6 – المهر
6 - المهر
إذا اختلف الزوجان فى مقدار المهر فالبينة على الزوجة فإن عجزت كان القول للزوج بيمينه إلا إذا ادعى ما لا يصح ان يكون مهراً لمثلها عرفاً فيحكم بمهر المثل .
وكذلك الحكم عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الأخر أو بين ورثتهما.
المذكرة الإيضاحية
كانت المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية (القانون رقم 31 لسنة 1910) نصها كهذا "يجب أن تكون الأحكام بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة وبما دون بهذه اللائحة وبمذهب أبى يوسف عند اختلاف الزوجين فى مقدار المهر".
ولما صدر القانون رقم 25 لسنة 1920 وكان مشتملاً على أحكام غير ما استثنى فى المادة المذكورة زيد عليها الفقرة الآتية : "ومع ذلك فإن المسائل المنصوص عليها فى القانون رقم 25 لسنة 1920 يكون الحكم فيها طبقاً لأحكام ذلك القانون" .
والآن وقد وضع مشروع هذا القانون وهو يشتمل على أحكام غير ما استثنى بالمادة المشار إليها لم يكون بد من وضع استثناء آخر وهذا ما دعا الوزارة إلى أن تفكر فى وضع نص أعم لهذه المادة يغنيها عن التعديل كلما عن لها أن تضع أحكاماً لم ينص على استثنائها .
فى الوقت نفسه لوحظ استثناء مذهب أبى يوسف عند اختلاف الزوجين فى مقدار المهر بالصيغة التى هو بها لا محل له مع إدخال أحكام عديدة ليست من أرجح الأقوال فى مذهب أبى حنيفة بل ليست من مذهب أبى حنيفة نفسه .
فلما رؤى أن يوضع مذهب أبى يوسف عند اختلاف الزوجين فى مقدار المهر بنصه الفقهى اكتفاء بذلك عن استثنائه بالصورة التى هو عليها فى المادة 280 أما أوجه اختيار مذهب أبى يوسف فى هذا الباب فوارد بالمذكرة التفسيرية التى وضعت لمشروع القانون رقم 31 لسنة 1910 (المادة 19 من مشروع القانون) .
1 ـ إذ كان الثابت أن الطاعن أقام دعواه رقم ...... لسنة 2003 شرعى الجيزة الابتدائية على المطعون ضدها طالباً إلزامها بأن ترد له مقدم الصداق ، وكان النص فى المادة 9 من القانون رقم 1 لسنة 2000 - بإصدار قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية - على أن تختص المحكمة الجزئية بنظر المسائل الواردة بهذه المادة ...... 4- دعاوى المهر والجهاز والدوطة والشبكة وما فى حكمها " ، وإذ كانت قواعد الاختصاص النوعى وفقاً للمادة 109 من قانون المرافعات من النظام العام وتحكم به المحكمة من تلقاء نفسها ، وكان الحكم المطعون فيه قد تصدى لنظر موضوع الدعوى وقضى بتأييد الحكم المستأنف حال كون محكمة أول درجة غير مختصة نوعياً بنظر النزاع فإنه يكون قد قضى ضمناً باختصاصها بما يعيبه بالخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 169 لسنة 75 جلسة 2009/12/26 س 60 ص 928 ق 160)
2 ـ إن الراجح فى المذهب الحنفى وفقاً لرأى أبى حنيفة وأبى يوسف أنه إذا تزوجت المرأة البالغة العاقلة بدون إذن وليها فإن العقد يكون صحيحاً سواء كانت بكراً أم ثيباً ، ويكون نافذاً ولازماً متى تزوجت بكفء على صداق مثلها أو أكثر ، رضى الولى أو لم يرضى ، وإذا تزوجت من غير كفء بمهر المثل أو من كفء علىمهر أقل من مهر مثلها ، ولم يكن وليها قد رضى بذلك فالعقد غير لازم بالنسبة لوليها فله حق الاعتراض على الزواج ، وطلب فسخه أمام القضاء ، فإذا أثبت ذلك فإنه يقضى بفسخ العقد مراعاة لحق الولى العاصب إلا إذا رضى بالزواج أو لم يعترض عليه .
(الطعن رقم 463 لسنة 73 جلسة 2005/04/23 س 56 ص 400 ق 71)
3 ـ الراجح فى المذهب الحنفي وفقا لرأى أبى حنيفة وأبى يوسف أنه إذا تزوجت المرأة البالغة العاقلة بدون إذن وليها فإن العقد يكون صحيحاً سواء كانت بكرا أم ثيبا، و يكون نافذا ولازما متى تزوجت بكفء على صداق مثلها أو أكثر، رضي الولي أو لم يرض، وإذا تزوجت من غير كفء بمهر المثل أو من كفء على مهرأقل من مهر مثلها ولم يكن وليها قد رضي بذلك، فالعقد غير لازم بالنسبة لوليها، فله حق الاعتراض على الزواج وطلب فسخه أمام القضاء، فإذا أثبت أن زوجها غير كفء لها فيما تعتبر فيه الكفاءة فى الزواج من حيث النسب والدين والحرية والمال والحرفة، أو أثبت الولي أن مهرها ينقص عن مهر مثلها بما لا يتغابن فيه الناس، فإنه يقضى بفسخ العقد مراعاة لحق الولي العاصب إلا إذا رضي بالزواج أو لم يعترض عليه حتى ظهر الحمل على الزوجة أو ولدت ، فعندئذ يسقط حقه فى الاعتراض لأجل المحافظة على الولد حتى لا يضيع بالتفريق بين والديه، ولا يكون له حق الاعتراض إذا أكمل الزوج الكفء المهر إلى مهر المثل بعد العقد.
(الطعن رقم 194 لسنة 64 جلسة 1998/10/19 س 49 ع 2 ص 611 ق 149)
4 ـ لما كان الثابت بالأوراق أن الطاعن قد تمسك فى المذكرة المقدمة منه لمحكمة الدرجة الأولى بتاريخ 1994/6/12 بعدم جواز إثبات دفع مبلغ المهر إلا بالكتابة عملاً بنص المادة 60 من قانون الإثبات وكان من المقرر أن تسليم الخاطب مخطوبته قبل العقد مالاً محسوباً على المهر يعتبر تصرفاً قانونياً يخضع فى إثباته للقواعد العامة فى الإثبات ، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بجواز إثبات تسليم الخاطب لولى مخطوبته مبلغ المهر ومقداره عشرة آلاف جنيه بشهادة الشهود على سند من أن هذا التسليم يعد واقعة مادية وليس تصرفاً قانونياً واتخذ من أقوال الشهود فى التحقيق الذى أجرته المحكمة عماداً لقضائه برد المهر فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه .
(الطعن رقم 5208 لسنة 66 جلسة 1997/07/08 س 48 ع 2 ص 1083 ق 204)
5 ـ اذا تاب المرتد من الزوجين وعاد الى الاسلام فانه لا بد من عقد ومهر جديدين لاستئناف الحياة الزوجية بينهما .
(الطعن رقم 475 لسنة 65 جلسة 1996/08/05 س 47 ع 2 ص 1134 ق 212)
6 ـ وإذا كان حق الخاطب فى استرداد تلك الهدايا يخضع لأحكام الرجوع فى الهبة الواردة فى المادة500وما بعدها من القانون المدنى وكانت المادة المذكورة تشترط الرجوع فى الهبة فى حالة عدم قبول الموهوب له أن يستند الواهب فى الرجوع إلى عذر يقبله القاضى وكان الحكم المطعون فيه وإن انتهى صحيحاً إلى أن العدول عن الخطبة كان بسبب يرجع إلى المطعون ضده وقضى لذلك بعدم أحقيته فى الرجوع فى هبته التى تعلقت بها هدايا الخطبة مما كان لازمه . والشبكة ايضا من الهدايا أن يقضى أيضا بعدم أحقيته فى استردادها وإذ خالف هذا النظر واعتبر الشبكة جزءا من المهر استنادا إلى عرف لم يبين مصدره وإلى ما ورد بمذكرة شقيق الطاعن وقضى لذلك بأحقيته فى استردادها مع أن ما ورد بتلك المذكرة لا يؤدى إلى ما استخلصه منها فإنه يكون معيباً بالخطأ فى في تطبيق القانون والفساد فى الاستدلال.
(الطعن رقم 8757 لسنة 64 جلسة 1996/05/15 س 47 ع 1 ص 800 ق 149)
7 ـ فترة الخطبة - وعلى ما جرى به العرف - لها سمتها الخاصة التى تفرض على الخطيبين وأسرتيهما سلوكا حميماً آيته التواد والمجاملة بما يستهدف به كل طرق غرس الثقة وبعث الطمأنينة لدى الطرف الآخر وهو مالا يلائمه التعامل بالكتابة فى شأن أداء المهر أو تقديم الشبكة و ما فى حكمها من الهدايا المتعارف عليها فإن هذه الفترة تعد بذاتها مانعاً أدبيا يحول دون الحصول على دليل كتابى فى هذا الخصوص ويجيز الإثبات بشهادة الشهود عملاً بالفقرة الأولى من المادة 63 من قانون الإثبات .
(الطعن رقم 1069 لسنة 59 جلسة 1993/06/10 س 44 ع 2 ص 627 ق 238)
8 ـ الأصل فى الشهادة أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد بشىء لم يعاينه بنفسه و إستثنى فقهاء الحنفية من هذا الأصل مسائل منها ما هو بإجماع كالنسب و الموت و النكاح و الدخول و ولاية القاضى و منها على الصحيح كأصل الوقف و منها ما هو على الأصح كالمهر و منها ما هو على أحد قولين مصححين كشرائط الوقف و منها ما هو على قول مرجوح كالعتق و الولاء فأجازوا فى هذه المسائل الشهادة بالتسامع من الناس إستحساناً و إن لم يعاينها الشاهد بنفسه ، و إذ كانت الواقعة المشهود فيها فى الدعوى الماثلة ، و هى رضاع الطاعنين من إمرأة واحدة ليست من المسائل المشار إليها فإنه لا تقبل الشهادة عليها بالتسامع .
(الطعن رقم 17 لسنة 50 جلسة 1981/02/24 س 32 ع 1 ص 614 ق 119)
9 ـ الإجماع على أن أداء المهر واجب شرعا للزوجة على زوجها إبانة لشرف المحل و إن صح النكاح بدونه بحيث يجوز لها أن تمتنع عن أن تزف إلى زوجها و الدخول فى طاعته حتى تستوفى الحال من صداقها الذى إتفقا على تعجيله ، و لا تعد بهذا الإمتناع ناشزا عن طاعته .
(الطعن رقم 19 لسنة 48 جلسة 1979/02/21 س 30 ع 1 ص 588 ق 111)
10 ـ ردة الرجل فرقة بغير طلاق ,, فسخ ،، فى قول أبى حنيفة و أبى يوسف و عند محمد فرقة بطلاق ، و هى بالإجماع تحصل بنفس الردة فتثبت فى الحال و تقع بغير قضاء القاضى سواء أكانت الزوجة مسلمة أم كتابية فإن كانت الردة بعد الدخول فللزوجة المهر و النفقة إلى وقوع الفرقة ونفقة العدة ما دامت فيها .
(الطعن رقم 25 لسنة 37 جلسة 1968/05/29 س 19 ع 2 ص 1034 ق 154)
11 ـ من شروط صحة الزواج محلية المرأة وأن لا يقوم بها سبب من أسباب التحريم ومنها الجمع بين الأختين, والمحققون من الحنفية على إنه إذا تزوج أحداهما بعد الأخرى جاز زواج الأولى وفسد زواج الثانية وعليه أن يفارقها أو يفرق القاضى بينهما ، فإن فارقها قبل الدخول فلا مهر ولا عدة ولا تثبت بينهما حرمة المصاهرة و لا النسب و لا يتوارثان ، و إن فارقها بعد الدخول فلها المهر وعليها العدة ويثبت النسب ويعتزل من إمرأته حتى تنقضى عدة أختها - وإذ كان الحكم المطعون فيه قد جرى فى قضائه على إعتبار عقد زواج الثانية باطلاً ولا يثبت به نسب فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه .
(الطعن رقم 2 لسنة 33 جلسة 1965/04/28 س 16 ع 2 ص 515 ق 84)
12 ـ متى كانت محكمة الاستئناف قد نفت فى حدود سلطتها التقديرية قيام المانع الأدبى الذى يحول دون الحصول على دليل كتابى واستلزمت فى إثبات دفع مبلغ المهر هذا الدليل الكتابى ، فقد كان هذا حسبها لتأسيس قضائها برفض الدعوى بالنسبة لهذا المبلغ مادام أن الطاعن لم يقدم ذلك الدليل و لم يكن على المحكمة بعد ذلك أن تناقش أقوال الشهود التى استند إليها الحكم الابتدائى الذى قضت بإلغائه ، ويعتبر كل ماورد فى الحكم المطعون فيه فى شأن هذه الأقوال زائداً على حاجة الدعوى لم يكن يقتضيه الفصل فيها ويستقيم الحكم بدونه .
(الطعن رقم 302 لسنة 28 جلسة 1963/10/24 س 14 ع 3 ص 967 ق 135)
13 ـ توجب أحكام الشريعة الموسوية أن يدفع الزوج مهراً لزوجته على ما نصت عليه المادتان 98 و 99 من كتاب الأحكام الشرعية فى الأحوال الشخصية للاسرائيليين و مفهومهما أن دفع المهر شرط لصحة عقد الزواج و أنه مقدر بمايتى محبوب للبكر . فإذا إدعت الزوجة بأنها لم تقبض مهراً فإن القرينة القانونية تقوم على عكس هذا القول .
(الطعن رقم 3 لسنة 26 جلسة 1957/06/27 س 8 ع 1 ص 653 ق 74)
14 ـ متى كانت الخصومة بين الزوجين الإسرائيليين تقوم على تصفية الحقوق المالية التى لكل منهما قبل الآخر نتيجة لإنفصام عرى الزوجية بينهما فإن المهر و المطالبة برده أو خصمه هو مما تتناوله هذه الحقوق و هو يندرج فى عموم دفع الزوج للدعوى . فإذا كان الحكم قد قضى بخصم المهر مما قضى به للزوجه فإنه لا محل للإعتداد بما تقول به الزوجة من أن الزوج لم يطالب برده و أن القضاء به قضاء فى أمر لم يكن مطروحاً فى الخصومة.
(الطعن رقم 3 لسنة 26 جلسة 1957/06/27 س 8 ع 1 ص 653 ق 74)
15 ـ الخطبة و إن كانت تمهيداً للزواج و هو من مسائل الأحوال الشخصية ، إلا أن الهدايا التى يقدمها أحد الخاطبين للآخر و منها الشبكة إبان فترة الخطبة لا تعتبر من هذه المسائل لأنها ليست ركناً من أركان الزواج و لا شرطاً من شروطه إذ يتم الزواج صحيحاً بدونها و لا يتوقف عليها و من ثم يكون النزاع بشأن تلك الهدايا بعيداً عن المساس بعقد الزواج و ما هو متعلق به و يخرج بذلك عن نطاق الأحوال الشخصية . و تعتبر هذه الهدايا من قبيل الهبات و يسرى عليها ما يسرى على الهبة من أحكام فى القانون المدنى ، و قد أورد هذا القانون أحكام الهبة باعتبارها عقدا مالياً كسائر العقود و استمد أحكامها الموضوعية من الشريعة الإسلامية . و من ثم فالمعوّل عليه فى حق الخاطب فى استرداد تلك الهدايا هو احكام الرجوع فى الهبة الورادة فى المادة 500 وما بعدها من القانون المدنى .
(الطعن رقم 302 لسنة 28 جلسة 1963/10/24 س 14 ع 3 ص 967 ق 135)
المهر
تعريف المهر:
المهر هو المال الذي يجب على الرجل للمرأة في عقد زواج صحيح أو دخول بشبهة أو دخول مبني على عقد فاسد.. ومثل المال المنفعة التي تقوم بالمال.
وللمهر أسماء أخرى منها: الصداق والنحلة والأجر والفريضة والعقر.
الدليل على وجوب المهر:
استدل الفقهاء على وجوب المهر للمرأة على الرجل بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى في سورة النساء: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) والمقصود ب (نحلة عطية دون مقابل، وقوله تعالى في سورة النساء:{{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ }}
أما السنة: فما روى من أن سائلاً سأل عبد الله بن مسعود عن امرأة مات عنها زوجها، ولم يكن قد فرض له شيئا، فجعل يرده شهرا، ثم قال: أقول فيه رأيي فإن يك صوابا فمن الله ورسوله، وإن يك خطأ فمن ابن أم عبد، وفي رواية فمنی ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان: أرى لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط، فقام رجلان، وقالا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة يقال لها بروع بنت واشق بمثل قضيتك هذه، فسر ابن مسعود رضي الله عنه سرورا لم يسر قط مثله بعد إسلامه، لما وافق قضاؤه قضاء رسول الله عليه السلام
وما روى من أن النبي عليه السلام قال للرجل الذي أراد الزواج بالمرأة التي ذهبت إلى رسول الله عليه السلام وعرضت نفسها عليه: «التمس ولو خاتما من حديد» فلو كان المهر غير واجب لزوجه الرسول عليه السلام بدون مهر.
أما الإجماع: فقد انعقد المسلمون منذ عصر الرسول عليه السلام حتى الآن، على وجوب المهر على الزوج لزوجته.
حكمة وجوب المهر:
أوجب الشارع المهر على الزوج، هدية أو عطاء منه للزوجة، إظهار لشرف عقد الزواج وخطر مكانته ، وتكريما للزوجة ، وتوثيقا لعرى المحبة بين الزوجين حتى تدوم رابطة الزوجية بينهما، لأن ما يصعب طريق الوصول إليه يعز في الأعين ويحرص الناس على إبقائه بعد الحصول عليه ويصعب التفريط فيه، وما يتيسر الوصول إليه يهون في الأعين ويسهل التفريط فيه.
والمرأة بعقد الزواج تدخل في طاعة زوجها وتخضع لرياسته، وتنتقل من البيت الذي نشأت وتربت فيه وألفته إلى بيت جديد يكون لها وحدها إدارته، قد تشعر بالايحاش لهذه النقلة، فيكون في المهر دفعة معنوية لها وتطييب لنفسها مما يدفع عنها الوحشة ويجلب لها السرور والبهجة، كما أن المرأة عند عرسها تكون في حاجة إلى بعض الثياب الجديدة والعطر والزينة، وفي المهر عون لها على شراء هذه الأشياء ، وقد فرض الإسلام المهر على الرجل دون المرأة لأن من سنن الحياة أن الرجل هو الذي يعمل ويكدح لكسب المال والإنفاق على أهله، أما المرأة فعملها أن تقوم على رعاية شئون البيت وخدمة الزوج وتربية الأولاد، وهذا هو الوضع الطبيعي لكل ربة بيت.
طبيعة المهر:
المهر ليس ركنا من أركان عقد الزواج أو شرطاً من شروطه لأن النكاح عقد انضمام و ازدواج لغة فيتم بالزوجين وتتحقق صيغة العقد بدونه فالزواج ينعقد صحيحاً نافذاً لازماً ولو لم يتفق فيه على المهر أو سمي المهر تسمية غير صحيحة أو نفي الزوجان المهر، وحينئذ يجب للزوجة مهر المثل.
والدليل على ذلك قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، فإن رفع الجناح عن الطلاق قبل الفرض أي الاتفاق على المهر، دليل على صحة النكاح، لأنه لا طلاق إلا في نكاح صحيح. ولما ورد عن النبي عليه السلام في المفوضة التي مات عنها زوجها دون أن يدخل بها أو يسمى لها مهراً، فقد جعل لها الرسول مهر مثلها.
وبالترتيب على ذلك، فإن المهر مجرد حكم من أحكام عقد الزواج، أي أثر من آثاره ، ويجوز للزوجة أن تمتنع عن أن تزف إلى زوجها والدخول في طاعته، حتى تستوفي ما اتفق عليه من عاجل الصداق دون أن تعد بهذا الامتناع ناشزاً عن طاعته.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 17/ 10 /1981 في الطلب رقم 304 لسنة ۱۹۸۱ بأن:
«.... إن تحديد الصداق ليس شرطا في صحة عقد الزواج. وكذلك ليس من شرط صحته ونفاذه قبضه أو قبض جزء منه قبل الدخول. وإنما المطلوب شرعا فقط أن يكون للزوجة صداق، سواء قبضته جميعه وقت العقد أو قبضت جزءا منه، أو تأجل جميعه، وبقي دينا في ذمة الزوج لميعاد محدد اتفقا عليه، أو أجلاه إلى أقرب الأجلين، الموت أو الطلاق، كل ذلك متروك للعرف والاتفاق، ولا دخل له في صحة عقد الزواج لأن الله سبحانه أوجب للزوجة مهرا في ذمة الزوج بقوله:... وءاتوا النساء صدقتهن نحلة » والمقصود هنا الوجوب في الذمة.
كما قضت محكمة النقض بتاريخ 21/ 2/ 1979 في الطعن رقم 19 لسنة 48ق (أحوال شخصية) بأن :
«... لما كان ذلك وكان الإجماع على أن أداء المهر واجب شرعاً للزوجة على زوجها إبانة لشرف المحل وإن صح النكاح بدونه بحيث يجوز لها أن تمتنع عن أن تزف إلى زوجها، والدخول في طاعته حتى تستوفي منه الحال من صداقها الذي اتفقا على تعجيله، ولا تعد بهذا الامتناع ناشزا عن طاعته».
مقدار المهر :
ليس للمهر حد أقصى :
ليس للمهر حد اقصي، فقد جاءت الآيتان الكريمتان اللتان أوجبتا المهر مطلقتين من غير وضع حد أقصى له، ولم يرد في السنة ما يفيد وضع هذا الحد، ومن ثم فإن مقدار المهر يترك لاتفاق الزوجين علي ضوء يسار الزوج وظروفه الاجتماعية، ومكانة الزوجة، وإلى ما يجري به العرف.
إنما حث الرسول عليه السلام على عدم المغالاة في المهور في حديثه: «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة»، وفي حديثه: «أن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها»، ولاشك أن في اتباع ذلك إتاحة الفرص الزواج أمام الرجال مما ينأى بهم عن الوقوع في المفسدة.
وقد روى أن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: «لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية «يعني من الفضة» فمن زاد أوقية جعلت الزيادة في بيت المال» ثم نزل، فقالت له امرأة من قريش: ليس ذلك إليك يا عمر: قال: ولم؟ قالت: لأن الله تعالى يقول: ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحدهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئا) . فقال عمر: اللهم عفواً، كل الناس أفقه عن عمر (وفي رواية أخرى: أصابت امرأة وأخطأ عمر)، ثم رجع إلى المنبر وقال: «إني كنت نهيتكم أن تزيدوا في صدقات النساء على أربعمائة درهم، فمن شاء فليعط من ماله ما أحب».
الحد الأدنى للمهر:
ذهب الأحناف إلى أن أقل المهر عشرة دراهم من فضة وزن سبعة مثاقيل مسكوكة أو غير مسكوكة وهي تعادل ربع دينار، أما بالعملة المصرية فهي تعادل مبلغ خمسة وعشرين قرشا الآن .
وقد استندوا في ذلك إلى أن هذا القدر هو نصاب الحد (القطع) فی السرقة، فإذا كانت سرقة هذا القدر تبيح القطع وهو أمر كبير، فإنه يكون الحد الأدنى للمهر في عقد الزواج الذي له شأن عظيم، وإلى حديث الرسول عليه السلام: «ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجهن إلا من الأكفاء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم»، وإلى ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم».
وقد رد الأحناف، ما وجه إليهم من نقد بأنه لم يعتمدوا الحديث السابق في شأن الولاية، بينما اعتمدوه في المهر، إذ أعطوا المرأة البالغة العاقلة الحق في عقد زواجها بنفسها، بأن عائشة رضي الله عنها عملت بخلاف هذا الحديث بالنسبة للولاية ولو لم تعرف نسخه في الولاية ما فعلت ذلك فقام دليل النسخ في حق الأولياء دون المهر، ولا يلزم من ترك العمل بما قام عليه دليل النسخ ترك العمل بما لم يقم عليه دليل النسخ، وأن هذا الحديث وإن كان بخبر واحد إلا أنه تقوي في المهر بما روي على أنه قال: «.... ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم»، لأن هذا التقدير لا يدرك بالفعل وأنه لابد أن تكون هذه الرواية بشأن على السماع من الرسول عليه السلام.
كما ردوا بأن التقييد لم يثبت أصالة بالحديث وإنما ثبت بقوله تعالى في سورة الأحزاب: ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أَزْوَاجِهِمْ )، فأصل التقدير ثابت بالآية ولكن مقداره قد ثبت بالحديث، والمهر ليس بدعا في هذا فالزكاة والكفارة أوجبهما الشارع وعين مقدارهماه
وذهبوا إلى أن الأحاديث النبوية التي تفيد بظاهرها جواز التقدير بأقل من عشرة دراهم، يجب حملها على الخصوصية أو المعجل من المهر، لأن السعادة كانت جارية على تعجيل بعض المهر قبل الدخول، وقد روي أن عليا لما تزوج بنت الرسول عليه السلام أراد أن يدخل بها، فمنعه الرسول عليه السلام حتی يعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله ليس لى شيء، فقال: أعطها درعك، فأعطاها درعه ثم دخل بها.
وقد نص في المادة (۷۰) من كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا على أن: «أقل المهر عشرة دراهم فضة وزن سبعة مثاقيل مضروبة أو غير مضروبة، ولا حد لأكثره بل للزوج أن يسمى لزوجته مهرا أكثر من ذلك على حسب ميسرته».
ما يصلح مهراً :
يصلح مهرا كل مال متقوم معلوم، نقداً كان أو عقاراً، أو منقولاً قيمياً، أو مثلياً، وكذلك كل منفعة تقوم بمال.
ويشترط - عند الحنفية كما أوضحنا - أن تكون قيمة المال أو المنفعة عشرة دراهم أو يعادلها على الأقل. فما هو ليس بمال أصلاً، كقطرة ماء أو علبة قمح أو الدم، لا يصلح مهراً ، وما هو بمال ولكنه غير منقوم، أي ليس له قيمة معتبرة في نظر الشارع كالخنزير والخمر لا يصلح مهراً .
ولاعتبار المال معلوماً، يجب أن يعين إما بالإشارة إليه إن كان موجوداً، وإما بتسميته بجنسه ونوعه ومقداره إذا كان مما يحتاج إلى بيان المقدار، وأن لحم يسم بوصفه. لأن تسمية المال بجنسه فقط تجعله مجهولاً جهالة فاحشة، وهذه الجهالة الفاحشة تفضي إلى النزاع. أما عدم تسمية المال بوصفه فتجعله مجهولاً جهالة يسيرة، والجهالة اليسيرة مما يتسامح فيها في الزواج، لأن المال ليس مقصوداً أصليا في الزواج كغيره من عقود المعاوضات كالبيع والتي تجري على المشاركة وعدم التسامح.
فإذا كان المال قد سمى بجنسه ونوعه بدون وصفة صحت التسمية، وفي هذه الحالة يخير الزوج بين أداء النوع الوسط أو قيمته، أما إذا كان المال قد سمی بجنسه فقط أسدت تسمية المهر ووجب مهر المثل عند الأحناف ومالك وابن حنبل. ومثال تسمية المال بجده فقط، أن يهدي المهر دلية، أو ألف كيلو دون تحديد نوع المسمي .ومثال تسمية المال بجنسه ونوعه، أن يسمي المهر فرسا أو جملا أو بقرة أو أن يسمي المهر ألف كيلو من القطن جيزة دون أن تذكر رتبته (أي وصفه )
ويصح أن يكون المهر استيفاء من دين الزوج في ذمة الزوجة، فيتزوجها على دينه قبلها، ويصح أن يكون الدين على رجل آخر، فيتزوجها على مهر من ذلك الدين، وفي هذه الحالة يكون الزوجة الحق في مطالبة الزوج بالمهر ومطالبة المدين بقدره من الدين، فإن أرادت مطالبة المدين کان واجبا علی الزوج أن يوكلها في قبض ذلك منه لأن تمليكها الدين الذي هو على غيره تمليك غير تام .
والمنفعة التي تصلح مهراً هي المنعة التي تقوم بمال، كأن يسمى لها إيجار عمارة أو سيارة أو قطعة أرض مدة معينة. أما إذا كانت المنفعة مما لا تقوم بمال، كأن يكون مهرها طلاق ضرتها أو ألا يتزوج عليها، أو ألا يخرجها من بلدها، فلا يصلح مهراً، وصلحت المنفعة هنا مهرا لأن المنافع أموال أو ألحقت بالأموال شرعاً في سائر العقود للحاجة، والحاجة في النكاح متحققة.
ولما كان الرأي عند المتأخرين من علماء الحنفية، والمفتى برأيهم الآن، هو جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من أحكام الدين الحاجة إلى ذلك بسبب تغير الزمن واشتغال الناس بشئون المعيشة، ولأن المعلمين كان لهم عطايا من بيت المال وانقطعت فلو لم يصح الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن وفيه ضياع الدين لاحتياج المعلمين إلى الاكتساب، فإنه يجوز أن يكون مهر الزوجة تعليمها بعض آيات من القرآن وأحكام الدين. .
وإذا كانت المنفعة هي خدمة الرجل المرأة في بيتها مدة معينة فيما هو من خصائصها لا فيما هو من شئون الزوجية المشتركة، فقد ذهب الشيخان إلى أن هذا لا يجوز وتكون التسمية فاسدة فيجب مهر المثلى لأن جعل المهر خدمة الزوجة زوجته فيه امتهان وتحقير له، وقلب للأوضاع الشرعية، فيكون حکم التسمية غير مقدور التسليم.
وقال محمد: إن التسمية صحية ولكى يكون المهر هو قيمة هذه المنفعة المسماة لا المنفعة ذاتها.
أما إذا لم يكن في المنفعة التي سميت مهراً، مهانة للزوج، كأن تكون المنفعة زراعة أرض أو الإشراف على تنمية مال لها، فإن التسمية تكون صحيحة باتفاق.
وإذا جعل مهر الزوجة أن يتزوج وليها أخرى، وهذا في نكاح الشغار ـ وهو أن يزوج الرجل موليته لأخر على أن يزوجه الآخر موليته، فإن الزواج يصح وتفسد التسمية ويجب مهر المثل. وهذا هو رأي الحنفية.
الحقوق المتعلقة بالمهر:
يتعلق بالمهر في الابتداء أي عند وجوبه وتقريره ثلاثة حقوق، هی حق الشرع أو الله، حق الولي العاصب، حق الزوجة.
كما أن الزوجة حق انتهاء على المهر.
حق الشرع أو حق الله، أن يكون هناك مهر في الزواج، وألا يقل المهر عن عشرة دراهم - طبقا للمذهب الحنفي المعمول به - فإذا سمي المهر بأقل من عشرة دراهم وجنب رفعه إلى هذا الحد، لأنه حق الشرع أو شق الله، ولا يملك أحد إسقاطه.
حق الولي العاصب، في أنه إذا زوجت المرأة البالغة العاقلة بكراً أو ثيباً نفسها من كفء وبمهر يقل عن مهر المثل، أن يطلب من القضاء تكملة الصور إلى مهر المثل أو فسخ العقد، ويقضي بفسخ العقد ما لم يظهر بالمرأة حمل أو تلك، لأن إسقاط المرأة حقها في المهر، لا يسقط حق وليها فيه.
وحق الزوجة ابتداء في المهن، ألا يزوجها الولى إذا كانت بالغة عاقلة بأقل من مهر المثل، وإلا كان لها حق الاعتراض على العقد وطلب فسخه، لأن رضاء وليها بما دون مهر المثل لا يسقط حقها في الزواج بمهر المثل .
أما إذا زوج الولى العاصب غير الأصل والفرع، أو الأصل والفرع المعروفان قبل العقد بسوء الاختيار أو اشتهرا بالمجانة والفسق، فاقدة الأهلية بأقل من مهر مثلها، كان العقد فاسداً لأن مهر المثل حينئذ شرط فيه.
وحق الزوجة انتهاء في المهر، هو أن المهر بعد وجوبه وتقريره، حق خالص لها ولا يشاركها فيه أحد، فتستطيع التصرف فيه كما تتصرف في أموالها الأخرى المملوكة لها متى كانت بالغة عاقلة رشيدة، ويصح إبراؤها الزوج منه.
تعجيل المهر وتأجيله :
لا يشترط تقديم المهر عند إنشاء العقد أو قبل الدخول، بل إن المهر كغيره من الحقوق المالية، يصح تعجيله كله وتأجيله كله، أو تعجيل بعضه وتأجيل بعضه الآخر إلى أجل معلوم قريب أو بعيد، غير أنه يجب ألا يكون الأجل مجهولا جهالة فاحشة)، وإلا كان التأجيل ملغي والمهر واجب التعجيل. ومثال ذلك أن يقال إن (المهر مؤجل) أو (مؤجل إلى وقت اليسار) أو (مؤجل إلى أن تمطر السماء).
ويصح جعل المهر أقساطا متساوية أو متفاوتة تؤدي في أوقات معينة، غير أنه لا يجوز الاتفاق على صيرورة ما قبضته الزوجة حقا لها مقابل تعويض وجزاء الإخلال بدفع أحد الأقساط في ميعاده لأن هذا الشرط فاسد لا يقتضيه العقد ولم يرد به شرع ولم يجر به عرف.
وفي هذا قضت محكمة كفر الزيات الجزئية الشرعية بأن:
ان شرط صيرورة المبلغ الذي قبضته المدعية يوم الصلح حقاً من حقوقها في مقابل تعویض وجزاء عند الإخلال بوفاء القسط الأول في ميعاده فهو شرط فاسد لأن العقد لا يقتضيه ولا يلائمه، ولم يرد به شرع، ولم يجر به عرف ويجعل المصالح عليه أكثر من المصالح منه هنا وتعذر حمله على استيفاء البعض وإسقاط الباقي وأمور المسلمين قدرا مع اتحاد جنسهما فلا يجوز لأنه ربا لحمل الصلح على المعاوضة محمولة على الصلاح والسداد ما أمكن. الدعوى رقم 543 لسنة ۱۹۳۹ جلسة 21 / 5 / 1940
ويجوز تأجيل المهر إلى أقرب الأجلين: الطلاق أو الوفاة. والعبرة في ذلك بما يتفق عليه العاقدان، لأن الاتفاق شريعة المتعاقدين، أما إذا لم يوجد اتفاق، فيذهب الأحناف إلى اتباع العرف. فإذا كان العرف الساري على تعجيل المهر وجب تعجيله، وإذا كان على تعجيل جزء منه وتأجيل جزء منه عمل بهذا العرف، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
وقد جرى العرف في بعض البلاد في مصر على تعجيل ثلث المهر وتأجيل الثلثين، وفي بعضها على تعجيل النصف وتأجيل النصف الآخر، إلى أقرب الأجلين: الوفاة أو الطلاق.
وتعجيل بعض المهر مستحب وليس واجبا فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «أمرني رسول الله عليه السلام أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئاً».
وقضت محكمة بركة السبع الجزئية للأحوال الشخصية (نفس) بتاريخ20/ 10/ 1987 في الدعوى رقم 61 لسنة 1987 بأن :
وحيث إنه من المقرر في الأصول الشرعية أن المهر من أحكام الزواج المترتبة عليه بعد تمامه وليس ركناً أو شرطاً من شروط صحته ويجب المهر بالعقد في مقابل استحلال النكاح ويتأكد المهر كاملاً لها بالوطء أي بالدخول الفعلي و بالخلوة الصحيحة ويجوز تعجيل كامل المهر ويجوز للزوجة تأجيله إلى أجل قريب أو بعيد وكذلك يجوز تعجيل البعض وتأجيل الباقي وفق ما يراه طرفا العقد، وعند عدم النص يتبع العرف، وقد جرى العرف في مصر على تعجيل جزء من المهر وتأجيل الباقي إلى أقرب الأجلين هما الموت أو الطلاق البائن، أو الطلاق الرجعي إذا انقضت العدة فيه».
أيضاً ذات المبدأ 27/ 10/ 1987 - الدعوى رقم 88 لسنة 1987
وإذا لم يوجد اتفاق وعرف على التعجيل أو التأجيل، فالأصل هو التعجيل و لأن المهر حكم من أحكام عقد الزواج، ولا تتراخى أحكامه عنه إلا بالشرط وحيث لا يوجد شرط متفق عليه أو عرف تعجل بالأصل).
وإذا اتفق على تعجيل المهر كله أو بعضه كان لها الحق في الامتناع عن الزفاف حتى يدفع لها الزوج ما اتفق على تعجيله، ولها الحق كذلك في أن تمنع زوجها من التمتع بها في بيت أبيها سواء كان التمتع ناقصاً أو كاملاً، وهذا الامتناع لا يجعلها ناشزاً لأنه يكون امتناعاً بحق شرعي.
وبهذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 14 /6 /1955 وقد جاء بالفتوى :
«اطلعنا على السؤال ونفيد: بأن توثيق عقود الزواج أمام المأذون المختص موافق للسنة إذ هو تسجيل العقد الزواج الذي أجراه العاقدان أمامه وفيه ضمان للحقوق المترتبة لكل من العاقدين عليه. ومذهب الحنفية الجاري عليه العمل يجيز تعجيل المهر كله وتأجيله. قال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق فيما قاله في التعليق على قول صاحب الكنز «ولها منعه من الوطء والإخراج للمهر» إذا نصا على تعجيل المهر أو تأجيله فهو على ما شرطا - وبهذا علم الجواب عن السؤال - والله تعالى أعلم».
كما قضت بذلك محكمة النقض ( دائرة الأحوال الشخصية) بتاريخ 21/ 2/ 1979 في الطعن رقم 19 لسنة 48 ق (الحكم منشور ببند 166).
وإذا سلمت المرأة نفسها لزوجها، فلا تسمع دعواها فيما شرط تعجيله من المهر على المفتي به، لأنها لا تسلم نفسها عادة إلا بعد دفع المعجل.
وإذا كان المهر كله مؤجلا إلى أجل معلوم، واشترط الزوج الدخول قبل هذا الأجل ووافقت الزوجة على ذلك، فليس لها الامتناع عن الدخول، لأنها تكون رضيت بإسقاط حقها في التأخير في الدخول.
أما إذا لم يشترط الدخول بها قبل أداء المهر كله، فلها أن تمنع نفسها عنه لأن طلب الزوج تأجيل المهر دلیل الرضا بتأخير حقه في الانتفاع به.
وهذا هو رأي أبي يوسف، المفتي به في المذهب الحنفي.
وإذا مكنت المرأة زوجها من الدخول أو الخلوة بها خلوة صحيحة قبل قبض معجل مهره، فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يحق لها أن تمنع نفسها منه بعد ذلك، لأنها أسقطت حقها في الماضي حينما رضيت بالدخول أو الخلوة قبل القبض للمهر المعجل وإسقاط حقها في الماضي لا يترتب عليه إسقاط حقها في المستقبل، فيجوز لها أن تمنع نفسها من زوجها حتى يدفع لها ما عجل من مهرها، ولا تكون ناشزا بهذا الامتناع لأنه امتناع بحق شرعي.
ورأى الإمام أبو حنيفة هو الراجح في المذهب .
وعند الحنفية لا يكون للزوجة الحق في فسخ العقد، إذا عجز الزوج عن دفع المعجل من المهر ، وإذا مات الزوج وفي ذمته مؤخر الصداق، كان للزوجة طلب مؤخر صداقها من تركته لأنه دين على التركة، والقاعدة الشرعية أنه لا تركة إلا بعد سداد الديون.
وإذا مات الزوج وفي ذمته مؤخر الصداق، ثم ماتت بعده الزوجة، جاز لورثتها طلب مؤخر الصداق من تركته ، وإذا ماتت الزوجة، وفي ذمة الزوج مؤخر الصداق، جاز لورثتها طلب نصيبهم فيه، لأن الزوج وارث للزوجة، ومن ثم له نصيب في مؤخر الصداق
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بأن :
«أطلعنا على هذا السؤال ونفيد أن المنصوص عليه شرعا أن صداق المرأة يعتبر ديناً وأن القول قولها إلى مقدار مثلها من غير بينة فتخاص الغرماء به في الديون التي على المتوفى في الفتاوى الأنقروية من دعوى الدين في التركة ما نصه: مات وعليه ديون لا تفي التركة بها وادعت امرأته مهرها، فالقول قولها إلى مقدار مهر مثلها من غير بينة فتحاص الغرماء به كما إذا وقع الاختلاف بينها وبين الورثة أوهم، وهذا متى كانت الديون المذكورة ديوناً صحيحاً شرعية، وأما ما كان منها فوائظ (أي ربا) فلا يعتبر دیناً شرعياً، والله أعلم».
فتوی صادرة بتاريخ 12/ 3/ 1916
«المقر فقها أن المهر يجب بالعقد ويتأكد جميعه بأمور منها وفاة أحد الزوجين وعلى هذا فبوفاة الزوجة موضوع السؤال تستحق الزوجة المذكورة جميع المهر. مقدمه ومؤخره ويعتبر مؤخر الصداق ديناً في ذمة الزوج يضاف إلى تركتها ويقسم مع باقي تركتها على ورثتها الشرعيين..... الخ».
فتوی صادرة بتاريخ 17 / 8/ 1975
«يتعلق بالتركة بعد وفاة صاحبها أربعة حقوق مرتبة بحسب القوة
وهي:
حق الميت في تجهيزه من غسل وتكفين وحمل ودفن.
ثم حق الدائنين في إيفاء ديونهم.
ثم حق الموصى له فيما تنفذ فيه الوصية.
ثم حق الورثة.
وفي موضوع السؤال تسأل السائلة هل لها الحق في أخذ مؤخر صداقها من تركة زوجها المتوفى أم لا؟
وتفيد بأن لها الحق في أخذ مؤخر صداقها من تركة مورثها قبل توزیع التركة لأنها تعتبر دائنة لزوجها المتوفي بمؤخر الصداق الذي يحل بأقرب الأجلين الطلاق أو الموت ولا تركة إلا بعد سداد الديون والوصايا ومن الديون مؤخر الصداق كما هو وقد نصت المادة 4 من قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943 بأنه يؤدي من التركة على الترتيب أولاً: ما يكفي لتجهيز الميت ومن تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن. ثانياً: ديون الميت. ثالثاً: ما أوصى به في الحد الذي تنفذ فيه الوصية. ويوزع الباقي على الورثة.
وعلى ذلك وطبقاً لما مر يكون للسائلة أخذ مؤخر صداقها أولاً قبل توزیع التركة وبعد ذلك توزع التركة على الورثة الشرعيين للمتوفي الموجودين على قيد الحياة وقت وفاته. ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال»
فتوی صادرة بتاريخ ۲۲ نوفمبر ۱۹۸۷
وإذا سمي في المهر نقد يجرى به التعامل في البلد ثم أبطل التعامل به فإنه يجب الزوجة قيمة ما سمي من النقد يوم بطلان التعامل به.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 22/ 9/ 1965 في الطلب رقم 558 لسنة 1965 بأن :
«... وطبقاً لما جاء في فتح القدير أنه إذا سمي في المهر نقد يجری به التعامل في البلد ثم بطل التعامل به. فإنه يجب للزوجة قيمة ما سمي من النقد يوم بطلان التعامل به. وظاهر في حادثة السؤال أن المهر المسمى جنيهات ذهبية مصرية والجنيهات الذهبية المصرية كانت عملة متداولة يجري التعامل بها بين الناس في البلد وقت العقد على أساس أن الجنيه يساوی مائة قرش من غیر نظر مطلقا إلى أنها قطع ذهبية تساوي قيمتها قليلا أو كثيرا. وتتغير قيمتها وسعرها بتغيير الظروف والأزمنة والأمكنة والعوامل الاقتصادية، وقد استقر الأمر أخيرا على اعتبار الجنيه الذهب في التعامل عملة متداولة يساوی مائة قرش من غير نظر إلى قيمته كقطعة ذهبية ولعة تباع في السوق كالذهب غير المضروب وتخضع لتقلبات الأسعار. ولا يزال التعامل به جاريا علي هذا الأساس إلى الآن. ومن ثم يكون المستحق للزوجة في هذه الحالة هو المبلغ المسمى من الجنيهات على أساس أن الجنيه يساوي مائة قرش. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال». .
الحالات التي يجب فيها مهر المثل :
يجب مهر المثل في الحالات الآتية:
1- إذا لم يسم الزوج لزوجته مهراً في العقد أو بعده بأن تصدر صيغة العقد مجردة من ذكره أو نفيه، ثم دخل بها الزوج أو مات عنها.
وفي هذه الحالة تسمى المرأة (المفوضة) لأنها فوضت أمر مهرها الزوج أو الولي.
ووجب مهر المثل لها في هذه الحالة لأنه بالعقد وجنب لها المهر، فإن كان هناك مهر مسمى ثبت، وأن لم تكن هناك تسمية اتجه الوجوب إلى مهر المثل، والدليل على ذلك قول ابن مسعود فيمن مات زوجها ولم يسم لها مهرا «إن لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط».
2- إذا سمى المهر في العقد تسمية غير صحيحة، لأن التسمية غير الصحيحة تعتبر في حكم الملغاة ، وتكون التسمية غير صحيحة، إذ كان المهر المسمي ليس بمال على الإطلاق كقطرة ماء، أو كان مالا غير متقوم في حق المسلم كالخنزير والخمر أو مالا مجهولا جهالة فاحشة تؤدي إلى النزاع فيه بين الزوجين، كأن يتفقا على أن المهر ثوب دون أن يبينا نوع هذا الثوب أو يكون المهر هو نكاح آخر وهو ما يسمى بنكاح الشغار ، فيجب مهر المثل في هذه الحالة، لأنه هو الواجب الأصلي، والمسمى يقوم مقامه ومادامت التسمية قد فسدت وجب الرجوع إلى الأصل.
3- إذا نفي المهر بالعقد، بأن اتفق الزوجان على أن لا مهر للزوجة، كما إذا قال الرجل للمرأة: «تزوجتك على ألا مهر لك»، فقبلت الزواج ، ففي هذه الحالة يصح العقد لأن المهر ليس ركناً في عقد الزواج وليس شرطاً فيه فيصح بدونه، أما شرط عدم دفع المهر الذي قبلته الزوجة، فهو شرط فاسد، والشرط الفاسد لا يبطل العقد بل يصح العقد ويفسد الشرط.
وإذا كان العقد صحيحا فلابد من المهر لأن فيه حق الله تعالى فلا يجوز الاتفاق على إبطاله، ويجب في هذه الحالة مهر المثل.
4- إذا حصل الاختلاف في المهر المسمى، ولم تثبت التسمية بالبينة، فإنه يجب مهر المثل. .
وإذا كان الادعاء بوجود التسمية من قبل الزوجة وادعت أقل من مهر المثل، فإنه يحكم بما ادعته لأنها قبلت مهراً يقل عن مهر مثلها، فأسقطت حقها في الزيادة، وكذلك إذا كان الإدعاء من قبل الزوج وادعى أكثر منه فإنه يحكم بما يدعيه، لأنه قبل الزيادة على مهر المثل.
متى يجب الأقل من المسمى ومهر المثل؟
يجب الأقل من المسمى ومهر المثل في حالة واحدة، وهي إذا كانت التسمية صحيحة وكان العقد فاسداً، ودخل الزوج بزوجته دخولاً حقيقيا. لأن الزواج الفاسد لا يرتب الحق في المهر لأنه لا وجود له شرعاً، والمهر حكم من أحكام العقد الصحيح، ولما كان الدخول بالمرأة في نظر الإسلام لا يخلو من وجوب الحد أو المهر وحيث لا حد لوجود الشبهة المسقطة له فيجب المهر. والمهر هنا هو الأقل من المهر المسمى ومن مهر المثل فإذا كان مهر مثلها مائة والمستمی ثمانون وجب المسمى، وإن كان العكس وجب مهر المثل ووجب الأقل من المهربين لأن مهر المثل هو الوادي الأصل، ولكن رضي بها له فیسی دات زيادة مهر مثلها عما سماه فكأنها أسقطت حقها في الزيادة فتؤخذ برضاها، كما أنه يمكن اعتبار التسمية تقديرا لمهر مثلها من جانبها وقد وافقها الزوج عليها فلا يصح النظر إلى ما وراء ما اتفقا عليه إن كان أقل، لا من حيث احترام الشارع التسمية، بل من حيث التراضي على تقدير مهر المثل .وهذا هو رأي الإمام أبي حنيفة والصاحبين، وهو الراجح في المذهب .
اقتران المهر بشرط
صور اقتران المهر بشرط:
المهر المسمى في العقد، إما أن يقترن بشرط، أو لا يقترن به، فإن لم يقترن بشرط وجب المهر المسمى في العقد بالتفصيل الذي ذكرناه سلفا. أما إذا اقترن المهر بشرط فإن هذا الشرط قد يكون منفعة للزوج أو الزوجة أو لأحد محارمها أو الأجنبي. ولبيان حكم اقتران المهر بشرط فإنه يجب التفرقة بين صور أربع
على التفصيل الآتي:
الصورة الأولى :
أن يسمي الزوج لزوجته في العقد مهراً أقل من مهر المثل، ويشترط على نفسه في نظير ذلك تقديم منفعة مباحة شرعاً لها أو لأحد محارمها، سواء كانت المنفعة مما يقوم بالمال أم لا، كأن يشترط على نفسه أن يستغل أرضاً معينة لها أو لأبيها، أو ألا يخرجها من بلدها، أو يلحق شقيقها بوظيفة.
ففي هذه الصورة يكون المهر مكوناً من أمرين: ما سماه الزوج وما شرطه على نفسه من منفعة لزوجته أو لأحد من محارمها. فإن أوفى الزوج بالشرط وجب المهر المسمى التحقق ما نيط به رضا المرأة، وإن لم يوف الزوج بالشرط وجب للزوجة مهر المثل، لأن الزوجة ما رضيت بالمهر المسمى وهو أقل من مهر مثلها إلا نظير الشرط، ولفوات رضاها يجب لها مهر المثل، فكأن التسمية صارت باطلة، كالشأن في أي زواج لم يحصل فيه تراضى على التسمية.
أما إذا كانت المنفعة الواردة بالشرط غير مباحة شرعاً، كاشتراط حفل فيه لهو محرم، أو اشتراط مجالسة زوجته للرجال الأجانب وشرب الخمر، أو كانت المنفعة الأجنبي عن الزوجة أي لغير ذی رحم محرم، وجب المهر المسمى لأنه لا يجوز شرعا الوفاء بالمنفعة غير المباحة، ولا يجوز للمسلم الانتفاع بها. فلا يستحق عوضاً عن فواه الانتفاع. ولأن المنفعة المشترطة الأجنبي عن الزوجة ليست منفعة مقصودة لأحد العاقدين فيكون اشتراطها لغوا لأن ذلك يكون شرطاً فاسداً فيصح العقد والتسمية ويلغى ذلك الشرط .
فإذا كانت التسمية أقل من المهر المقرر شرعاً، وجب، تكملة المهر إلى هذا المقرر.
الصورة الثانية :
أن يسمي الزوج لزوجته في العقد مهرا يساوي مهر المثل ويشترط على نفسه أيضاً تقديم منفعة مباحة شرعاً لها أو لأحد محارمها. وفي هذه الصورة يجب المهر المسمى سواء وفي المنفعة المشروطة أو لم يوف بها، لأنها وإن لم ترض إلا بمجموع الأمرين إلا أن عدم رضاها بالمال وحده لا يؤثر في صحة التسمية لأن العدول إلى مهر المثل لا فائدة فيه لتساويه مع المسمی
الصورة الثالثة:
أن يسمى الزوج لزوجته مهراً يزيد على مهر المثل ويجعل تلك الزيادة نظير أن يتحقق في الزوجة وصف مرغوب فيه، كأن تكون بكراً أو جميلة أو متعلمة أو سليمة من الأمراض.
فإذا وجد بها هذا الشرط (الوصف) وجب المسمى، وإن لم يوجد وجنب مهر المثل لأنه ما رضى بالزيادة على مهر المثل إلا لهذا الوصف المرغوب فيه،| فطالما لم يتحقق فيها الوصف انعدم رضاه بما زاد على مهر المثل فلا يجب عليه إلا مهر المثل.
الصورة الرابعة:
أن تكون هناك تسميتان: إحداهما على تقدير، والأخرى على تقدير آخر، وبعبارة أخرى أن يسمى للزوجة مهراً على شرط ومهراً آخر على شرط آخر ويستوي في ذلك كون. الشرط فيه منفعة للزوج أو الزوجة ، ومثل ذلك أن يجعل مهر الزوجة خمسمائة جنيه إن كانت بكرا أو إن أقسام بها في بلدة غير بلدة أبويها، وثلاثمائة جنيه إن كانت ثيباً أو إن أقام بها في بلدة أبويها.
وقد اختلف الحنفية في حكم هذه الصورة.
فذهب أبو حنيفة إلى أن التسمية الأولى صحيحة لأنها صادفت محلا الوقوعها بدون أن يوجد ما يزاحمها فإذا تحقق شرطها وجب المشروط، والتسمية الثانية غير صحيحة لأنها لم تصادف محلا لوقوعها بعد التسمية الأولي الصحيحة فإذا تحقق شرط التسمية الثانية وجب مهر المثل لا المسمى ولا يزيد على الخمسمائة لرضاها به عند تحقق التسمية الأولى ولا ينقص عن الثلاثمائة إرضاء به عند تحقق شرط التسمية الثانية.
وذهب الصاحبان إلى أن التسميتين صحيحتان، فإن تحقق الثاني وجب ما اسمي عند تحققه، وذلك لأن هاتين التسميتين لحالتين وتكون إحداهما على طريق البدل، والحالتان لا تجتمعان لأنهما متضادتان أو شبه متضادتين، فكل حالة قد سمي لها قدر معلوم، فيمكن العمل بمقتضاه من غير نزاع ولا ضرر.
وذهب زفر إلى أن التسميتين فاسدتان، لأنه متردد بين شيئين والتردد يورث الجهالة، وتسمية المجهول في العقد تسمية غير صحيحة أو فاسدة، فيجنسي مهر المثل، غير أنه لا يزيد على الخمسمائة جنيه لأن الزوجة رضيت به عند تحقق شرط التسمية الأولى ولا يقل عن ثلاثمائة جنيه لأن الزوج رضى به عند تحقق شرط التسمية الثانية.
والرأي الراجح في المذهب رأي الصاحبين.
الزيادة في المهر المسمى
المراد بالزيادة في المهر المسمى :
المراد بالزيادة في المهر المسمى، إضافة شيء إلى المهر بعد تمام عقد الزواج واتفاق الطرفين فيه على مهر معين، سواء كان الشيء المضاف من جنس المهر أو من غير جنسه، كأن يكون المهر ألف جنيه فيضاف إليه مائة جنيه، أو يكون المهر سيارة فيضاف إليه خمسمائة جنيه.
حكم الزيادة في المهر:
إذا زاد الزوج لزوجته ما سماه لها من المهر قدرا آخر، سواء كانت الزيادة من جنس المهر أو من غير جنسه صحت الزيادة والتحقت بأصل المهر، وأخذت حكمه في أغلب الأحوال، وذلك لقوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَ) فللزوجة أن تطالب زوجها بهذه الزيادة مع الأصل بالدخول والخلوة وفي حالة الموت قبل الدخول والخلوة.
إلا أن الزيادة تخالف أصل المهر في أنها لا تتصف بالطلاق قبل الدخول أو الخلوة، كما ينتصف المهر المسمى بالطلاق قبل الدخول أو الخلوة وقوفاً عند ظاهر النص هو قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن قريضة فنصف ما فرضتم) ، فإن الأحناف يقولون أن المراد بالمفروض في الآية هو ما فرض في العقد بشهادة العرف، فإن المتعارف عند الناس إذا قيل فلان فرض لزوجته كذا مهراً» أنه فرضه حين العقد أو كان شيئا متفقاً عليه من قبل العقد، فتحمل الآية على المعروفة، فلا ينتصف ما يزيد على المهر بعد العقد، و إنما يكون الواجب لتلك المطلقة نصف ما سمي في العقد لا غير.
شروط صحة الزيادة :
يشترط لصحة الزيادة في المهر المسمى من جانب الزوج توافر الشروط الآتية:
1- أن يكون الزوج من أهل التبرع، بأن يكون عاقلاً بالغا رشيداً، لأن الزيادة على ما تم التراضي عليه من المهر ضرب من التبرع. وأهلية الرشد في المسائل المالية تكون ببلوغ الزوج واحد وعشرين سنة ميلادية (م ۱۸ من المرسوم بقانون رقم ۱۱۹ لسنة 1952).
ولكن تنفيذ الزيادة جميعها من غير توقف على إجازة الورثة يجب أن تكون في حالة صحته لا في مرضه مرض الموت.
وإذا كان الزوج قاصراً، وكان الولى هو الأب أو الجد غير المعروفين بسوء الاختيار، كان لهما أن يزيدا في مهر القاصر لأن لهما أن يزوجاه بأكثر من مهر المثل ابتداء عند أبي حنيفة .
2- أن تكون الزيادة معلومة، كأن يزيد مقدارا من المال محددا، أو عينا مالية معينة، أما لو قال لزوجته: «زدتك في مهرك». بدون تعيين الزيادة لم تصح الزيادة للجهالة لأن المجهول لا يصح أن يكون محلا للعقد والتعامل.
3- أن تقبل الزوجة الزيادة في المجلس الذي حصلت فيه إذا كانت من أهل القبول، أو يقبل وليها الزيادة إذا لم تكن كذلك كأن تكون صغيرة أو مجنونة وذلك لأن الزيادة هبة وتمليك من الزوج لزوجته، وهو لا يصح إلا بالقبول في مجلس الإيجاب.
4- أن تكون الزيادة حال قيام الزوجية حقيقة أو حكماء أي أثناء عدة الطلاق الرجعي، لأن الزيادة تلتحق بأصل المهر وتستند إلى العقد وكأنها صدرت منه منذ أول الأمر، فيلزم أن يكون الزواج قائما ولو حكما وعلى ذلك لا تصح الزيادة إذا حصلت بعد الطلاق البائن ولو كانت المطلقة بائنا مازالت في العدة، أو بعد انقضاء عدة المطلقة رجعيا.
الحط من المهر المسمى
المراد بالحط من المهر المسمى:
المراد بالحط من المهر المسمى إسقاط بعض المهر، أو إسقاط المهر كله عن الزوج بعد إتمام عقد الزواج واتفاق الطرفين على مهر معين.
فالزيادة في المهر تكون من جانب الزوج، أما الحط في المهر فيكون من جانب الزوجة.
حكم الحط من المهر: .
المهر عند إنشاء عقد الزواج يتعلق به حق الشارع والولى العاصب والزوجة، أما بعد العقد فإنه يكون حقاً خالصاً للزوجة، ومن ثم فلها بعد تمام العقد الحط من المهر. شروط صحة الحط من المهر:
يشترط لصحة الحط من المهر توافر الشروط الآتية:
أن تكون المرأة بالغة عاقلة رشيدة، وسن الرشد المالي - كما أوضحنا سلفا - يكون ببلوغها واحد وعشرين سنة ميلادية، لأن حطها من المهر تبرع فيجب أن تكون من أهل التبرع.
وإذا كانت الزوجة صغيرة فلا يجوز لوليها أن يحط جزءا من مهرها حتى لو كان أباها أو جدها، لأن الحط يكون بمثابة الهدية، ولم تجر العادة بأن أهل الزوجة يقدمون الهدايا للزوج بل لو فعلوا ذلك تعيروا به.
ألا يرد الزوج الحط من المهر إذا كان المهر ديناً في الذمة كالنقود والمثليات، لأن الحط منه هنا إبراء، والإبراء عند الحنفية يتم بإرادة واحدة ولا يحتاج إلى القول بل يرتد بالرد، ومن ثم إذا قبل الزوج الإبراء أو سكت عن القبول والرد صح الإبراء، وقد اشترط عدم الرد لأن من الناس من لا يتحمل منة الإبراء من دين عليه خصوصا في مهر زوجته.
أما إذا كان المهر عيناً من الأعيان التي تتعين بالتعيين كمنزل معلوم أو قطعة أرض محددة، فإنه يجب أن يقبل الزوج الحط من المهر في المجلس حتى يتم التمليك كما في حالة الزيادة في المهر، ذلك أن الأعيان لا تقبل الإسقاط ومن ثم فليس للزوجة أن تبرئ الزوج منها لأن الإبراء إسقاط، فإذا أرادت الزوجة أن تتنازل عنها وهبتها له ولابد من القبول في الهبة.
مؤكدات المهر
الحالات التي يجب فيها المهر مؤكدا:
رأينا فيما سلف، أن هناك بعض الحالات يجب فيها المهر لا بالعقد الصحيح وإنما بالدخول الحقيقي، وحينئذ يكون المهر واجباً مؤكداً، ومعنى أن المهر مؤكد أن يكون غير قابل للسقوط كله أو بعضه، فالمهر يجب مؤكدا في حالتين هما:
1_ الدخول في العقد الفاسد أي العقد غير الصحيح.
2_ الوطء بشبهة.
والمهر يجب في هاتين الحالتين سواء افترق الرجل والمرأة من تلقاء نفسيهما أو فرق القاضي بينهما ، أما إذا وقعت المباركة بينهما في العقد الفاسد قبل الدخول الحقيقي فلا مهر للزوجة أصلا ولو اختلى بها الزوج لأن المهر لا يجب إلا بالدخول الحقيقي. مؤكدات المهر في العقد الصحيح:
رغم أن المهر - كما رأينا سلفا - حكم من أحكام عقد الزواج الصحيح، إلا أن هذا المهر يجب بالعقد وجوباً غير مستقر، سواء كان المهر مسمى أو غير مسمى، إذ قد يطرأ ما يسقط المهر كله أو نصفه، حتى يوجد ما يؤكده ، فإذا وجد هذا المؤكد استقر وجوبه ولا يرد عليه السقوط كله أو نصفه، ولا تبرأ ذمة الزوج منه إلا بالأداء أو الإبراء . ويتأكد المهر في العقد الصحيح بأمور ثلاثة: الدخول الحقيقي والموت والخلوة الصحيحة، ونعرض لهذه المؤكدات الثلاثة بالتفصيل فيما يلي:
(1)الدخول الحقيقية
يتأكد المهر بتمامه بالدخول الحقيقي في العقد الصحيح، وذلك باتفاق الفقهاء، والعلة في ذلك أن الأمور المسقطة للمهر كله أو بعضه الواردة في القرآن والحديث دلت على أن السقوط لا يكون إلا قبل الدخول، ولأنه بالدخول یکسون الزوج قد استوفي المقصود من الزواج، فوجب أن تستوفي الزوجة حقوقها مؤكدة وأولها المهر قبل الزواج، فضلا عن أن الدخول في العقد الفاسد يوجب الأقل من المسمى ومهر المثل غير قابل للسقوط فمن باب أولى يوجب الدخول في العقد الصحيح المهر مؤكدا غير قابل للسقوط ، ولا يشترط في الدخول الذي يؤكد المهر أن يكون حلالا، فحصوله مع المانع الشرعي كالحيض والنفاس أو كون أحد الزوجين صائما لفرض يتأكد به المهر.
(2) موت أحد الزوجين قبل الدخول والخلوة :
إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول وقبل الخلوة سواء سمي المهر أو لم يسم فإن الزوجة تستحق المهر كاملاً، لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه سئل في رجل تزوج امرأة فمات عنها زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً قال - بعد زمن - أرى لها مثل مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وشهد معقل بن سنان الأشجعي بأن النبي عليه السلام قضي في بروع بنت واشق الأشجعية بمثل ما قضى به ابن مسعود، وشهد بذلك ناس من أشجع، ففرح ابن مسعود بذلك فرحاً لم يفرح مثله في الإسلام.
وعلة ذلك أن عقد الزواج عقد للعمر وبموت أحد الزوجين انتهى عقد الزواج بينهما، وانتهاء العقد بانتهاء أمده لا يوجب سقوط شيء من المهر، ولأن بوفاة أحد الزوجين قبل الدخول والخلوة يستحيل وجود ما يسقط المهر كله أو بعضها ويكون المهر عند وفاة الزوج دينا في تركته يقدم أداؤه على تقسيم التركة بين الورثة.
ويكون المهر عند وفاة الزوجية، تركة عنها لورثتها ولهم مطالبة الزوج بمهرها بعد خصم نصيبه منه لأنه يرثها فيما تركته ومنه المهر الذي لم تقبضه.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء بتاريخ 25/ 2/ 1979 بأن :
أولا المنصوص عليه شرعا أن المهر يتأكد جميعه بأمور منها موت أحد الزوجين قبل الدخول والخلوة ويتقرر جميعه للزوجة و بموت الزوج المذكور في حادثة السؤال قبل الدخول والخلوة فإن المهر يتقرر جميعه للزوجة فإن كان المبلغ المدفوع قدر المهر المسمى في العقد كان هو الواجب الذي صار ملكا لها بمجرد القبض. وإن كان المسمى أكثر من المبلغ المدفوع فإن الباقي من المهر المؤجل منه يصير دينا في ذمة الزوج تستوفيه الزوجة من تركة زوجها قبل تقسيمها على الورثة.
ويستوي أن يكون أحد الزوجين هو الذي قتل نفسه، أو قتله الزوج الآخر، أو شخص من الغير.
وعلة تأكيد المهر بقتل الزوجة نفسها، رغم أن الموت بفعلها، أن المهر عند وفاتها يصبح حقا لورثتها فلا تستطيع إسقاطه بفعل منها، وهذا يخالف حال الردة وفعلها بأحد أصوله أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة، فإن المهر حينئذ يكون حقها فيسقط بفعلها.
وعلة تأكيد المهر في حالة قتل الزوجة زوجها، أن القتل وإن كان جناية لها عقوبة، إلا أن إسقاط مهرها ليس ضمن هذه العقوبة.
(3) الخلوة الصحيحة:
يتأكد المهر بتمامه بالخلوة الصحيحة ، والمراد بالخلوة الصحيحة، أن يجتمع الزوجان بعد عقد الزواج الصحيح بمكان يأمنان فيه من دخول أحد عليهما بلا إذن، أو اطلاعه على أسرارهما، دون أن يكون بأي من الزوجين مانع من موانع الاتصال الجنسي.
فإذا كان الزواج فاسداً كانت الخلوة بعده فاسدة ، وإذا كان مع الزوجين شخص ثالث رجل أو امرأة مبصراً أو غير مبصر، نائماً أو مستيقظاً، صغيراً أو كبيراً، فلا تتحقق الخلوة إلا أن يكون هذا الصغير لا يعقل، وإلا أن يكون الكبير مجنوناً أو مغمى عليه لأن وجوده يكون كعدمه ولا يمنع من صحة الخلوة.
كذلك لا تتحقق الخلوة الصحيحة، إذا كان الزوجان في مكان لا يأمنان فيه من دخول أحد عليهما دون إذن أو إطلاعه عليهما دون أن يدخل، كما لو كانا على سطح مكان لا ساتر له ولو في ظلمه) لأنه يمكن الإحساس بهما وإن لم يمكن النظر إليهما، أو كان للمكان ساتر ولكنه رقيق بحيث إذا نظر إليهما إنسان رأهما، أو إذا اجتمعا في طريق لأن الطريق ممر الناس عادة وذلك يوجب الانقباض فيمتنع الوطء.
وموانع الاتصال الجنسي التي تنتفي معها الخلوة الصحيحة ثلاثة، مانع حقيقي أو حسي، ومانع طبيعي، ومانع شرعي.
والمانع الحقيقي أو الحد مي، يتحقق إذا كان بالزوجين أو بأحدهما مانع يمنع الدخول بالزوجة، كأن تكون الزوجة صغيرة لا تطبق الجماع. أو بها عيب أو مرض يمنع الدخول، كالرتقاء والقرناء ، أو كان الزوج مريضا بمرض يمنعه من الاتصال بزوجته، أو كان صغيرا لا ينتظر الدخول من مثله.
ولا يعد مانعا من صحة الخلوة - عن أبي حنيفة - العنة والخصاء والجب، لأن كلا من العنة والخصاء لا يمنع من الوطء، ولتصور الجزء من المجبوب، فلو جاءت امرأته بولد يثبت نسبه ، أما الصاحبان فيذهبان إلى أن خلوة المجبوب غير صحيحة لأنه أعجز من المريض لوجود الة الجماع في المريض وقد يجامع بخلاف المجبوسي، والمرض مانع من الخلوة فالجب أولى، والعنة لا تمنع من صحة الخلوة لأن الوقوف على حقيقة العنة متعذر والأصل في الإنسان السلامة، وعند أبي حنيفة لامكان إنزاله بالسحاق ، والمانع الطبيعي، بأن يكون معهما ثالث، فإن الطبع يمنع الدخول مع وجوده، بل لا يوجد معنى الخلوة مع وجوده، وقد سبق تفصيل ذلك.
وقد جعل البعض هذا المانع من الحسي ، والمانع الشرعي هو الحيض والنفاس فإن الاختلاط فيه محرم شرعاً لقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ )، ومثل الحائض في هذا الحكم النفساء.
ويعد مانعاً شرعياً من الخلوة صوم رمضان أو الإحرام بحجة فريضة أو نفل أو عمرة، لأن الإفطار في رمضان يستوجب القضاء والكفارة، وإفساد الحج ولو نقلا والعمرة يلزمه قضاؤه، وهي أمور شاقة تمنع الشخص من الإقدام عليها. أما صوم التطوع وقضاء رمضان والكفارات والنذور فتح معها الخلوة لأن الإفطار فيها لا يترتب عليه شيء سوى القضاء وقد استدل الحنفية على أن الخلوة الصحيحة تؤكد المهر بقوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ).
فقد فسروا الإفضاء بالخلوة الصحيحة لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء وهو الخالي فكأنه قال: وقد خلا بعضكم إلى بعض ، وبما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «من كشف خمار امرأته ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل». .
وبما روى عن زرارة ابن أبي أوفي أنه قال: «قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور وأغلق الباب فلها الصداق کاملا وعليها العدة دخل بها أو لم يدخل». والخلوة الصحيحة تشارك الدخول الحقيقي في أحكام وتخالفه في أحكام
أخرى ونعرض لذلك بالتفصيل على النحو الآتي:
(أ) الأحكام التي تشترك فيها الخلوة مع الدخول الحقيقي:
1- تأكيد المهر الواجب بالعقد.
2- وجوب العدة على الزوجة بعد الفرقة، ويترتب على وجوب العدة على الزوجة تحقق الأحكام التي تترتب على العدة وهي:
أ) وجوب نفقة العدة للمطلقة.
ب) حرمة نكاح محرم للزوجة، بالنسب، أو المصاهرة أو الرضاع خلال فترة عدتها.
ج) حرمة تزوج أربع غيرها أثناء العدة.
د) ثبوت نسب الولد من الزوج. فإذا اختلى الزوج بزوجته خلوة صحيحة، ثم جاءت بولد ثبت نسبه منه إذا توافرت فيه شروط ثبوت النسب الأخرى، وثبوت النسب في هذه الحالة من أحكام الزواج الصحيح، لا من أحكام الخلوة الصحيحة، كما سيأتي ذكره تفصيلا عند تناول موضوع النسب.
(ب) الأحكام التي تختلف فيها الخلوة عن الدخول الحقيقي :
تختلف الخلوة الصحيحة عن الدخول الحقيقي في أحكام أخرى منها:
1- الإحصان :حد الزنى للمحصن من رجل وامرأة هو الرجم وحد غير المحصن هو الجلد مائة جلدة. والإحصان المقصود في حد الزنى يكون بالزواج مع الدخول الحقيقي. أما الخلوة الصحيحة فلا يتحقق بها شرط الإحصان في حد الزنى ، وعلى ذلك فمن زنی بعد الدخول الحقيقي بزوجته، كان حده الرجم، ومن زنى بعد الخلوة الصحيحة وقبل الدخول بزوجته، كان حده مائة جلدة، ما لم يكن قد دخل بزوجة أخرى.
2- حرمة الربيبة: ذكرنا في المحرمات أن الدخول بالأمهات يحرم الربائب، والدخول المحرم هو الدخول الحقيقي، دون الخلوة الصحيحة. فمن اختلى بزوجته خلوة صحيحة ولم يدخل بها حتى ماتت أو طلقها وانقضت عدتها، يحل له الزواج بإحدى بناتها.
3- الرجعة: إذا طلق الرجل زوجته طلاقا رجعيا، ثم دخل بها كان ذلك مراجعة لها ولو لم يتلفظ بقول، أما إذا اختلى بها خلوة صحيحة فإن ذلك لا يتحقق به مراجعتها.
4- إمكان المراجعة بدون عقد جديد: فمن طلق امرأته بلفظ صريح في الطلاق وكان ذلك بعد دخول حقيقي وقع طلاقه رجعيا ما لم يكن مكملا للثلاث وله مراجعة زوجته دون عقد جديد، أما طلاقها بعد الخلوة الصحيحة وقبل الدخول فيكون طلاقا بائنا ولا يجوز له مراجعتها إلا بعقد ومهر جديدين. )
5- إحلال المطلقة ثلاثا لزوجها الأول: المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها الأولى إلا بعد أن تتزوج غيره ويدخل بها الثاني دخولا حقيقيا، ثم يطلقها. أما إذا تزوجها الثاني واختلى بها خلوة صحيحة دون أن يدخل بها ثم طلقها فإنها لا تحل للزوج الأول.
6- الميراث: إذا طلق الرجل زوجته بعد الخلوة الصحيحة كان الطلاق بائنا، فإذا مات أحدهما في أثناء العدة فلا يرث أحدهما الآخر، لأنه لا إرث في عدة الطلاق البائن بعد الخلوة الصحيحة يستوي في ذلك أن يكون طلاقها فرارا من الميراث وهو الطلاق في مرض الموت من غير رضاها، أو لم يكن كذلك.
أما إذا طلق الرجل زوجته بعد الدخول بها طلاقا رجعيا، ومات أحدهما وهي في العدة، فإن الأخر يرثه لقاء النكاح حكما في عدة الطلاق الرجعي، بل يثبت للزوجة الميراث في عدة الطلاق البائن إذا كان الطلاق في مرض موته، لأنه يعتبر فارا من ميراثها فيعامل بنقض مقصوده.
7- في حكم التزويج بعد الطلاق: إذا فارق الزوج زوجته بعد الدخول بها فإنها تزوج تزويج الثيبات، فلا يتحقق رضاها بالزوج إلا بالإذن الصريح، أما المختلى بها فقط تتزوج زواج الأبكار لأنها لازالت بكرا فيكتفي في رضاها بمجرد السكوت.
إثبات الخلوة الصحيحة:
إذا اختلف الزوجان في حصول الخلوة الصحيحة قبل الطلاق، كأن تدعى الزوجة أن الطلاق وقع بعد الخلوة وتستحق المهر بتمامه بينما يقول الزوج أنه وقع قبل الخلوة فلا تستحق إلا نصف المهر، كان على الزوجة البينة لإثبات دعواها لأنها تدعى خلاف الأصل إذ الأصل عدم الخلوة لأنها طارئة عليه وعلى من يدعى خلاف الأصل إثبات دعواه.
أما إذا عجزت الزوجة عن إثبات الخلوة بالبينة، كان لها أن تطلب توجيه اليمين إلى الزوج فإن حلفها قضي بعدم الخلوة، وهذا ما يتمشى مع القاعدة القائلة «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»
ونصاب البينة هناء شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. ويكفي في الشهادة أن يشهد الشاهدان باختلاء الزوجين في مكان يأمنان فيه من دخول الغير عليهما بلا إذن، أو إطلاعه عليهما، ولا يلزم شهادتهما على خلو الزوجين من الموانع التي تحول دون الاتصال الجنسي، لأن الأصل خلوهما منها فإن ادعى الزوج غير ذلك فعليه عبء الإثبات والقول في ذلك قول الزوجة بيمينها. ولا مراء أن العرف له اعتباره في تكوين عقيدة القاضي واطمئنانه لشهادة الشهود، والعرف الآن جرى على الخلوة بعد العقد وقبل الزفاف.
- متى يسقط نصف المهر؟
يسقط نصف المهر، ويجب نصفه فقط للزوجة، إذا كان عقد الزواج صحيحا، وسمي فيه المهر وقت العقد تسمية صحيحة، ثم وقعت الفرقة بين الزوجين قبل الدخول والخلوة الصحيحة، بسبب يرجع إلى الزوج، سواء كانت الفرقة طلاقاً أو فسخاً، كالفرقة بلفظ الطلاق، أو التفريق بعيب فيه أو بسبب ارتداد الزوج عن الإسلام، أو إبائه عنه إذا كان غير مسلم وأسلمت زوجته. أو ارتكابه ما يوجب حرمة المصاهرة مع أحد أصول الزوجة أو فروعها ولا يستثنى من ذلك إلا الحالة التي تكون فيها الفرقة بسبب خيار البلوغ للصغير إذا كان الولي الذي زوجه غير الأب والجد، خيار الإفاقة للمجنون والمعتوه إذا كان الذي زوجهما غير الأب والجد والابن، فإنه لا يجب عليه شيء من المهر، لأنه لو وجب عليه نصف المهر ما كان لهذا الخيار الذي شرع له ثمة فائدة لأن له أن يطلق زوجته ويلزمه نصف المهر حينئذ، ولا يمكن أن يكلو إثبات الخيار له من فائدة وإلا كان عبثاً يتنزه عنه الشارع، فائدته الوحيدة هي سقوط المهر عنه. كما أن فسخ العقد في هذه الحالة فسخ العقد من كل الوجوه فيعتبر العقد كأن لم يكن.
أما إذا كانت الفرقة بسبب الزوجة كردتها أو فعلتها مع أحد أصول الزوج أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة أو كالتفريق بسبب عدم الكفاءة، فلا تستحق الزوجة نصف المهر، ودليل تتصيص المهر قوله تعالى في سورة البقرة: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)
وبهذا أفتت دار الافتاء المصرية بتاريخ 12/ 6/ 1975 في الطلب رقم 44 لسنة 1975 وجاء بالفتوى :
المقرر فقها أنه إذا حصل طلاق قبل الدخول والخلوة الصحيحة فإن المهر جميعه «عاجلة وأجله» ينتصف، بين الطرفين، فيكون من حق الزوجة شرعاً نصف جميع المهر، لقوله تعالى في كتابه العزيز: ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) إلى آخر الآية الكريمة.
والمهر الذي بين تصف هو المهني المسمى في العقد الصحيح، فإذا كان العقد فاسدا، فإن المهر فيه لا يجتنب نبات عنق. و إنما بالدخول الحقيقي، وهو لا ينتصف...
والعبرة بالمهر المسمى وقت العقد الصحيح، فلا ينتصف ما سمي بعد العقد سواء بالاتفاق أو بالقت.. أن يكون الرجل قد تزوج المرأة دون أن يسمى لها مهرا بالعقد، ثم اتفق معها على سهر بعد ذلك أو يحكم لها به ثم يطلقها قبل الدخول والخلوة، وإنما يجب لها في هذه الحالة المتعة كما سنرى.
وحجة الحنفية في ذلك أن المفروض في عرف الناس هو المفروض وقت العقد، وكلام الشارع يفسره العرف بالمتعارف عليه وإن خالف المعنى اللغوي وعلى ذلك فقوله تعالى: ( وقد فرضتم لهن فريضة ) فاتنصرف إلى المفروض وقت العقد.
وإذا كانت التسمية وقت العقد، ولكنها فاسدة لا ينتصف المسمى، لأنه يجب للزوجة مهر المثل وهو لا ينتصف فتجب لها المتعة.
وإذا زيد المهر من الزوج بعد تسميته وقت العقد، فإن هذه الزيادة لا نتصف لأنها لم تكن مفروضة وقت العقد، فتسقط بالفرقة قبل الدخول والخلوة فلا تستحق الزوجة شيئاً منها.
متى يسقط كل المهر ؟
هناك حالات يسقط فيها المهر كله عن الزوج بعد ثبوته بالعقد الصحيح، فلا تستحق المرأة منه شيئاً، وهذه الحالات هي:
1- فسخ الزواج قبل الدخول أو الخلوة بسبب من جانب الزوجة. سواء كان هذا السبب مشروعاً، كما إذا كان لها خيار البلوغ أو الإفاقة بأن زوجها غير الأب والجد وهي صغيرة أو مجنونة أو معتوهة ثم بلغت أو أفاقت واختارت فسخ عقد الزواج وقضى لها به ، وعلة سقوط المهر هنا، أن الفسخ في هذه الحالة يعتبر نقضا للعقد من أساسه، وإذا نقض العقد لا تترتب عليه أحكامه ومنها المهر. كما أن في طلب الزوجة فسخ الزواج قبل أن يتأكد المهر لها ما يفيد تنازلها عنه ، أو كان هذا السبب غير مشروع کردتها عن دين الإسلام، أو آبائها الدخول فيه بعد إسلام زوجها إن كانت مشركة، لأن المهر نعمة من الله للمرأة، وردتها أو امتناعها عن الدخول في الإسلام معصية والنعم لا تنتال بالمعاصي.
ومثل الحالة الأولى إذا كان الفسخ من قبل وليها العاصي، كما إذا زوجت نفسها بأقل من مهر المثل، واعترض الولى العاصب على ذلك، وطلب تكملته إلى زاده مهر المثل، أو فسخ العقد وقضى له بالفسخ، وكذلك إذا زوجت نفسها بغير كفء وطلب الولى فسخ العقد وقضى له بذلك على ظاهر الرواية عن الإمام أبي حنيفة وهي غير الرواية المفتي بها ، لأن فسخ العقد وإن كان بناء على طلب وليها مباشرة إلا أنها هي التي تسببت فيه بتزويجها نفسها بمن يعترض الولى على المهر الذي اتفق عليه أو عليه نفسه، فكأنها هي التي فسخته.
2- إذا فسخ الزواج قبل الدخول والخلوة بسبب مشروع من جهة الزوج، كاختياره الفسخ عند البلوغ أو الإفاقة لأن الفسخ يكون نقضا للعقد من أساسه، وإذا انتقض العقد لا يترتب عليه أحكامه ومنها المهر، وسبق أن ذكرنا أن سقوط المهر في هذه الحالة هي فائدة خيار الفسخ للصغير والمجنون والمعتوه، وإلا لما كان هناك فرق بين من يختار الفسخ للبلوغ أو الإفاقة ومن يطلق زوجته، وأن خيار الفسخ لا يمكن أن يخلو من فائدة وإلا كان ضربا من العبث الذي يتنزه عنه الشارع.
3- إذا كانت الزوجة بالغة عاقلة رشيدة،و أبرأت زوجها من المهر كله إذا كان دينا في الذمة وليس عينا من الأعيان، فالإبراء إسقاط الدين، والمهر بعد وجوبه حق خالص للمرأة لها التصرف فيه كما تشاء كسائر أموالها الأخرى.
4- إذا كانت الزوجة بالغة عاقلة رشيدة، ووهبت مهرها لزوجها سواء كان المهر مقبوضا أو غير مقبوض، سواء كان دينا في الذمة أو عينها من الأعيان وقبل الزوج الهبة في مجلس الهبة.
5- إذا تم الخلع مقابل المهر، سواء كانت الزوجة قد قبضت المهر أو لم تقبضه، فإذا كان غير مقبوض سقط عن الزوج وأن كان مقبوضاربته إليه الزوجة، وكذا إذا تم الخلع مقابل مال سوى المهر، فإنه يترتب عليه سقوط المهر، وكل حق ثبت للمرأة قبل الزوج بسبب هذا الزواج).
قبض المهر:
المهر بعد تمام العقد - كما أوضحنا سلفاً - حق خالص للمرأة فإذا ثبت لها الولاية على مالها بأن كانت بالغة عاقلة رشيدة ، كان لها ولاية قبضيه، وإذا لم تكن لها الولاية على مالها قبضه وليها على مالها لا الولى على نفسها. " وإذا كان للمرأة ولاية على مالها، فنها أن توكل غيرها في قبضه وكالة صريحة أو ضمنية وينظم الولاية على المال في مصر المرسوم بقانون رقم ۱۱۹ لسنة 1952 بأحكام الولاية على المال وقد نصت المادة الأولى من المرسوم بقانون المذكور على أن الولاية للأب ثم للجد الصحيح إذا لم يكن الأب قد اختار وصيا للولاية على مال القاصر... الخ».
وإذا قبض ولى المال المهر، كان للمرأة إذا بلغت أو أفاقت أو زال الحجر عنها بزوال السفه والغفلة مطالبة وليها بالمهر وليس لها مطالبة الزوج به أما إذا قبض مهر المرأة غير ولی مالها ودون وكالة منها، كان لها مطالبة زوجها بالمهر، وللزوج الرجوع على من قبضه .
وللأب أو الجد الصحيح قبض مهر البكر البالغة الرشيدة إذا كانت لم تنهه صراحة عن قبضة، فسكوتها يعد وكالة ضمنية لها بقبض المهر، وقد جرت العادة على قبض الأب والجد مهر البنت أو العقيدة، أما سكوت البكر البالغة الرشدية مع غير الأب والجد فلا يعتبر رضا منها لأنها تستحي التحدث في الزواج والمهر مع أبيها وجدها وليس ذلك مع غيرهما. ولأن الأمر مختلف فالأب أو الجد يأخذ المهر ثم يقوم بتجهيزها بما يضيفه إليه من مال بحسب يساره و استعداده، أما غيره فلا يضيف على المهر شيئا. أما إذا نهته عن قبض المهر لم يكن له ولاية تضمنية لأن النهي الصريح أقوى من الإذن دلالة وذلك لا يشترط عند أبي حنيفة - خلافا لزفر وأبي يوسف في قوله الأخير - حضور الزوجة عند قبض الأب أو الجد مهرها.
وفي هذا قضت محكمة أجا الشرعية بتاريخ 3/ 10/ 1936 في الدعوي رقم 439 لسنة 1935 بأن :
حيث إن والد الزوجة قبضه معتبر شرعا، تبرأ به ذمة الزوج، فقد صرح الفقهاء قاطبة بأن الأب يملك قبض صداق البكر البالغة والإقرار بقبضة لأن من ملك الإنشاء ملك الإقرار إلا إذا حصل منها نهى صريح عن قبضة، وظاهر أن هذا محله إذا لم يكن وكيلا في القبض، أما إذا كان وكيلا فيه فإنه يملك القبض والخصومة فيه لأن الوكيل بقبض الدين يملك الخصومة فيه بخلاف الوكيل بقبض العين، نص على ذلك في معتبرات الكتب»..
أما بالنسبة للثيب، فلا يجوز للأب أو الجد أن يقبض مهرها إلا بوكالة صريحة لأنها تستقل بأمور نفسها، والسكوت منها لا يعتبر رضا بالعقد فأولى ألا يعتبر رضا بالقبض ، ولو قبض الولى مهر البكر البالغة ثم ادعي على الزوج أن رده إليه لا يصدق لأن له ولاية قبضه لا رده.
ويصدق في الثيب لأنه أمين ادعى رد الأمانة.
والوكيل في عقد الزواج سفير ومعبر فقط، فلا يلتزم بتنفيذ أحكامه، والمهر من أحكام عقد الزواج، ومن ثم فليس له قبض المهر، إلا إذا وكلته المرأة في قبض مهرها فيكون وكيلاً عنها في هذه الحالة في عقد الزواج وفي قبض المهر.
ضمان المهر:
إذا كانت الزوجة قد قبضت مهرها عند إنشاء العقد فإنها تكون قد استوفت حقها، وبرئت ذمة الزوج من المهر. أما إذا كانت الزوجة لم تقبض المهر، وكان المهر عينا ولم تتسلمها الزوجة فهو في ضمان الزوج حتى يسلمه إليها ، وللزوجة، مادام المهر في ذمة الزوج أو في ضمانه أن تأخذ منه رهنا للاستيثاق من حصولها على حقها، ولها أن تطلب منه كفيلا بالمهر، وهذا هو الغالب الأعم في الحياة العملية.
ويستوى في ذلك أن يكون المهر مسمى أو مهر المثل ، وقد خصصت بوثيقة عقد الزواج الرسمية خانة خاصة بالكفالة، يثبت فيها المأذون ما إذا كانت هناك كفالة في المهر أو النفقة من عدمه.
موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 292
إختلاط المهر بالهدايا
ولا يشترط فى المهر أن يكون نقوداً فيصح المهر إذا كان عقاراً أو منقولاً أو حلياً فقد يعتبر ما قدمه الزوج إلى الزوجة من حلى من ضمن المهر .
أحوال استحقاق كامل المهر
ويستحق كامل المهر بالدخول فى زواج صحيح أو فاسد أو بشبهة , كما يستحق بالخلوة الصحيحة فى الزواج الصحيح .
والخلوة الصحيحة – فى القول الراجح للمذهب الحنفى – هى أن يجتمع الزوجان فى مكان آمنين من إطلاع الغير علهما بغير إذنيهما مع إمكان حدوث الوطء بينهما بلا مانع حسى أو طبيعى أو شرعى .
أحكام المهر في حالة الخلوة:
وكامل المهر يستحق بالخلوة الصحيحة ولو كان الزوج عنيناً ويستحق كامل المهر بالطلاق بعد الدخول أو الخلوة الصحيحة , إلا أنه لا يجوز المطالبة به قضاءاً إلا بعد صيرورة الطلاق بائناً فإذا أقامت المطلقة الدعوى للمطالبة بالمهر قبل صيرورة الطلاق بائناً قضت المحكمة بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان ، كما يستحق بالوفاة ولو قبل الدخول أو الخلوة .
أحوال استحقاق جزء من المهر أو سقوط الحق فيه
وإذا طلق الزوج زوجته قبل الدخول أو قبل الخلوة الصحيحة من زواج صحيح فلا يجب عليه إلا نصف مجموع المهر , وإن لم يكن سلمه إليها عاد النصف الآخر إلى ملكه وإذا استحقت الزوجة لمهر المثل ووقع الطلاق قبل الدخول أو الخلوة سقط حقها فيه.
حدود حق ورثة المتوفاة من الصداق
وتبرأ ذمة الزوج بأداء المهر ليد الزوجة وكذا بتسليمه إلى والدها أو وليها فى العقد فإذا ماتت قبل أن تستوفى جميع مهرها فلورثتها مطالبة زوجها أو ورثته بما يكون باقياً فى ذمته بعد إسقاط نصيب الزوج الشرعى.
حدود استحقاق المهر في حالة الغش في بكارة الزوجة
وإذا اشترط الزوج بكارة المرأة فوجدها ثيباً لزمه كل المهر المسمى وإن لم يكن مسمى يلزمه مهر المثل ولا ينقص لثيوبتها إلا إذا كان قد تزوجها بأكثر من مهر المثل فلا يلزمه فى هذه الحالة إلا مهر مثلها .
الاختلاف في المهر
وقد تناول نص المادة المطروحة حالة اختلاف الزوجين فى مقدار المهر ولم يتناول الاختلاف فى التسمية أو القبض , الأمر الواجب معه إعمال القول الراجح فى المذهب الحنفى إعمالاً لمقتضى المادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000 بخصوصه ، فالاختلاف فى خصوص المهر قد يأخذ فى المذهب إحدى الصور الآتية :
الاختلاف فى المقدار
إذا ادعت الزوجة أن مهرها كان ألفا تعين عليها – فى المذهب – إقامة البينة على صدق دعواها إعمالاً لقاعدة (البينة على من ادعى) فإن عجزت عن الإثبات ولم يحضر الزوج خسرت دعواها ، وإن حضر وأدعى أن مهرها مائة يتعين على القاضى – فى المذهب الحنفى – تحليفه اليمين بذلك فإن حلف قضى بما أدعى إعمالاً لقاعدة (اليمين على من أنكر).
أما إذا جاء إنكار الزوج بإدعاء ما لا يصح أن يكون مهراً لمثل الزوجة كأن تكون من إكرام القوم ويدعى مهراً جنيهاً مثلاً ففى هذه الحالة يقضى – فى المذهب – بمهر المثل ، فإذا كان مهر المثل أقل مما تقول به الزوجة أو مساوياً لما تدعيه حكم لها – وفق الراجح فى المذهب – به وإن كان أكثر مما تدعيه حكم لها بما تدعيه لأن الظاهر يؤيدها فى ذلك ولا يؤخذ بما قاله الزوج بأنه مستنكر فى العرف والعادة .
الاختلاف فى التسمية
إذا اختلف الزوجان فى أصل تسمية المهر كأن يدعى أحدهما تسمية قدر معلوم وأنكر الآخر التسمية أصلاً ، تعين على مدعى التسمية إقامة البينة على مدعاة فإن أخفق تعين أن يحلف منكر التسمية اليمين عليها إعمالاً للقاعدة المتقدمة فإن حلف يقضى بمهر المثل بشرط ألا يزيد على ما ادعته المرأة إن كانت هى المدعية للتسمية ولا ينقص عما ادعاه الزوج إن كان هو المدعى لها .
الاختلاف فى الطبيعة
وذلك بأن يدعى الزوج أن ما قدمه للزوجة كان من المهر وتدعى الزوجة أن ما قدم ما هو إلا هدية ، ويتعين فى هذا الفرض التفرقة بين حالتين ..
الأولى : إذا كان عُرف الزمان والمكان على أن ما أرسله الزوج لا يدخل ضمن المهر وجب تحليف الزوج اليمين على أن ما أرسله كان من المهر فإن حلف كسب الدعوى الثانية : إذا كان عُرف الزمان والمكان أن ما أرسله الزوج يدخل ضمن المهر تعين تحليف الزوجة اليمين على أن ما تسلمته من الزوج لا يدخل ضمن المهر .
الاختلاف فى القبض
وذلك بأن يتفق الطرفان على التسمية والمقدار ويختلفان فى القبض ، وفى هذه الحالة تعين إعمال القاعدة العامة وهى أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر .
مهر السر والعلن
ويتفرع عن الخلاف فى القدر المسمى ما يسمى بمهر السر ومهر العلن كأن يتفق الزوجين على مهراً بينهما ويعلنان غيره , ففى هذه الحالة لا يجب غير مهر السر وهذا ما قضت به المحاكم باعتبار أنه المفتى به فى المذهب الحنفى .
يمين الاستظهار
وقد تشغل ذمة الزوج بأجل المهر ثم يحدث أن يتوفى أو تتوفى الزوجة دون قبضة أو ورثتها وفى هذه الحالة يتعين على الزوجة أو ورثتها أداء يمين الاستظهار بصيغة (أقسم بالله العظيم أنى استحق من تركة زوجي أو زوج مورثتنا) مبلغ كذا (وأنى أو إننا) لم نستوفه بأي طريق من طرق الاستيفاء وذمته مشغولة به ولا زلت مستحقاً له للآن فإذا أقسمت الزوجة أو الورثة استحقوا دينهم ، ولا يجور الحكم بالدين دون اليمين المذكورة وإلا جاء الحكم باطلاً باعتبار أنه يميناً من حق التركة وهى يمين يجب على القاضى توجيهها قبل أن يحكم بثبوت حق المدعى فى تركة الميت .
إثبات الوفاء بكامل الصداق
وطلب عاجل الصداق يثبت من تاريخ العقد ، إلا أننا نرى – أن الزوجية فى ذاتها تعد مانعاً أدبياً من حصول الزوج على مخالصة من الزوجة بسداده كامل المهر المستحق لها خاصة فيما يتعلق بمهر السر ، ويكون للزوجة أن تمتنع عن طاعة الزوج قبل الدخول أو الزفاف إليه حتى تستوفى الحال من صداقها أو على ما اتفقا على تأجيله إلى غير موعد الحلول الشرعى ولا تعد بهذا الامتناع ناشزاً عن طاعته .
تقسيم الصداق وتعليقه على شرط الوفاة أو الطلاق
وقد جرى العرف على أن ينقسم صداق الزوجة إلى مبلغ عاجل يقوم الزوج بالوفاء به عند التعاقد وآخر آجل ينص فى عقد الزواج على استحقاقه فى أقرب الأجلين الطلاق أو الوفاة ، فإذا تحقق أى من الشرطين اللذين علق عليهما الوفاء بأجل المهر وجب الوفاء به .
حلول آجل المهر بالطلاق البائن دون الطلاق الرجعي ، ولا يحل مؤخر الصداق المؤجل لأقرب الأجلين إلا بتحقق وفاة أى من الزوجين أو وقوع الطلاق , إلا أنه يشترط فى هذه الحالة الأخيرة أن يكون الطلاق – كما سبق القول – قد صار بائناً حيث لا يحل مؤخر الصداق بالطلاق الرجعى .
أحوال استحقاق المهر في حالة وفاة الزوج
ويستحق مؤخر الصداق كاملاً بوفاة أى من الزوجين حتى ولو كانت الوفاة قبل الدخول أو الخلوة ، أما إذا كان موجب استحقاق مؤخر الصداق هو الوفاة استحق المؤخر كاملاً فى تركة الزوج قبل قسمتها بين الورثة ودون استنزال نصيب الزوجة فيه لأن استيفاء الديون مقدم على حقوق الورثة ، أما إذا ماتت الزوجة يكون لورثتها استيفاء مؤخر الصداق من الزوج بعد خصم نصيبه فى تركتها باعتباره من ورثتها .
حدود التوكيل وأثره في قبض الصداق
كما يتعين الإشارة إلى أن المقرر قضاءاً ألا يحكم على المخطوبة بشئ إذا ثبت أن تسليم الصداق أو الشبكة كان إلى الأم وكانت المخطوبة لم توكلها فى القبض .
شخص الملتزم بإعداد منقولات الزوجية
وفى خصوص جهاز الزوجية فإن المقرر شرعاً عملاً بالقول الراجح فى المذهب الحنفى واجب التطبيق لخلو القانون من نص يحكم المسألة ، وأن المرأة لا تجبر على تجهيز نفسها من مهرها ولا يجبر أبيها منها ومن الزوج على تجهيزها من ماله فإذا زفت المرأة بغير جهاز فليس للزوج مطالبتها أو أبيها بشئ ولا تنقيص شئ من مقدار المهر الذى تراضيا عليه .
حدود التزام الأب بإعداد منقولات الزوجية (الجهاز)
فإذا تبرع الأب باختياره وجهز ابنته وسلمها الجهاز فليس له من بعد أو لورثته استرداد شئ فيه وإن لم يسلم الجهاز فلا حق للابنة فيه ، فإذا جهز الأب أبنته اختياراً من مهرها وبقى عنده شئ منه فاضلاً عن تجهيزها فلها مطالبته به ، وجهاز الزوجة حتى ولو كان من مهر الزوج هو ملك الزوجة وحدها ولا حق للزوج فى شئ منه وليس له أن يجبرها على فرش أمتعتها له وإنما له الانتفاع به وبإذنها ولو أغتصب شئ منه حال قيام الزوجية أو بعدها فلها مطالبته به أو بقيمته.
الاختلاف بين الزوجين حول متاع بيت الزوجية
وإذا اختلف الزوجان حال قيام الزواج أو بعد الطلاق أو وفاة أحدهما وورثه الآخر حول متاع فى بيت الزوجية هو ملك للزوج أو الزوجة كان ما يصلح للنساء من حق الزوجة وما يصلح للرجال من حق الزوج إلا أن يقيم أيهما البينة على خلاف ذلك فيكون له .
حدود حق الزوجة في المطالبة بمنقولات الزوجية حال قيامها
ويجدر التنويه إلى أن للزوجة المطالبة برد الجهاز (منقولات الزوجية) حتى ولو كان الزوجات يعيشان معيشة مشتركة مما يعنى أن امتناع الزوج عن رد الجهاز عند طلبه من الزوجة يعطى الحق للزوجة فى استرداد جهاز الزوجية حتى مع قيام الزوجية سواء بسلوك طريقة الدعوى المدنية أو الجنائية فيما يعرف بجريمة التبديد.
المحكمة المختصة بدعوى استرداد منقولات الزوجية أو قيمتها أو التعويض عن إتلافها
فـإذا مـا قضى ضـد الزوج فى جريمـة تبديده منقولات مسكن الزوجية كان للزوجة مطالبته عن طريق الدعوى المدنية بقيمتها والتعويض .وذلك بدعوى تختص بنظرها نوعيا محكمة الأسرة إعمالً بمقتضي المادتين 3 من القانون رقم 10 لسنة 2004 بإنشاء محاكم الأسرة و 9/ 4 من القانون رقم 1 لسنة 2000.
مدى حجية فواتير شراء منقولات مسكن الزوجية في إثبات ملكيتها
وتعد فواتير شراء منقولات مسكن الزوجية قرينة على ملكية حائزها ومن صدرت باسمه يجوز الارتكان إليها مع أدلة أخرى فى إثبات ملكيتها لحائزها .
حدود حق الخاطب في استرداد ما قدمه هدايا أو شبكة خلال فترة الخطبة
وكثيراً ما تثور المنازعة إذا ما فسخت الخطبة حول حق الخاطب فى استرداد ما عساه يكون قد قدمه إلى مخطوبته من هدايا أو شبكه خلال فترة الخطبة.
وقد سبق القول أن النزاع حول طبيعة الشئ المقدم وما إذا كان من المهر أو الهدية يكون القول فيه للزوج بيمينه ، والرأى الراجح فى هذا الخصوص طبقاً لما يجرى عليه العمل هو اعتبار الشبكة التى يقدمها الخاطب إلى مخطوبته من قبيل هدايا الخطبة وتأخذ حكمها ولا تعد جزءاً من المهر باعتبار أن الشبكة أو هدايا الخطبة لا تكون عادة محلاً لا يرد عليه عقد الزواج وقد اتفقت كلمة الفقهاء – فى غير موضع – على أن الهدية فى معنى الهبة ورتبوا على ذلك أن أعطوا للأولى أحكام الثانية ، ويتعين الإشارة إلى أعمال القاعدة المذكورة سواء تمت المطالبة قبل انقضاء الزواج أو بعده أو قبل الدخول أو بعده وسواء قدمت الهدية خلال فترة الخطبة أو خلال فترة الزوجية.
أثر تحديد شخص المتسبب في فسخ الخطبة على حقه في استرداد الهدايا أو الشبكة
ونحن نرى في ظل التعديل الذي استحدثه القانون رقم 1 لسنة ۲۰۰۰ والذي أصبحت بموجبه محاكم الأسرة تختص نوعيا بنظر دعاوى المهر والجهاز والشبكة وما في حكمها إعمالاً لحكم المادة التاسعة من القانون رقم 10 لسنة 2004 أن للخاطب استرداد الشبكة طالما لم تهلك أو تستهلك إذا لم يتم انعقاد عقد الزواج وذلك سواء كان العدول عن الخطبة بسبب يرجع إليه أو إلى المخطوبة وأيا ما كان ذلك السبب، إعمالاً للقول الراجح من المذهب الحنفي في هذا الخصوص والواجب التطبيق لخلو القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ المعدل بالقانون رقم ۱۰۰ لسنة 1985 من نصوص تنظيم الأمر إعمالا لحكم الفقرة الأولى من المادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة ۲۰۰۰) وهو ما يعني هجر القاعدة التي كانت تقوم المحاكم على تطبيقها قبل صدور القانون رقم 1 لسنة ۲۰۰۰ ورقم ۱۰ لسنة 2004 بشأن محاكم الأسرة والتي كان يتم بمقتضاها اعتبار هدايا الخطبة من قبل الهدية التي ينطبق بشأنها أحكام المواد 500 وما بعدها من القانون المدني.
أما قضاء محكمة النقض فإنه يذهب إلى أن الشبكة وهدايا الخطبة لا يعدا من مسائل الأحوال الشخصية وإنما من قبيل الهبات ويسرى عليها ما يسرى على الهبات من أحكام ، وذلك باعتبار أن الخطبة – فى ذاتها – وإن كانت تمهيداً للزواج وهو من مسائل الأحوال الشخصية إلا أن الشبكة والهدايا التى يقدمها أحد الخطيبين للآخر – إبان فترة الخطبة – لا تعتبر من هذه المسائل لأنها ليست ركناً من أركان الزواج ولا شرطاً من شروطه ، إذ يتم الزواج صحيحاً بدونها ولا يتوقف على الأمر الذى يعد معه النزاع بشأن تلك الهدايا بعيداً عن المساس بعقد الزواج وما هو متعلق به ، ويخرج بذلك من نظام الأحوال الشخصية وتعتبر هذه الهدايا من قبيل الهبات ويسرى عليها ما يسرى على الهبة من أحكام فى القانون المدنى والذى أورد أحكام الهبة باعتبارها عقداً مالياً كسائر العقود وإن كان قد استمد أحكامه الموضوعية من الشريعة الإسلامية .
المحكمة المختصة نوعيا بالنزاع حول الشبكة والهدايا
وينعقد الاختصاص بنظر النزاع حول الشبكة وهدايا الخطبة لمحاكم الأسرة إعمالاً لمقتضى المادة الثالثة من قانون إنشاء محاكم الأسرة رقم 10 لسنة 2004 والتى تنص على اختصاص محاكم الأسرة دون غيرها بنظر جميع مسائل الأحوال الشخصية التى ينعقد الاختصاص بها للمحاكم الجزئية والابتدائية طبقاً لأحكام قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية الصادر بالقانون رقم 1 لسنة 2000 والتى تنص المادة التاسعة فى البند رقم 4 من الفقرة أولاً منه والواردة ضمن أحكام الفصل الأول من الباب الثانى منه ، على أن تختص المحكمة الجزئية بنظر المسائل الواردة بهذه المادة .. (4) , دعاوى المهر والجهاز والدوطة والشبكة وما فى حكمها .من ثم لم يعد طريق المطالبة بالشبكة أو الصداق بطريق أمر الأداء وفق حكم 201 مرافعات وما بعدها مما يجوز سلوكه قانونا على ما كان يجرى به رأينا قبل صدور القانون رقم 1 لسنة 2000 .
القانون الواجب التطبيق على منازعات الشبكة وهدايا الأسرة
إلا أن النص على اختصاص محاكم الأسرة بنظر الدعاوى المتعلقة بالشبكة وما فى حكمها – والتى يمكن أن يدخل فى مفهومها عبارة (ما فى حكمها) الواردة بعجز الفقرة سالفة الذكر – هدايا الخطبة لا يعنى ولا يستوجب بل ولا يترتب عليه – بطريق اللزوم – إعمال نصوص أحكام القول الراجح من المذهب الحنفى – بشأنها بالتطبيق لحكم الفقه الأول من المادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2000 لما سبق طرحه مما استقر عليه الفقه وقضاء المحاكم من أن الشبكة وهدايا الخطبة لا تعد من مسائل الأحوال الشخصية , ولا يخرجها النص على اختصاص محاكم الأسرة نوعياً بالفصل فيها من تغير لطبيعتها من حيث كوهنها من المسائل المالية التى تنطبق بشأنها أحكام الهبة والتى استمدت أحكامها الموضوعية من الشريعة الإسلامية .
ونحن نرى أنه لا يسوغ القول بخضوع النزاع حول الشبكة وهدايا الخطبة لأحكام القول الراجح من المذهب الحنفى إعمالاً لنص الفقرة الأولى من المادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000 استناداً إلى أن المشرع أورد دعاوى الشبكة وما فى حكمها ضمن الدعاوى المنصوص عليها البند بين الفقرة الأولى من المادة التاسعة من القانون رقم 1 لسنة 2000 والواردة ضمن أحكام الاختصاص النوعى الواردة ضمن نصوص الباب الثانى من القانون المذكور تحت عنوان اختصاص المحاكم بمسائل الأحوال الشخصية يجعل الدعاوى المتعلقة بالشبكة وما فى حكمها وقد أضحت من مسائل الأحوال الشخصية ، ذلك أن تطبيق القول الراجح من المذهب الحنفى على دعاوى الأحوال الشخصية لا يكون إلا على ما لم يتم تنظيمه بنصوص تشريعية ضمن قوانين الأحوال الشخصية وهو أمر يعد من القواعد المقررة والمعمول بها فى ظل لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 إعمالاً لحكم المادة 280 من اللائحة المذكورة وقبل صدور القانون رقم 1 لسنة 2000 ، ورغم أن الشبكة وهدايا الخطبة ترد ضمن نص المادتين 5 و 6 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية السالفة الذكر واللتان تنظمان الاختصاص النوعى لمحاكم الأحوال الشخصية فى ذلك الوقت إلا أن الفقه الشرعى وقضاء المحاكم لم تخضع تلك المنازعات لحكم المادة 280 من اللائحة المذكورة بما يؤدى إلى أن تطبق بشأنها أحكام القول الراجح فى المذهب الحنفى بحكم خلو نص المادتين 5 و 6 من لائحة سنة 1931 والقوانين الموضوعية فى القانون 25 لسنة 1920 و 25 لسنة 1929 والمعدلين بالقانون رقم 100 لسنة 1985 من نصوص تحكم تلك المسائل بل استقر الأمر وتواترت أحكام المحاكم على إعمال نصوص الهبة الواردة فى القانون المدنى بشأن تلك المنازعات ليس بسبب خلو النصوص الإجرائية (المرسوم لقانون رقم 78 لسنة 1931) أو الموضوعية (القانون 25 لسنة 1920 و25 لسنة 1929 المعدلين بالقانون رقم 100 لسنة 1985) من نصوص تحكم تلك المنازعات وإنما لاعتبار أن الشبكة وهدايا الخطبة منبتان الصلة بعقد الزواج وأحكامه بما تخرجهما عن نطاق مسائل الأحوال الشخصية رغم العلم سلفاً بأن الفقه الحنفى يتضمن حكماً موضوعياً الرأى الراجح به تحكيم ما يثار من نزاع بهذا الخصوص , وهو ما يتعين معه القول أن النص على منازعات الشبكة ضمن صياغة البند 4 من الفقرة أولاً من المادة التاسعة من القانون رقم 1 لسنة 2000 تحت عنوان اختصاص المحاكم بمسائل الأحوال الشخصية لم يكن إلا لتحقيق هدف إجرائي هو تحديد المحكمة المختصة نوعياً بنظر المنازعات حول الشبكة وما فى حكمها من هدايا الخطبة فى ظل التقسيم المعتمد للمحاكم خلال فترة تطبيق نصوص القانون رقم 1 لسنة 2000 إلى أحكام جزئية وأخرى ابتدائية وقبل صدور القانون رقم 10 لسنة 2004 بإنشاء محاكم الأسرة وتوحيد الجهة المختصة نوعياً بالفصل فى منازعات الأحوال الشخصية وحصرها فى محاكم الأسرة دون غيرها .
ولا يقدح فى سلامة النظر المتقدم تطبيق محاكم الأسرة – وهى المحاكم المختصة نوعياً بالحكم فى منازعات الأحوال الشخصية – لنصوص من القانون المدنى بشأن منازعات الشبكة وما فى حكمها من منازعات حول هدايا الخطبة لما هو مقرر من جواز أعمال تلك المحاكم لنصوص من القانون المدنى وهو ما استند المشرع بما نص عليه فى المادة الأولى من القانون رقم 1 لسنة 2000 من تطبيق أحكام القانون المدنى فى شأن إدارة وتصفية التركات (وهى من مسائل الأحوال الشخصية) والنص فى البند الخامس من الفقرة الثانية من المادة المذكورة على اختصاص رئيس محكمة الأسرة بصفته قاضياً للأمور الوقتية بالمنازعات حول السفر إلى الخارج والذى تنطبق فى شأنه المادة الخامسة من القانون المدنى المتعلقة بقواعد إساءة استعمال الحق فضلاً عن قانون الأحـوال المدنية رقم لسنة وما يرتبط به من قوانين منبته الصلة بقوانين الأحوال الشخصية .
كما يحق تطبيق أحكام الهبة على المنازعات المتعلقة بالشبكة وهدايا الخطبه – وفقاً للعرف الجارى فى مصر – من حيث النظر إلى شخص المتسبب فى فسخ الخطبة وتقرير الحكم على ضوء ذلك – إلى تفعيل القواعد الشرعية المقررة فى هذا الخصوص والتى يعد من أبرزها قاعدة (من سعى إلى نقض ما تم على ما يديه فسعيه مردود عليه) وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) و (الضرر يزال) وهكذا وهو ما يتفق والغايات العليا للشريعة الإسلامية فى فحواها ومبناها.
وعلى ذلك يمكن القول أنه إذا أراد الخاطب استرداد الشبكة أو الهدية التى يصح استردادها فإن ذلك يكون مشروطاً بموافقة المخطوبة فإذا لم توافق ورفع الأمر إلى القضاء فلا يحكم بذلك إلا إذا توافر لديه عذر مقبول للرجوع ومسألة توافر العذر من عدمه وتصنيف ما بعد عزراً ومالاً يعد كذلك مسألة موضوعية تدخل فى اطلاقات قاضى الموضوع ، إلا أن المادة (501) من القانون المدنى نصت على حالات يعتبر توافر إحداها بمثابة العذر المقبول للرجوع واسترداد الشبكة أو الهدايا وهى حالات وردت على سبيل المثال لا الحصر ومنها إخلال المخطوبة بما يجب عليها نحو الخاطب أو أحد أقاربه بحيث يكون هذا الإخلال يشكل جحوداً كبيراً من جانبها أو أن تصيب الخاطب حالة يصبح معها غير قادر مادياً على الاستمرار فى الزيجة بالشروط وطبقاً للاتفاق المعقود بينه والمخطوبة أو ذويها ويقاس على ذلك تخلف المخطوبة عن تنفيذ الاتفاقات التى تمت بينها والخاطب بخصوص الزواج كشخص الملتزم بتوافر بعض المنقولات أو نحو ذلك ، كما أن المادة (502) من القانون المدنى نصت على حالات يتعين على المحكمة إذا توافرت أى منها رفض دعوى الخاطب باسترداد الشبكة أو الهدايا وهى إذا ما حصل للشبكة أو الهدية زيادة متصلة موجبة لزيادة قيمتها أو إذا مات الخطيب أو المخطوبة أو إذا تصرفت المخطوبة فى الشبكة أو الهدية تصرفاً نهائياً فإذا اقتصر التصرف على بعض ما قدم كشبكة أو هدية جاز الرجوع أو إذا هلك الشئ المقدم سواء كان الهلاك بفعل المخطوبة أو بحادث أجنبى أو بسبب الاستعمال فإذا لم يهلك إلا بعضه جاز استرداد الباقى , أو إذا قدمت المخطوبة ما يعد عوضاً عن الشبكة أو الهدية وتقدير ذلك العوض يرجع إلى قبول الخاطب أو تقدير المحكمة .
إثبات المتسبب في العدول عن الخطبة
وإذا كانت الخطبة ما هى إلا وعد بالزواج وليست عقداً ملزماً ، على هذا يكون لكل من الطرفين الحق فى العدول عنها ما دام الزواج لم يتم , ولما كانت تلك الفترة لها سمتها الخاصة التى تفرض على الخطيبين وأسرتيهما سلوكاً حميماً آيته التواد والمجاملة بما يستهدف به كل طرف غرس الثقة والطمأنينة لدى الطرف الآخر وهو ما لا يلائمه التعامل بالكتابة فى شأن أداء المهر أو تقديم الشبكة وما فى حكمها من الهدايا المتعارف عليها فإن هذه الفترة تعد بذاتها مانعاً أدبياً يحول دون الحصول على دليل كتابى فى هذا الخصوص ويجيز الإثبات بشهادة الشهود عملاً بالفقرة الأولى من المادة (11) من قانون الإثبات .
هل يجوز التعويض عن فسخ الخطبة
وقد اختلف الرأى حول مدى جواز طلب التعويض فى حالة العدول عن الخطبة وعدم إتمام الزواج سواء من الخاطب أو المخطوبة ، فذهب البعض إلى عدم إجازة التعويض عند مجرد فسخ الخطبة والعدول عن الزواج بينما ذهب البعض الآخر إلى إجازة ذلك , وقد حسمت محكمة النقض المصرية ذلك الخلاف واستقر قضاءها على أن فسخ الخطبة فى ذاته لا يعد خطأ ممن عدل عنها موجباً للتعويض إلا أنه إذا اقترن بهذا العدول المجرد أو لابسه أفعال مستقلة عن العدول ذاته صدرت عمن عدل عن الخطبة تعد خطأ تقصيرياً بمفهوم المادة (163) من القانون المدنى ، ترتب عليها إصابة الطرف الآخر بأضرار مادية أو أدبية نتيجة ذلك العدول وجب التعويض ، ومعيار الخطأ فى هذه الحالة هو المعيار المألوف فما دام الخطيب وهو يفسخ الخطبة قد انحرف عن السلوك المألوف للشخص العادى فى مثل الظروف الخارجية التى أحاطت به كان فسخ الخطبة موجباً للمسئولية .
ومن أمثلة العدول الموجب للتعويض طلب الخاطب أن تترك المخطوبة عملها الذى تتكسب منه كشرط لإتمام الزواج وتنفيذها لطلبه ، ثم عدوله عن إتمام الزواج أو طلب المخطوبة إعداد الخاطب لمسكن بمواصفات خاصة يتكبد معها الخاطب تكاليف باهظة كشرط لإتمام الزواج ثم عدولها عن الخطبة .
أثر الاستغواء في الحق طلب التعويض عن فسخ الخطبة
والأصل أن فسخ الخطبة لا يوجب التعويض إلا عن الضرر المادى , إلا أن البعض يرى أنه إذا سبق العدول "استغواء" فإنه لا يلزم بالتعويض عن الضرر الأدبى ، غير أنه إذا استسلم الخطيبان للضعف الجنسى فلا يجوز التعويض عن أى من الضررين .
الرسوم المستحقة على توثيق عقد الزواج
وتستحق الخزانة العامة مقابل إبرام (توثيق) عقد الزواج 2 % من مجموع الصداق، بالإضافة إلى 20 جنيه ثمن الوثائق وكذا 50 جنية رسم طابع تمغة الأسرة و50 جنيه ضريبة عن كل عقد تسدد ليد المأذون الذي يقوم بتوريدها إلى الخزانة العامة وذلك طبقا لأحكام القانون رقم 11 لسنة 2004 وقرارات وزير العدل رقم 1727 لسنة 2000 و 2721 لسنة 2004 و 3965 لسنة 2004.
كما يستحق للخزانة العامة مقابل إبرام أشهادات الطلاق مبلغ 31.50 جنيه ثم ورق الأشهاد بالإضافة إلى 50 جنيها طابع تمغة الأسرة فضلا عن 55 جنيها رسم ثابت و 50 جنيها ضريبة على كل أشهاد.
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الثاني ، الصفحة : 357
المهر
المادة ۱۹ إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر فالبينة علي الزوجة فإن عجزت كان القول للزوج بيمينه إلا إذا ادعى ما لا يصح أن يكون مهرا لمثلها عرفة فيحكم مهر المثل. وكذلك الحكم عند الاختلاف بين احد الزوجين وورثة الآخر أو بين ورثتها .
وللمهر مسميات كثيرة منها : الصداق ، المهر ، الأجر ، النحلة ، الفريضة .
وعقد الزواج لا يتوقف علي المهر أو لا يصح بدونه بالرغم أن المهر واجب شرعاً ، ولكن المهر يعتبر أثر من آثار عقد الزواج ويستفاد ذلك من قوله تعالى : {{ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة }} حيث إن الله أباح الطلاق للأزواج قبل أن يتفقوا على المهر وفرضه ، مما يدل دلالة واضحة على صحة عقد الزواج دون فرض المهر .
سبب وجوبه:
عقد الزواج عقد إنساني اجتماعي أساسه المودة والرحمة بين اثنين ينشدان السعادة في أحضان هذا اللقاء ، لذلك كانت الحكمة في مشروعية المهر التحقيق المشاركة الوجدانية بين الزوجين ، إظهارا لمكانة الزواج ورمزا لثبوت الزوجية للتعاون في إنشاء الزوجية وصيانة للمرأة أن تمتهن كرامتها في سبیل جمع المال ليكون مهرا تقدمه للرجل وإنما هو رمز للتكريم وللرغبة في الاقتران بها ، وإذ جعلت الشريعة الإسلامية القوامة للرجل على أفراد الأسرة ، فكان لزاما عليه عندما يقدم إلي هذا العقد أن يوفر لزوجته أعز ش ئ تضن به النفس البشرية فيقدم لها في سخاء ورفق المال إظهارا لشرفها وعزة نفسها وإبانة لحسن القصد حتى تحمل إلى بيت الزوجية عزيزة الجانب ، عالية المكانة .
قدر المهر:
لقد ذهب جمهور الفقهاء علي أنه لا حد لأقل المهر ولا حد لأكثره ، وقد وكلت الشريعة الإسلامية ذلك للعرف السائد بين الناس ، إذ منهم الغني والفقير ، و يتفاوتون في السعة والضيق ولكل جهة عادتها وتقاليدها ، فكل شخص يبذل لأمرأته من ماله على قدر سعته وطاقته .
والشريعة الإسلامية جعلت المهر في كل شيء له قدر وقيمة ، فليس من الضروري أن يكون مالا ، بل يجوز أن يكون منفعة من المنافع الدينية أو * الدنيوية ، كسكني دار أو زراعة أرض أو عمل يصح الالتزام به کبناء أو زراعة أو تعليم لآيات من كتاب الله عز وجل ، وغير ذلك من المنافع إذا تراضيا عليها الطرفان ، فيصبح عملاً يقوم به الزوج كقوله تعالى : {{ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}} ومناط الاستدلال بها أن شرع من كان قبلنا شرع لنا .
وفي صحيح البخاري في حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل ( تزوج ولو بخاتم من حديد ) ، وذهب الحنفية أنه يجب أن لا يقل عن عشرة دراهم أو ما يعادلها ، وذهب المالكية أنه لا يقل عن ربع دينار ، وهذا التقدير ليس له سند من دليل ولا حجة يعتد به .
ولقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته علي درهمين ، ولم ينكر عليه أحد ، بل عذ ذلك من مناقبه وفضائله ، وهذا الذي اختارته أم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة ، وبذلها نفسها له إن أسلم ، وهذا أحب إليها من المال الذي يبذله الزوج ، وقراءة القرآن كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلها .
أما عن كثرة المهور فإنه لا حد لأكثره ، وقد جاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهي وهو على المنبر أن يزاد في الصداق على أربعمائة درهم ، ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : أما سمعت الله يقول : {{ وأتيتم إحداهن قنطارا }} فقال : اللهم عفوا ، كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر فقال : ( إني قد نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب ).
وجمهور الفقهاء يرون كراهية المغالاة في المهور حتى لا ينشأ عن ذلك من أخطار اجتماعية تحول دون انتشار الزواج ، مما يجعل الشباب ينصرفون عن الزواج فينشأ عن ذلك من الفساد الخلقي والاجتماعي ، وقد ينظر الرجل إلى الاستدانة والسعي وراء كسب المال الحرام واستعمال طرق غير مشروعة وارتكاب الجرائم وهو ما نراه ونسمعه حاليا في المجتمعات من حولنا ، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحث على ذلك كما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة ).
وقال من المرأة ( خفة مهرها ويسر نکاحها ، وحسن خلقها ، وشؤمها غلاء مهرها وعسر نکاحها وسوء خلقها ) وقد أدي ذلك إلي أن سلك بعض الناس مسلك التغالي في المهور جريا وراء المظاهر الكاذبة ، ورفض زواج ابنته لأي رجل مهم كانت مكانته العلمية والأدبية والاجتماعية والدينية إلا إذا دفع مهرا ليكون محل افتخار في المجتمع الذي يعيش فيه ، وكأن المرأة سلعة تباع وتشتري ، وقد ترتب على ذلك كثرة الشكاوي من الرجال والنساء على السواء وأضر الأب بعدم زواج ابنته من تقدم إليها وترتب على ذلك كبر سنها وفاتها من كان يقدرها.
ملكية المرأة للمهر:
المهر حق خالص للزوجة تتصرف فيه كيف شاءت بشروط التصرف والزوجة التي تقوم بقبضة بنفسها أو توكل عنها من تشاء بقبضه ، أو تأذن لأحد في قبضه كالوالد ، أو الجد في حالة عدم وجوده ، لذلك فقد أجيز لها بصفتها مالكة له أن تهب مهرها لزوجها بعد قبضه ، أو تبرئ ذمته كله أو بعضه قبل قبضه ، ما دامت كاملة الأهلية ومن أهل التبرع ، واستوفى الإبراء والهبة شروطهما المقررة شرعا .
استحقاق المهر كله :
من المقرر شرعا أن المهر يستحق بالعقد الصحيح ، أي أنه أثر من آثار العقد ، أما إذا كان العقد فلا يجب المهر إلا بالدخول أو مع وجود شبهة . ويستحق المهر كله في ثلاث حالات :
١ - يجب المهر كله للمرأة في حالة الدخول الحقيقي سواء أكان المهر مسمي بالعقد ، أو مهر العجل إن لم تكن هناك تسمية حين العقد .
۲ - كما يجب المهر كله في حالة وفاة أحد الزوجين قبل الدخول أو بعده ، لأن الموت أنهي عقد الزواج مقررة كل أحكامه ،وأضحي المؤجل حقه مستحق الأداء ، كما يستحق المهر المؤجل بالطلاق البائن بعد التأكد من الدخول ، إذ تعرف عليه بأن التأجيل المطلق للمهر ينصرف إلي حيث البينونة أو الوفاة ، وهو ما يعبر عنه في مصر بالطلاق أو الموت ، فإذا لم يحدد أجد للسداد ورضيت المرأة بذلك ، فإن المهر يصبح دينا في ذمته عليه أن يدفعه مني كان موسرة ، فإن مات أخذته من تركته قبل تقسيمها ، وإن ماتت هي كان علي ورثتها الحق في مطالبة الزوج به ، فهو دين لا يسقط إلا بالوفاة أو بالعفو عنه من قبل الزوجة .
٣ - الخلوة الصحيحة وهي التي يجتمع فيها الزوجان في مكان يأمنون فيه من اطلاع الغير عليهما ، ولم يكن بأحدهما مانع يمنع من الدخول الحقيقي س واء أكان مانعة شرعية كأن يكون أحدهما صائمة صيام فرض عليه، أو تكون حائضا أو هناك مانعا حسيا كمرض أحدهما مرضا لا يستطيع معه الدخول الحقيقي ، أو كان هناك مانعة طبيعية وهو وجود آخر معهما . فيرى الحنفية والحنابلة والشافعي في مذهبه القديم بأنه يجب لها المهر كاملا إذا طلقها بعد الخلوة وإن لم يدخل بها ، عملا بقوله تعالى : {{ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض }} فقالوا المراد بالإفضاء الجماع دخل بها أو لم يدخل .
واستدلوا بما رواه أحمد عن زرارة بن أبي قال : قني الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق باب وآرخي سترة ، فقد وجب المهر ووجبت العدة ويرى المالكية والشافعي في مذهبه الجديد أنه لا يجب لها المهر كله إلا بالجماع ولا يجب لها بالخلوة الصحيحة إلا نصف المهر لقوله تعالى : {{ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم }} أي نصف ما فرض من المهر إذا وقع الطلاق قبل المساس الذي هو الدخول الحقيقي . استحقاق نصف المهر:
وتستحق المرأة على زوجها نعرف المهر الذي سماه في العقد إن طلقها قبل الدخول بها ، ولقد جعل الشارع الحكيم على الزوج نصف المهر لا كله ، لأنه لم يباشر الزوجة مباشرة الزواج ، ولم تقم له بأي حق من الحقوق الشرعية كزوجة ولكنه كان السبب في تلك الفرقة ، وبالتالي جعل لها النصف لا الكل الذي كان يجب لها بالعقد لأنها لم تمس وعادت سليمة كما كانت قبل الزواج عملا بقوله تعالى : {{ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ، فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بینکم إن الله بما تعملون بصير ويستحب بمقتضى قوله تعالى : {{ إلا أن يعفون }} أن يسارع كل من الزوجين إلى إسقاط حقه إرضاء لصاحبه ، وحرصا على الأخوة الدينية والروابط الاجتماعية والأولى بالعفو من كان الصدود والإعراض من جهته.
هذا إذا كان هناك تسمية للمهر في العقد ، فإذا لم يكن هناك تسمية وحصل الطلاق قبل الدخول بها ، فإن المطلقة تستحق المتعة فقط ويقدره القاضي بما لا يزيد عن نصف مهر المثل عملا بقوله تعالى : {{ لا جناح علیکم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين }}.
هل للزوجة حق الامتناع عن الدخول بها في حالة الامتناع عن دفع المهر ؟:
فيرى أبو حنيفة وجمهور الفقهاء من أن لها حق الامتناع عن الدخول بها ، إن سمى لها مهراً ووعدها بتعجيله أو بتعجيل بعضه ، لكنه لم يوف لها ما وعدها من تعجيل المهر ، فإنه ليس له عليها حق إجابته إلي طلبه البناء عليها ، ما دامت ذمته مشغولة بعاجل الصداق ، لأن امتناعها كان بناء علي حق شرعي ، فإذا لم يقدم لها معجل المهر ثم دخل بها ورضيت بذلك ، صار ذلك دينا في ذمته يجب أداؤه إذا كان موسرة ، فإن مات أخذته من تركته قبل تقسيمها ، وإن ماتت كان لورثتها الحق في مطالبة الزوج بالمهر ، ولا يسقط هذا الحق إلا بالوفاء أو العفو عنه من قبل الزوجة اختلاف الزوجين في المهر:
أولا : اختلافهما في تسمية المهر:
وهذا يتمثل في أن يدعي أحدهما تسمية المهر وينكر الآخر. فالبينة على من ادعى ،أي أنه مكلف بالإثبات ، فإن أقامها قضي بها ، أما في حالة عجزه عن الإثبات حلف المدعى عليه اليمين فإن نكل قضي عليه بنكوله ، أما إذا حلف اليمين قضي بمهر المثل . هذا كله في حالة الدخول بها . أما إذا كان اختلافهما قبل الدخول وبعد الطلاق وثبت أن الزوج لم يسم لها صداقة لم يكن لها سوي متعة المثل .
ثانيا : اختلافهما في مقدار المهر :
ويتمثل في إدعاء الزوجة بأن المهر المسمى لها مائتا جنيه وادعى الزوج أنه ينتمي لها مائة جنيه ، فكل منهما يصح أن يكون ما فيه حقيقة .
فيرى أبو حنيفة ومحمد : أنه يحكم في ذلك مهر المثل ، فمن يشهد له مهر المثل حكم بما يدعيه ، فإذا كان مهر المثل كما أدعت الزوجة أو أكثر منه حكم لها بما أدعت ، وإن كان مساوية لما أدعاه الزوج أو كان أقل منه حكم بما ادعاه هذا في حالة ما إذا لم يكن لأحدهما بينة ، أما إذا كان لأحدهما بينة علي دعواه فإنه يحكم له بما أدعي سواء أكان مهر المثل موافقة له أم لا.
فإن أقام كل منهما بينة علي دعواه حكم لصاحبة البينة التي تثبت خلاف الظاهر وهي البينة التي تثبت خلاف ما يشهد به مهر المثل لأن البينات إثبات أمر زائد علي ما يشهد به الظاهر فإن كان مهر المثل أقل مما يدعي الزوج أو مساوية له فبينة الزوجة هي التي يؤخذ بها وتقدم على بينة الزوج ، أما إذا كان مهر المثل أكثر مما تدعيه الزوجة أو مساوية له فبينة الزوج هي التي يؤخذ بها ، وتقدم على بينة الزوجة ، أما إذا كان صداق المثل لا يشهد لأحدهما بأن كان أكثر ما يدعيه الزوج وأقل مما تدعيه الزوجة فتسقط البينتان ويحكم بمهر المثل نفسه .
ويري أبو يوسف : أن القول قول الزوج لأن الزوجة مدعية للزيادة وهو منكر لها ، إلا إذا أقامت البينة فيقضي بها وإن عجزت فالقول قول الزوج مع يمنه ما لم يصادف العرف الواضح كأن يكون مهر مثلها مائتي جنيه ويدعي أنه سمي لها عشرين جنيها فعندئذ يحكم بمهر المثل .
هذا إذا كان الاختلاف حال قيام الزوجية سواء حصل دخول أو خلوة وكذلك إذا كان بعد الطلاق وبعد الدخول أو الخلوة أما إذا كان بعد الطلاق من غير دخول ولا خلوة فأصل الواجب في هذه الحالة هو نصفي المسمى .
الاختلاف بين الزوجين :
فما سبق توضيحه من أحكام حالة اختلاف الزوجين خلال حياتهما، يسري أيضا حالة اختلاف أحدهما وورثة الآخر بعد موته سواء أكان الاختلاف في أصل التسمية أم كان في مقدار المسمى لقيام ورثة الميت مقامه في ذلك لأن المهر لا يسقط بالموت بل يتقرر به . الاختلاف بين ورثة الزوجين :
فيري محمد : تحكيم مهر المثل أو الحكم به في الحالات التي لا تثبت فيها التسمية .
ويرى أبو حنيفة : أنه يخالف محمد في ذلك الحكم ويري أن الأمر يختلف إذ أنه بموتها يدل على انقراض أقرانها فلا سبيل إلي تحكيم مهر المثل أو الحكم به لأنه لا يعرف وهما يختلفان باختلاف الأزمنة .
فإذا كان الاختلاف بين الورثة في أصل التسمية فالبينة على مدعي التسمية فإذا أثبت حكم بما ادعاه ، وإن عجز كان القول قول من أنكر التسمية ثم لا يقضي بشيء لورثة الزوجة لأن مهر المثل ساقط الاعتبار في هذه الحالة .
أما في حالة الاختلاف في مقدار المسمى كان القول لورثة الزوج لأنهم ينكرون الزيادة ما لم يثبت ورثة الزوجة الزيادة بالبينة فيحكم لهم بما يدعون .
ويري أبو يوسف أن القول قول الزوج لأنه ينكر الزيادة.
ما عليه القانون :
لقد أخذت المادة 19 من القانون 25 لسنة ۱۹۲۹ بمذهب أبي يوسف عند اختلاف الزوجين في مقدار المهر .
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية تعليقا على هذه المادة :
أنه لوحظ أن استثناء مذهب أبي يوسف عند اختلاف الزوجين في مقدار المهر بالصيغة التي هو بها لا محل له مع إدخال أحكام عديدة ليست من أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة نفسه فلهذا رأي أن يوضع مذهب أبي يوسف عند اختلاف الزوجين في مقدار المهر بنصه الفقهي اكتفاء بذلك عن استثنائه بالصورة التي هو عليها في المادة ۲۸۰ .
يخلص من ذلك أنه إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر فالقول قول الزوج ما لم تثبت الزوجة بالبينة دعواها فإنه يحكم لها بما أثبتته البينة ، فإن عجزت عن إثبات دعواها فالقول قول الزوج بيمينه ، إلا إذا ادعى الزوج ما لا يصح أن يكون مهرا لمثلها كما جري عليه العرف كأن يكون مهر مثلها مائة جنيه وادعى الزوج أنه سي لها خمسة عشر جنيها فيحكم بمهر المثل وهذا الحكم كما يسري على الزوجين حال حياتهما عند اختلافهما في مقدار المهر يسري أيضا عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الزوج الآخر المتوفى أو بين ورثتهما بعد وفاتهما .
الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 27
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع ، الصفحة / 187
الإْسْرَافُ فِي الْمَهْرِ:
الْمَهْرُ يَجِبُ إِمَّا بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ بِالْعَقْدِ. فَإِذَا سُمِّيَ فِي الْعَقْدِ، وُعِّينَ مِقْدَارُهُ، وَجَبَ الْمُسَمَّى، وَإِلاَّ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَلَمْ يُحَدِّدِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ أَقَلَّ الْمَهْرِ، وَحَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ أَقَلَّ الْمَهْرِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ: أَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةً خَالِصَةً.
وَلاَ حَدَّ لأِكْثَرِ الْمَهْرِ إجْمَاعًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قوله تعالى : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا). لأِنَّ الْقِنْطَارَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَالِ الْكَثِيرِ.
وَلَكِنْ حَذَّرَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الإْسْرَافِ وَالْمُغَالاَةِ فِي الْمَهْرِ، وَقَالُوا: تُكْرَهُ الْمُغَالاَةُ فِي الصَّدَاقِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً» وَفَسَّرُوا الْمُغَالاَةَ فِي الْمَهْرِ بِمَا خَرَجَ عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِ الزَّوْجَةِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ أَمْثَالِهَا، إِذِ الْمِائَةُ قَدْ تَكُونُ كَثِيرَةً جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لاِمْرَأَةٍ، وَقَلِيلَةً جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لأِخْرَى.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِكَرَاهَةِ الإْسْرَافِ فِي الْمَهْرِ بِأَنَّ الرَّجُلَ يُغْلِي بِصَدَقَةِ الْمَرْأَةِ (أَيْ فَوْقَ طَاقَتِهِ)، حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي قَلْبِهِ، وَلأِنَّهُ إِذَا كَثُرَ بِمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فَيَتَعَرَّضُ لِلضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. وَلِتَفْصِيلِ الْمَوْضُوعِ رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (مَهْر).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس ، الصفحة / 251
إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى:
يُفَصِّلُ الشَّافِعِيَّةُ فِي إِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ:
أَوَّلاَهُمَا: إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالإِْفْلاَسِ بِالْمَهْرِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يَجُزِ الْفَسْخُ، لأَِنَّ الزَّوْجَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَلَمْ يُفْسَخْ بِالإِْعْسَارِ، وَقَدْ وَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ لَهَا خِيَارُ الْفَسْخِ مُطْلَقًا، لاَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلاَ بَعْدَهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، لأَِنَّ الْمَهْرَ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِلإِْعْسَارِ بِهِ، كَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، وَلأَِنَّ تَأْخِيرَهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ مُجْحِفٌ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ دَعَتْ زَوْجَهَا لِلدُّخُولِ بِهَا، وَطَلَبَتْ حَالَّ الصَّدَاقِ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَادَّعَى الْعُدْمَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عُدْمُهُ بِبَيِّنَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ لإِِثْبَاتِ عُسْرِهِ (فَقْرِهِ)، ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ عُسْرُهُ، أَوْ صَدَّقَتْهُ فِيهِ زِيدَ لَهُ فِي الأَْجَلِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ وَإِلاَّ عَجَّزَهُ.
وَوُجُوبُ التَّلَوُّمِ لِمَنْ ثَبَتَ عُسْرُهُ وَلاَ يُرْجَى يَسَارُهُ - لأَِنَّ الْغَيْبَ قَدْ يَكْشِفُ عَنِ الْعَجَائِبِ - هُوَ تَأْوِيلُ الأَْكْثَرِ. وَصَحَّحَ - أَيْ صَوَّبَهُ - الْمُتَيْطِيُّ وَعِيَاضٌ، وَعَدَمُ التَّلَوُّمِ لِمَنْ لاَ يُرْجَى يَسَارُهُ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ نَاجِزًا هُوَ تَأْوِيلٌ فَضَلَ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الأَْجَلِ طَلَّقَ عَلَيْهِ، بِأَنْ يُطَلِّقَ الْحَاكِمُ، أَوْ تُوقِعَهُ الزَّوْجَةُ ثُمَّ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ. وَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ لِعَجْزِهِ عَنِ الْمَهْرِ نِصْفُهُ يَدْفَعُهُ إِنْ أَيْسَرَ، لقوله تعالى :( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَلاَ يُجِيزُونَ الْفَسْخَ بِالإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِلزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ مَنْعُ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِلزَّوْجِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ مُعَجَّلَ صَدَاقِهَا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والعشرون ، الصفحة / 246
الضَّمَانُ فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ:
لاَ بُدَّ مِنَ الْمَهْرِ فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ، فَيَجْرِي فِيهِ الضَّمَانُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا، ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ.
وَإِنْ كَانَ عَيْنًا مُعَيَّنَةً، فَإِنَّ الزَّوْجَةَ تَمْلِكُهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُسَلِّمَهَا الْعَيْنَ، وَلَوْ لَمْ تَتَسَلَّمْهَا بَقِيَتْ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ مَا دَامَتْ فِي يَدِهِ، عَيْنًا مَضْمُونَةً بِنَفْسِهَا، لأَِنَّهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بِمَالٍ، فَإِذَا هَلَكَتْ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إِلَى الزَّوْجَةِ:
فَالْحَنَفِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَضْمُونَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، هُوَ قِيمَةُ الْعَيْنِ أَوْ مِثْلُهَا، كَسَائِرِ الأْعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا: كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمٍ، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ. وَلاَ يَبْطُلُ الزَّوَاجُ بِهَلاَكِ بَدَلِ الْمَهْرِ.
وَالْمَنْصُوصُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ لَوْ أَصْدَقَ عَيْنًا، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ قَبْلَ قَبْضِهَا، ضَمَانَ عَقْدٍ، لاَ ضَمَانَ يَدٍ، وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهَا هُوَ، وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، لاِنْفِسَاخِ عَقْدِ الصَّدَاقِ بِالتَّلَفِ (انْظُرْ: مَهْر).
وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ، وَيَجْرِي فِيهِ الضَّمَانُ، فَلَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهَلَكَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ الدَّفْعِ إِلَى الزَّوْجِ:
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ عَلَيْهَا مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا.
قَالَ الْحَصْكَفِيُّ: وَلَوْ هَلَكَ بَدَلُهُ (يَعْنِي بَدَلَ الْخُلْعِ) فِي يَدِهَا، قَبْلَ الدَّفْعِ، أَوِ اسْتُحِقَّ، فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ لَوِ الْبَدَلُ قِيَمِيًّا، وَمِثْلُهُ لَوْ مِثْلِيًّا، لأِنَّ الْخُلْعَ لاَ يَقْبَلُ الْفَسْخَ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ عَلَيْهَا مَهْرَ مِثْلِهَا. (انْظُرْ: خُلْع).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 104
مِثْلٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمِثْلُ فِي اللُّغَةِ: الشِّبْهُ، يُقَالُ: هَذَا مِثْلُهُ وَمَثِيلُهُ، كَمَا يُقَالُ شَبِيهُهُ وَشِبْهُهُ، وَقَالَ فِي اللِّسَانِ: مِثْلٌ: كَلِمَةُ تَسْوِيَةٍ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
أ - الْمُسَاوِي :
الْمُسَاوِي: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْمُسَاوَاةِ وَهِيَ لُغَةً مَصْدَرُ: سَاوَى، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُمَاثَلَةِ فَقَالُوا: إِنَّ الْمُسَاوَاةَ تَكُونُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالْمُتَّفِقَيْنِ، وَأَمَّا الْمُمَاثَلَةُ فَلاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي الْمُتَّفِقَيْنِ.
ب - الْقِيمَةُ :
الْقِيمَةُ لُغَةً: الثَّمَنُ الَّذِي يُقَوَّمُ بِهِ الْمَتَاعُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا قُوِّمَ بِهِ الشَّيْءُ بِمَنْزِلَةِ الْمِعْيَارِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والثلاثون ، الصفحة / 283
مُفَوِّضَةٌ
التَّعْرِيفُ
- الْمُفَوِّضَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّفْوِيضِ، وَالتَّفْوِيضُ جَعْلُ الأَْمْرِ إِلَى غَيْرِهِ، يُقَالُ: فَوَّضَ الأَْمْرَ إِلَيْهِ أَيْ جَعَلَ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي نُكِحَتْ بِلاَ ذِكْرِ مَهْرٍ، أَوْ عَلَى أَنْ لاَ مَهْرَ لَهَا، وَسُمِّيَتْ مُفَوِّضَةً بِكَسْرِ الْوَاوِ، لِتَفْوِيضِهَا أَمْرَهَا إِلَى الزَّوْجِ أَوْ إِلَى الْوَلِيِّ بِلاَ مَهْرٍ، أَوْ لأِنَّهَا أَهْمَلَتِ الْمَهْرَ، وَتُسَمَّى مُفَوَّضَةً بِفَتْحِ الْوَاوِ، إِذَا فَوَّضَ وَلِيُّهَا أَمْرَهَا إِلَى الزَّوْجِ بِلاَ مَهْرٍ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الشِّغَارُ:
- الشِّغَارُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ شَغَرَ الْبَلَدُ شُغُورًا إِذَا خَلاَ عَنْ حَافِظٍ يَمْنَعُهُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يُزَوِّجَ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ بِنْتَهُ عَلَى أَنَّ بُضْعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الأُْخْرَى، وَلاَ مَهْرَ سِوَى ذَلِكَ فَيَقْبَلُ ذَلِكَ. وَالْعِلاَقَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجْعَلُ عَقْدَ النِّكَاحِ بِلاَ مَهْرٍ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُفَوِّضَةِ:
حُكْمُ نِكَاحِ الْمُفَوِّضَةِ
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ عَقْدَ الزَّوْجِ يَصِحُّ بِلاَ مَهْرٍ، فَإِذَا زَوَّجَهَا وَسَكَتَ عَنْ تَعْيِينِ الصَّدَاقِ حِينَ الْعَقْدِ، أَوْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا أَوْ لِزَوْجِهَا أَوْ لأِجْنَبِيٍّ: زَوِّجْنِي عَلَى مَا شِئْتَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ صَحَّ الْعَقْدُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ قوله تعالى : ( لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) الآْيَةَ، وَلِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ رضي الله عنه: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ، وَلاَ شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلأِنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الاِسْتِمْتَاعُ وَالْوَصْلَةُ دُونَ الصَّدَاقِ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ كَالنَّفَقَةِ.
أَقْسَامُ الْمُفَوِّضَةِ
قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ التَّفْوِيضَ إِلَى ضَرْبَيْنِ:
الضَّرْبُ الأَْوَّلُ: تَفْوِيضُ الْبُضْعِ:
- التَّفْوِيضُ يَنْصَرِفُ إِلَى تَفْوِيضِ الْبُضْعِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، وَهُوَ إِخْلاَءُ النِّكَاحِ عَنِ الْمَهْرِ كَأَنْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ بِقَوْلِهَا لَهُ: زَوِّجْنِي بِلاَ مَهْرٍ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ عَاقِلَةً بَالِغَةً رَشِيدَةً ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا، فَيُزَوِّجُهَا الْوَلِيُّ وَيَسْكُتُ عَنِ الْمَهْرِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ التَّفْوِيضِ صَحِيحَةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ يَنْفِي الْمَهْرَ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ بِغَيْرِ مَهْرٍ أَوْ زَوَّجْتُكَ بِغَيْرِ مَهْرٍ لاَ فِي الْحَالِ وَلاَ فِي الْمَآلِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ، وَلأِنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالاِسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ، وَلأِنَّ مَعْنَى الصُّورَتَيْنِ وَاحِدٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى بُطْلاَنِ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لأِنَّ الْتِزَامَ هَذَا الشَّرْطِ يَجْعَلُهَا كَالْمَوْهُوبَةِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.
قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ وَقَعَ - النِّكَاحُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ - فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَسَادَهُ مِنْ جِهَةِ صَدَاقِهِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ قَوْلاَنِ.
الأَْوَّلُ: يُفْسَخُ الْعَقْدُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَ الْبِنَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَسَادَ النِّكَاحِ مِنْ جِهَةِ عَقْدِهِ.
الثَّانِي: لاَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلاَ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَيَكُونُ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ.
وَهَلْ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِطَلاَقٍ؟ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُفْسَخُ - فِي حَالِ الْفَسْخِ - بِطَلاَقٍ، لأِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَفِي كُلِّ الأَْحْوَالِ يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَيَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ لِوُجُودِ الْخِلاَفِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: وَفِي مَعْنَى إِسْقَاطِ الْمَهْرِ - الْمَذْكُورِ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ - إِرْسَالُ الْمَرْأَةِ لِلزَّوْجِ مَالاً عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ لَهَا صَدَاقًا فَيُفْسَخُ الْعَقْدُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَ الْبِنَاءِ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، أَمَّا لَوْ سَكَتَا عَنِ الْمَهْرِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ دَخَلاَ عَلَى التَّفْوِيضِ بِاللَّفْظِ أَوْ عَلَى تَحْكِيمِ الْغَيْرِ فِي بَيَانِ قَدْرِ الْمَهْرِ فَلاَ فَسَادَ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمُفَوِّضَةُ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ كَأَنْ تَكُونَ سَفِيهَةً مَحْجُورًا عَلَيْهَا فَلاَ يَصِحُّ تَفْوِيضُهَا.
وَإِذَا زَوَّجَ الأَْبُ ابْنَتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ صَحَّ النِّكَاحُ وَبَطَلَ التَّفْوِيضُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ هُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ وَالتَّفْوِيضِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا فَوَّضَ الْوَلِيُّ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ.
أَحَدِهِمَا: أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ بِإِذْنٍ كَسَائِرِ الأَْوْلِيَاءِ مَعَ الثَّيِّبِ وَغَيْرِ الأَْبِ مَعَ الْبِكْرِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهَا فِي النِّكَاحِ وَلاَ فِي التَّفْوِيضِ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلاً، فَإِنِ اسْتَأْذَنَهَا فِي النِّكَاحِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهَا فِي التَّفْوِيضِ صَحَّ النِّكَاحُ وَبَطَلَ التَّفْوِيضُ، وَكَانَ لَهَا بِالْعَقْدِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يُنْكِحَ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ كَالأَْبِ مَعَ بِنْتِهِ الْبِكْرِ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَأَمَّا صِحَّةُ التَّفْوِيضِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِاخْتِلاَفِ الْقَوْلَيْنِ فِي الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ الزَّوْجُ دُونَ الأَْبِ بَطَلَ تَفْوِيضُ الأَْبِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ الأَْبُ فَفِي صِحَّةِ تَفْوِيضِهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ بَاطِلٌ وَلَهَا بِالْعَقْدِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ صَحِيحٌ كَالْعُقُودِ وَلَيْسَ لَهَا بِالْعَقْدِ مَهْرٌ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى : لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ وَنَفَى الْمَهْرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَرْضَى هِيَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَقَصَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مُجْبَرًا فَهَلْ يَبْطُلُ النِّكَاحُ؟ أَمْ يَصِحُّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ؟ قَوْلاَنِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ مُجْبَرٍ فَهَلْ يَبْطُلُ قَطْعًا أَمْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
وَلَوْ أَنْكَحَهَا وَلِيُّهَا عَلَى أَنْ لاَ مَهْرَ لَهَا وَلاَ نَفَقَةَ أَوْ عَلَى أَنْ لاَ مَهْرَ لَهَا وَتُعْطِي زَوْجَهَا أَلْفًا فَهَذَا أَبْلَغُ فِي التَّفْوِيضِ، وَلَوْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْنِي بِلاَ مَهْرٍ فَزَوَّجَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ صَحَّ الْمُسَمَّى وَإِنْ زَوَّجَهَا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُسَمَّى وَكَانَ كَمَا لَوْ أَنْكَحَهَا تَفْوِيضًا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: تَفْوِيضُ الْمَهْرِ
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ إِذَا زَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ هِيَ أَوْ عَلَى مَا شَاءَ، الزَّوْجُ، أَوْ عَلَى مَا شَاءَ الْوَلِيُّ أَوْ عَلَى مَا شَاءَ أَجْنَبِيٌّ: أَيْ أَنْ يَجْعَلَ الصَّدَاقَ إِلَى رَأْيِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ رَأْيِ الْوَلِيِّ، أَوْ رَأْيِ أَجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ عَلَى مَا شِئْتَ أَوْ عَلَى مَا شِئْنَا، أَوْ عَلَى مَا شَاءَ زَيْدٌ، أَوْ زَوَّجْتُكَ عَلَى حُكْمِهَا أَوْ عَلَى حُكْمِكَ أَوْ عَلَى حُكْمِي، أَوْ عَلَى حُكْمِ زَيْدٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لأِنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ فِي تَزْوِيجِهَا إِلاَّ عَلَى صَدَاقٍ لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ فَسَقَطَ لِجَهَالَتِهِ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَالتَّفْوِيضُ الصَّحِيحُ كَمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: أَنْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ الْجَائِزَةُ لِلتَّصَرُّفِ لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، أَوْ بِتَفْوِيضِ قَدْرِهِ أَوْ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا كَذَلِكَ - أَيْ بِغَيْرِ مَهْرٍ - فَأَمَّا إِنْ زَوَّجَهَا غَيْرُ أَبِيهَا وَلَمْ يَذْكُرْ مَهْرًا بِغَيْرِ إِذْنِهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
قَالَ الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ رحمه الله: لَوْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْنِي وَسَكَتَتْ عَنِ الْمَهْرِ فَالَّذِي ذَكَرَهُ الإِْمَامُ وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَفْوِيضٍ لأِنَّ النِّكَاحَ يُعْقَدُ غَالِبًا بِمَهْرٍ فَيُحْمَلُ الإِْذْنُ عَلَى الْعَادَةِ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: زَوِّجْنِي بِمَهْرٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ مَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَفْوِيضًا.
فَإِذَا أَطْلَقَتِ الإِْذْنَ - أَيْ سَكَتَتْ عَنِ الْمَهْرِ - وَزَوَّجَهَا الْوَلِيُّ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا فِي الْعَقْدِ مَهْرًا، وَلاَ شَرَطَ فِيهِ أَنْ لَيْسَ لَهَا مَهْرٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ هَلْ يَكُونُ نِكَاحَ تَفْوِيضٍ أَمْ لاَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحِ تَفْوِيضٍ، لِعَدَمِ الشَّرْطِ فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ وَيَكُونُ مَهْرُ الْمِثْلِ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ، قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى : وَلَيْسَ النِّكَاحُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ خَالِيًا عَنِ الْمَهْرِ وَلَيْسَ هَذَا التَّفْوِيضُ بِالتَّفْوِيضِ الَّذِي عَقَدْنَا لَهُ الْبَابَ.
الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ نِكَاحُ تَفْوِيضٍ، لأِنَّ إِسْقَاطَ ذِكْرِ الْمَهْرِ فِي الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ سُقُوطِهِ فِي الْعَقْدِ، فَعَلَى هَذَا لاَ مَهْرَ لَهَا بِالْعَقْدِ إِلاَّ أَنْ تَتَعَقَّبَهُ أَحَدُ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ هِيَ:
إِمَّا: بِأَنْ يَفْرِضَاهُ عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَإِمَّا: بِأَنْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، وَإِمَّا بِالدُّخُولِ بِهَا، وَإِمَّا بِالْمَوْتِ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لاَحِقًا.
مَا تَسْتَحِقُّهُ الْمُفَوِّضَةُ مِنَ الصَّدَاقِ
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ لِلْمُفَوِّضَةِ مَهْرٌ: إِمَّا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَنَّهُ لاَ يَخْلُو نِكَاحٌ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ عَنْ مَهْرٍ وَأَنَّ الْمُفَوِّضَةَ تَسْتَحِقُّ هَذَا الْمَهْرَ بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ.
أَوَّلُهَا: أَنْ يَفْرِضَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمَهْرَ بِرِضَاءِ الآْخَرِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَذَا الْمَفْرُوضُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فَيَتَشَطَّرُ بِالطَّلاَقِ وَيَتَأَكَّدُ بِالدُّخُولِ وَبِالْمَوْتِ وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِتَسْلِيمِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَفْرِضَهُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا فِي قَدْرِ الْمَفْرُوضِ أَوْ عِنْدَمَا يَمْتَنِعُ الزَّوْجُ مِنَ الْفَرْضِ فَيَفْرِضُ مِقْدَارَ مَهْرِ الْمِثْلِ لأِنَّ وَظِيفَتَهُ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَلاَ يَتَوَقَّفُ مَا يَفْرِضُهُ الْقَاضِي عَلَى رِضَاهُمَا، لأِنَّهُ حُكْمٌ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، لأِنَّ الزِّيَادَةَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مَيْلٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَلاَ يَنْقُصُ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، لأِنَّ النُّقْصَانَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مَيْلٌ عَلَى الزَّوْجَةِ وَلاَ يَحِلُّ الْمَيْلُ لأَِحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَلأِنَّهُ إِنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلُ الْبُضْعِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ كَسِلْعَةٍ أُتْلِفَتْ يُقَوِّمُهَا بِمَا يَقُولُ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، قَالَ الْبُهُوتِيُّ: فَلاَ يُغَيِّرُهُ حَاكِمٌ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ السَّبَبُ كَيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُغَيِّرُهُ وَيَفْرِضُهُ ثَانِيًا بِاعْتِبَارِ الْحَالِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ السَّابِقِ وَبِذَلِكَ يُشْتَرَطُ لِلْقَاضِي عِنْدَ فَرْضِهِ لِمَهْرِ الْمِثْلِ عِلْمُهُ بِقَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهَا حَتَّى لاَ يَزِيدَ عَلَيْهِ وَلاَ يَنْقُصُ عَنْهُ لَكِنِ الشَّافِعِيَّةُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُغْتَفَرُ الزِّيَادَةُ أَوِ النَّقْصُ الْيَسِيرُ الْوَاقِعُ فِي مَحِلِّ الاِجْتِهَادِ الَّذِي يُحْتَمَلُ مِثْلُهُ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَقَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ مَا مَعْنَاهُ: مَنْعُ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لأِنَّ مَنْصِبَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ إِنْ شَاءَا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلاَ مَا شَاءَا، وَاخْتَارَ الأَْذْرَعِيُّ الْجَوَازَ.
وَمَا فَرَضَهُ الْقَاضِي مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ أَيْضًا فَيَتَنَصَّفُ بِالطَّلاَقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلاَ تَجِبُ الْمُتْعَةُ مَعَهُ، لِعُمُومِ قوله تعالى : ( لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ )
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجَيْنِ لأِنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَلاَ حَاكِمٍ، وَلأِنَّ هَذَا فِيهِ خِلاَفُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ فَإِذَا فَرَضَ أَجْنَبِيٌّ لِلْمُفَوِّضَةِ مَهْرًا يُعْطِيهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ رَضِيَتْ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمُقَابِلُ الأَْصَحِّ يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّدَاقَ عَنِ الزَّوْجِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ فَرْضَ الأَْجْنَبِيِّ كَفَرْضِ الزَّوْجِ وَيُسَمُّونَ هَذَا تَحْكِيمًا، فَإِنْ فَرَضَ مَهْرَ الْمِثْلِ لَزِمَهُمَا وَلاَ يَلْزَمُهُ فَرْضُهُ ابْتِدَاءً، وَإِنْ فَرَضَ أَقَلَّ مِنْهُ لَزِمَهُ دُونَ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ فَرَضَ الْمُحَكِّمُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَعَلَى الْعَكْسِ أَيْ لَزِمَهَا دُونَهُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الرِّضَا وَعَدَمِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ بِالْمُفَوِّضَةِ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ فِي وَطْئِهَا بِشَرْطِ أَنْ لاَ مَهْرَ لَهَا، لأِنَّ الْوَطْءَ لاَ يُبَاحُ بِالإِْبَاحَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ، وَلأِنَّ الْوَطْءَ فِي دَارِ الإْسْلاَمِ لاَ يَخْلُو مِنْ مَهْرٍ أَوْ حَدٍّ، وَلِتَخْرُجَ بِالْتِزَامِ الْمَهْرِ مِمَّا خُصَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ مِنْ نِكَاحِ الْمَوْهُوبَةِ بِغَيْرِ مَهْرٍ، وَمِنْ حُكْمِ الزِّنَا الَّذِي لاَ يُسْتَحَقُّ فِيهِ مَهْرٌ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا». وَمِثْلُ الدُّخُولِ فِي وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ الْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْقَدِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَخْلُوَ الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ بِلاَ مَانِعٍ حِسِّيٍّ كَمَرَضٍ لأَِحَدِهِمَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ، وَبِلاَ مَانِعٍ طَبْعِيٍّ كَوُجُودِ شَخْصٍ ثَالِثٍ عَاقِلٍ مَعَهُمَا، وَبِلاَ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا كَإِحْرَامٍ لِفَرْضٍ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَمِنَ الْمَانِعِ الْحِسِّيِّ رَتْقٌ وَقَرَنٌ وَعَفَلٌ، وَصِغَرٌ لاَ يُطَاقُ مَعَهُ الْجِمَاعُ.
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الْمَهْرَ يَتَقَرَّرُ كَذَلِكَ بِلَمْسِ الزَّوْجَةِ بِشَهْوَةٍ وَالنَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، وَتَقْبِيلِهَا وَلَوْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، لأِنَّ ذَلِكَ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ فَأَوْجَبَ الْمَهْرَ كَالْوَطْءِ، وَلأِنَّهُ نَالَ مِنْهَا شَيْئًا لاَ يُبَاحُ لِغَيْرِهِ، وَلِمَفْهُومِ قوله تعالى : ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ) وَحَقِيقَةُ اللَّمْسِ الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ فَلاَ يَسْتَقِرُّ عِنْدَهُمُ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ) الآْيَةَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسِّ الْجِمَاعُ، وَلأِنَّ الْخَلْوَةَ لاَ تَلْتَحِقُ بِالْوَطْءِ فِي سَائِرِ الأَْحْكَامِ مِنْ حَدٍّ وَغُسْلٍ وَنَحْوِهِمَا.
الرَّابِعُ: الْمَوْتُ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُفَوِّضَةَ يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا أَوْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلَ الْفَرْضِ وَقَبْلَ الْمَسِيسِ، لإِِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَلَى ذَلِكَ، وَلأِنَّ الْمَوْتَ لاَ يَبْطُلُ بِهِ النِّكَاحُ بِدَلِيلِ التَّوَارُثِ وَإِنَّمَا هُوَ نِهَايَةٌ لَهُ وَنِهَايَةُ الْعَقْدِ كَاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الإِْجَارَةِ وَمَتَى اسْتَقَرَّ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ وَلاَ غَيْرُهُ، قَالَ الْحَنَابِلَةُ: حَتَّى وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ، أَوْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ؛ لأِنَّ النِّكَاحَ قَدْ بَلَغَ غَايَتَهُ فَقَامَ مَقَامَ الاِسْتِيفَاءِ لِلْمَنْفَعَةِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَسْتَقِرَّ الْمَهْرُ.
وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا مَاتَا جَمِيعًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يُقْضَى بِشَيْءٍ وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: هَذَا إِذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ بِحَيْثُ يُتَعَذَّرُ عَلَى الْقَاضِي الْوُقُوفُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَقَادَمْ فَيُقْضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَهُ أَيْضًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ مَوْتَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لاَ يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ.
قَالَ الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: إِذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ فَهَلْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَمْ لاَ يَجِبُ شَيْءٌ؟ فِيهِ خِلاَفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى حَدِيثِ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ أَنَّهَا نُكِحَتْ بِلاَ مَهْرٍ، فَمَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ بِمَهْرِ يُفْرَضُ لَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ بِمَهْرِ نِسَائِهَا وَالْمِيرَاثِ.
وَالرَّاجِحُ تَرْجِيحُ الْوُجُوبِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. وَلاَ اعْتِبَارَ بِمَا قِيلَ فِي إِسْنَادِهِ وَقِيَاسًا عَلَى الدُّخُولِ فَإِنَّ الْمَوْتَ مُقَرَّرٌ كَالدُّخُولِ، وَلاَ وَجْهَ لِلْقَوْلِ الآْخَرِ مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ.
مَتَى تَسْتَحِقُّ الْمُفَوِّضَةُ مَهْرَ الْمِثْلِ؟
- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لِلْمُفَوِّضَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُطَالَبَةَ الزَّوْجِ بِأَنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْرًا لِتَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، لأِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَخْلُو مِنَ الْمَهْرِ، فَلَهَا حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِبَيَانِ قَدْرِهِ.
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، فَإِنِ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى فَرْضِهِ جَازَ مَا فَرَضَاهُ، قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِهِ؛ لأِنَّهُ إِذَا فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا فَقَدْ بَذَلَ لَهَا مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ رَضِيَتْ بِالْيَسِيرِ، فَقَدْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا فَلاَ تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِرَجُلٍ «أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلاَنَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلاَنًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَزَوَّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ فَدَخَلَ بِهَا الرَّجُلُ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَكَانَ مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ لَهُ سَهْمٌ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ زَوَّجَنِي فُلاَنَةَ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئًا وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخَيْبَرَ، فَأَخَذَتْ سَهْمًا فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ».
فَأَمَّا إِنْ تَشَاحَّا فِيهِ فَفَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِسِوَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهَا حَتَّى تَرْضَاهُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةُ، لأِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا بِفَرْضِهِ مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ كَحَالَةِ الاِبْتِدَاءِ، وَإِنْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِهِ وَلاَ يَثْبُتُ لَهَا مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ، وَإِنْ تَشَاحَّا رُفِعَا إِلَى الْقَاضِي، وَفُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا سَبَقَ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ لِلْمُفَوِّضَةِ طَلَبَ تَقْدِيرِ قَدْرِ الْمَهْرِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيُكْرَهُ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ إِلاَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِمَا فَرَضَ لَهَا الزَّوْجُ إِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ، أَمَّا إِنْ فَرَضَ لَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلاَ يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِهِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِهِ جَازَ إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً رَشَّدَهَا مُجْبِرُهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَتَجْرِبَتِهَا بِحُسْنِ تَصَرُّفِهَا فِي الْمَالِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى رَفْعِ حَجْرِهِ عَنْهَا وَإِطْلاَقِ التَّصَرُّفِ لَهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ، كَمَا يَجُوزُ لِلأَْبِ أَنْ يَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الرَّشِيدَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِوَصِيِّ الأَْبِ أَنْ يَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِ مَحْجُورَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا صَلاَحًا لَهَا كَأَنْ كَانَ رَاجِيًا حُسْنَ عِشْرَةِ زَوْجِهَا لَهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْبِكْرِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا وَلَمْ يُوصِ عَلَيْهَا وَلَمْ يُقَدِّمِ الْقَاضِي عَلَيْهَا مُقَدَّمًا يُتَصَرَّفُ لَهَا الرِّضَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا.
وَقَالُوا إِذَا لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ بِمَا فَرَضَ لَهَا فَلَهُ تَطْلِيقُهَا وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَلِلْمُفَوِّضَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ حَبْسُ نَفْسِهَا عَنِ الزَّوْجِ لِيَفْرِضَ لَهَا مَهْرًا وَلَهَا كَذَلِكَ حَبْسُ نَفْسِهَا عَنْهُ لِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ إِذَا كَانَ حَالًّا كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَفْرُوضُ مُؤَجَّلاً فَلَيْسَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا عَنْهُ لِتَسْلِيمِهِ كَالْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ إِذَا كَانَ مُؤَجَّلاً أَيْضًا.
وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا عَنْ زَوْجِهَا لِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ لأِنَّهَا سَامَحَتْ بِالْمَهْرِ فَكَيْفَ تُضَايَقُ فِي تَقْدِيمِهِ.
- وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْمُفَوِّضَةِ لِلْمَهْرِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِلُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُفَوِّضَةَ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَلِذَلِكَ يَحِقُّ لَهَا وِلاَيَةُ الْمُطَالَبَةِ بِفَرْضِهِ، وَوِلاَيَةُ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ، وَلأِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ كَمَا فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَلأِنَّ النِّكَاحِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنِ الْمَهْرِ وَالْقَوْلُ بِعَدِمِ وُجُوبِهِ يُفْضِي إِلَى خُلُوِّهِ عَنْهُ، وَلأِنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَمْ يُشْرَعْ لِعَيْنِهِ، بَلْ لِمَقَاصِدَ لاَ حُصُولَ لَهَا إِلاَّ بِالدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ وَالْقَرَارِ عَلَيْهِ، وَلاَ يَدُومُ إِلاَّ بِوُجُوبِ الْمَهْرِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، لِمَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الأَْسْبَابِ الَّتِي تَحْمِلُ الزَّوْجَ عَلَى الطَّلاَقِ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالْخُشُونَةِ فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لاَ يُبَالِي الزَّوْجُ عَنْ إِزَالَةِ هَذَا الْمَذْهَبِ بِأَدْنَى خُشُونَةٍ تَحْدُثُ بَيْنَهُمَا، لأِنَّهُ لاَ يَشُقُّ عَلَيْهِ إِزَالَتُهُ لَمَّا لَمْ يَخَفْ لُزُومَ الْمَهْرِ، فَلاَ تَحْصُلُ الْمَقَاصِدُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ النِّكَاحِ، وَلأِنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ وَمَقَاصِدَهُ لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ بِالْمُوَافَقَةِ، وَلاَ تَحْصُلُ الْمُوَافَقَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ عَزِيزَةً مُكَرَّمَةً عِنْدَ الزَّوْجِ وَلاَ عِزَّةَ إِلاَّ بِانْسِدَادِ طَرِيقِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا بِمَالٍ لَهُ خَطَرٌ عِنْدَهُ، لأِنَّ مَا ضَاقَ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَعِزُّ فِي الأَْعْيُنِ فَيَعِزُّ بِهِ إِمْسَاكُهُ وَمَا يَتَيَسَّرُ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَهُونُ فِي الأَْعْيُنِ فَيَهُونُ إِمْسَاكُهُ، وَمَتَى هَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي أَعْيُنِ الزَّوْجِ تَلْحَقُهَا الْوَحْشَةُ فَلاَ تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ، فَلاَ تَحْصُلُ مَقَاصِدُ النِّكَاحِ، وَلأِنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ فِي جَانِبِهَا إِمَّا فِي نَفْسِهَا، وَإِمَّا فِي الْمُتْعَةِ، وَأَحْكَامُ الْمِلْكِ فِي الْحُرَّةِ تُشْعِرُ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، فَلاَ بُدَّ وَأَنْ يُقَابِلَهُ مَالٌ لَهُ خَطَرٌ، لِيَنْجَبِرَ الذُّلُّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلأِنَّهَا إِذَا طَلَبَتِ الْفَرْضَ مِنَ الزَّوْجِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفَرْضُ حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ فَالْقَاضِي يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي الْفَرْضِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ الْمُفَوِّضَةِ مَهْرٌ عَلَى زَوْجِهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ لأِنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ لَهَا إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ إِلاَّ الْمُتْعَةُ، وَلأِنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَهَا مَهْرٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَتَشَطَّرَ بِالطَّلاَقِ قَبْلَ الدُّخُولِ كَالْمُسَمَّى الصَّحِيحِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَمْ يَجِبْ لِلْمُفَوِّضَةِ بِالْعَقْدِ مَهْرٌ، لاِشْتِرَاطِهِ سُقُوطَهُ، وَلاَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَ بِمَهْرٍ، لأِنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا بِالْعَقْدِ مَهْرٌ وَلَكِنْ لَهَا أَنْ تُطَالِبَ بِأَنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْرًا إِمَّا بِمُرَاضَاةِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَيَصِيرُ الْمَهْرُ بَعْدَ الْفَرْضِ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ مِثْلَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ إِذَا فَرَضَ الْمُحَكِّمُ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ وَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا مَهْرٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
تَنْصِيفُ مَهْرِ الْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِصَافِ مَا فُرِضَ لِلْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ الْفَرْضِ فَلاَ يَجِبُ لَهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ، لِمَفْهُومِ قوله تعالى : ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ).
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ مَا فُرِضَ لِلْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَالْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ مِنَ الزَّوْجِ لاَ مِنَ الزَّوْجَةِ وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ صَحِيحًا، سَوَاءٌ كَانَ النُّهُوضُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ مِنَ الْحَاكِمِ لِعُمُومِ قوله تعالى : ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) الآْيَةَ، وَلأِنَّ هَذَا مَهْرٌ وَجَبَ قَبْلَ الطَّلاَقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ كَمَا لَوْ سَمَّاهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنَصَّفُ الْمَهْرُ الْمَفْرُوضُ لِلْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لأِنَّ عَقْدَهَا خَلاَ مِنْ تَسْمِيَةٍ فَأَشْبَهَتِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا شَيْءٌ، وَلأِنَّ التَّنْصِيفَ خَاصٌّ بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ بِالنَّصِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) الآْيَةَ، وَلأِنَّ هَذَا الْمَفْرُوضَ تَعْيِينٌ لِلْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَذَلِكَ لاَ يَتَنَصَّفُ فَكَذَا مَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ.
وُجُوبُ الْمُتْعَةِ لِلْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا طَلُقَتِ الْمُفَوِّضَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا مَهْرٌ فَلاَ تَسْتَحِقُّ عَلَى زَوْجِهَا شَيْئًا إِلاَّ الْمُتْعَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لَهَا إِذَا كَانَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ لاَ مِنْ جِهَتِهَا.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لَهَا إِذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا شَيْءٌ وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ كَأَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يُلاَعِنَ، أَوْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ مِنْ قِبَلِهَا بِسَبَبِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالرِّدَّةِ مِنْهُ وَإِبَائِهِ الإِْسْلاَمَ وَتَقْبِيلِهِ ابْنَتَهَا، أَوْ أُمَّهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ.
أَمَّا إِذَا كَانَ السَّبَبُ مِنْ جِهَتِهَا فَلاَ مُتْعَةَ لَهَا عِنْدَهُمْ لاَ وُجُوبًا وَلاَ اسْتِحْبَابًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً لِلْمُفَوِّضَةِ.
وَسَبَبُ الْخِلاَفِ يَعُودُ إِلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الأَْلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي قوله تعالى : ( لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ).
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تَفْوِيضٌ ف 8، مُتْعَةُ الطَّلاَقِ ف 2).
مَا يُرَاعَى عِنْدَمَا يُفْرَضُ لِلْمُفَوِّضَةِ مَهْرٌ :
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَيِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْمُفَوِّضَةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ فَرْضِ مَهْرِ الْمِثْلِ لَهَا، هَلْ فِي حَالِهَا عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، لأِنَّهُ الْمُقْتَضِي لِلْوُجُوبِ، أَوْ فِي حَالِهَا عِنْدَ الْوَطْءِ، لأِنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَمْ يُعْتَبَرُ حَالُهَا مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْوَطْءِ، لأِنَّ الْبُضْعَ دَخَلَ بِالْعَقْدِ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ وَاقْتَرَنَ بِهِ الإِْتْلاَفُ فَوَجَبَ أَكْثَرُ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْ وَقْتِ عَقْدِهَا إِلَى أَنْ يَطَأَهَا زَوْجُهَا كَالْمَقْبُوضِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْرٌ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والثلاثون ، الصفحة / 151
أَثَرُ خَلْوَةِ الْمَمْسُوحِ بِزَوْجَتِهِ فِي تَقْرِيرِ الْمَهْرِ
يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ خَلْوَةَ الْمَمْسُوحِ بِزَوْجَتِهِ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ.
فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَخَلْوَةُ الْمَجْبُوبِ خَلْوَةٌ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ مِنْ أَحَدِ الْمَعَانِي الثَّلاَثَةِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ الْمَهْرُ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ مُسَمًّى أَوْ مَهْرَ الْمِثْلِ، حَتَّى لاَ يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلاَّ بِالإِْبْرَاءِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ.
وَجَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: وَتُقَرِّرُ الْخَلْوَةُ الْمَهْرَ وَلَوْ لَمْ يَطَأْ، وَلَوْ كَانَ بِالزَّوْجَيْنِ أَوْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا مَانِعٌ حِسِّيٌّ كَجَبِّ وَرَتْقٍ وَنُضَاوَةٍ أَيْ هُزَالٍ... فَإِنَّ الْخَلْوَةَ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ كَامِلاً إِذَا كَانَتْ بِشُرُوطِهَا، لأَِنَّ الْخَلْوَةَ نَفْسَهَا مُقَرِّرَةٌ لِلْمَهْرِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّ خَلْوَةَ الْمَمْسُوحِ بِزَوْجَتِهِ لاَ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ وَلاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ.
قَالَ الْحَطَّابُ: الْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالتَّجَرُّدُ وَالْوَطْءُ دُونَ الْفَرْجِ لاَ يُوجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الصَّدَاقَ.
وَقَالَ الصَّاوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى كَلاَمِ الدَّرْدِيرِ عَنْ رَدِّ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا لِعَيْبِهِ: فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لاَ يُتَصَوَّرُ وَطْؤُهُ كَالْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ وَالْخَصِيُّ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ فَإِنَّهُ لاَ مَهْرَ عَلَى الزَّوْجِ.
عِدَّةُ زَوْجَةِ الْمَمْسُوحِ
يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَمْسُوحَ إِذَا كَانَ يُنْزِلُ كَالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ.
وَإِذَا مَاتَ الْمَمْسُوحُ عَنْ زَوْجَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ، أَوْ حَدَثَ الْحَمْلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ هِيَ كَزَوْجَةِ الْفَحْلِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْوَضْعِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ هِيَ كَزَوْجَةِ الصَّبِيِّ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ تَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَى زَوْجَةِ الْمَمْسُوحِ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ عِدَّةُ الطَّلاَقِ عَلَى زَوْجَةِ الْمَمْسُوحِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ أَصْلاً.
وَأَمَّا إِذَا مَاتَ الْمَمْسُوحُ عَنْ حَامِلٍ فَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ بِالأَْشْهُرِ لاَ بِالْوَضْعِ، إِذْ لاَ يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأَِنَّهُ لاَ يُنْزِلُ وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ يُخْلَقَ لَهُ وَلَدٌ.
وَقَالَ الإِْصْطَخْرِيُّ وَالْقَاضِيَانِ وَالصَّيْدَلاَنِيُّ والصَّيْمَرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدِ ابْنُ حَرْبَوَيْهِ يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، لأَِنَّ مَعْدِنَ الْمَاءِ الصُّلْبُ، وَهُوَ يَنْفُذُ مِنْ ثُقْبَةٍ إِلَى الظَّاهِرِ وَهُمَا بَاقِيَانِ، وَيُحْكَى ذَلِكَ قَوْلاً لِلشَّافِعِيِّ قَالَ الْمَحَلِّيُّ: فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْوَضَعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَالأَْصْلُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ خَلاَ بِهَا فَعِدَّتُهَا ثَلاَثُ حِيَضٍ غَيْرَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيُّ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا مَعَ الْمَانِعِ مِنَ الْوَطْءِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَانِعُ حَقِيقِيًّا كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْفَتْقِ وَالرَّتْقِ، أَوْ شَرْعِيًّا كَالصَّوْمِ وَالإِْحْرَامِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالظِّهَارِ، لأَِنَّ الْحُكْمَ هَاهُنَا عَلَى الْخَلْوَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الإِْصَابَةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا.
ثُمَّ قَالُوا: لاَ تَنْقَضِي عِدَّةُ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِوَضْعِ حَمْلٍ لَمْ يَلْحَقِ الزَّوْجَ لِصِغَرِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ خَصِيًّا مَجْبُوبًا أَوْ غَيْرَ مَجْبُوبٍ، لأَِنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنْهُ يَقِينًا فَلَمْ تَعْتَدَّ بِوَضْعِهِ، وَتَعْتَدُّ بَعْدَهُ عِدَّةَ وَفَاةٍ إِنْ كَانَتْ مُتَوَفًّى عَنْهَا، أَوْ عِدَّةَ حَيَاةٍ إِنْ كَانَ فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ حَيْثُ وَجَبَتْ عِدَّةُ الْفِرَاقِ.وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: عِدَّةٌ 39).
نِكَاحُ الْمُنْتَقِلِ
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نِكَاحِ الْيَهُودِيَّةِ إِذَا تَنَصَّرَتْ وَالنَّصْرَانِيَّةِ إِذَا تَهَوَّدَتْ وَالْمَجُوسِيَّةِ إِذَا تَهَوَّدَتْ أَوْ تَنَصَّرَتْ
وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - نِكَاحُ الْمُسْلِمِ لِلْمُنْتَقِلَةِ
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِ لِلْمُنْتَقِلَةِ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْمُنْتَقِلَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ دُونَ الْمَجُوسِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَلأَِنَّ الْمُنْتَقِلَةَ تُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ؛ وَلِعُمُومِ قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْمُنْتَقِلَةِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ الْعَكْسُ وَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةَ مُسْلِمٍ فَإِنَّ تَهَوُّدَهَا أَوْ تَنَصُّرَهَا كَرِدَّةِ مُسْلِمَةٍ تَحْتَهُ فَتُنَجَزُ الْفُرْقَةُ فِي الْحَالِ وَلاَ مَهْرَ لَهَا لأَِنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا وَذَلِكَ إِذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَفَ نِكَاحُهَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ عَادَتْ إِلَى دِينِهَا الأَْوَّلِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ دَامَ النِّكَاحُ؛ وَإِلاَّ بَانَ حُصُولُ الْفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ الاِنْتِقَالِ؛ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَنْفَسِخُ فِي الْحَالِ.
ب - انْتِقَالُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِلَى غَيْرِ دِينِ الإِْسْلاَمِ
إِذَا انْتَقَلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِلَى دِينِ كُفْرٍ آخَرَ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا.
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: النَّصْرَانِيَّةُ إِذَا تَهَوَّدَتْ أَوْ عَكْسُهُ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِمْ لأَِنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَكَذَا لَوْ تَمَجَّسَتْ زَوْجَةُ النَّصْرَانِيِّ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً فِي الاِبْتِدَاءِ؛ وَالْمُرَادُ بِالْمَجُوسِيِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ كِتَابٌ سَمَاوِيٌّ فَيَشْمَلُ الْوَثَنِيَّ وَالدَّهْرِيَّ.
وَهَذَا مَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَاتُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ يُصَرِّحُونَ بِفَسَادِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمُنْتَقِلَةَ إِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةَ كَافِرٍ لاَ يَرَى حِلَّ الْمُنْتَقِلَةِ فَهِيَ كَالْمُرْتَدَّةِ فَتُتَنَجَّزُ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الْوَطْءِ وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ لَمْ تَعُدْ إِلَى دِينِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الزَّوْجُ الْكَافِرُ يَرَى نِكَاحَهَا فَتُقَرُّ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا انْتَقَلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِلَى دِينٍ لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ أَوِ النَّصْرَانِيِّ يَتَهَوَّدُ؛ أَوْ تَمَجَّسَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكِتَابِيَّيْنِ فَكَالرَّدَّةِ فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَتَوَقَّفُ بَعْدَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لأَِنَّهُ انْتِقَالٌ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلاَنِهِ فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ كَالْمُرْتَدِّ.
ج - انْتِقَالُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِلَى الإِْسْلاَمِ
لِلْفُقَهَاءِ فِي الآْثَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى انْتِقَالِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ إِلَى الإِْسْلاَمِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِسْلاَمٌ ف 5).
ذَبِيحَةُ الْمُنْتَقِلِ
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ انْتَقِلْ مِنَ الْكِتَابِيِّينَ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لاَ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ.
انْظُرْ: (ذَبَائِحُ ف 27).
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ دِينِهِ إِلَى دِينِ أَهْلِ كِتَابٍ آخَرِينَ كَيَهُودِيٍّ تَنَصَّرَ أَوِ الْعَكْسِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى حِلِّ ذَبِيحَتِهِ؛ وَعَلَّلَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ عِنْدَ الذَّبْحِ حَتَّى لَوْ تَمَجَّسَ يَهُودِيٌّ لاَ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ.
وَعَلَّلَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُقَرُّ لِتَسَاوِيهِمَا فِي التَّقْرِيرِ بِالْجِزْيَةِ.
وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ. لأَِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِحِلِّ ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ أَصَالَةً أَوِ انْتِقَالاً شُرُوطًا ثَلاَثَةً وَهِيَ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْمَذْبُوحُ مَمْلُوكًا لِلْكِتَابِيِّ.
ب - أَنْ يَكُونَ الْمَذْبُوحُ مِمَّا يَحِلُّ لَهُ بِشَرْعِنَا لاَ إِنْ ذَبَحَ الْيَهُودِيُّ ذَا الظُّفُرِ فَلاَ يَحِلُّ أَكْلُهُ.
ج - أَنْ لاَ يَذْبَحَهُ عَلَى صَنَمٍ.
وَقَالَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنِ انْتَقَلَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ إِلَى دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ بِكِتَابٍ وَجِزْيَةٍ وَأُقِرَّ عَلَيْهِ حَلَّتْ ذَكَاتُهُ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ لِحِلِّ الذَّبْحِ أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ مِمَّنْ يَحِلُّ نِكَاحُنَا لأَِهْلِ مِلَّتِهِ؛ فَلاَ تَحِلُّ عِنْدَهُمْ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينِ أَهْلِ كِتَابٍ آخَرِينَ؛ وَسَبَقَ أَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نِكَاحُ الْمُسْلِمِ لِلْمُنْتَقِلَةِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ الْعَكْسُ.
عُقُوبَةُ الْمُنْتَقِلِ
عَلَى ضَوْءِ مَا أَوْضَحْنَاهُ مِنَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي الدِّينِ الَّذِي يُقَرُّ عَلَيْهِ الْمُنْتَقِلُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ إِلَى رَأْيَيْنِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّلُ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ لِلأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْمُنْتَقِلَ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ وَيَظَلُّ ذِمِّيًّا وَلاَ عُقُوبَةَ عَلَيْهِ لأَِنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ كُلُّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ.
الرَّأْيُ الثَّانِي: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ؛ أَوِ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ لاَ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ؛ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ؛ فَإِنِ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ.
أَمَّا إِذَا انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ لاَ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوِ انْتَقَلَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْمَجُوسِيَّةِ أَوِ الْوَثَنِيَّةِ أَوِ انْتَقَلَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَهُوَ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الإِْسْلاَمُ فَقَطْ؛ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الإِْسْلاَمُ أَوِ الرُّجُوعُ إِلَى دِينِهِ الأَْوَّلِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ؛ أَوْ إِلَى دِينٍ مُسَاوٍ لِدِينِهِ الأَْوَّلِ عِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ؛ فَإِنْ أَبَى فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْحَالِ كَالْمُرْتَدِّ الْمُسْلِمِ؛ وَالثَّانِي وَهُوَ الأَْصَحُّ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَأْمَنٌ كَمَنْ نَبَذَ الْعَهْدَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ حَرْبِيٌّ إِنْ ظَفِرْنَا بِهِ قَتَلْنَاهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ قَتَلْنَاهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ؛ وَفِي صِفَةِ إِجْبَارِهِ عِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُقْتَلُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»؛ وَلأَِنَّهُ ذِمِّيٌّ نَقَضَ الْعَهْدَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَضَهُ بِتَرْكِ الْتِزَامِ الذِّمَّةِ وَهَلْ يُسْتَتَابُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُسْتَتَابُ؛ لأَِنَّهُ يُسْتَرْجَعُ عَنْ دِينٍ بَاطِلٍ انْتَقَلَ إِلَيْهِ فَيُسْتَتَابُ كَالْمُرْتَدِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لاَ يُسْتَتَابُ؛ لأَِنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ أُبِيحَ قَتْلُهُ فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ؛ فَعَلَى هَذَا إِنْ بَادَرَ وَأَسْلَمَ أَوْ رَجَعَ إِلَى مَا يُقَرُّ عَلَيْهِ عَصَمَ دَمَهُ وَإِلاَّ قُتِلَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَنْ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا دَخَلَ الْيَهُودِيُّ فِي النَّصْرَانِيَّةِ رَدَدْتُهُ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَلَمْ أَدَعْهُ فِيمَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: أَتَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لاَ وَلَكِنْ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ؛ قَالَ: وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا فَدَخَلَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ كَانَ أَغْلَظَ؛ لأَِنَّهُ لاَ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ؛ وَلاَ تُنْكَحُ لَهُ امْرَأَةٌ وَلاَ يُتْرَكُ حَتَّى يُرَدَّ إِلَيْهَا فَقِيلَ لَهُ: تَقْتُلُهُ إِذَا لَمْ يَرْجِعْ؟ قَالَ: إِنَّهُ لأََهْلُ ذَلِكَ؛ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْكِتَابِيَّ الْمُنْتَقِلَ إِلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لاَ يُقْتَلُ بَلْ يُكْرَهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ.
إِرْثُ الْمُنْتَقِلِ
إِنَّ الْفُقَهَاءَ الَّذِينَ يُجِيزُونَ لِلذِّمِّيِّ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ دِينِهِ إِلَى دِينِ كُفْرٍ آخَرَ؛ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي إِرْثِ الْمُنْتَقِلِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَحِينَئِذٍ فَيَرِثُ بَعْضُهُمُ الْبَعْضَ مُطْلَقًا.
وَيَرَى الْبَعْضُ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلاَثَ مِلَلٍ: الْيَهُودِيَّةُ؛ وَالنَّصْرَانِيَّةُ؛ وَدِينُ سَائِرِهِمْ؛ وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ وَحِينَئِذٍ يَرَوْنَ أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مِلَّةٍ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ لاَ يَرَوْنَ جَوَازَ الاِنْتِقَالِ مِنْ دِينِ كُفْرٍ إِلَى آخَرَ وَلاَ يُقْبَلُ مِنَ الْمُنْتَقِلِ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ؛ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ فَإِنَّهُمْ لاَ يُجِيزُونَ أَنْ يَرِثَ الْمُنْتَقِلُ أَحَدًا أَوْ يَرِثُهُ آخَرُ.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُنْتَقِلَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخَرَ كَيَهُودِيٍّ تَنَصَّرَ أَوْ نَصْرَانِيٍّ تَهَوَّدَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لاَ يَرِثُ أَحَدًا وَلاَ يَرِثُهُ أَحَدٌ بِمَعْنَى لاَ يَرِثُهُ أَهْلُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ وَلاَ يَرِثُهُمْ؛ وَلاَ يَرِثُهُ أَهْلُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَلاَ يَرِثُهُمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْمُسْلِمِ إِذَا ارْتَدَّ؛ وَمَالُ الْمُنْتَقِلِ يَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَاتَ كَمَا هُوَ شَأْنُ مَالِ الْمُرْتَدِّ إِذَا مَاتَ.
مَهْرٌ
التَّعْرِيفُ:
الْمَهْرُ فِي اللُّغَةِ: صَدَاقُ الْمَرْأَةِ؛ وَهُوَ: مَا يَدْفَعُهُ الزَّوْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ؛ وَالْجَمْعُ مُهُورٌ وَمُهُورَةٌ. يُقَالُ: مَهَرْتُ الْمَرْأَةَ مَهْرًا: أَعْطَيْتَهَا الْمَهْرَ؛ وَأَمْهَرْتُهَا - بِالأَْلِفِ - كَذَلِكَ؛ وَالثُّلاَثِيُّ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالاً.
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: هُوَ مَا وَجَبَ بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ أَوْ تَفْوِيتِ بُضْعٍ قَهْرًا.
وَلِلْمَهْرِ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ: الْمَهْرُ؛ وَالصَّدَاقُ؛ وَالصَّدَقَةُ؛ وَالنِّحْلَةُ؛ وَالْفَرِيضَةُ؛ وَالأَْجْرُ؛ وَالْعَلاَئِقُ؛ وَالْعُقْرُ؛ وَالْحِبَاءُ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
النَّفَقَةُ:
النَّفَقَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ مِنَ الإِْنْفَاقِ وَمِنْ مَعَانِيهَا: مَا يُنْفَقُ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا وَالزَّادِ؛ وَمَا يُفْرَضُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مِنْ مَالٍ لِلطَّعَامِ وَالْكِسَاءِ وَالسُّكْنَى وَالْحَضَانَةِ وَنَحْوِهَا؛ وَالْجَمْعُ: نَفَقَاتٌ وَنِفَاقٌ.
وَالنَّفَقَةُ شَرْعًا هِيَ: الطَّعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وُجُوبُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلزَّوْجَةِ؛ إِلاَّ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ جَزَاءً لِلاِحْتِبَاسِ فِي حِينِ يَجِبُ الْمَهْرُ إِبَانَةً لِشَرَفِ الْمَحَلِّ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَهْرِ:
يَتَعَلَّقُ بِالْمَهْرِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
حُكْمُ ذِكْرِ الْمَهْرِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ
الْمَهْرُ وَاجِبٌ فِي كُلِّ نِكَاحٍ لقوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) فَقَدْ قُيِّدَ الإِْحْلاَلُ بِهِ؛ إِلاَّ أَنَّ ذِكْرَ الْمَهْرِ فِي الْعَقْدِ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَيَجُوزُ إِخْلاَءُ النِّكَاحِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لقوله تعالى: (لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) حَكَمَ بِصِحَّةِ الطَّلاَقِ مَعَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ؛ وَلاَ يَكُونُ الطَّلاَقُ إِلاَّ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ.
وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ؛ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ؛ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَْشْجَعِيُّ فَقَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ مَا قَضَيْتَ»؛ وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالاِسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ كَالنَّفَقَةِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ لِلنِّكَاحِ؛ لأَِنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُخَلِّ نِكَاحًا عَنْهُ؛ وَلأَِنَّهُ أَدْفَعُ لِلْخُصُومَةِ.
وَأَمَّا إِذَا شُرِطَ نَفْيُ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ كَأَنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لاَ مَهْرَ لَهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا النِّكَاحِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ عِنْدَهُمْ عِنْدَ اشْتِرَاطِ نَفْيِ الْمَهْرِ؛ حَيْثُ إِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْمَهْرَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَيَقُولُونَ: وَمَعْنَى كَوْنِهِ رُكْنًا أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ إِسْقَاطِهِ.
وَلِلتَّفْصِيلِ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجَةُ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِنَفْيِ الْمَهْرِ أَوْ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ.
(ر: تَفْوِيضٌ ف 7 - 8؛ مُفَوِّضَةٌ).
حِكْمَةُ وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: لَوْ لَمْ يَجِبِ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لاَ يُبَالِي الزَّوْجُ عَنْ إِزَالَةِ هَذَا الْمِلْكِ بِأَدْنَى خُشُونَةٍ تَحْدُثُ بَيْنَهُمَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَشُقُّ عَلَيْهِ إِزَالَتَهُ لَمَّا لَمْ يَخَفْ لُزُومَ الْمَهْرِ؛ فَلاَ تَحْصُلُ الْمَقَاصِدُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ النِّكَاحِ؛ وَلأَِنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ وَمَقَاصِدَهُ لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ بِالْمُوَافَقَةِ وَلاَ تَحْصُلُ الْمُوَافَقَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ عَزِيزَةً مُكَرَّمَةً عِنْدَ الزَّوْجِ؛ وَلاَ عِزَّةَ إِلاَّ بِانْسِدَادِ طَرِيقِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا إِلاَّ بِمَالٍ لَهُ خَطَرٌ عِنْدَهُ؛ لأَِنَّ مَا ضَاقَ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَعِزُّ فِي الأَْعْيُنِ فَيَعِزُّ بِهِ إِمْسَاكُهُ؛ وَمَا تَيَسَّرَ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَهُونُ فِي الأَْعْيُنِ فَيَهُونُ إِمْسَاكُهُ؛ وَمَتَى هَانَتْ فِي أَعْيُنِ الزَّوْجِ تَلْحَقُهَا الْوَحْشَةُ فَلاَ تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ وَلاَ تَحْصُلُ مَقَاصِدُ النِّكَاحِ.
أَنْوَاعُ الْمَهْرِ
الْمَهْرُ الْوَاجِبُ نَوْعَانِ:
أ - الْمَهْرُ الْمُسَمَّى: وَهُوَ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْمُسَمَّى بَعْدَهُ لِمَنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا فِي الْعَقْدِ.
ب - مَهْرُ الْمِثْلِ: وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُرْغَبُ بِهِ فِي أَمْثَالِ الزَّوْجَةِ.
الْمُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُعْتَبَرُ بِهَا مَهْرُ الْمِثْلِ مِنْ قَرِيبَاتِ الزَّوْجَةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنْهُ إِلَى أَنَّ مَهْرَ مِثْلِ الزَّوْجَةِ يُعْتَبَرُ بِأَخَوَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَبَنَاتِ أَعْمَامِهَا لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: لَهَا مَهْرُ مِثْلِ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ فِيهِ وَلاَ شَطَطَ وَهُنَّ أَقَارِبُ الأَْبِ؛ وَلأَِنَّ الإِْنْسَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أَبِيهِ وَقِيمَةُ الشَّيْءِ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِي قِيمَةِ جِنْسِهِ؛ وَلاَ يُعْتَبَرُ مَهْرُ مِثْلِهَا بِأُمِّهَا وَخَالَتِهَا إِذَا لَمْ تَكُونَا مِنْ قَبِيلَتِهَا؛ فَإِنْ كَانَتِ الأُْمُّ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا بِأَنْ كَانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ فَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ بِمَهْرِهَا لِمَا أَنَّهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا.
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ: يُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ أَنْ تَتَسَاوَى الْمَرْأَتَانِ فِي السِّنِّ وَالْجَمَالِ وَالْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالْبَلَدِ وَالْعَصْرِ لأَِنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الدَّارِ وَالْعَصْرِ؛ قَالُوا: وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي أَيْضًا فِي الْبَكَارَةِ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ. قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ: بِمُجَرَّدِ تَحَقُّقِ الْقَرَابَةِ الْمَذْكُورَةِ لاَ يَثْبُتُ صِحَّةُ الاِعْتِبَارِ بِالْمَهْرِ حَتَّى تَتَسَاوَيَا جَمَالاً وَمَالاً وَبَلَدًا وَعَصْرًا وَعَقْلاً وَدِينًا وَبَكَارَةً وَأَدَبًا وَكَمَالَ خُلُقٍ وَعَدَمَ وَلَدٍ وَفِي الْعِلْمِ أَيْضًا، فَلَوْ كَانَتْ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا لَكِنِ اخْتَلَفَ مَكَانُهُمَا أَوْ زَمَانُهُمَا لاَ يُعْتَبَرُ بِمَهْرِهَا لأَِنَّ الْبَلَدَيْنِ تَخْتَلِفُ عَادَةُ أَهْلِهِمَا فِي الْمَهْرِ فِي غَلاَئِهِ وَرُخْصِهِ فَلَوْ زُوِّجَتْ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي زُوِّجَ فِيهِ أَقَارِبُهَا لاَ يُعْتَبَرُ بِمُهُورِهِنَّ وَقِيلَ: لاَ يُعْتَبَرُ الْجَمَالُ فِي بَيْتِ الْحَسَبِ وَالشَّرَفِ بَلْ فِي أَوْسَاطِ النَّاسِ؛ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: وَهَذَا جَيِّدٌ.
وَقَالُوا يُعْتَبَرُ حَالُ الزَّوْجِ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ زَوْجُ هَذِهِ كَأَزْوَاجِ أَمْثَالِهَا مِنْ نِسَائِهَا فِي الْمَالِ وَالْحَسَبِ وَعَدَمِهِمَا؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةً مِنْ قَوْمِ الأَْبِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَأَجْنَبِيَّةٌ مَوْصُوفَةٌ بِذَلِكَ؛ وَفِي الْخُلاَصَةِ: يُنْظَرُ فِي قَبِيلَةٍ أُخْرَى مِثْلِ قَبِيلَةِ أَبِيهَا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يُعْتَبَرُ بِالأَْجْنَبِيَّاتِ؛ قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الهُمَامِ: وَيَجِبُ حَمْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لَهَا أَقَارِبُ وَإِلاَّ امْتَنَعَ الْقَضَاءُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: الأَْصْلُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ اعْتِبَارُ أَرْبَعِ صِفَاتٍ: الدِّينُ وَالْجَمَالُ وَالْحَسَبُ وَالْمَالُ؛ وَمِنْ شَرْطِ التَّسَاوِي: الأَْزْمِنَةُ وَالْبِلاَدُ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِي تَعْيِينِ الْمَهْرِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ؛ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يُعْتَبَرُ شَبَابُهَا وَجَمَالُهَا فِي زَمَنِهَا وَرَغْبَةُ النَّاسِ فِيهَا؛ وَيُنْظَرُ فِي الزَّوْجِ فَإِنْ زَوَّجُوهُ إِرَادَةَ صِلَتِهِ وَمُقَارَبَتِهِ خُفِّفَ عَنْهُ؛ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كُمِّلَ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ.
وَقَالُوا: لاَ يُنْظَرُ فِي تَحْدِيدِ مَهْرِ مِثْلِ الزَّوْجَةِ إِلَى أُخْتِهَا وَقَرَابَتِهَا إِذْ يُزَوَّجُ الْفَقِيرُ لِقَرَابَتِهِ وَالْبَعِيدُ لِغِنَاهُ؛ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ لِمِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُرَاعَى فِي مَهْرِ الْمِثْلِ أَقْرَبُ مَنْ تُنْسَبُ مِنْ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ، وَأَقْرَبُهُنَّ أُخْتٌ لأَِبَوَيْنِ ثُمَّ لأَِبٍ ثُمَّ بَنَاتُ أَخٍ لأَِبَوَيْنِ ثُمَّ لأَِبٍ ثُمَّ عَمَّاتٌ لأَِبَوَيْنِ ثُمَّ لأَِبٍ؛ فَإِنْ فُقِدَ نِسَاءُ الْعَصَبَةِ أَوْ لَمْ يُنْكَحْنَ أَوْ جُهِلَ مَهْرُهُنَّ فَيُعْتَبَرُ مَهْرُهَا بِأَرْحَامِهَا تُقَدَّمُ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى كَجَدَّاتٍ وَخَالاَتٍ؛ وَيُعْتَبَرُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ الْمُشَارَكَةُ فِي الصِّفَاتِ الْمُرَغِّبَةِ كَسِنٍّ وَعَقْلٍ وَيَسَارٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ وَفَصَاحَةٍ وَمَا اخْتَلَفَ بِهِ غَرَضٌ كَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ لأَِنَّ الْمُهُورَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
وَمَتَى اخْتَصَّتْ بِفَضْلٍ أَوْ نَقْصٍ لَيْسَ فِي النِّسْوَةِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِثْلُهُ؛ زِيدَ أَوْ نُقِصَ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهِ.
وَيُعْتَبَرُ غَالِبُ عَادَةِ النِّسَاءِ فَلَوْ سَامَحَتْ وَاحِدَةٌ لَمْ يَجِبْ مُوَافَقَتُهَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِنَقْصٍ دَخَلَ فِي النَّسَبِ وَفَتْرَةِ الرَّغَبَاتِ وَلَوْ خُفِضْنَ لِلْعَشِيرَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ أَوْ عَكْسُهُ اعْتُبِرَ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِمَنْ يُسَاوِي الزَّوْجَةَ مِنْ جَمِيعِ أَقَارِبِهَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا كَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبِنْتِ عَمِّهَا وَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا وَغَيْرِهِنَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه لَهَا مِثْلُ مَهْرِ نِسَائِهَا وَلأَِنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ.
وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي الْمَالِ وَالْجَمَالِ وَالْعَقْلِ وَالأَْدَبِ وَالسِّنِّ وَالْبَكَارَةِ أَوِ الثُّيُوبَةِ وَالْبَلَدِ وَصَرَاحَةِ نَسَبِهَا وَكُلِّ مَا يَخْتَلِفُ لأَِجْلِهِ الْمَهْرُ؛ لأَِنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَاعْتُبِرَتِ الصِّفَاتُ الْمَقْصُودَةُ فِيهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا إِلاَّ دُونَهَا زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ فَضِيلَتِهَا تَقْتَضِي زِيَادَةَ مَهْرِهَا فَتُقَدَّرُ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الْفَضِيلَةِ؛ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي نِسَائِهَا إِلاَّ فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا كَأَرْشِ الْعَيْبِ؛ وَلأَِنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَنْقِيصِ الْمَهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ بِحَسَبِهِ.
وَتُعْتَبَرُ عَادَةُ نِسَائِهَا فِي تَأْجِيلِ الْمَهْرِ أَوْ بَعْضِهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْعَادَاتِ كَالتَّخْفِيفِ عَنْ عَشِيرَتِهِنَّ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ وَكَذَا لَوْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّخْفِيفَ لِنَحْوِ شَرَفِ الزَّوْجِ أَوْ يَسَارِهِ؛ إِجْرَاءً لَهَا عَلَى عَادَتِهِنَّ.
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُنَّ فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ أَوِ اخْتَلَفَتِ الْمُهُورُ قِلَّةً وَكَثْرَةً أُخِذَ بِمَهْرٍ وَسَطٍ حَالٍّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ؛ فَإِنْ تَعَدَّدَ فَمِنْ غَالِبِهِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ مِنَ النِّسَاءِ اعْتُبِرَ شَبَهُهَا بِنِسَاءِ بَلَدِهَا؛ فَإِنْ عُدِمَتْ نِسَاءُ بَلَدِهَا فَالاِعْتِبَارُ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ أَقْرَبِ بَلَدٍ إِلَيْهَا.
شُرُوطُ الْمُخْبِرِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ
صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلاً وَامْرَأَتَيْنِ وَيُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَلَى ذَلِكَ شُهُودٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ.
مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا
الأَْصْلُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا أَوْ أُجْرَةً جَازَ جَعْلُهُ صَدَاقًا.
قَالَ الدَّرْدِيرُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمَهْرِ شُرُوطُ الثَّمَنِ مِنْ كَوْنِهِ مُتَمَوَّلاً طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعْلُومًا.
وَقَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: كُلُّ مَا صَحَّ كَوْنُهُ عِوَضًا مُعَوِّضًا عَيْنًا أَوْ دَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً كَثِيرًا أَوْ قَلِيلاً - مَا لَمْ يَنْتَهِ فِي الْقِلَّةِ إِلَى حَدٍّ لاَ يُتَمَوَّلُ - صَحَّ كَوْنُهُ صَدَاقًا؛ وَمَا لاَ فَلاَ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: كُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ أَوْ أُجْرَةً فِي الإِْجَارَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ وَالْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ وَمَنَافِعِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَهْرَ مَا يَكُونُ مَالاً مُتَقَوِّمًا عِنْدَ النَّاسِ فَإِذَا سَمَّيَا مَا هُوَ مَالٌ يَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَمَا لاَ فَلاَ.
وَقَالُوا: التَّسْمِيَةُ لاَ تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ وَتَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْمُسْتَدْرَكَةِ.
وَقَدْ نَشَأَ عَنِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي مَدْلُولِ الْمَالِ - كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَالٌ ف 2) - اخْتِلاَفُهُمْ فِي بَعْضِ مَا تَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا نَذْكُرُهَا فِيمَا يَأْتِي:
جَعْلُ الْمَنْفَعَةِ مَهْرًا
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ صَدَاقًا جَرْيًا عَلَى أَصْلِهِمْ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ صَدَاقًا؛ فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ مَنَافِعَ دَارِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ عَبْدِهِ سَنَةً صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ؛ أَوْ يَجْعَلَ صَدَاقَهَا خِدْمَتَهُ لَهَا فِي زَرْعٍ أَوْ بِنَاءِ دَارٍ أَوْ خِيَاطَةِ ثَوْبٍ؛ أَوْ فِي سَفَرِ الْحَجِّ مَثَلاً.
قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: فِي كَوْنِ الصَّدَاقِ مَنَافِعَ كَخِدْمَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ تَعْلِيمِهِ قُرْآنًا مَنَعَهُ مَالِكٌ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ أَصْبَغُ؛ وَإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ امْرَأَةً عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَصِحُّ.
وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلاَفِ يَخْتَصُّ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمِهْنَةِ وَالْمُنَافَاةِ.
ثُمَّ الَّذِينَ اتَّفَقُوا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْمَنَافِعِ مَهْرًا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
أ - جَعْلُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا لِلْمَرْأَةِ
أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ وَأَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ جَعْلَ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا.
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِجَوَازِ جَعْلِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا شَرْطَيْنِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّلُ: الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ تَعْلِيمُهُ بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ:
الطَّرِيقُ الأَْوَّلُ: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يُعَلِّمُهُ بِأَنْ يَقُولَ كُلُّ الْقُرْآنِ أَوِ السُّبُعُ الأَْوَّلُ أَوِ الأَْخِيرُ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: التَّقْدِيرُ بِالزَّمَانِ بِأَنْ يُصْدِقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ شَهْرًا وَيُعَلِّمَهَا فِيهِ مَا شَاءَتْ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَى تَعْلِيمِهِ قَدْرًا فِي تَعْلِيمِهِ كُلْفَةٌ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ جَعْلُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ مَهْرًا؛ لأَِنَّ الْفُرُوجَ لاَ تُسْتَبَاحُ إِلاَّ بِالأَْمْوَالِ؛ وَلأَِنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إِلاَّ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ.
وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ؛ فَإِنْ وَقَعَ مَضَى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ.
ب - نِكَاحُ الْمَرْأَةِ عَلَى إِحْجَاجِهَا
صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَسْمِيَةِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى إِحْجَاجِهَا مَهْرًا لأَِنَّ الْحُمْلاَنَ مَجْهُولٌ لاَ يُوقَفُ لَهُ عَلَى حَدٍّ فَلَمْ يَصِحَّ؛ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا شَيْئًا؛ فَعَلَى هَذَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ:
فَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي نِكَاحِهَا عَلَى إِحْجَاجِهَا أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيَجِبُ صَدَاقُ الْمِثْلِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْحَجَّةِ غَيْرُهَا فَيَجُوزُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَيْسَ يُعْجِبُنِي وَلاَ رَأَيْتُ أَصْبَغَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُعْجِبُهُمْ وَرَأَيْتُهُمْ يَرَوْنَهُ جَائِزًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى حَجَّةٍ مِثْلِهَا فِي النَّفَقَةِ وَالْكِرَاءِ وَالْمَصْلَحَةِ؛ وَقَالَ: أَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتَّى يُحِجَّهَا أَوْ يُعْطِيَهَا مِقْدَارَ مَا يُشْبِهُ مِثْلَهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالتَّدَاوِي فِي بُعْدِ سَفَرِهَا أَوْ قُرْبِهِ فَتَكُونُ قَدْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا فَإِنْ شَاءَتْ حَجَّتْ بِهِ وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ أَمْوَالاً مُتَقَوِّمَةً فِي حَدِّ ذَاتِهَا؛ إِلاَّ أَنَّهُمْ أَجَازُوا جَعْلَ الْمَنَافِعِ مَهْرًا فِي صُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - مَنَافِعُ الأَْعْيَانِ
مَنَافِعُ الأَْعْيَانِ تَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا مَهْرًا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ.
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِ سَائِرِ الأَْعْيَانِ مِنْ سُكْنَى دَارِهِ وَخِدْمَةِ عَبِيدِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ الأَْعْيَانِ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّتِ التَّسْمِيَةُ لأَِنَّ هَذِهِ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ؛ وَالْتَحَقَتْ بِالأَْمْوَالِ شَرْعًا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ؛ وَالْحَاجَةُ فِي النِّكَاحِ مُتَحَقِّقَةٌ وَإِمْكَانُ الدَّفْعِ بِالتَّسْلِيمِ ثَابِتٌ بِتَسْلِيمِ مَحَالِّهَا.
ب - مَنَافِعُ الْحُرِّ
ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ عِدَّةَ صُوَرٍ لِجَعْلِ مَنْفَعَةِ الْحُرِّ صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ مِنْهَا:
جَعْلُ الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ خِدْمَتَهَا
لَوْ تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا سَنَةً فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ وَلَهَا قِيمَةُ خِدْمَةِ سَنَةٍ.
وَقَالَ الْكَاسَانِيُّ فِي مَعْرِضِ الاِسْتِدْلاَلِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ مُتَقَوِّمَةٍ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا وَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً بِالْغَصْبِ وَالإِْتْلاَفِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ التَّقَوُّمِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ شَرْعًا ضَرُورَةً دَفْعًا لِلْحَاجَةِ بِهَا وَلاَ يُمْكِنُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِهَا هَاهُنَا لأَِنَّ الْحَاجَةَ لاَ تَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ؛ وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ شَرْعًا؛ لأَِنَّ اسْتِخْدَامَ الْحُرَّةِ زَوْجَهَا الْحُرَّ حَرَامٌ؛ لِكَوْنِهِ اسْتِهَانَةً وَإِذْلاَلاً وَهَذَا لاَ يَجُوزُ؛ وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ لاِبْنٍ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَبَاهُ لِلْخِدْمَةِ؛ فَلاَ تُسَلَّمُ خِدْمَتُهُ لَهَا شَرْعًا؛ فَلاَ يُمْكِنُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِهَا؛ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا التَّقَوُّمُ؛ فَبَقِيَتْ عَلَى الأَْصْلِ فَصَارَ كَمَا لَوْ سَمَّى مَا لاَ قِيمَةَ لَهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَهُنَاكَ لاَ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَذَا هَاهُنَا.
وَدَلَّلَ عَلاَءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنْ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَوُجُوبِ قِيمَةِ الْخِدْمَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَالَ: إِنَّ التَّسْمِيَةَ قَدْ صَحَّتْ لَكِنْ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا اسْتِخْدَامُهُ بَلْ عَلَيْهَا خِدْمَةُ الزَّوْجِ فَيَجِبُ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى عَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ؛ تَجِبُ قِيمَتُهُ لاَ مَهْرُ الْمِثْلِ كَهَذَا هَذَا.
وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ امْرَأَةً بِإِذْنِ مَوْلاَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً جَازَ وَلَهَا الْخِدْمَةُ؛ لأَِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ خَالِصُ مِلْكِ الْمَوْلَى فَصَحَّتِ التَّسْمِيَةُ.
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا فَلَهَا خِدْمَتُهُ بِالإِْجْمَاعِ.
، جَعْلُ الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ عَمَلاً لاَ مَهَانَةَ فِيهِ
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: لَوْ كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِعْلاً لاَ اسْتِهَانَةَ فِيهِ وَلاَ مَذَلَّةَ عَلَى الرَّجُلِ كَرَعْيِ دَوَابِّهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا وَالأَْعْمَالِ الَّتِي خَارِجَ الْبَيْتِ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الزَّوْجَةِ لاَ مِنْ بَابِ الْخِدْمَةِ.
وَمِنْ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ جَعَلَ فِي رَعْيِ غَنَمِهَا رِوَايَتَيْنِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَصِحُّ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ بِالإِْجْمَاعِ.
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهَا أَوْ يَزْرَعَ أَرْضَهَا؛ فِي رِوَايَةٍ لاَ يَجُوزُ وَفِي رِوَايَةٍ جَازَ؛ وَالأَْوَّلُ رِوَايَةُ الأَْصْلِ وَالْجَامِعِ - وَهُوَ الأَْصَحُّ كَمَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ - وَالصَّوَابُ أَنْ يُسَلِّمَ لَهَا إِجْمَاعًا؛ اسْتِدْلاَلاً بِقِصَّةِ مُوسَى وَشُعَيْبٍعليهما السلام؛ وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا تَلْزَمُنَا إِذَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ بِلاَ إِنْكَارٍ.
جَعْلُ الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ تَعْلِيمَهَا الْقُرْآنَ
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ مِنَ الأَْحْكَامِ أَوْ عَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنَ الطَّاعَاتِ لاَ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لأَِنَّ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ فَلاَ يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَهْرًا.
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا الْقُرْآنَ كَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا.
الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ فِي الصَّدَاقِ
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَا هُوَ مَالٌ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَكِنْ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِنْ كَانَ شَيْئًا يُبَاحُ لَهَا الاِنْتِفَاعُ بِهِ كَطَلاَقِ الضَّرَّةِ وَالإِْمْسَاكِ فِي بَلَدِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنْ وَفَّى بِالْمَنْفَعَةِ وَأَوْصَلَ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ إِلاَّ الْمُسَمَّى إِذَا كَانَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا؛ لأَِنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَقَدْ حَصَلَ؛ وَإِنْ لَمْ يَفِ بِمَا وَعَدَ لَهَا: إِنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا مِنَ الْمَالِ مِثْلَ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ فَلاَ شَيْءَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا يُكَمِّلُ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ كَمَالِ مَهْرِ الْمِثْلِ إِلاَّ بِغَرَضٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ عِنْدَ النَّاسِ وَحَلاَلٍ شَرْعًا؛ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْغَرَضُ يَعُودُ حَقُّهَا إِلَى الْمُعَوَّضِ وَهُوَ الْمَهْرُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ يَحْيَى - أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَنَافِعِ صَدَاقٌ يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ؛ وَيَكُونُ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا؛ وَتَسْقُطُ الْخِدْمَةُ؛ فَإِنْ كَانَ خَدَمَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ الْخِدْمَةِ.
مِقْدَارُ الْمَهْرِ
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِ الْمَهْرِ؛ لقوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا).
وَفِي الْقِنْطَارِ أَقَاوِيلُ مِنْهَا: أَنَّهُ الْمَالُ الْكَثِيرُ؛ وَهَذَا قَوْلُ الرَّبِيعِ.
حَكَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: لاَ تُغَالُوا فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ فَمَا بَلَغَنِي أَنَّ أَحَدًا سَاقَ أَكْثَرَ مِمَّا سَاقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ جَعَلْتُ الْفَضْلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ: يُعْطِينَا اللَّهُ وَتَمْنَعُنَا؛ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) فَرَجَعَ عُمَرُ وَقَالَ: كُلُّ أَحَدٍ يَصْنَعُ بِمَالِهِ مَا شَاءَ.
وَأَمَّا أَقَلُّ الْمَهْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْمَهْرِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بَلْ كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مَبِيعًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ مُسْتَأْجَرًا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مَا لَمْ يَنْتَهِ فِي الْقِلَّةِ إِلَى حَدٍّ لاَ يُتَمَوَّلُ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَحُكِيَ أَنَّ سَعِيدًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى صَدَاقِ دِرْهَمَيْنِ وَقَالَ: لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا لَحَلَّتْ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وابْنُ شُبْرُمَةَ إِلَى أَنَّ الْمَهْرَ مُقَدَّرُ الأَْقَلِّ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَذَا الْفَرِيقُ فِي أَدْنَى الْمِقْدَارِ الَّذِي يَصْلُحُ مَهْرًا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْمَهْرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةً أَوْ مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ)؛ شَرَطَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مَالاً؛ وَلاَ يُطْلَقُ اسْمُ الْمَالِ عَلَى الْحَبَّةِ وَالدَّانِقِ؛ فَلاَ يَصْلُحُ مَهْرًا؛ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لاَ مَهْرَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ».
وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ.
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ تَوْقِيفًا لأَِنَّهُ بَابٌ لاَ يُوصَلُ إِلَيْهِ بِالاِجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ؛ وَلأَِنَّ الْمَهْرَ حَقُّ الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُهُ عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ)؛ وَكَانَ ذَلِكَ لإِِظْهَارِ شَرَفِ الْمَحَلِّ فَيَتَقَدَّرُ بِمَا لَهُ خَطَرٌ - وَهُوَ الْعَشَرَةُ - اسْتِدْلاَلاً بِنِصَابِ السَّرِقَةِ؛ لأَِنَّهُ يَتْلَفُ بِهِ عُضْوٌ مُحْتَرَمٌ؛ فَلأَِنْ يَتْلَفَ بِهِ مَنَافِعُ بُضْعٍ كَانَ أَوْلَى.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَقَلَّ الْمَهْرِ عَشَرَةٌ؛ فَإِذَا سَمَّى أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فَتَصِحُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ وَيُكْمِلُ الْمَهْرَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ؛ لأَِنَّ التَّقْدِيرَ حَقُّ الشَّرْعِ؛ فَمَتَى قُدِّرَ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فَقَدْ أَسْقَطَا حَقَّ أَنْفُسِهِمَا وَرَضِيَا بِالأَْقَلِّ فَلاَ يَصِحُّ فِي حَقِّ الشَّرْعِ؛ فَيَجِبُ أَدْنَى الْمَقَادِيرِ وَهُوَ الْعَشَرَةُ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لأَِنَّ تَسْمِيَةَ مَا لاَ يَصْلُحُ مَهْرًا كَانْعِدَامِهِ؛ كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ أَقَلَّ الْمَهْرِ رُبُعُ دِينَارٍ ذَهَبًا شَرْعِيًّا أَوْ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةً خَالِصَةً مِنَ الْغِشِّ أَوْ عَرَضٌ مُقَوَّمٌ بِرُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ كُلِّ مُتَمَوِّلٍ شَرْعًا طَاهِرٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ مَعْلُومٍ - قَدْرًا وَصِنْفًا وَأَجَلاً - مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِلزَّوْجَةِ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: أَقَلُّ الْمَهْرِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: أَقَلُّ الْمَهْرِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ وَعَنْهُ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ وَعَنْهُ: رِطْلٌ مِنَ الذَّهَبِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَقَلُّهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا.
الْمُغَالاَةُ فِي الْمَهْرِ
20 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اسْتِحْبَابِ عَدَمِ الْمُغَالاَةِ فِي الْمُهُورِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَسْهِيلُ أَمْرِهَا وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا»؛ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا»؛ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَيَاسَرُوا فِي الصَّدَاقِ؛ إِنَّ الرَّجُلَ يُعْطِي الْمَرْأَةَ حَتَّى يَبْقَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهَا حَسِيكَةً» أَيْ عَدَاوَةً أَوْ حِقْدًا.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الأَْوْلَى أَنْ يَعْدِلَ الزَّوْجَانِ عَنِ التَّنَاهِي فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي يَقْصُرُ الْعُمُرُ عَنْهَا؛ وَعَنِ التَّنَاهِي فِي النُّقْصَانِ الَّذِي لاَ يَكُونُ لَهُ فِي النُّفُوسِ مَوْقِعٌ؛ وَخَيْرُ الأُْمُورِ أَوْسَاطُهَا وَأَنْ يُقْتَدَى بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مُهُورِ نِسَائِهِ طَلَبًا لِلْبَرَكَةِ فِي مُوَافَقَتِهِ صلى الله عليه وسلم؛ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى مَا رَوَتْهُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رضي الله عنها.
فَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَِزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ؛ قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ؛ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ؛ فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَِزْوَاجِهِ».
الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ وَالْحَطُّ مِنْهُ
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَهْرِ بَعْدَ الْعَقْدِ تَلْحَقُ بِهِ؛ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ).
فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا تَرَاضَيَا عَلَى إِلْحَاقِهِ وَإِسْقَاطِهِ؛ وَلأَِنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ زَمَنٌ لِفَرْضِ الْمَهْرِ فَكَانَ حَالَةَ الزِّيَادَةِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ.
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ صَحِيحَةٌ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلاَثَةِ (أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ)؛ فَإِذَا زَادَهَا فِي الْمَهْرِ بَعْدَ الْعَقْدِ لَزِمَتْهُ؛ هَذَا إِذَا قَبِلَتِ الْمَرْأَةُ الزِّيَادَةَ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَهْرِ أَوْ لاَ؛ مِنْ زَوْجٍ أَوْ مِنْ وَلِيٍّ.
وَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا تَتَأَكَّدُ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلاَثَةٍ: إِمَّا بِالدُّخُولِ وَإِمَّا بِالْخَلْوَةِ وَإِمَّا بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ فَإِنْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلاَثَةِ بَطَلَتِ الزِّيَادَةُ وَتَنَصَّفَ الأَْصْلُ وَلاَ تُنْتَصَفُ الزِّيَادَةُ؛ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تُنْتَصَفُ الزِّيَادَةُ.
وَقَالَ زُفَرُ: إِنْ زَادَ لَهَا فِي الْمَهْرِ بَعْدَ الْعَقْدِ لاَ تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ صَحَّ بَعْدَ الْعَقْدِ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ بَدَلَ مِلْكِهِ.وَإِنْ حَطَّتِ الزَّوْجَةُ عَنْ زَوْجِهَا مَهْرَهَا صَحَّ الْحَطُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَوْ بِشَرْطٍ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تَحُطَّ عَنْهُ خَمْسِينَ مِنْهَا فَقَبِلَتْ لأَِنَّ الْمَهْرَ بَقَاءُ حَقِّهَا وَالْحَطُّ يُلاَقِيهِ حَالَةَ الْبَقَاءِ؛ وَيَصِحُّ الْحَطُّ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوِ الْبَيْنُونَةِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ حَطَّ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً فَالْحَطُّ بَاطِلٌ؛ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً تَوَقَّفَ عَلَى إِجَازَتِهَا.
ثُمَّ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْحَطِّ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ؛ فَلَوْ كَانَ عَيْنًا لاَ يَصِحُّ لأَِنَّ الْحَطَّ لاَ يَصِحُّ فِي الأَْعْيَانِ؛ وَمَعْنَى عَدَمِ صِحَّتِهِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ مَا دَامَ قَائِمًا؛ فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ سَقَطَ الْمَهْرُ عَنْهُ لأَِنَّ الْمَهْرَ صَارَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَصِحُّ الإِْسْقَاطُ.
كَمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ حَطِّهَا أَنْ لاَ تَكُونَ مَرِيضَةً مَرَضَ الْمَوْتِ لأَِنَّ الْحَطَّ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ تَتَوَقَّفُ عَلَى الإِْجَازَةِ؛ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُبَانَةً مِنَ الزَّوْجِ وَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَيَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَلاَ بُدَّ لِصِحَّةِ حَطِّهَا مِنَ الرِّضَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً لَمْ يَصِحَّ؛ فَلَوْ خَوَّفَ امْرَأَتَهُ بِضَرْبٍ حَتَّى وَهَبَتْ مَهْرَهَا لاَ يَصِحُّ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الضَّرْبِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْكَرَاهِيَةِ وَالطَّوْعِ - وَلاَ بَيِّنَةَ - فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الإِْكْرَاهِ؛ وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَةُ الطَّوَاعِيَةِ أَوْلَى.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَهَبَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا جَمِيعَ صَدَاقِهَا؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ وَكَأَنَّهَا عَجَّلَتْ إِلَيْهِ بِالصَّدَاقِ؛ وَلأَِنَّهَا لَمَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهَا عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ وَانْكَشَفَ الآْنَ أَنَّهَا إِنَّمَا تَمْلِكُ مِنْهُ النِّصْفَ؛ وَافَقَتْ هِبَتُهَا مِلْكَهَا وَمِلْكَهُ؛ فَنَفَذَتْ فِي مِلْكِهَا دُونَ مِلْكِهِ.
وَلَوْ وَهَبَتْ مِنْهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهُ الرُّبُعُ؛ وَكَذَلِك إِنْ وَهَبَتْهُ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ أَوْ أَقَلَّ؛ فَلَهُ نِصْفُ مَا بَقِيَ لَهَا بَعْدَ الْهِبَةِ.
وَقَالُوا: يَجُوزُ لِلأَْبِ أَنْ يُسْقِطَ نِصْفَ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ وَهَبَتِ الْمَهْرَ لِزَوْجِهَا بِلَفْظِ الْهِبَةِ بَعْدَ قَبْضِهَا لَهُ - وَالْمَهْرُ عَيْنٌ - ثُمَّ طَلَّقَ؛ أَوْ فَارَقَ بِغَيْرِ طَلاَقٍ - كَرِدَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ - فَلَهُ نِصْفُ بَدَلِ الْمَهْرِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ؛ لأَِنَّهُ مَلَكَ الْمَهْرَ قَبْلَ الطَّلاَقِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الطَّلاَقِ.
وَفِي مُقَابِلِ الأَْظْهَرِ لاَ شَيْءَ لَهُ لأَِنَّهَا عَجَّلَتْ لَهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِالطَّلاَقِ فَأَشْبَهَ تَعْجِيلَ الدَّيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ وَلَوْ وَهَبَتْ لَهُ الدَّيْنَ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالإِْبْرَاءِ؛ وَقِيلَ كَهِبَةِ الْعَيْنِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ بِأَنَّهُ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ عَنْ مَهْرِ مُوَلِّيَتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِهَا؛ وَالْقَدِيمُ لَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ وَسَائِرِ مَا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ؛ فَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْمَهْرِ - وَالْعَافِي جَائِزُ التَّصَرُّفِ - بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا؛ فَإِنْ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ دَيْنًا سَقَطَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالإِْسْقَاطِ وَالإِْبْرَاءِ وَالْعَفْوِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّرْكِ؛ وَلاَ يَفْتَقِرُ إِسْقَاطُهُ إِلَى الْقَبُولِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَعَفَا الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ هِبَةٌ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ؛ وَلاَ يَصِحُّ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ وَالإِْسْقَاطِ؛ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَلُ ذَلِكَ أَصَالَةً؛ وَيَفْتَقِرُ لُزُومُ الْعَفْوِ عَنِ الْعَيْنِ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ حَقِيقَةٌ وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ؛ وَالْقَبْضُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
وَلاَ يَمْلِكُ الأَْبُ الْعَفْوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ - وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ - كَثَمَنِ مَبِيعِهَا؛ وَلاَ يَمْلِكُ الأَْبُ أَيْضًا الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ الْكَبِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَيْهَا.
وَلاَ يَمْلِكُ غَيْرُ الأَْبِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ كَالْجَدِّ وَالأَْخِ وَالْعَمِّ الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ وَلِيَّتِهِ وَلَوْ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُمْ فِي الْمَالِ.
تَعْجِيلُ الْمَهْرِ وَتَأْجِيلُهُ
يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ كَوْنِ كُلِّ الْمَهْرِ مُعَجَّلاً أَوْ مُؤَجَّلاً وَجَوَازَ كَوْنِ بَعْضِهِ مُعَجَّلاً وَبَعْضِهِ مُؤَجَّلاً.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا سَمَّى الْمَهْرَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَأَطْلَقَ فَالْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الْمُعَجَّلِ مِنَ الْمَهْرِ هُوَ الْعُرْفُ؛ قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: يَتَنَاوَلُ الْمُعَجَّلَ عُرْفًا وَشَرْطًا؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ تَعْجِيلَ كُلِّهِ فَلَهَا الاِمْتِنَاعُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ كُلَّهُ؛ أَوْ بَعْضَهُ فَبَعْضَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْجِيلُ شَيْءٍ بَلْ سَكَتُوا عَنْ تَعْجِيلِهِ وَتَأْجِيلِهِ: فَإِنْ كَانَ عُرِفَ فِي تَعْجِيلِ بَعْضِهِ وَتَأْخِيرِ بَاقِيهِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ أَوِ الطَّلاَقِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحْتَبِسَ إِلاَّ إِلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ الْقَدْرِ.
قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ: إِنْ لَمْ يُبَيِّنُوا قَدْرَ الْمُعَجَّلِ يُنْظَرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَإِلَى الْمَهْرِ: أَنَّهُ كَمْ يَكُونُ الْمُعَجَّلُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْمَهْرِ؟ فَيُعَجَّلُ ذَلِكَ؛ وَلاَ يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ وَالْخُمُسِ بَلْ يُعْتَبَرُ الْمُتَعَارَفُ؛ فَإِنَّ الثَّابِتَ عُرْفًا كَالثَّابِتِ شَرْطًا بِخِلاَفِ مَا إِذَا شَرَطَ تَعْجِيلَ الْكُلِّ إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ إِذَا جَاءَ الصَّرِيحُ بِخِلاَفِهِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ مُتَّفِقُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى صِحَّةِ تَأْجِيلِ الْمَهْرِ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ.
أَمَا إِذَا كَانَ التَّأْجِيلُ لاَ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ:
فَعَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ يَصِحُّ هَذَا التَّأْجِيلُ لأَِنَّ الْغَايَةَ مَعْلُومَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهُوَ الطَّلاَقُ أَوِ الْمَوْتُ.
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الاِخْتِلاَفِ تَخْتَلِفُ آرَاءُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا إِذَا فُرِضَ نِصْفُ الْمَهْرِ مُعَجَّلاً وَنِصْفُهُ مُؤَجَّلاً وَلَمْ يُذْكَرِ الْوَقْتُ لِلْمُؤَجَّلِ؛ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ الأَْجَلُ وَيَجِبُ حَالًّا؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَيَقَعُ ذَلِكَ عَلَى وَقْتِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالطَّلاَقِ؛ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ.
وَالأَْصْلُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِحْبَابُ كَوْنِ الْمَهْرِ مُعَجَّلاً.
وَلَوْ شَرَطَ الأَْجَلَ فِي الصَّدَاقِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَانَ مَالِكُ وَأَصْحَابُهُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ مُؤَخَّرًا؛ وَكَانَ مَالِكُ يَقُولُ: إِنَّمَا الصَّدَاقُ فِيمَا مَضَى نَاجِزٌ كُلُّهُ؛ فَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مُؤَخَّرًا فَلاَ أُحِبُّ أَنْ يَطُولَ الأَْجَلُ فِي ذَلِكَ.
وَيَشْتَرِطُ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ لِجَوَازِ تَأْجِيلِ الصَّدَاقِ مَعْلُومِيَّةَ الأَْجَلِ حَيْثُ قَالُوا: وَجَازَ تَأْجِيلُ الصَّدَاقِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لِلدُّخُولِ إِنْ عُلِمَ وَقْتُ الدُّخُولِ عِنْدَهُمْ كَالشِّتَاءِ أَوِ الصَّيْفِ؛ لاَ إِنْ لَمْ يُعْلَمْ؛ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ جَوَازُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الدُّخُولِ مَعْلُومًا لأَِنَّ الدُّخُولَ بِيَدِ الْمَرْأَةِ فَهُوَ كَالْحَالِّ مَتَى شَاءَتْ أَخَذَتْهُ.
وَجَازَ تَأْجِيلُ الصَّدَاقِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَلِيًّا بِالْقُوَّةِ؛ بِأَنْ كَانَ لَهُ سِلَعٌ يَرْصُدُ بِهَا الأَْسْوَاقَ أَوْ لَهُ مَعْلُومٌ فِي وَقْفٍ أَوْ وَظِيفَةٍ؛ لاَ إِنْ كَانَ مُعْدَمًا؛ وَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لِمَزِيدِ الْجَهَالَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَأْخِيرِ الأَْجَلِ إِلَى السَّنَتَيْنِ وَالأَْرْبَعِ؛ وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ إِلَى السَّنَةِ؛ ثُمَّ حُكِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: لاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ إِلاَّ أَنْ يَزِيدَ الأَْجَلُ إِلَى أَكْثَرَ مِنَ الْعِشْرِينَ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَفْسَخُهُ إِلَى الأَْرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ؛ ثُمَّ حَكَى أَنَّهُ يَفْسَخُهُ إِلَى الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ.
قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: لأَِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الأَْجَلَ الطَّوِيلَ مِثْلُ مَا لَوْ تَزَوَّجَهَا إِلَى مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمَا قَصُرَ مِنَ الأَْجَلِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَإِنْ بَعُدَ لَمْ أَفْسَخْهُ إِلاَّ أَنْ يُجَاوِزَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ وَإِنْ كَانَتِ الأَْرْبَعُونَ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الصَّدَاقِ مُؤَخَّرًا إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَإِنَّ مَالِكًا كَانَ يَفْسَخُهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَمْضِيهِ بَعْدَهُ؛ وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا مُعَجَّلاً كُلِّهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِنَ الْمُعَجَّلِ فَلاَ تَنْقُصُ مِنْهُ؛ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُعَجَّلِ، وَالْمُؤَجَّلِ فَتُوَفَّى تَمَامَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى النَّاكِحُ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمُؤَخَّرَ مُعَجَّلاً كُلَّهُ مَعَ النَّقْدِ مِنْهُ فَيُمْضِي النِّكَاحَ؛ فَلاَ يُفْسَخُ لاَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلاَ بَعْدَهُ؛ وَلاَ تُرَدُّ الْمَرْأَةُ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ فَإِنْ كَرِهَ النَّاكِحُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُعَجَّلاً كُلَّهُ؛ وَرَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُسْقِطَ الْمُؤَخَّرَ وَتَقْتَصِرَ عَلَى النَّقْدِ مَضَى النِّكَاحُ وَلاَ كَلاَمَ لِلنَّاكِحِ.
وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ: إِذَا رُدَّتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْبِنَاءِ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا فَوُجِدَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَكْثَرُ مِنَ الْمُعَجَّلِ وَالْمُؤَخَّرِ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: كَمَا لاَ يُنْقَصُ إِذَا قَلَّ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ مِقْدَارِ الْمُعَجَّلِ؛ كَذَلِكَ لاَ يُزَادُ إِذَا ارْتَفَعَ عَلَى مِقْدَارِ؛ الْمُعَجَّلِ وَالْمُؤَخَّرِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ حَالًّا وَمُؤَجَّلاً؛ وَلِلزَّوْجَةِ حَبْسُ نَفْسِهَا وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَالَّ؛ لاَ الْمُؤَجَّلَ فَلاَ تَحْبِسُ نَفْسَهَا بِسَبَبِهِ لِرِضَاهَا بِالتَّأْجِيلِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْلُ بَعْضِ الْمَهْرِ حَالًّا وَبَعْضَهُ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ أَوِ الْفِرَاقِ؛ وَلاَ يَصِحُّ تَأْجِيلُ الْمَهْرِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ.
وَإِذَا سَمَّى الصَّدَاقَ فِي الْعَقْدِ وَأَطْلَقَ فَلَمْ يُقَيَّدْ بِحُلُولٍ وَلاَ تَأْجِيلٍ صَحَّ؛ وَيَكُونُ الصَّدَاقُ حَالًّا لأَِنَّ الأَْصْلَ عَدَمُ الأَْجَلِ.
وَإِنْ فَرَضَ الصَّدَاقَ مُؤَجَّلاً أَوْ فَرَضَ بَعْضَهُ مُؤَجَّلاً إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَوْ إِلَى أَوْقَاتٍ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ صَحَّ لأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ كَالثَّمَنِ؛ وَهُوَ إِلَى أَجَلِهِ؛ سَوَاءٌ فَارَقَهَا أَوْ أَبْقَاهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُؤَجَّلَةِ.
وَإِنْ أَجَّلَ الصَّدَاقَ أَوْ أَجَّلَ بَعْضَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَحِلَّ الأَْجَلِ صَحَّ نَصًّا وَمَحِلُّهُ الْفُرْقَةُ الْبَائِنَةُ فَلاَ يَحِلُّ مَهْرُ الرَّجْعِيَّةِ إِلاَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
قَبْضُ الْمَهْرِ
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ وَالْجَدِّ وَالْقَاضِي قَبْضَ مَهْرِ الْبِكْرِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً إِلاَّ إِذَا نَهَتْ وَهِيَ بَالِغَةٌ صَحَّ النَّهْيُ؛ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ ذَلِكَ؛ وَالْوَصِيُّ يَمْلِكُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرَةِ؛ وَالْبِنْتُ الْبَالِغَةُ حَقُّ الْقَبْضِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا.وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ يَتَوَلَّى قَبْضَ الْمَهْرِ هُوَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ (الأَْبُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوِ السَّيِّدُ) أَوْ وَلِيُّ الزَّوْجَةِ السَّفِيهَةِ؛ أَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلسَّفِيهَةِ وَلِيٌّ وَلاَ مُجْبِرٌ فَلاَ يَقْبِضُ صَدَاقَهَا إِلاَّ الْحَاكِمُ؛ فَإِنْ شَاءَ قَبَضَهُ وَاشْتَرَى لَهَا بِهِ جِهَازًا وَإِنْ شَاءَ عَيَّنَ لَهَا مَنْ يَقْبِضُهُ وَيَصْرِفُهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِمَّا يَجِبُ لَهَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ؛ أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الرَّفْعُ إِلَيْهِ؛ أَوْ خِيفَ عَلَى الصَّدَاقِ مِنْهُ حَضَرَ الزَّوْجُ وَالْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ فَيَشْتَرُونَ لَهَا بِصَدَاقِهَا جِهَازًا وَيُدْخِلُونَهُ فِي بَيْتِ الْبِنَاءِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبِرٌ وَلاَ وَلِيُّ سَفِيهَةٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ مُقَدَّمٍ عَلَيْهَا مِنْهُ فَالْمَرْأَةُ الرَّشِيدَةُ هِيَ الَّتِي تَقْبِضُ مَهْرَهَا لاَ مَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَهَا إِلاَّ بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا فِي قَبْضِهِ.
فَإِنْ قَبَضَ الْمَهْرَ غَيْرُ الْمُجْبِرِ وَوَلِيُّ السَّفِيهَةِ وَالْمَرْأَةِ الرَّشِيدَةِ بِلاَ تَوْكِيلٍ مِمَّنْ لَهُ الْقَبْضُ فَضَاعَ وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ كَانَ ضَامِنًا لَهُ لِتَعَدِّيهِ بِقَبْضِهِ؛ وَاتَّبَعَتْهُ الزَّوْجَةُ أَوْ تَبِعَتِ الزَّوْجَ لِتَعَدِّيهِ بِدَفْعِ الْمَهْرِ لِغَيْرِ مَنْ لَهُ قَبْضُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الأَْبَ إِذَا قَبَضَ مَهْرَ ابْنَتِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَلًّى عَلَيْهَا؛ أَوْ رَشِيدَةً: فَإِنْ كَانَتْ مُوَلًّى عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ؛ أَوْ سَفَهٍ جَازَ لَهُ قَبْضُ مَهْرِهَا لاِسْتِحْقَاقِهِ الْوِلاَيَةَ عَلَى مَالِهَا؛ وَلَوْ قَبَضَتْهُ مِنْ زَوْجِهَا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يُبَادِرَ الأَْبُ إِلَى أَخْذِهِ مِنْهَا فَيَبْرَأُ الزَّوْجُ حِينَئِذٍ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً رَشِيدَةً فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ ثَيِّبًا لاَ تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ؛ فَلَيْسَ لِلأَْبِ قَبْضُ مَهْرِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا؛ فَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ؛ كَمَا لَوْ قَبَضَ لَهَا دَيْنًا أَوْ ثَمَنًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِكْرًا يُجْبِرُهَا أَبُوهَا عَلَى النِّكَاحِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ قَبْضَ مَهْرِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا؛ فَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ؛ وَجَعَلَ لَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَبْضَ مَهْرِهَا لأَِنَّهُ يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالصَّغِيرَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ وَالْوَلِيِّ قَبْضَ مَهْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ لأَِنَّهُ يَلِي مَالَهَا فَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا.
وَلاَ يَقْبِضُ الأَْبُ صَدَاقَ مُكَلَّفَةٍ رَشِيدَةٍ وَلَوْ بِكْرًا إِلاَّ بِإِذْنِهَا لأَِنَّهَا الْمُتَصَرِّفَةُ فِي مَالِهَا فَاعْتُبِرَ إِذْنُهَا فِي قَبْضِهِ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا؛ فَإِنْ سَلَّمَ زَوْجُ رَشِيدَةٍ الصَّدَاقَ لِلأَْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ فَتَرْجِعُ هِيَ عَلَى الزَّوْجِ لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الأَْبِ بِمَا غَرِمَهُ.
ضَمَانُ الْمَهْرِ
صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْوَلِيِّ مَهْرَ الزَّوْجَةِ سَوَاءٌ كَانَ وَلِيُّ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ؛ صَغِيرَيْنِ كَانَا أَوْ كَبِيرَيْنِ؛ أَمَا ضَمَانُ وَلِيِّ الْكَبِيرِ مِنْهُمَا فَظَاهِرٌ لأَِنَّهُ كَالأَْجْنَبِيِّ؛ وَأَمَّا وَلِيُّ الصَّغِيرَيْنِ فَلأَِنَّهُ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ.
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَوِ الْكَبِيرَةَ - وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ - رَجُلاً وَضَمِنَ عَنْهُ مَهْرَهَا صَحَّ ضَمَانُهُ؛ ثُمَّ هِيَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَتْ طَالَبَتْ زَوْجَهَا أَوْ وَلِيَّهَا إِنْ كَانَتْ أَهْلاً لِذَلِكَ؛ وَيَرْجِعُ الْوَلِيُّ بَعْدَ الأَْدَاءِ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ.
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ هَذَا الضَّمَانِ شَرْطَيْنِ:
الأَْوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ فِي حَالِ صِحَّةِ الضَّامِنِ؛ فَلَوْ كَفَلَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَكْفُولُ لَهُ وَارِثُهُ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ لِوَارِثِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا حَصَلَ الضَّمَانُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا الضَّمَانِ إِيصَالَ النَّفْعِ إِلَى الْوَارِثِ؛ وَالْمَرِيضُ مَحْجُورٌ عَنْ ذَلِكَ فَلاَ يَصِحُّ.
الثَّانِي: قَبُولُ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا أَوْ فُضُولِيٍّ فِي مَجْلِسِ الضَّمَانِ؛ إِذْ لاَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِنَوْعَيْهَا (بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ) بِلاَ قَبُولِ الطَّالِبِ أَوْ نَائِبِهِ وَلَوْ فُضُولِيًّا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
مَنْعُ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مَنْعَ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ بُضْعِهَا؛ كَالثَّمَنِ عِوَضٌ عَنِ الْمَبِيعِ؛ وَلِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَكَانَ لِلْمَرْأَةِ حَقُّ حَبْسِ نَفْسِهَا لاِسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ.
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ حَالًّا وَلَمْ يَحْصُلْ وَطْءٌ وَلاَ تَمْكِينٌ.
فَإِنْ تَطَوَّعَتِ الْمَرْأَةُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْمَهْرِ؛ ثُمَّ أَرَادَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ أَنْ تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ لِقَبْضِ الْمَهْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ:
فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ بِرِضَاهَا وَهِيَ مُكَلَّفَةٌ فَلَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَأْخُذَ الْمَهْرَ؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ مُقَابَلٌ بِجَمِيعِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ فِي جَمِيعِ الْوَطَآتِ الَّتِي تُوجَدُ فِي هَذَا الْمِلْكِ؛ لاَ بِالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْأَةِ الأُْولَى خَاصَّةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْلاَءُ شَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ عَنْ بَدَلٍ يُقَابِلُهُ احْتِرَامًا لِلْبُضْعِ وَإِبَانَةً لِخَطَرِهِ؛ فَكَانَتْ هِيَ بِالْمَنْعِ مُمْتَنِعَةً عَنْ تَسْلِيمِ مَا يُقَابِلُهُ بَدَلٌ؛ فَكَانَ لَهَا ذَلِكَ بِالْوَطْءِ فِي الْمَرَّةِ الأُْولَى؛ فَكَانَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ عَنِ الأَْوَّلِ حَتَّى تَأْخُذَ مَهْرَهَا فَكَذَا عَنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ.
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَخَلَ بِهَا أَوْ صَحَّتِ الْخَلْوَةُ وَتَأَكَّدَ كُلُّ الْمَهْرِ لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا لاِسْتِيفَاءِ الْمُعَجَّلِ كَانَ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْمَهْرِ الْحَالِّ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا وَمَكَّنَتْهُ مِنَ الْوَطْءِ قَبْلَ قَبْضِهِ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَا الْمُسَلِّمِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ.
وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ وَطِئَهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ؛ أَمَّا إِذَا لَمْ يَجْرِ وَطْءٌ فَلَهَا الْعَوْدُ إِلَى الاِمْتِنَاعِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا قَبْلَ التَّمْكِينِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ مُؤَجَّلاً إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ عَلَيْهَا تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَلَيْسَ لَهَا الاِمْتِنَاعُ لِقَبْضِ الْمَهْرِ وَلَوْ حَلَّ الأَْجَلُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لأَِنَّهَا قَدْ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا وَتَعْجِيلِ حَقِّهِ؛ فَصَارَ كَالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا بِالْمُؤَجَّلِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا بِمُقَابَلَةِ تَسْلِيمِ الْمَهْرِ؛ فَمَتَى طَلَبَ الزَّوْجُ تَأْجِيلَ الْمَهْرِ فَقَدْ رَضِيَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ.
وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الْمَهْرِ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلاً مَعْلُومًا؛ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ بِالاِتِّفَاقِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا؛ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَلأَِنَّ الزَّوْجَ مَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ؛ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلأَِنَّهُ لَمَّا عَجَّلَ الْبَعْضَ لَمْ يَرْضَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَكَحَ بِنَقْدٍ وَآجِلٍ؛ فَإِنْ دَفَعَ النَّقْدَ كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَلَوَّمَ لَهُ الإِْمَامُ وَضَرَبَ لَهُ أَجَلاً بَعْدَ أَجَلٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بَعْضُ صَدَاقِهَا حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلاً فَيَصِحُّ إِذَا كَانَ قَدْرُ الْحَالِّ مِنْهُ مَعْلُومًا وَأَجَلُ الْمُؤَجَّلِ مَعْلُومًا؛ وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْحَالِّ؛ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْمُؤَجَّلِ؛ فَيَكُونُ حُكْمُ الْحَالِّ مِنْهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ حَالًّا؛ وَحُكْمُ الْمُؤَجَّلِ مِنْهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ مُؤَجَّلاً؛ فَلَوْ تَرَاخَى التَّسْلِيمُ حَتَّى حَلَّ الْمُؤَجَّلُ كَانَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا عَلَى قَبْضِ الْمُعَجَّلِ دُونَ مَا حَلَّ مِنَ الْمُؤَجَّلِ.
وَبِهَذَا يَقُولُ الْحَنَابِلَةُ؛ فَقَدْ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلاً فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَاجِلِ دُونَ الآْجِلِ.
مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ الْمَهْرُ
الأَْصْلُ أَنَّ الزَّوْجَةَ تَمْلِكُ الصَّدَاقَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلاً لأَِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَقْدٌ يَمْلِكُ الزَّوْجُ بِهِ الْعِوَضَ؛ فَتَمْلِكُ الزَّوْجَةُ بِهِ الْمُعَوَّضَ كَامِلاً كَالْبَيْعِ؛ وَلَكِنْ هَذَا الْمِلْكُ عُرْضَةٌ لِلسُّقُوطِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا مَا دَامَ لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤَكِّدُ الْمَهْرَ وَيُقَرِّرُهُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأُْمُورِ مُؤَكِّدَةً لِلْمَهْرِ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ؛ وَفِيمَا يَلِي مُؤَكِّدَاتُ الْمَهْرِ مَعَ بَيَانِ مَوْقِفِ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْهَا:
أ - الْوَطْءُ (الدُّخُولُ):
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ يَتَأَكَّدُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ؛ وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا لِوُقُوعِهِ فِي الْحَيْضِ أَوِ الإِْحْرَامِ؛ لأَِنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يُوجِبُ الْمَهْرَ ابْتِدَاءً فَذَا أَوْلَى بِالتَّقْرِيرِ وَيَسْتَقِرُّ بِوَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ الرُّحَيْبَانِيُّ: وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ وُقُوعُ الْوَطْءِ مِنِ ابْنِ عَشْرٍ فَأَكْثَرَ؛ إِذْ مَنْ كَانَ سِنُّهُ دُونَهَا فَوُجُودُ الْوَطْءِ مِنْهُ كَعَدَمِهِ؛ وَكَذَا لاَ بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْوَطْءِ فِي بِنْتِ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ لأَِنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَتَأَهَّلْ لِوَطْءِ الرَّجُلِ عَادَةً وَلاَ هِيَ مَحِلٌّ لِلشَّهْوَةِ غَالِبًا.وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: وَطْءٌ).
ب - الْمَوْتُ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةُ مَهْرٍ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ الْمُسَمَّى؛ سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ كَانَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ؛ وَالْعَقْدُ لَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ؛ بَلِ انْتَهَى نِهَايَتَهُ؛ لأَِنَّهُ عَقْدٌ لِلْعُمْرِ؛ فَتَنْتَهِي نِهَايَتُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْعُمْرِ؛ وَإِذَا انْتَهَى يَتَأَكَّدُ فِيمَا مَضَى وَيَتَقَرَّرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ يَتَقَرَّرُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ فَيَتَقَرَّرُ الْوَاجِبُ؛ وَلأَِنَّ كُلَّ الْمَهْرِ لَمَّا وَجَبَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَصَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ - وَالْمَوْتُ لَمْ يَعْرِفْ مُسْقِطًا لِلدَّيْنِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ - فَلاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْهُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَإِذَا تَأَكَّدَ الْمَهْرُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا قُتِلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ؛ سَوَاءٌ كَانَ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ قَتَلَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ قَدْ بَلَغَ غَايَتَهُ فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ.
وَإِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً لاَ يَسْقُطُ عَنِ الزَّوْجِ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ؛ بَلْ يَتَأَكَّدُ الْكُلُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمَوْتَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَالْمَوْتِ الْمُتَيَقَّنِ فِي تَأْكِيدِ الْمَهْرِ؛ وَذَلِكَ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ يَحْكُمُ الْحُكَّامُ بِمَوْتِهِ.
وَيَتَأَكَّدُ الْمَهْرُ عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ مَا إِذَا قَتَلَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا كُرْهًا فِي زَوْجِهَا؛ أَوْ قَتَلَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُتَزَوِّجَةَ؛ فَلاَ يَسْقُطُ الصَّدَاقُ عَنْ زَوْجِهَا؛ وَقَالُوا: يَبْقَى النَّظَرُ فِي قَتْلِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا هَلْ تُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهَا وَلاَ يَتَكَمَّلُ صَدَاقُهَا أَوْ يَتَكَمَّلُ؟
وَاسْتَظْهَرَ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَكَمَّلُ لَهَا لاِتِّهَامِهَا؛ لِئَلاَّ يَكُونَ ذَرِيعَةً لِقَتْلِ النِّسَاءِ أَزْوَاجَهُنَّ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَصْلِ اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَسَائِلَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَعْرِضِ تَفْصِيلِهِ لِلْمَسْأَلَةِ: هَلاَكُ الْمَنْكُوحَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ لاَ يُسْقِطُ شَيْئًا مِنَ الْمَهْرِ؛ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً؛ سَوَاءٌ هَلَكَتْ بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ.
فَأَمَّا إِذَا هَلَكَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنْ قَتَلَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ؛ فَالنَّصُّ فِي «الْمُخْتَصَرِ»: أَنْ لاَ مَهْرَ؛ وَنَصَّ فِي «الأُْمِّ» فِي الْحُرَّةِ إِذَا قَتَلَتْ نَفْسَهَا: لاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ.
ثُمَّ الْحُرَّةُ إِذَا مَاتَتْ أَوْ قَتَلَهَا الزَّوْجُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا قَطْعًا؛ وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ.وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: مَوْتٌ).
ج - الْخَلْوَةُ
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي يَتَأَكَّدُ بِهَا الْمَهْرُ؛ حَتَّى لَوْ خَلاَ رَجُلٌ بِامْرَأَتِهِ خَلْوَةً صَحِيحَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَالُ الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي النِّكَاحِ تَسْمِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَالُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالْخَلْوَةُ بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ عِنْدَهُمْ إِلاَّ أَنْ يَطُولَ الْمَقَامُ فَيَتَقَرَّرُ الْكَمَالُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْجِهَازَ قَدْ تَغَيَّرَ وَاللَّذَّةُ قَدْ حَصَلَتْ وَدَامَتْ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ فِي ضَبْطِ مُدَّةِ الطُّولِ فَقِيلَ: سَنَةٌ؛ وَقِيلَ: مَا يُعَدُّ طُولاً فِي الْعَادَةِ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: ثُمَّ حَيْثُ قُلْنَا إِنَّ الْخَلْوَةَ بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُقَرِّرُ؛ فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي جَعْلِ الْقَوْلِ قَوْلَهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ إِذَا تَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ لأَِجْلِ التَّقْرِيرِ؛ كَمَا إِذَا خَلاَ بِهَا خَلْوَةَ الْبِنَاءِ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا؛ وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ؛ وَتَثْبُتُ خَلْوَةُ الْبِنَاءِ (خَلْوَةُ الاِهْتِدَاءِ) وَلَوْ بِامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِاتِّفَاقِ الزَّوْجَيْنِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّائِرِ مِنْهُمَا جَرْيًا عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ.
قَالَ الدَّرْدِيرُ: وَإِنْ زَارَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ وَتَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ صُدِّقَ الزَّائِرُ مِنْهُمَا بِيَمِينٍ؛ فَإِنْ زَارَتْهُ صُدِّقَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَلاَ عِبْرَةَ بِإِنْكَارِهِ؛ وَإِنْ زَارَهَا صُدِّقَ فِي نَفْيِهِ وَلاَ عِبْرَةَ بِدَعْوَاهَا الْوَطْءَ؛ لأَِنَّ لَهُ جُرْأَةً عَلَيْهَا فِي بَيْتِهِ دُونَ بَيْتِهَا؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الزَّائِرَ يُصَدَّقُ مُطْلَقًا فِي النَّفْيِ وَالإِْثْبَاتِ؛ فَإِنْ كَانَا مَعًا زَائِرَيْنِ صُدِّقَ فِي نَفْيِهِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ أَنَّ الْخَلْوَةَ لاَ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ وَلاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ؛ وَعَلَى هَذَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى الْخَلْوَةِ وَادَّعَتِ الإِْصَابَةَ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُهَا؛ بَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
وَلِلتَّفْصِيلِ فِي شُرُوطِ الْخَلْوَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرُهَا فِي تَقْرِيرِ الْمَهْرِ (ر: خَلْوَةٌ ف 14 وَمَا بَعْدَهَا).
د - مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ
صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ وَالتَّجَرُّدَ وَالْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ لاَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقَ وَلاَ يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: وَلاَ بِاسْتِدْخَالِ مَنِيٍّ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَتِهِ بِمُبَاشَرَةٍ
فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ وَنَحْوِهَا فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكَمَّلُ بِهِ الصَّدَاقُ فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا أَخَذَهَا فَمَسَّهَا وَقَبَضَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلاً إِذَا نَالَ مِنْهَا شَيْئًا لاَ يَحِلُّ لِغَيْرِهِ؛ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ عُرْيَانَةُ تَغْتَسِلُ أُوجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرَ؛ وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِذَا اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ؛ لأَِنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ فَهُوَ كَالْقُبْلَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِذَلِكَ؛ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ فَيَكُونُ فِي تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُكَمَّلُ بِهِ الصَّدَاقُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا»؛ وَلأَِنَّهُ مَسِيسٌ فَيَدْخُلُ فِي قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)؛ وَلأَِنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِامْرَأَتِهِ فَكُمِّلَ بِهِ الصَّدَاقُ كَالْوَطْءِ.
وَالْوَجْهُ الآْخَرُ: لاَ يُكَمَّلُ بِهِ الصَّدَاقُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (تَمَسُّوهُنَّ) إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ فِي الظَّاهِرِ الْجِمَاعُ؛ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) أَنْ لاَ يُكَمَّلَ الصَّدَاقُ لِغَيْرِ مَنْ وَطِئَهَا؛ وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ تَرَكَ عُمُومَهُ فِيمَنْ خَلاَ بِهَا لِلإِْجْمَاعِ الْوَارِدِ عَنِ الصَّحَابَةِ؛ فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ.
هـ - إِزَالَةُ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ
صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ الزَّوْجُ بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ لَهَا كَمَالَ الْمَهْرِ بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَزَالَهَا بِدَفْعَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى عَلَى الزَّوْجِ وَعَلَى الأَْجْنَبِيِّ نِصْفُ صَدَاقِ مِثْلِهَا.
وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ دُخُولَ صُورَةِ إِزَالَةِ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ فِي الْخَلْوَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ الْبَكَارَةِ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ كَإِصْبَعٍ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْخَلْوَةِ فَلِذَا أَوْجَبَ كُلَّ الْمَهْرِ بِخِلاَفِ إِزَالَتِهَا بِدَفْعَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ حُصُولُهَا فِي غَيْرِ خَلْوَةٍ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ دَفَعَ امْرَأَةً فَسَقَطَتْ عُذْرَتُهَا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا بِذَلِكَ مِنْ صَدَاقِهَا عِنْدَ الأَْزْوَاجِ؛ وَعَلَيْهِ الأَْدَبُ؛ وَكَذَا لَوْ أَزَالَهَا بِإِصْبَعِهِ وَالأَْدَبُ هُنَا أَشَدُّ؛ وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ أَوْ غُلاَمٌ أَوِ امْرَأَةٌ.
هَذَا فِي غَيْرِ الزَّوْجِ؛ وَأَمَّا الزَّوْجُ فَحُكْمُهُ فِي الدَّفْعَةِ مِثْلُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنْ فَارَقَهَا وَلَمْ يُمْسِكْهَا. وَإِنْ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ بِإِصْبَعِهِ فَاخْتُلِفَ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الصَّدَاقُ أَوْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الصَّدَاقُ؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا شَانَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الأَْزْوَاجِ إِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُمْسِكْهَا؟ قَوْلاَنِ؛ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إِنْ أَصَابَهَا بِإِصْبَعِهِ وَطَلَّقَهَا فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلاَ شَيْءَ لَهَا؛ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَافْتَضَّهَا بِهِ فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ كُلُّ الْمَهْرِ؛ وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ مَا شَانَهَا مَعَ نِصْفِهِ؛ وَقِيلَ: إِنْ رُئِيَ أَنَّهَا لاَ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَهْرِ ثَيِّبٍ فَكَالأَْوَّلِ وَإِلاَّ فَكَالثَّانِي. وَمَالَ أَصْبَغُ إِلَى الثَّانِي وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ؛ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَلاَ أَدَبَ عَلَيْهِ. وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ زَوْجِهَا فَعَلَيْهِ الأَْدَبُ وَمَا شَانَهَا؛ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ بَالِغٍ فَلاَ يَتَكَمَّلُ بِوَطْئِهِ الصَّدَاقُ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمَهْرَ لاَ يَسْتَقِرُّ بِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ.
و - وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ مِنَ النِّكَاحِ
اعْتَبَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مِنْهُ مُؤَكِّدًا مِنْ مُؤَكِّدَاتِ الْمَهْرِ؛ حَيْثُ قَالُوا: لَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ طَلاَقًا بَائِنًا بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَجَبَ كَمَالُ الْمَهْرِ الثَّانِي بِدُونِ الْخَلْوَةِ وَالدُّخُولِ لأَِنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَوْقَ الْخَلْوَةِ.
وُجُوبُ نِصْفِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)؛ وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْبَابِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ بَعْدَ هَذَا الاِتِّفَاقِ تَفْصِيلٌ فِي أَحْكَامِ تَنْصِيفِ الْمَهْرِ:
أ - مَوَاضِعُ تَنَصُّفِ الْمَهْرِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: مَا يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ وَنَوْعٌ يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ مَعْنًى وَالْكُلُّ صُورَةً.
أَمَّا النَّوْعُ الأَْوَّلُ: فَهُوَ الطَّلاَقُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ؛ وَالْمَهْرُ دَيْنٌ لَمْ يُقْبَضْ بَعْدُ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ مَعْنًى وَالْكُلُّ صُورَةً فَهُوَ كُلُّ طَلاَقٍ تَجِبُ فِيهِ الْمُتْعَةُ.
وَتَجِبُ الْمُتْعَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الطَّلاَقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ وَلاَ فَرْضَ بَعْدَهُ؛ أَوْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ فِيهِ فَاسِدَةً؛ وَكَذَا فِي الْفُرْقَةِ بِالإِْيلاَءِ وَاللِّعَانِ وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ؛ فَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ تُوجِبُ الْمُتْعَةَ؛ لأَِنَّهَا تُوجِبُ نِصْفَ الْمُسَمَّى فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ؛ وَالْمُتْعَةُ عِوَضٌ عَنْهُ كَرِدَّةِ الزَّوْجِ وَإِبَائِهِ الإِْسْلاَمَ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ اخْتِيَارَ الزَّوْجِ لإِِيقَاعِ الطَّلاَقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ يُوجِبُ تَشْطِيرَ الْمَهْرِ الثَّابِتِ بِتَسْمِيَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالْعَقْدِ صَحِيحَةٍ؛ أَوْ بِفَرْضٍ صَحِيحٍ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي الْمُفَوِّضَةِ؛ وَيَسْتَوِي فِيهِ عَدَدُ الْمُوقَعِ مِنَ الطَّلاَقِ؛ وَأَمَّا إِذَا أَرَادَتِ الزَّوْجَةُ رَدَّ زَوْجِهَا بِعَيْبٍ بِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَطَلَّقَ عَلَيْهِ لاِمْتِنَاعِهِ مِنْهُ؛ أَوْ فَسَخَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ لِعَيْبٍ بِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَإِنَّمَا يَسْقُطُ جَمِيعُ الْمَهْرِ قَبْلَ الْمَسِيسِ بِالْفَسْخِ أَوْ بِاخْتِيَارِهِ رَدَّهَا لِعَيْبِهَا؛ وَفِي اخْتِيَارِهَا لِرَدِّهِ بِعَيْبِهِ خِلاَفٌ لأَِنَّهُ غَارٌّ؛ وَلاَ صَدَاقَ لَهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَتَشَطَّرُ الصَّدَاقُ بِالطَّلاَقِ وَالْخُلْعِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَفِيمَا إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِهِ إِلَيْهَا؛ أَوْ عَلَّقَ طَلاَقَهَا بِدُخُولِ الدَّارِ فَدَخَلَتْ؛ أَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ بِطَلَبِهَا؛ وَبِكُلِّ فُرْقَةٍ تَحْصُلُ لاَ بِسَبَبٍ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ بِأَنْ أَسْلَمَ؛ أَوِ ارْتَدَّ؛ أَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجَةِ الزَّوْجَ وَهُوَ صَغِيرٌ؛ أَوْ أُمُّ الزَّوْجِ أَوِ ابْنَتُهُ الزَّوْجَةَ الصَّغِيرَةَ؛ أَوْ وَطِئَهَا أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ بِشُبْهَةِ وَهِيَ تَظُنُّهُ زَوْجَهَا؛ أَوْ قَذَفَهَا وَلاَعَنَ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبٍ مِنْهَا بِأَنْ أَسْلَمَتْ؛ أَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ فَسَخَتِ النِّكَاحَ بِعِتْقٍ أَوْ عَيْبٍ؛ أَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً أُخْرَى لَهُ صَغِيرَةً؛ أَوْ فَسَخَ النِّكَاحَ بِعَيْبِهَا فَيَسْقُطُ جَمِيعُ الْمَهْرِ؛ وَشِرَاؤُهَا زَوْجَهَا يُسْقِطُ الْجَمِيعَ عَلَى الأَْصَحِّ؛ وَشِرَاؤُهُ زَوْجَتَهُ يُشْطِّرُ عَلَى الأَْصَحِّ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمَهْرَ يَتَنَصَّفُ بِشِرَاءِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا؛ وَفُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِهِ كَطَلاَقِهِ وَخُلْعِهِ - وَلَوْ بِسُؤَالِهَا - وَإِسْلاَمِهِ مَا عَدَا مُخْتَارَاتِ مَنْ أَسْلَمَ؛ وَرِدَّتِهِ وَشِرَائِهِ إِيَّاهَا وَلَوْ مِنْ مُسْتَحِقِّ مَهْرٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَجْنَبِيٍّ - كَرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ - قَبْلَ دُخُولٍ.
ب - كَيْفِيَّةُ تَنَصُّفِ الْمَهْرِ
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الطَّلاَقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ قَدْ يَسْقُطُ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ وَقَدْ يَعُودُ بِهِ إِلَيْهِ النِّصْفُ؛ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ بِهِ مِثْلُ النِّصْفِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ أَوْ مَعْنًى لاَ صُورَةً.
وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنًا؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا؛ وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ.
فَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا سَقَطَ نِصْفُ الْمُسَمَّى بِالطَّلاَقِ
وَبَقِيَ النِّصْفُ؛ وَهَذَا طَرِيقُ عَامَّةِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الطَّلاَقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا يَجِبُ نِصْفٌ آخَرُ ابْتِدَاءً عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتْعَةِ لاَ بِالْعَقْدِ؛ إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الْمُتْعَةَ مُقَدَّرَةٌ بِنِصْفِ الْمُسَمَّى؛ وَالْمُتْعَةُ فِي الطَّلاَقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَإِلَى هَذَا الطَّرِيقِ ذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيُّ؛ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ سَمَّى لَهَا: أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ وَذَلِكَ مُتْعَتُهَا.
وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ حَتَّى وَرَدَ الطَّلاَقُ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ عَيْنًا بِأَنْ كَانَ مُعَيَّنًا مُشَاًا إِلَيْهِ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعْيِينَ كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَسَائِرِ الأَْعْيَانِ فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا إِنْ كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ؛ وَإِمَّا أَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ.
فَإِنْ كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا عَادَ الْمِلْكُ فِي النِّصْفِ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلاَقِ وَلاَ يَحْتَاجُ لِلْعَوْدِ إِلَيْهِ إِلَى الْفَسْخِ وَالتَّسْلِيمِ مِنْهَا؛ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَهْرُ أَمَةً فَأَعْتَقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الْفَسْخِ وَالتَّسْلِيمِ يَنْفُذُ إِعْتَاقُهُ فِي نِصْفِهَا بِلاَ خِلاَفٍ.
وَإِنْ كَانَ مَقْبُوضًا لاَ يَعُودُ الْمِلْكُ فِي النِّصْفِ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلاَقِ وَلاَ يَنْفَسِخُ مِلْكُهَا فِي النِّصْفِ حَتَّى يَفْسَخَهُ الْحَاكِمُ أَوْ تُسَلِّمُهُ الْمَرْأَةُ.
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ.
فَأَمَّا إِذَا زَادَ فَالزِّيَادَةُ لاَ تَخْلُو: إِمَّا أَنْ كَانَتْ فِي الْمَهْرِ أَوْ عَلَى الْمَهْرِ:
فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَهْرِ بِأَنْ سَمَّى الزَّوْجُ لَهَا أَلْفًا ثُمَّ زَادَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ مِائَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا؛ فَلَهَا نِصْفُ الأَْلْفِ وَبَطَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا نِصْفَ الأَْلْفِ وَنِصْفَ الزِّيَادَةِ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ فَالْمَهْرُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ.
فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَالزِّيَادَةُ لاَ تَخْلُو إِمَّا إِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالأَْصْلِ؛ وَإِمَّا إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ.
وَالْمُتَّصِلَةُ لاَ تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْلِ كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ وَالْجَمَالِ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالنُّطْقِ وَانْجِلاَءِ بَيَاضِ الْعَيْنِ وَزَوَالِ الْخَرَسِ وَالصَّمَمِ؛ وَالشَّجَرِ إِذَا أَثْمَرَ؛ وَالأَْرْضِ إِذَا زُرِعَتْ؛ أَوْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ كَالثَّوْبِ إِذَا صُبِغَ؛ وَالأَْرْضِ إِذَا بُنِيَ فِيهَا بِنَاءٌ؛ وَكَذَا الْمُنْفَصِلَةُ لاَ تَخْلُو: أَمَّا إِنْ كَانَتْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْلِ كَالْوَلَدِ وَالْوَبَرِ وَالصُّوفِ إِذَا جُزَّ؛ وَالشَّعَرِ إِذَا أُزِيلَ؛ وَالثَّمَرِ إِذَا جُدَّ؛ وَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ؛ أَوْ كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ كَالأَْرْشِ وَالْعُقْرِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ؛ وَلاَ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدِ كَالْهِبَةِ وَالْكَسْبِ.
فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْلِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدِ فَهِيَ مَهْرٌ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالأَْصْلِ أَوْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ؛ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا يَتَنَصَّفُ الأَْصْلُ وَالزِّيَادَةُ جَمِيعًا بِالإِْجْمَاعِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ تَابِعَةٌ لِلأَْصْلِ لِكَوْنِهَا نَمَاءَ الأَْصْلِ؛ وَالأَْرْشُ بَدَلُ جُزْءٍ هُوَ مَهْرٌ فَلِيَقُومَ مَقَامَهُ؛ وَالْعُقْرُ بَدَلُ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْمَهْرِ. فَإِذَا حَدَثَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ - وَلِلْقَبْضِ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ - فَكَانَ وُجُودُهَا عِنْدَ الْقَبْضِ كَوُجُودِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ؛ فَكَانَتْ مَحِلًّا لِلْفَسْخِ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْلِ: فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالأَْصْلِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ التَّنْصِيفَ؛ وَعَلَيْهَا نِصْفُ قِيمَةِ الأَْصْلِ لأَِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِمَهْرٍ - لاَ مَقْصُودًا وَلاَ تَبَعًا - لأَِنَّهَا لَمْ تَتَوَلَّدْ مِنَ الْمَهْرِ فَلاَ تَكُونُ مَهْرًا فَلاَ تَتَنَصَّفُ؛ وَلاَ يُمْكِنُ تَنْصِيفُ الأَْصْلِ بِدُونِ تَنْصِيفِ الزِّيَادَةِ؛ فَامْتَنَعَ التَّنْصِيفُ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهَا نِصْفُ قِيمَةِ الأَْصْلِ يَوْمَ الزِّيَادَةِ؛ لأَِنَّهَا بِالزِّيَادَةِ صَارَتْ قَابِضَةً لِلأَْصْلِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ حُكِمَ بِالْقَبْضِ.
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً عَنِ الأَْصْلِ فَالزِّيَادَةُ لَيْسَتْ بِمَهْرٍ؛ وَهِيَ كُلُّهَا لِلْمَرْأَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلاَ تَتَنَصَّفُ وَيَنْتَصِفُ الأَْصْلُ؛ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ هِيَ مَهْرٌ فَتَتَنَصَّفُ مَعَ الأَْصْلِ.
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْلِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ التَّنْصِيفَ؛ وَعَلَيْهَا نِصْفُ قِيمَةِ الأَْصْلِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْلِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ التَّنْصِيفَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ وَعَلَيْهَا رَدُّ نِصْفِ قِيمَةِ الأَْصْلِ.
وَقَالَ زُفَرُ: لاَ تَمْنَعُ وَيُنْتَصَفُ الأَْصْلُ مَعَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْلِ فَهِيَ لَهَا خَاصَّةً وَالأَْصْلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا حُكْمُ النُّقْصَانِ: فَحُدُوثُ النُّقْصَانِ فِي الْمَهْرِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ.
فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَلاَ يَخْلُو مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْلِ الْمَهْرِ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ.
وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَهْرِ أَوْ بَعْدَهُ؛ وَالنُّقْصَانُ فَاحِشٌ أَوْ غَيْرُ فَاحِشٍ.
فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ فَاحِشٌ قَبْلَ الْقَبْضِ: فَالْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتِ الْعَبْدَ النَّاقِصَ وَاتَّبَعَتِ الْجَانِيَ بِالأَْرْشِ؛ وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْ وَأَخَذَتْ مِنَ الزَّوْجِ قِيمَةَ الْعَبْدِ يَوْمَ الْعَقْدِ؛ ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ بِضَمَانِ النُّقْصَانِ وَهُوَ الأَْرْشُ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ: فَالْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْهُ وَأَخَذَتْ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْلِ الزَّوْجِ؛ ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ نَاقِصًا وَأَخَذَتْ مَعَهُ أَرْشَ النُّقْصَانِ؛ وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعَقْدِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا جَنَى عَلَى الْمَهْرِ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتِ الْقِيمَةَ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْلِ الْمَهْرِ؛ بِأَنْ جَنَى الْمَهْرَ عَلَى نَفْسِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ: حُكْمُ هَذَا النُّقْصَانِ مَا هُوَ حُكْمُ النُّقْصَانِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ وَفِي رِوَايَةٍ: حُكْمُهُ حُكْمُ جِنَايَةِ الزَّوْجِ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ فَقَدْ صَارَتْ قَابِضَةً بِالْجِنَايَةِ فَجُعِلَ كَأَنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ فِي يَدِهَا؛ كَالْمُشْتَرِي إِذَا جَنَى عَلَى الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا لَهُ كَذَا هَاهُنَا.
هَذَا إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ فَاحِشًا.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ يَسِيرًا فَلاَ خِيَارَ لَهَا كَمَا إِذَا كَانَ هَذَا الْعَيْبُ بِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ أَوْ بِفِعْلِ الْمَهْرِ فَلاَ شَيْءَ لَهَا؛ وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الأَْجْنَبِيِّ تَتْبَعُهُ بِنِصْفِ النُّقْصَانِ وَكَذَا إِذَا كَانَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ.
هَذَا إِذَا حَدَثَ النُّقْصَانُ فِي يَدِ الزَّوْجِ.
فَأَمَّا إِذَا حَدَثَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ فَهَذَا أَيْضًا لاَ يَخْلُو مِنَ الأَْقْسَامِ الَّتِي وَصَفْنَاهَا.
وَإِنْ حَدَثَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ فَاحِشٌ قَبْلَ الطَّلاَقِ فَالأَْرْشُ لَهَا؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَلَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ وَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَيْنِ؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ فَيُمْنَعُ التَّنْصِيفُ كَالْوَلَدِ.
وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ الأَْجْنَبِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَلِلزَّوْجَةِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي الأَْرْشِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَاعْتُبِرَتِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْجَانِي وَأَخَذَ مِنْهُ نِصْفَهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْ حَدَثَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ فَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ الأَْجْنَبِيِّ؛ لأَِنَّهُ جَنَى عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ وَلاَ يَدَ لَهُ فِيهِ فَصَارَ كَالأَْجْنَبِيِّ؛ وَالْحُكْمُ فِي الأَْجْنَبِيِّ مَا وَصَفْنَا.
وَإِنْ حَدَثَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ الطَّلاَقِ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهُ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ مَعَهَا عِنْدَ الْفَسْخِ كَحَقِّهِ مَعَهَا عِنْدَ الْعَقْدِ؛ وَلَوْ حَدَثَ نُقْصَانٌ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهُ نَاقِصًا أَوْ قِيمَتَهُ؛ فَكَذَا حَقُّ الزَّوْجِ مَعَهَا عِنْدَ الْفَسْخِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ وَنِصْفَ الأَْرْشِ؛ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهُ يَوْمَ قُبِضَتْ.
وَكَذَلِكَ إِنْ حَدَثَ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ؛ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهُ وَلاَ شَيْءَ لَهُ مِنَ الأَْرْشِ؛ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ قِيمَتِهِ عَبْدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ زُفَرُ: لِلزَّوْجِ أَنْ يُضَمِّنَهَا الأَْرْشَ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلاَقِ: فَعَلَيْهَا نِصْفُ الأَْرْشِ لأَِنَّ حَقَّ الْفَسْخِ قَدِ اسْتَقَرَّ. وَكَذَلِكَ إِنْ حَدَثَ بِفِعْلِ الْمَهْرِ؛ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا: إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهُ نَاقِصًا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الْقِيمَةِ لأَِنَّا إِنْ جَعَلْنَا جِنَايَةَ الْمَهْرِ كَالآْفَةِ السَّمَاوِيَّةِ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً؛ وَإِنْ جَعَلْنَاهَا كَجِنَايَةِ الْمَرْأَةِ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً أَيْضًا؛ فَلَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً أَيْضًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
هَذَا إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ فَاحِشًا.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ غَيْرَ فَاحِشٍ فَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الأَْجْنَبِيِّ أَوْ بِفِعْلِ الزَّوْجِ لاَ يَتَنَصَّفُ لأَِنَّ الأَْرْشَ يَمْنَعُ التَّنْصِيفَ؛ وَإِنْ كَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِهَا أَوْ بِفِعْلِ الْمَهْرِ أَخَذَ النِّصْفَ وَلاَ خِيَارَ لَهُ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَتَشَطَّرُ الْمَهْرُ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ أَوِ التَّفْوِيضِ إِذَا فُرِضَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَوْ مَا رَضِيَتْ بِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: مَعْنَى التَّشْطِيرِ أَنْ يَرْجِعَ الْمِلْكُ فِي شَطْرِ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الطَّلاَقِ أَوْ يَبْقَى عَلَيْهِ.
ثُمَّ فِي مَعْنَى الصَّدَاقِ فِي التَّشْطِيرِ كُلُّ مَا نَحَلَهُ الزَّوْجُ لِلْمَرْأَةِ أَوْ لأَِبِيهَا أَوْ لِوَصِيِّهَا الَّذِي يَتَوَلَّى الْعَقْدَ؛ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ لأَِجَلِهِ؛ إِذْ هُوَ لِلزَّوْجَةِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ مِمَّنْ جُعِلَ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ: مَا حَدَثَ فِي الصَّدَاقِ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَالزِّيَادَةُ لَهُمَا وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِمَا وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَمَا لاَ يُغَابُ عَلَيْهِ فَخَسَارَتُهُ مِنْهُمَا؛ وَمَا يُغَابُ عَلَيْهِ خَسَارَتُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ إِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِهَلاَكِهِ؛ فَإِنْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ؛ فَاخْتُلِفَ: هَلْ يَضْمَنُهُ مَنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ أَمْ لاَ؟
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّشَطُّرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَفِيهَا أَوْجُهٌ:
الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ بِنَفْسِ الْفِرَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفِرَاقَ يُثْبِتُ لَهُ خِيَارَ الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ؛ فَإِنْ شَاءَ يَمْلِكُهُ وَإِلاَّ فَيَتْرُكُهُ كَالشُّفْعَةِ.
وَالثَّالِثُ: لاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
وَلَوْ طَلَّقَ ثُمَّ قَالَ: أَسْقَطْتُ خِيَارِي. وَقُلْنَا: الطَّلاَقُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ؛ فَقَدْ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ إِلَى احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ كَخِيَارِ الْبَيْعِ؛ وَأَرْجَحُهُمَا: لاَ؛ كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْوَاهِبُ خِيَارَ الرُّجُوعِ.
وَلَمْ يَجْرِ هَذَا التَّرَدُّدُ فِيمَا لَوْ طَلَّقَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهَا كُلَّ الصَّدَاقِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
وَلَوْ زَادَ الْمَهْرُ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَلِلزَّوْجِ كُلُّ الزِّيَادَةِ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ كُلُّ الصَّدَاقِ؛ أَوْ نِصْفُهَا إِذَا عَادَ إِلَيْهِ النِّصْفُ لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِهِ؛ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً أَمْ مُنْفَصِلَةً.
فَإِنْ نَقَصَ الْمَهْرُ بَعْدَ الْفِرَاقِ وَلَوْ بِلاَ عُدْوَانٍ وَكَانَ بَعْدَ قَبْضِهِ فَلِلزَّوْجِ كُلُّ الأَْرْشِ أَوْ نِصْفُهُ.
فَإِنِ ادَّعَتْ حُدُوثَ النَّقْصِ قَبْلَ الطَّلاَقِ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا؛ وَإِنْ فَارَقَ لاَ بِسَبَبِهَا - كَأَنْ طَلَّقَ وَالْمَهْرُ تَالِفٌ - فَلِلزَّوْجِ نِصْفُ بَدَلِهِ مِنْ مِثْلٍ فِي الْمِثْلِيِّ أَوْ قِيمَةٍ فِي الْمُتَقَوِّمِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ بَاقِيًا لأََخَذَ نِصْفَهُ؛ فَإِذَا فَاتَ رَجَعَ بِنِصْفِ بَدَلِهِ كَمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَإِنْ تَعَيَّبَ الْمَهْرُ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الْفِرَاقِ؛ فَإِنْ قَنَعَ الزَّوْجُ بِالنِّصْفِ مُعَيَّبًا فَلاَ أَرْشَ لَهُ؛ كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ؛ وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْنَعِ الزَّوْجُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ سَلِيمًا؛ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَلَهُ مِثْلُ نِصْفِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الرِّضَا بِالْمَعِيبِ فَلَهُ الْعُدُولُ إِلَى بَدَلِهِ.
وَإِنْ تَعَيَّبَ الْمَهْرُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ قَبْضِهَا لَهُ وَقَنَعَتْ بِهِ فَلِلزَّوْجِ نِصْفُهُ نَاقِصًا بِلاَ أَرْشٍ وَلاَ خِيَارٍ.
وَإِنْ صَارَ الْمَهْرُ ذَا عَيْبٍ بِجِنَايَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ؛ وَأَخَذَتِ الزَّوْجَةُ أَرْشَهَا أَوْ عَفَتْ عَنْ أَخْذِهِ فَالأَْصَحُّ أَنَّ لِلزَّوْجِ نِصْفَ الأَْرْشِ مَعَ نِصْفِ الْعَيْنِ لأَِنَّهُ بَدَلُ الْفَائِتِ.
وَالثَّانِي: لاَ شَيْءَ لَهُ مِنَ الأَْرْشِ كَالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الإِْصْدَاقِ كَثَمَرَةٍ وَأُجْرَةٍ تُسَلَّمُ لِلْمَرْأَةِ؛ سَوَاءٌ أَحَدَثَتْ فِي يَدِهِ أَمْ يَدِهَا لأَِنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهَا؛ وَالطَّلاَقُ إِنَّمَا يَقْطَعُ مِلْكَهَا مِنْ حِينِ وُجُودِهِ لاَ مِنْ أَصْلِهِ؛ وَيَخْتَصُّ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ الأَْصْلِ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ فَلاَ يَسْتَقِلُّ الزَّوْجُ بِالرُّجُوعِ إِلَى عَيْنِ النِّصْفِ بَلْ يُخَيِّرُ الزَّوْجَةَ فَإِنْ أَبَتْ رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ بِغَيْرِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ سَمَحَتْ أُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَى الْقَبُولِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبُ الْقِيمَةِ.
وَإِذَا تَغَيَّرَ الصَّدَاقُ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ مَعًا إِمَّا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ: بِأَنْ أَصْدَقَهَا شَجَرَةً فَكَبُرَتْ فَقَلَّ ثَمَرُهَا وَزَادَ حَطَبُهَا؛ وَإِمَّا بِسَبَبَيْنِ: بِأَنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَاعْوَرَّ فَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ؛ وَلِلزَّوْجِ أَنْ لاَ يَقْبَلَ الْعَيْنَ لِنَقْصِهَا وَيُعَدَّلُ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ؛ وَلِلزَّوْجَةِ أَنْ لاَ تَبْذُلَهَا لِزِيَادَتِهَا وَتَدْفَعَ نِصْفَ الْقِيمَةِ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ جَازَ وَلاَ شَيْءَ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ.
وَلَيْسَ الاِعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ؛ بَلْ كُلُّ مَا حَدَثَ وَفِيهِ فَائِدَةٌ مَقْصُودَةٌ فَهُوَ زِيَادَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ.وَقَالُوا: وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الصَّدَاقِ أَوْ لِلزَّوْجِ بِنَقْصِهِ أَوْ لَهُمَا بِهِمَا لَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ النِّصْفَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ الرُّجُوعَ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لأَِحَدِهِمَا؛ وَقَبْلَ أَنْ يَتَوَافَقَا إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَإِنْ قُلْنَا الطَّلاَقُ يُشَطِّرُ الصَّدَاقَ نَفْسَهُ.
وَهَذَا الاِخْتِيَارُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ لَكِنْ إِذَا طَلَبَهُ الزَّوْجُ كُلِّفَتِ الزَّوْجَةُ اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا؛ وَلاَ يُعَيِّنُ الزَّوْجُ فِي طَلَبِهِ عَيْنًا وَلاَ قِيمَةً؛ لأَِنَّ التَّعْيِينَ يُنَاقِضُ تَفْوِيضَ الأَْمْرِ إِلَيْهَا بَلْ يُطَالِبُهَا بِحَقِّهِ عِنْدَهَا؛ فَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ الاِخْتِيَارِ لَمْ تُحْبَسْ وَنُزِعَتْ مِنْهَا الْعَيْنُ؛ فَإِنْ أَصَرَّتْ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الْوَاجِبِ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ: بِيعَ الْجَمِيعُ وَتُعْطَى الزَّائِدَ؛ وَإِنِ اسْتَوَى نِصْفُ الْعَيْنِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ أُعْطِيَ نِصْفَ الْعَيْنِ.
وَمَتَى اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ فِي الْعَيْنِ اسْتَقَلَّ بِهِ.
وَمَتَى وَجَبَ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْمَهْرِ فِي الْمُتَقَوِّمِ لِهَلاَكِ الصَّدَاقِ أَوْ غَيْرِهِ اعْتُبِرَ الأَْقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْمَهْرِ يَوْمَيِ الإِْصْدَاقِ وَالْقَبْضِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَقْبَضَ الصَّدَاقَ الَّذِي تَزَوَّجَ عَلَيْهِ ثُمَّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا مَلَكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ قَهْرًا؛ كَالْمِيرَاثِ إِنْ بَقِيَ فِي مِلْكِهَا بِصِفَتِهِ حِينَ الْعَقْدِ بِأَنْ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ؛ وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي بِصِفَتِهِ النِّصْفَ مِنَ الصَّدَاقِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا مِنْ مُتَنَصَّفٍ.
وَيَمْنَعُ ذَلِكَ بَيْعٌ - وَلَوْ مَعَ خِيَارِهَا - وَهِبَةٌ أُقْبِضَتْ؛ وَعِتْقٌ؛ وَرَهْنٌ؛ وَكِتَابَةٌ؛ لاَ إِجَارَةٌ وَتَدْبِيرٌ؛ وَتَزْوِيجٌ.
فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ قَدْ زَادَ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً رَجَعَ الزَّوْجُ فِي نِصْفِ الأَْصْلِ وَالزِّيَادَةُ لَهَا؛ وَلَوْ كَانَتْ وَلَدَ أَمَةٍ.
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً - وَهِيَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا - خُيِّرَتْ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهِ زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ - إِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا؛ وَغَيْرُ الْمُتَمَيِّزِ لَهُ قِيمَةُ نِصْفِهِ يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْقَبْضِ.
وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لاَ تُعْطِيهِ - أَيْ عَنْ طَرِيقِ وَلِيِّهَا - إِلاَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ نَقَصَ الْمَهْرُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ خُيِّرَ الزَّوْجُ - جَائِزُ التَّصَرُّفِ - بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ إِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا؛ وَغَيْرُ الْمُتَمَيِّزِ يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْقَبْضِ.
وَإِنِ اخْتَارَهُ نَاقِصًا بِجِنَايَةٍ فَلَهُ مَعَهُ نِصْفُ أَرْشِهَا؛ وَإِنْ زَادَ مِنْ وَجْهٍ وَنَقَصَ مِنْ آخَرَ فَلِكُلٍّ الْخِيَارُ؛ وَيَثْبُتُ بِمَا فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ.
وَإِنْ تَلِفَ الْمَهْرُ أَوِ اسْتُحِقَّ بِدَيْنٍ رَجَعَ فِي الْمِثْلِيِّ بِنِصْفِ مِثْلِهِ؛ وَفِي غَيْرِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْمُتَمَيِّزِ يَوْمَ الْعَقْدِ؛ وَفِي غَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْقَبْضِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ ثَوْبًا فَصَبَغَتْهُ؛ أَوْ أَرْضًا فَبَنَتْهَا؛ فَبَذَلَ الزَّوْجُ قِيمَةَ الزَّائِدِ لِيَمْلِكَهُ فَلاَ ذَلِكَ.
وَإِنْ نَقَصَ الْمَهْرُ فِي يَدِهَا بَعْدَ تَنَصُّفِهِ ضَمِنَتْ نَقْصَهُ مُطْلَقًا.
وَمَا قُبِضَ مِنْ مُسَمًّى بِذِمَّةٍ كَمُعَيَّنٍ إِلاَّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي تَقْوِيمِهِ صِفَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ.
وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ
هُنَاكَ حَالاَتٌ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي بَعْضِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ.
أَوَّلاً - التَّفْوِيضُ:
التَّفْوِيضُ ضَرْبَانِ
أ - تَفْوِيضُ بُضْعٍ وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ الإِْطْلاَقُ إِلَيْهِ؛ وَالْمُرَادُ بِهِ: إِخْلاَءُ النِّكَاحِ عَنِ الْمَهْرِ بِأَنْ يُزَوِّجَ الأَْبُ بِنْتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِلاَ مَهْرٍ. أَوْ يُزَوِّجُ الأَْبُ غَيْرَ الْمُجْبَرَةِ بِإِذْنِهَا بِلاَ مَهْرٍ. أَوْ يُزَوِّجُ غَيْرُ الأَْبِ كَأَخٍ مُوَلِّيَتِهِ بِإِذْنِهَا بِلاَ مَهْرٍ؛ سَوَاءٌ سَكَتَ عَنِ الصَّدَاقِ أَوْ شَرَطَ نَفْيَهُ؛ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ؛ وَيَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: (لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمِ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) رَفَعَ سُبْحَانَهُ الْجُنَاحَ عَمَّنْ طَلَّقَ فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ؛ وَالطَّلاَقُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ النِّكَاحِ؛ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِلاَ تَسْمِيَةٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ؛ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَْشْجَعِيُّ فَقَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ مَا قَضَيْتَ بِهِ»؛ وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالاِسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ؛ فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ كَالنَّفَقَةِ؛ وَسَوَاءٌ تَرَكَا ذِكْرَ الْمَهْرِ أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ.
ب - تَفْوِيضُ الْمَهْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ جَعْلُ الْمَهْرِ إِلَى رَأْيِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا كَأَنْ تَقُولَ لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْنِي عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ مَا شِئْتَ أَوْ مَا شِئْتُ أَنَا؛ أَوْ مَا شَاءَ الْخَاطِبُ؛ أَوْ فُلاَنٌ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ تَفْوِيضِ الْمَهْرِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ؛ يُنْظَرُ فِي (تَفْوِيضٌ ف 5 وَمَا بَعْدَهَا؛ وَمُفَوِّضَةٌ).
ثَانِيًا - فَسَادُ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا فَسَدَتْ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ - كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ - يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ؛ فَقَدْ قَالَ الرُّحَيْبَانِيُّ: كُلُّ مَوْضِعٍ لاَ تَصِحُّ فِيهِ التَّسْمِيَةُ؛ أَوْ خَلاَ الْعَقْدُ عَنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُسَلَّمُ إِلاَّ بِبَدَلٍ؛ وَلَمْ يُسَلَّمِ الْبَدَلُ؛ وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْعِوَضِ فَوَجَبَ بَدَلُهُ كَبَيْعِهِ سِلْعَةً بِخَمْرٍ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَصْدَقَهَا مَا لاَ يَجُوزُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: - وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ - أَنَّهُ إِذَا عَقَدَ بِذَلِكَ فُسِخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ.
وَهَلْ فَسْخُهُ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ أَوِ الْوُجُوبِ؟ قَوْلاَنِ.
ثَالِثًا - فَسَادُ النِّكَاحِ:
صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ حَتَّى لاَ يَلْزَمَ الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ؛ إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الدُّخُولُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لَكِنْ بِالْوَطْءِ لاَ بِالْعَقْدِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي إِيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ هُوَ يَوْمُ الْوَطْءِ وَلاَ يُعْتَبَرُ يَوْمُ الْعَقْدِ إِذْ لاَ حُرْمَةَ لِلْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَا فُسِخَ مِنَ الأَْنْكِحَةِ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَلاَ يَكُونُ فَسَادُهُ إِلاَّ لِعَقْدِهِ؛ أَوْ لِعَقْدِهِ وَصَدَاقِهِ مَعًا؛ فَيَجِبُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى لِلْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ حَلاَلاً؛ أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ مَهْرٌ مُسَمًّى كَصَرِيحِ الشِّغَارِ؛ أَوْ كَانَ حَرَامًا كَخَمْرٍ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَقَالُوا: يَسْقُطُ كُلٌّ مِنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ مُخْتَلِفًا فِيهِ؛ وَكَذَا بِالْمَوْتِ إِنْ فَسَدَ النِّكَاحُ لِصَدَاقِهِ مُطْلَقًا أَوْ فَسَدَ لِعَقْدِهِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛ أَوِ اخْتَلَفَ فِيهِ وَأَثَّرَ خَلَلاً فِي الصَّدَاقِ كَالْمُخَلَّلِ؛ فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ كَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَفِيهِ الصَّدَاقُ إِلاَّ نِكَاحُ الدِّرْهَمَيْنِ فَنِصْفُهُمَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِوَطْءٍ وَلَوْ مِنْ مَجْنُونٍ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ إِجْمَاعًا كَنِكَاحِ خَامِسَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ.
رَابِعًا: الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلاَ مَمْلُوكَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ مِرَارًا بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَمْ يَجِبْ إِلاَّ مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ وَلَوْ وَطِئَ بِشُبْهَةٍ فَزَالَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ ثُمَّ وَطِئَ بِشُبْهَةٍ أُخْرَى وَجَبَ مَهْرَانِ.
خَامِسًا - الإِْكْرَاهُ عَلَى الزِّنَا:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ إِكْرَاهِ امْرَأَةٍ عَلَى الزِّنَا .
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ بِمَا إِذَا كَانَ الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ.
وَقَالُوا: يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الإِْكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا بِمُكْرَهَةٍ كُلَّ مَرَّةٍ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ؛ وَلَوِ اتَّحَدَ الإِْكْرَاهُ وَتَعَدَّدَ الْوَطْءُ فَالْوَاجِبُ مَهْرٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ -: الْمُكْرِهُ عَلَى الْوَطْءِ يُحَدُّ؛ وَعَلَيْهِ فَإِذَا أَكْرَهَتِ امْرَأَةٌ رَجُلاً عَلَى الزِّنَا بِهَا فَلاَ صَدَاقَ لَهَا؛ وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُهَا غُرِّمَ لَهَا الصَّدَاقَ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى مُكْرِهِهِ.
وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِالزِّنَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الصَّاحِبَيْنِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْمُكْرِهِ بِالزِّنَا إِذْ لاَ يَخْلُو الْوَطْءُ بِغَيْرِ مِلْكِ الْيَمِينِ عَنْ مَهْرٍ أَوْ حَدٍّ.
وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ: أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا بِامْرَأَةٍ بِمَا يَخَافُ التَّلَفَ فَزَنَى فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لاَ يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ الْمَهْرِ أَصْلاً.
سُقُوطُ الْمَهْرِ
يَسْقُطُ الْمَهْرُ، بِأَسْبَابٍ، مِنْهَا:
أ - الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ قَبْلَ الدُّخُولِ
يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ حَصَلَتْ بِغَيْرِ طَلاَقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ الْخَلْوَةِ تُسْقِطُ جَمِيعَ الْمَهْرِ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لأَِنَّ الْفُرْقَةَ بِغَيْرِ طَلاَقٍ تَكُونُ فَسْخًا لِلْعَقْدِ؛ وَفَسْخُ الْعَقْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ سُقُوطَ كُلِّ الْمَهْرِ؛ لأَِنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ رَفْعُهُ مِنَ الأَْصْلِ وَجَعْلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْفُرْقَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِيَارُ الْبُلُوغِ؛ وَخِيَارُ الْعِتْقِ؛ وَاخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لِعَيْبٍ وَالْعُنَّةُ وَالْخِصَاءُ وَالْخُنُوثَةُ.
وَمَثَّلَ الْحَنَابِلَةُ لِهَذِهِ الْفُرْقَةِ بِاللِّعَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَفَسْخِ الزَّوْجِ النِّكَاحَ لِعَيْبِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَعَكْسِهِ كَكَوْنِ الزَّوْجِ عِنِّينًا أَوْ أَشَلَّ وَنَحْوَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَالشَّافِعِيَّةُ يَتَّفِقُونَ مَعَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَصْلِ سُقُوطِ الْمَهْرِ عِنْدَ حُصُولِ الْفُرْقَةِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا؛ أَوْ عِنْدَ حُصُولِ الْفُرْقَةِ بِسَبَبِهَا؛ إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي تَطْبِيقَاتِ هَذَا الأَْصْلِ إِذْ يَذْكُرُونَ مِنْ أَمْثِلَةِ النَّوْعِ الأَْوَّلِ: إِسْلاَمَ الزَّوْجَةِ بِنَفْسِهَا أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ وَفَسْخَهَا بِعَيْبِهِ؛ أَوْ بِعِتْقِهَا تَحْتَ رَقِيقٍ؛ أَوْ رِدَّتِهَا؛ أَوْ إِرْضَاعِهَا زَوْجَةَ زَوْجِهَا الصَّغِيرَةَ.
وَمِنْ ضِمْنِ أَمْثِلَةِ النَّوْعِ الثَّانِي مِنَ الْفُرْقَةِ: فَسْخُ الزَّوْجِ النِّكَاحَ بِعَيْبِهَا.
أَمَّا الْفُرْقَةُ الَّتِي لاَ تَكُونُ مِنْهَا وَلاَ بِسَبَبِهَا كَالطَّلاَقِ وَإِسْلاَمِ الزَّوْجِ وَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَإِرْضَاعِ أُمَّ الزَّوْجِ لَهَا؛ أَوْ إِرْضَاعِ أُمِّ الزَّوْجَةِ لَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَإِنَّهَا تُنَصِّفُ الْمَهْرَ.
ب - الإِْبْرَاءُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ عَنْ كُلِّ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا فَإِنَّهُ يُسْقِطُهُ كُلَّهُ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ وَالإِْسْقَاطُ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِْسْقَاطِ فِي مَحِلٍّ قَابِلٍ لِلسُّقُوطِ يُوجِبُ السُّقُوطَ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ إِنْ طَلَّقَ زَوْجٌ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ بِالطَّلاَقِ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا؛ - وَالْعَافِي جَائِزُ التَّصَرُّفِ - بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ؛ وَإِنْ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَلِمَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ أَنْ يَعْفُوَ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ؛ وَلاَ يَصِحُّ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ وَالإِْسْقَاطِ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَلُ ذَلِكَ أَصَالَةً؛ وَإِنْ عَفَا غَيْرُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ - زَوْجًا كَانَ الْعَافِي أَوْ زَوْجَةً - صَحَّ الْعَفْوُ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ كُلِّهَا.
وَإِذَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ.
وَإِنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي.
وَلِلتَّفْصِيلِ فِي شُرُوطِ الإِْبْرَاءِ وَأَلْفَاظِهِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهِبَةِ (ر: إِبْرَاءٌ ف 12 وَمَا بَعْدَهَا؛ هِبَةٌ).
ج - الْهِبَةُ:
عَدَّ الْحَنَفِيَّةُ هِبَةَ كُلِّ الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ أَسْبَابِ سُقُوطِ الْمَهْرِ كُلِّهِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْمَهْرَ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنًا؛ وَالْحَالُّ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ وَهَبَتْ كُلَّ الْمَهْرِ أَوْ بَعْضَهُ.
فَإِنْ وَهَبَتْهُ كُلَّ الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا؛ سَوَاءٌ كَانَ الْمَهْرُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا.
وَإِنْ وَهَبَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ: فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ عَيْنًا فَقَبَضَهُ؛ ثُمَّ وَهَبَهُ مِنْهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ بِالطَّلاَقِ قَبْلَ الدُّخُولِ هُوَ نِصْفُ الْمَوْهُوبِ بِعَيْنِهِ وَقَدْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِعَقْدٍ؛ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا؛ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ عَرْضًا فَكَذَلِكَ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ وَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ؛ أَوْ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَقَبَضَتْهُ ثُمَّ وَهَبَتْهُ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا فَقَبَضَتِ الْكُلَّ ثُمَّ وَهَبَتِ الْبَعْضَ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا إِذَا وَهَبَتِ الْكُلَّ فَإِذَا وَهَبَتِ الْبَعْضَ أَوْلَى.
وَإِذَا قَبَضَتِ النِّصْفَ؛ ثُمَّ وَهَبَتِ النِّصْفَ الْبَاقِيَ؛ أَوْ وَهَبَتِ الْكُلَّ؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِرُبُعِ الْمَهْرِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَهَبَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا جَمِيعَ صَدَاقِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ وَكَأَنَّهَا عَجَّلَتْ إِلَيْهِ بِالصَّدَاقِ.
وَلَوْ وَهَبَتْ مِنْهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهُ الرُّبُعُ؛ وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَتْهُ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ أَوْ أَقَلَّ فَلَهُ نِصْفُ مَا بَقِيَ لَهَا بَعْدَ الْهِبَةِ.
وَلَوْ وَهَبَتْهُ لأَِجْنَبِيٍّ فَقَبَضَهُ مَضَى لَهُ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِالنِّصْفِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا صَدَاقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ طَلاَقًا يَمْلِكُ بِهِ نِصْفَ الصَّدَاقِ لَمْ يَخْلُ الصَّدَاقُ الْمَوْهُوبُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا؛ أَوْ دَيْنًا.
فَإِنْ كَانَ عَيْنًا؛ فَسَوَاءٌ وَهَبَتْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ بَعْدَ قَبْضِهِ هَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ بَدَلِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ؛ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ.
وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا لَهَا عَلَى زَوْجِهَا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَأْخُذْ مِنْهُ مَالاً وَلَمْ تَتَحَصَّلْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي طَرْدُ قَوْلَيِ الْهِبَةِ؛ وَلَوْ قَبَضَتِ الدَّيْنَ ثُمَّ وَهَبَتْهُ لَهُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَهِبَةِ الْعَيْنِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ عَيْنًا فَوَهَبَتْهَا لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لأَِنَّهَا عَادَتْ إِلَى الزَّوْجِ بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ فَلاَ تَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهَا بِالطَّلاَقِ؛ كَمَا لَوْ عَادَتْ إِلَيْهِ بِالْبَيْعِ أَوْ وَهَبَتْهَا لأَِجْنَبِيٍّ ثُمَّ وَهَبَتْهَا لَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا إِلاَّ أَنْ تَزِيدَ الْعَيْنُ أَوْ تَنْقُصَ ثُمَّ تَهَبَهَا لَهُ؛ لأَِنَّ الصَّدَاقَ عَادَ إِلَيْهِ وَلَوْ لَمْ تَهَبْهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ وَعَقْدُ الْهِبَةِ لاَ يَقْتَضِي ضَمَانًا وَلأَِنَّ نِصْفَ الصَّدَاقِ تُعَجَّلُ لَهُ بِالْهِبَةِ.
فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ فَإِنْ قُلْنَا لاَ يَرْجِعُ ثَمَّ فَهَاهُنَا أَوْلَى؛ وَإِنْ قُلْنَا يَرْجِعُ ثُمَّ خَرَجَ هَاهُنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ يَرْجِعُ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطُ حَقٍّ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ كَتَمْلِيكِ الأَْعْيَانِ وَلِهَذَا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولٍ.
وَالثَّانِي: يَرْجِعُ لأَِنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ فَهُوَ كَالْعَيْنِ وَالإِْبْرَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ وَلِهَذَا يَصِحُّ بِلَفْظِهَا وَإِنْ قَبَضَتِ الدَّيْنَ مِنْهُ ثُمَّ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَهُوَ كَهِبَةِ الْعَيْنِ لأَِنَّهُ تَعَيَّنَ بِقَبْضِهِ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لاَ يَرْجِعَ لأَِنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ مَا أَصْدَقَهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَيْنًا فَقَبَضَتْهَا ثُمَّ وَهَبَتْهَا أَوْ وَهَبَتْهُ الْعَيْنَ أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنَ الدَّيْنِ ثُمَّ فَسَخَتِ النِّكَاحَ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا كَإِسْلاَمِهَا أَوْ رِدَّتِهَا أَوْ إِرْضَاعِهَا لِمَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ فَفِي الرُّجُوعِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ عَلَيْهَا رِوَايَتَانِ كَمَا فِي الرُّجُوعِ بِالنِّصْفِ سَوَاءٌ.
اقْتِرَانُ الْمَهْرِ بِشَرْطٍ
قَدْ يَقْتَرِنُ الْمَهْرُ بِشَرْطٍ وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - أَنْ يُسَمِّيَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ فِي الْعَقْدِ مَهْرًا أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَيَشْرِطُ فِيهِ مَنْفَعَةً مُبَاحَةً شَرْعًا لِلزَّوْجَةِ؛ أَوْ لأَِحَدِ مَحَارِمِهَا - كَأَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ؛ وَسَمَّى لَهَا ثَلاَثَمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى شَرْطِ أَلاَّ يُسَافِرَ بِهَا؛ أَوْ أَلاَّ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا - فَإِنْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَجَبَ الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لأَِنَّ الزَّوْجَةَ مَا رَضِيَتْ بِمَا دُونَ مَهْرِ مِثْلِهَا إِلاَّ لِتَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ الْمَشْرُوطَةِ لَهَا.
وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مَضَرَّةً لَهَا؛ كَأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا؛ أَوْ مَنْفَعَةً غَيْرَ مُبَاحَةٍ شَرْعًا؛ كَأَنْ يَسْقِيَهَا خَمْرًا؛ أَوْ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لأَِجْنَبِيٍّ عَنْهَا؛ وَجَبَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُبَاحَةٍ لاَ يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهَا؛ وَلاَ يَسْتَحِقُّ بِفَوَاتِهَا الْعِوَضَ؛ وَإِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لأَِجْنَبِيٍّ عَنْهَا تَكُونُ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ؛ فَيَجِبُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ.
ب - أَنْ يُسَمِّيَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ مَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهَا شَرْطًا مَرْغُوبًا فِيهِ كَأَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ؛ وَسَمَّى لَهَا مَهْرًا أَلْفَ دِينَارٍ؛ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا؛ فَإِنْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَجَبَ الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لأَِنَّهُ مَا رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ إِلاَّ لِهَذَا الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ.
ج - أَنْ يُسَمِّيَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ مَهْرًا عَلَى شَرْطٍ؛ وَيُسَمِّيَ لَهَا مَهْرًا آخَرَ عَلَى شَرْطٍ؛ آخَرَ كَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ إِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّمَةً؛ وَعَلَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَعَلِّمَةٍ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: التَّسْمِيَةُ الأُْولَى صَحِيحَةٌ؛ فَإِذَا تَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَجَبَ الْمَشْرُوطُ؛ وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ الثَّانِيَةُ فَغَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لأَِنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ مَحِلًّا؛ لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الأُْولَى الصَّحِيحَةِ؛ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَعَلِّمَةٍ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ لاَ الْمُسَمَّى؛ وَلاَ يَزِيدُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ؛ لِرِضَاهَا بِهِ؛ وَلاَ يَنْقُصُ عَنْ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ لِرِضَاهُ بِهَا.
وَقَالَ الصَّاحِبَانِ: التَّسْمِيَتَانِ صَحِيحَتَانِ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّمَةً وَجَبَ لَهَا الْمُسَمَّى الأَْوَّلُ؛ وَهُوَ أَلْفُ دِينَارٍ؛ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَعَلِّمَةٍ وَجَبَ الْمُسَمَّى الثَّانِي؛ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ؛ لأَِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ؛ وَهَذَا هُوَ الرَّأْيُ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ عَقَدَ بِأَلْفٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ مَثَلاً وَشَرَطَ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَأَلْفَانِ؛ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِلشَّكِّ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ حَالَ الْعَقْدِ فَأَثَّرَ خَلَلاً فِي الصَّدَاقِ؛ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ؛ بِخِلاَفِ تَزَوُّجِهَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ لاَ يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ لاَ يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا؛ أَوْ إِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ بَيْتِ أَبِيهَا أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ تَسَرَّى عَلَيْهَا فَأَلْفَانِ فَصَحِيحٌ إِذْ لاَ شَكَّ فِي قَدْرِهِ حَالَ الْعَقْدِ؛ وَالشَّكُّ فِي الزَّائِدِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسْتَقْبَلِ؛ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَحْصُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالأَْصْلُ عَدَمُهُ؛ فَالْغَرَرُ فِيهِ أَخَفُّ مِنَ الْوَاقِعِ فِي الْحَالِّ؛ وَلاَ يَلْزَمُ الزَّوْجَ الشَّرْطُ وَهُوَ عَدَمُ التَّزَوُّجِ وَالإِْخْرَاجُ؛ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْوَفَاءُ بِهِ إِنْ وَقَعَ؛ وَكُرِهَ هَذَا الشَّرْطُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّحْجِيرِ عَلَيْهِ كَمَا يُكْرَهُ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِهِ فَالشَّرْطُ يُكْرَهُ ابْتِدَاءً؛ فَإِنْ وَقَعَ اسْتُحِبَّ الْوَفَاءُ بِهِ وَكُرِهَ عَدَمُهُ؛ وَلاَ يَلْزَمُهُ الأَْلْفُ الثَّانِيَةُ إِنْ خَالَفَ بِأَنْ أَخْرَجَهَا أَوْ تَزَوَّجَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لأَِبِيهَا أَلْفًا أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا فَالْمَذْهَبُ فَسَادُ الصَّدَاقِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ مَا الْتَزَمَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ؛ وَوُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ فِيهِمَا لِفَسَادِ الْمُسَمَّى؛ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فَسَادُهُ فِي الأُْولَى دُونَ الثَّانِيَةِ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الإِْعْطَاءِ لاَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى لِلأَْبِ.
وَلَوْ شَرَطَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ خِيَارًا فِي الْمَهْرِ فَالأَْظْهَرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ لأَِنَّ فَسَادَ الصَّدَاقِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ لاَ الْمَهْرِ فَلاَ يَصِحُّ فِي الأَْظْهَرِ بَلْ يَفْسُدُ؛ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لأَِنَّ الصَّدَاقَ لاَ يَتَمَحَّضُ عِوَضًا بَلْ فِيهِ مَعْنَى النِّحْلَةِ فَلاَ يَلِيقُ بِهِ الْخِيَارُ؛ وَالْمَرْأَةُ لَمْ تَرْضَ بِالْمُسَمَّى إِلاَّ بِالْخِيَارِ؛ وَالثَّانِي يَصِحُّ الْمَهْرُ أَيْضًا لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَالُ كَالْبَيْعِ فَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ؛ وَالثَّالِثُ يَفْسُدُ النِّكَاحُ لِفَسَادِ الْمَهْرِ أَيْضًا.
وَقَالُوا: لَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنَ الْبَلَدِ وَعَلَى أَلْفَيْنِ إِنْ أَخْرَجَهَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ كَانَ أَبُوهَا حَيًّا وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَ مَيِّتًا؛ لَمْ يَصِحَّ.
نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ؛ لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ فِي الْخُلاَصَةِ: عَلَى الأَْصَحِّ؛ قَالَ الْمِرْدَاوِيُّ: وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ؛ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ دَارِهَا وَعَلَى أَلْفَيْنِ إِنْ أَخْرَجَهَا.
قَبْضُ الْمَهْرِ وَتَصَرُّفُ الزَّوْجَةِ فِيهِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لِلأَْبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ بَالِغَةً؛ وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ بِقَبْضِهِ؛ أَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلاَ شَكَّ فِيهِ لأَِنَّ لَهُ وِلاَيَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا؛ وَأَمَّا الْبَالِغَةُ فَلأَِنَّهَا تَسْتَحْيِي مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ بِنَفْسِهَا كَمَا تَسْتَحْيِي عَنِ التَّكَلُّمِ بِالنِّكَاحِ فَجَعَلَ سُكُوتَهَا رِضًا بِقَبْضِ الأَْبِ كَمَا جُعِلَ رِضًا بِالنِّكَاحِ؛ وَلأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَرْضَى بِقَبْضِ الأَْبِ لأَِنَّهُ يَقْبِضُ مَهْرَهَا فَيَضُمُّ إِلَيْهِ أَمْثَالَهُ فَيُجَهِّزُهَا بِهِ؛ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَكَانَ مَأْذُونًا بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَتِهَا دَلاَلَةً حَتَّى لَوْ نَهَتْهُ عَنِ الْقَبْضِ لاَ يَتَمَلَّكُ الْقَبْضَ وَلاَ يَبْرَأُ الزَّوْجُ؛ وَكَذَا الْجَدُّ يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَإِنْ كَانَتِ ابْنَتُهُ عَاقِلَةً وَهِيَ ثَيِّبٌ فَالْقَبْضُ إِلَيْهَا لاَ إِلَى الأَْبِ؛ وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ بِدَفْعِهِ إِلَيْهَا وَلاَ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَى الأَْبِ؛ وَمَا سِوَى الأَْبِ وَالْجَدِّ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ لَيْسَ لَهُمْ وِلاَيَةُ الْقَبْضِ سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْوَصِيُّ فَلَهُ حَقُّ الْقَبْضِ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً كَمَا يَقْبِضُ سَائِرَ دُيُونِهَا؛ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ حَقُّ الْقَبْضِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَلِيَّ الزَّوْجَةِ الْمُجْبِرَ وَهُوَ الأَْبُ أَوْ وَصِيُّهُ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَوَلِّي قَبْضِ مَهْرِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ مُجْبِرٌ؛ وَكَانَتْ رَشِيدَةً؛ فَهِيَ الَّتِي تَقُومُ بِقَبْضِ مَهْرِهَا؛ أَوْ مَنْ تُوَكِّلُهُ عَنْهَا فِي قَبْضِهِ؛ وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً فَالَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ مَهْرِهَا وَلِيُّ مَالِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْقَاضِي أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ يَقْبِضُ مَهْرَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لِلأَْبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَهَذَا بِلاَ نِزَاعٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ وَلاَ يَقْبِضُ صَدَاقَ ابْنَتِهِ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ إِلاَّ بِإِذْنِهَا إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً؛ فَإِنْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا فَلَهُ قَبْضُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا؛ وَفِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: لاَ يَقْبِضُ إِلاَّ بِإِذْنِهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ وَالثَّانِيَةُ يَقْبِضُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا مُطْلَقًا.
وَلِلْمَرْأَةِ - سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا - وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَهْرِهَا بِكُلِّ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ لَهَا شَرْعًا؛ مَا دَامَتْ كَامِلَةَ الأَْهْلِيَّةِ؛ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي تَصَرُّفِ كُلِّ مَالِكٍ فِي مِلْكِهِ؛ فَلَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ؛ وَتَبِيعَهُ؛ وَتَهَبَهُ لأَِجْنَبِيٍّ أَوْ لِزَوْجِهَا؛ وَلَيْسَ لأَِحَدٍ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ عَلَى تَصَرُّفِهَا؛ كَمَا لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِهَا لِزَوْجِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ؛ وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أَوْ أُمَّهَا؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ لاَ يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ؛ وَلاَ عَلَى إِعْطَائِهِ لِغَيْرِهِ؛ وَيُورَثُ عَنْهَا مَهْرُهَا بِوَصْفِهِ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهَا؛ مَعَ مُرَاعَاةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضِمْنِ وَرَثَتِهَا؛ وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ؛ فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مُعَيَّنًا كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالْمَاشِيَةِ فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ لأَِنَّهُ مِلْكُهَا فَكَانَ لَهَا ذَلِكَ كَسَائِرِ أَمْلاَكِهَا وَنَمَاؤُهُ الْمُتَّصِلُ وَالْمُنْفَصِلُ لَهَا وَزَكَاتُهُ وَنَقْصُهُ وَضَمَانُهُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ؛ إِلاَّ أَنْ يَتْلَفَ الصَّدَاقُ الْمُعَيَّنُ بِفِعْلِهَا فَيَكُونُ إِتْلاَفُهُ قَبْضًا مِنْهَا؛ وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَلَكَتْهُ بِالْعَقْدِ؛ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهَا إِلاَّ بِقَبْضِهِ وَلَمْ تَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فِيهِ إِلاَّ بِقَبْضِهِ كَمَبِيعٍ.
هَلاَكُ الْمَهْرِ وَاسْتِهْلاَكُهُ وَاسْتِحْقَاقُهُ
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا هَلَكَ الْمَهْرُ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ أَوِ اسْتَهْلَكَتْهُ بَعْدَ أَنْ قَبَضَتْهُ فَلاَ تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنَ الْمَهْرِ بَعْدَ دَفْعِهِ إِلَيْهَا.
وَإِذَا اسْتَهْلَكَهُ غَيْرُهَا كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى مَنِ اسْتَهْلَكَهُ؛ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَهْلِكُ الزَّوْجَ أَمْ غَيْرَهُ.
وَأَمَّا إِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الزَّوْجِ؛ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ الزَّوْجَةُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمِثْلِهِ؛ أَوْ قِيمَتِهِ؛ سَوَاءٌ هَلَكَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ فِعْلِ الزَّوْجِ.
وَإِذَا اسْتَهْلَكَهُ أَجْنَبِيٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ؛ وَالزَّوْجَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَضْمِينِ الزَّوْجِ وَتَضْمِينِ الأَْجْنَبِيِّ الْمُسْتَهْلِكِ؛ فَإِنْ ضَمِنَتِ الزَّوْجَ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ بِقِيمَةِ مَا اسْتَهْلَكَهُ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَبَضَتِ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَهَلَكَ بِيَدِهَا فَضَمَانُهُ مِنْهَا؛ أَمَّا لَوْ كَانَ فَسَادُهُ لِعَقْدِهِ وَكَانَ فِيهِ الْمُسَمَّى؛ وَدَخَلَ الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ كَانَ ضَمَانُهَا لِلصَّدَاقِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالصَّحِيحِ سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَوْ كَانَ بِيَدِ الزَّوْجِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الأَْجْهُورِيِّ.
فَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَهْرَ إِنْ تَلِفَ فِي يَدِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى هَلاَكِهِ فَخَسَارَتُهُ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلاَكِهِ فَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ: إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ عَيْنًا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهَا؛ فَتَلِفَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ضَمِنَهَا ضَمَانَ عَقْدٍ لاَ ضَمَانَ يَدٍ؛ وَقِيلَ ضَمَانَ يَدٍ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَ ضَمَانَيِ الْعَقْدِ وَالْيَدِ فِي الصَّدَاقِ؛ أَنَّهُ عَلَى الأَْوَّلِ يَضْمَنُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ وَعَلَى الثَّانِي يَضْمَنُ بِالْبَدَلِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْمِثْلُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا؛ وَالْقِيمَةُ إِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الصَّدَاقُ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا فَلَهَا رَدُّهُ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ؛ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ كَثِيرًا؛ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَحُكِيَ أَنَّهُ لاَ يُرَدُّ بِهِ؛ لأَِنَّهُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ فَرُدَّ بِهِ الصَّدَاقُ كَالْكَثِيرِ؛ وَإِذَا رُدَّ بِهِ فَلَهَا قِيمَتُهُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَنْفَسِخُ بِرَدِّهِ فَيَبْقَى سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ غَصَبَهَا إِيَّاهُ فَأَتْلَفَهُ.
وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مِثْلِيًّا كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَرَدَّتْهُ فَلَهَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ؛ وَإِنِ اخْتَارَتْ إِمْسَاكَ الْمَعِيبِ وَأَخَذَ أَرْشَهُ فَلَهَا ذَلِكَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ تَظُنُّهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا فَلَهَا قِيمَتُهُ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَكَانَتْ لَهَا قِيمَتُهُ كَالْمَغْصُوبِ؛ وَلأَِنَّهَا رَضِيَتْ بِقِيمَتِهِ؛ إِذْ ظَنَّتْهُ مَمْلُوكًا فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ وَجَدَتْهُ مَعِيبًا فَرَدَّتْهُ؛ بِخِلاَفِ مَا إِذْا قَالَ: أَصْدَقْتُكِ هَذَا الْحُرَّ أَوْ هَذَا الْمَغْصُوبَ فَإِنَّهَا رَضِيَتْ بِلاَ شَيْءٍ لِرِضَاهَا بِمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ أَوْ بِمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِهِ إِيَّاهَا فَكَانَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ كَعَدَمِهَا فَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
فَإِنْ أَصْدَقَهَا مِثْلِيًّا فَبَانَ مَغْصُوبًا فَلَهَا مِثْلُهُ لأَِنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِهِ فِي الإِْتْلاَفِ.
وَقَالُوا: إِذَا قَبَضَتِ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ اتَّضَحَ أَنَّ الصَّدَاقَ مَعِيبٌ كَانَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ بَدَلَهُ؛ أَوْ أَرْشَهُ؛ لأَِنَّهَا إِنَّمَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا؛ فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لاِسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ فَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِحْقَاقٌ ف 33).
الاِخْتِلاَفُ فِي الْمَهْرِ
الاِخْتِلاَفُ فِي الْمَهْرِ أَنْوَاعٌ:
أ - الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْلِ التَّسْمِيَةِ.
ب - الاِخْتِلاَفُ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ
ج - الاِخْتِلاَفُ فِي قَبْضِ شَيْءٍ مِنَ الْمَهْرِ.
أ - الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْلِ التَّسْمِيَةِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَنَّهُ سَمَّى مَهْرًا مَعْلُومًا كَأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلاً؛ وَأَنْكَرَ الآْخَرُ حُصُولَ التَّسْمِيَةِ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ؛ فَإِنْ أَقَامَ مُدَّعِي التَّسْمِيَةِ الْبَيِّنَةَ قُضِيَ بِالْمُسَمَّى الَّذِي ادَّعَاهُ؛ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِقَامَتِهَا؛ وُجِّهَتِ الْيَمِينُ بِطَلَبِهِ إِلَى مُنْكِرِ التَّسْمِيَةِ؛ فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ؛ حُكِمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ نُكُولِهِ؛ لأَِنَّهُ بِمَثَابَةِ اعْتِرَافٍ مِنْهُ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي.
وَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ تَسْمِيَةٌ أَصْلاً؛ رُفِضَتْ دَعْوَى التَّسْمِيَةِ؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا؛ وَحِينَئِذٍ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِمَهْرِ الْمِثْلِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ الأَْصْلِيُّ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ؛ وَيُشْتَرَطُ أَلاَّ يَنْقُصَ مَهْرُ الْمِثْلِ عَمَّا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي؛ لِرِضَاهُ بِالْمُسَمَّى الَّذِي ادَّعَاهُ؛ وَأَلاَّ يَزِيدَ عَمَّا ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ؛ إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ لِرِضَاهَا بِمَا ادَّعَتْ تَسْمِيَتَهُ.
وَهَذَا الْحُكْمُ السَّابِقُ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي حَالَةٍ تَسْتَحِقُّ فِيهَا الزَّوْجَةُ الْمَهْرَ كَامِلاً؛ بِأَنْ كَانَتِ الزَّوْجِيَّةُ الصَّحِيحَةُ قَائِمَةً؛ أَوْ حَصَلَتْ فُرْقَةٌ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ مَا يُوجِبُ الْمَهْرَ كَامِلاً مِنْ دُخُولٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ حُكْمِيٍّ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَعْدَ الْفُرْقَةِ؛ وَقَبْلَ الدُّخُولِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا - وَثَبَتَتِ التَّسْمِيَةُ بِالْبَيِّنَةِ؛ أَوْ بِالنُّكُولِ عَنِ الْيَمِينِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ - حَكَمَ الْقَاضِي بِرِفْضِ دَعْوَى التَّسْمِيَةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا؛ فَالْوَاجِبُ الْمُتْعَةُ لأَِنَّهَا تَجِبُ بَعْدَ الطَّلاَقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ؛ عِنْدَ عَدَمِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ فِي الْعَقْدِ؛ وَلأَِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ عَلَى أَلاَّ تَنْقُصَ عَنْ نِصْفِ مَا سَمَّاهُ الزَّوْجُ؛ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي؛ وَأَلاَّ تَزِيدَ عَلَى نِصْفِ الْمَهْرِ الَّذِي تَدَّعِيهِ الزَّوْجَةُ إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ.
وَإِنْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَوَرَثَةِ الآْخَرِ؛ أَوْ بَيْنَ وَرَثَتِهِمَا؛ فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْحُكْمِ فِي الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ وَهَذَا قَوْلُ الصَّاحِبَيْنِ.
وَأَمَّا الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فَيُخَالِفُ صَاحِبَيْهِ فِيمَا إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ وَطَالَ الْعَهْدُ بِمَوْتِ الزَّوْجَيْنِ وَمَوْتِ أَقْرَانِهِمَا؛ وَيَرَى أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِشَيْءٍ إِنْ عَجَزَ وَرَثَةُ الزَّوْجَةِ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُمْ؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِتَقَادُمِ عَهْدِ الْمَوْتِ.
وَإِذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْمِثْلِ؛ لِعَدَمِ تَقَادُمِ عَهْدِ الْمَوْتِ؛ فَالإِْمَامُ وَصَاحِبَاهُ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ بَعْدَ الْيَمِينِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَقَامَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ قُضِيَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ؛ وَإِنْ لَمْ يُقِمِ الْبَيِّنَةَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْعُرْفُ فِي صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ؛ وَعَدَمِهَا مَعَ الْيَمِينِ؛ فَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَفْوِيضًا عِنْدَ مُعْتَادِيهِ؛ وَادَّعَتْ هِيَ التَّسْمِيَةَ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ؛ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ أَوِ الْمَوْتِ؛ أَوِ الطَّلاَقِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ بَعْدَ الْبِنَاءِ؛ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الطَّلاَقِ أَوِ الْمَوْتِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا؛ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَادُ التَّسْمِيَةَ؛ فَالْقَوْلُ لَهَا بِيَمِينٍ؛ وَثَبَتَ النِّكَاحُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الزَّوْجَةَ لَوِ ادَّعَتْ تَسْمِيَةً لِقَدْرٍ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَأَنْكَرَ زَوْجُهَا بِأَنْ قَالَ لَمْ تَقَعْ تَسْمِيَةٌ؛ وَلَمْ يَدَّعِ تَفْوِيضًا؛ تَحَالَفَا فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ حَاصِلَهُ الاِخْتِلاَفُ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ؛ لأَِنَّهُ يَقُولُ: الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ وَهِيَ تَدَّعِي زِيَادَةً عَلَيْهِ؛ وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ؛ لِمُوَافَقَتِهِ لِلأَْصْلِ؛ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ وَلَوِ ادَّعَى تَسْمِيَةً لِقَدْرٍ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَأَنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ ذِكْرَهَا تَحَالَفَا أَيْضًا عَلَى الأَْصَحِّ؛ وَبِالتَّحَالُفِ تَنْتِفِي الدَّعْوَى؛ وَيَبْقَى الْعَقْدُ بِدُونِ تَسْمِيَةٍ؛ وَحِينَئِذٍ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ أَوْ وَرَثَتُهُمَا؛ أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَلِيُّ الآْخَرِ أَوْ وَارِثُهُ فِي تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ بِأَنْ قَالَ: لَمْ نُسَمِّ مَهْرًا؛ وَقَالَتْ: سَمَّى لِي مَهْرَ الْمِثْلِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الأَْصْلَ؛ وَهُوَ الصَّوَابُ - كَمَا قَالَ الْمِرْدَاوِيُّ -؛ وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ إِنْ وُجِدَ مَا يُقَرِّرُهُ؛ فَإِنْ طَلَّقَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ التَّسْمِيَةِ فَهِيَ مُفَوِّضَةٌ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ لأَِنَّهُ الْمُسَمَّى لَهَا لِقَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ.
ب - الاِخْتِلاَفُ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى
إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى بِأَنِ ادَّعَتِ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ أَلْفُ دِينَارٍ؛ وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ؛ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ قُضِيَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ يَشْهَدُ لإِِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ كَانَتْ مَرْجُوحَةً؛ وَالْبَيِّنَةُ الأُْخْرَى رَاجِحَةٌ؛ لأَِنَّ الْبَيِّنَاتِ شُرِعَتْ لإِِثْبَاتِ خِلاَفِ الظَّاهِرِ؛ وَالظَّاهِرُ هُنَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ فَالْبَيِّنَةُ الَّتِي تُخَالِفُهُ رَاجِحَةٌ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا أَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ؛ وَأَقَامَتِ الزَّوْجَةُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَلْفُ دِينَارٍ؛ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ؛ رَجَحَتْ بَيِّنَتُهَا؛ وَحُكِمَ لَهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ؛ وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفَ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ رَجَحَتْ بَيِّنَتُهُ؛ وَحُكِمَ لَهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ.
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ مَهْرُ الْمِثْلِ لإِِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى الزَّوْجُ؛ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ؛ تَهَاتَرَتِ الْبَيِّنَتَانِ؛ وَحُكِمَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ كَانَ الْقَوْلُ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لأَِحَدِهِمَا تَحَالَفَا وَبُدِئَ بِتَحْلِيفِ الزَّوْجِ فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ؛ وَإِنْ حَلَفَا حُكِمَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنَّ الزَّوْجَةَ تَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَالزَّوْجَ يُنْكِرُهَا؛ فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ؛ وَالْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ.
فَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى دَعْوَاهَا قُضِيَ لَهَا بِهَا؛ وَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ إِقَامَتِهَا وَطَلَبَتْ تَحْلِيفَ الزَّوْجِ وُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ؛ فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حُكِمَ لَهَا بِدَعْوَاهَا؛ وَإِنْ حَلَفَ الزَّوْجُ الْيَمِينَ حُكِمَ لَهُ بِالْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَا ادَّعَاهُ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَيُحْكَمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْمَهْرِ كَأَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: عَشَرَةٌ وَتَقُولُ هِيَ: بَلْ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ أَوْ فِي صِفَتِهِ بِأَنْ قَالَتْ: بِدَنَانِيرَ مُحَمَّدِيَّةٍ؛ وَقَالَ: بَلْ يَزِيدِيَّةٌ؛ وَكَانَ اخْتِلاَفُهُمَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الأَْشْبَهِ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الآْخَرُ وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَلاَ فَسْخَ.
وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ أَشْبَهَا مَعًا حَلَفَا إِنْ كَانَا رَشِيدَيْنِ، وَإِلاَّ فَوَلِيُّ غَيْرِ الرَّشِيدِ كُلٌّ عَلَى طِبْقِ دَعْوَاهُ، وَنَفِي دَعْوَى الآْخَرِ، وَفَسْخُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا، وَبَدَأَتِ الزَّوْجَةُ بِالْحَلِفِ لأَِنَّهَا كَالْبَائِعِ وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ.
وَفَسْخُ النِّكَاحِ إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، كَذَهَبٍ وَثَوْبٍ وَفَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ مُطْلَقًا أَشْبَهَا مَعًا أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ لَمْ يُشْبِهَا، إِنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الآْخَرِ، وَإِلاَّ فَلاَ فَسْخَ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَكَانَ الْقَوْلُ لَهَا فِي الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ، كَمَا لَوْ أَشْبَهَ بِالأُْولَى، كَالطَّلاَقِ وَالْمَوْتِ، أَيْ: كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ بَعْدَ الطَّلاَقِ وَالْمَوْتِ أَشْبَهَ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ، فَلاَ يُرَاعَى الشَّبَهُ وَعَدَمُهُ إِلاَّ قَبْلَ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ طَلاَقٍ وَمَوْتٍ
فَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ حَلَفَتِ الزَّوْجَةُ وَكَانَ الْقَوْلُ لَهَا فِيمَا إِذَا تَنَازَعَا بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَ الطَّلاَقِ
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ مَهْرٍ مُسَمًّى كَأَنْ قَالَتْ نَكَحْتَنِي بِأَلْفٍ، فَقَالَ بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ فِي صِفَتِهِ كَأَنْ قَالَتْ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ فَقَالَ بَلْ مُكَسَّرَةٍ تَحَالَفَا، فَتَحْلِفُ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ مَا نَكَحَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَإِنَّمَا نَكَحَهَا بِأَلْفٍ وَيَحْلِفُ الزَّوْجُ أَنَّهُ مَا نَكَحَهَا بِأَلْفٍ وَإِنَّمَا نَكَحَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَيَتَحَالَفُ وَارِثَاهُمَا وَوَارِثٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَالآْخَرُ إِذَا اخْتَلَفَا فِيمَا ذُكِرَ وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَفِي طَرَفِ الإِْثْبَاتِ عَلَى الْبَتِّ، فَيَقُولُ وَارِثُ الزَّوْجِ: وَاللَّهِ لاَ أَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثِي نَكَحَهَا بِأَلْفٍ إِنَّمَا نَكَحَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَيَقُولُ وَارِثُ الزَّوْجَةِ: وَاللَّهِ لاَ أَعْلَمُ أَنَّهُ نَكَحَ مُوَرِّثَتِي بِخَمْسِمِائَةٍ إِنَّمَا نَكَحَهَا بِأَلْفٍ، ثُمَّ بَعْدَ التَّحَالُفِ يُفْسَخُ الْمَهْرُ، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ زَادَ عَلَى مَا ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ إِلاَّ مَا ادَّعَتْهُ، وَلَوِ ادَّعَتْ تَسْمِيَةً لِقَدْرٍ فَأَنْكَرَهَا، وَالْمُسَمَّى أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ تَحَالَفَا فِي الأَْصَحِّ لِرُجُوعِ ذَلِكَ إِلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الْقَدْرِ، لأَِنَّهُ يَقُولُ: الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهِيَ تَدَّعِي زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: لاَ تَحَالُفَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ لِمُوَافَقَتِهِ لِلأَْصْلِ، وَلَوِ ادَّعَى تَسْمِيَةً فَأَنْكَرَتْهَا وَالْمُسَمَّى أَقَلُّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ مَجِيءُ الْوَجْهَيْنِ
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا، وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا لَوِ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْهُ وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ رُدَّتْ إِلَيْهِ بِلاَ يَمِينٍ عِنْدَ الْقَاضِي فِي الأَْحْوَالِ كُلِّهَا
وَقِيلَ: يَجِبُ الْيَمِينُ فِي الأَْحْوَالِ كُلِّهَا
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوِ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ، وَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ فِي قَدْرِهِ
ج - الاِخْتِلاَفُ فِي قَبْضِ جُزْءٍ مِنَ الْمَهْرِ
إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَبْضِ مُعَجَّلِ الْمَهْرِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ الْحَقِيقِيِّ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَجْرِي فِي الْبَلَدِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الزَّوَاجُ بِتَقْدِيمِ مُعَجَّلِ الْمَهْرِ إِلَى الزَّوْجَةِ قَبْلَ أَنْ تُزَفَّ إِلَى زَوْجِهَا فَلاَ تُصَدَّقُ الزَّوْجَةُ فِي إِنْكَارِهَا لأَِنَّ الْعُرْفَ يَقُومُ هُنَا مَقَامَ الْبَيِّنَةِ لِلزَّوْجِ فَتَثْبُتُ دَعْوَاهُ بِالْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى إِثْبَاتٍ آخَرَ.
هَذَا هُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَقَدْ أَخَذَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَخَالَفَهُ فِيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الْعَادَةَ لاَ تُثْبِتُ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الزَّوْجِ بَلْ تَجْعَلُ الظَّاهِرَ مَعَهُ فَقَطْ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطَالِبَهُ بِكُلِّ مَا عَلَيْهِ وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ أَوْفَاهَا مَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ أَوْ يَحْلِفَ الْيَمِينَ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عُرْفٌ يَقْضِي بِدَفْعِ مُعَجَّلِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا كَانَ الْحُكْمُ مَبْنَاهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي قَبْضِ مَا حَلَّ مِنَ الصَّدَاقِ فَقَالَ الزَّوْجُ: دَفَعْتُهُ لَكِ وَقَالَتْ: لَمْ تَدْفَعْهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عِنْدَكَ فَقَبْلَ الْبِنَاءِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا وَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ لَكِنْ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
الأَْوَّلُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعُرْفُ تَأْخِيرَ مَا حَلَّ مِنَ الصَّدَاقِ بِأَنْ كَانَ عُرْفُهُمْ تَقْدِيمَهُ أَوْ لاَ عُرْفَ لَهُمْ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ تَأْخِيرَهُ فَلاَ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بَلْ قَوْلُهَا
الثَّانِي: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَهْنٌ وَإِلاَّ فَالْقَوْلُ لَهَا لاَ لَهُ.
الثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الصَّدَاقُ مَكْتُوبًا بِكِتَابٍ
أَيْ وَثِيقَةٍ وَإِلاَّ فَالْقَوْلُ لَهَا.
الرَّابِعُ: إِنِ ادَّعَى بَعْدَ الْبِنَاءِ دَفْعَهُ لَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنِ ادَّعَى دَفْعَهُ بَعْدَهُ فَقَوْلُهَا وَعَلَيْهِ الْبَيَانُ .
وَأَمَّا التَّنَازُعُ فِي مُؤَجَّلِ الصَّدَاقِ فَالْقَوْلُ لَهَا كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنْ أَنَّ مَنِ ادَّعَى الدَّفْعَ فَلاَ يُبْرِئُهُ إِلاَّ الْبَيِّنَةُ أَوِ اعْتِرَافٌ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ .
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ فَلاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ فَقَالُوا: إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَنْكَرَ صَدَاقَ امْرَأَتِهِ وَادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيمَا يُوَافِقُ مَهْرَ الْمِثْلِ سَوَاءٌ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ وَفَّى لَهَا أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ أَوْ قَالَ: لاَ تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ
وَالاِخْتِلاَفُ بَيْنَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَوَرَثَةِ الآْخَرِ أَوْ بَيْنَ وَرَثَتِهِمَا كَاخْتِلاَفٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَالَ حَيَاتِهِمَا .
د - مَهْرُ السِّرِّ وَمَهْرُ الْعَلَنِ
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ سِرًّا عَلَى مَهْرٍ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ تَعَاقَدَا عَلَنًا عَلَى مَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْعَقْدِ لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ فَالْوَاجِبُ هُوَ مَهْرُ السِّرِّ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا: فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى مَهْرِ السِّرِّ وَأَنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ وَجَبَ مَهْرُ السِّرِّ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ وَوَجَبَ مَهْرُ الْعَلاَنِيَةِ لأَِنَّهُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَهْرِ كَأَنْ سَمَّى فِي الْعَقْدِ عَلاَنِيَةً بَيْتًا لِيَكُونَ مَهْرًا لِلزَّوْجَةِ وَكَانَ قَدْ سَمَّى سِرًّا أَلْفَ دِينَارٍ مَهْرًا فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مَهْرَ الْعَلَنِ لِلسُّمْعَةِ وَأَنَّهُمَا قَدْ تَوَاضَعَا سِرًّا عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ فَالْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لأَِنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَمْ يُذْكَرْ عِنْدَ الْعَقْدِ وَكَذَا مَهْرُ الْعَلَنِ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَيْهِ فَيُرْجَعُ إِلَى الأَْصْلِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوْجُ: اتَّفَقْنَا عَلَى مَهْرِ السِّرِّ وَأَنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ وَجَبَ مَهْرُ السِّرِّ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِقَامَتِهَا وَجَبَ مَهْرُ الْعَلَنِ لِذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ
وَأَمَّا إِذَا تَمَّ الْعَقْدُ سِرًّا عَلَى مَهْرٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ تَعَاقَدَا ثَانِيَةً عَلاَنِيَةً عَلَى مَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فَإِنِ اتَّفَقَا أَوْ أَشْهَدَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلسُّمْعَةِ فَالْمَهْرُ مَا ذُكِرَ عِنْدَ الْعَقْدِ فِي السِّرِّ وَإِنِ اخْتَلَفَا وَلَمْ يَشْهَدَا: فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَكَذَا مُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا أَنَّ الْمَهْرَ الْوَاجِبَ هُوَ مَهْرُ الْعَلاَنِيَةِ لأَِنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي وَهُوَ الظَّاهِرُ وَرَجَّحَ ابْنُ الْهَمَّامِ هَذَا الرَّأْيَ وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْمَهْرَ الْوَاجِبَ هُوَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ سِرًّا لأَِنَّهُ مَقْصِدُ الْعَاقِدَيْنِ وَمَا جَاءَ يُعْتَبَرُ لَغْوًا مَا دَامَ لاَ يُقْصَدُ بِهِ نَقْضُ الأَْوَّلِ، وَرُوِيَ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى صَدَاقٍ بَيْنَهُمَا فِي السِّرِّ وَأَظْهَرَا فِي الْعَلاَنِيَةِ صَدَاقًا يُخَالِفُهُ قَدْرًا أَوْ صِفَةً أَوْ جِنْسًا فَإِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَبَرَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ سَوَاءٌ كَانَ شُهُودُ السِّرِّ هُمْ شُهُودُ الْعَلاَنِيَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ خِلاَفًا لأَِبِي حَفْصِ بْنِ الْعَطَارِ مِنْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ إِعْلاَمِ بَيِّنَةِ السِّرِّ بِمَا وَقَعَ فِي الْعَلاَنِيَةِ كَمَا فِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْهُ فَإِنْ تَنَازَعَا وَادَّعَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُمَا رَجَعَا عَمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ إِلَى مَا أَظْهَرَاهُ فِي الْعَلاَنِيَةِ وَأَكْذَبَهَا الزَّوْجُ كَانَ لَهَا أَنْ تُحَلِّفَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَلَفَ عُمِلَ بِصَدَاقِ السِّرِّ وَإِنْ نَكَلَ عُمِلَ بِصَدَاقِ الْعَلاَنِيَةِ بَعْدَ حَلِفِهَا عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا نَقَلَهُ الْبُنَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَاشِرٍ وَمَحَلُّ حَلِفِ الزَّوْجِ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ صَدَاقَ الْعَلاَنِيَةِ لاَ أَصْلَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ وَالْمُعْتَبَرُ إِنَّمَا هُوَ صَدَاقُ السِّرِّ وَإِلاَّ عُمِلَ بِصَدَاقِ السِّرِّ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ تَوَافَقَ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ أَوِ الزَّوْجَةُ إِذَا كَانَتْ بَالِغَةً عَلَى مَهْرٍ كَانَ سِرًّا كَمِائَةٍ وَأَعْلَنُوا زِيَادَةً كَمِائَتَيْنِ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ مَا عُقِدَ بِهِ اعْتِبَارًا بِالْعَقْدِ لأَِنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ بِالأَْقَلِّ أَمْ بِالأَْكْثَرِ .
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَرَّرَ الْعَقْدَ عَلَى صَدَاقَيْنِ سِرٍّ وَعَلاَنِيَةٍ بِأَنْ عَقَدَ سِرًّا عَلَى صَدَاقٍ وَعَلاَنِيَةً عَلَى صَدَاقٍ آخَرَ أُخِذَ بِالزَّائِدِ سَوَاءٌ كَانَ صَدَاقَ السِّرِّ أَوِ الْعَلاَنِيَةِ لِلُحُوقِ الزِّيَادَةِ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ .
وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ فَلاَ يَلْزَمُنِي إِلاَّ مَهْرٌ وَاحِدٌ وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ بَلْ عَقْدَانِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالأَْوَّلِ وَلَهَا الْمَهْرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَنِصْفُهُ فِي الْعَقْدِ الأَْوَّلِ إِنِ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بِالطَّلاَقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لأَِنَّ الأَْصْلَ عَدَمُ لُزُومِهِ لَهُ، وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إِنْكَارِ جَرَيَانِ عَقْدَيْنِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ سُئِلَتْ فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا فِي النِّكَاحِ الأَْوَّلِ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلاَقًا بَائِنًا ثُمَّ نَكَحَهَا نِكَاحًا ثَانِيًا حَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَحَقَّتْ مَا ادَّعَتْهُ وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يُسْقِطُ نِصْفَ الْمَهْرِ أَوْ جَمِيعَهُ لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ.
وَلَوِ اتَّفَقَا قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَى مَهْرٍ وَعَقَدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ أُخِذَ بِمَا عُقِدَ بِهِ لأَِنَّهَا تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ فَوَجَبَتْ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا اتِّفَاقٌ عَلَى خِلاَفِهَا وَكَعَقْدِ النِّكَاحِ هَزْلاً وَتَلْجِئَةً بِخِلاَفِ الْبَيْعِ .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَفِيَ بِمَا وَعَدَتْ بِهِ وَشَرَطَتْهُ مِنْ أَنَّهَا لاَ تَأْخُذُ إِلاَّ مَهْرَ السِّرِّ لِكَيْلاَ يَحْصُلَ مِنْهَا غُرُورٌ وَلِحَدِيثِ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِم» .
هـ - اخْتِلاَفُ الزَّوْجَيْنِ فِي الْمَقْبُوضِ
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ بَعَثَ إِلَى امْرَأَتِهِ شَيْئًا مِنَ النَّقْدَيْنِ أَوِ الْعُرُوضِ أَوْ مِمَّا يُؤْكَلُ قَبْلَ الزِّفَافِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ جِهَةَ الدَّفْعِ - مَهْرًا أَوْ غَيْرَهُ - فَقَالَتْ: هُوَ هَدِيَّةٌ وَقَالَ: هُوَ مِنَ الْمَهْرِ أَوْ مِنَ الْكِسْوَةِ أَوْ عَارِيَةٌ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ لَهَا أَيْ إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهَا فَإِنْ حَلَفَ وَالْمَبْعُوثُ قَائِمٌ فَلَهَا أَنْ تَرُدَّهُ لأَِنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِهِ مَهْرًا وَتَرْجِعَ بِبَاقِي الْمَهْرِ وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُهَيَّأِ لِلأَْكْلِ كَثِيَابٍ وَشَاةٍ حَيَّةٍ وَسَمْنٍ وَعَسَلٍ وَمَا يَبْقَى شَهْرًا وَالْقَوْلُ لَهَا فِي الْمُهَيَّأِ لِلأَْكْلِ كَخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَشْوِيٍّ لأَِنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَعْطَاهَا مَالاً فَقَالَتْ: أَعْطَيْتَهُ لِي هَدِيَّةً وَقَالَ: بَلْ صَدَاقًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعْطَى مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لأَِنَّهُ أَعْرَفُ بِكَيْفِيَّةِ إِزَالَةِ مِلْكِهِ فَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ: وَقَعَ عَنْهُ وَإِلاَّ فَإِنْ رَضِيَا بِبَيْعِهِ بِالصَّدَاقِ فَذَاكَ وَإِلاَّ اسْتَرَدَّهُ وَأَدَّى لَهَا الصَّدَاقَ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ الْبَدَلُ عَلَيْهَا
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ دَفَعَ الزَّوْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ أَلْفًا أَوْ دَفَعَ إِلَيْهَا عَرَضًا فَقَالَ: دَفَعْتُهُ صَدَاقًا وَقَالَتْ: هِبَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لأَِنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ وَمِثْلُهُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ لَكِنْ إِذَا كَانَ مَا دَفَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَلَهَا رَدُّهُ وَمُطَالَبَتُهُ بِصَدَاقِهَا الْوَاجِبِ لأَِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُعَارَضَةِ بِلاَ بَيِّنَةٍ.
الْجِهَازُ وَمَتَاعُ الْبَيْتِ:
الْمَهْرُ حَقٌّ خَالِصٌ لِلزَّوْجَةِ تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ تَشَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا إِعْدَادُ الْبَيْتِ حَيْثُ لاَ يُوجَدُ نَصٌّ مِنْ مَصَادِرِ الشَّرِيعَةِ يُوجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ أَنْ تُجَهِّزَ بَيْتَ الزَّوْجِيَّةِ كَمَا أَنَّهُ لاَ يُوجَدُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَازَ وَاجِبٌ عَلَى أَبِيهَا وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا قَامَتْ بِالْجِهَازِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْ أَثَاثٍ وَأَدَوَاتٍ فَهِيَ مُتَبَرِّعَةٌ.
وَإِعْدَادُ الْبَيْتِ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِكُلِّ مَا يَلْزَمُ لإِِعْدَادِ مَسْكَنِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ فَرْشٍ وَمَتَاعٍ وَأَدَوَاتٍ مَنْزِلِيَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَيْتُ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ لِلزَّوْجَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الصَّدَاقُ كُلُّهُ مِلْكٌ لِلْمَرْأَةِ وَلاَ يَبْقَى لِلرَّجُلِ فِيهِ شَيْءٌ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا زَادَ الزَّوْجُ فِي الْمَهْرِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ - وَيَقْصِدُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ أَنْ تَقُومَ الزَّوْجَةُ بِإِعْدَادِ الْجِهَازِ - دُونَ أَنْ يَفْصِلَ الزِّيَادَةَ عَنِ الْمَهْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا مَعَ هَذَا تَجْهِيزُ نَفْسِهَا بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لأَِنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلزَّوْجَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا لاَ فِي مُقَابِلِ مَا تُزَفُّ بِهِ إِلَيْهِ مِنْ جِهَازٍ.
أَمَّا إِذَا دَفَعَ لِزَوْجَتِهِ مَالاً فَوْقَ مَهْرِهَا نَظِيرَ إِعْدَادِ الْجِهَازِ فَتَكُونُ الزَّوْجَةُ مُلْزَمَةً بِالْجِهَازِ فِي حُدُودِ مَا دَفَعَهُ زِيَادَةً عَلَى الْمَهْرِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِالْجِهَازِ كَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي اسْتِرْدَادِ مَا أَعْطَى وَإِذَا سَكَتَ الزَّوْجُ بَعْدَ الزِّفَافِ عَنِ الْمُطَالَبَةِ مُدَّةً تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَلاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ حَقًّا خَالِصًا لِلزَّوْجَةِ وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَلاَ تَقْضِيَ مِنْهُ دَيْنًا عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ لِلْمُحْتَاجَةِ أَنْ تُنْفِقَ مِنْهُ وَتَكْتَسِيَ بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْ تَقْضِيَ مِنْهُ الدَّيْنَ الْقَلِيلَ كَالدِّينَارِ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ كَثِيرًا لأَِنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَتَجَهَّزَ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي جِهَازِ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ بِمَا قَبَضَتْهُ مِنَ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ إِنْ كَانَ حَالًّا وَلاَ يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَجَهَّزَ بِأَزْيَدَ مِنْهُ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلاَ يَلْزَمُهَا التَّجْهِيزُ إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ أَوْ عُرْفٌ فَيُتَّبَعُ.
وَعَلَى هَذَا فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِهَازِ زَوْجَتِهِ مَا دَامَ الاِنْتِفَاعُ فِي حُدُودِ الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ .
الْمَهْرُ حَالَ مَرَضِ الْمَوْتِ
فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ وَكَانَ مَدِينًا وَبَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ وَكَانَ غَيْرَ مَدِينٍ.
الْحَالَةُ الأُْولَى: إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ مَدِينًا: فَإِنْ تَزَوَّجَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ جَازَ وَتُحَاصِصِ الزَّوْجَةُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ فِي مَهْرِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَقَدَهَا إِيَّاهُ فِي حَيَاتِهِ فَيُقْسَمُ الْمَالُ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ وَذَلِكَ لأَِنَّ مَهْرَهَا دَيْنٌ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لِدَيْنِ الصِّحَّةِ وَذَلِكَ لِوُجُوبِهِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ لاَ مَرَدَّ لَهَا حَيْثُ إِنَّ النِّكَاحَ لَمَّا جَازَ فِي الْمَرَضِ وَهُوَ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِالْمَهْرِ كَانَ وُجُوبُ الْمَهْرِ ظَاهِرًا مَعْلُومًا لِظُهُورِ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ فَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُهُ مُحْتَمَلاً فَيَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ ضَرُورَةً.
أَمَّا إِذَا نَقَدَهَا مَهْرَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ فَلاَ يُسَلَّمُ لَهَا الْمَنْقُودُ بَلْ يَتْبَعُهَا وَيُشَارِكُهَا فِيهِ غُرَمَاؤُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَتَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ وَذَلِكَ لأَِنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ وَلَوْ سُلِّمَ لَهَا كُلُّ مَهْرِهَا الْمَنْقُودِ لَبَطَلَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ الْبَاقِينَ فِي عَيْنِ الْمَالِ وَفِي مَالِيَّتِهِ لأَِنَّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لاَ يَصْلُحُ لِقَضَاءِ حُقُوقِهِمْ فَصَارَ وُجُودُ هَذَا الْعِوَضِ فِي حَقِّهِمْ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَ إِبْطَالاً لِحَقِّهِمْ وَلَيْسَتْ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْبْطَالِ.
وَلأَِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي تَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ فَالْمَهْرُ بَدَلٌ عَنْ مِلْكِ النِّكَاحِ وَمِلْكُ النِّكَاحِ لاَ يَحْتَمِلُ تَعَلُّقَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ لأَِنَّهُ مَنْفَعَةٌ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَضَى دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ فَلِبَقِيَّتِهِمْ أَنْ يُشَارِكُوهُ فَكَذَا هَذَا.
أَمَّا إِذَا زَادَ الْمَرِيضُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَقَدْ قَالَ الإِْمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ الزِّيَادَاتِ: يُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَرِيضُ مَدِينًا: وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اعْتَبَرُوا الزَّوَاجَ جَائِزًا
مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إِذَا كَانَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لأَِنَّهُ صَرْفٌ لِمَالِهِ فِي حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ فَيُقَدَّمُ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ التَّزَوُّجُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ مُحَابَاةٌ وَهِيَ بَاطِلَةٌ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ لأَِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِلزَّوْجَةِ الْوَارِثَةِ وَالْوَصِيَّةُ لاَ تَجُوزُ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ النِّكَاحِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حَيْثُ جَاءَ فِي الأُْمِّ: وَيَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْكِحَ جَمِيعَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى، أَرْبَعًا وَمَا دُونَهُنَّ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَكِنَّهُمْ فَرَّقُوا فِيمَا يَثْبُتُ لِلزَّوْجَةِ مِنَ الْمَهْرِ بَيْنَ مَوْتِ الزَّوْجَةِ وَمَوْتِ الزَّوْجِ.
فَإِذَا مَاتَتِ الزَّوْجَةُ كَانَ لَهَا جَمِيعُ مَا أَصْدَقَهَا بِهِ، صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنَ الثُّلُثِ كَمَا إِذَا وَهَبَ لأَِجْنَبِيَّةٍ فَقَبَضَتْهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ.
أَمَّا إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَيْنَ مَا إِذَا لَمْ تَكُنْ:
أ - فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَيُنْظَرُ: إِنْ كَانَ أَصْدَقَهَا بِصَدَاقِ الْمِثْلِ جَازَ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَإِنْ زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ فَالزِّيَادَةُ مُحَابَاةٌ.
فَإِنْ صَحَّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ جَازَ لَهَا مَعَ الزِّيَادَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لأَِنَّهُ لَمَّا صَحَّ قَبْلَ مَوْتِهِ كَانَ كَمَنِ ابْتَدَأَ نِكَاحًا وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ بَطَلَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ.
ب - أَمَّا إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَرِثُ كَذِمِّيَّةٍ وَأَمَةٍ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ عِنْدَهُ جَازَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّهَا غَيْرُ وَارِثٍ وَلَوْ أَسْلَمَتِ الذِّمِّيَّةُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ عَتَقَتِ الأَْمَةُ قَبْلَهُ فَصَارَتْ وَارِثًا بَطَلَ عَنْهَا مَا زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا تَزَوَّجَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِمَهْرٍ يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَفِي الْمُحَابَاةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ
الْوَرَثَةِ لأَِنَّهَا عَطِيَّةٌ لِوَارِثِ وَالثَّانِيَةُ: تَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُهُ أَنَّ الإِْرْثَ الْمُقَارِنَ لِلْعَطِيَّةِ لاَ يَمْنَعُ نُفُوذَهَا كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الزَّوْجَةَ مَلَكَتْهَا فِي حَالِ مَلَكَ الزَّوْجُ الْبُضْعَ، وَثُبُوتُ الإِْرْثِ مُتَرَتِّبٌ عَلَى ذَلِكَ
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ صَحِيحَةً وَبَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ الصَّحِيحُ مَرِيضَةً وَبَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ مَرِيضَةً مِثْلَهُ.
الْحَالَةُ الأُْولَى: إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ صَحِيحَةً فَقَدْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَوْتِهِ قَبْلَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ مَوْتِهِ بَعْدَهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ فَسْخِهِ فَلَهَا الأَْقَلُّ مِنَ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى وَصَدَاقُ الْمِثْلِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.
أَمَّا إِذَا مَاتَ بَعْدَ فَسْخِهِ فَيُنْظَرُ: إِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ فَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَبَعْدَ
الدُّخُولِ كَانَ لَهَا الْمُسَمَّى تَأْخُذُهُ مِنْ ثُلُثِهِ مُبَدَّأً إِنْ مَاتَ وَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ صَحَّ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا تَزَوَّجَتِ الْمَرِيضَةُ صَحِيحًا فَلَهَا مَهْرُهَا الْمُسَمَّى مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سَوَاءٌ زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ أَمْ لاَ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا وَمِثْلُ الدُّخُولِ مَوْتُهُ أَوْ مَوْتُهَا قَبْلَ الْفَسْخِ وَالدُّخُولِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ مَرِيضَةً مِثْلَهُ: فَيَغْلِبُ جَانِبُ الزَّوْجِ وَيَكُونُ حُكْمُ الْمَهْرِ فِيهَا حُكْمَ مَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ فَقَطْ هُوَ الْمَرِيضُ.