4 – دعوى النسب
4 - دعوى النسب
لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة آتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها ، ولا لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة.
المـذكرة الإيضـاحية
بناء على الأحكام الواجب تطبيقها الأن يثبت نسب ولد الزوجة فى أى وقت أتت به مهما تباعد الزوجان فيثبت نسب ولد زوجة مشرقية من زوج مغربى عقد الزواج بينهما مع إقامة كل فى جهته دون أن يجتمعا من وقت العقد إلى وقت الولادة اجتماعا تصح معه الخلوة وذلك بناء على مجرد جواز الاجتماع بينهما عقلاً.
كذلك يثبت نسب ولد المطلقة بائناً إذا أتت به لأقل من سنتين من وقت الوفاة.
ويثبت ولد المطلقة رجعياً فى أى وقت أتت به من وقت الطلاق ما لم تقر بانقضاء العدة . والعمل بهذه الأحكام مع شيوع فساد فى الذمم وسوء الأخلاق أدى إلى الجرأة على ادعاء نسب أولاد غير شرعيين وتقدمت بذلك شكاوى عديدة .
ولما كان رأى الفقهاء فى ثبوت النسب مبنيا على رأيهم فى أقصى مدة الحمل ولم يبنى أغلبهم رأيه ذلك إلا على أخبار بعض النساء بأن الحمل مكث كذا سنين والبعض الآخر كأبى حنيفة بنى رأيه فى ذلك على أثر ورد من السيدة عائشة يتضمن أن أقصى مدة الحمل سنتان وليس فى أقصى مدة الحمل كتاب ولا سنة . فلم تر الوزارة مانعاً من أخذ رأى الأطباء فى المدة التى يمكثها الحمل فأفاد الطبيب الشرعى بأنه يرى أنه عند التشريع يعتبر أقصى مدة الحمل 365 يوماً يشمل جميع الأحوال النادرة .
وبما أنه يجوز شرعاً لولى الأمر أن يمنع قضائه من سماع بعض الدعاوى التى يشاع فيها التزوير والاحتيال ودعوى نسب ولد بعد مضى سنة من تاريخ الطلاق بين الزوجين أو وفاة الزوج وكذا دعوى نسب ولد من زوج لم يتلاق مع زوجته فى وقت ما ظاهر فيه الاحتيال والتزوير لذلك وضعت المادة 15 من مشروع القانون .
1- من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية أن النسب يثبت بالفراش. وفي قيام الزوجية الصحيحة إذا أتى الولد لستة أشهر على الأقل من وقت الزواج وكان يتصور الحمل من الزوج بأن كان مراهقا أو بالغا, ثبت نسب الولد من الزوج بالفراش دون حاجة إلى إقرار أو بينة, وإذا نفاه الزوج فلا ينتفي إلا بشرطين: أولهما: أن يكون نفيه وقت الولادة, وثانيهما: أن يلاعن امرأته, فإذا تم اللعان بينهما مستوفيا لشروطه فرق القاضي بينهما, ونفى الولد عن أبيه وألحقه بأمه. والأصل فى النسب الاحتياط فى ثبوته ما أمكن فهو يثبت مع الشك, وينبني على الاحتمالات النادرة التي يمكن تصورها بأي وجه حملا لحال المرأة على الصلاح وإحياء للولد.
(الطعن رقم 468 لسنة 65 جلسة 2001/11/24 س 52 ع 2 ص 1126 ق 220)
2- من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية أن الولد للفراش ، واختلفوا فيما تصير به المرأة فراشاً على ثلاثة أقوال أحدها أنه نفس العقد وإن لم يجتمع الزوج بها أو طلقها عقيبه فى المجلس والثانى أنه العقد مع إمكان الوطء ، والثالث أنه العقد مع الدخول الحقيقى لا إمكانه المشكوك فيه ، والقول بأن معنى التلاقى هو الاتصال الجنسى يؤدى إلى أن الفراش لا يثبت إلا بالدخول الحقيقى وهو ما لم يقصده المشرع بالمادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929 لأن مفاد هذا النص أنه اختار الرأى الثانى ، بما يدل على أن المناط فيما تصير به المرأة فراشاً إنما هو العقد مع إمكان الوطء بصرف النظر عن تحقق الدخول أو عدم تحققه أو الاتصال الجنسى الفعلى .
(الطعن رقم 176 لسنة 63 جلسة 1997/07/07 س 48 ع 2 ص 1060 ق 201)
3- إذ أقام الحكم المطعون فيه قضاءه على ما أورده بأسبابه من أن إبرام عقد الزواج فى وقت لاحق على الحمل دليل على ثبوت النسب لوثوق الطاعن بأن الحمل كان نتيجة معاشرته للمطعون ضدها معاشرة الأزواج قبل العقد فيكون العقد تصادقاً على زوجية قائمة بما مفاده أن الحمل منه ، وكانت هذه الأسباب لا تؤدى إلى ثبوت النسب ، ذلك أن المعاشرة لا تعتبر وحدها دليلاً شرعياً على قيام الزوجية والفراش الذى يثبت به النسب ، كما أن عقد الزواج فى وقت لاحق على المعاشرة لا يدل فى ذاته على قيام زوجية صحيحة قبل هذا العقد ولا يفيد ثبوت نسب ولد كان نتيجة علاقة سابقة على تاريخ العقد كما ذهب الحكم ، ومن ثم فإن الحكم يكون مشوباً بالفساد فى الاستدلال جره إلى الخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 69 لسنة 63 جلسة 1997/06/23 س 48 ع 2 ص 942 ق 182)
4- إن دعوى النسب بعد وفاة المورث لا يمكن رفعها إستقلالا بالنسب وحده بل يجب أن تكون ضمن دعوى حق فى التركة يطلبه المدعى مع الحكم بثبوت النسب، مما ينبنى عليه إن إختصاص المحكمة بالنظر فى الدعوى الإرث بالنسبة لغير المسلمين يستتبع ضمناً إختصاصها بدعوى النسب عملاً بقاعدة أن قاضى الأصل هو قاضى الفرع فلا مجال للقول بفصل دعوى النسب عن دعوى الميراث وأن أحكام الشريعة الإسلامية والتقنينات المستمدة منها تسرى على جميع المصريين مسلمين أو غير مسلمين فى شأن الموارث ومنها تعيين الورثة وتحديد انصبائهم فإن الحكم المطعون فيه طبق أحكام الشريعة الإسلامية على دعوى النسب التى أقيمت بالتبعية لدعوى الحق بغية تعيين الورثة وتحديد انصبائهم فإنه لا يكون قد خالف القانون.
(الطعن رقم 68 لسنة 58 جلسة 1993/02/23 س 44 ع 1 ص 709 ق 116)
5- إن النسب يثبت بالفراش الصحيح وهو الزواج الصحيح وملل اليمين وما يلحق به وهو المخالطة بناء على عقد فاسد أو بشبهه، وكانت الطاعنة قد تمسكت أمام محكمتى الموضوع بدرجتيها بأن المطعون ضده راجعها وأن هناك زواج فاسد أو بشبهة تم بينهما وأن الصغيرتين كانتا ثمرة هذا الزواج ودللت على ذلك بالمستندات إلا أن الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه قضى بنفي نسب الصغيرتين للمطعون ضده، وأجتزأ القول " بأن الطاعنة أتت بالطفلة بتاريخ 1985/5/2 وبالطفلة فى 1978/3/24وذلك بعد طلاقها الحاصل فى 1983/2/5 وكانت المادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929 قد نصت على أن لا يثبت نسب ولد المطلقة إذا أتت به لأكثر من سنه من وقت الطلاق كما لم يثبت تلاقى المطعون ضده بالطاعنة فى ظل الزواج الصحيح " دون أن يعرض لدفاع الطاعنة ومستنداتها رغم لها من دلالة فى ثبوت نسب الصغيرتين وهو دفاع جوهري يتأثر به لو صح وجه الرأي فى الدعوى فإن إغفال المحكمة الرد على هذا الدفاع وما ساقته الطاعنة من أدلة عليه من شأنه تعييب الحكم بالقصور فى التسبيب.
(الطعن رقم 29 لسنة 61 جلسة 1992/09/15 س 43 ع 2 ص 1077 ق 218)
6- الدخول مع العقد على من هى فى عصمة آخر مع العلم بذلك ، لا يثبت به نسب الولد من أبيه لأنه لقاء جنسى محرم شرعاً بغير شبهة حل ، و تقدير توافر هذا العلم من مسائل الواقع التى يستقل قاضى الموضوع ببحث دلائلها والموازنة بينها وترجيح ما يطمئن إليه منها وإستخلاص ما يقتنع به مادام يقيم حكمة على أسباب سائغة من شأنها أن تؤدى إلى النتيجة التى ينتهى إليها .
(الطعن رقم 20 لسنة 55 جلسة 1986/05/27 س 37 ع 1 ص 608 ق 127)
7- القاعدة فى إثبات النسب أنه إذا إستند إلى زواج صحيح أو فاسد فيجب لثبوته أن يكون الزواج ثابتاً لا نزاع فيه سواء كان الإثبات بالفراش أو بالإقرار أو بالبينة الشرعية و هى على من أدعى بل أن البينة فى هذا المجال أقوى من مجرد الدعوى أو الإقرار ولا يشترط لقبولها معاينة واقعة الولادة أو حضور مجلس العقد وإنما يكفى أن تدل على توافر الزواج أو الفراش بمعناه الشرعى .
(الطعن رقم 100 لسنة 55 جلسة 1986/05/27 س 37 ع 1 ص 582 ق 121)
8- الإقرار إذا صدر أمام القضاء فى دعوى متعلقة بالواقعة التى حصل عنها الإقرار هو إقرار قضائى حجة على المقر ويتعين على القاضى أن يأخذ به ويحكم بمقتضاه أما الإقرار الذى صدر فى دعوى أخرى لا تتعلق بموضوع الإقرار فلا يعتبر إقراراً قضائياً ويخضع لتقدير القاضى الذى يجوز له تجزئته ، كما أن له مع تقدير الظروف التى صدر فيها أن يعتبروه دليلاً كاملاً أو مجرد قرينة أو لا يأخذ به أصلاً .
(الطعن رقم 60 لسنة 55 جلسة 1986/05/27 س 37 ع 1 ص 595 ق 124)
9- نسب الولد و أن صح ثبوته من المرأة التى تقر بأمومتها له متى لم تكن له أم معروفة وكان ممن يولد لمثله وصادقها المقر له على أقرارها وأن كان فى سن التمييز دون توقف على شيء أخر ودون حاجة إلى إثبات ، سواء كانت الولادة من زواج صحيح أو فاسد أو من وطأ بشبهة أو من غير زواج شرعى كالسفاح إذ ولد الزنا يثبت نسبه من الأم بخلاف الأب . إلا أن ذلك مشروط بألا تكون المرأة ذات زوج أو معتدة لأن إقرارها عندئذ يكون قاصر الأثر عليها ولا يتعداها إلى الغير ، أما إذا كانت وقت الإقرار متزوجة أو معتدة أو أقرت بالولد ونسبته إلى من كان زوجاً لها فإن النسب لا يثبت بإقرارها لما فيه من تحميل النسب على الغير وهو الزوج ويتعين لثبوته أن يصادقها الزوج وإلا وجبت أقامة الحجة كاملة على مدعاها لأن الإقرار متى حمل النسب فيه على الغير يكون دعوى مجردة أو شهادة مفردة . والدعوى المجردة لاتكفى للقضاء بموجبها كما أن شهادة الفرد فيما يطلع عليه الرجال لا تقبل .
(الطعن رقم 30 لسنة 53 جلسة 1986/01/28 س 37 ع 1 ص 162 ق 39)
10- النص فى المادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أنه لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد المطلقة إذا أتت به لأكثر من سنة من تاريخ الطلاق إنما تندفع به الدعوى التى يكون فيها الزواج السابق سبباً لثبوت نسب الولد لما أفاد به الطبيب الشرعى - وعلى ما ورد بالمذكرة الإيضاحية - من إعتبار أقصى مدة للحمل 365 يوماً حتى تشمل جميع الأحوال النادرة مما مقتضاه عدم سريان حكم النص على دعوى نسب الولد الذى أتى به بعد الطلاق من فراش صحيح لاحق عليه ويثبت به النسب شرعاً وهو الزواج و ملك اليمين وما يلحق به و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو شبهه .
(الطعن رقم 65 لسنة 54 جلسة 1985/03/26 س 36 ع 2 ص 504 ق 105)
11- الحكم المطعون فيه عول فى قضائه بثبوت نسب الصغير إلى الطاعن رغم إنكار ولادتها على ما تضمنه تقرير الطبيب المنتدب من أن المطعون عليها ليست عقيماً وأنه سبق لها الحمل والولادة وما أورده طبيب الوحدة الصحية فى تقريره من أن المذكورة كانت حاملاً وظلت تتردد على الوحدة للعلاج حتى تاريخ الوضع وما جاء بالشهادة الإدارية الموقع عليها من بعض رجال الإدارة تأييداً لما تضمنه تقرير طبيب الوحدة الصحية ، وهى مجرد قرائن إن صلحت لإثبات حل المطعون عليها إلا أنها لا تقوم به الحجة الشرعية على ولادتها الصغيرة المدعى نسبها فإن الحكم المطعون فيه إذ إكتفى بهذه القرائن لإثبات الولادة المتنازع فيها دون أن تتوافر عليها البينة الشرعية يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 50 لسنة 51 جلسة 1982/11/23 س 33 ع 2 ص 1034 ق 186)
12- مفاد نص المادة الخامسة عشرة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية ، أن المشرع الوضعى منع سماع دعوى النسب لأى معتدة من طلاق إن جاءت بولد لأكثر من سنة شمسية من وقت الطلاق أخذاً بأن الطب الشرعى - وعلى ما أوردته المذكرة الإيضاحية - يعتبر أقصى مدة للحمل 365 يوماً حتى تشمل جميع الأحوال النادرة ، لما كان ما تقدم وكان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه على أن المطعون عليها أقرت بما يفيد أنها طهرت من الوضع وأنها أصبحت حرثاً لزوجها وصالحة لمعاشرته بعده ، وأنها إذ طلقت طلقة رجعية فى 1970/12/7 دون أن تقر بإنقضاء عدتها منه ، وكانت ولادتها للصغيرة ثابتة الوقوع فى 1971/8/12 أى لأقل من سنة - وقت الطلاق الرجعى ، ورتب على ذلك أن نسبة الصغيرة للطاعن تكون ثابتة ، فإن هذا الذى خلص إليه الحكم لا ينطوى على مخالفة للقانون لإحتمال أن بدء الحمل كان قبل الطلاق والمطعون عليها على عصمته أو أنه كان بعده وهى فى عدته .
(الطعن رقم 30 لسنة 46 جلسة 1978/03/01 س 29 ع 1 ص 658 ق 129)
13- الإقرار كما يكون باللفظ الصريح يجوز - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن يستفاد من دلالة التعبير ، أو من السكوت فى بعض المواضع التى يعتبر الساكت فيها مقراً بالحق بسكوته إستثناء من قاعدة ألا ينسب لساكت قول ومنها سكوت الوالد بعد تهنئة الناس له بالولد بعد ولادته ، فقد إعتبر سكوته فى هذه الحالة إقراراً منه بأنه إبنه فليس له أن ينفيه بعد ذلك ، وكان ما أورده الحكم المطعون فيه فى مقام التدليل على ثبوت نسب المطعون عليها من أمها المتوفاه يتفق وصحيح القواعد الشرعية المعمول بها فى فقه الحنفية ذلك أنه حصل فى ظروف قيد ميلادها بإعتبارها إبنة المتوفاه ، وتقديم الأخيرة طلبها لإستخراج صورة من هذا القيد فى اليوم التالى لإجرائه وتسلمها المستخرج موضحاً به أنها والدة البنت المقيدة وعدم إعتراضها على ذلك ، إقرار المتوفاه بأمومتها للمطعون عليها ، وهو تحصيل صحيح شرعاً لجواز الإستدلال على ثبوت البنوة بالسكوت المفصح عن الإقرار به .
(الطعن رقم 17 لسنة 46 جلسة 1978/02/22 س 29 ع 1 ص 568 ق 111)
14- يقصد بالتبنى إستلحاق شخص معروف النسب أو مجهول مع التصريح بأنه يتخذه ولداً مع أنه ليس بولد حقيقى ، ولئن كان يعد حراماً وباطلاً فى الشريعة الإسلامية ولا يترتب عليه أى حكم من الأحكام الشرعية الثابتة ، إلا أن المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن النسب يثبت بالدعوة وهى الإقرار المجرد بالنسب مما ينطوى عليه من إعتراف ببنوة الولد وأنه يخلق من مثله سواء كان صادقاً فى الواقع أم كاذباً ، فيثبت لهذا الولد عند ذاك شرعاً جميع أحكام البنوه إعتباراً بأنه إنه كان كاذباً وقع عليه إثم الإدعاء ، ويصح النسب بهذا الطريق طالما لم يقرن به وجهه حتى ولو كانت الظواهر تكذبه ، ولا يحول دون ذلك ورود الإقرار الصريح أو الضمنى لاحقاً على التبنى المدعى به لما يتم عنه من رغبة المقر فى تصحيح الأوضاع ما دام لم يبين وقت إقراره سبب هذه البنوة فيفرض أن المتوفاه قد تسلمت المطعون عليها من المستشفى بقصد التبنى فلا يشكل ذلك تناقضاً ، ومن الميسور التوفيق بين الكلامين طالما لم يثبت نسبها إلى أخرى .
(الطعن رقم 17 لسنة 46 جلسة 1978/02/22 س 29 ع 1 ص 568 ق 111)
15- لئن كان الحكم المطعون فيه قد إعتبر مجرد مساكنة المطعون عليها للطاعن دليلاً على الفراش وثبوت النكاح بينهما و إعتد بها كشهادة عيانية بالإرتباط الزوجى وكان فى ذلك مخالفاً للقواعد الشرعية إلا أنه كان يبين من مدوناته أنه إستند فيما إستند إليه فى قضائه بثبوت النسب الصغير إلى البينة الشرعية وكان الحكم المطعون فيه وفى نطاق سلطته الموضوعية فى الترجيح بين البينات وإستظهار واقع الحال ووجه الحق فيها قد إنتهى بأسباب سائغة إلى ترجيح بينة المطعون عليها على بينة الطاعن ثم ساندها بقرينة إستمدها من وجود الولد مع الطاعن و المطعون عليها ، وكانت هذه الدعامة تكفى وحدها لحمل قضاء الحكم فإنه لا يعيبه ما يزيد فيه من إثبات النسب بالفراش .
(الطعن رقم 3 لسنة 45 جلسة 1976/12/29 س 27 ع 2 ص 1834 ق 336)
16- النسب كما يثبت بالفراش والإقرار يثبت بالبينة ، فإذا إدعت إمراة على رجل أنها ولدت منه ولم تكن فراشاً له فلها إثبات مدعاها بالبينة المكاملة أى بشهادة رجلين عدلين أورجل وإمرأتين عدول والبينة فى هذه المجال أقوى من مجرد الدعوى أوالإقرار ، والشهادة المنصبة على النسب لا يشترط فيها معاينة واقعة الولادة أو حضور مجلس العقد إن كان .
(الطعن رقم 3 لسنة 45 جلسة 1976/12/29 س 27 ع 2 ص 1834 ق 336)
17- لئن كان ثبوت النسب حقاً أصلياً للأم لتدفع عن نفسها تهمة الزنا أو لأنها تعير بولد ليس له أب معروف ، فهو فى نفس الوقت حق أصلى للولد لأنه يرتب له حقوقاً بينها المشرع و القوانين الوضعية كحق النفقة والرضاع والحضانة والإرث ويتعلق به أيضاً حق الله تعالى لإتصاله بحقوق وحرمات أوجب الله رعايتها فلا تملك الأم إسقاط حقوق ولدها أو المساس بحقوق الله تعالى ومن ثم فلا يعيب الحكم وقد ثبت لديه إقرار الطاعن بالفراش أن يطرح مدلول ما جاء بالإقرار المقدم من الطاعن والمنسوب صدوره إلى المطعون عليها من أنه لم يعاشرها معاشرة الأزواج طالما أن فيه إسقاطاً لحقوق الصغيرة لا تملكه .
(الطعن رقم 28 لسنة 44 جلسة 1976/05/12 س 27 ع 1 ص 1093 ق 208)
18- لئن كان المعمول عليه فى مذهب الحنفية أن الإقرار بالنسب على غير المقر ، وهو إقرار بقربة يكون فيها واسطة بين المقر له - كالإقرار بالإخوة - لا يثبت به النسب إلا بتصديق من حمل عليه النسب أو البرهنة عليه بالبينة ، إذ الإقرار بالإخوة يقتضى أولاً أن المقر له ابن لأبى المقر ويستتبع ذلك أنه أخ للمقر ، إلا أن المقر يعامل بإقراره من ناحية الميراث و غيره من الحقوق التى ترجع إليه ، وتنقسم التركة فى هذه الحالة على أساس الإعتداد بالإقرار تجاه المقر دون غيره من الورثة الذين لم يوافقوه على إقراره بإعتبار الإقرار حجة قاصرة . وإذ كان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أن الإقرار الموقع عليه من الطاعنة وبقية الورثة تضمن إعترافهم بأحقية المطعون عليها فى نصيبها من تركة المتوفى ، وكان دفاع المطعون عليها يقوم أساساً على حقها فى مشاركة الطاعنة وباقى الورثة فى التركة المخلفة من المتوفى إستناداً إلى الإقرار الصادر منهم ، فإن الدعوى المعروضة بالإرث بهذه المثابة تكون متعلقة بالمال .
(الطعن رقم 4 لسنة 44 جلسة 1976/01/21 س 27 ع 1 ص 264 ق 61)
19- إذا كانت دعوى المطعون عليها دعوى إرث بسبب البنوة و هى متميزة عن دعوى إثبات الزوجية ، و كان موضوع النسب مطروحا فيها باعتباره سبب استحقاق الإرث و كان المشرع لم يشترط لإثبات النسب وجود وثيقة زواج رسمية لأن المنع الخاص بعدم سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها فى الحوادث الواقعة من أول أغسطس 1931 لا تأثير له شرعا على دعاوى النسب بل هى باقية على حكمها المقرر فى الشريعة الإسلامية رغم التعديل الخاص بدعوى الزوجية فى المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ، فإنه لا تثريب على الحكم إن هو أطرح ما قدمه الطاعنون من أوراق بعد قيام الدليل - البينة - على ثبوت النسب المتنازع عليه لأن قيام الحقيقة التى أقتنع بها فيه الرد الضمنى المسقط لكل حجة تخالفه .
(الطعن رقم 8 لسنة 44 جلسة 1976/01/21 س 27 ع 1 ص 271 ق 62)
20- النص فى المادة 906 من قانون المرافعات على أنه " يتبع فى قبول دعوى إنكار النسب وإثباتها والمواعيد التى ترفع فيها والآثار التى تترتب عليها القواعد والأحكام التى يقررها قانون البلد الواجب التطبيق . وتوجه الدعوى إلى الأب أو الأم على حسب الأحوال و إلى الولد الذى أنكر نسبه فإذا كان قاصراً تعين أن يقام وصى خصومة " يدل على أن المشرع رأى أن ثبوت النسب كما هو حق أصلى للإبن لأنه يرتب له حقوقاً بينتها القوانين والشرائع كحق النفقة والحضانة والإرث ، فإنه حق أصلى أيضاً للأم لتدفع عن نفسها تهمة الزنا ، ولئلا تعير بولد ليس له أب معروف ، والحقان فى هذا المجال متساويان ومتكاملان لا يجزىء أحدهما عن الآخر ، فلا تملك الأم إسقاط حقوق ولدها كما لا يؤثر موقف ذلك الأخير على ما تدعيه الأم .
(الطعن رقم 29 لسنة 39 جلسة 1975/02/26 س 26 ع 1 ص 483 ق 98)
21- لئن كان الأصل فى الدعوى بطلب نفقة للصغير أن يكون موضوع النسب قائماً فيها بإعتبار سبب الإلتزام بالنفقة لا تتجه إلى المدعى عليه إلا به فيكون قائماً فيها وملازماً لها وتتبعه وجوداً وعدماً أخذاً بأن سبب وجوب نفقة الولاد هو الجزئية التابعة من كون الفرع من صلب الأصل ، إلا أنه يتعين للقول بحجية حكم النفقة فى موضوع النسب أن يعرض لهذه المسألة الأساسية ويمحصها بإعتبارها سبب الإلزام بها ، لما كان ذلك وكان البين من الإطلاع على حكم النفقة أنه صدر فى غيبة المدعى عليه - المطعون عليه الأول - ، وبنى قضاءه بنفقة للصغيرة على أساس القدرة المالية للمدعى عليه فيها مبيناً القاعدة العامة وشرائطها فى نفقة الفروع على الأصول وفقاً للقانون الواجب التطبيق دون أن يبحث إنعقاد الزوجية التى تدعيها الطاعنة ومدى ثبوت نسب الصغيرة بالفراش و كان لا حجية لحكم قضى بالنفقة دون أن يناقش فعلاً واقعاً - و ليس ضمناً أو قانوناً - قرابة المحكوم عليه للمحكوم له فى صدد القرابة والنسب ، فإن الدفع بسبق الفصل فى صورة الدعوى المعروضة - دعوى إنكار النسب - يقع على غير محل .
(الطعن رقم 29 لسنة 39 جلسة 1975/02/26 س 26 ع 1 ص 483 ق 98)
22- متى ثبت نسب المطعون عليها الأولى من المتوفى بالفراش ، فما أجراه المتوفى من قيد المطعون عليها الأولى منسوبة إليه فى دفتر المواليد وما جاء على لسان وكيله فى دعوى النفقة التي رفعتها ضده المطعون عليها الأولى تطالبه بالإنفاق عليها بوصفه إياها وملزماً بنفقتها من مصادقة عليها ، ليس إلا إقراراً مؤيداً لثبوت النسب بالفراش ، وإقرار الأب بنسب الولد إليه يكون منه باللفظ صريحاً أو دلالة ، وبالإشارة حتى مع القدرة على العبارة وبالكتابة الخالية من مظنة التزوير ، وبالسكوت عند تهنئة الناس له بالمولود ، ما دام النسب ليس محالاً عقلاً بأن كان المقر له يولد مثله لمثل المقر ، أو باطلاً شرعاً كنسب ولد الزنا ، دون اشتراطه حصول الإقرار فى مجلس القضاء على أن يكون الولد مجهول النسب وأن يصادق على ذلك إن كان مميزاً . ولا يغير من ذلك ما جاء فى كتاب مستشفى الأطفال الجامعي من أنه ثابت فى سجلاتها الخاصة بورود الأطفال اللقطاء من أن الطفلة سلمت للمورث واستخرجت لها شهادة ميلاد من مكتب صحة السيدة زينب ، طالما أن النسب قد ثبت بالفراش المؤيد بالإقرار .
(الطعن رقم 10 لسنة 41 جلسة 1975/02/05 س 26 ع 1 ص 348 ق 74)
23- الأصل فى دعوى النسب - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن ينظر إلى النسب المتنازع فيه ، فلو كان مما يصح إقرار المدعى به ويثبت بإعترافه وليس فيه تحميل النسب على الغير كالأبوة والبنوة ، فإنها تسمع مجردة أو ضمن حق آخر ، سواء إدعى لنفسه حقاً أو لم يدع ، ويغتفر فيها التناقض لأن مقصودها الأصلى هوالنسب ، والنسب يغتفر فيه التناقض ، للخفاء الحاصل فيه . أما لو كان مما لا يصح إقرار المدعى عليه به ، ولا يثبت بإعترافه وفيه تحميل النسب على الغير كالأخوة والعمومة ، فلا تسمع إلا أن يدعى حقاً من إرث أو نفقة ، ويكون هو المقصود الأول فيها ولا يغتفر فيها التناقض ، لأنه تناقض فى دعوى مال لا فى دعوى نسب ودعوى المال يضرها التناقض ما دام باقياً لم يرتفع ، ولم يوجد ما يرفعه بأمكان حمل الكلامين على الآخر ، أو بتصديق الخصم أو تكذيب الحاكم ، أو بقول المتناقض تركت الكلام الأول مع إمكان التوفيق بين الكلامين وحمل أحدهما على الآخر ، والتناقض يتحقق متى كان الكلامان قد صدرا من شخص واحد ، وكان أحد الكلامين فى مجلس القاضى و الآخر خارجه ، ولكن ثبت أمام القاضى حصوله ، إذ يعتبر الكلامان وكأنهما فى مجلس القاضى . وإذ كان البين من الإطلاع على محاضر جلسات الدعوى رقم 1383 لسنة 1959 مدنى بندر طنطا أن مورث المطعون عليهم الخمسة الأولين - المدعى فى دعوى النسب - دعى للإدلاء بشهادته فيها بجلسة أول ديسمبر 1960 و أقر بأنه لا تربطه بالمتوفاة صلة قرابة ، وكان هذا القول منه يتناقض مع الأساس الذى أقام عليه دعواه الماثلة فى سنة 1966 ، من أنه إبن إبن عمها ويرث نصف تركتها تعصيباً ، وكان الحكم المطعون فيه قد أطلق القول وذهب إلى أن التناقض فى النسب عفو يغتفر ، مع أن النزاع يتعلق بدعوى العمومة ، والمقصود الأول فيها هو المال ، ولا يتعلق بدعوى أبوه أو بنوه فإن الحكم يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون . وإذ حجب الحكم نفسه بهذا التقرير القانونى الخاطئ عن بحث إمكان رفع هذا التناقض بين الكلامين فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإحالة .
(الطعن رقم 30 لسنة 39 جلسة 1973/07/11 س 24 ع 2 ص 1004 ق 174)
24- التناقض لا يمنع من سماع الدعوى إذا وجد ما يرفعه بإمكان حمل أحد الكلامين على الأخر ، أو بتصديق الخصم أو بتكذيب الحاكم ، أو بقول المتناقض تركت الكلام الأول مع إمكان التوفيق بين الكلامين و حمل أحدهما على الآخر . وإذ يبين من الأوراق أن دعوى الطاعنة على المطعون عليه - بثبوت نسب ابنتها منه - أنه تزوجها بعقد صحيح عرفى وعاشرها معاشرة الأزواج ورزقت منه على فراش الزوجية بإبنتها ، وكان ما أثبتته الطاعنة فى الشهادة الإدارية التى قدمتها مع طلب الحج من أنها لم تتزوج بعد طلاقها من زوجها الأول ، هذا القول لا ينفى لزوماً إنها زوجة للمطعون بعقد عرفى وإنما ينصرف إلى نفى زواجها بوثيقة رسمية ، وذلك لما هو متواضع عليه فى مصر من إطلاق الزواج على الزواج الموثق فقط ، لما كان ذلك ، فلا يكون هناك تناقض بين الكلامين يمنع من سماع الدعوى .
(الطعن رقم 19 لسنة 39 جلسة 1973/04/25 س 24 ع 2 ص 677 ق 119)
25- الأصل فى الشهادة أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد بشىء لم يعانيه بالعين أو بالسماع بنفسه وإستثنى فقهاء الحنيفة من ذلك مسائل منها ما هو بإجماع كالنسب ومنها ما هو على الصحيح أو على أرجح الآقوال أو على أحد قولين مصححين أو على قول مرجوح أجازوا فيها الشهادة بالتسامع من الناس إستحساناً وإن لم يعانيها بنفسه و هم مع ذلك لم يجوزوا للشاهد أن يشهد بالتسامع إلا إذا كان ما يشهد به أمراً متواتراً سمعه من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب واشتهر واستفاض وتواترت الأخبار عنده ووقع فى قلبه صدقها لأن الثابت بالتواتر والمحسوس سواء أو يخبر به - و بدون إستشهاد - رجلان عدلان أو رجل وإمرأتان عدول فيصبح له نوع من العلم الميسر فى حق المشهد به .
(الطعن رقم 35 لسنة 34 جلسة 1967/11/15 س 18 ع 4 ص 1688 ق 255)
26- للمحكمة من تلقاء نفسها أن تأمر بالتحقيق فى الأحوال التى يجيز فيها القانون الإثبات بشهادة الشهود متى رأت فى ذلك فائدة للحقيقة فإذا كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بإحالة الدعوى إلى التحقيق على ما أورده فى أسبابه من أن المطعون عليها ذهبت فى دفاعها أمام محكمة الإستئناف إلى "أنها رزقت بالصغيرة [من الطاعن] ثمرة زواج عرفى سابق لعقد الزواج الرسمى و ما هذا العقد الأخير إلا إظهار للعقد العرفى بدليل ما ورد فى وثيقة الزواج الرسمى من أنها بكر حكماً و هذا القول منها محل نظر" و إنتهت المحكمة من سياق دفاع الطرفين إلى أنها ترى من ظروف الدعوى و ملابساتها إحالة الدعوى إلى التحقيق لإستظهار وجه الحق فى هذا الدفاع الذى يتصل بواقعة الدعوى ومن شأنه لو صح أن يتغير به وجه الرأى فيها .
(الطعن رقم 25 لسنة 30 جلسة 1962/11/21 س 13 ع 2 ص 1046 ق 162)
27- لئن كان الفقهاء إختلفوا فيما تصير به الزوجة فراشاً على ثلاثة أقوال : أحدهما أنه نفس العقد و إن لم يجتمع الزوج بها أو طلقها عقيبه فى المجلس والثانى أنه العقد مع إمكان الوطء والثالث أنه العقد مع الدخول الحقيقى لا إمكانه المشكوك فيه ،و كانت المادة 15 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية قد نصت على أنه " لاتسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقى بينها و بين زوجها من حين العقد " وهو مذهب وسط ، وكان ما قرره شاهد الإثبات من أنه لا يعلم أن الطاعن قد عاشر المطعون عليها أثر الزواج العرفى معاشرة الأزواج لا يفيد ثبوت عدم التلاقى بينهما فى الحكم المطعون فيه إذ لم يخالف هذا النظر لا يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 25 لسنة 30 جلسة 1962/11/21 س 13 ع 2 ص 1046 ق 162)
28- بحسب قاضى الموضوع أن يبين الحقيقة التى إقتنع بها وأن يذكر دليلها وأن يقيم قضاءه على أسباب سائغة تكفى لحمله وما عليه بعد ذلك أن يتتبع الخصوم فى مناحى أقوالهم ومختلف حججهم وطلباتهم ويرد إستقلالاً على كل قول أو حجة أو طلب أثاروه فى مرافعاتهم ما دام قيام الحقيقة التى إقتنع بها وأورد دليلها فيه التعليل الضمنى المسقط لتلك الأقوال والحجج والطلبات فإذا كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه برفض دعوى نفى نسب الصغير على ما حصله من شهادة الشهود من أن زواجاً عرفياً قد تم بين الطرفين قبل إثباته رسمياً بستة شهور وبذلك تكون الصغيرة قد ولدت بعد مضى أكثر من ستة شهور من إنعقاد العقد العرفى ويثبت نسبها من أبيها ، فإن ما أورده الحكم كاف لحمله و فيه الرد الضمنى على دفاع الطاعن .
(الطعن رقم 25 لسنة 30 جلسة 1962/11/21 س 13 ع 2 ص 1046ق 16 )
29- المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه ولئن كان الأصل في الدعوى بطلب نفقة للصغير أن يكون موضوع النسب قائماً فيها باعتباره سبب الالتزام بالنفقة ، لا تتجه إلى المدعى عليه إلا به فيكون قائماً فيها وملازماً لها وتتبعه وجوداً وعدماً أخذاً بأن سبب وجوب نفقة الأولاد هو الجزئية النابعة من كون الفرع من صلب الأصل، إلا أنه يتعين للقول بحجية حكم النفقة في موضوع النسب أن يعرض لهذه المسألة الأساسية ويمحصها باعتبارها سبب الالتزام 0 لما كان ذلك ، وكان البين من الحكم الصادر في الدعوى رقم .... لسنة ..... جزئى ..... أنه قضى بنفقة للصغيرتين " صهيبة وسماح " دون أن تمحص المحكمة ثبوت نسبهما للطاعن وتبحثه بحثاً دقيقاً ، ومن ثم لا يكون لذلك الحكم حجية في هذا الصدد ، وإذ أقام الحكم المطعون فيه قضاءه على سند من أنه حاز حجية الأمر المقضي في مسألة ثبوت نسب الصغيرتين لوالدهما رغم أنه لا حجية له في هذا الخصوص ، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون .
( الطعن رقم 479 لسنة 67 ق - جلسة 24 / 1 / 2004 )
ويستند النص المطروح فى الشرع الحنيف إلى قوله تعالى "أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله" وقـوله صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش وللعاهر الحجر" وقـوله صلى الله عليه وسلم "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام".
المقصد الأول من الزواج هو التناسل ، وكل من الرجل والمرأة يميل بفطرته إليه ، والإسلام باعتباره دين الفطرة يقوم الفطرة المعوجة ويجارى الفطرة المستقيمة ولهذا استخدم عاطفة الأبوة فى حفز الهمة لتربية الولد والعناية بأمره حرصاً على بقاء النوع الإنسانى ، من أجل هذا عني الإسلام بإثبات نسب الولد إلى أبيه وحرم على الآباء أن ينكروا أبنائهم أو يدعو أبوة غيرهم كما حرم على الأولاد أن ينسبوا إلى غير آبائهم .
القاعدة الأصولية في قضايا النسب
والقاعدة الأصولية أن النسب يخاطر فى إثباته أو يحتال لإثباته ما أمكن وذلك طبقاً للقاعدة الشرعية القائلة بحمل حال المرأة على الصلاح واحياء للولد وحفظاً لـه من الضياع إلا أن ذلك لا يعنى أن للمشرع الإسلامي فى إثبات النسب حرص خاص فكل ما يعنيه هو إقرار الحق فيه شأنه فى ذلك شأن سائر الحقوق ولم ينص الفقهاء على التسامح فى إثبات النسب والاحتياط فيه كقاعدة عامة فكل ما للفقهاء فى ذلك هو مسائل متفرقة منها ما روعى فيه الاحتياط ومنها ما لم يراعى ذلك ، وهم فى جميع الأحوال يتكلمون عن النسب حيث يكون الفراش ثابتاً لا نزاع فيه ولم يقل أحد بأنه يحتال أو يحتاط لإثبات الفراش فيحتال على إثبات النسب .
أسباب ثبوت النسب
ولثبوت النسب سبب ووسائل ، أما السبب فهو الزواج أو كما يسميه الشرعيون الفراش ويقصد بالفراش علاقة الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة وسواء كانت تلك الزوجية صحيحة أم فاسدة وسواء كان الزواج مكتوبا أو شفوياً.
الفراش
وأساس الأخذ بقاعدة الفراش قوله "صلى الله عليه وسلم " "الولد للفراش" أى ولادة الزوجة أو المطلقة لـه وثبوت إمكان العلوق به من الزوج فى زمن لا يقل عن ستة أشهر من تاريخ الزواج ولا يزيد على سنة من تاريخ الطلاق .
ويشترط لثبوت النسب سواء بالنسبة للرجل أو المرأة الاستناد إلى ثبوت وجود فراش قائم عند ولادة الصغير فإذا انتفى قيام الفراش فلا يثبت النسب حتى لولد تم الإقرار به أو قامت بينة شرعية عليه لأن سبب النسب فى مثل هذه الحالة يكون علاقة بين رجل وامرأة لا يتحقق بها فراش أي علاقة زنا ، والزنى كما هو مقرر شرعاً لا يثبت نسباً ، وعلى ذلك فأنه إذا كانت القاعدة أن النسب يحتال لإثباته فإن القاعدة أيضاً أن الفراش يحتاط فى إثباته أى لابد من قيام الدليل الشرعى المعتبر عليه .
الفرق بين إنشاء النسب وإثبات النسب
وعلى ذلك فإن اثبات النسب يختلف عن إنشاءه , فالنسب لا ينشأ إلا بالزواج الفراش بصرف النظر عن طبيعته أو وصفه موثق أو عرفى وصحيح أو فاسد ... الخ اما إثبات النسب أى إثبات أن الصغير هو ابن لأبيه فيتحقق بإثبات الزواج أو بالإقرار الذى لا يتضمن نفى الزواج أو بشهادة الشهود على قيام الزوجية والرزق بالصغير أو على سبق الإقرار بالنسب غير منكور فيه الزواج .
وعلى ذلك فإن وسائل ثبوت النسب اى طرائق إثباته والتدليل عليه أى التدليل على سبق تحقق الفراش فهى ثلاثة أولها ثبوت الزوجية بكافة الطرق وثانيهما بالإقرار وثالثهما بالبينة الشرعية ، ونتناول أسباب ثبوت النسب ثم وسائله.
ويثبت النسب بثبوت قيام الفراش سواء كان الزواج صحيحاً أو فاسداً أو تم الاتصال بالمرأة بناء على شبهة .ذلك أن القاعدة في إثبات النسب أنه إذا استند إلى زواج صحيح أو فاسد فيجب لثبوته أن يكون الزواج ثابتاً لا نزاع فيه كان الاثبات بالفراش أو بالاقرار أو بالبينة .
الزواج الصحيح وشروطه
ويعتبر الزواج صحيحاً طالما انعقد العقد مع مجرد إمكان الوطء بصرف النظر عن تحقق المعاشرة الجنسية أو عدم تحققها أى تحقق حدوث معاشرة جنسية من عدمه .
ويشترط حتى يكون الزواج الصحيح سبباً لثبوت النسب أن تتوافر له ثلاث شروط هى :
أ) أن يأتى الولد بعد مضى مدة لا تقل عن ستة أشهر من وقت الزواج، والأشهر هنا هى الأشهر الميلادية وليست الهجرية طبقاً لمفهوم المادة 23 من القانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 فلا يثبت النسب إذا أتت الأم بالولد حال قيام الزوجية لأقل من ستة اشهر إلا إذا اعترف الزوج به وتوافرت شروط إثبات النسب بالإقرار ولم يقل أنه من الزنا، وعلى ذلك فيشترط أن يثبت كون الولد قد أتت به الأم أي ولدته فإذا ثبت استحالة ولادة الأم للولد لثبوت أنها عاقر انتفى شرط ثبوت ولادة الولد من الأم وبالتالى لا يثبت النسب فراشاً .
وتثبت الولادة بشهادة امرأة واحدة مسلمة سواء كانت هى القابلة أو غيرها كما يكفى لإثباتها شهادة الطبيب الذى تولاها بالرعاية خلال الحمل أو قام بتوليدها ، بشرط معاينة واقعة الولادة فإذا ثبت عدم إمكان ولادة المرأة لعقمها أو بالفحوص المخبرية المتقدمة لوجود غشاء بكارتها سليماً لا تعد المرأة قد ولدت المولود أو لا تعد قد أتت بالولد فى هذا المفهوم .
ب) أن يكون الزوج ممن يتصور أن يكون الحمل منه عادة بأن يكون قد بلغ الأثنتى عشر سنة ، أى بالغاً أو فى القليل مراهقاً ، فلا يثبت النسب إذا لم يبلغ الزوج من العمر اثنتى عشر عاماً هجرية أو لم يكن مراهقاً ، كما لا يثبت النسب إذا كان الزوج لا يتصور أن يكون الحمل منه لثبوت عقمه أو أنه مجبوب أو خصى مما يثبت بطريق أهل العلم والاختصاص .
جـ ) أن يكون من المتصور التلاقى بين الزوجين فعلاً دون اشتراط الدخول أو الخلوة ودون اشتراط تحقق التلاقى بالفعل أو ثبوته .والمراد بالتلاقى هو مجرد الاجتماع أو المقابلة بصرف النظرعن الدخول والخلوة .وقيام الزوج بإثبات عدم تلاقيه بالزوجة من حين العقد يترتب عليه إلا تسمع الدعوى بثبوت النسب عملاً بالفقرة الأولى من المادة .
وتخلف أى شرط من الشروط السابقة لا يثبت نسب الولد من أبيه إلا إذا أقر به الأب وتوافرت شروط ثبوت النسب بالإقرار ولم يصرح أنه من الزنا .
فالزوجة التى عـاشرها زوجها ثم غاب عنها فإنها لو ولدت بعد مضى أكثر من سنة ميلادية من تاريخ غيبته فإن اعترف بالولد أى اقر به ثبت نسبه منه وإن أنكر ورفعت الأمر إلى القضاء فإن اثبت غيابه أكثر من سنة قضى بعدم سماع الدعوى إعمالاً لحكم الفقرة الثانية من المادة باعتبار أن أقصى مدة للحمل اعتمدها القانون هى سنة وفق ما جاء بالمذكرة الإيضاحية للنص .
أقل وأقصي مدة للحمل
وغنى عن البيان أن المستقر قانوناً أن اقل مدة للحمل هى ستة اشهر وأن أقصاها سنة ميلادية ، وعلى ذلك فإذا ولدت الزوجة قبل أقل من ستة اشهر من تاريخ الزواج فلا يجوز إثبات النسب استناداً إلى الفراش إذ تكون أحد شروط إثبات النسب بالفراش قد تخلفت وهو شرط وجوب الولادة بعد ستة أشهر من تاريخ الزواج ، إلا أنه يجوز فى هذه الحالة إثبات النسب إذا اقر به الزوج وتوافرت الشروط الأربعة اللازمة له دون اشتراط ثبوت قيام الفراش بشروطه الأربعة إذ يكفى فى هذه الحالة توافر شروط الإقرار حيث يفترض توافر الفراش الصحيح قبل تاريخ العقد باعتبار أن الإنسان ادرى بسر حياته وطالما لم يصرح المقر أن الولد من الزنا .
ولا يكفى لإنكار الفراش قيام الزوج بإبداء مجرد الدفع بالإنكار المحض حتى يقضى بعدم سماع الدعوى وإنما يتعين أن يدفع الزوج الدعوى بالإنكار لأحد الأسباب الثلاثة الواردة بالمادة ثم يقوم بإثبات السبب سواء كان عدم التلاقى أو الغياب أو الطلاق باعتبار أنها جميعاً من مسائل الواقع التى تثبت بكافة طرق الإثبات .ذلك أن النسب حق للولد فلا يصدق الزوجان في إبطاله ولو تعاونا على أنه لم يحصل وطء ومن ثم فإن إقرارهما أو أحدهما بعدم الدخول والخلوة لا يعتدى إليه ولا يبطل حقه .
النسب والزواج العرفي
ولم يشترط المشرع لإثبات النسب وجود وثيقة زواج رسمية لأن المنع الخاص بعدم سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها والمنصوص عليها فى المادة 17 من القانون رقم 1 لسنة 2000 بتنظيم إجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية لا يمتد إلى دعوى النسب لأنها باقية إلى حكمها المقرر شرعاً و هو الولد للفراش فيثبت النسب بالزواج ولو لم يكن ثابتاً فى أية ورقة بأن كان شرعياً محضاً .
إثبات النسب في عقد الزواج العرفي
ولا يشترط فى إثبات عقد الزواج العرفى تقديم هذا العقد بل يكفى أن يثبت بالبينة حصوله وحصول المعاشرة الزوجية فى ظله باعتبار البينة الشرعية هى إحدى طرق إثبات النسب كما أنه ليس بلازم أن يشهد الشهود بحضور مجلس ذلك العقد العرفى بل يكفى أن يشهدوا بعلمهم بحصوله لأن الشهادة بالتسامع جائزة هنا بشرط أن لا يصرح الشاهد فى شهادته بلفظ أسمع أو سمعت ، وعلى وجه العموم فإن تقدير إنكار الخصم للزوجية المدعاة من عدمه يعد من مسائل الواقع التى يستقل بتقديرها قاضى الموضوع وبالتالى فهو مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض .
نفي النسب بعد إثبات الفراش
فإذا ثبت نسب الولد بالزواج الصحيح لاستيفاء شروطه الثلاثة السالفة انغلقت أمام الزوج وسائل نفيه إلا باتخاذ طرق الملاعنة المسبوق بنفى الولد فى وقت معاصر للولادة ومستند ذلك قــوله تعـالى فى سورة النور "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِين" .
اللعان والملاعنة
ولا مجال لاتخاذ طريق الملاعنة لنفى النسب إذا لم يكن سند ثبوته هو قيام علاقة الزوجية بين المتلاعنين فلا ملاعنة إذا كان سبب النسب المدعى به هو البينة أو الإقرار , كما يشترط أن يكون الزواج صحيحاً , فلا يجوز اللعان فى الزواج الفاسد كالزواج بغير شهود أو زواج مسلمة من مسيحي دون علمها أو فى الوطء بشبهه كمن يتزوج امرأة وتزف إليه أخرى.
كما أنه لا مجال للملاعنة إذا كان للزوج بينه شرعية على زنا الزوجة باعتبار أن الملاعنة هو وسيلة أعطيت للزوج الذى تعوذه بينة الزنا وهى أربعة شهود عدول .
ويشترط لصحة اللعان عدة شروط هى :
1)أن يكون النكاح صحيحاً والزوجية قائمة ولو فى عده الطلاق الرجعى, فلا لعان إذا كان الزواج فاسداً وسواء كان الزواج قد دخل بالزوجة أو لم يدخل .
2)أن يكون للزوج بينة على دعواه فلو قدم بينة فلا لعان , والمقصود هنا بينة الزنا وهى أربعة شهود عدول ذكور .
3)أن يكون الزوج قد نفى الولد عند ولادته أو فى وقت معاصر لها كأيام التهنئة بها أو شراء أدواتها حيث يعد ذلك إقرار منه بالنسب , كما يعد سكوته عند تهنئته بالولادة إقراراً بالنسب استثناء من قاعدة "لا ينسب لساكت قول" .
4)إلا يكون الزوج قد أقر بالولد صراحة أو دلالة .
5)أن يكون كل من الزوجين أهلاً للعان أى مسلماً بالغاً وعاقلاً وغير محدود فى قذف وأن تكون المرأة زيادة على ذلك عفيفة عن الزنا وأن تنكر دعوى الزوج .
6)أن يكون الولد حياً عند الحكم بنفى النسب وليس عند ولادته فإذا مات الولد فى الفترة بين ولادته والحكم لا ينتفى عنه النسب بصرف النظر عن حصول ملاعنة بين الزوجين من عدمه .
الأثر القانوني المترتب على إجراء الملاعنة بين الزوجين
فإذا تم اللعان تعين على المحكمة الحكم بنفى نسب الولد عن الزوج و إلحاقه بأمه والتفريق بين الزوجين بطلقة بائنة ، فيضحى الولد أجنبيا عن الزوج فيما يتعلق بالحقوق المالية وأهمها الإرث والنفقة .
حالات لا ينتفي فيها النسب رغم إجراء الملاعنة
وعلى ذلك فلا ينتفى النسب فى الحالات التالية وإن تلاعن الزوجان وفرق القاضى بينهما .
1-إذا نفاه الرجل بعد مضى المدة المشار إليها وقت الولادة أو معاصرتها .
2-إذا نفاه بعد الإقرار به صراحة أو دلالة .
3-إذا نزل الولد ميتاً أو نفاه ثم مات قبل اللعان أو بعده وقبل تفريق الحاكم.
4-إذا أنجبت المرأة بعد التفريق وقطع نسب الولد ابناً آخر من بطن واحد ففى هذه الصورة يلزم الولدان ويبطل الحكم الأول .
5-إذا نفاه بعد الحكم نهائياً بثبوت نسبه شرعاً .
6-إذا مات الزوج أو المرأة بعد نفى الولد قبل اللعان أو بعده وقبل التفريق.
فإذا انتفى النسب بحكم قضائى نهائى امتنع التوارث بين الأب وولده وسقطت نفقة الابن على أبيه ولا يجوز إثبات نسب الولد للغير .
ويقع باللعان طلاق بائن ويجب على الحكم التفريق بين المتلاعنين.
إثبات النسب من المطلقة بائناً
ولا تسمع دعوى إثبات نسب ولد من المطلقة إذا أنكره الزوج طالما أقام الدليل على أن ولادته تمت بعد مضى سنة ميلادية على تاريخ الطلاق أو غيابه عن الزوجة .
إثبات النسب من المتوفى عنها زوجها
كما لا تسمع أيضاً الدعوى إذا توفى الزوج وثبتت ولادة الولد بعد مضى أكثر من سنة ميلادية من تاريخ الوفاة عملاً بالفقرة الأخيرة من المادة ، زواج المسلمة من كتابي لا يثبت منه النسب، ولا يثبت النسب من زواج مسلمة من كتابى .
والدفع بعدم السماع الوارد بالمادة 15 من الدفوع المتعلقة بالنظام العـام يتعين على المحكمة التصدى له من تلقاء نفسها دون توقف على طرحه عليها من أى من الأخصام .
الزواج الفاسد (تعريفه)
وفى شأن ثبوت النسب فى الزواج الفاسد قدر من التفصيل .
ومن أمثلة الزواج الفاسد أن يتزوج الرجل من أخته فى الرضاعة أو كمن تزوجت بغير شهود أو كمن تزوجت من مسيحى دون أن تعلم أو نحو ذلك.
شروط ثبوت النسب في الزواج الفاسد
ويشترط لثبوت النسب فى الزواج الفاسد التحقق من حصول معاشرة جنسية بين الزوج والزوجة فإذا لم يدخل بها حقيقة وأتت بولد لمدة ولو أكثر من ستة أشهر لا يثبت نسبه منه رغم ذلك ، وعلى ذلك فيجب لثبوت النسب فى الزواج الفاسد أن يكون الزواج ثابتاً لا نزاع فيه رغم فساده سواء كان الإثبات بالفراش أو الإقرار أو البينة وأن تتحقق العلاقة الجنسية بين الزوجين .
الوطء بشبهة . (تعريفه)
وأما الـوطء بشبهة فيكون كما فى حالة المطلقة ثلاثة ويصلها المطـلق خلال العدة معتقداً أنها تحل له .
شروط ثبوت النسب في الوطء بشبهة
ويشترط لثبوت النسب فى هذه الحالة أن تلد المرأة خلال أقل من سنة وأكثر من ستة أشهر من تاريخ الاتصال فإذا تخطت هذا الأجل لا يثبت النسب إلى الزوج إلا بإقراره وفى هذه الحالة لا يكون سبب ثبوت النسب هو الوطء بشبهة وإنما الإقرار الصادر عن الزوج .
طرق (وسائل) ثبوت النسب
ويثبت النسب بأحد ثلاثة طرق كما قدمنا وهى ثبوت قيام الفراش أو الإقرار أو البينة .
الفراش
ويعتبر الزواج الصحيح و ما يلحق به الزواج الفاسد بشروطه والوطء بشبهة من أسباب النسب ومن طرائق ثبوته فى الواقع فمتى ثبت الزواج صحيحاً كان أم فاسداً ثبت نسب كل من تأتى به المرأة من أولاد إذا توافرت الشروط المعتبرة لثبوت النسب .
ومن المقرر أن النسب يثبت بالزواج العرفى مكتوباً أو غير مكتوب كما يثبت بالزواج الرسمى وفق ما سلف بيانه .
إثبات النسب في الزواج العرفي والشفوي :
ونظراً لكون دعاوى النسب لازالت على أحكامها المقررة فى الشريعة فأنه لو تزوج رجلاً من امرأة زواجاً عرفياً صحيحاً أو شفوياً ثم أتت المرأة بولد أنكر الزوج نسبه له فلتلك الزوجة – على ما سلف بيانه – أن ترفع الأمر إلى القضاء للحكم بثبوت نسب الولد إلى زوجها ولها أن تقيم الدليل على ذلك بكافة طرق الإثبات المقررة لإثبات النسب دون حاجة إلى وثيقة الزواج الرسمية أو العرفية .
إثبات الفراش
ويكفى دليلاً على الفراش معاينة واقعـة الولادة أو حضور مجلس العقد أيهما ويقبل فى إثبات واقعة الولادة شهادة الطبيب المولد أو القابلة أو امرأة واحدة على ما سبق القول .
الاقرار وشروطه وحالاته ( الاقرار القضائي والاقرار غير القضائي بالنسب ):
أما الإقرار فأنه يعد سبباً منشأ للنسب إذا اصدر مجرداً كأن يقر الأب أو الابن بالنسب دون أن يصرح أنه من زنا ودون أن يقرنه ببيان سببه كما أنه يعد أيضاً طريق لإثباته وظهوره إذا ما اقترن بالكشف عن سببه كأن يقر بالنسب من امرأة يحددها .
ويجوز الإقرار بالنسب فى مجلس القضاء كما يجوز فى غيره وفى هذه الحالة الأخيرة يجوز للمدعى اثبات صدور الإقرار غير القضائى بالبينة الشرعية حيث يكون المقر فيها كأنه أقر به أمام القاضى .
لا يشترط للاعتداد بالإقرار وجود سبب له :
ويكفى الإقرار لإثبات النسب دون أن يقرن به ما يبين سببه لأنه أن بين سببه كان ذلك السبب هو سبب النسب دون الإقرار المجرد وعلى ذلك فلا يشترط لإعتماد الإقرار سبباً لثبوت النسب إثبات قيام الفراش بين الرجل والمرأة بشروطه إذ يفترض صدور الإقرار من المقر سبق قيام فراش بين الأبوين دون اشتراط وجوب توافر شروط الفراش وعلى ذلك فأنه إذا ثبت مثلاً أن المرأة ولدت بعد انعقاد الزواج بمدة تقل عن مدة الستة أشهر باعتبارها أقل مدة للحمل أى ولدت مثلاً بعد شهرين من انعقاد الزواج وأقر الأب بالنسب وجب ثبوت النسب فى هذه الحالة استناد إلى صدور الإقرار به من الأب وافترض توافر الفراش بين الأبوين من قبل انعقاد عقد الزواج طالما وأن المقر لم يصرح أن الولد نتيجة علاقة زنا إذ أنه الأدرى بسر حياته وبواطن أموره .
أولاً : إثبات النسب الأصلي أو أصل النسب بالإقرار
والإقرار كوسيلة من وسائل إثبات النسب نوعان إقرار بنسب أصلى وإقرار بنسب فرعى .
الاقرار بالبنوة
والإقرار بالنسب الأصلي أو أصل النسب هو الإقرار بالبنوة والأبوة ولا يكون فيه حملاً للنسب على الغير .
دعوى إثبات سبق الإقرار بالنسب
ويتعين الإشارة إلى أنه إذا كان المقر بالنسب قد توفى فلا تقبل – عند الإنكار – دعوى الإقرار بالنسب – وفقاً لحكم المادة السابعة من القانون رقم 1 لسنة 2000 – دعوى الإقرار بالنسب أو الشهادة على الإقرار به بعد وفاة المورث إلا إذا وجدت أوراق رسمية أو مكتوبة جميعها بخط المتوفى وعليها إمضاؤه أو أدلة قطعية جازمه تدل على صحة هذا الإدعاء .
شروط ثبوت النسب بالاقرار،
ويشترط لثبوت النسب الأصلي بالإقرار أربعة شروط هى :
أ)أن يكون المقر ببنوته ممن يولد مثله لمثل المقر وذلك حتى لا يكون إقراره يكذبه الواقع ، فلو كانا لا يولد أحدهما للآخر لم يصلح الإقرار لأن الواقع يكذبه ، كذلك إذا ثبت استحالة الإنجـاب لعقم المـقر أو لخصاه منذ مولده وهكذا .
ب)أن يصدق المقر له المقر إذا كان مميزاً فإذا لم يكن مميزاً ثبت النسب دون حاجة لتصديق .
جـ) أن يكون المقر ببنوته مجهول النسب ، ومجهول النسب – طبقاً للقول الراجح فى المذهب الحنفى – هو الذى لا يعلم له أب فى البلد الذى يوجد فيه .
د) أن يكون المقر له بالنسب حيا وقت الإقرار إلا إذا كان للابن المتوفى المقر له بالنسب أولاد صادقوا على النسب .
هـ) ألا يصرح المقر أن المقر له ابنه من الزنا .
ويثبت النسب بالإقرار إذا توافرت للإقرار الشروط السابقة إلا أنه يشترط لصحة ذلك الإقرار ألا يكون محالاً عقلاً أو شرعاً وذلك كان يثبت رغم صدور الإقرار أن المقر مجبوب مقطوع عضوه التناسلى خلقياً وهكذا .
الاقرار بنسب إبن الزنا
والإقرار بنسب ابن الزنا لا يثبت به نسب ليس لأن الإقرار لا يثبت به نسب ولكن لكون الزنا لا يثبت به نسب بالنسبة للرجل .
وعلى ذلك فمن أقر لمجهول النسب أنه ولده ولم يصرح فى إقراره بأنه ابنه من الزنا فهو معترف ببنوة هذا الولد بنوة حقيقة وأنه خلق من مائه – من فراش صحيح حكماً – سواء أكان صادقاً فى الواقع أم كاذباً فيثبت لهذا الولد شرعاً جميع أحكام البنوة .
شرط اعتبار الابلاغ عن واقعة الولادة بمثابة إقرار بالنسب :
ويعد فى معنى الإقرار ويأخذ حكمه قيام الرجل بالإبلاغ عن واقعة الولادة ونسبه المولود إليه وقيده بالقيد العائلى بالسجل المدنى ، وعلى ذلك فأنه وإن ذهبت محكمة النقض فى أحكامها إلى أن شهادة الميلاد لا تعد دليلاً على النسب وإنما قرينة عليه باعتبار أنها لم يقصد منها ثبوته وإنما جاء ذكره فيها تبعاً لما قصد منها ووضعت له لأن القيد فى الدفاتر لا يشترط فيه أن يكون بناء على طلب الأب إلا أننا نرى أنه إذا ثبت بشهادة الميلاد أن الأب هو الذى أبلغ شخصياً عن واقعة الولادة فإن ذلك يعد إقراراً منه بالنسب ويكفى لإثباته إلا إذا أثبت تزويره .
حجية الاقرار بالنسب في دعوى أخرى :
والإقرار بالنسب فى غير دعوى النسب ذاتها حجة على المقر إلا أن هذه الحجية متروك تقديرها لقاضى الموضوع فله أن يأخذ بالإقرار أو يطرحه بخلاف الإقرار الذى يصدر فى ذات دعوى النسب فهو حجة على المقر لا تملك المحكمة طرحه .
قاعدة عدم جواز الإنكار بعد الإقرار :
ومتى أقر المنسوب إليه بالنسب امتنع عنه معاودة إنكاره إعمالاً لمبدأ عدم جواز الإنكار بعد الإقرار ، فإذا أنكر الورثة نسب الصغير بعد سبق الإقرار من الأب فلا يلتفت إلى إنكارهم لأن النسب يكون قد ثبت باعتراف الأب المقر وفيه تحميل النسب على نفسه وهو أدرى من غيره بالنسب فيرجح قـوله على قول غيره .
ويتعين أن يصدر الإقرار من الأب شخصياً فلا يجوز الإقرار من وكيله إلا بوكالة خاصة ، إلا أن إقرار الوكيل وكالة لا تنطوى على حق الإقرار بالنسب فى حضور الأب يعد إقراراً صحيحاً يحاج به الأب طالما لم يجحده .
وكما يكون الإقرار من الأب يجوز أن يكون أيضاً من الابن بأن يقر أنه من فلأن ابن فلأن وفى كل هذه الحالات لا يثبت نسبه إلا بتوافر الشروط الخمسة السالفة .
إقرار الابن بالنسب :
وقد نصت المادة السـابعة من القانون رقم 1 لسنة 2000 بتنظيـم إجراءات ألتقاضى فى مسائل الأحـوال الشخصية على إلا تقبل عند الإنـكار دعوى ثبوت سبق الإقرار بالنسب من الأب أو دعوى الإقرار بالنسب من الابن أو دعوى الشهادة على الإقرار به بعد وفاة المورث إلا إذا وجدت أوراق رسمية أو أوراق غير رسمية ولكنها مكتوبة جميعها بخط المتوفى وعليها إمضاؤه أو أدلة قطعية جازمة تدل على صحة هذا الإدعاء .
اقرار الأم بالنسب وحجيته :
ويجوز أن يكون الإقرار من الأم فيثبت به نسب الذى تقر الأم بأمومتها لـه بذات الشروط الخمسة السابقة إلا أن إقرار الأم بالنسب لـه فرضان :
إقرار الأم المتزوجة وغير المتزوجة :
الأول : إذا لم تكن المرأة ذات زوج أو لم تكن فى عدة زواج ، فإن النسب يثبت بإقرارها لأن النسـب إلى الأم يثبت حتى لولد الزنى - بخلاف الأب – طالما لم تكن له أم معروفة وتوافرت الشروط الخمسة للإقرار .
الثانى : إذا كانت المرأة متزوجة أو فى عدة من زواج – لا يكفى لثبوت النسب هنا مجرد إقرارها كما فى الحالة الأولى بل يتعين أن يصادقها زوجها أو مطلقها حتى ينسب الولد إليه أيضاً ، وذلك بالطبع رهين توافر الشروط الخمسة.
وخلاصة الأمر فى ثبوت النسب للأم أن نسب الولد وإن صح ثبوته من المرأة التى تقر بأمومتها له متى لم تكن له أم معروفة وكان ممن يولد مثله لمثلها وصادقها المقر له على إقرارها أن كان فى سن التمييز دون توقف على شئ آخر ودون حاجة إلى إثبات ، سواء أكانت الولادة من زواج صحيح أو فاسد أو من وطء بشبهة أو من غير زواج شرعى كالسفاح إذ ولـد الزنى يثبت نسبه للأم الزانية بخلاف ثبوت النسب من الأب إلا أن ذلك مشروط بأن تكـون المـرأة ذات زوج أو معتـدة لأن إقرارها عندئذ يكون قاصر الأثر عليها ولا يتعداها إلى الغير ، أما إذا كانت وقت الإقرار متزوجة أو معتدة أو أقرت بالولد ونسبته إلى من كان زوجا لهـا فإن النسب لا يثبت بإقـرارها لما فيـه من تحميل النسب على الغير وهو الزوج ويتعين لثبوته أن يصادقها الزوج وإلا وجب عليها إقامة الحجة كاملة على مدعاها لأن الإقرار متى حمل النسب فيه على الغير يكون دعوى مجردة أو شهادة مفردة ، والدعوى المجردة لا تكفى للقضاء بموجبها .
ثانيا : إثبات النسب الفرعي بالاقرار
أما النسب الفـرعى فهو الذى يكون فيه حملاً للنسـب على غير المقر ويكون ذلك كما إذا قال الرجل بأن فلاناً أخوه فإن معناه أن يجعله ابناً لأبيه وأخاً له نفسه ، أو الإقرار بأن فلاناً عمه فأنه لا يثبت أنه عمه إلا بعد ثبوت نسب المقر له من الجد .
وهذا الإقرار لا يصلح وحده سبباً لثبوت النسب فهو لا يجعل المقر له بالأخوة ابناً لأبى المقر لأن ( الإقرار حجة قاصرة على المقر )، ويتعين لصحة هذا الإقرار إما أن يصدق من حمل النسب عليه أو أن يثبت المقر هذا النسب بالبينة وقد استخدمت البينة فى هذا الصدد إثبات الأخوة والعمومة .. أى إثبات ما ينطوى على تحميل على الغير فلا يشترط إثبات أن سبب هذا النسب زواج صحيح طـالما كان المقصود من الدعوى إثبات الأخـوة باعتبارها سبب للإرث فإن لم يكن تصديق من حمل عليه النسب أو البينة لا يثبت النسب ولكن يعامل المقر بإقراره من ناحية الميراث وغيره من الحقوق التى ترجع إليه نفسه مثل وجوب نفقته عليه إذا كان فقيراً وكان المقر موسراً ، وبناء على ذلك فإذا اقر إنسان بأخ له فإن صدق من حمل النسب عليه أو ثبت هذا النسب بالبينة شارك الأخ المقر له بالنسب جميع الورثة فى الميراث أما إذا لم يصدقه من حمل النسب عليه أو لم يثبت بالبينة فإن حكمه أن يشاركه وحده فى نصيبه من ميراث أبيه دون أن يزاحم الورثة الآخرون.
فإذا مات المقر بأخ ونحوه دون أن يصدقه من حمل النسب عليه ولم يثبت بالبينة فيتحقق هنا فرضان :
الأول : إذا لم يكن للمقر ورثة غير المقر له بالأخوة استأثر المقر له بالميراث وذلك لأن إقرار المقر تصرف منه يلزمه .
الثانى : إذا كان للمقر ورثة آخرين استأثروا بالميراث دون المقر له لأنهم ورثة بيقين فيكون حقهم فى الميراث ثابتاً بيقين كذلك فلا يجوز التعدى عليهم بتوريث غيرهم معهم ميراث مشكوك فيه لعدم ثبوت نسبه .
اللقيط " تعريفه وإثبات نسبه "
ومن الأمور التى يتطرق إليها البحث دوما بمناسبة الحديث عن ثبوت النسب حكم اللقيط وهو المولود الذى نبذه أهله فراراً من تهمة الزنا أو خوفاً من الفقر أو غير ذلك .
ولقد عنى الفقه الإسلامي بتحديد مركز اللقيط وبيان أحكامه ، وما يجرى عليه العمل الآن فى مصر هو أن الملتقط يسلم اللقيط إلى جهة الإدارة فتقوم بعمل التحريات عن ظروف نبذه من أهله والتقاطه من صاحبه ثم تسلمه إلى جهة من الجهات التى ترعى أمثاله ، ومن أراد أن يضمه إليه ليتولى تربيته ورعايته أجيب إلى طلبه إذا كان قادراً على تربيته دون أن يترتب على ذلك وجود علاقة من العلاقات الثابتة بين الأقارب .
وعلى ذلك فإذا ادعاه واحد من الناس ثبت نسبه منه بمجرد الدعوة أى الإقرار بنسبه .
نقض أحوال الطعن رقم 707 لسنة 71 ق – جلسة 28/ 5/ 2005
لأن ذلك فى مصلحته وهذا ليس معناه ثبوت النسب لكل من يدعى واحد من هؤلاء اللقطاء بل لابد من توافر الشروط التى تقدم ذكرها ، فإذا ادعاه اثنان وسبقت دعوى أحدهما على الآخر فهو ابن السابق عند عدم البرهان ، وإن ادعياه معاً ووصف أحدهما علامة فيه ووافقت الصحة يقضى له به ما لم يبرهن الآخر ، وإن دعاه مسلم وذمي كان للمسلم فإذا ادعته امرأة متزوجة وصدقها زوجها أو أقامت البينة على أنه ولدها صحت دعواها وثبت نسبه منها ومن زوجها وإلا فلا ، وإن لم تكن ذات زوج فلابد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين .
التبني مفهومه وجوازه في إثبات النسب
وثبوت النسب بالإقرار إذا توافرت شروطه أمر آخر غير ألتبنى المعروف فى البلاد الغربية ويختلف عن ألتبنى الذى يدعو إليـه البعض تفريجـا لازمة اللقطـاء ذلك أن النسب الذى يثبت بالإقرار فى مصر هو نسب صحيح حقيقى كما أسلفنا أما التبنى الذى يقره القانون الفرنسي مثلاً فهو عقد ينشئ بين شخصين علاقات صورية ومدنية محضة لأبوه وبنوه مفترضة ، ولذلك فهو قد يكون لمن له أبوان معروفان .
وهذا التبنى لا يعترف به الإسلام ولا يثبت أبوة ولا بنوة ولا أية علاقة شرعية أخرى بين الرجل المتبنى والولد المتبنى ، وعلى ذلك فإذا أقر الزوجين بتبنى الصغير المطلوب نسبه إليهما تعين رفض الدعوى استناداً إلى أنه لا تبنى فى الإسلام .
البينة الشرعية
البينة الشرعية أو شهادة الشهود تعد من طرق اثبات النسب , وهى حجة متعدية حيث لايقتصر الحكم الثابت بها على المدعى عليه بل يثبت فى حقه وحق غيره بخلاف الإقرار الذى يعد حجة قاصرة على المقر وحدة لا يتعداه إلى غيره.
إلا أن البينة الشرعية لا تصلح لاثبات النسب مجرداً , وإنما هى وسيلة لاثبات سبق قيام الزوجية أو سبق إقرار الأب بالنسب وإنجاب الابن من مائه وبغير اشتراط معاينة واقعة الولادة أو حضور مجلس العقد أن كان .
أما إثبات واقعة الولادة أو تعيين شخص المولود تحديداً – تمهيداً لثبوت النسب – فيجوز إثباتها بالبينة الشرعية وتقبل فيها شهادة المرأة واحدة كالقابلة أو الطبيب المولد , وذلك كما لو ادعت الزوجة الولادة أنكرها الزوج أو لاينكرها وانما ينكر شخص المولود .
شرط الادعاء بالنسب إلي متوفي وثبوت النسب المعتدى (شروط قبول دعوى النسب) :
إلا أنه يشترط لقبول البينة فى حالتي الولادة وتحديد شخص المولود – فى ذاتها – معاينة واقعة الولادة أو حضور مجلس العقد ، ومتى ثبت النسب فلا حاجة لبحث ما إذا كان المطلوب إثبات نسبه من زواج صحيح إذ يكفى ثبوت النسب بأحد الطرق المقررة شرعاً .
كما يتعين الإشارة إلى ما استقر عليه الفقه الشرعى وقضاء محكمة النقض فى مجال تقدير البينة الشرعية فى خصوص النسب من القواعد الشرعية القائلة بأن "التناقض فى الشهادة على النسب عفو مغتفر" وبأنه "إذا تعارض ظاهراًن فى النسب قدم المثبت له"وأنه "إذا احتملت العبارة إثبات النسب وعدمه صرفت للإثبات" , وأنه "اجيزت فى النسب الشهادة بالشهرة والتسامع" .
إثبات واقعة الولادة :
إلا أنه يكفى على العموم فى الشهادة على النسب السماع استثناء عدا إثبات واقعة الولادة وتحديد المولود ، وإثبات النسب بالشهادة أقوى من إثباته بالإقرار ولو تعارضا رجح الإثبات بالشهادة فلو اقر الرجل بأبوته لولد قام غيره بإثبات أبوته له بشهادة الشهود رجح قول الثانى عن الأول وكان أحق بنسبه من الأول لأنه أثبت دعواه بالبينة وهى أقوى من الإقرار .
حالات عدم سماع دعوى النسب الآمن خلال المطالبة بحق آخر
ويتعين التفرقة فى قبول دعاوى النسب بوجه عام بين حالتين :
الأولى : إذا كانت الدعوى بأصل النسب الأبوة أو البنوة .ويتعين فيها التفرقة فى قبول دعاوى النسب بوجه عام بين حالتين :
الأول : إذا كانت فى حياة الأب أو الابن سمعت الدعوى إذا كانت قد رفعت لمجرد إثبات النسب ودون طلب حق آخر أو كانت ضمن دعوى حق آخر كنفقة أو ميراث .
الثانى : إذا أقيمت الدعوى بعد وفاة الأب أو الابن فإن الدعوى بالنسب لا تسمع إلا إذا كانت ضمن دعوى بحق آخر كالميراث لأن المدعى عليه إذا كان ميتاً كان فى حكم الغائب مما لا يجوز معه القضاء عليه قصدا وإنما يصح القضاء عليه تبعا .
الثانية : إذا كانت الدعوى بما يتفرع عن النسب أى تنطوى على تحميل النسب على الغير ، فإن هذه الدعوى لا تسمع سواء حال حياة من يدعى ثبوت النسب منه أو بعد وفاته ، إلا إذا ثبت أولا من غيره ومن ثم لا يكون المقصود أولا بالذات من الدعوى هو النسب وإنما ما يترتب عليه من الحقوق كالميراث أو النفقة ، فإذا أدعى النسب مجرداً من أى حق آخر كانت دعوى بحق غير مقصود فـلا تقبل ، وإن أدعى النسب فى دعوى ضمن حق آخر وكان هذا الحق لا يثبت إلا إذا ثبت النسب كانت دعوى بحق مقصود للمدعى فتقبل ، فإذا أقـام المدعى البينة قضى له بالحق الذى يدعيه ويثبت النسب ضمنا وتبعا .
ونحن نرى أن يجوز وقف مفهوم المادة 58 من القانون رقم 1 لسنة 2000 بتنظيم إجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية إضافة طلب ثبوت النسب بالإقرار أو البينة لأول مرة أمام محكمة الاستئناف دون سبق طرحه على محكمة أول درجة ودون أن يعد ذلك طلبا جديداً أو سبباً جديداً فى مفهوم المادة 176 من قانون المرافعات واستثناء على القاعدة المقررة بالمادة الأخيرة .
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الثاني ، الصفحة : 41
المقصود بالإنكار:
المقصود بالإنكار هو إنكار الزوجية الذي يحصل أمام القضاء. فإذا رفعت الدعوى الناشئة عن الزواج أمام المحكمة ولم يحضر الخصم أمام المحكمة فلا يعد ذلك إنكارا إذ لا يمكن أن ينسب له قول ما ، وإذا حضر الخصم وسكت، فإن هذا السكوت لا يعتبر إنكاراً لأن القاعدة الفقهية أنه لا ينسب لساكت قول ، وإذا حضر الخصم ودفع سماع الدعوى بعدم تقديم المدعى وثيقة زواج رسمية عد ذلك إنكاراً منه للزوجية، ولا يلزم أن يكون الإنكار صريحاً، فيجوز أن يكون الإنكار ضمنياً. ويعتبر تقدير الإنكار من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع دون رقابة عليها في ذلك من محكمة النقض.
موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة 143
ثبوت النسب بالفراش
يثبت النسب بواحد من ثلاثة: الفراش، والإقرار، والبينة، وسنتناول دراسة كل منها تباعاً، ونبدأ هنا بثبوت النسب بالفراش.
المقصود بالفراش:
الفراش ما يبسط للجلوس أو النوم عليه، وقد يكنى به عن المرأة. يقال هذه قبيلة كريمة المفارش إذا كانت تتزوج الكرام من النساء ، وقال تعالى فيما أعد لأهل اليمين في الجنة:(وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) فكني بالفراش عن النساء.
والمراد بالفراش هنا الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة عند ابتداء حملها بالولد لا عند حصول الولادة، أو كون المرأة معدة للولادة من شخص معين، وهو لا يكون إلا بالزواج الصحيح وما ألحق به من الزواج الفاسد والوطء بشبهة ، فإذا ولدت الزوجة بعد زواجها - بشروط سيأتي بيانها - ثبت نسب المولود من ذلك الزوج دون حاجة إلى إقرار منه بذلك أو بينة تقيمها الزوجة على ذلك لقول رسول الله عليه السلام «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وإنما يثبت النسب بالفراش من غير حاجة إلى شيء آخر، لأن الزوجة مقصورة على زوجها ليس لغيره أن يشاركه هذا الاستمتاع بل ولا الاختلاء بها خلوة محرمة، فينبنى على ذلك اعتبار حمل الزوجة من زوجها واحتمال أنه من غيره احتمال مرفوض، لأن الأصل في الناس الصلاح والاستقامة حتى يثبت العكس.
والنص لم يعدل أحكام ثبوت النسب المنصوص عليها بالمذهب الحنفي، ولم يتعرض لثبوت النسب أو نفيه، فيظل النسب بالفراش ثابتاً بمجرد العقد مع إمكان تصور التلاقي بين الزوجين وإنما أتى النص بقيد على سماع الدعوى، مقتضاه أن تقضي المحكمة بعدم سماع دعوى النسب عند الإنكار لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها ، فمحل القضاء بعدم سماع الدعوى أن ينكر نسب الولد، وأن يثبت للمحكمة أنه لم يلتق بزوجته منذ العقد أو غاب عنها لمدة سنة سابقة على الولادة.
والمقصود بعبارة (عدم التلاقي) ليس دخول الزوج بالزوجة، وإنما المقصود بها اجتماعهما من وقت العقد إلى وقت الولادة اجتماعاً تصح معه الخلوة.
ولما كان القصد من قيد عدم سماع الدعوى القضاء على الاحتيال والتزوير من جانب بعض النساء اللاتي تدعين النسب رغم عدم تلاقيهن مع أزواجهن منذ العقد أو غيبتهم عنهن مدة سنة، فإنه يكون متعلقا بالنظام العام ويجب على المحكمة التصدى له من تلقاء نفسها.
وهذه المادة لم تحدد أقصى مدة الحمل بسنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة، ولم تمنع ثبوت النسب بعد مضي هذه المدة، لأنها لم تتعرض لثبوت النسب أو نفيه. وعلى ذلك فإن حكم المذهب الحنفي ما زال ساريا في أقصى مدة النسب بالتفصيل السابق ، وإنما أتت المادة بقيد على سماع دعوى النسب مقتضاه أن دعوى النسب لولد المطلق (رجعياً أو بائناً) والمتوفى عنها زوجها لا تسمع عند الإنكار إذا - أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة، وعلى ذلك إذا لم ينكر المطلق أو ورثة الزوج بحسب الأحوال النسب تكون الدعوى مسموعة.
وقد بني هذا القيد على ما ثبت من رأى أهل الخبرة ( الطبيب الشرعي) أن أقصى مدة الحمل 365 يوما وأن هذه تتسع للحالات النادرة، وقد جاء ذلك متفقا مع رأي محمد بن الحكم من فقهاء المالكية.
وقد حدا الشارع إلى وضع هذا القيد ما رآه من أن العمل بالأحكام الواردة بالمذهب الحنفي مع شيوع فساد الذمم وسوء الأخلاق أدى إلى الجرأة على إدعاء نسب أولاد غير شرعيين و إلى تقديم شكاوى عديدة، وقد استند إلى ما هو جائز . شرعا لولي الأمر أن يمنع قضاته من سماع بعض الدعاوى التي يشاع فيها التزوير والإحتيال ودعوى نسب ولد بعد مضي سنة من تاريخ الطلاق بين الزوجين أو وفاة الزوج ظاهر فيها الإحتيال والتزوير.
ولما كان القصد من هذا القيد الحفاظ على نسب المولودين والقضاء على التزوير والاحتيال من جانب بعض المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، فإن هذا القيد يضحي متعلقا بالنظام العام، وتتصدى له المحكمة من تلقاء نفسها دون دفع من الخصم.
شروط ثبوت النسب بالفراش:
يشترط لثبوت النسب بالفراش توافر الشروط الآتية:
الشرط الأول : وجود عقد زواج:
إذا كان ثبوت النسب بالفراش يستند إلى عقد زواج صحيح أو فاسد، فيجب وجود عقد زواج، لأن القاعدة في إثبات النسب أنه إذا استند إلى زواج صحيح او فاسد فيجب لثبوته أن يكون الزواج ثابتا لا نزاع فيه سواء كان الإثبات ها الفراش أو بالإقرار أو بالبينة الشرعية وهي على من ادعي، ويثبت الزواج بكافة طرق الإثبات الشرعية من بينة وإقرار ويمين.
الخلاف في تاريخ الزواج:
قد تلد الزوجة ثم تختلف مع زوجها في تاريخ النكاح، بأن تدعي أنها تزوجته منذ ستة أشهر لكي تصل إلى إثبات المولود منه، بينما يقول الزوج أنه تزوج منها منذ أقل من ستة أشهر حتى يصل إلى عدم إثبات نسب المولود منه.
والحكم في هذا الخلاف، أن القول قول الزوجة، ويثبت نسب الولد من الزوج، لو لأن ولأن الظاهر يشهد لها، لأنها ولدت ظاهراً من نكاح وحملا لها على الصلاح، ولأن كان للزوج ظاهر آخر يشهد له، هو إضافة الحادث - تاريخ النكاح المختلف فيه - إلى أقرب الأوقات، إذ الحوادث تضاف لأقرب الأوقات، إلا أنه يرجح الظاهر الذي يشهد للمرأة لأن النسب يحتاط في إثباته.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الزوجة لا تستحلف ويؤخذ بقولها بلا يمين. بينما ذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه يؤخذ بقولها مع اليمين. والرأي الأخير هو المفتى به في المذهب.
ولا تسمع بينة من الزوج أو ورثته على تاريخ نكاحه الذي يدعيه لأنها شهادة على النفي معنى، لأنها في حقيقتها لنفي حصول الزواج في التاريخ الذي تدعيه المرأة، فلا تقبل لأن النسب يحتال في إثباته كلما أمكن ذلك، وهو هنا ممكن، باحتمال أنه سبق أن تزوجها سرا بمهر يسير، ثم جهرا بأكثر منه للشهرة والسمعة وهذا مشاهد وكثير الوقوع.
هل يشترط لثبوت النسب بالفراش تلاقى الزوجين بعد العقد؟ .
ذهب الأحناف إلى أنه لا يشترط لثبوت النسب بالفراش تلاقى الزوجين بعد في العقد، وأن العقد وحده كاف لثبوته مع تصور التلاقي وإن لم يتم التلاقي بالفعل قط.
ولذا قالوا لو عقد رجل بالمشرق زواجه بامرأة في المغرب ولم ينتقل أحدهما إلى الآخر ثبت ولدها منه متى جاءت به لستة أشهر أو أكثر من حين العقد.
وقالوا إن تصور التلاقي شرط لإثبات النسب ولذا لو جاءت امرأة الصبي بولد لا يثبت نسبه، والتصور ثابت في المغربية لثبوت كرامات الأولياء والاستخدامات فيكون صاحب خطوة أو جنياً.
وتصور التلاقي الذي ذكره الأحناف قد يكون أقرب إلى الواقع في العصر الحديث الذي شهد تقدما كبيرا في وسائل المواصلات ، واستند الحنفية في ذلك إلى حديث الرسول «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وأن الفراش هو كون المرأة متعينة لثبوت نسب ولدها من الرجل إذا أتت به وهذا يكون في النكاح عقب العقد الصحيح مباشرة لأنه من آثاره.
ويتأتى ذلك بأن يكون الزوج بالغاً أو مراهقاً أي قريباً من البلوغ، ولم تظهر عليه بعد أمارات البلوغ، فلو كان صغيراً دون ذلك لا تعتبر الزوجة فراشاً تحمل منه زوجته لأن هذه قرينة قاطعة على أن الحمل ليس منه، ولأن الشرط الأساسي لأي نسب أن يولد مثل الولد لمثل من ينسب إليه ولا يكون ذلك ذا ولد. المولود والزوج صغير، (وقدر من الجماع بعشر سنين).
و أن تلد المرأة لأقل من أقصى مدة الحمل: وأقصى مدة الحمل عند الحنفية سنتان، وهذا الشرط يسري على الولادة بعد الطلاق البائن أو الموت، فإذا جاءت المرأة بالولد لسنتين فأكثر من حين الطلاق البائن أو موت الزوج تيقن أنها حملت به بعد انتهاء الفراش يقيناً، أما المطلقة رجعياً، فيثبت نسب ولدها من الزوج في أي وقت ما لم تقرر بانقضاء عدتها بعد طلاقها منه، ويحمل ذلك على أنه راجعها بعد الطلاق في عدتها التي قد يطول وقتها إذا امتد طهرها ويكون ثبوته بالفراش الذي استدامته الرجعة.
نسب المطلقة والمتوفى عنها زوجها:
المطلقة قبل الدخول :
يثبت نسب ولد المطلقة قبل الدخول من زوجها إذا جاءت به لستة أشهر من حين العقد ولأقل من ستة أشهر من حين الطلاق. لأن مجيئها به لأقل من ستة أشهر من حين العقد يدل على أنها حملت قبل أن تكون فراشا لهذا الزوج،
ومجيئها به لأكثر من ستة أشهر من حين الطلاق يحتمل أن يكون لأنها حملت به بعد الطلاق من غيره، واحتمال أنها حملت به قبل الطلاق لا يكفي لإثبات النسب هنا لأن زوجيتها انقطعت بهذا الطلاق البائن حيث لا عدة لها.
والأصل في هذا عند الحنفية ما قالوه أن كل امرأة لا تجب عليها العدة لا يثبت نسب ولدها من زوجها إلا إذا علم يقينا أنه منه، بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين الطلاق، وكل امرأة يجب عليها العدة يثبت نسب ولدها من زوجها إلا إذا علم يقينا أنه ليس منه بأن تجئ به لأكثر من مدة الحمل على النحو الذي سيأتي تفصيله.
المطلقة بعد الدخول رجعياً:
وإذا أقرت المطلقة بعد الدخول رجعياً بانقضاء عدتها بعد مدة تحتمل انقضاء العدة فيها، بأن تكون المدة التي مضت قبل الإقرار بالانقضاء ستين يوما على المفتي به، ثم جاءت بولد لستة أشهر فأكثر من حين الإقرار، لم يثبت نسبه من مطلقها لأن إقرارها بانقضاء العدة يقطع الزوجية، ويحتمل أن يكون الحمل من غيره بعد العدة. أما إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من حين الإقرار فإن نسبه يثبت وتعتبر كاذبة في إقرارها، ويعتبر الزوج مراجعا لها في العدة إذا زادت، المدة بين الطلاق والولادة على أكثر مدة الحمل ، فإن لم تزد عنها لم يعد مراجعاً، بل تنتهي عدتها بوضع الحمل لأن ثبوت النسب حينئذ لا يستلزم الرجعة لاحتمال حصوله قبل الطلاق.
أما إذا لم تقر بانقضاء عدتها ثبت نسب ولدها من مطلقها ولو جاءت به بعد الطلاق بسنتين أو أكثر، لأنها إن جاءت به لأقل من سنتين من وقت الطلاق اعتبرت حاملاً به وقت قيام الزوجية. وإن جاءت به لسنتين أو أكثر اعتبر الحمل به وقت العدة لأنه يجوز للزوج مخالطتها في وقت العدة، ويكون ذلك مراجعة لها مهما طالت المدة، لأن المرأة تعتبر ممتدة الطهر، وتمتد عدتها بامتداد الطهر حتى تبلغ سن الأياس ويثبت نسبها سترا على الأعراض وصيانة للود من الضياع.
المطلقة بعد الدخول بائناً :
إذا أقرت المطلقة بعد الدخول بائنا بانقضاء العدة، وكانت المدة تحتمل انقضاء العدة ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار وأقل من سنتين من وقت الفرقة ثبت نسبه من المطلق للتيقن حينئذ من أن الحمل لم يحدث بعد انقضاء العدة وتكون كاذبة في إقرارها .
أما إذا جاءت به لستة أشهر فأكثر من وقت الإقرار فلا يثبت نسبه لاحتمال أن الحمل به قد حدث بعد انقضاء العدة وتقوى هذا الاحتمال بإقرار المرأة بانقضاء عدتها، وكذلك لو جاءت به لتمام سنتين أو أكثر من وقت الفرقة فلا يثبت لتحقق حدوث الحمل بعد الفرقة ، أما إذا لم تقر بانقضاء العدة، فإن جاءت به لأقل من سنتين من وقت الفرقة ثبت نسبه لاحتمال أن يكون الحمل موجودا وقت الطلاق فلا يكون هناك يقين بزوال الفراش فيثبت النسب احتياطاً ، والنسب يحتاط في إثباته دائما إحياء للولد وكون الحمل كان موجودا عند الطلاق أو يحتمله يدعو لكي يحمل عليه احتيالا لإثبات النسب.
وإذا جاءت به اتمام سنتين أو أكثر فلا يثبت نسبه للتيقن من حدوث الحمل بعد الفرقة ، وهذا إذا لم يدعه المطلق، فإن ادعاه ثبت نسبه منه، ويحمل على أن المرأة قد حملت به بسبب مخالطة بشبهة.هذا، وكل حالة يثبت فيها نسب ولد المعتدة من طلاق يثبت فيها أيضا نسب ولد المعتدة من فرقة أخرى غير الطلاق، كالفرقة بسبب الردة أو خيار البلوغ أو عدم الكفاءة، وكل حالة لا يثبت فيها النسب في عدة الطلاق لا يثبت فيها النسب في غيره .
المتوفى عنها زوجها :
إذا ادعت المتوفى عنها زوجها الحمل ولم تقر بانقضاء العدة، فإنه يثبت نسب ولدها إذا جاءت به الأقل من سنتين من وقت الوفاة لقيام الفراش حتی حملها أو لاحتمال حدوث الحمل قبل الموت وهذا كاف في الحكم بثبوت النسب.
أما إذا جاءت به لسنتين فأكثر فلا يثبت نسبه للتيقن من حدوث الحمل بعد الموت.
وإن لم تدع الحمل وأقرب بانقضاء عدتها بمضى أربعة أشهر وعشرة أيام ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من انقضاء عدتها الذي زعمته ثبت نسبه الإمكان تيقن قيام الحمل وقت الإقرار ويثبت كذبها في إقرارها.
وإذا جاءت به لستة أشهر فأكثر من وقت الإقرار فلا يثبت نسبه من زوجها لاحتمال أن يكون حملها من غيره بعد انقضاء عدتها وقد تقوى هذا الاحتمال بإقرارها بانقضاء العدة.
الأيسة:
إذا كانت الأيسة معتدة من طلاق، فإذا لم تقر بانقضاء عدتها، وولدت بعد الطلاق الرجعي أو البائن فإنها وذوات الأقراء سواء، لأنها بولادتها لم تكن آيسة من المحيض، بل كانت من ذوات الأقراء.
وعلى ذلك يثبت نسب ولدها من المطلق إذا ولدته لأقل من سنتين من تاريخ الطلاق البائن، ولا يثبت إذا ولدته لأكثر من ذلك، وفي الطلاق الرجعي يثبت النسب وإن أتت به لأكثر من سنتين.
وإذا أقرت بانقضاء العدة مطلقا غير مفسر بالأشهر بمعنى أنها لم تقل أن عدتها انتهت بالأشهر، وكان هذا الإقرار في مدة يتصور فيها أن يكون ثلاثة أقراء، ثم ولدت بعد ذلك لأقل من ستة أشهر من الإقرار يثبت نسب الولد للمطلق لأن كذبها ظهر بيقين إذ ثبت أن العلوق كان قبل الإقرار لحصول الولادة قبل مضى أقل مدة الحمل من تاريخ هذا الإقرار.
وإن ولدت لستة أشهر فأكثر من تاريخ الإقرار لا يثبت النسب للمطلق، وذلك لأنها أقرت بانقضاء العدة مطلقاً ، فيحمل هذا الإقرار على الإنقضاء بالإقرار وهذا هو الأصل، ومادام أن الولادة كانت لستة أشهر أو أكثر من تاريخ هذا الإقرار فيحمل كلامها على أن العلوق كان من الغير بعد انتهاء العدة، كأن تكون تزوجت بغية أن تطلق عقب ذلك وحملت منه ، فلا يبطل إقرارها لعدم ظهور كذبها فيه يقيناً.
ويشترط لكي يثبت النسب في حالة الإقرار السابق أن تكون الولادة لأقل من سنتين أيضاً منذ بأنت ، أما في الرجعي فلا يشترط ذلك .
وإذا أقرت بانقضاء عدتها بالأشهر فقد سوى بعض الفقهاء في الحكم بسين هذه الحالة وبين حالة عدم الإقرار بانقضاء العدة المار ذكرها، فقال بأن نسب الولد يثبت من المطلق إلى سنتين في الطلاق البائن، وإلى مالا نهاية له في الطلاق الرجعي.
وأساس هذا عندهم أنها لما ولدت بطل اعتدادها بالأشهر إذا ظهر أنها لم تكن أيسة ، فصارت كأنها لم تقر بانقضاء العدة، ولذلك تأخذ حكم غير المقرة بانقضاء العدة إن ولدت .
وقال آخرون: إن هذه الحالة تأخذ حكم الإقرار بانقضاء العدة مطلقاً فإن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار ثبت النسب وإن جاءت لأكثر من ذلك لا يثبت.
أما إذا كانت الآيسة معتدة من وفاة فإنها كذوات الأقراء سواء بسواء ، لأن عدة الوفاة تكون بالأشهر في حق كل واحدة منهن إذا لم تكن حاملاً، فالحامل عدتها تقضي بوضع الحمل، يستوي أن يكون ذلك للموت أو غيره .
المطلقة الصغيرة:
(أ) في حالة الطلاق قبل الدخول:
إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق، ثبت نسبه من المطلق، لأن قيام الحمل قبل الطلاق بيقين، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، وثبت النسب في هذه الحالة رغم عدم الدخول لأن الأحناف لا يشترطون الدخول في ثبوت النسب بالفراش كما أوضحنا سلفا.
وإذا جاءت به لستة أشهر فأكثر، فإن نسبه لا يثبت من المطلق، لأنه لا عدة لها لحصول الطلاق قبل الدخول، ولا يقال بالعدة هنا بناء على الحكم بالدخول نتيجة لحصول العلوق قبل الطلاق)، لأن الولادة لأكثر من ستة أشهر لا تستلزم كون العلوق حصل قبل الطلاق، فقد يكون حصوله بعده، فلا تكون هناك عدة، لأن العدة لا تثبت مع الشك.
(ب) في حالة الطلاق بعد الدخول :
إذا أقرت بانقضاء العدة بعد ثلاثة أشهر، ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار ولأقل من تسعة أشهر من وقت الطلاق، ثبت نسبه لأنه يتعين وجود الولد في بطنها قبل انقضاء العدة وتكون كاذبة في إقرارها.
وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت الإقرار ولتسعة أشهر أو أكثر من وقت الطلاق لم يثبت النسب لانقضاء العدة بإقرارها، ولا يقين في أن ما جاءت به جاء ببطنها قبل انقضاء العدة.
أما إذا لم تقر بانقضاء عدتها ولم تدع حبلاً، وجاءت بولد لأقل من تسعة أشهر من وقت الطلاق ثبت نسبه عند أبي حنيفة ومحمد سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً - وعند أبي يوسف يثبت نسبه إلى سنتين في الطلاق البائن وإلى سبعة وعشرين شهرا في الطلاق الرجعي.
وحجة أبي حنيفة ومحمد أن لانقضاء عدة الصغيرة جهة واحدة في الشرع عينها الشارع بالنص وجعلها ثلاثة أشهر، وبانقضائها بحكم الشرع بالانقضاء أقرت به أو لم تقر، فحكم الشرع بالانقضاء فوق إقرارها بالانقضاء لأنه لا يحتمل الخلف وعدم المطابقة بخلاف إقرارها، فغاية الأمر أن يجعل انقضائها بمنزلة إقرارها، فإذا ولدت قبل مضي تسعة أشهر من وقت الطلاق تبين أن الحمل من كان قبل انقضاء العدة وإن ولدته لتسعة أشهر فأكثر فهو حمل حادث بعد انقضاء عدتها بالأشهر.
وحجة أبي يوسف، هي احتمال وطء المطلق للمطلقة رجعياً في آخر عدتها وهي الثلاثة أشهر فأتت به لأكثر مدة الحمل وهي سنتان، ولذلك فرق بين المطلقة بائنا في المدة التي يثبت فيها نسب الولد .
أما إذا ادعت حبلاً في فترة العدة، فهو إقرار منها بالبلوغ فيقبل قولها وتصبح كالكبيرة في ثبوت نسب الولد. غير أن هذا القول لا يؤخذ بإطلاقه، و نما يقصد به أنها كالكبيرة في أنه لا يقتصر في حق ثبوت النسب على أقل من تسعة أشهر، فإذا ان طلاقها بائناً يثبت نسب ولدها لأقل من سنتين وإن كان رجعياً يثبت نسبه إذا أتت به لأقل من سبعة وعشرين شهراً لا مطلقا كالكبيرة، لأن ثبوت نسب ولد الكبيرة المطلقة رجعياً لأكثر من سنتين وإن طال إلى سن یاس بني على جواز امتداد طهرها ووطئه إياها في آخر الطهر. بخلاف تصغيرة لأن عدتها ثلاثة أشهر فيحتمل وطؤها في آخر عدتها ثم تحبل سنتين، فلابد من أن تكون قد أتت به لأقل من سبعة وعشرين شهرا حتى يثبت نسبه.
الصغيرة المتوفى عنها زوجها :
إذا أقرت الصغيرة المتوفى عنها زوجها بالحبل كانت كالكبيرة، فيثبت نسب ولدها من المتوفي إلى سنتين.
وإن أقرت بانقضاء عدتها بعد أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم جاءت بالولد أقل من ستة أشهر من وقت إقرارها ثبت نسب الولد من المتوفي لتيقن وجود الحمل في بطنها وقت الإقرار وتكون كاذبة في إقرارها. وإن أتت به لستة أشهر " فصاعدا من وقت الإقرار لم يثبت نسبه من المتوفي لاحتمال حدوث الحمل بعد الإقرار .
وإن لم تدع الحبل، ولم تقر بانقضاء العدة، فقد ذهب أبو حنيفة ومحمد أن نسب ولدها يثبت من المتوفي إذا أتت به لأقل من عشرة أشهر وعشرة أيام من لوفة لأنه تيقن وجوده قبل انقضاء عدة الوفاة، وإن أتت به لعشرة أشهر وعشرة أيام فأكثر لا يثبت نسبه من المتوفي.أما أبو يوسف فقد ذهب إلى أنها إذا أتت به لأقل من سنتين من الوفاة يثبت نسبه من المتوفى، وإن أتت به لسنتين فأكثر لم يثبت، لأنه اعتبر سكوتها بمنزلة الإقرار بالحبل.
سماع دعوى النسب :
يتعين التفرقة في سماع دعوى النسب بين حالتين:
الأولى: أن تكون الدعوى بأصل النسب أي الأبوة أو البنوة:
إذا رفعت الدعوى حال حياة الأب أو الأم أو الأبن سمعت الدعوى مجردة بالنسب، فيصح أن يدعي شخص على آخر أنه ابنه بدعوى مجردة من غير المطالبة بحق آخر.
ومن باب أولى تسمع الدعوى ولو كانت ضمن حق أخر كالنفقة والميراث.
وإذا كانت الدعوى بعد وفاة الأب أو الأم أو الابن فلا تسمع الدعوى بالنسب استقلالا، لأنها دعوى على ميت وهو غائب والغائب لا يصح القضاء عليه قصدا ويصح تبعا.
وإنما يجوز أن ترفع دعوى النسب ضمن حق آخر كالميراث، لأن النسب لا يكون فيه مقصودا لذاته بل هو وسيلة لإثبات الحق المتنازع فيه، والخصم هنا ليس هو الميت بل الورثة أو من بيده التركة.
الثانية: أن تكون الدعوى بما يتفرع عن النسب أي تتضمن تحميلا للنسب على الغير:
في هذه الحالة لا تسمع دعوى النسب مجردة أي على سبيل الاستقلال، لأنها تتضمن الدعوى على الغائب، وهو من حمل عليه النسب، ولا تسمع الدعوى على غائب إلا إذا تضمنت حقا لحاضر، كدعوى الأخوة ضمن دعوى النفقة أو دعوى العمومة ضمن دعوى الميراث .
جواز رفع دعوى النسب والشهادة فيه حسبة :
يتعلق بثبوت النسب بحق الأم وبحق الصغير، ويتعلق به أيضا حق الله تعالى لاتصاله بحقوق وحرمات أوجب الله رعايتها، فيكون حق الله تعالى فيها غالباً.
ولذلك يجوز أن ترفع دعوى النسب حسبة، وتقبل الشهادة فيه حسبة بلا طلب، فالشاهد يتقدم إلى القاضي من تلقاء نفسه فيكون قائماً بدور المدعى والشاهد، ويكون القاضي نائبا عن الله تعالى فيها فكأنه أقيمت دعوى .
دعوى النسب يغتفر فيها التناقض :
من الأصول المقررة في فقه الشريعة الإسلامية أن التناقض مانع من سماع الدعوى، لاستحالة ثبوت الشيء وضده، ما لم يكن في موضع خفاء فيكون عفوا ولا يمنع من سماعها.
والنسب - كما رأينا - نوعان مقصود لذاته، يدعى به دون حاجة إلى دعوى حق آخر كالأبوة والبنوة المباشرة، ونوع غير مقصود لذاته، بل المقصود طلب حق لا يتوصل إليه إلا بإثبات النسب كالإخوة في طلب النفقة مثلا، والعمومة في طلب الإرث ، وأن التناقض إنما يغتفر في النوع الأول فقط بخلاف الثاني، فإن الفقهاء اعتبروه من باب دعوى المال، والتناقض لا يغتفر في دعوى المال ، واغتفر التناقض في دعوى النسب لأن النسب يبني على العلوق (حمل المرأة) وهو ما يخفى .
(1) وقد صدرت فتوى من دار الإفتاء المصرية بتاريخ ۲۲ من جمادى الآخر ۱۳۱هـ .
(أصدرها فضيلة الشيخ محمد عبده) خالفت الرأي الوارد بالمتن والأحكام الصادرة من محكمة النقض التي تقصر التناقض الذي لا يمنع من سماع الدعوى، على ذلك الذي يحدث في دعاوى النسب التي ليس فيها تحميل النسب على الغير، وذهبت إلى أن التناقض يغتفر في دعاوی النسب جميعاً.
وننشر فيما يلى السؤال المرسل إلى دار الإفتاء والفتوى الصادرة منها:
سئل:
توفي رجل عن ثلاث زوجات وأخت شقيقة وابن عم له عاصب وصدر حكم شرعي من محكمة إحدى المراكز الشرعية بثبوت نسب ووراثة الأشخاص المذكورين إلى المتوفى وقد تصرف ابن العم المذكور في استحقاقه ثم بعد صدور لائحة المحاكم الشرعية الجديدة ظهر شخص يدعي أنه ابن ابن عم المتوفي وأن ابن العم المذكور أقر قبل الحكم بثبوت وراثته وبعده بأنه ليس وارثا للمتوفى المذكور ولا قريباً له. فهل والحالة هذه لا تسمع دعواه المذكورة ولا بينة عليها. وعلى فرض صحتها يكون محجوبا بابن العم المذكور أم كيف الحال ؟.
أجاب :
لو صح ما يدعيه ابن ابن العم المذكور من أن ابن العم أقر قبل الحكم بأنه ليس وارثا للمتوفى ولا قريبا له لا يبطل الحكم الذي صدر بثبوت نسبه بعد دعوى صحيحة، لما صرحوا به من أن التناقض في النسب عفو لا يمنع صحة الدعوى به، ومثلوا لذلك بما لو قال : أنا لست بوارث له ثم ادعى إرثه وبين الجهة تصح، وعللوا ذلك بأن النسب مما يخفي كالطلاق وهذا هو الفرق بين دعاوى النسب والدعاوى التي تحصل في الملك - ويضربها التناقض وهذا التعليل يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون النسب من جهة الأصول والفروع أو غيرهما كما في واقعتنا وما يوجد في بعض الكتب من تصوير ما لا يبطل بالتناقض بدعوى نسب من جهة الأصول والفروع لا يقتضي التخصيص فاستنتاج التخصيص منه غير ظاهر. وفي الحقيقة أنه لا فرق بين نسب ونسب في الخفاء والظهور كما ذكرنا. أما ما يتعلق بما يدعي المدعى صدوره من ابن العم بعد الحكم بصحة نسبه فلا أثر له لأن الحكم محا كل مطعن في القبيل الذي ذكره. وبذلك يعلم أن تصرف ابن العم المذكور فيما ورثه نافذا شرعا حيث لا مانع. ويعلم أيضا أن ابن ابن العم المذكور على فرض ثبوت نسبه لا يكون وارثا في ذلك المتوفى لحجبه ابن العم المذكور والله أعلم».
الأصل في النسب الاحتياط، فيثبت مع الشك ويبنى على الاحتمالات النادرة:
الأصل الاحتياط في ثبوت النسب ما أمكن، فيثبت مع الشك ويبني على الاحتمالات النادرة التي يمكن تصورها بأي وجه، حملاً لحال المرأة على الصلاح وإحياء للولد - ولذا اعتبر النكاح فيه قائما مقام الدخول ويثبت بالإيماء مع القدرة على النطق، ويكون الإقرار به متعديا إلى غير المقر فيما إذا صدق معتدة الوفاة في الولادة من الورثة رجلان أو رجل وامرأتان وهذا استثناء من القاعدة العامة في الإقرار وهي أن الإقرار حجة قاصرة على المقر فقط دون غيره.
الأحكام الصادرة في دعاوى النسب حجة على الكافة :
الأصل أن القضاء يقتصر على المقضى عليه ولا يتعدى إلى غيره، إلا أن الفقهاء استثنوا من ذلك عدة مسائل منها النسب ، فيتعدى القضاء فيها إلى كافة الناس.
موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الثالث، الصفحة 414
النسب في الإسلام
النسب نعمة من الله على بني الإنسان أمتن الله عليهم بها وجعلها من مظاهر قدرته لذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز : {{ وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا }} أي من جملة قدرته سبحانه وتعالى أن خلق من نطفة الرجل والمرأة إنسانا بعد أن طوره في مراحله المختلفة وإدارة في أدوار التكوين فجعله قسمين : ذكرا ينتسب إليه فيقال فلان بن فلان ، وفلانة بنت فلان ، وأنثى يصاهر أهلها بزواجها فيتحقق بذلك الترابط وتتم الصلات الطاهرة بين بني الإنسان حتى يصيروا شعوبا وقبائل .
وكثيراً ما تظهر أمامنا قوة التشريع واضحة تنطق آياتها بنعم الله على عباده ، ومن ذلك ما تراه من هذا الاحتياط المحمود في ثبوت النسب للاولاد والمبالغة في الحرص عليهم من آثار الانحلال والضياع وإنقاذهم من براثن الرزيلة والفساد ، ونعمة النسب لها قيمتها وخطرها من ذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بالمحافظة عليها فقال: {{ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) .ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5) .. }}
نجد في الآية الأولي أن الإسلام قد أبطل التبني الذي كان شائعة قبل الإسلام واستمر حتى أوائل الدعوة الإسلامية وجاءت الآية الثانية بالأمر بانتسابهم إلي آبائهم إن كانوا معروفين فإن لم يعرف لهم آباء فهم إخوانكم في الدين ومواليكم ( أي بنو عمكم ) ذلك هو الطريق الحق الذي شرعه الله سبحانه وتعالى ، ومنشأ النسب الذي يعد من نعم الله على بني الإنسان وسبيه - هو اتصال الرجل بالمرأة اتصالاً مشروعاً عن طريق الزواج أو ملك اليمين ، أما الاتصال بغير هذين الطريقين فلا يكون سببة للنسب ، وإنما يكون سبباً لإقامة الحد علي من فعله .
وقد جاء في السنة النبوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : {{ الولد للفراش وللعاهر الحجر }} أي أن الولد الذي يأتي عن طريق الفراش الصحيح أو بملك اليمين يثبت نسبه إلى أبيه ، والذي يأتي عن طريق الزنا لا يثبت نسبه ، لذلك فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام الآباء عن إنكار بنوة أولادهم ، والأمهات عن انتساب الأولاد إلي غير أبيهم ، وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول لما نزلت آية الملاعنة { أيما امرأة أدخلت علي قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ ولن يدخلها جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه أحتجب الله منه وفضحه على رؤوس الخلائق في الأولين والآخرين }}.
كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم الأبناء عن انتسابهم إلي غير آبائهم فقال : {{ من ادعى إلي غير أبيه فالجنة عليه حرام }} وقال : {{ لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فالجنة عليه حرام }} لذلك فالإسلام قد وقف بجانب الولد ليرفع عنه دنس المهانة أو الإذلال ويحوطه بتاج الشرف ومواطن الفضيلة . أسباب ثبوت النسب يثبت نسب الولد من أبيه بالفراش الصحيح وما يلحق به.
والمراد بالفراش الصحيح أن تكون المرأة حلاً للرجل بناء على عقد زواج صحيح أو ملك يمين . أما الملحق به فهو المخالطة بناء علي عقد فاسد أو شبهه ، والعقد الفاسد هو ما فقد شرطاً من شروط صحته كالزواج بغير شهود فالمخالطة فيه يترتب عليها ثبوت نسب الولد من الرجل أما المخالطة بشبهة فهي كمخالطة امرأة نفت إليه على أنها زوجته وليست هي الزوجة فيترتب عليها ثبوت النسب أيضا . فيستخلص من هذا التعريف أن النسب يثبت بأحد الأسباب الآتية :
أ- ( الزواج الصحيح ) ، الفراش الصحيح - وهو الزواج الصحيح وملك اليمين .
ب - الزواج الفاسد .
ج- الزواج الباطل .
والزواج الصحيح يثبت به نفسه الفراش شرعا ، فالزوجية فراش ، والفراش يثبت به النسب .. وأصل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت : اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام ، فقال سعد هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاصي عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه ، وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من والدته فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى شبها بين بعتبة فقال هو لك يا عبد ، الولد للفراش وللعاهر الحجر ، واحتجبي منه يا سودة فلم ير سودة قط.
فهذا الحديث النبوي يعد أصلا في ثبوت النسب بالفراش وقد اتفق المسلمون على ثبوت النسب بالفراش كما اتفقوا أيضاً على أن النكاح يثبت به الفراش أما بالنسبة لنسب الولد من أمه فإنه يثبت بالولادة ولا يتوقف علبي شئ آخر ولا فرق بين أن تكون الولادة من زواج صحيح أو فاسد أو من سفاح ومتى ثبت النسب منها بالولادة كان لازما فلا يمكن نفيه بعد ذلك.
أقسام الفراش الصحيح
لقد قسم الفقهاء الفراش الصحيح ثلاثة أقسام :
الأول : فراش ضعيف : وهو فراش الأمة قبل الاستيلاد فلا يثبت نسب ولدها إلا إذا ادعاه السيد .
الثاني : فراش متوسط : وهو فراش أم الولد - وهي التي ولدت لسيدها من قبل ، فيثبت نسب ما تلده من غير حاجة إلى دعوة السيد وإذا نفاه فإنه ينتفي من غير لعان
الثالث : فراش قويى: وهو الثابت بالزوجية الصحيحة شرعاً ويشمل فراش الزوجة التي زوجيتها قائمة وفراش المطلقة رجعياً في العدة ، وفراش المجنونة ويثبت نسب الولد في كل ذلك من غير توقف علي دعوة الرجل ، فإذا نفاه وكان الفراش زوجية قائمة ، أو فراش عدة مطلقة من طلاق رجعي فإنه لا ينتفي إلا باللعان .
أما في المجنونة فإنه لا ينتفى أصلاً لأن نفيه متوقف على اللعان وشرط اللعان قيام الزوجية أو ما في حكمها وهي عدة الطلاق الرجعي ، أما بالنسبة لملك اليمين فإنه - وإن كان مثبتة لفراش ص حيح - لا يثبت به وحده نسب الولد الذي تجئ به الأمة غير المستولدة لسيدها من قبل ، وإنما يثبت به نسبه من سيدها إذا ادعاه فإذا نفاه أو سكت فلا يثبت به نسبه ولا يجب في نفيه لعان . ويشترط لتحقق النسب بالفراش شروط هي :
أولاً: حصول الزواج : فقد اتفق العلماء على أن العقد الصحيح هو السبب في ثبوت النسب لمن يولد في حالة قيام الزوجية . لكن اختلف فيما إذا كان يكفي جرد العقد في إثبات النسب أم يجب أن يضم إليه شئ آخر ؟
أ- فأبو حنيفة يرى أن العقد وحده يكفي لإثبات النسب لمن يأتي بعده في المدة المشروعة ، وهذا يسرى حتى ولو علم أنه لم يلتق بها قط كأن يكون هو في أقصى المشرق وتكون هي في أقصي المغرب ولم يتلاقيا ، أو يكون قد طلقها عقب مجلس العقد وأساس هذا الرأي التمسك بحديث ( الولد للفراش ) وأن الفراش هو كون المرأة متعينة لثبوت نسب ولدها في الرجل إذا أتت به ، حتى أن الكرخي فسر الفراش بالعقد
ب - وقال الشافعي ومالك وفي رواية عن أحمد إن العقد الصحيح هو السبب في ثبوت النسب بشرط إمكان الدخول ، فالعقد نفسه وإن كان هو السبب إلا أنه لا يكفي بل يجب أن يكون الدخول بناء على هذا العقد ممكنة . أما إذا لم يكن الدخول مسكنة كما هو الشأن في تزوج المشرقي بالمغربية ، وكما إذا ثبت أنه لم يحصل بينها تلاق بالمرة وكما إذا تزوجها ثم طلقها في مجلس العقد أو عقبه وقبل انصرافه منه ، ففي هذه الأحوال جميعا لا يثبت النسب مع أن العقد قائم لأن الزوجة لم تصر فراشا لعدم إمكان الوطء وهو أمر ثابت في هذه الفروض وأمثالها.
ج _ الرأي الثالث لا يكتفي بمجرد الله ولا بإمكان الدخول بل يشترط أن يضم إلى العقد تتفق الدخول تني تصير الزوجة فراشة ويثبت نسبه من تأتي به لزوجها .
وهذا الرأي اختاره ابن تيمية ودافع عنه ابن القيم في زاد الميعاد .
ثانياً : أن يولد لمثله ، فلا يكفي لاعتبار الزوجة فراشة يثبت به النسب حصول العقد فقط ، أو إمكان الدخول أو تحقق الدخول ، بل يجب أيضا أن يكون الزوج ممن يولد لمثله ، يخرج بهذا الشرط أن يكون الزوج صغيرة لا يوكن لمثله فإن كان كذلك لا يلحقه نسب الولد لأنه لا يكون منه وينتفي عنه بغير لعان .
وقد اختلف فيمن يولد لمثله :
فقيل إنه يجوز أن يولد له بعد عشر سنين ولا يجوز أن يولد له قبل ذلك واستدل على ذلك بحديث " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع".ومعنى ذلك أن أمره صلى الله عليه وسلم بالتفريق دليل على إمكان الوطء الذي هو سبب الولادة ، وقيل إنه يجوز أن يولد له بعد تسع سنين لأن المرأة تحسيس لتسع سنين فجاز أن يحتلم الغلام لتسع سنين .
ثالثاً : ألا يثبت بطريق قطعي أن الرجل لا يمكن أن يأتي منه أولاد ويسيب الخلقة أو المرض من ذلك الجب مع الخصاء .
رابعاً : أن يولد لستة أشهر من وقت الزواج على الأقل فإذا جاءت به أمه الستة أشهر أو أكثر من وقت عقد الزواج ثبت نسبه سواء أقر الزوج ببنوته أم سكت عن الإقرار بها ، وإذا نفاه فلا ينتفي إلا باللعان .
أما إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر في وقت العقد فلا يثبت نسبه التحقق الحمل به قبل الزواج ، فإن أقل مدة الحمل هو ستة أشهر ويكون الزواج فاسدا ، لأن نسب الولد ممكن الثبوت شرعا من رجل آخر لاحتمال أن المرأة كانت متزوجة قبل ذلك بعقد زواج صحيح أو فاسد حصل فيه دخول ، أو أنه قد وقعت مخالطة بشبهة فالنسب في جميع الأحوال يكون ثابت النسب شرعا من الرجل الآخر فيكون العقد على المرأة وقت حملها به فاسداً ، وعدم ثبوت نسب الولد إذا جاءت به المرأة لأقل من ستة أشهر من وقت العقد إنما يكون إذا لم يدع الزوج بنوته له فإذا ادعى بنوته ولم يصرح بأنه من الزنى فإنه يثبت نسبه منه معاملة له بإقراره ومراعاة للولد بحفظ نسبه ، فإذا جاءت به لستة أشهر فصاعداً وجحد الرجل الولادة فإنها تثبت بشهادة امرأة واحدة اتفاقاً ، أما في حالة ما إذا اختلفا فقال تزوجتك لأربعة أشهر وقالت لستة أشهر فالقول لها لأن الظاهر شاهد لها وهو أنه ولد من نكاح لا من سفاح وهو مقدم علي الظاهر الذي يشهد له وهو إضافة الحادث وهو النكاح إلى أقرب الأوقات لأنه إذا تعارض ظاهران في ثبوت نسب قدم المثبت له لوجوب الاحتياط فيه .
مدة الحمل
أكثر مدة الحمل سنتان عند أبي حنيفة وقد استدل بخبر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت " ما تزيد المرأة في الحمل عن سنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل . وفي لفظ لا يكون الحمل أكثر من سنتين ، وعند الأئمة الثلاثة أربع سنين مستدلين بما روي عن الوليد بن مسلم قال : قلت لمالك بن أنس في حديث عن عائشة أنها قالت لا تزيد المرأة في حملها علي سنتين قدر ظل مغزل فقال سبحان الله من يقول هذا ؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشر سنة كل بطن في أربع سنين .
: كما روى أن الضحاك بقى في بطن أمه أربع سنين فولدته أمه وقد نبتت ثناياه وهو يضحك فسمي بذلك الضحاك .
وقد رد أصحاب الرأي الأول على ما روي عن مالك بن أنس بأنه لا يخفى أن قول عائشة رضي الله عنها مما لا يعرف إلا سماعاً وهو مقدم علي المحكي عن امرأة ابن عجلان لأن قول عائشة يعد صحة نسبته إلى الشارع لا يتطرق إليه الخطأ بخلاف الحكاية فإنها بعد صحة نسبته إلى مالك والمرأة يحتمل خطؤها ، وغاية الأمر أن يكون قد انقطع دمها أربع سنين أو أكثر ثم حبلت .
كما روى أن عمر رضي الله عنه أثبت نسب ولد المرأة التي غاب عنها زوجها سنتين ثم قدم فوجدها حاملا فهم يرجمها فقال له معاذ إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها فتركها حتى ولدت ولدا قد نبتت ثناياه يشبه أباه فلما رآه الرجل قال : ولدي ورب الكعبة .
أقل مدة الحمل :
ستة أشهر باتفاق العلماء لقوله تعالى : {{ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا }} ثم قال {{ وفصاله في عامين }} فبقي للحمل ستة أشهر ، وهذا تأويل أخرجه ابن عباس فقال : روى أن رجلا تزوج امرأة فولدت ولدا لستة أشهر فهم عثمان يرجمها فقال ابن عباس أما إنها لو خاصتكم بكتاب الله لخصمتكم قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال تعالى وفصاله في عامين ، فإذا ذهب للفصل عامان لم يبق للحمل إلا ستة أشهر فدرأ عثمان الحد عنها. وأثبت النسب من الزواج .
السبب الثاني لثبوت النسب
الزواج الفاسد : وهو الذي فقد شرطاً من شروط صحته مثل النكاح بدون شهود ، أو العقد على من طلقت بعد الخلوة الصحيحة بدون عدة ، تزوج . الأختين معا في عقد واحد ودخل بهما ، أو تزوج أخت مطلقته قبل انقضاء عدتها وهذا العقد يجب به المهر والعدة ويثبت به النسب وتعتبر مدة ثبوت النسب وأقلها ستة أشهر من وقت الوطء .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ابتداء المدة من وقت العقد كما هو الشأن في الزواج الصحيح .
والنكاح الفاسد لا يتوقف فسخه علي القاضي بل لكل واحد منهما فسخه ولو بغير حضور صاحبه سواء دخل بها أم لا وتجب العدة من وقت التفريق ، كما يثبت به النسب احتياطا في إثباته إحياء للولد وحتى لا يبقى بدون والد يربيه لذلك فإذا كانت المدة من الوطء إلي الوضع ستة أشهر فأكثر يثبت النسب ، أما إذا ولدته لأقل من ستة أشهر فإن نسبه لا يثبت وهذا قول محمد وعليه الفتوى ، إذا غاب الزوج عن امرأته ثم بلغها أنه مات أو طلقها فتزوجت بعد العدة برجل آخر ، وولدت ولدا ثم تبين الأمر على خلاف ما بلغها وأن الزوج لا يزال حية أو أنه لم يطلقها فإن الولد يكون للأول إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الزواج الثاني لتيقن وجود الحمل قبل الزواج الثاني .
أما إن جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت الزواج الثاني فإنه يكون الزوج الثاني لاحتمال أنه حدث الحمل به - من الزوج الثاني - وقد تقوى هذا الاحتمال بصورة الفراش بإقرار المرأة بانقضاء عدتها من الزوج الأول - وهذا قول أبي يوسف ، أما بالنسبة لحكم الزواج الثاني فإنه فاسد وترد المرأة إلى الزوج الأول .
طرق إثبات النسب : ثلاثة هي :
ا- الفراش الصحيح. ۲ - الإقرار . ۳- البينة .
أولا : الفراش : وهو الزواج الصحيح وما يلحق به من الزواج الفاسد أو الوطء يشبهة . ولقد سبق أن تناولنا الفراش باعتباره سيباً منشأ للنسب ، فإنه يعتبر كذلك طريقة من طرق إثباته .
ولقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون ۷۸ لسنة ۱۹۳۱ الذي منع إثبات الزوجية عند الإنكار لعدم التوثيق رسمية أو لعدم استيفاء شرط السن ما يأتي :
(وظاهر أن هذا المنع لا تأثير له شرعاً في دعاوي النسب بل هي باقية علي حكمها المقرر ) وبناء على ذلك فإن محاكم الأحوال الشخصية تقضي في دعاوى ثبوت النسب دون التوقف على وثيقة الزواج الرسمية حيث إن المنع من سماع دعوى الزوجية بعد أول أغسطس سنة ۱۹۳۱ في حالة الإنكار إذا لم توجد وثيقة رسمية بها قاصر علي دعاوى الزوجية لا يتعداها إلى سماع دعوى النسب للولد ولو كان من هذه الزوجية التي لم تثبت .
لذلك فإن إثبات البنوة الذي هو سبب الإرث لا يخضع لما أورده المشرع في المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية من قيد على سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها ولا تأثير لهذا المنع على دعوى النسب سواء كان النسب مقصود، لذاته أو كان وسيلة لدعوى المال . فإن دعوى النسب باقية على حكمها المقرر في الشريعة الإسلامية حتى ولو كان النسب مابنساه الزوجية الصحيحة . فعدم سماع دعوى الزوجية عند الإنكار لا يستطيل إلي الدعوي بالنسب وإنما يخضع الحكم فيها للقواعد العامة المقررة في الشريعة الإسلامية فيثبت النسب فيها بالفراش حال تحقق شروطه - الذي سلف بيانها - كما يثبت عند الإنكار بإقامة البينة عليه .
وهناك فرق بين الفراش الصحيح كطريق من طرق الإثبات وبين البينة والإقرار ، إذ أن الفراش ليس طريقة من طرق إثبات النسب فحسب بل يعتبر سبباًَ منشئا له - كما سلف بيانه - أما البينة والإقرار فهما أمران کاشفان النسب يظهران أن النسب كان ثابت من وقت الحمل .
فإذا تعذر إثبات الزواج لعدم قيده في الوثيقة الرسمية وكان صادرة بعد أول أغسطس سنة ۱۹۳۱ أو لعدم استيفاء الزوجين السن المقررة قانوناً وهي ثماني عشرة للزوج وست عشرة للزوجة ، وأنكر الزوج نسب الولد كان للزوجة أن ترفع الأمر إلى محكمة الأحوال الشخصية لإثبات نسب الولد من هذا الزوج الذي لم يعترف بالزوجية وعلى محكمة الموضوع أن تجيبها إلى ذلك الطلب إذا استطاعت إثبات نسب الولد إلى زوجها بأي وسيلة من وسائل الاثبات المقررة في الفقه الإسلامي .
ثانياً : الإقرار
شرعاً هو إخبار الإنسان عند ثبوت حق لغيره على نفسه . والسكوت في بعض المواقع يجعل الساكت مقرا بالحق بسكوته عنه . كما يجعل المتكلم مقرة بالحق بكلامه وإن خالف القاعدة الفقهية القائلة لا ينسب لساكت قول ، كما إذا أقر رجل بنوة ولد فإنه يثبت نسبه منه ابنا كان أو بنت متي كان الحال لا يدل على كذب الإقرار .
ويشترط لصحة الإقرار شرعاً وجوب أن يفيد ثبوت الحق المقر به علي سبيل الجزم واليقين فلو شابه مظنة أو اعتورته إثارة من شك في بواعث صدوره فلا يؤخذ به صاحبه ولا يعتبر من قبيل الإقرار بمعناه الصحيح .
والإقرار يعتبر طريقة من طرق إثبات النسب ، فإذا أقر الرجل ببنوة ولد لا يستطيع أن ينفيه بعد ذلك لأن نفيه يعتبر انکارا بعد الإقرار بالنسب فلا يسمع ، كما أن إنكار الورثة نسب الصغير بعد إقرار والده ببنوته لا يلتفت إليه لأن النسب قد ثبت باعتراف المقر وفيه تحميل النسب علي نفسه وهو أدرى من غيره بالنسبة لما أقر به فيرجح قوله علي قول غيره ، كما إن الإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره ، كما أن من أقر بنسب يلزمه في نفسه ولا يحمله على غيره وإقراره مقبول كما يقبل إقراره على نفسه بسائر الحقوق ومن أقر بنسب يحمله علي غيره فإنه لا يقبل إقراره كما لا يقبل إقراره على غيره بسائر الحقوق ، كما أن الرجوع عن الإقرار بالنسب إنما يصح إذا كان الرجوع قبل ثبوت النسب وأما إذا ثبت النسب فلا يصح الرجوع بعد ذلك لأن النسب لا يحتمل النقض بعد ثبوته ، كما إن الإقرار ببنوة مجهول النسب فهو يعد اعترافاً منه ببنوته بنوة حقيقية وأنه قد تخلف من مائه سواء أكان صادقا أم كاذبة ويثبت لهذا الإبن جميع الأحكام الشرعية المقررة للأبناء إلا أنه إذا كان كاذبة في إقراره فعليه إثم هذا الادعاء ، وليس هناك ما يمنع الرجل من الإقرار ببنوة طفل لقيط تسلمه من المستشفي طالما توافرت فيه شروط صحة الإقرار .
كما أن النسب حق أصلي للأم لتدفع عن نفسها تهمة الزنا أو لأنها تعير بولد ليس له أب معروف ، فهو كذلك حق للولد فلا يصدق الزوجان في إبطال حقه في إثبات نسبة إليها حتى ولو تعاونا على أنه لم يحصل وطء لأن إقرارها لا يتعدى إليه ولا يسقط حقه .
شروط الإقرار :
أولاً : أن يكون الولد المقر له مجهول النسب فإن كان معروفا نسبه من غيرالمقر لا يثبت نسبه منه إذ لا يتصور ثبوته من اثنين في وقت واحد، ولا يصح القول بانتفاء النسب من الأول وثبوته من الثاني لأن النسب متى ثبت لا يقبل النقض والانتقال .
ثانيا : إن يكون ممكنا ولادته لمثل المقر فلو كانت من المقر ثلاثين سنة مثلا ومن المقر له مثل ذلك أو أكثر أو أقل بقدر يسير فإن كذب الإقرار ظاهر فلا يثبت النسب منه فالشرط ألا يكذب ظاهر الحال المقر به في إقراره وأن لا يكون المقر به محالا عقلا أو شرعا كنسب ولد الزنا فلا يثبت نسبه .
ثالثا : أن يصدق الولد المقر في اقراره إن كان مميزا فإن كذبه وأنكر نسبته إليه فلا يثبت نسبه منه ، أما إذا كان الولد صغيرة لا يحسن التعبير عن نفسه فإنه يكفي اقرار المقر لثبوت النسب مع مراعاة الشرطين الأولين .
الإقرار بالنسب نوعان :
أولاً : إقرار ليس فيه تحميل النسب على غير المقر إذ هو حجة قاصرة علي المقر من غير حاجة إلى بيان سبب النسب من زواج أو وطء بشهه وذلك كالإقرار بالبنوة أو الأبوة أو بالأمومة ، فالإقرار بأصل النسب يثبت من غير احتياج إلى بيان سبب النسب من زواج أو أتصال بشبهه لأن الإنسان به ولاية على نفسه وليس في إقراره تحميل النسب علي الغير ومن ثم يثبت النسب بإقراره متى توافرت الشروط المعتبرة لصحته ويثبت النسب بعد الإقرار حتى ولو أنكرت الزوجة إذ هو إلزام له دون غيره فلا يتوقف نفاذه علي تصديقها ولا يبطله إقرارها بالبكارة .
ثانياً : إقرار فيه تحميل النسب على الغير ، كالإقرار بالأخوة أو العمومية ، أو بأن فلانا جده أو إقرار ( الأم ) المرأة المتزوجة بالأمومة من زوجها ، أو إقراره بأن فلانا أبن أبنه فلا يثبت نسب الأخ للمقر إلا بعد ثبوت نسبه من الأب ولا يثبت نسب العم إلا بعد ثبوت نسبه من الجد .
وحكم هذا الإقرار لا يثبت النسب به إلا بعد تصديق المقر عليه إذا كان حياً ( أو بالبينة ) أو إثباته بطرق البينة الشرعية ، أو تصديق أثنين من الورثة إن كان ميتا لعدم ولايته على غيره بهذا الإقرار .- فإذا لم يكن هناك تصديق ولا بينة فلا يثبت النسب ولكن يعامل المقر بإقراره وتلزمه جميع الأحكام ( المقررة ) الخاصة بهذا الإقرار .
وعلى هذا إذا أقر شخص لآخر أنه أخوه فإنه تلزمه نفقته إذا كان فقيراً عاجزاً عن الكسب وكان المقر موسراً إذا مات أبو المقر بالأخوة وترك أولادا منهم المقر فإن المقر له لا يرثه كواحد من أولاده ، متى كان هذا المتوفى ( الأب ) غير معترف ببنوته ولكنه يشارك المقر في نصيبه من التركة معاملة له بإقراره .
وإذا مات المقر بالأخوة وترك ورثه من أصحاب الفروض أو العصبة كانت تركته لهم دون المقر له بالأخوة لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر لا تتعدى إلي غيره أما إذا لم يكن له أحد من هؤلاء الورثة فإن تركته تصير للمقر له بالأخوة ، فإذا ادعى رجل على آخر أنه أخ له وطلب منه النفقة فأنكرها عليه ثم مات المدعي فجاء المدعي عليه الذي أنكر الأخوة حال حياة المدعي وطلب إرثه فيه ، لم تقبل دعواه أمام القضاء لتناقض الواقع في دعواه كما لا يخفي ولا يغتفر له ذلك التناقض لأنه تناقض في دعوى مال لا في دعوى نسب ، ودعوى المال يضعفها التناقض بخلاف دعوى النسب ، أما إذا مات المدعي عليه وطلب المدعي الإرث فيه لأنه أبوه أو أبنه مثلاً قبل منه ذلك واغتفر له هذا التناقض لأن قصده الأصلي هو النسب ويغتفر في الأنساب مما لا يغتفر في غيرها إبقاء علي تسلسل النوع البشري واطراد وجوده .
ثالثا : الطريق الثالث من طرق إثبات النسب :
البينة الشرعية :
البينة وهي الحجة الواضحة ، وسميت الحجة بينة لبيان الحق وظهوره بها فهي تعتبر إحدى طرق الإثبات التي يثبت بها النسب ، وقد جعلت الشريعة الإسلامية الشهادة أحد الوجوه التي يظهر بها الحق ويتضح ، فإذا أخبر شاهدان عدلان بحدوث واقعة محددة كان ذلك حجة على حدوثها وظهورها، والبينة التي يثبت بها النسب في هذا المقام في الشهادة وهي إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة لإثبات حق معين وسمى الشاهد كذلك لانه كان شاهدا للواقعة التي يشهد عليها ، وللبيئة في إثبات النسب أهمية بالغة ذلك أن السبب الأول الذي يثبت به النسب وهو فراش الزوجية هو في الحقيقة محدود الأثر حيث لا يثبت به إلا نسب الولد أما غير الولد مثل الأخ أو العم فلا يثبت نسبه بداهة عن هذا الطريق وعلى ذلك فالسبب الأول وهو فراش الزوجية لا يسعف في إثبات كل حالات النسب .
أما بالنسبة للسبب الثاني وهو الإقرار باعتباره طريقة من طرق إثبات النسب فإنه حجة قاصرة بمعنى أن أثره مقصور على صاحبه ( المقر ) لا يتعدها إلى غيره بل أن الإقرار حتى في هذا المجال قد لا يكفي بذاته لإثبات كثير من حالات النسب ذلك أنه لا بد من مصادقة المقر له ( الطرف الآخر وهو ما إذا كان الولد المطلوب نسبه مميزا ) علي هذا الإقرار وهكذا تظهر حتمية البينة لكثير من حالات النسب حيث أن كلا من السببين الأول والثاني .
( فراش الزوجية - الإقرار ) غير كافيين لإثبات النسب في كل صورة فالبينة في إحدى طرق إثبات النسب وهي حجة متعدية لا يقتصر الحكم الثابت بها علي المدعي عليه بل يثبت في حقه وحق غيره بخلاف الإقرار فإنه حجة قاصرة علي المقر لا يتعداه إلى غيره ، فإذا أقام المدعي بينة علي دعواه قبلت وثبت النسب متى توافرت الشروط المعتبرة لاثبات النسب، لذلك فإن النسب كما يثبت بالفراش حال تحقق شروطه فإنه يثبت بالإقرار به كما يثبت أيضا عند الإنكار بإقامة البينة على ثبوت النسب .القرائن وحدها غير كافية ولا تصلح بمجردها لثبوت النسب ولا تعد طريقا من طرق الإثبات ولكن لا يمنع من أنها تعد قرينة بالإضافة إلي أدلة الإثبات الأخرى لإثبات النسب .
فشهادة الميلاد هي ورقة رسمية دون شك لكونها معدة ليدون فيها أسم المولود ولقبه وديانته وأسم والديه وتاريخ الميلاد ومكان الولادة ، وعلى الرغم من أنها ورقة رسمية فإنها لا تعتبر حجة قاطعة في إثبات النسب ، ذلك أن الموظف المكلف بتحرير هذه الورقة إنما يقوم بتدوين البيانات المشار إليها عندما يبلغ دون التأكد من صحتها ودون البحث والتحري ، غير أن القانون 260 لسنة 1960 الخاص بالسجل المدني نص في المادة الحادي عشر منه على أنه ( تعتبر السجلات بما تحويه من بيانات والصور الرسمية المستخرجة منها حجة بصحتها ما لم يثبت عکسها أو بطلانها او تزويرها بحكم ) لذلك فإن شهادة الميلاد حجة في إثبات النسب وغيره من المعلومات التي دونت فيها، غير أنها حجة غير قاطعة فهي قابلة لإثبات العكس إذا أثبت عكسها أو ثبت بطلانها أو تزويرها بحكم قضائي ، وقد أختلف في العمل بالقرائن في حقوق العباد علي رأيين : الأول : أخذ بالقرائن لإثبات حقوق العباد الخالصة سواء وجدت بينة غيرها او لم توجد إلا إذا عارضتها حجة مثلها أو أقوى منها وهذا الرأي لابن القيم .
الثاني : وهو جمهور الفقهاء وأهل المذاهب الأربعة على الخصوص لا يعملون بها كطريق مستقل من طرق الإثبات إلا عند انعدام البينات أو تعارضها .
متى يكون التناقض مانعا من سماع دعوى النسب ؟
يكون التناقض مانعاً من سماع دعوى النسب في حالة ما إذا لم يكن في موضع خفاء أما إذا كان في موضع خفاء فيكون عفو مغتفر ، مثال ذلك إذا أقرت المطلقة عند طلاقها بخلوها من الحمل ثم تبين أنها حامل ، فإن التناقض في الحمل مما يخفي علي المرأة فهو عفو مغتفر ، أما إذا كان التناقض في إدعاء الزوجية والفراش الصحيح أو نوع العلاقة التي تربطها بمن تريد إلحاق نسب الولد إليه فهذا عفو لا يغتفر إذ أن ذلك ليس بمحل خفاء لأن التناقض هنا واقع في دعوى الفراش الصحيح الذي يراد به إثبات النسب ، كما أنه لا يغتفر إذا كان فيه تحميل للنسب علي الغير كالأخوة والعمومة باعتباره غير مقصود لذاته ،، بل يستهدف حقا لا يتوصل إليه إلا بإثبات النسب فيكون تناقضا في دعوى مال لا في دعوى نسب .
دعوى النسب المجردة :
لقد استقرت أحكام القضاء على أنه يجب التفرقة بشأن سماع دعوى النسب بین حالتين :
الحالة الأولى :إذا كان النسب المتنازع فيه ، مما يصح إقرار المدعى عليه به ويثبت باعترافه وليس فيه تحميل النسب علي الغير كالأبوة ، والبنوة ، فإن دعوى النسب تسمع مجردة ، أو ضمن حق آخر ، سواء أدعى لنفسه حقا أو لم يدع ، لذلك فإذا حدث تناقض فإنه يغتفر ، لأن القصد فيها النسب ، والنسب يغتفر فيه التناقض للخفاء الحاصل فيه .
الحالة الثانية :أما إذا كان النسب المتنازع فيه، مما لا يصح إقرار المدعى عليه به ، وفيه تحميل النسب علي الغير ، كالأخوة والعمومة ، فلا تسمع دعوى النسب فيها مجردة إلا أن تكون ضمن حق آخر ، كأن يدعى حقا من إرث أو نفقة ، من أجل ذلك فإن التناقض فيها لا يغتفر إذ أنه تناقض في مال لا في دعوى نسب ، ودعوى المال يضرها التناقض ما لم يوجد ما يرفعه .
الفرق بين الإقرار بالبنوة والتبني :
لقد كان نظام التبني من النظم التي كانت سائدة في الجاهلية وهو أن يتخذ شخص ولدا له سواء أكان هذا الولد معروف النسب أم مجهول وأن يصرح بأنه ليس ولدا حقيقيا له ، وكان المتبع أيضا أن هذا التبني يثبت للولد جميع الحقوق التي تثبت للابن الحقيقي علي أبيه فجاء الإسلام وقضى علي هذا النظام وأبطله ، فأمر بأنه لا ينسب أحد لغير أبيه وألا ينسب الولد إلي من تبناه كما كان الحال قبل تشريع هذا الحكم الذي قرره الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب بقوله سبحانه : {{ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله }}
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم العمل بالتبني الذي كان معروفا في الجاهلية ، وقد تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم زوجة زيد بن حارثة بعد طلاقها منه وكان قد تبناه قبل نزول هذه الآية وكان يسمى زيد بن محمد وقد جاء في ذلك قوله تعالى : {{فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً }}
فالتبني لا يثبت به نسب من المتبني ، والولد المتبنى أجنبي عمن تبناه وليس أبنا له في الحقيقة فيعامل معاملة الأجنبي ولا يجب لأحد منها على الآخر حق أبوه ولا بنوة ، أما الإقرار بالبنوة فإنه وإن كان صحيحا ويثبت به النسب شرعا فإن ذلك مقيدا بالشروط الثلاثة السابق ذكرها تفصيلاً ، فإذا ثبتت البنوة بالإقرار كان لهذا الابن المقر له كل الحقوق الشرعية التي تثبت للأبناء قبل الآباء فيأخذ حكم الابن الذي ثبتت بنوته بالفراش الصحيح ، والولد المقر له هو ولده في الحقيقة وليس كذلك الابن المتبنى .
الإقرار بنسب اللقيط :
اللقيط هو مولود نبذه أهله فراراً من عار الزنى أو فرارة من غير ذلك إذا أقر إنسان ببنوته وكان الإقرار مستوفياً للشروط التي اسلفناها في الإقرار بالنسب المباشر على النفس أصبح اللقيط إينا حقيقيا للمقر له كل حقوق الأبناء لكن مالك يشترط بيان وجه النسب في هذه الحالة . وقد عني الفقه الإسلامي بأحكام اللقطاء ، فجعل التقاطهم وإيواءهم فرضا علي المجتمع ، يقوم به بعض الأفراد فيكفي عن قيام الآخرين بل جعله فرضا متعينا على من يرى لقيطا في مكان يغلب على ظنه هلاكه فيه إذا تركه والذي يجري عليه العمل في مصر أن الملتقط يسلم اللقيط إلي جهة الإدارة فتقوم بتحريات عن ظروف نبذه من أهله والتقاطه من صاحبه ، ثم تسلمه إلى بيت من البيوت التي ترعى أمثاله ، ومن أراد أن يضمه إليه ليتولى تربيته ورعايته أجيب إلي طلبه ، إذا كان قادرا على تربيته وصالحا له دون أن يترتب على ذلك وجود علاقة من العلاقات الثابتة بين الآباء والأبناء .
اللعان
لغة : مصدر لاعن ، وأصل اللعن الطرد والابعاد .
شرعاً : وهو شهادات مؤكدات بالإيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حق الرجل ومقام حد الزنا في حق المرأة ، واللعان من قبل الشهادة ويشترط فيه ما يشترط لأدائها ، وشرائط اللعان أن يكون النكاح صحيحة والزوجية قائمة ولو في عدة الرجعي ، وأن يكون كل من الزوجين أهلا لأداء الشهادة أي مسلمين عاقلين بالغين غير محدودين في قذف وأن تكون المرأة زيادة علي ما تقدم عفيفة عن الزنا بأن لم يسمع عنها زنا في حياتها ولم توطأ بشبهة ولا نكاح فاسد .
سبب مشروعيته :
ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سمحاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم " البينة أو حد في ظهرك . قال يا رسول الله إذا رأي أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : البينة وإلا حد في ظهرك . فقال والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن ما يبرئ ظهري من الحد . فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله تعالي : {{ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ويدرؤا منها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين . والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين }} وانصرف النبي صلي الله عليه وسلم إليها ، فجاء هلال فشهد والنبي صلي الله عليه وسلم يقول : {{ إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب؟ }} فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها ، وقالوا إنها الموجبة قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : إلا أفضح قومي سائر اليوم فمضت ، فقال النبي صلي الله عليه وسلم : أبصروها فإن جاءت أكحل العينين ، سابغ الأليتين ، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء ، فجاءت به كذلك ، فقال النبي صلي الله عليه وسلم :{ لولا ما مضى من كتاب الله كان لي ولها شأن }} أي لولا أن الله رفع عنها الحد بعد الملاعنة لأقمته عليها .
فاللعان شرع رفعة للحرج عن الزوج عندما يرى زوجته حالة ارتكابها الفاحشة وليس معه من الشهداء إلا نفسه ، إذ لا يستقيم عقلا ومنطقا أن يري الرجل علي امرأته رجلا آخر ويتركه حتي يأتي بشهود أربعة ويرون هذا المشهد ، لذلك شرع اللعان رحمة من الله علي الناس ضمانا لحقوقهم وصونا لأعراضهم وحفظة لأنسابهم اللعان خاص بالزوج دون غيره :
كيفيته وآدابه :
صورة اللعان بأن يشهد الزوج الملاعن أربع شهادات بأن يقول " أشهد بالله لرأيتها تزني أربع مرات ، ثم يرد في الخامسة بأن يقول الزوج : لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين ، ولكي يدرأ العذاب عن الزوجة أن تشهد فتقول : أشهد بالله ما رأني أزني تقول ذلك أربع مرات ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كانت من الصادقين ، ويتوجب أن يكون اللعان أمام المحكمة لضمان أن يتم وفق القواعد الشرعية المقررة له .
ويستجب أن يكون التلاعن بين الزوجين وقوفا ، فإذا فرغ الرجل من الملاعنة قامت المرأة فالتعنت وهي قائمة .ويستجب أن يكون أمام جمع من المسلمين ، فإن تحقق اللعان ثبتت الحرمة المؤيدة بين المتلاعنين فلا يتناکحان أبدأ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {{ قوما فقد فرقت بينكما ووجبت النار لأحدكما والولد لك }}.
حكم النكول عند اللعان :
إذا أبي اللعان أحد الزوجين أقيم عليه الحد إن كان الزوج أقيم عليه هذ القذف وإن كانت المرأة أقيم عليها حد الزنا عملا بقوله تعالى : {{ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم بشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين }} وقوله تعالى : {{ ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين}} . وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( البينة أو حد في ظهرك ) . وهذا ما ذهب إليه المالكية والشافعية ، وقال أبو حنيفة (لا تحد وتحبس حتي ثلاث أو تقر بالزنا وإن صدقته أقيم عليها الحد ).
هل للملاعنة نفقة أو مسکن :
و ذهب جمهور الفقهاء أنه ليس لها نفقة ولا مسكن أثناء العدة ، كما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ألا قوت لها ولا سكن من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها ويري الحنفية أن لها النفقة والسكنى لأن التفريق بعد طلاقأ عندهم ، وليس فسخا ، وبالتالي يكون لها مثل ما للمطلقات من نفقة وسكن .
ما الحكم إذا كذب نفسه بعد تمام اللعان :
أنه إذا كذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد ، ولم ترجع إليه امرأته أما إذا كذب نفسه قبل تمام اللعان جلد الحد وكانت امرأته .
اللعان لنفي النسب :
كما يكون اللعان في حالة ادعاء الرجل على امرأته أنه رأها تزني ، فكذلك الرجل أن يلاعن النفي نسب الولد إليه وأنه تخلق من مائه ، ولكي يتحقق له حق اللعان لابد من أن تتوافر عدة شروط يتعين على القاضي التحقق منها وإلا قضى بعدم قبول الدعوي .
1- أنه يتعين نفي نسب الولد عنه عند ولادته وعلى الملاعن أن يثبت ذلك بالبينة وشهادة الشهود إذا توافرت لديه تلك البينة .
2- ألا يكون قد اعترف بأبوته للمولود صراحة أو ضمنا ، وذلك في حالة ما إذا تقبل تهنئة المهنئين له بالمولود ، أو قام شخصية بكتابة اسم المولود في . السجلات الخاصة بالولادة ونسبه إليه ، لأن النسب بعد الإقرار لا يحتمل النفي ، لأن النفي يكون إنكارا بعد الإقرار فلا يسمح ، كما يتعلق به حق المقر له في أن يثبت نسبه من المقر. وقد ذهب الأحناف إلي أنه إذا كان الحمل ظاهرة وصدر الإعتراف به من الزوج فإن النسب يثبت قبل الولادة لما في البطن ، فإذا قال الرجل الولد مني أو سكت عند التهنئة بولادته ، ثم نفاه بعد ذلك لا يقبل منه لأن النسب بعد الثبوت صار حقة للولد فلا يمكن الرجوع فيه ويقع عبء الإثبات على من يدعي إقرار الرجل بأبوته وعلى الطرف الآخر نفى ذلك بذات الطرق المقررة .
3 - أن تكون الزوجية قائمة ، لأن الولد الذي تأتي به الزوجة حال قيام الزوجية بعد العقد بستة أشهر على الأقل ثابت النسب من الزوج ، فهو لا يحتاج في ثبوت نسبه إلى بينة ولا ينتفي نسبه منه إلا إذا ادعاه ولم يقر بأنه من الزنا ، ويحمل ذلك على أن المرأة حملت به منه في فراش سابق سواء أكان بعقد صحيح أم فاسد أو بوطء بشبهة مراعاة لمصلحة الولد.
نكول المرأة عن اللعان :
إذا توافرت شرائط اللعان وحصل فعلا فيترتب عليه أن يقطع القاضي نسب الولد من أبيه ويلحقه بأمه ويسقط حق الولد في النفقة والإرث دون غيرهما ، ويبقى النسب متصلا بين الولد وأبيه في حق الشهادة ، فطبقا للشريعة الإسلامية لا تقبل شهادة الأصل لفرعه وبالعكس ، وكذلك لا تقبل شهادة الملاعن وأصوله لمن نفاه باللعان ولا شهادة المنفي وفروعه لمن نفاه ولا لأصوله ، وكذلك في الزكاة يبقى النسب متصلا فلا يجوز لأحدهما أن يعطي الآخر شيئا من زكاته لاحتمال أنه ابنه أو أبوه لأن الزكاة شرعا في حق الفقير الأجنبي ، وكذلك في النسب فلا يجوز لابن ابن الملاعنة ان يتجوز ببنت الملاعن لأنه من الجائز أن يكون ابنه خصوصا وأن الفراش كان موجودا وإذا ادعاه غير الملاعن فلا يلتحق به شرعاً .
إلحاق الولد بأمه :
إذا تمت الملاعنة من الطرفين انتفي نسب الولد إليه وسقطت نفقته عنه وانتفي التوارث بينهما ولحق الولد بأمه ونسب إليها ، فهي ترثه ويرثها ، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : {{ أنه قضى في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ومن رماها به جلد ثمانين جلدة }} رواه أحمد . لذلك فلا يجوز لأحد أن يرميها به ، فمن رماها به جلد حد القذف ، لأن الزنا لم يثبت عليها بالبينة المؤكدة ، وهي بالملاعنة قد اندفع عنها الحد ولم يزل عنها وصف الاحصان ، ومن قذف ولدها يجب حده أيضاً ، ويثبت نسب الولد المنفي نسبه باللعان بعد الحكم به ، إذا كذب الرجل نفسه وأقر بالنسب فإنه يثبت نسب الولد منه ، ويزول كل أثر اللعان بالنسب للولد .
اللجوء إلى الطرق العلمية DNA لنفي النسب :
لقد أخذ المشرع الإماراتي لنفي النسب بالطرق العلمية DNA ( المادة 5/97 من القانون رقم ۲۸ لسنة 2005 ) لأن الأمر يتعلق بالبحث عن الحقيقة في موضوع من الموضوعات التي تعتبر من النظام العام ذلك أنها تخص الأنساب ، ومن سلطة محكمة الموضوع أن تأمر بإخضاع المدعى عليه لهذا الفحص وفي حالة رفضه فإنه يصبح من سلطة المحكمة أن تفسر ذلك قرينة ضمن قرائن أخري علي ثبوت النسب ، كما أنه لا يخفي أن النزاع الذي يرد على الأنساب يتعلق بحقوق الطفل كما أنه يتعلق بحق الأم ، وحق أساسي من حقوق الأب .
وقد انتقد البعض هذا الرأي إذ أن ذلك سوف يترتب عليه الزام الخصم بتقديم الدليل ضد نفسه لصالح المدعي في مسائل الأنساب ينطوي على حالة من الحالات التي لم ينص عليها القانون وفيها يلتزم الخصم بتقديم ذلك الدليل ، فإنه يتعين استحداث نص بذلك ، كما أن الأمر في حالة الخضوع لفحص DNA ينطوي على التعرض للحرية الفردية للمدعي عليه حيث يستلزم اخضاعه لإجراء قسري يتمثل في القبض عليه وهذا لا يتأتي إلا في حالة الاتهام بجريمة ، كما يتضمن التعرض الحقه في سلامة جسمه .
ولكنني أميل إلى الرأي الذي يجيز الاستعانة بالطرق العلمية وضو الحقيقة نسب الولد لأمه ليس فيه ما ينطوي علي التعرض للحرية الفردية للشخص أو التعرض لحقه في سلامة جسمه ، حيث إن القوانين الجنائية أجازت الاستعانة بالبصمة الوراثية في إثبات الجرائم واستخراج الجثث بعد دفنها ، فمن باب أولي إحياء للولد الصغير الذي قد يكون له أب معروف ينتسب إليه ، فلا يضير الرجل الذي ينفي نسب الولد إليه أن يخضع للفحص الطبي باعتباره وسيلة من الوسائل العلمية التي تسمح بإثباته أو نفيه بموجب قرار تقدره المحكمة متى رأت أن ذلك في صالح المدعي والصغير .
كما أن المقرر عند فقهاء الحنفية أن النسب يحتاط في إثباته بما لا يحتاط في غيره إحياء للولد ، و أجازوا بناؤه على الاحتمالات النادرة التي يمكن تصورها بأي وجه حملاً لحالة المرأة علي الصلاح وإحياء للولد ، كما أثبتوا النسب مع الشك ، وأنه إذا أحتملت العبارة إثبات النسب وعدمه صرفت لثبات وأجيزت فيه الشهادة بالشهود والتسامع واغتفر التناقض فيها ، وأنه إذا تعارض ظاهران في النسب قدم المثبت له.
الآثار المترتبة على اللعان :
1- سقوط حد القذف - أو التقرير - عنه وسقوط حد الزنا عن الزوجة .
2 - تحريم الوطء والاستمتاع بعد المتلاعن من الزوجين ولو قبل تفريق القاضي
3- وجوب التفريق بينهما على اختلاف بين الفقهاء فيما تتم به الفرقة . وهذا التفريق مؤيد عند الجمهور
4 - ينتفي نسب الولد من الزج ويلحق أمه إن نفاه الزوج في اللعان.
القيافة
القيافة : تتبع العلامات الموجودة في شخصين أو أكثر للوصول إلي إثبات قرابة بينهما أو بينهم
إثبات النسب بالقيافة :
لقد اشتهر العرب قبل الإسلام بمعرفة القيافة بوصفها وسيلة إلى التعرف على الأنساب ، والقيافة ملكة فنية توجد عند شخص من الأشخاص تتيح له القدرة علي التعرف علي الملامح الظاهرية التي يمكن أن تكون متفقة في شخصين وتنبئ عن اتحاد الأصول ، ولما تقدم العلم ودخل الكرموزومات والجينات بعد اختراع الميكروسكوب تبين أن الإنسان يرث من أبويه صفات يشترك مع أخوته وأخواته فيها وينفرد كل منهم ببعض الصفات الخاصة دون سائر أخوته ، ثم جاء الإسلام وأقرت أحكام القيافة باعتبارها وسيلة من وسائل اثبات النسب ، وحدث هذا الإقرار في قضية زيد بن حارثة رضي الله عنهما ، عندما شكك المنافقون في نسب ابنه أسامه إليه ، لأن زيدا كان أبيض اللون ، وأسامه أسمر اللون ، وقد ورث أسامه سواد اللون من أمه لأنها كانت حبشية سوداء - وهي أم أيمن رضي الله عنها - وقد سبق لها أن تزوجت قبل زید عبدا حبشيا فولد له ابن ، فكانت تكني بأم أيمن ، وقد جاء القائف من الذين تتوافر عندهم هذه الملكة الفنية وهي ملكة القيافة علي اكتشاف التشابه بين الأقارب ، وجاء القائف وأسامة ووالده زید وقد غطى رأساهما بقطعة من القطيفة ولم يظهر منهما إلا أقدامهما ، فنظر إلى الأقدام ، وقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض ، وبناء على وجود التشابه بين قدمي أسامه ووالده زید قدر القائف ثبوت النسب على الرغم من اختلاف اللون بينهما، لأن اللون قد يكتبه الإنسان عن أحد جنوده ، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي عائشة مسرورا تبرق أسارير وجهه ، والقيافة تحدث عن طريق الأقدام وهي أن ينام مجموعة من الرجال من بينهم الأب المتنازع عليه سواء كان الزوج الشرعي أو المتهم بالزنا وبجوارهم الطفل المتنازع عليه وتغطي أجسامهم ووجوههم ، ثم ينظر القائف في الأقدام من أسفل ليتعرف علي قدم هذا الطفل من قدم هذا الرجل .
البصمة الوراثية وإثبات النسب أو نفيه : لقد تناول الدكتور / محمد رأفت في بحثه - سالف البيان - أن البحوث العلمية أثبتت أن الصفات الوراثية للأولاد ذكورا كانوا أم إناثا أصلها من الأب والأم ، كما أثبتت البحوث أن النواة في كل خلية تحوي المادة الوراثية بداية من الخواص التي تجمع بين الجنس البشري وانتهاء بالتفصيلات التي تختص بالفرد فلا يشاركه فيها آخر . وأنه يوجد في كل خلية من خلايا الجسم الإنساني 46 كرموزوما وهي على صورة ثلاثة وعشرين زوجا ، يأخذ الطفل ۲۳ کرموزوما من الأب ، و ۲۳ کرموزوما من الأم وكل شخص يتميز الحامض النووي في خلاياه والذي أطلق علية DNA بترتيب خاص به، لا يشاركه شخص آخر في نفس الترتيب إلا في حالات التوائم المتطابقة التي نتجت عن بيضة واحدة وحيوان منوي واحد .
وقد سر البروفسور " اليك جيفري " الذي اكتشف هذه الميزات الفريدة في جامعة ليستر بإنجلترا علامات DNA بالبصمة الوراثية لأنها جذبت اهتمام المختصين بعلم الجريمة . هل يمكن أن تكون البصمة الوراثية إحدى الوسائل لإثبات النسب ؟ خاصة وأن العلماء المختصين ذهبوا إلي أن الخطأ في هذه الطريقة أمر نادر جدا في حالات اثبات النسب أو نفيه .
يقول بعض الباحثين : إن التحاليل التي تتم في الكشف عن البصمة الوراثية جعلت من امكانية الخطأ امرأ صعبة جدا في حالات إثبات أو نفي البنوة ، فقد استطاع الباحثون البريطانون حساب الاحتمالات لإمكانية تشابه شخصين ليسا أقرباء في البيعة الوراثية فوجدوا أن الاحتمالات تكاد أن تكون صقرة ، وكذلك الحال بين الأخوة ، فإن فرضية التشابه في نفس النمط الوراثي - البصمة الوراثية - تصل إلى واحد في المليون . لذلك فإن اعمال البصمة الوراثية في إثبات النسب أو نفيه هو من اعمال القرينة في الإثبات ، غير أن المتفق عليه بين العلماء على أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم في أية قضية إلا إذا وجدت الحجة التي يثبت بها الحق ، وهي الإقرار والبينة واليمين والنكول ، ولكنهم اختلفوا في القرائن هل تصلح وسيلة من وسائل الإثبات أم لا ، فالفقهاء القدامى لم يذكروا القرائن صراحة في طرق الإثبات - السابق ذكرها - إلا أنهم أخذوا بها في مسائل كثيرة من الفقه الإسلامي .
ويري الباحث بعد أن أورد الأدلة من الكتاب والسنة على الأخذ بالقرينة كإحدى وسائل الإثبات ، والبصمة الوراثية تعد قرينة قوية جديدة ، فإذا أجاز العمل بالقرائن في مجال الإثبات ، فيجوز العمل بالبصمة الوراثية بوصفها نوعا من القرائن القوية جدا التي تزيد قوة عن القيافة ، والقيافة أقرتها أحكام الإسلام كوسيلة من وسائل إثبات النسب ونفيه ، فتكون البصمة الوراثية من باب أولي مثبتة للنسب أو نافيته .
قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن الاستفادة من البصمة الوراثية :
إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشر المنعقدة بمكة المكرمة التي بدأت يوم السبت ۱۱ رجب 1419 ه الموافق 31 أكتوبر (تشرين الأول ) ۱۹۹۸ قد نظر في موضوع البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها باعتبارها البينة الجينية ( نسبة إلى الجينات أي المورثات ) والتي تدل على هوية كل إنسان بعينه ، وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة لتسهيل مهمة الطب الشرعي والتحقق من الشخصية ، ومعرفة الصفات الوراثية المميزة للشخص ويمكن أخذها من أي خلية بشرية من الدم أو اللعاب أو المني أو البول أو غيره ، وبعد التدارس والمناقشة قرر المجلس تشكيل لجنة وذلك لإستكمال دراسة الأبحاث والدراسات والمستجدات المتعلقة بالموضوع وتقديم النتيجة والتوصيات المناسبة في دورة المجلس المقبلة ، وجاء في بيان ختام أعمال المجلس " لو تنازع رجلان علي أبوه طفل فإنه يجوز الاستفادة من استخدام البصمة الوراثية في المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي - الدورة الخامسة عشر 1419 ه ) ولذلك يري الباحثان د/ إبراهيم الجندي ، والمقدم / حسين الحصيني في الموضوع المقدم منهما ( الفحص الجيني ودوره في قضايا التنازع على النسب وتحديد الجنس ) المنشور في بحوث مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون ) المجلد الثاني - من أن فكرة البصمة الوراثية مبنية على أساس أن العوامل ( الصفات ) الوراثية في الطفل الإبن لابد أن يكون أصلها مأخوذ من الأب والأم ، فالطفل يأخذ دومأ نصف الصفات الوراثية من الأب ( عن طريق الحيوان المنوي ) والنصف الآخر من الأم ( عن طريق البويضة ) ولهذا لابد من وجود أصل الصفات الوراثية الخاصة بالولد في كل من الأب والأم تبعا لقانون مندل للوراثة الذي ينص علي أن " أي ضفة وراثية أو عامل وراثي في الأبناء لا يبدو أن يكون أصله موجودا في أحد الأبوين " وبناء على ذلك فإن البصمة الوراثية يمكن بها أن تؤكد يقينا نفي الولد عن رجل معلوم ( الولد ليس من ماء الرجل ) وكذلك يمكن بها أن نؤكد يقينا أن هذا الولد من هذا الرجل المعلوم ( الولد من ماء الرجل ) وبذلك ينتفي الخلاف تماما ، ويتم ذلك عن طريق تحديد البصمة الوراثية للرجل والمولود والأم ، ومقارنة البصمة الوراثية للطفل مع بصمة كل من الرجل والمرأة .
وقد ضربا أمثلة من القضايا والحالات التي يطلب فيها الفصل في البنوة المتنازع عليها ما يلي :
۱: حالات تبديل المواليد في مستشفيات الولادة . وهي أن يتم تسليم مولود إلى غير أبويه خطأ أو عمدة ، وأيضا في حالات الطوارئ قد يتم خلط المواليد حديثي الولادة مع بعضهم البعض خاصة في حالات الإخلاء السريع .
2- الشك في النسب :قال صاحب بداية المجتهد ، لما كان الفراش موجبة للحوق النسب ، كان للناس ضرورة إلى طريق ينفون به إذا تحققوا فساده ، وتلك الطريقة هي اللعان ، فاللعان حكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس والإجماع ، فإذا نفي الرجل ابنه وتم اللعان بنعيه له النفي نسبه من أبيه ولحق بأمه فهي ترثه وهو يرثها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ويحتاج رأي الفقهاء هو هل نأخذ بالبصمة الوراثية دون تطبيق اللعان ؟ وهل إذا نفى الرجل ابنه بالملاعنة يتم اللجوء إلى البصمة الوراثية ؟ وهل إذا ثبت أن المولود له هل يلحق به ويورث ؟
فقد ينكر الأب نسب الطفل من زواج شرعي لاختلاف التشابه بين الطفل وأبويه ، كأن يكون الأب نو بشرة بيضاء والطفل ذو بشرة سوداء هنا يمكن البصمة الوراثية أن تثبت أن هذا الطفل من الزوج أم لا.
3- حالات ينكر فيها الرجل أنه أب لطفل نتيجة نكاح غير شرعي كالاغتصاب والزنا وذلك لتبرئة نفسه من هذه الجريمة ، و بمقارنة البصمة الوراثية لكل منهما يمكن إثبات نسبه منه ، وإن كان الذهبي لا يلحق ولد الزنا وإن اعترف به لحديث ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) واختار الشيخ تقي الدين أنه إذا استلحق ولده من الزنا والأفراش ، لحقه ، وفي الانتصار يلحقه بحكم حاكم .
4 - حالات تدعي فيها المرأة أن الولد يخص رجلا معينة لإجباره على الزواج أو طمعا في الميراث أو أخذ نفقة ، فبمعاينة البصمة الوراثية يمكن إثبات النسب أو نفيه
5 - حالات يدعي فيها رجلان في نسب ولد مجهول أو لقيط فكل واحد منهما عليه إثبات ذلك ببينة الشهود ، فإن تعذر يعرض على الكافة لتحديد الشبه ومتي حكم بنسبه لواحد منهما أخذ بحكمه ، وقال الحنفية من أنه إذا تساوى الجميع في ولد كان مشتركة بينهم يرثهم كإبن لهم ، ويرثونه كأب واحد في هذه الحالة البصمة الوراثية أفضل الوسائل لحل المسألة . إذ لا يتصور ثبوت نسبه من اثنين في آن واحد .
6 - حالات ما إذا فقد الإبن ابنه منذ فترة طويلة - نسب شاب مجهول النسب أو العكس .
7- حالة ما إذا تنازعت امرأتان على أمومة ولد وتساوتا في البينة ، لذلك يمكن نفيه عن أحدهما وإثباته للأخري عن طريق البصمة الوراثية .
8 - حالات تنازل فيها رجلان علي مولود من امرأة زوجة لأحدهما ومطلقة من الآخر ، ففي حالة ما إذا لم يكن هناك عدة يمكن أن يحدث اختلاط في الأنساب فالمرأة التي يطلقها زوجها مباشرة بعد الجماع ، ثم زواجها بأخر في مدة أقصاها ستة أيام يمكن أن تحمل من الرجلين بتوأم غير متطابق وليس بجنين واحد ، مما أحكام الشريعة الإسلامية بجعل العدة شريعة منعا لاختلاط الأنساب فلو افترض وحدث ذلك ، فإنه بمقارنة البصمة الوراثية التوأم يمكن تحديد نسب كل طفل ومعرفة أب كل واحد منهما .
9 - ادعاء المسلم والكافر النسب . وذلك في حالة ما إذا اختلف الزوجان فسافرت الزوجة الأجنبية إلى بلدها ويجامعها رجل آخر من ديانتها كما هو العادة فحدث حمل وولادة فقد تدعي المرأة أن المولود هو ابن الرجل المسلم ، أو أن ابن الرجل المسلم هو للرجل الأجنبي ، فيمكن بالبصمة الوراثية معرفة نسب الولد أو نفيه للرجل المسلم .
وإنني أميل إلى ما يراه كل من الأستانين : إبراهيم الجندي ، وحسين الحصيني ، في بحثهما المقدم - المشار إليه - أن البصمة الوراثية يمكن أن تنهي الخلاف على الطفل المتنازع عليه لأن كل شخص له بصمة وراثية خاصة به لا يشترك مع أي شخص آخر فيها ، وبمضاهاة البصمة الوراثية في الأب والنصف الآخر من الأم ، وبذلك يزول الخلاف حول ثبوت النسب بالفراش ( مدار الخلاف هو أقصى مدة الحمل وأدناه ) أو بالبينة ( مدار الخلاف هو علي نصاب البينة ) كما يمكن القول بأن البصمة الوراثية تقوم بكل ما يمكن أن تفعله القيافة ، وبصورة أكثر دقة وبصحة أكثر من القيافة ، فالبصمة الوراثية تستطيع أن تحدد الأم والأب والأخ والأخت بصورة تكاد أن تكون قاطعة ويمكنها أيضا نفي الأبوة وإثباتها .
فضلاً عن أن ليس في استخدام المختبر والتحاليل الطبية ، ما يتعارض مع القرآن والسنة بل قد يظهر من نتائج التحاليل ما يزيد المؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى التي لا ينكرها إلا جاحد وجائر معاند . بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بالقرينة كدليل من أدلة النسب كما روي في حديث عائشة لما اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام ، كما اعتمد قول القائف في إلحاق أسامه بنسبه من أبيه زيد - كما أسلفنا من قبل مع أن خبرة القائف تقوم علي غلبة الظن وتكرار التجربة وليس فيها ما يدل على القطع واليقين . ويجب أن يقوم بإجراء الاختبار الوراثي للتعرف علي البصمة الوراثية من أكثر من متخصص اثنين علي الأقل وذلك لأنها شهادة ، والشهادة لا تقل عن اثنين ، وتجري الفحوصات الطبية علي يد أطباء مع خبراء وفنيين مهرة لهم خبرة ودراية في الفحص الطبي المختبري وعمل البصمة ، وأن تجري عدة مرات مختبرات علمية متخصصة ومختلفة ، وعند الإختلاف في نتائج الفحص يكون الاختلاف شبهة تندرئ بها الحدود وتكون نتيجة الفحص دليلا استثنائيا ، ويتعين أن تتم في مختبرات تتبع الدولة وتكون مراقبة من الحكومة وواقعة تحت سلطتها منعا للتلاعب في النتائج أو تزويرها .
الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 171
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الأربعون ، الصفحة / 231
نَسَبٌ
التَّعْرِيفُ:
- النَّسَبُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ نَسَبَ، يُقَالُ: نَسَبْتُهُ إِلَى أَبِيهِ نَسَبًا: عَزَوْتُهُ إِلَيْهِ، وَانْتَسَبَ إِلَيْهِ: اعْتَزَى. وَالاِسْمُ: النِّسْبَةُ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ تُضَمُّ.
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يَكُونُ النَّسَبُ مِنْ قِبَلِ الأْبِ وَمِنْ قِبَلِ الأْمِّ وَالنَّسَبُ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: الْقَرَابَةُ وَهِيَ الاِتِّصَالُ بَيْنَ إِنْسَانَيْنِ بِالاِشْتِرَاكِ فِي وِلاَدَةٍ قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ الاِنْتِسَابُ لأِبٍ مُعَيَّنٍ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ- الْعَصَبَةُ:
- الْعَصَبَةُ فِي اللُّغَةِ: الْقَرَابَةُ الذُّكُورُ الَّذِينَ يُدْلُونَ بِالذُّكُورِ، وَهُوَ جَمْعُ عَاصِبٍ وَالْعَصَبَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الإْطْلاَقِ هُمُ: الذُّكُورُ مِنْ وَلَدِ الْمَيِّتِ وَآبَائِهِ وَأَوْلاَدِهِمْ
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْعَصَبَةِ أَنَّ النَّسَبَ أَعَمُّ.
ب- الْوَلاَءُ:
- الْوَلاَءُ فِي اللُّغَةِ: النُّصْرَةُ، لَكِنَّهُ خُصَّ فِي الشَّرْعِ بِوَلاَءِ الْعِتْقِ وَالْوَلاَءُ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: ثُبُوتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِالْعِتْقِ أَوْ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلإِْرْثِ.
ج- الرَّحِمُ:
- الرَّحِمُ فِي اللُّغَةِ: مَوْضِعُ تَكْوِينِ الْوَلَدِ ثُمَّ سُمِّيَتِ الْقَرَابَةُ وَالْوَصْلَةُ مِنْ جِهَةِ الْوَلاَءِ رَحِمًا، فَالرَّحِمُ خِلاَفُ الأَْجْنَبِيِّ وَالرَّحِمُ اصْطِلاَحًا: كُلُّ قَرِيبٍ، وَفِي عُرْفِ الْفَرْضِيِّينَ: كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ ذَا فَرْضٍ مُقَدَّرٍ وَلاَ عَصَبَةٍ وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلإِْرْثِ.
د- الْمُصَاهَرَةُ:
- قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الأَْصْهَارُ أَهْلُ بَيْتِ الْمَرْأَةِ، وَقَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ الصِّهْرَ مِنَ الأَْحْمَاءِ وَالأَْخْتَانِ جَمِيعًا، يُقَالُ: صَاهَرْتُ إِلَيْهِمْ: إِذَا تَزَوَّجْتَ فِيهِمْ، وَأَصْهَرْتُ بِهِمْ: إِذَا اتَّصَلْتَ بِهِمْ وَتَحَرَّمْتَ بِجِوَارٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ تَزَوُّجٍ وَاصْطِلاَحًا تُطْلَقُ الْمُصَاهَرَةُ عَلَى قَرَابَةِ النِّكَاحِ
فَقَرَابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأَْخْتَانُ، وَقَرَابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأَْحْمَاءُ، وَالأَْصْهَارُ يَقَعُ عَامًّا لِذَلِكَ كُلِّهِ .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْمُصَاهَرَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْمُصَاهَرَةِ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ.
هـ - الرَّضَاعُ:
- الرَّضَاعُ فِي اللُّغَةِ: مَصُّ الثَّدْيِ وَاصْطِلاَحًا: اسْمٌ لِحُصُولِ لَبَنِ الْمَرْأَةِ أَوْ مَا حَصَلَ مِنْ لَبَنِهَا فِي جَوْفِ طِفْلٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالرَّضَاعِ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ.
و- الْقُعْدُدُ:
- الْقُعْدُدُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْقَرِيبُ مِنَ الآْبَاءِ إِلَى الْجَدِّ الأَْكْبَرِ. يُقَالُ: فُلاَنٌ سَوَاءٌ مَعَ فُلاَنٍ فِي الْقُعْدُدِ مِنْ فُلاَنٍ، أَيْ فِي الْقُرْبِ مِنْ أَدْنَى جَدٍّ، وَيُقَالُ: فُلاَنٌ أَقْعَدُ مِنْ فُلاَنٍ أَيْ: أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: يَرِثُ الْوَلاَءَ الأَْقْعَدُ مِنْ عَصَبَةِ الْمَيِّتِ صَاحِبِ الْوَلاَءِ وَيَجْرِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ كَالشَّهَادَةِ لأَِحَدٍ بِأَنَّهُ عَاصِبٌ لِمَيِّتٍ فَيَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ الشُّهُودُ قُرْبَهُ مِنَ الْمَيِّتِ فِي الْجَدِّ الَّذِي يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِيهِ ابْنُ عَمٍّ بِدَرَجَةٍ أَوْ دَرَجَتَيْنِ وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي عَفْوِ وَلِيِّ الدَّمِ: عَفْوُ بَعْضِ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ يُسْقِطُ الْقِصَاصَ مَا لَمْ يَكُنِ الَّذِي عَفَا أَبْعَدَ فِي الْقُعْدُدِ وَيَقُولُونَ فِي الْمِيرَاثِ بِالْوَلاَءِ: إِنَّ الْوَلاَءَ لِلأَْقْعَدِ مِنْ عَصَبَةِ الْمَيِّتِ صَاحِبِ الْوَلاَءِ وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْقُعْدُدِ أَنَّ النَّسَبَ أَعَمُّ مِنَ الْقُعْدُدِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّسَبِ:
حُكْمُ الإِْقْرَارِ بِالنَّسَبِ:
- النَّسَبُ مَبْنِيٌّ عَلَى الاِحْتِيَاطِ فَيَحْرُمُ عَلَى الإِْنْسَانِ أَنْ يُقِرَّ بِنَسَبِ وَلَدٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَفْيُ وَلَدٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْهُ، لِحَدِيثِ: «أَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأَْوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلِعَظِيمِ التَّغْلِيظِ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ وَقَبِيحِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنَ الْمَفَاسِدِ كَانَا مِنَ الْكَبَائِرِ
حُقُوقُ النَّسَبِ:
- فِي النَّسَبِ عِدَّةُ حُقُوقٍ، فَفِيهِ حَقٌّ لِلْوَلَدِ حَتَّى يَجِدَ أَبًا يَرْعَاهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ حَقٌّ لِلأُْمِّ، لأِنَّهَا تُعَيَّرُ بِوَلَدٍ لاَ أَبَ لَهُ كَمَا أَنَّ فِيهِ حَقَّ الأَْبِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، لأِنَّ فِي وَصْلِهِ حَقًّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالنَّسَبُ لاَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ، لأِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَكَذَلِكَ لاَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ .
النِّكَاحُ:
يَنْقَسِمُ النِّكَاحُ إِلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ وَيَلْحَقُ بِهِمَا الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ.
فَأَمَّا النِّكَاحُ الصَّحِيحُ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ الَّذِي تَأْتِي بِهِ الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ زَوَاجًا صَحِيحًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَالْمُرَادُ بِالْفِرَاشِ: الزَّوْجِيَّةُ وَمَا فِي حُكْمِهَا، وَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ مَا يَلِي:
أ-أَنْ يُتَصَوَّرَ الْحَمْلُ مِنَ الزَّوْجِ عَادَةً، وَذَلِكَ بِبُلُوغِ الذَّكَرِ تِسْعَ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَاثْنَتَيْ عَشْرَ سَنَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَشْرَ سِنِينَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (ر: بُلُوغ ف 21).
وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَلْحَقُ الْوَلَدُ بِالزَّوْجِ إِنْ كَانَ طِفْلاً دُونَ التَّاسِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ بِالاِتِّفَاقِ، كَمَا لاَ يَلْحَقُ بِالْمَجْبُوبِ وَهُوَ مَقْطُوعُ الذَّكَرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ إِذَا كَانَ يُنْزِلُ وَإِلاَّ فَلاَ (ر: جُب ف9).
أَمَّا مَسْلُولُ الْخُصْيَتَيْنِ إِذَا بَقِيَ ذَكَرُهُ فَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ عَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُسْأَلَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، عَنِ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ، فَإِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَإِلاَّ فَلاَ
ب- أَنْ تَلِدَهُ الزَّوْجَةُ خِلاَلَ مُدَّةِ الْحَمْلِ: وَأَقَلُّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَقْصَاهَا خَمْسُ سَنَوَاتٍ، عَلَى التَّفْصِيلِ فِي مُصْطَلَحِ: (حَمْل ف 7).
ج- إِمْكَانُ تَلاَقِي الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَإِنْ طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، أَوْ جَرَى عَقْدُ الزَّوَاجِ وَكَانَ الزَّوْجَانِ مُتَبَاعِدَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالآْخَرُ بِالْمَغْرِبِ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
جَاءَ فِي جَوَاهِرِ الإِْكْلِيلِ: إِذَا ادَّعَتِ الْوَلَدَ زَوْجَةٌ مَغْرِبِيَّةٌ مَثَلاً عَلَى زَوْجٍ لَهَا مَشْرِقِيٍّ مَثَلاً وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِبَلَدِهِ لَمْ يَغِبْ عَنْهَا غَيْبَةً يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ فِيهَا لِلآْخَرِ عَادَةً فَيَنْتَفِي عَنْهُ بِلاَ لِعَانٍ لاِسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ مِنْهُ عَادَةً .
وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمَلِ: الْوَلَدُ لاَحِقٌ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ بِالزَّوْجِ مُطْلَقًا مَتَى أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي الْعَرْضِ عَلَى الْقَائِفِ فِيهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا: الزَّوْجَةُ تَكُونُ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْخَلْوَةِ بِهَا حَتَّى إِذَا وَلَدَتْ لِلإِْمْكَانِ مِنَ الْخَلْوَةِ بِهَا، لَحِقَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْوَطْءِ، لأِنَّ مَقْصُودَ النِّكَاحِ الاِسْتِمْتَاعُ وَالْوَلَدُ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالإِْمْكَانِ مِنَ الْخَلْوَةِ .
وَقَالُوا كَذَلِكَ: لَوْ طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَمَضَتْ ثَلاَثَةُ أَقْرَاءٍ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ لِقُوَّةِ فِرَاشِ النِّكَاحِ
وَجَاءَ فِي نَيْلِ الْمَآرِبِ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ مِنَ الزَّوْجِ مِثْلَ مَا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِدُونِ نِصْفِ سَنَةٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا وَعَاشَ، أَوْ أَتَتْ بِهِ لأََكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا، أَوْ فَارَقَهَا حَامِلاً فَوَضَعَتْ ثُمَّ وَضَعَتْ آخَرَ بَعْدَ نِصْفِ سَنَةٍ، أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهَا زَمَنَ الزَّوْجِيَّةِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَمَاعَةِ حَاكِمٌ أَوْ لاَ، ثُمَّ أَبَانَهَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ مَاتَ الزَّوْجُ بِالْمَجْلِسِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ مَسَافَةٌ لاَ يَقْطَعُهَا فِي الْمَدَّةِ الَّتِي وَلَدَتْ فِيهَا، كَمَشْرِقِيٍّ تَزَوَّجَ مَغْرِبِيَّةً ثُمَّ مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، لأِنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَلْحَقُهُ بِالْعَقْدِ وَمُدَّةِ الْحَمْلِ، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ لَمْ يَكْمُلْ لَهُ عَشْرٌ مِنَ السِّنِينَ، أَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ مِنْ أُنْثَيَيْهِ لَمْ يَلْحَقْهُ، أَيْ لَمْ يَلْحَقِ الْوَلَدُ الزَّوْجَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَلْحَقُهُ، لأِنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ كَافٍ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَلْتَقِيَا .
جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: اكْتَفَى الْحَنَفِيَّةُ بِقِيَامِ الْفِرَاشِ بِلاَ دُخُولٍ كَتَزَوُّجِ الْمَغْرِبِيِّ بِمَشْرِقِيَّةٍ بَيْنَهُمَا سَنَةٌ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا .
النِّكَاحُ الْفَاسِدُ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ دُخُولٌ حَقِيقِيٌّ، لأِنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ فِي إِثْبَاتِهِ إِحْيَاءً لِلْوَلَدِ
بَدْءُ اعْتِبَارِ مُدَّةِ النَّسَبِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ:
نَصَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ النَّسَبِ تُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ كَمَا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، لأِنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُؤْخَذُ مِنَ الصَّحِيحِ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، لأِنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِدَاعٍ إِلَيْهِ وَالإِْقَامَةُ بِاعْتِبَارِهِ، أَيْ إِقَامَةُ النِّكَاحِ مَقَامَ الْوَطْءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النِّكَاحَ دَاعٍ إِلَى الْوَطْءِ، وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَيْسَ بِدَاعٍ إِلَيْهِ فَلاَ يُقَامُ مَقَامَهُ.
الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَطْءَ بِشُبْهَةٍ يُثْبِتُ النَّسَبَ، لأِنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ هُنَا إِنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ ظَنِّ الْوَاطِئِ، بِخِلاَفِ الزِّنَا فَلاَ ظَنَّ فِيهِ.
فَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً لاَ زَوْجَ لَهَا بِشُبْهَةِ مِنْهُ كَأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَوَجَدَ مِنْهَا شُبْهَةً أَيْضًا أَمْ لاَ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَعَزَاهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْهُمْ - إِنَّهُ لاَ يَلْحَقُ بِهِ، لأِنَّ النَّسَبَ لاَ يَلْحَقُ إِلاَّ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَوْ فَاسِدٍ، أَوْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةِ مِلْكٍ، وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلأِنَّهُ وَطْءٌ لاَ يَسْتَنِدُ إِلَى عَقْدٍ، فَلَمْ يُلْحَقِ الْوَلَدُ فِيهِ كَالزِّنَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ مَنْ دَرَأْتُ عَنْهُ الْحَدَّ فِي وَطْءٍ أَلْحَقْتُ الْوَلَدَ بِهِ، وَلأِنَّهُ وَطْءٌ اعْتَقَدَ الْوَاطِئُ حِلَّهُ فَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَفَارَقَ وَطْءَ الزِّنَا فَإِنَّهُ لاَ يَعْتَقِدُ الْحِلَّ فِيهِ، وَإِنْ وَطِئَ ذَاتَ زَوْجٍ بِشُبْهَةٍ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ زَوْجُهَا، فَاعْتَزَلَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، لَحِقَ الْوَاطِئَ وَانْتَفَى عَنِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ يَلْحَقُ الزَّوْجَ، لأِنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ .
الاِشْتِرَاكُ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ:
الاِشْتِرَاكُ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ يُثْبِتُ النَّسَبَ، بِأَنْ وَطِئَا امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، كَأَنْ وَجَدَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا فِي فِرَاشِهِ فَظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ وَطَلَّقَ فَوَطِئَهَا آخَرُ بِشُبْهَةٍ أَوْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِتَعَذُّرِ إِلْحَاقِهِ بِهِمَا وَنَفْيِهِ عَنْهُمَا
ثُبُوتُ النَّسَبِ بِاسْتِدْخَالِ الْمَنِيِّ:
- قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ مَنِيٍّ دَخَلَ فَرْجَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ كَحَمَّامٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِزَوْجِهَا إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ وَأَمْكَنَ إِلْحَاقُهُ بِهِ بِأَنْ مَضَى مِنْ يَوْمِ تَزَوُّجِهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ كَانَتْ وَلَكِنْ لاَ يُمْكِنُ إِلْحَاقُهُ بِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: اسْتِدْخَالُ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ يُقَامُ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ .
ثُبُوتُ النَّسَبِ بِالزِّنَا أَوْ عَدَمُهُ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالزِّنَا مُطْلَقًا، فَلَمْ يُثْبِتْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالزِّنَا نَسَبًا، وَقَالَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَالْعَاهِرُ الزَّانِي، وَلأِنَّ الزَّانِيَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْفِعْلِ آثِمٌ بِهِ
السَّبَبُ الثَّانِي: الاِسْتِيلاَدُ:
الاِسْتِيلاَدُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الْوَلَدِ، وَاصْطِلاَحًا: هُوَ تَصْيِيرُ الْجَارِيَةِ أُمَّ وَلَدٍ، يُقَالُ: فُلاَنٌ اسْتَوْلَدَ جَارِيَتَهُ إِنْ صَيَّرَهَا أُمَّ وَلَدِهِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الاِسْتِيلاَدِ ثُبُوتُ النَّسَبِ إِذَا أَقَرَّ السَّيِّدُ بِالْوَطْءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ اشْتَرَطُوا إِقْرَارَهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِيلاَد ف 8).
أَدِلَّةُ ثُبُوتِ النَّسَبِ:
أ- الْفِرَاشُ:
- الْفِرَاشُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَطْءِ وَهُوَ مَا افْتُرِشَ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى، وَتُسَمَّى الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لأِنَّ الرَّجُلَ يَفْتَرِشُهَا وَمِنْهُ حَدِيثُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» أَيْ لِمَالِكِ الْفِرَاشِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُسْتَعْمَلُ كَلِمَةُ الْفِرَاشِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ، كَمَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى كَوْنِ الْمَرْأَةِ مُتَعَيِّنَةً لِلْوِلاَدَةِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، يَقُولُ الزَّيْلَعِيُّ: مَعْنَى الْفِرَاشِ أَنْ تَتَعَيَّنَ الْمَرْأَةُ لِلْوِلاَدَةِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَقَدْ فَسَّرَهُ الْكَرْخِيُّ بِأَنَّهُ الْعَقْدُ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ فِي الْفِرَاشِ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتِ: «اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلاَمٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ، قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ».
وَمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَئْدَهُمْ ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ، لاَ تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلاَّ أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا فَاعْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَوِ اتْرُكُوا فَهَذَا الْحُكْمُ أَصْلٌ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ بِالْفِرَاشِ، وَفِي أَنَّ الشَّبَهَ إِذَا عَارَضَ الْفِرَاشَ قُدِّمَ عَلَيْهِ الْفِرَاشُ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَصِيرُ بِهِ الزَّوْجَةُ فِرَاشًا.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ تَكُونُ فِرَاشًا بِعَقْدِ الزَّوَاجِ مَعَ إِمْكَانِ الدُّخُولِ الْحَقِيقِيِّ بِهَا أَيِ الْوَطْءِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ نَكَحَ الْمَغْرِبِيُّ الْمَشْرِقِيَّةَ مَثَلاً وَلَمْ يُفَارِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَطَنَهُ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ، لِعَدَمِ إِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفِرَاشَ فِي الزَّوْجَةِ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ إِمْكَانُ الدُّخُولِ مَادَامَ الدُّخُولُ مُتَصَوَّرًا عَقْلاً. وَيَقُولُونَ: إِنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَاءِ مَادَامَ التَّصَوُّرُ الْعَقْلِيُّ حَاصِلاً، فَمَتَى أَتَتِ الزَّوْجَةُ بِوَلَدٍ لأَِدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ الزَّوْجِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الْمَشْرِقِيُّ بِمَغْرِبِيَّةٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الدُّخُولُ حَقِيقَةً، لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» أَيْ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اشْتِرَاطَ الْوَطْءِ وَلاَ ذَكَرَهُ، وَلأِنَّ الْعَقْدَ فِي الزَّوْجَةِ كَالْوَطْءِ.
الدِّعْوَةُ:
لَمْ يَأْخُذْ بِدِعْوَةِ النَّسَبِ دَلِيلاً فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ الْمُتَعَلِّقِ بِأُمَّهَاتِ الأَْوْلاَدِ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَدَّعِيَ السَّيِّدُ أَنَّ مَا وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ مِنْهُ، فَلِكَيْ تَصِيرَ الْمُسْتَوْلَدَةُ فِرَاشًا لِسَيِّدِهَا لاَ بُدَّ أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَلَدَهَا وَلاَ يَكْفِي أَنْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الأَْمَةَ تَصِيرُ فِرَاشًا بِالإِْقْرَارِ بِالْوَطْءِ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِذَلِكَ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى الاِدِّعَاءِ .
الْحَمْلُ:
يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالْحَبَلِ الظَّاهِرِ وَذَلِكَ إِذَا وُلِدَ الْحَمْلُ خِلاَلَ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهَذِهِ الْمُدَّةُ لَهَا حَدٌّ أَدْنَى وَحَدٌّ أَقْصَى، أَمَّا الْحَدُّ الأَْدْنَى لِمُدَّةِ الْحَمْلِ فَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ .
أَمَّا أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ سَنَتَانِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ خَمْسُ سِنِينَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إِنَّ أَقْصَى الْحَمْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَهِيَ الْمُدَّةُ الْمُعْتَادَةُ وَانْظُرِ التَّفْصِيلَ فِي مُصْطَلَحِ (حَمْل ف 6 وَمَا بَعْدَهَا).
الْبَيِّنَةُ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ لاَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَيَمِينٍ، وَلاَ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ .
وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ النَّسَبَ لاَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ لأِنَّ النَّسَبَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلاَ يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَمْ يَكُنْ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَتِهِ مَدْخَلٌ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ .
وَالتَّفْصِيلُ فِي (شَهَادَةِ ف 19).
الإِْقْرَارُ:
الإِْقْرَارُ بِالنَّسَبِ وَاجِبٌ عَلَى الصَّادِقِ، حَرَامٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ بِالإِْقْرَارِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ بِالنَّسَبِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِوَارِثٍ.
وَالثَّانِي: إِقْرَارُ الْوَارِثِ بِوَارِثِهِ.
وَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَانِ حُكْمُ النَّسَبِ وَحُكْمُ الْمِيرَاثِ.
أَمَّا الإِْقْرَارُ بِوَارِثٍ فَلِصِحَّتِهِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ شَرَائِطُ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مُحْتَمَلَ الثُّبُوتِ، لأِنَّ الإِْقْرَارَ إِخْبَارٌ عَنْ كَائِنٍ، فَإِذَا اسْتَحَالَ كَوْنُهُ فَالإِْخْبَارُ عَنْ كَائِنٍ يَكُونُ كَذِبًا مَحْضًا، وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِغُلاَمٍ أَنَّهُ ابْنُهُ وَمِثْلُهُ لاَ يَلِدُ مِثْلَهُ لاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ، لأِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ فَكَانَ كَذِبًا فِي إِقْرَارِهِ بِيَقِينٍ.
وَمِنْهَا: أَلاَّ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِنَسَبِهِ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَصِحَّ، لأِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِهِ لاَ يُحْتَمَلُ ثُبُوتُهُ لَهُ بَعْدَهُ.
وَمِنْهَا: تَصْدِيقُ الْمُقِرِّ بِنَسَبِهِ إِذَا كَانَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، لأِنَّ إِقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ يَدِهِ فَلاَ تَبْطُلُ إِلاَّ بِرِضَاهُ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالنَّسَبِ، حَتَّى يَصِحَّ مِنَ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ جَمِيعًا؛ لأِنَّ الْمَرَضَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِعَيْنِهِ بَلْ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ أَوِ التُّهْمَةِ فَكُلُّ ذَلِكَ مُنْعَدِمٌ. أَمَّا التَّعَلُّقُ فَظَاهِرُ الْعَدَمِ، لأِنَّهُ لاَ يُعْرَفُ التَّعَلُّقُ فِي مَجْهُولِ النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى التُّهْمَةِ، لأِنَّ الإِْرْثَ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ النَّسَبِ، فَإِنَّ لِحِرْمَانِ الإِْرْثِ أَسْبَابًا لاَ تَقْدَحُ فِي النَّسَبِ مِنَ الْقَتْلِ وَالرِّقِّ وَاخْتِلاَفِ الدِّينِ وَالدَّارِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، سَوَاءٌ كَذَّبَهُ الْمُقِرُّ بِنَسَبِهِ أَوْ صَدَّقَهُ، لأِنَّ إِقْرَارَ الإِْنْسَانِ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ لاَ عَلَى غَيْرِهِ لأِنَّهُ عَلَى غَيْرِهِ شَهَادَةٌ أَوْ دَعْوَى، وَالدَّعْوَى الْمُفْرَدَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ فِيمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَهُوَ مِنْ بَابِ حُقُوقِ الْعِبَادِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَالإِْقْرَارُ الَّذِي فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِهِ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ لاَ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَ دَعْوَى أَوْ شَهَادَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يُقْبَلُ إِلاَّ بِحُجَّةٍ.
وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِخَمْسَةِ نَفَرٍ: الْوَالِدَيْنِ، وَالْوَلَدِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالْمَوْلَى. وَيَجُوزُ إِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى، وَلاَ يَجُوزُ بِالْوَلَدِ، لأِنَّهُ لَيْسَ فِي الإِْقْرَارِ بِهَؤُلاَءِ حَمْلُ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِهِ، أَمَّا الإِْقْرَارُ بِالْوَلاَءِ فَظَاهِرٌ، لأِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَمْلُ نَسَبٍ إِلَى أَحَدٍ، وَكَذَا الإِْقْرَارُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَيْسَ فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِهِ لَكِنْ لاَ بُدَّ مِنَ التَّصْدِيقِ، ثُمَّ إِنْ وُجِدَ التَّصْدِيقُ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُقِرِّ جَازَ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنْ كَانَ الإِْقْرَارُ مِنَ الزَّوْجِ يَصِحُّ تَصْدِيقُ الْمَرْأَةِ سَوَاءٌ صَدَّقَتْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ، بِأَنْ أَقَرَّ الرَّجُلُ بِالزَّوْجِيَّةِ فَمَاتَ ثُمَّ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ لأِنَّ النِّكَاحَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ وَجْهٍ لِبَقَاءِ بَعْضِ أَحْكَامِهِ فِي الْعِدَّةِ فَكَانَ مُحْتَمِلاً لِلتَّصْدِيقِ، وَإِنْ كَانَ الإِْقْرَارُ بِالزَّوْجِيَّةِ مِنَ الْمَرْأَةِ فَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ بَعْدَ مَوْتِهَا لاَ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأِنَّ النِّكَاحَ لِلْحَالِ عَدِمَ حَقِيقَتَهُ فَلاَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّصْدِيقِ، إِلاَّ أَنَّهُ أُعْطِيَ حُكْمَ الْبَقَاءِ لاِسْتِيفَاءِ أَحْكَامٍ كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَ الْمَوْتِ، وَالْمِيرَاثُ حُكْمٌ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فَكَانَ زَائِلاً فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ فَلاَ يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَصِحُّ، لأِنَّ النِّكَاحَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ وَجْهٍ فَيَجُوزُ التَّصْدِيقُ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالزَّوْجِيَّةِ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَأَمَّا الإِْقْرَارُ بِالْوَلَدِ فَلأِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ إِقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ لاَ عَلَى غَيْرِهِ فَيُقْبَلُ، لَكِنْ لاَ بُدَّ مِنَ التَّصْدِيقِ إِذَا كَانَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَسَوَاءٌ وَجَدَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ، لأِنَّ النَّسَبَ لاَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ فَيَجُوزُ التَّصْدِيقُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا.
وَكَذَلِكَ الإِْقْرَارُ بِالْوَالِدَيْنِ لَيْسَ فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ إِقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ لاَ عَلَى غَيْرِهِ فَيُقْبَلُ، وَكَذَلِكَ إِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِهَؤُلاَءِ لِمَا ذَكَرْنَا، إِلاَّ الْوَلَدَ لأِنَّ فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ نَسَبُ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجِ، فَلاَ يُقْبَلُ إِلاَّ إِذَا صَدَّقَهَا الزَّوْجُ أَوْ تَشْهَدُ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلاَدَةِ بِخِلاَفِ الرَّجُلِ لأِنَّ فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ الْوَلَدِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلاَ يَجُوزُ الإِْقْرَارُ بِغَيْرِ هَؤُلاَءِ مِنَ الْعَمِّ وَالأَْخِ، لأِنَّ فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الأَْبُ وَالْجَدُّ. وَكَذَلِكَ الإِْقْرَارُ بِوَارِثٍ فِي حَقِّ حُكْمِ الْمِيرَاثِ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِلإِْقْرَارِ بِهِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا إِلاَّ شَرْطَ حَمْلِ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، فَإِنَّ الإِْقْرَارَ بِنَسَبٍ يَحْمِلُهُ الْمُقِرُّ عَلَى غَيْرِهِ لاَ يَصِحُّ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ أَصْلاً، وَيَصِحُّ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَلاَّ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ أَصْلاً وَيَكُونَ مِيرَاثُهُ لَهُ، لأِنَّ تَصَرُّفَ الْعَاقِلِ وَاجِبُ التَّصْحِيحِ مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ لِفَقْدِ شَرْطِ الصِّحَّةِ أَمْكَنَ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ وَارِثٌ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا لاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ أَصْلاً وَلاَ شَيْءَ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ، بِأَنْ أَقَرَّ بِأَخٍ وَلَهُ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ فَمِيرَاثُهُ لِعَمَّتِهِ أَوْ لِخَالَتِهِ وَلاَ شَيْءَ لِلْمُقِرِّ لَهُ لأِنَّهُمَا وَارِثَانِ بِيَقِينٍ، فَكَانَ حَقُّهُمَا ثَابِتًا بِيَقِينٍ، فَلاَ يَجُوزُ إِبْطَالُهُ بِالصَّرْفِ إِلَى غَيْرِهِمَا.
- وَأَمَّا الإِْقْرَارُ بِوَارِثٍ فَالْكَلاَمُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَالثَّانِي فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ. أَمَّا الأَْوَّلُ فَالأَْمْرُ فِيهِ لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ وَاحِدًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِأَنْ مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنًا فَأَقَرَّ بِأَخٍ هَلْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ الْمَيِّتِ؟ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِإِقْرَارِ وَارِثٍ وَاحِدٍ، لأِنَّ الإِْقْرَارَ بِالأُْخُوَّةِ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَمْلِ نَسَبِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَكَانَ شَهَادَةً وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ، لأِنَّ إِقْرَارَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ فَيَكُونُ مَقْبُولاً فِي حَقِّ النَّسَبِ كَإِقْرَارِ الْجَمَاعَةِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِأَنْ كَانَا رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلاً وَامْرَأَتَيْنِ فَصَاعِدًا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمْ بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ، لأِنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي النَّسَبِ مَقْبُولَةٌ.
وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ فَإِقْرَارُ الْوَارِثِ الْوَاحِدِ بِوَارِثٍ يَصِحُّ وَيَصْدُقُ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ بِأَنْ أَقَرَّ الاِبْنُ الْمَعْرُوفُ بِأَخٍ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُشَارِكُهُ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمِيرَاثِ، لأِنَّ الإِْقْرَارَ بِالأُْخُوَّةِ إِقْرَارٌ بِشَيْئَيْنِ: النَّسَبِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمَالِ، وَالإِْقْرَارُ بِالنَّسَبِ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لأِنَّهُ دَعْوَى فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ شَهَادَةٌ، وَالإِْقْرَارُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَالِ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّهُ مَقْبُولٌ، وَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الإِْقْرَارُ الْوَاحِدُ مَقْبُولاً بِجِهَةٍ غَيْرَ مَقْبُولٍ بِجِهَةٍ أُخْرَى.
وَلَوْ أَقَرَّ الاِبْنُ الْمَعْرُوفُ بِأُخْتٍ أَخَذَتْ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، لأِنَّ إِقْرَارَهُ قَدْ صَحَّ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ وَلَهَا مَعَ الأَْخِ ثُلُثُ الْمِيرَاثِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِامْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَةُ أَبِيهِ فَلَهَا ثُمُنُ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِجَدَّةٍ هِيَ أُمُّ الْمَيِّتِ فَلَهَا سُدُسُ مَا فِي يَدِهِ، وَالأَْصْلُ أَنَّ الْمُقِرَّ فِيمَا فِي يَدِهِ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ مَا لَوْ ثَبَتَ النَّسَبُ.
وَلَوْ أَقَرَّ ابْنُ الْمَيِّتِ بِابْنِ ابْنٍ لِلْمَيِّتِ وَصَدَّقَهُ، لَكِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ ابْنَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ وَالْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ اسْتِحْسَانًا، لأِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ إِنَّمَا اسْتَفَادَ الْمِيرَاثَ مِنْ جِهَةِ الْمُقِرِّ فَلَوْ بَطَلَ إِقْرَارُهُ لَبَطَلَتْ وِرَاثَتُهُ، وَفِي بُطْلاَنِ وِرَاثَتِهِ بُطْلاَنُ وِرَاثَةِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقَرِّ لَهُ وَالْمَالُ كُلُّهُ لَهُ مَا لَمْ يُقِمِ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّسَبِ، لأِنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى إِثْبَاتِ وِرَاثَةِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَاخْتَلَفَا فِي وِرَاثَةِ الْمُقِرِّ، فَيَثْبُتُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَيَقِفُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ.
- وَالْمَالِكِيَّةُ يُسَمُّونَ الإِْقْرَارَ بِالنَّسَبِ بِالاِسْتِلْحَاقِ فَقَالُوا: إِنَّمَا يَسْتَلْحِقُ الأَْبُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِابْنٍ جَازَ إِقْرَارُهُ وَلَحِقَ بِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، أَنْكَرَ الاِبْنُ أَوْ أَقَرَّ.
وَإِنَّمَا يَسْتَلْحِقُ الأَْبَ مَجْهُولُ النَّسَبِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ: مَنِ ادَّعَى وَلَدًا لاَ يُعْرَفُ كَذِبُهُ فِيهِ لَحِقَ بِهِ إِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ الْعَقْلُ أَوِ الْحِسُّ أَوِ الْعَادَةُ أَوِ الشَّرْعُ صَغِيرًا كَانَ الْمُسْتَلْحَقُ أَوْ كَبِيرًا، حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ نَفَى وَلَدًا بِلِعَانٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَنْ مَالٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ضُرِبَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا فَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لأِنَّهُ يُتَّهَمُ فِي مِيرَاثِهِ وَيُحَدُّ وَلاَ يَرِثُهُ.
- وَإِذَا اسْتَلْحَقَ مَيِّتًا وَرِثَ الْمُسْتَلْحِقُ - بِالْكَسْرِ - الْمُسْتَلْحَقَ - بِالْفَتْحِ - إِنْ وَرِثَهُ أَيِ الْمُسْتَلْحَقَ - بِالْفَتْحِ - ابْنٌ، قَالَ الْحَطَّابُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ إِنَّمَا هُوَ فِي إِرْثِهِ مِنْهُ. وَأَمَّا نَسَبُهُ فَلاَحِقٌ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرِثْهُ ابْنٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ. وَإِنِ اسْتَلْحَقَ شَخْصٌ شَخْصًا وَارِثًا غَيْرَ وَلَدٍ لِمُسْتَلْحِقِهِ - بِالْكَسْرِ - كَأَخٍ وَعَمٍّ وَأَبٍ وَأُمٍّ، فَلاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ لَهُ، وَلاَ يَرِثُ الْمُسْتَلْحَقُ - بِالْفَتْحِ - الْمُسْتَلْحِقَ - بِالْكَسْرِ - إِنْ وُجِدَ وَارِثٌ لِلْمُسْتَلْحِقِ - بِالْكَسْرِ -، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ فَفِي إِرْثِهِ خِلاَفٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ لاَ إِرْثَ بِإِقْرَارٍ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الإِْرْثُ بِالإِْقْرَارِ، وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِمَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ.
وَخَصَّ الْخِلاَفَ فِي إِرْثِ الْمُقَرِّ بِهِ مِنَ الْمُقِرِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ بِمَا إِذَا لَمْ يَطُلِ الإِْقْرَارُ بِالْوَارِثِ، وَأَمَّا مَعَ الطُّولِ فَلاَ خِلاَفَ عِنْدَهُ فِي الإِْرْثِ بِهِ لِدَلاَلَتِهِ عَلَى صِدْقِهِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ، إِنْ قَالَ: هَذَا أَخِي، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذُو نَسَبٍ ثَابِتٍ يَرِثُهُ فَقِيلَ: الْمَالُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَقِيلَ: الْمُقَرُّ لَهُ أَوْلَى وَهَذَا أَحْسَنُ، لأِنَّ لَهُ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ.
وَلَوْ كَانَ الإِْقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ وَطَالَتِ الْمُدَّةُ وَهُمَا عَلَى ذَلِكَ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلآْخَرِ: أَخِي، أَوْ يَقُولُ: هَذَا عَمِّي، وَيَقُولُ الآْخَرُ: ابْنُ أَخِي، وَمَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ السُّنُونَ وَلاَ أَحَدَ يَدَّعِي بُطْلاَنَ ذَلِكَ لَكَانَ حَوْزًا.
وَإِنْ أَقَرَّ عَدْلاَنِ مِنْ وَرَثَةِ مَيِّتٍ - كَابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ أَوْ عَمَّيْنِ - بِثَالِثٍ مُسَاوٍ لَهُمَا فِي الاِسْتِحْقَاقِ كَابْنٍ أَوْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ ثَبَتَ النَّسَبُ وَالْمِيرَاثُ مِنَ الْمَيِّتِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ غَيْرُ عَدْلَيْنِ فَلاَ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِجْمَاعًا.
وَإِنْ أَقَرَّ عَدْلٌ وَاحِدٌ يَحْلِفُ الْمُقَرُّ بِهِ مَعَهُ أَيِ الْعَدْلُ الْمُقِرُّ، وَيَرِثُ الْمَيِّتُ مَعَ الْمُقِرِّ، وَالْحَالُ لاَ نَسَبَ ثَابِتٌ لَهُ بِإِقْرَارِ الْعَدْلِ وَحَلِفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُقِرُّ عَدْلاً فَحِصَّةُ الشَّخْصِ الْمُقِرِّ بِوَارِثٍ كَالْمَالِ الْمَتْرُوكِ أَيْ كَأَنَّهَا جَمِيعُ التَّرِكَةِ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْمُقِرِّ وَالْمُقَرِّ بِهِ، فَإِنْ كَانَا وَلَدَيْنِ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِثَالِثٍ وَكَذَّبَهُ أَخُوهُ فَحِصَّةُ الْمُقِرِّ النِّصْفُ فَيُقَدَّرُ أَنَّهُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ وَيُقْسَمُ عَلَى الثَّلاَثَةِ فَيَنُوبُ الْمُقَرُّ بِهِ ثُلُثَهُ فَيَأْخُذُهُ وَثُلُثَاهُ لِلْمُقِرِّ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُ عَاصِبِي مَيِّتٍ لِشَخْصٍ ثَالِثٍ: هَذَا أَخِي وَأَنْكَرَهُ أَخُوهُ ثُمَّ أَضْرَبَ الْمُقِرُّ عَنْ إِقْرَارِهِ لِهَذَا الثَّالِثِ وَقَالَ لِشَخْصٍ آخَرَ رَابِعٍ: بَلْ هَذَا أَخِي، فَلِلْمُقَرِّ بِهِ الأَْوَّلِ نِصْفُ إِرْثِ أَبِ الْمُقِرِّ لاِعْتِرَافِهِ لَهُ بِهِ، وَإِضْرَابُهُ عَنْهُ لاَ يُسْقِطُهُ لأِنَّهُ يَعُدُّ نَدَمًا، وَلِلْمُقَرِّ بِهِ الثَّانِي نِصْفُ مَا بَقِيَ بِيَدِ الْمُقِرِّ لاِعْتِرَافِهِ لَهُ بِهِ
- وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ مُكَلَّفٌ بِنَسَبِ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ بِأَنْ قَالَ: إِنَّهُ ابْنُهُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُولَدَ لِمِثْلِ الْمُقِرِّ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ أَكْبَرَ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ كَمَا نَصَّ الْحَنَابِلَةُ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ مُنَازِعٌ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، لأِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّخْصَ لاَ يَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ.
وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ أَوِ الْمَجْنُونُ الْمُقَرُّ بِهِ مَيِّتًا وَرِثَهُ وَثَبَتَ نَسَبُهُ، لأِنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ النَّسَبِ مَعَ الْحَيَاةِ الإِْقْرَارُ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ لاَ، لِفَوَاتِ التَّصْدِيقِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا عَاقِلاً لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنَ الْمُقِرِّ حَتَّى يُصَدِّقَهُ، لأِنَّ لَهُ قَوْلاً صَحِيحًا فَاعْتُبِرَ تَصْدِيقُهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ، وَلأِنَّ لَهُ حَقًّا فِي نَسَبِهِ، فَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَّفَهُ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَثَبَتَ نَسَبُهُ، وَلَوْ سَكَتَ عَنِ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ قَضِيَّةُ اعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ.
وَإِنْ كَانَ الْكَبِيرُ الْعَاقِلُ الْمُقَرُّ بِهِ مَيِّتًا ثَبَتَ إِرْثُهُ وَنَسَبُهُ، لأِنَّهُ لاَ قَوْلَ لَهُ أَشْبَهَ الصَّغِيرَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ لاَ، لِفَوَاتِ التَّصْدِيقِ.
وَعَلَى الأَْوَّلِ يَرِثُ الْمَيِّتَ الْمُسْتَلْحِقُ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى التُّهْمَةِ.
وَإِنِ ادَّعَى نَسَبَ مُكَلَّفٍ فِي حَيَاتِهِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُقِرُّ ثُمَّ صَدَّقَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ، لأِنَّ بِتَصْدِيقِهِ حَصَلَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى التَّوَارُثِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا.
وَإِنِ اسْتَلْحَقَ صَغِيرًا أَثْبَتَ نَسَبَهُ فَلَوْ بَلَغَ وَكَذَّبَهُ لَمْ يَبْطُلْ نَسَبُهُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لأِنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لَهُ فَلاَ يَنْدَفِعُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ يَبْطُلُ لأِنَّ الْحُكْمَ بِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ أَهْلٍ لِلإِْنْكَارِ وَقَدْ صَارَ أَهْلاً لَهُ وَأَنْكَرَ.
وَيَجْرِي الْخِلاَفُ فِيمَا إِذَا اسْتَلْحَقَ مَجْنُونًا فَأَفَاقَ وَأَنْكَرَ.
وَلَوِ اسْتَلْحَقَ اثْنَانِ بَالِغًا ثَبَتَ نَسَبُهُ لِمَنْ صَدَّقَهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْ وَاحِدًا مِنْهُمَا عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ
- وَمَنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَهُ أُمٌّ فَجَاءَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ تَدَّعِي زَوْجِيَّتَهُ لَمْ تَثْبُتِ الزَّوْجِيَّةُ بِذَلِكَ، لأِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّةِ أُمِّهِ، لأِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
وَكَذَا لَوِ ادَّعَتْ أُخْتُهُ الْبُنُوَّةَ، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، قَالَ فِي الاِخْتِيَارَاتِ: وَمَنْ أَنْكَرَ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا كَانَ لَهَا طَلَبُهُ بِحَقِّهَا
- وَإِنْ قَدِمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بِلاَدِ الرُّومِ وَمَعَهَا طِفْلٌ، فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُهُ مَعَ إِمْكَانِهِ وَلاَ مُنَازِعَ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ لِوُجُودِ الإِْمْكَانِ وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ، وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ لإِِثْبَاتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتِ امْرَأَةُ رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْبَتِهِ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلرَّجُلِ قُدُومٌ إِلَيْهَا وَلاَ عُرِفَ لَهَا خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهَا
- وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ لَمْ يُقْبَلْ لأِنَّ إِقْرَارَ الإِْنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
وَإِنْ كَانَ إِقْرَارُهُ بِنَسَبِ الأَْخِ أَوِ الْعَمِّ بَعْدَ مَوْتِهِمَا، وَالْمُقِرُّ هُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ صَحَّ إِقْرَارُهُ وَثَبَتَ النَّسَبُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَلأِنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ مُورِثِهِ فِي حُقُوقِهِ وَهَذَا مِنْهَا
وَلاَ يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ نَفَاهُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيَجُوزُ إِلْحَاقُهُ بِهِ بَعْدَ نَفْيِهِ إِيَّاهُ كَمَا لَوِ اسْتَلْحَقَهُ هُوَ بَعْدَ أَنْ نَفَاهُ بِلِعَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدْ نَفَاهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، لأِنَّ فِي إِلْحَاقِ مَنْ نَفَاهُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلْحَاقَ عَارٍ بِنَسَبِهِ
- وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُقِرِّ فِي إِلْحَاقِ النَّسَبِ بِغَيْرِهِ وَارِثًا حَائِزًا لِتَرِكَةِ الْمُلْحَقِ بِهِ، وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، كَابْنَيْنِ أَقَرَّا بِثَالِثٍ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيَرِثُ مَعَهُمَا، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا إِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْحَائِزَيْنِ بِثَالِثٍ وَأَنْكَرَهُ الآْخَرُ أَنَّ الْمُسْتَلْحِقَ لاَ يَرِثُ، لأِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَلاَ يُشَارِكُ الْمُقِرَّ فِي حِصَّتِهِ، وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ يَرِثُ بِأَنْ يُشَارِكَ الْمُقِرَّ فِي حِصَّتِهِ، وَعَلَى الأَْوَّلِ عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، أَمَّا فِي الْبَاطِنِ إِذَا كَانَ الْمُقِرُّ صَادِقًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيمَا يَرِثُهُ فِي الأَْصَحِّ بِثُلُثِهِ، وَقِيلَ: بِنِصْفِهِ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْبَالِغَ مِنَ الْوَرَثَةِ لاَ يَنْفَرِدُ بِالإِْقْرَارِ، بَلْ يَنْتَظِرُ بُلُوغَ الصَّبِيِّ، وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ يَنْفَرِدُ بِهِ وَيُحْكَمُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ فِي الْحَالِ، لأِنَّهُ خَطِيرٌ لاَ يُجَاوِزُ فِيهِ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ الْحَائِزَيْنِ بِثَالِثٍ وَأَنْكَرَ الآْخَرُ وَمَاتَ وَلَمْ يَرِثْهُ إِلاَّ الْمُقِرُّ ثَبَتَ النَّسَبُ، لأِنَّ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ صَارَ لَهُ.
وَفِي مُقَابِلِ الأَْصَحِّ لاَ يَثْبُتُ نَظَرًا إِلَى إِنْكَارِ الْمُورِثِ الأَْصْلَ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ابْنٌ حَائِزٌ بِأُخُوَّةِ مَجْهُولٍ فَأَنْكَرَ الْمَجْهُولُ نَسَبَ الْمُقِرِّ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إِنْكَارُهُ، وَيَثْبُتُ أَيْضًا نَسَبُ الْمَجْهُولِ، وَالثَّانِي: يُؤَثِّرُ الإِْنْكَارُ فَيَحْتَاجُ الْمُقِرُّ إِلَى الْبَيِّنَةِ عَلَى نَسَبِهِ، وَالثَّالِثُ: لاَ يَثْبُتُ نَسَبُ الْمَجْهُولِ لِزَعْمِهِ أَنَّ الْمُقِرَّ لَيْسَ بِوَارِثٍ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَارِثُ الظَّاهِرُ يَحْجُبُهُ الْمُسْتَلْحِقُ كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ثَبَتَ النَّسَبُ لِلاِبْنِ وَلاَ إِرْثَ لَهُ.
وَالثَّانِي: لاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ أَيْضًا، لأِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ الإِْرْثُ، وَلَوْ وَرِثَ الاِبْنُ لَحَجَبَ الأَْخَ فَيَخْرُجُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الإِْقْرَارِ، فَيَنْتَفِي نَسَبُ الاِبْنِ وَالْمِيرَاثُ.
وَالثَّالِثُ: يَثْبُتَانِ، وَلاَ يَخْرُجُ الأَْخُ بِالْحَجْبِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الإِْقْرَارِ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الْمُقِرِّ حَائِزًا لِلتَّرِكَةِ لَوْلاَ إِقْرَارُهُ
- وَإِنْ أَقَرَّ بِأَبٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ مَوْلًى أَعْتَقَهُ قَبْلَ إِقْرَارِهِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَلَوْ أَسْقَطَ بِهِ وَارِثًا مَعْرُوفًا، لأِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلْوَارِثِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الإِْرْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِشُرُوطٍ:
أَوَّلُهَا: خُلُوُّهُ مِنْ مُسْقِطٍ، إِذَا أَمْكَنَ صِدْقُ الْمُقِرِّ بِأَنْ لاَ يُكَذِّبَهُ فِيهِ ظَاهِرُ حَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهُ كَإِقْرَارِ الإِْنْسَانِ بِمَنْ فِي سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ لَمْ يُقْبَلْ.
وَثَانِيهَا: أَنْ لاَ يَدْفَعَ بِإِقْرَارِهِ نَسَبًا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ دَفَعَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، لأِنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُقِرُّ بِهِ الْمُكَلَّفُ وَإِلاَّ لَمْ يُقْبَلْ، أَوْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ مَيِّتًا، إِلاَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ فَلاَ يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُمَا لِمَا مَرَّ، فَإِنْ كَبِرَا وَعَقَلاَ وَأَنْكَرَا النَّسَبَ لَمْ يُسْمَعْ إِنْكَارُهُمَا لأِنَّهُ نَسَبٌ حُكِمَ بِثُبُوتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِرَدِّهِ كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلَوْ طَلَبَا إِحْلاَفَ الْمُقِرِّ لَمْ يُسْتَحْلَفْ، لأِنَّ الأَْبَ لَوْ عَادَ فَجَحَدَ النَّسَبَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لأِنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لَهُ بِخِلاَفِ الْمَالِ.
وَيَكْفِي فِي تَصْدِيقِ وَالِدٍ بِوَلَدِهِ وَعَكْسِهِ كَتَصْدِيقِ وَلَدٍ بِوَالِدِهِ، سُكُوتُهُ إِذَا أَقَرَّ بِهِ، لأِنَّهُ يَغْلِبُ فِي ذَلِكَ ظَنُّ التَّصْدِيقِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا أَيِ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ وَعَكْسِهِ تَكْرَارُ التَّصْدِيقِ، فَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِنَسَبِهِمَا بِدُونِ تَكْرَارِ التَّصْدِيقِ وَمَعَ السُّكُوتِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ سَكَتَ عَنِ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَفَارِقُ السُّكُوتِ فِي الأْمْوَالِ بِالاِحْتِيَاطِ فِي النَّسَبِ. نَعَمْ إِنْ مَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ التَّصْدِيقِ ثَبَتَ النَّسَبُ
- وَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُ مَنْ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ بِغَيْرِ هَؤُلاَءِ الأَْرْبَعَةِ وَهُمُ: الأَْبُ وَالاِبْنُ وَالزَّوْجُ وَالْمَوْلَى، وَكَجَدٍّ يُقِرُّ بِابْنِ ابْنِهِ وَعَكْسِهِ، وَكَأَخٍ يُقِرُّ بِأَخٍ، وَالْعَمِّ يُقِرُّ بِابْنِ أَخٍ، لأِنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى غَيْرِهِ نَسَبًا فَلَمْ يُقْبَلْ، إِلاَّ وَرَثَةً أَقَرُّوا لِمَنْ لَوْ أَقَرَّ بِهِ مُورِثُهُمْ ثَبَتَ نَسَبُهُ فَيَصِحُّ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ.
وَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ وَالْمُقِرُّ وَحْدَهُ وَارِثٌ لِلْمُنْكِرِ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ مِنْهُمَا لاِنْحِصَارِ الإِْرْثِ فِيهِ، فَلَوْ مَاتَ الْمُقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ بَنِي عَمٍّ وَعَنِ الأَْخِ الْمُقَرِّ بِهِ وَرِثَهُ الأَْخُ الْمُقَرُّ بِهِ دُونَ بَنِي الْعَمِّ، لأِنَّ الأَْخَ يَحْجُبُهُمْ وَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ وَلَوْ أَقَرَّتْ زَوْجَةٌ بِوَلَدٍ لَحِقَهَا لإِِقْرَارِهَا دُونَ زَوْجِهَا لِعَدَمِ إِقْرَارِهِ بِهِ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَإِنَّهُ لاَ يَلْحَقُ بِامْرَأَتِهِ .
ثُبُوتُ نَسَبِ الشَّخْصِ بِإِقْرَارِهِ:
قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: نَسَبُ الشَّخْصِ لاَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ، وَقِيلَ: يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ، لِقَوْلِهِمْ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِيمَا إِذَا شَهِدَ شُهُودُ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسَمَّى فِيهِ لاَ عَلَى عَيْنِهِ، فَاعْتَرَفَ الْمُحْضَرُ بِأَنَّ ذَلِكَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ أَوْ أَنْكَرَ وَنَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى ذَلِكَ تَوَجَّهَ لَهُ الْحُكْمُ، وَلأِنَّ مَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يُسْأَلُ عَنِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، وَيُجْعَلُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ، وَلأِنَّ النَّاسَ مُؤْتَمَنُونَ عَلَى أَنْسَابِهِمْ، وَمَنِ اؤْتُمِنَ عَلَى شَيْءٍ رُجِعَ إِلَيْهِ فِيمَا عَلَيْهِ لاَ فِيمَا لَهُ.
السَّمَاعُ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ بِالسَّمَاعِ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَمَّا النَّسَبُ فَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنَعَ مِنْهُ، وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لاَسْتَحَالَتْ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَةِ بِهِ؛ إِذْ لاَ سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِهِ، وَلاَ تَمْكُنُ الْمُشَاهَدَةُ فِيهِ، وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْمُشَاهَدَةُ لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ أَبَاهُ وَلاَ أُمَّهُ وَلاَ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ أَنْ يَكُونَ النَّسَبُ مَشْهُورًا، جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الشَّهَادَةُ بِالشُّهْرَةِ فِي النَّسَبِ وَغَيْرِهِ بِطَرِيقَتَيْنِ: الْحَقِيقَةُ وَالْحُكْمِيَّةُ. فَالْحَقِيقَةُ: أَنْ تُشْتَهَرَ وَتُسْمَعَ مِنْ قَوْمٍ كَثِيرٍ لاَ يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَلاَ تُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْعَدَالَةُ، وَلاَ لَفْظُ الشَّهَادَةِ بَلْ يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ.
وَالْحُكْمِيَّةُ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ رَجُلاَنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عُدُولٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ كَذَا فِي الْخُلاَصَةِ، هَذَا إِذَا شَهِدَا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادِ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ إِذَا لَقِيَ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَهُ عَلَى نَسَبِهِ وَعَرَفَا حَالَهُ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَلَوْ أَقَامَ هَذَا الرَّجُلُ عِنْدَهُ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى نَسَبِهِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَشْهَدَ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً نَزَلَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ قَوْمٍ وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَهُ وَقَالَ: أَنَا فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ: لاَ يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى نَسَبِهِ حَتَّى يَلْقَوْا مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَيَشْهَدَانِ عِنْدَهُمْ عَلَى نَسَبِهِ، قَالَ الْجَصَّاصُ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا: وَلاَ يَشْهَدُ أَحَدٌ بِمَا لَمْ يُعَايِنْهُ بِالإِْجْمَالِ إِلاَّ فِي عَشَرَةٍ مِنْهَا النَّسَبُ، فَلَهُ الشَّهَادَةُ بِهِ إِذَا أَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ يَثِقُ الشَّاهِدُ بِهِ مِنْ خَبَرِ جَمَاعَةٍ لاَ يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ بِلاَ شَرْطِ عَدَالَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ.
- قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: الشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ جَائِزَةٌ فِي النَّسَبِ الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ نَسَبٌ، إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمَالُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مُشْتَهَرًا مِثْلَ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ.
- وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ الاِسْتِفَاضَةَ أَيْضًا؛ لأِنَّ النَّسَبَ أَمْرٌ لاَ مَدْخَلَ لِلرُّؤْيَةِ فِيهِ، وَغَايَةُ الْمُمْكِنِ رُؤْيَةُ الْوِلاَدَةِ عَلَى الْفِرَاشِ، لَكِنَّ النَّسَبَ إِلَى الأَْجْدَادِ الْمُتَوَفَّيْنَ وَالْقَبَائِلِ الْقَدِيمَةِ لاَ تَتَحَقَّقُ فِيهِ الرُّؤْيَةُ، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى اعْتِمَادِ الاِسْتِفَاضَةِ، وَلَوْ مِنَ الأُْمِّ قِيَاسًا عَلَى الأَْبِ.
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ - وَهُوَ الاِسْتِفَاضَةُ - النَّسَبُ، وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِالتَّسَامُعِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ ابْنُ فُلاَنٍ، أَوْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ - إِذَا عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا - بِنْتُ فُلاَنٍ، أَوْ أَنَّهُمَا مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا. وَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنَ الأُْمِّ بِالتَّسَامُعِ أَيْضًا عَلَى الأَْصَحِّ، وَقِيلَ: قَطْعًا كَالأَْبِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ إِمْكَانُ رُؤْيَةِ الْوِلاَدَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ فِي صِفَةِ التَّسَامُعِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْمَعَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ بِنَسَبِهِ، فَيُنْسَبُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَوِ الْقَبِيلَةِ، وَالنَّاسُ يَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ التَّكْرَارُ وَامْتِدَادُ مُدَّةِ السَّمَاعِ؟ قَالَ كَثِيرُونَ: نَعَمْ، وَبِهَذَا أَجَابَ الصَّيْمَرِيُّ، وَقَالَ آخَرُونَ:
لاَ، بَلْ لَوْ سَمِعَ انْتِسَابَ الشَّخْصِ وَحَضَرَ جَمَاعَةً لاَ يَرْتَابُ فِي صِدْقِهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِنَسَبِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ، وَرَأَى ابْنُ كَجٍّ الْقَطْعَ بِهَذَا، وَبِهِ أَجَابَ الْبَغَوِيُّ فِي انْتِسَابِهِ.
وَيُعْتَبَرُ مَعَ انْتِسَابِ الشَّخْصِ وَنِسْبَةِ النَّاسِ أَلاَّ يُعَارِضَهُمَا مَا يُورِثُ تُهْمَةً وَرِيبَةً، فَلَوْ كَانَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ حَيًّا وَأَنْكَرَ لَمْ تَجُزِ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا جَازَتْ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَوْ كَانَ مَيِّتًا. وَلَوْ طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ النَّسَبِ، هَلْ يُمْنَعُ جَوَازُ الشَّهَادَةِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لاِخْتِلاَفِ الظَّنِّ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الاِسْتِفَاضَةِ أَوْجُهٌ:
الأَْوَّلُ: وَهُوَ أَصَحُّهَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ يَقَعُ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ بِخَبَرِهِمْ وَيُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلاَمِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: يَكْفِي عَدْلاَنِ، اخْتَارَهُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، وَمَالَ إِلَيْهِ الإِْمَامُ.
وَالثَّالِثُ: يَكْفِي خَبَرُ وَاحِدٍ إِذَا سَكَنَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ، حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ. فَعَلَى الأُْولَى يَنْبَغِي أَلاَّ يُشْتَرَطَ الْعَدَالَةُ وَلاَ الْحُرِّيَّةُ وَلاَ الذُّكُورَةُ.
وَلَوْ سَمِعَ رَجُلاً لآِخَرَ: هَذَا ابْنِي وَصَدَّقَهُ الآْخَرُ أَوْ قَالَ: أَنَا ابْنُ فُلاَنٍ، وَصَدَّقَهُ فُلاَنٌ، قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الأَْصْحَابِ: يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عَلَى النَّسَبِ، وَكَذَا لَوِ اسْتَلْحَقَ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا وَسَكَتَ؛ لأِنَّ السُّكُوتَ فِي النَّسَبِ كَالإِْقْرَارِ، وَفِي الْمُهَذَّبِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يَشْهَدُ عِنْدَ السُّكُوتِ إِلاَّ إِذَا تَكَرَّرَ عِنْدَهُ الإِْقْرَارُ وَالسُّكُوتُ، وَالَّذِي أَجَابَ بِهِ الْغَزَالِيُّ: أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّسَبِ بِذَلِكَ، بَلْ يَشْهَدُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَلَى الإِْقْرَارِ، وَهَذَا قِيَاسٌ ظَاهِرٌ.
- وَيُوَافِقُ الْحَنَابِلَةُ الشَّافِعِيَّةَ كَذَلِكَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ أَوِ الاِسْتِفَاضَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّسَبِ. جَاءَ فِي الْمُغْنِي: وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَْخْبَارُ وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي قَلْبِهِ شَهِدَ بِهِ، وَهُوَ مَا يَعْلَمُهُ بِالاِسْتِفَاضَةِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِهَا فِي النَّسَبِ وَالْوِلاَدَةِ.
وَكَلاَمُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَلاَّ يَشْهَدَ بِالاِسْتِفَاضَةِ حَتَّى تَكْثُرَ بِهِ الأَْخْبَارُ وَيَسْمَعَهُ مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ، يَقُولُ الْخِرَقِيُّ: فِيمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَْخْبَارُ وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي الْقَلْبِ، يَعْنِي حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي «الْمُجَرَّدِ» أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَسْمَعَ مِنَ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ وَيَسْكُنَ قَلْبُهُ إِلَى خَبَرِهِمَا؛ لأِنَّ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الأَْوَّلُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الاِسْتِفَاضَةِ، فَإِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ فَيْضِ الْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ، وَلأِنَّهُ لَوِ اكْتَفَى فِيهِ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ، وَإِذَا سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ لِصَبِيٍّ: هَذَا ابْنِي، جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ؛ لأِنَّهُ مُقِرٌّ بِنَسَبِهِ، وَإِنْ سَمِعَ الصَّبِيَّ يَقُولُ: هَذَا أَبِي، وَالرَّجُلُ يَسْمَعُهُ فَسَكَتَ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ أَيْضًا؛ لأِنَّ سُكُوتَ الأَْبِ إِقْرَارٌ لَهُ، وَالإِْقْرَارُ يُثْبِتُ النَّسَبَ فَجَازَتِ الشَّهَادَةُ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ السُّكُوتُ هَهُنَا مَقَامَ الإِْقْرَارِ؛ لأِنَّ الإِْقْرَارَ عَلَى الاِنْتِسَابِ الْبَاطِلِ جَائِزٌ بِخِلاَفِ سَائِرِ الدَّعَاوِي، وَلأِنَّ النَّسَبَ يَغْلِبُ فِيهِ الإِْثْبَاتُ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالإِْمْكَانِ فِي النِّكَاحِ؟ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَلاَّ يَشْهَدَ مَعَ السُّكُوتِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ؛ لأِنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ حَقِيقِيٍّ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَهُ، فَاعْتُبِرَتْ تَقْوِيَتُهُ بِالتَّكْرَارِ، كَمَا اعْتُبِرَتْ تَقْوِيَةُ الْيَدِ فِي الْعَقَارِ بِالاِسْتِمْرَارِ.
التَّصَادُقُ عَلَى نَفْيِ النَّسَبِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا نَفَى نَسَبَ وَلَدِ حُرَّةٍ فَصَدَّقَتْهُ لاَ يَنْقَطِعُ نَسَبُهُ؛ لِتَعَذُّرِ اللِّعَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ؛ حَيْثُ تَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَقَدْ قَالَتْ إِنَّهُ صَادِقٌ، وَإِذَا تَعَذَّرَ قَطْعُ النَّسَبِ لأِنَّهُ حُكْمُهُ وَيَكُونُ ابْنَهُمَا لاَ يُصَدَّقَانِ عَلَى نَفْيِهِ؛ لأِنَّ النَّسَبَ قَدْ ثَبَتَ وَالنَّسَبُ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ لاَ يَنْقَطِعُ إِلاَّ بِاللِّعَانِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلاَ يُعْتَبَرُ تَصَادُقُهُمَا عَلَى النَّفْيِ؛ لأِنَّ النَّسَبَ يُثْبِتُ حَقًّا لِلْوَلَدِ، وَفِي تَصَادُقِهِمَا عَلَى النَّفْيِ إِبْطَالُ حَقِّ الْوَلَدِ، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: لَوْ تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى نَفْيِ النَّسَبِ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدُ فَلاَ بُدَّ مِنْ لِعَانٍ مِنَ الزَّوْجِ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يُلاَعِنْ لَحِقَ بِهِ وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ؛ لأِنَّهُ قَذَفَ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وَتُحَدُّ هِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ بِالْوَلَدِ لأَِقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَنْتَفِيَ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ لِعَانٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَنْتَفِي مِنْهُ. وَنَقَلَ صَاحِبُ التَّاجِ وَالإِْكْلِيلِ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إِذَا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى نَفْيِ الْحَمْلِ نُفِيَ بِغَيْرِ لِعَانٍ وَحُدَّتِ الزَّوْجَةُ، وَقَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: لاَ يُنْفَى إِلاَّ بِلِعَانٍ، وَقَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا .