وواضح من النص أنه يشترط لصدور قرار رئيس مجلس الوزراء أو وزير الدفاع بإعتبار المفقود میتاً ما يأتي :
أن يثبت أن المفقود كان على ظهر سفينة غرقت، أو كان في طائرة سقطت، أو كان من أفراد القوات المسلحة وفقد أثناء العمليات الحربية.
فإذا كان المفقود يستقل قطاراً أو سيارة مثلاً وتهشم القطار أو تهشمت السيارة، أو كان المفقود من أفراد القوات المسلحة وفقد في غير العمليات الحربية فإنه لابد من صدور حكم من القاضي.
۲) أن يمضي على الفقد مدة سنة هجرية.
۳) أن يقوم رئيس مجلس الوزراء أو وزير الدفاع - بحسب الأحوال - بالتحري وإستظهار القرائن التي يغلب معها الهلاك.
وقد قضت المادة الثانية من القانون رقم 33 لسنة ۱۹۹۲ على أن: «تسرى أحكام هذا القانون على من سبق فقده في أي من الحالات الواردة في الفقرة الثانية من المادة (۲۱) ومضى على فقده سنة على الأقل في تاريخ العمل بهذا القانون».
وهذا القانون عمل به إعتباراً من اليوم التالي لتاريخ نشره (م4)، وقد نشر القانون بتاريخ 1 / 6 / 1992 .
وقد حدا الشارع إلى إدخال التعديل السابق - على ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 33 لسنة ۱۹۹۲ - أنه لما كان المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ يجيز الحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك ولو لم يتحقق موته يقيناً، وحدد لغلبة الإعتقاد بموته مضى أربع سنوات من تاريخ فقده، وإذا كانت هذه المدة لازمة للإستيثاق من الهلاك في الأحوال التي يكون الهلاك فيها ظنياً بما يتطلب لترجيحه مضي تلك المدة دون ظهور المفقود، إلا أنه في أحوال الفقد في عرض البحر نتيجة حادث غرق سفينة أو سقوط طائرة، يكون الهلاك شبه مؤكد إذا لم تسفر إجراءات البحث بالوسائل الحديثة على العثور على المفقودين أحياء أو على جثتهم خلال بضعة أسابيع، لإستبعاد أن يظل من نجا حياً مجهول النجاة في أي موقع لمدة طويلة رغم وسائل الإتصال الحديثة، ولتعذر العثور على الجثث صالحة للتعرف على أصحابها بعد مضى بضعة أسابيع على الغرق نظراً لسرعة تحللها في المياه المالحة فضلاً عن تعرضها للأسماك المفترسة.
لذلك قد لا يكون من الملائم في مثل هذه الأحوال إنتظار تلك المدة الطويلة للإعتقاد بغلبة الهلاك لمن لم يعثر عليه حياً أو جثته ظاهرة المعالم المحددة لإسمه.
ولما كان هذا النوع من الحوادث قد كثر في الآونة الأخيرة تبعاً لإزدياد حركة السفن والطائرات بحراً وجواً، فقد أصبح من العنت بذوي المفقود من الركاب أو الطاقم إنتظار المدة المشار إليها كي يتقرر الحكم بموته لتبدأ حينئذ آثار إعتباره ميتاً، إذ تظل الزوجة معلقة على ذمته منذ فقده حتى يحكم بموته، كما أن تركته تظل دون إستحقاق الورثة لها بل وقد يؤدى موت أحدهم خلال تلك المدة إلى حرمانه من الإرث وبالتالى حرمان ورثته، كما يتعطل حق المتضررين بموته في إقتضاء التعويضات الناشئة عن ذلك، فضلاً عن أنه حتى بعد مضي المدة المشار إليها، يستلزم الحصول على حكم بموت المفقود إجراءات تستغرق من الوقت والجهد والمال ما يضيف إلى ذوي المفقود أعباء وإمتداداً للأضرار التي تلحق بهم، كل ذلك في أحوال لا يتطلب الإستيثاق من غلبة هلاك المفقود مضي هذا الوقت الطويل وإنما يكفي لهذا الإستيثاق مضى بضعة أسابيع على ما سلف بيانه.
- ولما كان القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ ببعض أحكام الأحوال الشخصية قد ركن في مادتيه (۲۱، ۲۲) إلى ما نص عليه فقهاء مذهب الإمام أبي حنيفة من تصحيح تفويض تقدير المدة التي يحكم بعدها بموت المفقود إلى رأي الإمام (ولي الأمر) وهذا قريب من فقه مذهب الإمام الشافعي في الجديد، كما أن مذهب الإمام مالك قد نص في بعض صور الفقد على أنه بعد البحث والتحري يضرب للمفقود أجل سنة.. فقد رئى الأخذ في مشروع هذا القانون بهذه الآراء المصححة في مذاهب هؤلاء الأئمة.
ومن ثم وتيسيراً على أسر هؤلاء المفقودين أعد مشروع القانون المرافق وهو يقضي في مادته الأولى بإعتبار من ثبت أنه كان على ظهر سفينة أو طائرة وفقد نتيجة غرقها أو سقوطها في البحر ميتاً متى مضى على فقده سنة من تاريخ الفقد.
وهذا التعديل قصد به التيسير على أسر المفقودين من الطوائف المستثناة على ما أوضحناه سلفاً، ومن ثم فإنه لا يحول بينهم وبين اللجوء إلى القضاء لإستصدار حكم بإعتبار المفقود ميتا إذا شاءوا، ولا يكون للمحكمة القضاء بعدم إختصاصها بنظر الدعوى.
والتعديل السابق صدر إثر غرق العبارة سالم إكسبريس الذي راح ضحيته عدد كبير من المصريين.
(ب) بعد العمل بالقانون رقم 2 لسنة 2006:
صدر القانون رقم ۲ لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية بتاريخ 15 فبراير 2006، ونشر بالجريدة الرسمية في ذات اليوم العدد 6 (مكرر): وقد نصت مادته الأولى على أن:
«يستبدل بنص الفقرة الثانية من المادة (۲۱) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية، النص الآتي:
مادة (۲۱ «فقرة ثانية):
ويعتبر المفقود ميتاً بعد مضي مدة خمسة عشر يوماً على الأقل من تاريخ فقده، في حالة ما إذا ثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت أو كان في طائرة سقطت، وبعد مضي سنة إذا كان من أفراد القوات المسلحة وفقد أثناء العمليات الحربية». فالتعديل الوارد بهذا النص قاصر على المفقود الذي ثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت أو كان في طائرة سقطت أما إذا كان المفقود من أفراد القوات المسلحة وفقد أثناء العمليات الحربية فحكمه باق على حاله.
كما أن التعديل قاصر فقط على المدة التي يتقرر بعد إنقضائها إعتبار المفقود ميتاً.
فمقتضى هذا التعديل أن المفقود والذي يثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت أو كان في طائرة سقطت يعتبر ميتاً بعد مضي مدة خمسة عشر يوماً على الأقل من تاريخ فقده. فالمدة المذكورة هي الحد الأدنى للمدة التي يعتبر بعدها المفقود ميتاً وبالتالي فإن المدة يمكن أن تمتد إلى أربع سنوات وفقاً للفقرة الأولى من المادة. ويخضع تحديد المدة لتقدير رئيس مجلس الوزراء على ضوء التحري وإستظهار القرائن التي يغلب معها الهلاك. ونورد بشأن هذا التعديل ما يأتي:
1- تاريخ سريان التعديل :
تنص المادة الثانية من القانون رقم ۲ لسنة 2006 على العمل بالقانون المذكور من اليوم التالى لتاريخ نشره أي إعتباراً من 16 فبراير سنة 2006.
ولما كان القانون المذكور قد استحدث حكماً جديداً يتعلق بذاتية قاعدة موضوعية آمرة متعلقة بالنظام العام، وهو تغيير المدة اللازمة لإعتبار المفقود ميتاً، فإنه يسرى بأثر فوري مباشر على وقائع الفقد السابقة على العمل به، ما لم يصدر بشأنها قرار نهائي.
۲- دواعي هذا التعديل :
صدر هذا التعديل إثر غرق الباخرة السلام (۹۸) في مياه البحر الأحمر يوم الجمعة الموافق 3 من فبراير سنة ۲۰۰6 وعلى متنها حوالي 1400 راكباً.
وقصد به سرعة تحديد المراكز القانونية لأسر المفقودين وما يتبع ذلك من أحقيتهم في صرف حقوقهم من التعويضات التي قد تسهم في تخفيف ما لحق بهم من أسى وألم. وأن فترة خمسة عشر يوماً هي فترة مناسبة لتغليب إحتمالات الوفاة لكل من فقد وثبت وجوده على ظهر سفينة غرقت أو طائرة سقطت فإن إحتمالات الهلاك هي الأكبر في هذه المدة.
(ج) بعد العمل بالقانون رقم 140 لسنة ۲۰۱۷:
رأينا سلفاً أن الفقرة الثانية من المادة (۲۱) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ بعد تعديلها بالقانون رقم 140 لسنة ۲۰۱۷ نصت على أن: يعتبر المفقود ميتاً بعد مضي ثلاثين يوما على الأقل من تاريخ فقده في حالة ما إذا ثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت أو كان في طائرة سقطت، أو بعد مضى سنة من تاريخ فقده إذا كان من أفراد القوات المسلحة وفقد أثناء العمليات الحربية أو من أعضاء هيئة الشرطة وفقد أثناء العمليات الأمنية.
فالقانون رقم 140 لسنة ۲۰۱۷ رفع الحد الأدنى للمدة التي يعتبر فيها المفقود ميتاً من تاريخ فقده في حالة ما إذا ثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت أو كان في طائرة سقطت إلى ثلاثين يوماً بدلاً من خمسة عشر يوماً. ذلك أن المشرع رأى أن المدة الأخيرة ليست مناسبة لتغليب إحتمالات الوفاة في الصورتين المذكورتين في بعض الحالات ويجب زيادتها.
كما أن القانون إعتبر المفقود ميتاً بعد مضي سنة من تاريخ فقده إذا كان من أعضاء هيئة الشرطة وفقد أثناء العمليات الأمنية، وذلك أسوة بأفراد القوات المسلحة الذين يفقدون أثناء العمليات الحربية، وذلك بعد إزدياد عدد الشهداء من أعضاء هيئة الشرطة بسبب مقاومة الإرهاب في الآونة الأخيرة، ولمنح أسرهم التيسير الممنوح لمن يفقد أثناء العمليات الحربية من أفراد القوات المسلحة.
وهذا التعديل يعمل به من اليوم التالي لتاريخ نشر القانون في الجريدة الرسمية (م ۲ من القانون). وقد نشر القانون بالجريدة الرسمية - كما رأينا - بتاریخ 22 / 7 / 2017 .
ويسري هذا التعديل بأثر فورى مباشر على وقائع الفقد السابقة على العمل به، ما لم يصدر بشأنها قرار نهائي. موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة 520
المفقود :
لغة : المعدوم بعد الوجود .
وهو إسم مفعول : من فقدت الشئ ، إذا أضللته ، يقال فقد الشيء يفقده فقدا، بمعنى غاب عنه وعدمه .
وإصطلاحاً : هو من غاب وإنقطع خبره ولم يدر أحي هو أم ميت .
المدة التي يحكم بعدها بموت المفقود :
لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية نص يحدد الزمن الذي يحكم بفواته موت المفقود لا صراحة ولا دلالة .
لذلك فقد إختلف العلماء في تحديد المدة ، وما تضع بماله وما تصنعه زوجته .
فذهب الحنفية والشافعية :
أن زوجة المفقود زوجته والمال ماله وإن طال الزمن حتى يغلب على الظن موته بموت أقرانه ، أو بمضي مدة لا يعيش لمثلها عادة . وفي تقديرها أقوال في المذهبين ، فقيل أنها سبعون سنة ، وقيل ثمانون سنة إلي مائة وعشرين سنة ، وفي قول الحنفية أن الأمر مفوض لرأي القاضي وإجتهاده .
فإذا غلب على الظن موته حكم بموته وإعتدت الزوجة عدة وفاة من وقت الحكم بالموت وقسم ماله بين ورثته الذين يرثونه عند الحكم بموته ، فلا يرثه من مات من ورثته قبل الحكم ، أو حدث إرثه بعده بزوال مانع عنه بعتق أو إسلام والحنفية والشافعية لا يفرقون بين غيبة وغيبة فسواء أكانت الغيبة ظاهرها السلامة أم الهلاك ، وسواء أكانت عقب سبب يؤدي إلى الهلاك أم لا، وسواء أكانت في أرض الإسلام أم غيرها ، أم كانت في بر أو بحر .
واستدلوا على ما ذهبوا إليه :
بما أخرجه الدارقطني عن سوار بن مصعب عن محمد بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إمرأة المفقود إمرأته حتى يأتيها البيان ، وبما روي عن علي رضي الله عنه قال في إمرأة المفقود - إمرأة المفقود - هي إمرأة إبتليت فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق .
كما أن النكاح بين المفقود وزوجته ثابت بيقين ، ومجرد الغيبة لا يوجب الفرقة وإنما يوجبها الموت ، وموت المفقود مشكوك فيه ، ومن القواعد أن اليقين لا يزول بالشك ، وبقاء ما كان على ما كان حتى يظهر خلافه ، فوجب عملاً بالثابت المتيقن ترك الأمر حتى يتيقن الحال .
ويري الحنابلة :
أن الغيبة نوعان الأولى :غيبة ظاهرها السلامة كسفر للتجارة والسياحة وطلب العلم والحكم فيها كما يقول الحنفية والشافعية أنه لابد من مضي مدة التعمير ، وقدرت بتسعين سنة من وقت الولادة للمفقود .
والثانية : غيبة ظاهرها الهلاك كالذي يفقد من بين أهله أو يخرج للصلاة فلا يرجع أو من غرق في سفينة ونحو ذلك من سائر أسباب الهلاك ، والحكم فيها أن ينتظر أربع سنين فإن لم يظهر له خبر قسم ماله وإعتدت زوجته للوفاة أربعة أشهر وعشرة ، وقيل لا يقسم ماله حتى تمضي عدة الوفاة بعد الأربع سنين ولا يفتقر ذلك إلى حكم من المحكمة .
ويري المالكية :
أنه يتعين التفرقة بين ما إذا كانت غيبته ظاهرها السلامة ، أو ظاهرها الهلاك ففي الأولي يرون أنه لابد من قضاء مدة التعمير ، ولابد من الحكم بموته بعد انقضاء هذه المدة .
وفي الثانية : إما أن تكون بسبب من شأنه الهلاك كمعترك أو طاعون أو غرق سفينة فإنها تعتد بعد إنتهاء السبب - المعركة أو ذهاب الطاعن .
أما إذا لم تكن بعد سبب كما إذا سافرت في أرض الإسلام لغرض من الأغراض وفقد فيها .
فالحكم فيها أنها تتربص أربع سنوات ثم تعتد عدة الوفاة وذلك بعد البحث والتحري عنه حتى يغلب على الظن موته .
وقد إستدل المالكية والحنابلة :
فقد روي أن رجلاً فقد في عهد عمر فجاءت إمرأته إليه فذكرت له فأمرها أن تتربص أربع سنين ثم أمر وليه من بعده أن يطلقها ثم أمرها أن تعتد فإعتدت ثم تزوجت بآخر ، ثم جاء زوجها الأول فخيره بين الزوجة والصداق .
كما أن من حق المرأة في حال غيبة زوجها أن يفرق القاضي بينهما بعد مدة ، ولأن المرأة تتضرر من ذلك ضرراً بليغاً قد يؤدي إلي الفساد ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) فكذلك زوجة المفقود ، وإن قيل أنها تبقي إلي أن يعلم خبره بقيت لا أيما ولا ذات زوج ، والشريعة الإسلامية لم تأت بمثل هذا إذ أنها شريعة صالحة لكل زمان ومكان ، وذلك لأن المرأة وما تركب في طبعها من حب الشهوات وميل مع الهوي لا يمكنها أن تصبر على البعد عن زوجها المدة الطويلة .
والحكمة في التقدير أربع سنين :
لأنها أقصي مدة تقدير للحمل ، وبذلك يتبين براءتها بيقين فيحكم بالتفريق على وجه يطمئن بخلو المرأة من غرس زوجها ، وقد خالفت مدة الفقد مدة الإيلاء والعنة لأن الإيلاء بإختيار الرجل وقد كان بيده ألا يولي من إمرأته ، ولأن العنة بعد سنة يغلب على الظن أنها لا تزول .
المذكرة الإيضاحية :
لقد كان أمر المفقود سواء من حيث حكم زوجته أو تركته كانت محكومة قبل صدور القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ بمذهب الإمام أبي حنيفة وهو الإنتظار حتى يبلغ سنه تسعين سنة منذ ولادته ، وقد جاءت المادتان ۲۱ ، ۲۲ من ذات القانون بتنظيم أحكام المفقود .
وقد أوردت المذكرة الإيضاحية لهاتين المادتين المستبدلتين بالقانون رقم 33 لسنة ۱۹۹۲ أن الوزارة رأت أن تضع أحكاماً لأحوال المفقود تصلح من الحالة الموجودة الآن وتتناسب مع حالة العصر الحاضر بقدر المستطاع .
فرأت الحكم بموت المفقود إذا مات أقرانه أو بلغ من العمر تسعين سنة حسب أحكام مذهب أبي حنيفة الجاري عليها العمل بالمحاكم الشرعية أصبح لا يتفق الآن مع حالة الرقي التي وصلت إليها طرق المواصلات في العصر الحاضر .
فإن التخاطب بالبريد والتلغراف والتليفون وإنتشار مفوضيات وقنصليات المملكة المصرية في أنحاء العالم جعل من السهل البحث عن الغائبين غيبة منقطعة ( المفقودين ) ومعرفة إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة أو لا في وقت قصير .
وقد عنيت الوزارة قبل الأن بأمر زوجة المفقود فوضعت لها أحكاماً في القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۰ من مذهب الإمام مالك . مادتي ( ۷، ۸ ).
أما أمر ماله فقد ترك على الحالة الجاري عليها العمل من قبل المحاكم ولكن تبين من البحث وجود قضايا كثيرة بالمجالس الحسبية تختص بأموال المفقودين تستدعي الإهتمام والعناية بتصريف أمور هذه الأموال على وجه أصلح ، فقد بلغت هذه القضايا لغاية فبراير سنة ۱۹۲۷ و 1196 قضية تزيد قيمتها عن ألف جنيه والباقي قيمته بين هذين المقدارين لهذا رأت الوزارة أن تضع أحكام الأموال المفقودة من الحالة الموجودة الآن ، وتتناسب مع حالة العصر الحاضر بقدر المستطاع ، ولما كان بعض المفقودين يفقد في حالة يظن معها موته كمن يخرج لقضاء حاجة غربية ثم لا يعود أو يفقد في ميدان القتال ، والبعض الآخر يفقد في حالة يظن بقاؤه سالماً كمن يغيب للتجارة أو طلب العلم أو سياحة ثم لا يعود ، رأت الوزارة الأخذ بمذهب الإمام أحمد بن حنبل ، الحالة الأولي ويقول صحيح في مذهبه ومذهب الإمام أبي حنيفة في الحالة الثانية - ففي الحالة الأولي ينتظر إلي إتمام أربع سنين من حين فقده فإذا لم يعد وبحث عنه فلم يوجد اعتدت زوجته عدة الوفاة وحلت للأزواج وقسم ماله بين ورثته .
وفي الحالة الثانية يفوض أمر تقدير المدة التي يعيش بعدها المفقود إلي القاضي فإذا بحث في مكان وجوده بكل الطرق الممكنة وتحري عنه بما يوصل إلى معرفة حاله فلم يجده وتبين له أن مثله لا يعيش إلى هذا الوقت حكم بموته .
ولما كان الراجح من مذهب الإمام أبي حنيفة أنه لابد من حكم القاضي المفقود وأنه من تاريخ الحكم بموته تعتد زوجته عدة الوفاة ويستحق تركته ورثته الموجودين وقد رؤي الأخذ بمذهبه في الحالتين لأنه أضبط وأصلح لنظام العمل في القضاء ، لهذا وضعت المادتان الحادية والعشرون والثانية والعشرون من هذا النوع .
وقد صدر القانون رقم 103 لسنة 58 بتعديل المادتين ۲۱، ۲۲ من القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ فأناط التعديل لوزير الدفاع فيما يختص بالمفقودين من رجال القوات المسلحة أثناء العمليات البحرية أن يصدر قراراً بإعتبارهم موتي بعد مضي الأربع سنوات ، ويقوم هذا القرار مقام الحكم بحيث تعتد زوجة المفقود من أفراد القوات المسلحة وتقسم تركته من وقت صدور قرار وزير الدفاع بإعتبار المفقودين منهم موتي .
الخلاصة :
أن الحكم بموت المفقود يتمثل في حالتين :
الحالة الأولي : فيما إذا كان الغائب فقد في حالة يظن معها موته كمن يخرج لقضاء حاجة غريبة ثم لا يعود أو يفقد في ميدان القتال ، أو خرج إلى الصلاة ثم لم يعد ، ورفعت الزوجة أو الورثة الأمر إلى القاضي التحقق من حال فقده ، وبعد إجراء التحري والبحث عنه بكافة الطرق الممكنة وإستماع البينة ، ففي تلك الحالة تنتظر إلي أربع سنين من تاريخ فقده ، فإذا لم يعد بعد البحث عنه إعتدت زوجته عدة الوفاة وحلت للأزواج وقسم ماله بين ورثته وقت صدور الحكم .
الحالة الثانية : هو الغائب إذا فقد في حالة يظن معها بقاؤه سالماً كمن يخرج للتجارة أو لطلب العلم أو للسياحة ثم لم يعد فيفوض أمر المدة التي يحكم بعدها بموته إلي القاضي وذلك بعد البحث عنه وإجراء التحريات بكافة الطرق الممكنة ، فإذا لم يجده حكم بموته ثم تعتد زوجته عدة الوفاة ، وبعدها تحل للأزواج وتقسم تركته بين ورثته وقت صدور الحكم بموته .
أما عن المادة 8 من القانون 25 لسنة ۱۹۲۰ فإنها مأخوذة من مذهب الإمام مالك الذي رأي أنه إذا تزوجت إمرأة المفقود ثم جاءت أو تبينت حياته أو موته في العدة أو بعدها وقبل عقد الثاني أو بعده وقبل تلذذه أو بعده عالماً بما ذكر فهي زوجة المفقود ، وتكون للثاني إذا تزوج بها غير عالم. لذلك فالمادة الثامنة من القانون سالف البيان قد جاءت متفقة تمام الموافقة مع مذهب الإمام مالك ، أن زوجة المفقود إذا تزوجت وجاء المفقود أو لم يجئ وتبين أنه حي كانت الزوجة للمفقود ما لم يتلذذ بها الزوج الثاني غير عالم بحياة الأول ، فإن تلذذ بها الثاني غير عالم بحياة الزوج الأول كانت الزوجة للثاني ما لم يكن عقده في عدة وفاة الأول ، أو تلتذ بها الثاني عالماً بحياته أو بموته في العدة أو بعدها كانت المفقود . الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 504
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والثلاثون ، الصفحة / 267
مَفْقُودٌ
التَّعْرِيفُ:
- الْمَفْقُودُ فِي اللُّغَةِ: الضَّائِعُ وَالْمَعْدُومُ، يُقَالُ: فَقَدَ الشَّيْءَ يَفْقِدُهُ فَقْدًا، وَفِقْدَانًا، وَفُقُودًا: ضَلَّهُ وَضَاعَ مِنْهُ، وَفَقَدَ الْمَالَ وَنَحْوَهُ: خَسِرَهُ وَعَدِمَهُ.
وَالْمَفْقُودُ فِي الاِصْطِلاَحِ: غَائِبٌ لَمْ يُدْرَ مَوْضِعُهُ وَحَيَاتُهُ وَمَوْتُهُ، وَأَهْلُهُ فِي طَلَبِهِ يَجِدُّونَ، وَقَدِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ أَثَرُهُ.
أَنْوَاعُ الْمَفْقُودِ
- الْمَفْقُودُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ نَوْعٌ وَاحِدٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَفْقُودَ عَلَى أَنْوَاعٍ:
الأْوَّلُ: الْمَفْقُودُ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّعَ هَذَا النَّوْعَ إِلَى مَفْقُودٍ فِي زَمَانِ الْوَبَاءِ، وَمَفْقُودٍ فِي غَيْرِهِ.
الثَّانِي: الْمَفْقُودُ فِي بِلاَدِ الأَْعْدَاءِ.
الثَّالِثُ: الْمَفْقُودُ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْكُفَّارِ.
الرَّابِعُ: الْمَفْقُودُ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالْمَفْقُودُ عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ:
الأَْوَّلُ: مَنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيْبَةٍ ظَاهِرُهَا السَّلاَمَةُ، كَالْمُسَافِرِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِلسِّيَاحَةِ أَوْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الثَّانِي: مَنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيْبَةٍ ظَاهِرُهَا الْهَلاَكُ، كَالْجُنْدِيِّ الَّذِي يُفْقَدُ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَرَاكِبِ السَّفِينَةِ الَّتِي غَرِقَتْ وَنَجَا بَعْضُ رُكَّابِهَا، وَالرَّجُلِ الَّذِي يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، كَمَنْ خَرَجَ إِلَى السُّوقِ أَوْ إِلَى حَاجَةٍ قَرِيبَةٍ فَلَمْ يَرْجِعْ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا مَنْ فُقِدَ فِي صَحْرَاءَ مُهْلِكَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
- أَمَّا الأَْسِيرُ، الَّذِي لاَ يُدْرَى أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مَفْقُودًا فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَلَمْ يَجْعَلُوا الأَْسِيرَ مَفْقُودًا وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَوْضِعُهُ وَلاَ مَوْقِعُهُ بَعْدَ الأَْسْرِ إِلاَّ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الأَْسِيرَ الَّذِي تُعْرَفُ حَيَاتُهُ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَْوْقَاتِ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ خَبَرُهُ، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُ مَوْتٌ وَلاَ حَيَاةٌ
يُعْتَبَرُ مَفْقُودًا مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي عِنْدَهُمْ.
وَقَدِ اعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ الْمُرْتَدَّ الَّذِي لَمْ يَعُدْ أُلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَمْ لاَ مَفْقُودًا.
وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْمَالِكِيَّةُ الْمَحْبُوسَ الَّذِي لاَ يُسْتَطَاعُ الْكَشَفُ عَنْهُ مَفْقُودًا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَفْقُودِ:
يَتَعَلَّقُ بِالْمَفْقُودِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:
أ - زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ
- مِنَ الثَّابِتِ شَرْعًا أَنَّ الْفِقْدَانَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ تَبْقَى عَلَى نِكَاحِهِ، وَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا، وَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلاَقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلاَؤُهُ، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، مَا لَمْ يَنْتَهِ الْفِقْدَانُ.
وَلَكِنْ إِلَى مَتَى تَبْقَى كَذَلِكَ؟ لَمْ يَأْتِ فِي السُّنَّةِ إِلاَّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ هُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: «امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْخَبَرُ».
وَهَذَا النَّصُّ الْمُجْمَلُ جَاءَ بَيَانُهُ فِي قَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه: بِأَنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ تَبْقَى عَلَى عِصْمَته إِلَى أَنْ يَمُوتَ، أَوْ يَأْتِيَ مِنْهُ طَلاَقُهَا.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو قِلاَبَةَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ.
وَذَهَبَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه إِلَى أَنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَإِذَا انْقَضَتْ حَلَّتْ لِلأَْزْوَاجِ.
وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ عُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، هُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ رضي الله عنهم، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ الْقِتَالِ تَرَبَّصَتِ امْرَأَتُهُ سَنَةً، وَإِذَا فُقِدَ فِي غَيْرِهِ تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَفْقُودَ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ تَتَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَحِلُّ لِلأْزْوَاجِ، وَأَمَّا الْمَفْقُودُ فِي بِلاَدِ الأَْعْدَاءِ، فَإِنَّ زَوْجَتَهُ لاَ تَحِلُّ لِلأَْزْوَاجِ إِلاَّ إِذَا ثَبَتَ مَوْتُهُ، أَوْ بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ حَدًّا لاَ يَحْيَا إِلَى مِثْلِهِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِسَبْعِينَ سَنَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: إِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَذَهَبَ أَشْهَبُ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.
أَمَّا الْمَفْقُودُ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْكَفَّارِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلاَدِ الأَْعْدَاءِ، وَعَنْ مَالِكٍ: تَتَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً، ثُمَّ تَعْتَدُّ، وَقِيلَ: هُوَ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الْمَفْقُودُ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَجَلٌ مُعَيَّنٌ، وَإِنَّمَا تَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ مِنْ يَوْمِ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ، وَقِيلَ: تَتَرَبَّصُ سَنَةً ثُمَّ تَعْتَدُّ، وَقِيلَ: يُتْرَكُ ذَلِكَ لاِجْتِهَادِ الإِْمَامِ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَعِنْدَهُمْ فِي الْمَفْقُودِ الَّذِي ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلاَمَةُ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّلُ: لاَ تَزُولُ الزَّوْجِيَّةُ مَا لَمْ يَثْبُتْ مَوْتُهُ.
الثَّانِي: أَنَّ زَوْجَتَهُ تَنْتَظِرُ حَتَّى يَبْلُغَ مِنَ الْعُمْرِ تِسْعِينَ سَنَةً فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْمُدَّةَ مُفَوَّضَةٌ إِلَى رَأْيِ الإِْمَامِ وَالرِّوَايَةُ الأُْولَى هِيَ الْقَوِيَّةُ الْمُفْتَى بِهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ مَنْ قَدَّرَ الْمُدَّةَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً.
وَأَمَّا الْمَفْقُودُ الَّذِي ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ الْهَلاَكُ، فَإِنَّ زَوْجَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
بَدْءُ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ
- تَبْدَأُ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ مِنْ حَيْنِ رَفْعِ الأَْمْرِ إِلَى الْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه، وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَعَلَيْهِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ مَنْ قَالَ بِالتَّرَبُّصِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ تَبْدَأُ مِنْ حِيْنِ الْيَأْسِ مِنْ وُجُودِ الْمَفْقُودِ بَعْدَ التَّحَرِّي عَنْهُ، وَهُوَ الْقَوْلُ الأَْظْهَرُ لِلشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ الْقَدِيمِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَقِيلَ: تَبْدَأُ الْمُدَّةُ مِنْ حِيْنِ الْغَيْبَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ الْقَدِيمِ، وَالرِّوَايَةُ الأَْصَحُّ وَالصَّوَابُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَهُنَاكَ نُصُوصٌ نُقِلَتْ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللع عنهم، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ دُونَ تَحْدِيدِ مَتَى تَبْدَأُ.
وَذَهَبَ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، رضي الله عنهم، وَعَطَاءٌ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يُطَلِّقَ وَلِيُّ الْمَفْقُودِ زَوْجَتَهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ لِطَلاَقِ الْوَلِيِّ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ وَالْمُتَّفِقُ مَعَ الْقِيَاسِ «.
مَا يَجِبُ عَلَى زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ
- يَجِبُ عَلَى زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ أَنْ تَعْتَدَّ لِلْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَالصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَخَذُوا بِقَوْلِهِ.
وَلاَ تَحْتَاجُ الزَّوْجَةُ بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ لِحُكْمٍ مِنَ الْحَاكِمِ بِالْعِدَّةِ، وَلاَ بِالزَّوَاجِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا فِي قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ عِنْدَهُمْ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الْحُكْمِ.
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالتَّفْرِيقِ:
- إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَفْقُودِ وَزَوْجَتِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَنْفُذُ بِالظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقِيلَ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ.
وَلِهَذَا نَتَائِجُ فِي أَثَرِ ظُهُورِ الْمَفْقُودِ حَيًّا فِي نِكَاحِ الزَّوْجَةِ غَيْرَهُ (ر: ف 25 - 26).
فَإِنْ تَزَوَّجَتِ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ فِي وَقْتٍ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ فِيهِ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، لأِنَّ حُكْمَ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الأَْوَّلِ عَلَى حَالِهِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَتِ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ قَبْلَ مُضِيِّ الزَّمَانِ الْمُعْتَبَرِ لِلتَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا أَوْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ تَنْقَضِي فِيهَا الْعِدَّةُ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ لأِنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ فَأَشْبَهَتِ الزَّوْجَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ فَإِنَّ نِكَاحَهَا صَحِيحٌ وَبِالْقَوْلِ الأَْوَّلِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ.
وَلَوِ ادَّعَتِ امْرَأَةٌ أَنَّهَا زَوْجَةٌ لِلْمَفْقُودِ، وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُقْضَ لَهَا بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَمَبْنَى الْمَسْأَلَةِ قَائِمٌ عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَعَدَمِهِ.
فِي بَيْعِ مَالِ الْمَفْقُودِ
- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ عَقَارَ الْمَفْقُودِ، وَلاَ الْعُرُوضَ الَّتِي لاَ يَتَسَارَعُ إِلَيْهَا الْفَسَادُ، وَأَمَّا مَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالثِّمَارِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ، وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جِوَازِ بَيْعِ أَمْوَالِ الْمَفْقُودِ إِذَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ أَوِ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ ضَمَانِ عَيْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ
ثَانِيًا: فِي قَبْضِ حُقُوقِ الْمَفْقُودِ
- لَيْسَ لِلْقَاضِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ الْمَفْقُودِ الَّذِي فِي يَدِ مُودِعِهِ، وَلاَ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ الشَّرِيكِ الْمُضَارِبِ، لأِنَّهُمَا نَائِبَانِ عَنِ الْمَفْقُودِ فِي الْحِفْظِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ رَأَى مَصْلَحَةً فِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَدِينُ غَيْرَ ثِقَةٍ.
وَلَوْ أَنَّ الْمَدِينَ دَفَعَ الدَّيْنَ إِلَى زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ أَوْ وَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ لَوْ دَفَعَ الأُْجْرَةَ، فَإِنَّ الذِّمَّةَ لاَ تَبْرَأُ مَا لَمْ يَأْمُرِ الْقَاضِي بِذَلِكَ، هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ دُيُونَ الْمَفْقُودِ لاَ تُدْفَعُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِلسُّلْطَانِ.
ثَالِثًا: فِي الإِْنْفَاقِ مِنْ مَالِ الْمَفْقُودِ
- مِنَ الثَّابِتِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ (ر: ف 4)، وَهَذِهِ النَّفَقَةُ تَكُونُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ، بِذَلِكَ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنها: تَسْتَدِينُ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَخَذَتْ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ أَخَذَتْ مِنْ نَصِيبِهَا مِنَ الْمِيرَاثِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَفْقُودِ مَالٌ، وَطَلَبَتِ الزَّوْجَةُ مِنَ الْقَاضِي الْحُكْمَ لَهَا بِالنَّفَقَةِ فَإِنَّهُ يُجِيبُهَا إِلَى ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَهُوَ قَوْلٌ لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُ: لاَ يُجِيبُهَا، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَقَالَ زُفَرُ: يَأْمُرُهَا الْقَاضِي بِأَنْ تَسْتَدِينَ، وَتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا.
وَتَنْقَطِعُ النَّفَقَةُ بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ، أَوْ بِمُفَارِقَتِهِ لَهَا فَإِنِ اسْتَمَرَّتْ بِقَبْضِ النَّفَقَةِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ أَوْ فَارَقَهَا ثُمَّ رَجَعَ، فَعَلَيْهَا أَنْ تُعِيدَ مَا قَبَضَتْهُ مِنْ تَارِيخِ الْمَوْتِ، أَوِ الْمُفَارِقَةِ.
وَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِزَوَاجِ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَسْقُطُ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الْمَفْقُودِ، أَوْ بِزَوَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ
وَيَجِبُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم، وَفِيهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ.
- وَيَجِبُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ نَفَقَةُ الْفُقَرَاءِ مِنْ أَوْلاَدِهِ وَوَالِدِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا لاِسْتِحْقَاقِ الأَْبَوَيْنِ النَّفَقَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَضَى بِهَا قَاضٍ قَبْلَ الْفَقْدِ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَفْقُودَ مَيِّتٌ، وَاسْتَمَرَّ هَؤُلاَءِ بِقَبْضِ النَّفَقَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ مَوْتِهِ، فَإِنَّهُمْ يَغْرَمُونَ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ مِنْ يَوْمِ مَاتَ، لأِنَّهُمْ وَرَثَةٌ.
- وَتُسْتَوْفَى النَّفَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ لِلزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ وَالْوَالِدَيْنِ مِنْ دَرَاهِمِ الْمَفْقُودِ وَدَنَانِيرِهِ وَمِنَ التِّبْرِ أَيْضًا، إِذَا كَانَ كُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ يَدِ الْقَاضِي، أَوْ كَانَ وَدِيعَةً، أَوْ دَيْنًا لِلْمَفْقُودِ، وَقَدْ أَقَرَّ الْوَدِيعُ وَالْمَدِينُ بِذَلِكَ، وَأَقَرَّا بِالزَّوْجِيَّةِ وَالنَّسَبِ.
وَيَنْتَصِبُ الْوَدِيعُ وَالْمَدِينُ خَصْمًا فِي الدَّعْوَى، لأِنَّ الْمَالَ تَحْتَ يَدِهِمَا، فَيَتَعَدَّى الْقَضَاءُ مِنْهُمَا إِلَى الْمَفْقُودِ، فَإِنْ كَانَ الْوَدِيعُ أَوِ الْمَدِينُ مُنْكِرًا لِلْوَدِيعَةِ أَوِ الدَّيْنِ أَوِ الزَّوْجِيَّةِ وَالنَّسَبِ، لَمْ يَصْلُحْ لِمُخَاصَمَةِ أَحَدٍ مِنْ مُسْتَحِقِّي النَّفَقَةِ، وَلاَ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ ضِدَّهُ.
وَلَيْسَ لِهَؤُلاَءِ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَفْقُودِ الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ كَالثِّمَارِ، وَنَحْوِهَا، فَإِنْ بَاعُوهُ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَلَيْسَ لَهُمْ بَيْعُ دَارِ الْمَفْقُودِ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِهِ سِوَاهَا، وَاحْتَاجُوا لِلنَّفَقَةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مُسْتَحِقِّي النَّفَقَةِ كَفِيلاً، لاِحْتِمَالِ أَنْ يَحْضُرَ الْمَفْقُودُ، وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى طَلاَقِ امْرَأَتِهِ، وَأَنَّهُ تَرَكَ لأَِوْلاَدِهِ مَالاً يَكْفِي لِنَفَقَتِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمَفْقُودِ بِالنَّفَقَةِ لِمُسْتَحِقِّيهَا لَيْسَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْكِينٌ لَهُمْ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِمْ.
وَلاَ تَجِبُ عَلَى الْمَفْقُودِ نَفَقَةُ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِ الْمَفْقُودِ غَيْرَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا آنِفًا.
خَامِسًا: فِي الإِْرْثِ:
- يُعْتَبَرُ الْمَفْقُودُ حَيًّا بِالنِّسْبَةِ لأَِمْوَالِهِ، فَلاَ يَرِثُ مِنْهُ أَحَدٌ، وَيَبْقَى كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ مَوْتُهُ حَقِيقَةً، وَيُحْكَمَ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (ر: ف 20 - 21).
- وَلاَ يَرِثُ الْمَفْقُودُ مِنْ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ وَقْفُ نَصِيبِهِ مِنْ إِرْثِ مُوَرِّثِهِ، وَيَبْقَى كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يُتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ كَمِيرَاثِ الْحَمْلِ، فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ حَيٌّ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ مِنَ الإِْرْثِ كَذَلِكَ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ أَوْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ، فَإِنَّ مَا أُوقِفَ مِنْ نَصِيبِهِ يُرَدُّ إِلَى وَرَثَةِ الْمُوَرِّثِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَفْقُودُ مِمَّنْ يَحْجُبُ الْحَاضِرِينَ، لَمْ يُصْرَفْ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ، بَلْ يُوقَفُ الْمَالُ كُلُّهُ.
وَإِنْ كَانَ لاَ يَحْجُبُهُمْ، يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ الأَْقَلَّ مِنْ نَصِيبِهِ الإِْرْثِيِّ عَلَى تَقْدِيرِ حَيَاةِ الْمَفْقُودِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ مَوْتِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ: رَجُلٌ مَاتَ عَنْ بِنْتَيْنِ، وَابْنٍ مَفْقُودٍ، وَابْنِ ابْنٍ، وَبِنْتِ ابْنٍ، وَطَلَبَتِ الْبِنْتَانِ الإِْرْثَ، فَإِنَّ فَرْضَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الثُّلُثَانِ، لاَ يُدْفَعُ إِلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا يُدْفَعُ إِلَيْهِمَا النِّصْفُ؛ لأِنَّهُ أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ، وَلاَ يُدْفَعُ شَيْءٌ لاَبْنِ الاِبْنِ، وَلاَ لِبِنْتِ الاِبْنِ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَحُكِمَ بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ، أُعْطِيَتِ الْبِنْتَانِ السُّدُسَ، لِيَتِمَّ لَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَأُعْطِيَ الْبَاقِي لأَِوْلاَدِ الاِبْنِ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، وَعَلَى مَا سَبَقَ اتِّفَاقُ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ مَا ذُكِرَ مِنْ خِلاَفٍ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ حَوْلَ رَدِّ مَا أُوقِفَ مِنْ نَصِيبِ الْمَفْقُودِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ رَغْمَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ إِلَى وَرَثَةِ الْمُوَرِّثِ وَهَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ الأَْصَحَّ فِيهِ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمَفْقُودِ، يُوَزَّعُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَعَلَيْهِ الْمَذْهَبُ.
- وَلَوِ ادَّعَى وَرَثَةُ رَجُلٍ أَنَّهُ فُقِدَ، وَطَلَبُوا قِسْمَةَ مَالِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَقْسِمُهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِهِ، وَتَكُونُ الدَّعْوَى بِأَنْ يَجْعَلَ الْقَاضِي مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ خَصْمًا عَنِ الْمَفْقُودِ، أَوْ يُنَصِّبُ عَنْهُ قَيِّمًا فِي هَذِهِ الْوِلاَيَةِ.
الْوَكِيلُ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمَفْقُودُ:
- مَنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ، ثُمَّ فُقِدَ فَإِنَّ الْوِكَالَةَ تَبْقَى صَحِيحَةً؛ لأِنَّ الْوَكِيلَ لاَ يَنْعَزِلُ بِفَقْدِ الْمُوَكِّلِ.
وَلِهَذَا الْوَكِيلِ أَنْ يَحْفَظَ الْمَالَ الَّذِي أَوَدَعَهُ الْمَفْقُودُ، وَلَيْسَ لأَِمِينِ بَيْتِ الْمَالِ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِهِ.
وَأَمَّا قَبْضُ الدُّيُونِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا غُرَمَاءُ الْمَفْقُودِ، وَقَبْضُ غَلاَّتِ أَمْوَالِهِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ ابْنُ عَابِدِينَ إِلَى أَنَّ لِوَكِيلِ الْمَفْقُودِ حَقُّ قَبْضِ الدِّيُونِ وَالْغَلاَّتِ مَا دَامَ قَدْ وُكِّلَ بِذَلِكَ.
وَلِلْحَنَابِلَةِ فِي قَبْضِ وَكِيلِ الْمَفْقُودِ لِلْغَلاَّتِ قَوْلاَنِ.
وَلَيْسَ لِمَنْ كَانَ وَكِيلاً بِعَمَارَةِ دَارِ الْمَفْقُودِ أَنْ يُعَمِّرَهَا إِلاَّ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَلَعَلَّهُ مَاتَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّصَرُّفُ لِلْوَرَثَةِ «.
- الْوَكِيلُ الَّذِي يُعَيِّنُهُ الْقَاضِي:
- إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَفْقُودِ وَكِيلٌ فَإِنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ لَهُ وَكِيلاً.
وَهَذَا الْوَكِيلُ يَتَوَلَّى جَمْعَ مَالِ الْمَفْقُودِ وَحِفْظِهِ وَقَبْضِ كُلِّ حُقُوقِهِ مِنْ دُيُونٍ ثَابِتَةٍ وَأَعْيَانٍ وَغَلاَّتٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ إِلاَّ بِإِذْنِ الْقَاضِي فِي الْحُقُوقِ الَّتِي لِلْمَفْقُودِ، وَفِي الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَوَافَقَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِحَقٍّ عَلَى الْمَفْقُودِ، وَلاَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ إِنْ قَبِلَ ذَلِكَ، وَحَكَمَ بِهِ، نَفَذَ حُكْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَفْقُودِ.
وَلَوْ طَلَبَ وَرَثَةُ الْمَفْقُودِ مِنَ الْحَاكِمِ نَصْبَ وَكِيلٍ عَنْهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِذَلِكَ.
مَوْتُ الْمَفْقُودِ:
- إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَفْقُودَ قَدْ مَاتَ فَقَدِ انْتَهَتْ حَالَةُ الْفِقْدَانِ، لِزَوَالِ الْجَهَالَةِ الَّتِي كَانَتْ تُحِيطُ حَيَاتَهُ أَوْ مَوْتَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْفُقَهَاءِ.
وَلاَ بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مَوْتِهِ أَمَامَ الْقَاضِي، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَمْ يَشْتَرِطُوا صُدُورَ حُكْمٍ بِذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَدَّعُوا مَوْتَ الْمَفْقُودِ، وَيُقَدِّمُوا الْبَيِّنَةَ لإِِثْبَاتِ ذَلِكَ، وَيَخْتَارُ الْقَاضِي وَكِيلاً عَنِ الْمَفْقُودِ يُخَاصِمُ الْوَرَثَةَ، فَإِذَا أَثَبَتَتِ الْبَيِّنَةُ مَوْتَهُ، قَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ.
وَيُقَسَّمُ مِيرَاثُ الْمَفْقُودِ بَيْنَ الأَْحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ، وَعَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْفُقَهَاءِ، لأِنَّ شَرْطَ التَّوْرِيثِ بَقَاءُ الْوَارِثِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ.
- أَمَّا مِيرَاثُ الزَّوْجَةِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ كَمَا يَلِي: ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إِلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ الَّتِي تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مَيِّتٌ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْهُ، وَهِيَ تَرِثُهُ.
وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ جَاءَ مَوْتُهُ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الثَّانِي، وَوَرِثَتْ مِنْ زَوْجِهَا الْمَفْقُودِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَتْ وَجَاءَ مَوْتُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَرِثَتْهُ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَاسْتَقْبَلَتْ عِدَّتَهَا مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ.
وَإِنْ جَاءَ مَوْتُ الْمَفْقُودِ بَعْدَ دُخُولِ الثَّانِي، لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا، وَلاَ إِرْثَ لَهَا.
أَمَّا إِنْ كَانَ زَوَاجُ الثَّانِي قَدْ وَقَعَ فِي الْعِدَّةِ مِنَ الأَْوَّلِ الْمُتَوَفَّى، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الثَّانِي.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَرِثُ الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا الْمَفْقُودِ الَّذِي ثَبَتَ مَوْتُهُ إِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ، أَوْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا لاَ تَرِثُ مِنْهُ.
فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي، وَكَانَ الزَّوْحُ الأَْوَّلُ قَدْ قَدِمَ وَاخْتَارَهَا ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَلَوْ مَاتَ الثَّانِي لَمْ تَرِثْهُ، وَلَمْ يَرِثْهَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اخْتِيَارِهَا - وَقُلْنَا بِأَنَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ - فَإِنَّهَا تَرِثُ الزَّوْجَ الثَّانِي وَيَرِثُهَا، لاَ تَرِثُ الزَّوْجَ الأَْوَّلَ وَلاَ يَرِثُهَا.
وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ الأَْوَّلِ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ، فَإِنِ اخْتَارَهَا وَرِثَهَا، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْهَا وَرِثَهَا الثَّانِي.
وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهَا لاَ تَرِثُ زَوْجَهَا الثَّانِي، وَلاَ يَرِثُهَا بِحَالٍ إِلاَّ أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا عَقْدًا، أَوْ لاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَْوَّلَ كَانَ حَيًّا، وَمَتَى عَلِمَ أَنَّ الأَْوَّلَ كَانَ حَيًّا وَرِثَهَا وَوَرِثَتْهُ، إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ تَرْكَهَا، فَتَبِينَ مِنْهُ بِذَلِكَ، فَلاَ تَرِثُهُ وَلاَ يَرِثُهَا.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ يُوقِعُ التَّفْرِيقَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَرِثُ الثَّانِي وَيَرِثُهَا، وَلاَ تَرِثُ الأَْوَّلَ وَلاَ يَرِثُهَا.
وَأَمَّا عِدَّتُهَا، فَمَنْ وَرَثَتْهُ اعْتَدَّتْ لِوَفَاتِهِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: اعْتِبَارُ الْمَفْقُودِ مَيِّتًا
- يُعْتَبَرُ الْمَفْقُودُ مَيِّتًا حُكْمًا بِمُضِيِّ مُدَّةٍ عَلَى فَقْدِهِ، أَوْ بِبُلُوغِهِ سِنًّا مُعَيَّنَةً.
فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُحْكَمُ بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ إِذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ، لاَ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ.
غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي السِّنِّ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَمُوتَ فِيهَا الأَْقْرَانُ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: هِيَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِائَةُ سَنَةٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ الْبُخَارِيُّ: هِيَ تِسْعُونَ سَنَةً، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا سَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةُ مَتْرُوكَةٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ، وَيُنْظَرُ إِلَى شَخْصِ الْمَفْقُودِ وَالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ.
وَلِعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ خِلاَفٌ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ هَذِهِ الأَْقْوَالِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْفَتْوَى عَلَى التِّسْعِينَ سَنَةً وَهُوَ الأَْرْفَقُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْفَتْوَى عَلَى الثَّمَانِينَ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْهُمَامِ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّ تَفْوِيضَ الْمُدَّةِ إِلَى الإِْمَامِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالأَْقْيَسُ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَهُمْ قَبْلاً.
(ر: ف 4).
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَقْدِيرَ تِلْكَ السِّنِّ مَتْرُوكٌ لاِجْتِهَادِ الإِْمَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، أَوْ بِسَبْعِينَ، أَوْ بِثَمَانِينَ، أَوْ بِمِائَةٍ، أَوْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
- فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ جَرَى تَقْسِيمُ مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي اعْتُبِرَ فِيهِ مَيِّتًا، لاَ بَيْنَ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ مَاتَ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، بِهَذَا قَضَى عُمَرُ وَعُثْمَانُ رضي الله عنها، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي الْقَوْلِ الآْخَرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُقَسَّمُ الْمِيرَاثُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَ الْمَفْقُودُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْهَلاَكُ وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّ مِيرَاثَ الْمَفْقُودِ يُعْطَى لِوَرَثَتِهِ الأَْحْيَاءِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: إِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَفْقُودَ لاَ يَعِيشُ فَوْقَهَا، وَحَكَمَ الْقَاضِي بِمَوْتِهِ مِنْ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى حُكْمِهِ بِزَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ، وَيُعْطَى الْمَالُ لِمَنْ كَانَ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى الْحُكْمِ.
وَتَعْتَدُّ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي جَرَى فِيهِ تَقْسِيمُ مِيرَاثِهِ. (ر: ف 5)
- وَلاَ بُدَّ مِنَ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيَّةُ.
وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ الأَْصَحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمٍ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَلِلْمَالِكِيَّةِ».
وَأَمَّا طَبِيعَةُ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِهِ الْمَفْقُودَ مَيِّتًا، فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ خِلاَفٌ، فَهُوَ مُنْشِئٌ لِلْحَالَةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي أَصْبَحَ عَلَيْهَا الْمَفْقُودُ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَهُوَ مُظْهِرٌ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِعَدِمِ وُجُوبِ الْحُكْمِ (ر: ف 6).
وَلِهَذَا الْخِلاَفِ نَتَائِجُ مُهِمَّةٌ جِدًّا، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحُكْمَ مُنْشِئٌ لاَ تَسْتَطِيعُ الزَّوْجَةُ أَنْ تَبْدَأَ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَلاَ أَنْ تَتَزَوَّجَ إِلاَّ بَعْدَ صُدُورِهِ.
وَكَذَلِكَ فَإِنَّ أَمْوَالَ الْمَفْقُودِ لاَ تُوَزَّعُ إِلاَّ بَيْنَ الْوَرَثَةِ الْمَوْجُودِينَ يَوْمَ صُدُورِ الْحُكْمِ لاَ قَبْلَهُ، كَأَنَّ الْمَفْقُودَ قَدْ مَاتَ حَقِيقَةً فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحُكْمَ مُظْهِرٌ، فَإِنَّ عِدَّةَ الزَّوْجَةِ تَبْدَأُ مِنْ تَارِيخِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، أَوْ مِنْ بُلُوغِ الْمَفْقُودِ السِّنَّ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا بَعْدَهَا، وَأَنَّ مِيرَاثَ الْمَفْقُودِ يُقَسَّمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الأَْحْيَاءِ فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ، وَلاَ عِبْرَةَ لِصُدُورِ الْحُكْمِ.
أَثَرُ ظُهُورِ الْمَفْقُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ
إِنْ ظَهَرَ الْمَفْقُودُ حَيًّا بَعْدَ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا، فَإِنَّ لِذَلِكَ آثَارًا بِالنِّسْبَةِ لِزَوْجَتِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ لأَِمْوَالِهِ.
أَوَّلاً: بِالنِّسْبَةِ لِزَوْجَتِهِ:
- لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَفْقُودَ إِنْ عَادَ، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ قَدْ تَزَوَّجَتْ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: إِنَّ زَوْجَتَهُ لَهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَفْقُودَ إِنْ عَادَ قَبْلَ نِكَاحِ زَوْجَتِهِ غَيْرَهُ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ النِّكَاحِ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
الأُْولَى: إِنْ عَادَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الثَّانِي، وَأَمَّا إِنْ عَادَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالثَّانِي عَلَى نِكَاحِهِ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ.
الثَّانِيَةُ: إِنْ عَادَ الْمَفْقُودُ، فَوَجَدَ زَوْجَتَهُ قَدْ تَزَوَّجَتْ فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دُخُولٌ.
وَقَدْ أَخَذَ بِكُلٍّ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبُ بِأَنَّ أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُوَطَّأِ
وَقَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ:
فَفِي الْقَوْلِ الْقَدِيمِ: إِنْ قَدِمَ الْمَفْقُودُ بَعْدَ زَوَاجِ امْرَأَتِهِ، فَفِي عَوْدَتِهَا إِلَيْهِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ الأَْوَّلُ بَيْنَ أَخْذِهَا مِنَ الثَّانِي، وَتَرْكِهَا لَهُ وَأَخْذِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْهُ.
وَفِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ: هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى نِكَاحِ الْمَفْقُودِ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، تَعُودُ لِلأَْوَّلِ بَعْدَ انْتِهَاءِ عِدَّتِهَا مِنَ الثَّانِي.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَفْقُودَ إِنْ قَدِمَ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَتُهُ، فَهِيَ عَلَى عِصْمَتِهِ.
فَإِنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَهِيَ زَوْجَةُ الأَْوَّلِ فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ الصَّحِيحُ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يُخَيَّرُ.
فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي، كَانَ الأَْوَّلُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ زَوْجَتَهُ بِالْعَقْدِ الأَْوَّلِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مَهْرَهَا وَبَقِيَتْ عَلَى نِكَاحِ الثَّانِي.
فَإِنِ اخْتَارَ الْمَرْأَةَ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنَ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا الأَْوَّلُ، وَلاَ حَاجَةَ لِطَلاَقِهَا مِنْهُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: تَحْتَاجُ إِلَى طَلاَقٍ.
وَإِنِ اخْتَارَ تَرْكَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي بِالْمَهْرِ الَّذِي دَفَعَهُ هُوَ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ الَّذِي دَفَعَهُ الثَّانِي، وَالأَْوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ.
وَفِي رُجُوعِ الزَّوْجِ الثَّانِي عَلَى الْمَرْأَةِ بِمَا دَفَعَهُ لِلأَْوَّلِ رِوَايَتَانِ، وَعَدَمُ الرُّجُوعِ هُوَ الأَْظْهَرُ وَالأَْصَحُّ.
وَيَجِبُ أَنْ يُجَدِّدَ الزَّوْجُ الثَّانِي عَقْدَ زَوَاجِهِ إِنِ اخْتَارَ الأَْوَّلُ تَرْكَ الزَّوْجَةِ لَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَقِيلَ: لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ.
فَإِنْ رَجَعَ الْمَفْقُودُ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجَةِ عَلَى عِصْمَةِ الثَّانِي فَلاَ خِيَارَ لَهُ، وَهِيَ زَوْجَةُ الثَّانِي ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهُوَ يَرِثُهَا وَلاَ يَرِثُهَا الأَْوَّلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَرِثُهَا.
وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ التَّخْيِيرَ لِلْمَرْأَةِ، فَإِنْ شَاءَتِ اخْتَارَتِ الأَْوَّلَ، وَإِنْ شَاءَتِ اخْتَارَتِ الثَّانِيَ، وَأَيُّهُمَا اخْتَارَتْ، رَدَّتْ عَلَى الآْخَرِ مَا أَخَذَتْ مِنْهُ.
ثَانِيًا: بِالنِّسْبَةِ لأَِمْوَالِهِ:
- لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَفْقُودَ إِنْ عَادَ حَيًّا، فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلاَدِهِ بِمَا أَنْفَقُوهُ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَإِنْ بَاعُوا شَيْئًا مِنَ الأَْعْيَانِ ضَمِنُوهُ. وَيَأْخُذُ أَيْضًا مَا بَقِيَ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَلاَ يُطَالَبُ بِمَا ذَهَبَ، سَوَاءٌ أَظَهَرَ حَيًّا قَبْلَ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا، أَمْ بَعْدَهُ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ تَرِكَتِهِ، وَلَوْ بَعْدَ تَقْسِيمِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَأْخُذُ الْمَفْقُودُ مَا وَجَدَ مِنْ أَعْيَانِ أَمْوَالِهِ وَأَمَّا مَا تَلِفَ، فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَقَدِ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الأول ، الصفحة / 105
إِحْدَادُ زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ:
الْمَفْقُودُ: هُوَ مَنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ، وَلَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ مِنْ مَمَاتِهِ. فَإِذَا حُكِمَ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ زَوْجَتَهُ تَعْتَدُّ عِدَّةَ وَفَاةٍ مِنْ حِينِ الْحُكْمِ، وَلَكِنْ أَيَجِبُ عَلَيْهَا الإْحْدَادُ؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عِدَّةَ وَفَاةٍ، فَتَأْخُذُ حُكْمَهَا. وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَإِنَّهُ لاَ إِحْدَادَ عَلَيْهَا.