1- الطلاق
1- الطلاق
لا يقع طلاق السكران والمكروه.
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ،
المذكرة الإيضاحية
طلاق السكران لا يقع بناء على قول راجع لأحمد وقول في المذاهب الثلاثة ورأي كثير من التابعين وأنه لا يعرف من الصحابة قول فيه بالوقوع، وطلاق المكره لا يقع بناء على مذهب الشافعية والمالكية وأحمد وداود وكثير من الصحابة.
1- الرأي فى المذهب الحنفي إنه إذا زوج المجنون أو المعتوه نفسه فلا ينعقد عقده لأن عباراته ملغاة لا أثر لها ولا ارتباط ينشأ بها فلا يترتب عليها آثار الزواج الشرعي ويكون طلاقه فى هذه الحالة وارداً على غير محل .
( الطعن رقم 318 لسنة 69 ق - جلسة 2000/11/27 - س 51 ع 2 ص 1067 ق 204 )
2- طلاق المجنون أو المعتوه لا يقع ولا يملك أحد التطليق عنه ، وإنما يطلق القاضي زوجة المجنون أو المعتوه إذا طلبت هي ذلك وتحقق ما يوجب الطلاق شرعاً .
( الطعن رقم 318 لسنة 69 ق - جلسة 2000/11/27 - س 51 ع 2 ص 1067 ق 204 )
3- الإكراه المبطل للرضا لا يتحقق إلا بتهديد المتعاقد المكره بخطر جسيم يحدق بنفسه أو بماله, وتقدير وسائل الإكراه ومبلغ جسامتها وتأثيرها فى نفس المتعاقد من الأمور الموضوعية التي تستقل بالفصل فيها محكمة الموضوع ولا رقابة لمحكمة النقض عليها فى ذلك متى كان استخلاصها سائغا.
(الطعن رقم 468 لسنة 65 جلسة 2001/11/24 س 52 ع 2 ص 1126 ق 220)
4- العته آفه تصيب وتنقص من كماله، لما كان ذلك، وكان الرأى فى المذهب الحنفى أن طلاق المعتوه لا يقع ولا يملك أحد التطليق عنه وإنما يطلق القاضى زوجة المعتوه إذا طلبت هى وتحقق ما يوجب الطلاق شرعا، وإذ كان الثابت من الأوراق أن زواج المطعون ضدها سبق الحكم بتوقيع الحجر عليه للعته لإصابته بآفة عقلية ومعاناته من عته عضوى واضطراب سلوكى وصرع وشلل نصفى أيسر يجعله لا يحسن التصرف ومنقاد لوالده، وانه باشر طلاق المطعون ضدها بنفسه بعد الحجر عليه فإن طلاقه لها يكون باطلا، وإذ التزم الحكم فيه هذا النظر فى قضائه بتأييد الحكم الإبتدائى ببطلان طلاقه لها فإنه لا يكون أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 51 لسنة 61 جلسة 1994/11/15 س 45 ع 2 ص 1376 ق 260)
5- المقرر فى فقه الحنفية الواجب به وفقاً لنص المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية أن طلاق الغضبان لا يقع إذا بلغ به الغضب مبلغاً لا يدرى منه ما يقول أو يفعل أو وصل به إلى حالة من الهذيان يغلب عليه فيها الإضطراب فى أقواله أوأفعاله وذلك لإفتقاده الإرادة والإدراك الصحيحين ، ولما كان تقدير توافر الأدلة على قيام حالة الغضب هذه هو مما يدخل فيما لمحكمة الموضوع من سلطة تقدير الدليل فى الدعوى فلا تخضع بصدده لرقابة محكمة النقض طالما كان إستخلاصها سائغاً وكان لا يوجد معيار طبي أو غير طبي للمدة التى يستغرقها الغضب تبعاً لتفاوت مداه ومدى التأثر به بالنسبة لكل حالة.
(الطعن رقم 28 لسنة 48 جلسة 1980/02/13 س 31 ع 1 ص 500 ق 98)
6- مؤدى نص المادة 3/11 من قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943 أن المشرع الوضعى قرر أخذاً بالمذهب الحنفى ، أن من كان مريضا مرض موت و طلق إمراته بائناً بغير رضاها ومات حال مرضه و الزوجة لا تزال فى العدة ، فإن الطلاق البائن يقع على زوجته ويثبت منه من حين صدوره لأنه أهل لايقاعه ألا أنها ترثه مع ذلك بشرط أن تكون أهلا لارثة من وقت إبانتها إلى وقت موته رغم أنة المطلقة بائناً لا ترث لإنقطاع العصمة بمجرد الطلاق ، إستناد إلى أنه لما أبانها حال مرضه اعتبر إحتياطياً فاراً وهارباً فيرد عليه قصده لها ويثبت لها الإرث .
(الطعن رقم 15 لسنة 40 جلسة 1976/01/07 س 27 ع 1 ص 146 ق 39)
7- المقصود بمرض الموت أنه المرض الشديد الذى يغلب على الظن موت صاحبه عرفاً أو بتقرير الأطباء ويلازمه ذلك المرض حتى الموت ، وأن لم يكن أمر المرض معروفاً من الناس بأنه من العلل المهلكة ، فضابط شدته وإعتباره مرض موت أن يعجز غير العاجز من قبل عن القيام بمصالحة الحقيقة خارج البيت فيجتمع فيه تحقق العجز وغلبه الهلاك و إتصال الموت به .
(الطعن رقم 15 لسنة 40 جلسة 1976/01/07 س 27 ع 1 ص 146ق 39)
8- الأصل في الشريعة الإسلامية أن طلاق الزوج يقع متى كان بالغا لأن الأهلية تتحقق بالعقل المميز إلا أن جمهور الفقهاء استثنوا من ذلك طلاق السكران والمكره فذهبوا إلى أن طلاقهما لا يقع لانتفاء القصد الصحيح أو مظنته في الأولى وفساد الاختيار لدى الثاني وقد أخذ المشرع المصرى بهذا الحكم فنص عليه في المادة الأولى من القانون 25 لسنة ۱۹۲۹ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية».
(طعن رقم 31 لسنة 50 ق - أحوال شخصية - جلسة 8 / 12 / 1981- غير منشور)
سند وجوب النص
ويستند عدم الأخذ بالطلاق الواقع من السكران أو المكره إلى قوله صلي الله عليه وسلم "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
السكران هو من تناول الخمر وما شابهها حتى صار يهذي ويخرف في الكلام.
طلاق السكران وأحواله
ويتعين أن يصل الخمر بالإنسان إلى حالة لا يعي معها بعد إفاقته ما كان منه حال السكر فإذا ثبت عكس ذلك وبأن السكر لم يكن قد وصل به إلى تلك الحالة وقع الطلاق نافذاً.
وسبب عدم وقوع طلاق السكران كونه لا يعي ما يقول ولا يقصده لزوال عقله، والعقل شرط الأهلية للتصرف فتكون عبارته ملغاة لا قيمة لها، والطلاق إنما شرع للحاجة إليه و السكران ليس على وعي يقدر به تلك الحاجة .
ويثبت السكر بشهادة الشهود وتحليل الدم والفحوص الطبية ورأي أهل الخبرة وغيرها من الأدلة الشرعية.
طلاق المكره وأحواله
والإكراه هو فعل يفعله الإنسان لغيره يجعل ذلك الغير مدفوعاً إلى العمل الذي طلب منه.
والمكره هو من وقع تحت تأثير آخر هدده بإتيان فعل يوقع به الضرر بحيث لو لم يقع هذا التأثير ما فعل .
والإكراه إما أن يكون كاملاً أو ناقصاً ومن الأول التهديد بالقتل ونحوه ومن الثاني التهديد بشيء أقل من القتل.
والإكراه بوجه عام يعدم الرضا كما يفسد الإختيار .نقض أحوال جلسة 1981/12/18 - الطعن رقم 31 لسنة 50 ق.
ويتحقق بتهديد المكره بخطر جسيم يحدق بنفسه أو بماله . نقض أحوال الطعن رقم 1430 لسنة 56 ق - جلسة 1992/5/19 - س 43 .
ولا يقع طلاق المكره لانعدام إرادته لوقوعه تحت تأثير الإكراه فهو غير راض بما تلفظ به واختيار الطلاق كان أهون الشرين ونتيجة مؤثر خارجي فلا يكون صحيحاً، ويتعين على من يدعي وقوعه تحت تأثير الإكراه إثبات ما يدعيه وإلا وقع طلاقه صحيحاً.
طلاق الغضبان والمدهوش وأحواله
ويلحق بالمكره، فيما يتعلق بعدم وقوع طلاقه، الغضبان والمدهوش، الأول هو من اشتد به الغضب إلى درجة أغلقت عليه باب القصد فلا يقع طلاقه شريطة أن يصل به غضبه إلى حد التأثير على تفكيره وقصده وذلك عملاً بقوله صلي الله عليه وسلم "لا طلاق في إغلاق"، والعبرة في تحديد ما إذا كان الغضب قد بلغ بالمطلق حدا أغلق عليه فكره المرجع فيه - في رأينا - إلى المطلق ذاته الذي يجب على القاضي الرجوع إليه بإستجوابه في هذا الخصوص فضلا عما يتوافر في الدعوى من قرائن أخرى وكذا المدهوش " المذهول" وهو من تلقى صدمة عصبية أذهلته لدرجة لا يعي معها ما يقول. (موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة : 181)
طلاق السكران :
السكران هو الذي غطى على عقله بسبب تناول الخمر وما شاكلها حتی و صار يهذي، ويخلط في كلامه، ولا يعي بعد إفاقته ما كان منه حال سكره.
والمناط أن يكون غالب كلامه هذيان فلو كان نصفه مستقيماً فلا يكون سكراً.
والسكر قد يكون بمحرم كالخمر والحشيش وكل ما يغطى العقل من الأشربة الأخرى، وقد يكون بغیر محرم كمن يتناول ورق الرمان أو اللبن الرايب أو عصير القصب قبل أن يصلا إلى درجة الخمر، وكمن يتناول شيئاً للتداوي فيسكر منه أو تناول البنج للجراحة لأنه يكون في حكم المباح.
وقد نصت المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على أن: : «لا يقع طلاق السكران والمكره» - والمادة على هذا النحو تنص على عدم وقوع طلاق السكران، ولم تفرق في ذلك بين السكر بمحرم والسكر بغیر محرم وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون أن طلاق السكران لا يقع بناء على قول راجح لأحمد وقول في المذاهب الثلاثة ورأي كثير من التابعين وأنه لا يعرف من الصحابة قول فيه بالوقوع. وسند هذا الرأي أن السكر مذهب للعقل فلا إرادة ولا قصد للسكران، بغض النظر عن كون السكر بسبب مباح أو محرم، لأن العقل شرط من شروط الأهلية للتصرف فتكون عبارته ملغاة.
وفيما روي عن عثمان رضي الله عنه: أن السكران لا يقع طلاقه، وقول ابن عباس: «إن طلاق السكران والمستكره غير جائز» وأن الرسول عليه السلام أمر بإستنكاه (ما عز) لما أقر بالزنا بين يديه ليعلم أهو سكران فلا يؤاخذ بإقراره.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن :
١- «نفيد بأن قد اختلف الفقهاء في وقوع طلاق السكران إذا كان بمحرم وصار يخلط في كلامه ولا يعرف رداءه من رداء غيره وفعله من فعل غيره على ما جاء في المغني لابن قدامه. فذهب كثير منهم إلى وقوعه ومنهم أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى الروايات عنه. وذهب جمع منهم إلى عدم وقوعه. منهم الإمام الشافعي في قوله الآخر والإمام أحمد في إحدى الروايات عنه وهي التي رجحها ابن قدامه في المغني وهو مذهب زفر. واختار هذا من مشايخ الحنفية الكرخي والطحاوي ومحمد بن سلمة وهو قول عثمان رضي الله عنه. قال ابن المنذر هذا ثابت عن عثمان ولا نعلم أحدا من الصحابة خالفه وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أدلة الفريقين وبين ضعف قول من قال بالوقوع واختار القول بعدم الوقوع. يراجع الجزء الثاني من فتاواه صفحة ۱۲۳ وما بعدها. وقد جرى على هذا الرأي القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ في مادته الأولى. وعليه لا يقع طلاق الرجل المذكور إن كان سكره أثر فيه بحيث صار يخلط في كلامه إلى آخر ما نقلناه عن ابن قدامة أما إذا كان سكره لم يؤثر فيه التأثير المذكور فإنه يقع طلاقه.... الخ».. (فتوی صادرة بتاريخ 28 / 5 / 1935)
«اختلف الفقهاء في وقوع طلاق السكران إذا كان بمحرم - وصار يخلط في كلامه ولا يعرف رداءه من رداء غيره وفعله من فعل غيره فذهب كثير من الفقهاء إلى وقوعه ومنهم أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى الروايات عنه – وذهب جمع منهم إلى عدم وقوعه منهم الإمام الشافعي في قوله الآخر والإمام أحمد في إحدى الروايات عنه وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أدلة الفريقين وبين ضعف قول من قال بالوقوع واختار القول بعدم الوقوع وقد جرى القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ في مادته الأولى بعدم وقوع طلاق السكران المذكور حاله عاليه وعليه فلا يقع طلاق السائل إن كان سكره قد أثر فيه بحيث صار يخلط في كلامه ولم يكن في وعيه ولا إدراكه كما ذكر في طلبه». (فتوی صادرة بتاريخ 9 / 4 / 1989)
طلاق المكره:
الإكراه هو دعوة الإنسان غيره إلى فعل من الأفعال أو قول من الأقوال بالإيعاز والتهديد وإنزال الأذى الشديد إن لم يجب داعيه.
وقد نصت المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على أن: «لا يقع طلاق السكران والمكره»، فطلاق المكره لا يقع طبقاً لهذا النص، وهو حكم مستمد من مذهب الشافعية والمالكية وأحمد وداود ورأي كثير من الصحابة وقد استند هذا الرأي في عدم وقوع طلاق المكره إلى حديث النبي عليه السلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقول ابن عباس: «إن طلاق السكران والمستكره غير جائز»، وإلى المعقول وهو أن المكره إذا كان قاصداً ما تلفظ به فهو مضطر بالإكراه إلى هذا القصد، وهذا من شأنه أن يفسد الإختيار أو يضعفه على الأقل فلا يكون اختياراً كاملاً، واختياره أهون الشرين كان بمؤثر خارجي فلا يكون صحيحاً، ولأن الله رفع الكفر عمن تلفظ به حال الإكراه بقوله تعالى: ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر كالطلاق فلا يقع.
ويرجع إلى المذاهب سالفة الذكر في بيان ماهية الإكراه وشروطه بإعتبارها المصدر التشريعي للحكم الوارد بالنص.
وقد اشترطت المذاهب المذكورة لتحقق الإكراه توافر الشروط الآتية :
1) أن يكون المكره قادراً على تحقيق ما هدد به، بولاية أو تغلب أو فرط هجوم.
2) أن يكون المكره عاجزاً عن دفع الإكراه بهرب أو إستغاثة أو مقاومة.
3) أن يظن المكره وقوع الإكراه إن لم يطلق.
4)أن يكون المتوعد مما يحرم تعاطيه على المكره، فلو قال ولي القصاص للجاني: طلق امرأتك وإلا اقتصصت منك لم يكن إكراهاً.
5) أن يأتي المكره بنفس اللفظ الذي أكره عليه، فلو أكره على طلاق زوجته (فاطمة) فطلق زوجته (زینب) وقع الطلاق.
6) ألا يكون الإكراه بحق، ومثل ذلك إكراه القاضي الزوج على إيقاع الطلاق لسبب مبرر لذلك.
7) ألا يظهر من المكره نوع إختيار، كما إذا أكره على الطلاق بلفظ محدد فنطق بلفظ آخر.
۸) ألا ينوي المكره الطلاق وقت التلفظ به حال الإكراه، بمعنى ألا يوافق لفظه نية مستقرة بقلبه.
غير أن المذاهب المذكورة اختلفت بعض الشيء بين التوسعة والتضييق في ماهية الإكراه.(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 24).
الإكراه على الإقرار بالطلاق:
الإكراه على الإقرار بالطلاق متى توافرت في الإكراه شروطه الشرعية غير صحيح لا يترتب عليه أثره، فلا تطلق الزوجة إذا أكره الرجل على الإقرار بطلاقها.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 29 /4 / 1965 بأن:
«نص في مذهب الحنفية على أن من أكره على الإقرار بالطلاق وكان الإكراه مستوفياً لشروطه الشرعية كان ذلك الإقرار غير صحيح لا يترتب عليه م أثره. جاء في الخانية «ولو أكره على أن يقر بالطلاق فأقر لا يقع» مثل ذلك في الدر المختار ومجمع الأنهر وغيرهما، كما نص على من أقر بالطلاق كاذباً وقع قضاء لا ديانة. جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: سئل في رجل سئل عن زوجته فقال أنا طلقتها وعديت عنها والحال أنه لم يطلقها بل أخبر كاذباً فما الحكم. وأجاب لا يصدق قضاء ويدين فيما بينه وبين الله تعالى. وفي البحر «الإقرار بالطلاق كاذباً يقع قضاء لا ديانة» وبمثله أفتى الشيخ إسماعيل والعلامة الخير الرملي - وعلى ذلك فإذا كان الإقرار المشار إليه في السؤال قد صدر من السائل وهو مكره عليه إكراهاً ملجئاً ممن يقدر عليه، فلا يكون ذلك الإقرار صحيحاً ولا تطلق به الزوجة، أما إذا كان الإكراه مجرد ضغط من أقاربه فإن قراره يكون صحيحاً ويقع به الطلاق المبين بالإقرار المذكور، وظاهر من السؤال أن الزوج أقر بالطلاق كاذباً إذ أنه لم يقرر أن إقراره صدر منه بنية الطلاق، وأنه لم يسبق منه طلاق أصلاً قبل إقراره فيطبق عليه حكم الإقرار بالطلاق كذباً. وهو وقوع الطلاق قضاء وعدم وقوعه ديانة. فيحل له ديانة أن بعشر زوجته ما دام أنه لم يصل الأمر إلى القضاء. ومما ذكر يعلم الجواب عما ده بالسؤال والله أعلم». (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 167).
طلاق السكران :
هو سرور يزيل العقل فلا يعرف به السماء من الأرض
وقيل : هو ما يغلب علي العقل فيهذي في كلامه
وقيل : ما يصح به التصرفات ، وان يصير بحال فيستحسن ما يستقبحه الناس وبالعكس .
وقيل : من زال عقله بسبب تناول مسكر من خمر وحشيش وأفيون وكوكايين ونحو ذلك من المخدرات التي تغطي العقل .
وذهبت الحنفية :
أن الأمر لا يخلو من أن يكون قد سكر بمباح کشرب اللبن أو إستعمال بنج للتداوي ، أو شرب عصير القصب والفواكه بعد تخمرها ، وهو لا يدري ، فإن طلاقه في تلك الحالة لا يقع لزوال عقله من غير قصد .
أما إذا كان سبب سكره محرم كشرب الخمر أو تعاطي الحشيش والأفيون فإن طلاقه يقع لأن عقله زال بسبب المعصية فاعتبر في حكم العاقل تشديداً عليه في الأحكام الفرعية وهذا مناسب له لتسببه في زوال عقله .
وذهب المالكية :
بأنه يري فيما بلغه عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن السكران إذا طلق امرأته أو قتل ، فقال : إن قتل يقتل وإن طلق جاز طلاقه .
وقد قيل إن المطلب بن أبي البحتري طلق امرأته وهو سكران فجلده عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد وأجاز طلاقه ، فالرأي المشهور عند المالكية يوقع الطلاق .
وذهب الشافعية والحنابلة : إلي رأيين بوقوعه ، وعدم وقوعه في رأي آخري ، إلا أن المصحح منهما بوقوعه .
واحتج القائلون بوقوع طلاق السكران بقوله تعالى : {{ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى }} فالنهي في قربان الصلاة حال السكر تقتضي عدم زوال التكليف ، وكل مكلف يصح منه الطلاق وغيره من العقود والإنشاءات .
كما أن السكران عاصي بفعله فلا يزول عنه الخطاب بالسكر ولا الإثم ، لأنه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما يوجب عليه قبل وقوعه في السكر ، كما أن عدم وقوع الطلاق من السكران مخالف للمقاصد الشرعية لأنه إذا فعل حراماً واحداً لزمه حكمه .
واحتج القائلون بعدم وقوع طلاق السكران :
فقد أخرج ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة بعدم وقوع طلاق السكران ، عن أبي الششاء وعطاء وطاووس وعكرمة والقاسم بن محمد ، وعمر بن عبد العزيز وربيعة والليث وإسحاق بن راهوية وأبو ثور والمزني واختاره الطحاوي.
ودليلهم في ذلك أن طلاق المعتوه لا يقع ، والسكران معتوه بسكره كذلك ، فكما لا يقع طلاق النائم كذلك ما مائله وهو السكران لا يقع طلاقه ولا تأثير لكونه سكر بمحرم .
ولقد أخذ القانون بعدم طلاق السكران ، وجاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون من أن طلاق السكران لا يقع بناء على قول راجح لأحمد وقول في المذاهب الثلاثة ورأي كثير من التابعين ، وأنه لا يعرف عن الصحابة قول فيه بالوقوع .
طلاق المكره
تعريفه :
الإكراه : في اللغة : حمل الإنسان على شيء يكرهه .
وشرعاً : هو أمر يلجئ المكره ويحمله علي فعل ما أكره عليه وإتيانه لخوفه من إيقاع ما هدد به وعدم احتماله إياه سواء أكان ذلك في النفسي أو المال .
وذهب الحنفية بوقوع الطلاق الصادر من المكره ودليلهم في ذلك أنه تلفظ بالطلاق قاصدة مختارة ، وإن كان غير راض بوقوع الطلاق ، فهو كالهازل ، وأن الإكراه لا يعدم الإختيار ولكن يعدم الرضا.
ويرى المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم بعدم وقوع الطلاق ، ودللوا علي ذلك على أن المكره إذا كان قاصداً ما تلفظ به، فهو مضطر بالإكراه إلي هذا القصد وهذا من شأنه يفسد الإختيار أو يضعفه علي الأقل فلا يكون اختياراً كاملاً .
كما استدلوا علي ذلك بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا طلاق ولا عتاق في إغلاق .
وقال ابن عباس طلاق السكران والمستكره ليس بجائز .
وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق فليس بشئ ، والمراد بالإغلاق في الحديث كما فسره علماء الغريب هو الإكراه ، وقيل الغضب .
ويؤيد ذلك حديث ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ).
وقد توسع الشافعية عن غيرهم من المذاهب في دائرة الإكراه ، فهم لا يقصدون الإيذاء الواقع بالإكراه على ذات المكره فقط ، بل إذا كان الإكراه بإيذاء قتل أو فجور أو قطع أو ضرب أحد عصبته أو ذوي رحمه ، كما مثلوا بالزنا بإمرأة المكره وهو ما نسميه بالإكراه الأدبي .
شروط الإكراه:
أولا : قدرة المكره علي تحقيق ما هدد المكره به ، سواء أكانت قدرته عليه بولاية أو تغلب .
ثانيا : عجز المكره عن دفع المكره بهرب أو غيره كالإستغاثة .
ثالثا : أن يظن المكره أنه إذا امتنع عن فعل ما اكره عليه حقق المكره ما هدد
رابعا : أن يحصل الإكراه بتخويف بضرب شديد فيمن يناسب حاله ذلك أو حبس أو إتلاف . فإذا انتفى أحد الشروط فلا يتحقق الإكراه .
وقد أخذ المشرع المصري بما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة في عدم وقوع طلاق المكره .
وإذا وقع الطلاق بإشهاد رسمي ، فإنه يتعين لزوال أثره ثبوت الإكراه بحكم من المحكمة المختصة .
طلاق الغضبان
الغضبان : هو الذي يخرج عن طبيعته وعادته حيث يغلب الهذيان في أقواله وأفعاله
ويرى الحنفية : بأن طلاق الغضبان لا يقع في حالتين :
الأولي : أن يبلغ بالمطلق الغضب نهايته فلا يدر ما يقول ولا يقصده .
الثانية : ألا يبلغ به الغضب هذه الغاية ولكنه يصل إلى حالة الهذيان فيغلب الخلل والإضطراب في أقواله وأفعاله ، ولا يشترط زوال العقل وإلا أخذ حكم المجنون لا الغضبان .
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله {{ لا طلاق في إغلاق }}.
ويقصد بالإغلاق :
أن يغلق على الشخص باب الإرادة والقصد ، ويسد عليه طريق الوعي بسبب فرط الخوف أو الغضب .
أما في حالة ما إذا لم يبلغ الغضب بالزوج وقت الطلاق واحدة في هاتين الحالتين بأن كان غضبه دونها ، بأن كان متمكناً من إرادته ووعيه وضبط نفسه وألفاظه فإن الطلاق يكون واقعا في تلك الحالة ، سواء أكان بالتلفظ أو بالكتابة ، ويكون له مراجعتها ما دامت في العدة بدون إذنها ورضاها ، وذلك كله ما لم تكن مسبوقة بطلاقين قبلها .
وقد أخذ القانون برأي أبي حنيفة في عدم وقوع طلاق الغضبان إذا بلغ الغضب مبلغاً لا يدري منه ما يقول أو يفعل أو وصل به إلى حالة من الهذيان يغلب عليه فيها الإضطراب في أقواله أو أفعاله ، وذلك لإفتقاده الإرادة والإدراك الصحيحين .
وتقدير حالة الغضب ومدى انطباقه أمر شخصي ، يناط بالمشاهدين له وقت الغضب لا إلي ذات الحالف ، وتقدير حالة الغضب المطلق متروك لقاضي الموضوع يستخلصه من أقوال شهود الواقعة متى قد أقام قضاءه على أسباب سائغة .
طلاق المعتوه : يرى أبو حنيفة أن طلاق المجنون والمعتوه ، والمدهوش ، والنائم والمغمى عليه لا يقع لعدم وقوع الإدراك .
طلاق السفيه : السفيه هو خفيف العقل الذي يتصرف في ماله على خلاف مقتضى العقل والشرع ، والسفيه يحجر عليه في التصرفات المالية ، لكن إذا طلق وقع عليه الطلاق .
طلاق الهازل : الهازل هو الذي يلعب بالقول ، يتلفظ بالطلاق عن قصد ولكن لا يريد وقوعه .
وذهب الحنفية والشافعية والمالكية بوقوع طلاق الهازل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {{ ثلاث جدهن جد ، وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق }} . وما يروي عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {{ من لعب بطلاق أو عتاق لزمه }}
والسر في وقوع طلاق الهازل إرادة الذجر عن اللعب في مواطن الجد .
طلاق المخطئ
المخطئ : هو الذي يريد التلفظ بكلمة غير الطلاق فجرى علي لسانه الطلاق فيرى أبو حنيفة بوقوع الطلاق ، حتى يسد الباب علي بعض المحتالين الذين يقصدون التلفظ بالطلاق ، ثم يدعون أنه كان سبق اللسان ، أو زلة لسان.
طلاق الأخرس
ذهب أبو حنيفة بوقوع الطلاق بالإشارة المفهومة سواء كان يعرف الكتابة أو لا، لأن الإشارة من الأخرس، کالعبارة من الناطق .
الطلاق بالكتابة :
الكتابة علي ثلاثة أوجه :
الأول : أن يكتب طلاق على ما لا يتبين فيه الخط كالهواء والماء والصخرة الصماء فلا يقع به طلاق سواء نوي أو لم ينو لأن مثل هذه الكتابة كالصوت لا يتبين منه حروف .
الثاني : أن يكتب طلاق زوجته علي ما يتبين فيه الخط ولكن ليس علي رسم كتب الرسالة فيقع الطلاق إذا نوى ، لأن مثل هذه الكتابة قد تكون لإيقاع الطلاق ، وقد تكون لتجربة الخط والقلم والبياض ، كما في الألفاظ التي تشبه الطلاق .
الثالث : أن يكتب طلاق زوجته علي رسم كتب الرسالة فيقع الطلاق به لكن ينظر إلي المكتوب فإن كتب أن زوجته طالق فهي طالق سواء بعث الكتاب أو لم يبعث ، أما إذا كان المكتوب ( إذا وصل إليك كتابي هذا فأنت طالق ) فإذا لم يصل إليها لا يقع الطلاق ( الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 273 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 5
طَلاَقٌ
التَّعْرِيفُ:
- الطَّلاَقُ فِي اللُّغَةِ: الْحَلُّ وَرَفْعُ الْقَيْدِ، وَهُوَ اسْمٌ مَصْدَرُهُ التَّطْلِيقُ، وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ: طَلُقَتِ الْمَرْأَةُ تَطْلُقُ فَهِيَ طَالِقٌ بِدُونِ هَاءٍ، وَرُوِيَ بِالْهَاءِ (طَالِقَةٌ) إِذَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا، وَيُرَادِفُهُ الإِْطْلاَقُ، يُقَالُ: طَلَّقْتُ وَأَطْلَقْتُ بِمَعْنَى سَرَّحْتُ، وَقِيلَ: الطَّلاَقُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا طَلُقَتْ، وَالإِْطْلاَقُ لِغَيْرِهَا إِذَا سُرِّحَ، فَيُقَالُ: طَلَّقْتُ الْمَرْأَةَ، وَأَطْلَقْتُ الأَْسِيرَ، وَقَدِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْفَرْقَ، فَقَالُوا: بِلَفْظِ الطَّلاَقِ يَكُونُ صَرِيحًا، وَبِلَفْظِ الإِْطْلاَقِ يَكُونُ كِنَايَةً.
وَجَمْعُ طَالِقٍ طُلَّقٌ، وَطَالِقَةٌ تُجْمَعُ عَلَى طَوَالِقَ، وَإِذَا أَكْثَرَ الزَّوْجُ الطَّلاَقَ كَانَ مِطْلاَقًا وَمِطْلِيقًا، وَطَلِقَةً. وَالطَّلاَقُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ أَوِ الْمَآلِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ هُنَا: النِّكَاحُ الصَّحِيحُ خَاصَّةً، فَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الطَّلاَقُ، وَلَكِنْ يَكُونُ مُتَارَكَةً أَوْ فَسْخًا.
وَالأَْصْلُ فِي الطَّلاَقِ أَنَّهُ مِلْكُ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَقَدْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ بِإِنَابَتِهِ، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَالتَّفْوِيضِ، أَوْ بِدُونِ إِنَابَةٍ، كَالْقَاضِي فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ، قَالَ الشِّرْبِينِيُّ فِي تَعْرِيفِ الطَّلاَقِ نَقْلاً عَنِ التَّهْذِيبِ: تَصَرُّفٌ مَمْلُوكٌ لِلزَّوْجِ يُحْدِثُهُ بِلاَ سَبَبٍ، فَيَقْطَعُ النِّكَاحَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْفَسْخُ:
- الْفَسْخُ فِي اللُّغَةِ: النَّقْضُ وَالإِْزَالَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَلُّ رَابِطَةِ الْعَقْدِ وَبِهِ تَنْهَدِمُ آثَارُ الْعَقْدِ وَأَحْكَامُهُ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ.
وَبِهَذَا يُقَارِبُ الطَّلاَقَ، إِلاَّ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ الْفَسْخَ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ الْمُنْشِئِ لِهَذِهِ الآْثَارِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلاَ يَنْقُضُ الْعَقْدَ، وَلَكِنْ يُنْهِي آثَارَهُ فَقَطْ.
الْمُتَارَكَةُ:
- الْمُتَارَكَةُ فِي اللُّغَةِ: الرَّحِيلُ وَالْمُفَارَقَةُ مُطْلَقًا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ لِلإِْسْقَاطِ فِي الْمَعَانِي، يُقَالُ: تَرَكَ حَقَّهُ إِذَا أَسْقَطَهُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَرْكُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالتَّرْكُ بَعْدَ الدُّخُولِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْقَوْلِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، كَقَوْلِهِ لَهَا: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، أَوْ تَرَكْتُكِ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الأْصَحِّ .
وَالْمُتَارَكَةُ تُوَافِقُ الطَّلاَقَ مِنْ وَجْهٍ وَتُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهٍ، تُوَافِقُهُ فِي حَقِّ إِنْهَاءِ آثَارِ النِّكَاحِ، وَفِي أَنَّهَا حَقُّ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَتُخَالِفُهُ فِي أَنَّهَا لاَ تُحْسَبُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، وَأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَمَخْصُوصٌ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ.
الْخُلْعُ:
- الْخُلْعُ فِي اللُّغَةِ: النَّزْعُ، وَخَالَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مُخَالَعَةً وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ إِذَا افْتَدَتْ مِنْهُ وَطَلَّقَهَا عَلَى الْفِدْيَةِ، وَالْمَصْدَرُ الْخَلْعُ، وَالْخُلْعُ اسْمٌ.
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مُقَابِلَ عِوَضٍ تَلْتَزِمُ بِهِ الزَّوْجَةُ أَوْ غَيْرُهَا لِلزَّوْجِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَشْهَرِ مَا يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ.
التَّفْرِيقُ:
التَّفْرِيقُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ فَرَّقَ، وَفِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ فَرَقَ، يُقَالُ: فَرَقْتُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، أَيْ فَصَلْتُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ فِي الْمَعَانِي بِالتَّخْفِيفِ، يُقَالُ: فَرَقْتُ بَيْنَ الْكَلاَمَيْنِ، وَبِالتَّشْدِيدِ فِي الأَْعْيَانِ، يُقَالُ: فَرَّقْتُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ وَالْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالتَّشْدِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ. وَالتَّفْرِيقُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِنْهَاءُ الْعَلاَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى طَلَبِ أَحَدِهِمَا لِسَبَبٍ، كَالشِّقَاقِ وَالضَّرَرِ وَعَدَمِ الإِْنْفَاقِ.. أَوْ بِدُونِ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ حِفْظًا لِحَقِّ الشَّرْعِ، كَمَا إِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
وَمَا يَقَعُ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي: طَلاَقٌ بَائِنٌ فِي أَحْوَالٍ، وَفَسْخٌ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى، وَهُوَ طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ.
الإِْيلاَءُ:
- الإِْيلاَءُ فِي اللُّغَةِ الْحَلِفُ، مِنْ آلَى يُؤْلِي إِيلاَءً، يُجْمَعُ عَلَى أَلاَيَا. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَلِفُ الزَّوْجِ عَلَى تَرْكِ قُرْبِ زَوْجَتِهِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً. وَقَدْ حَدَّدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي قوله تعالى :( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَإِذَا انْقَضَتِ الأْشْهُرُ الأْرْبَعَةُ بِغَيْرِ قُرْبٍ مِنْهُ لَهَا طَلُقَتْ مِنْهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَحَقَّتِ الطَّلاَقَ مِنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ تَرْفَعُهُ الزَّوْجَةُ لِلْقَاضِي لِيُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْفِرَاقِ، فَإِنْ قَرِبَهَا انْحَلَّ الإْيلاَءُ، وَإِنْ رَفَضَ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ.
اللِّعَانُ:
- اللَّعْنُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ وَالإِْبْعَادُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْمِسَبَّةُ، يُقَالُ: لَعَنَهُ لَعْنًا، وَلاَعَنَهُ مُلاَعَنَةً، وَلِعَانًا، وَتَلاَعَنُوا، إِذَا لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: عَرَّفَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ: بِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الشَّهَادَاتِ بِالأَْلْفَاظِ الْمَعْرُوفَةِ. وَقَدْ سُمِّيَ بِاللِّعَانِ لِمَا فِي قَوْلِ الزَّوْجِ فِي الأَْيْمَانِ: إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَذَلِكَ وَفْقًا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ) وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
وَالتَّحْرِيمُ بَعْدَ اللِّعَانِ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ يَكُونُ عَلَى التَّأْبِيدِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ كَذَلِكَ.
الظِّهَارُ:
- الظِّهَارُ قَوْلُ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي»، وَكَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ ضَرْبًا مِنَ الطَّلاَقِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ زَوْجَتَهُ أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ، بِخِلاَفِ زَوْجَةِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَقَّتَةٌ، وَيُسَمَّى الظِّهَارُ بِذَلِكَ لِمَا غَلَبَ عَلَى الْمُظَاهِرَيْنِ مِنَ التَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الْمُحَرَّمِ، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي» وَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالتَّشْبِيهِ بِالظَّهْرِ.
وَلاَ تَفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الظِّهَارِ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ بِهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يُكَفِّرَ الْمُظَاهِرُ، فَإِنْ كَفَّرَ حَلَّتْ لَهُ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الأْوَّلِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلطَّلاَقِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلاَقِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا:
- قوله تعالى :( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).
- قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
- قَوْلُ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاَقِ».
- حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا».
- حَدِيثُ «ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي حَيْضِهَا، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِارْتِجَاعِهَا ثُمَّ طَلاَقِهَا بَعْدَ طُهْرِهَا، إِنْ شَاءَ».
- إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ - لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الأْصْلِيِّ لِلطَّلاَقِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الأْصْلَ فِي الطَّلاَقِ الإِبَاحَةُ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْهَا فِي أَحْوَالٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الأْصْلَ فِيهِ الْحَظْرُ، وَيَخْرُجُ عَنِ الْحَظْرِ فِي أَحْوَالٍ. وَعَلَى كُلٍّ فَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الأْحْكَامُ؛ فَيَكُونُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا، كَمَا يَكُون مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا وَذَلِكَ بِحَسَبِ الظُّرُوفِ وَالأَْحْوَالِ الَّتِي تُرَافِقُهُ، بِحَسَبِ مَا يَلِي: -
- فَيَكُونُ وَاجِبًا كَالْمُولِي إِذَا أَبَى الْفَيْئَةَ إِلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ، عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنَّهُمْ يُوقِعُونَ الْفُرْقَةَ بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ حُكْمًا، وَكَطَلاَقِ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَرَأَيَا الطَّلاَقَ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّفْرِيقِ لِذَلِكَ.
- وَيَكُونُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ إِذَا فَرَّطَتِ الزَّوْجَةُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا - مِثْلِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا - وَكَذَلِكَ يُنْدَبُ الطَّلاَقُ لِلزَّوْجِ إِذَا طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ لِلشِّقَاقِ.
- وَيَكُونُ مُبَاحًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِدَفْعِ سُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ وَسُوءِ عِشْرَتِهَا، أَوْ لأِنَّهُ لاَ يُحِبُّهَا.
- وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مِنْ دَاعٍ إِلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: هُوَ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإْضْرَارِ بِالزَّوْجَةِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ إِلَيْهِ.
- وَيَكُونُ حَرَامًا وَهُوَ الطَّلاَقُ فِي الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، وَهُوَ الطَّلاَقُ الْبِدْعِيُّ، وَسَوْفَ يَأْتِي بَيَانُهُ. قَالَ الدَّرْدِيرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّلاَقَ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ تَعْتَرِيهِ الأْحْكَامُ الأْرْبَعَةُ: مِنْ حُرْمَةٍ وَكَرَاهَةٍ، وَوُجُوبٍ وَنَدْبٍ.
حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الطَّلاَقِ:
- لَقَدْ نَبَّهَ الإْسْلاَمُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ إِلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ الشَّرِيكِ وَالشَّرِيكَةِ فِي الزَّوَاجِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَانْكِحُوا الأَْكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ». وَقَالَ: «لاَ تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلاَ تَزَوَّجُوهُنَّ لأَِمْوَالِهِنَّ فَلَعَلَّ أَمْوَالَهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأََمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ، أَفْضَلُ» وَقَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَِرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» «وَقَالَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عِنْدَمَا خَطَبَ امْرَأَةً: انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا».
وَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأْمَمَ»، وَقَالَ لأِوْلِيَاءِ النِّسَاءِ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأْرْضِ وَفَسَادٌ».
إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ - عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ - قَدْ لاَ يَضْمَنُ اسْتِمْرَارَ السَّعَادَةِ وَالاِسْتِقْرَارِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَرُبَّمَا قَصَّرَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي الأْخْذِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا أَخَذَا بِهِ، وَلَكِنْ جَدَّ فِي حَيَاةِ الزَّوْجَيْنِ الْهَانِئَيْنِ مَا يُثِيرُ بَيْنَهُمَا الْقَلاَقِلَ وَالشِّقَاقَ، كَمَرَضِ أَحَدِهِمَا أَوْ عَجْزِهِ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَنَاصِرَ خَارِجَةٍ عَنِ الزَّوْجَيْنِ أَصْلاً، كَالأَْهْلِ وَالْجِيرَانِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ انْصِرَافَ الْقَلْبِ وَتَغَيُّرَهُ، فَيُبْدَأُ بِنُصْحِ الزَّوْجَيْنِ وَإِرْشَادِهِمَا إِلَى الصَّبْرِ وَالاِحْتِمَالِ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ التَّقْصِيرُ مِنَ الزَّوْجَةِ، قَالَ تَعَالَى: ) وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).
إِلاَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الصَّبْرِ قَدْ لاَ يَتَيَسَّرُ لِلزَّوْجَيْنِ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعَانِهِ، فَرُبَّمَا كَانَتْ أَسْبَابُ الشِّقَاقِ فَوْقَ الاِحْتِمَالِ، أَوْ كَانَا فِي حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ لاَ تُسَاعِدُهُمَا عَلَى الصَّبْرِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ: إِمَّا أَنْ يَأْمُرَ الشَّرْعُ بِالإِْبْقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الشِّقَاقِ الَّذِي قَدْ يَتَضَاعَفُ وَيُنْتَجُ عَنْهُ فِتْنَةٌ، أَوْ جَرِيمَةٌ، أَوْ تَقْصِيرٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَلَى الأَْقَلِّ تَفْوِيتُ الْحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ النِّكَاحُ، وَهِيَ الْمَوَدَّةُ وَالأْلْفَةُ وَالنَّسْلُ الصَّالِحُ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنَ بِالطَّلاَقِ وَالْفِرَاقِ، وَهُوَ مَا اتَّجَهَ إِلَيْهِ التَّشْرِيعُ الإْسْلاَمِيُّ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الطَّلاَقَ قَدْ يَتَمَحَّضُ طَرِيقًا لإِِنْهَاءِ الشِّقَاقِ وَالْخِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ لِيَسْتَأْنِفَ الزَّوْجَانِ بَعْدَهُ حَيَاتَهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ أَوْ مُرْتَبِطَيْنِ بِرَوَابِطَ زَوْجِيَّةٍ أُخْرَى، حَيْثُ يَجِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْ يَأْلَفُهُ وَيَحْتَمِلُهُ، قَالَ تَعَالَى: ) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: بِوُجُوبِ الطَّلاَقِ فِي أَحْوَالٍ، وَبِنَدْبِهِ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى - كَمَا تَقَدَّمَ - عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ تَقْدِيمًا لِلضَّرَرِ الأْخَفِّ عَلَى الضَّرَرِ الأْشَدِّ، وَفْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ «يُخْتَارُ أَهْوَنُ الشَّرَّيْنِ». وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْقَائِلَةُ: «الضَّرَرُ الأْشَدُّ يُزَالُ بِالضَّرَرِ الأَْخَفِّ» وَيُسْتَأْنَسُ فِي ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ زَوْجَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإْسْلاَمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً».
مَنْ لَهُ حَقُّ الطَّلاَقِ:
- الطَّلاَقُ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَرْقِ وَهُوَ مِلْكٌ لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ، ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ مُفَارَقَةَ زَوْجَتِهِ إِذَا وَجَدَ مَا يَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ بِعِبَارَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ، كَمَا تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ طَلَبَ إِنْهَاءِ عَلاَقَتِهَا الزَّوْجِيَّةِ إِذَا وُجِدَ مَا يُبَرِّرُ ذَلِكَ، كَإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ، وَغَيْبَةِ الزَّوْجِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابٍ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا تَوْسِعَةً وَتَضْيِيقًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ بِعِبَارَتِهَا، وَإِنَّمَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، إِلاَّ أَنْ يُفَوِّضَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلاَقِ، فَإِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ تَمْلِكُهُ بِقَوْلِهَا أَيْضًا.
فَإِذَا اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْفِرَاقِ، جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَتِمُّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءٍ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي، فَإِنَّ لَهُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الأَْسْبَابِ مَا يَدْعُوهُ لِذَلِكَ، حِمَايَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا فِي رِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - أَوْ إِسْلاَمِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمَجُوسِيَّيْنِ وَامْتِنَاعِ الآْخَرِ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.. إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لاَ يُسَمَّى طَلاَقًا سِوَى الأْوَّلِ الَّذِي يَكُونُ بِإِرَادَةِ الزَّوْجِ الْخَاصَّةِ وَعِبَارَتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ هَذَا حَقُّ الزَّوْجِ خَاصَّةً قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ».
ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْمُطَلِّقَ لاَ يُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ الطَّلاَقِ عِنْدَ إِقْدَامِهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأِسْبَابٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:
- حِفْظُ أَسْرَارِ الأْسْرَةِ.
- حِفْظُ كَرَامَةِ الزَّوْجَةِ وَسُمْعَتِهَا.
- الْعَجْزُ عَنْ إِثْبَاتِ الْكَثِيرِ مِنْ تِلْكَ الأَْسْبَابِ؛ لأِنَّ غَالِبَ أَسْبَابِ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَكُونُ خَفِيَّةً يَصْعُبُ إِثْبَاتُهَا، فَإِذَا كَلَّفْنَاهُ بِذَلِكَ نَكُونُ قَدْ كَلَّفْنَاهُ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَوْ يُحْرِجُهُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، لقوله تعالى: ) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
- ثُمَّ إِنَّ فِي إِقْدَامِ الزَّوْجِ عَلَى الطَّلاَقِ وَتَحَمُّلِهِ الأَْعْبَاءَ الْمَالِيَّةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ، مِنْ مَهْرٍ مُؤَجَّلٍ، وَنَفَقَةٍ وَمُتْعَةٍ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا - وَأُجْرَةِ حَضَانَةٍ لِلأَْوْلاَدِ.. لَقَرِينَةٌ كَافِيَةٌ عَلَى قِيَامِ أَسْبَابٍ مَشْرُوعَةٍ تَدْعُوهُ لِلطَّلاَقِ.
- وَلِكَوْنِ الطَّلاَقِ مُبَاحًا أَصْلاً عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، إِبَاحَةً مُطْلَقَةً عَنْ أَيِّ شَرْطٍ أَوْ قَيْدٍ.
مَحَلُّ الطَّلاَقِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الطَّلاَقِ الزَّوْجَةُ فِي زَوْجِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، حَصَلَ فِيهَا دُخُولٌ أَمْ لاَ، فَلَوْ كَانَ الزَّوَاجُ بَاطِلاً أَوْ فَاسِدًا، فَطَلَّقَهَا، لَمْ تَطْلُقْ، لأِنَّ الطَّلاَقَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ خَاصَّةً.
وَهَلْ يُعَدُّ لَفْظُ الطَّلاَقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُتَارَكَةً؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ، لَكِنْ لاَ يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ، لأِنَّهُ لَيْسَ طَلاَقًا، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: طَلَّقَ الْمَنْكُوحَةَ فَاسِدًا ثَلاَثًا، لَهُ تَزَوُّجُهَا بِلاَ مُحَلِّلٍ.. لِكَوْنِ الطَّلاَقِ لاَ يَتَحَقَّقُ فِي الْفَاسِدِ، وَلِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْقِصٍ لِلْعَدَدِ، بَلْ مُتَارَكَةً.
وَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بَعْدَ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، لاِنْعِدَامِ الزَّوْجِيَّةِ أَصْلاً.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، حَتَّى لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي عِدَّتِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثَانِيَةً، كَانَتَا طَلْقَتَيْنِ، مَا لَمْ يُرِدْ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ أَرَادَ تَأْكِيدَ الأُْولَى لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ، مَا لَمْ تَكُنْ قَرَائِنُ الْحَالِ تَمْنَعُ صِحَّةَ إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ، وَذَلِكَ لأِنَّ الطَّلاَقَ الرَّجْعِيَّ لاَ يُنْهِي الْعَلاَقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، بِدَلاَلَةِ جَوَازِ رُجُوعِهِ إِلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ بِالْعَقْدِ الأْوَّلِ دُونَ عَقْدٍ جَدِيدٍ.
أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا وَالْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا إِذَا طَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْبَيْنُونَةُ صُغْرَى أَمْ كُبْرَى، وَكَذَلِكَ الْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا، وَذَلِكَ لاِنْقِضَاءِ النِّكَاحِ بِالْبَيْنُونَةِ وَالْفَسْخِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَانَةَ بَيْنُونَةً صُغْرَى فِي عِدَّتِهَا زَوْجَةٌ مِنْ وَجْهٍ بِدَلاَلَةِ جَوَازِ عَوْدِهَا إِلَى زَوْجِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ زَوَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهَا مَحَلٌّ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ عِنْدَهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا بَائِنًا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا أُخْرَى فِي عِدَّتِهَا كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، هَذَا مَا لَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الأُْولَى لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ.
وَأَمَّا الْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا فَلَمْ يَرَ الْحَنَفِيَّةُ وُقُوعَ الطَّلاَقِ فِي عِدَّتِهَا إِذَا كَانَ سَبَبُ الْفَسْخِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، كَتَقْبِيلِهَا ابْنَ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْحُرْمَةُ غَيْرَ مُؤَبَّدَةٍ كَانَتْ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ فِي أَحْوَالٍ، وَغَيْرَ مَحَلٍّ لَهُ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ فَقَالَ: وَمَحَلُّهُ الْمَنْكُوحَةُ، أَيْ وَلَوْ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ غَيْرِ ثَلاَثٍ فِي حُرَّةٍ وَثِنْتَيْنِ فِي أَمَةٍ، أَوْ عَنْ فَسْخٍ بِتَفْرِيقٍ لإِِبَاءِ أَحَدِهِمَا عَنِ الإِْسْلاَمِ أَوْ بِارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا.. بِخِلاَفِ عِدَّةِ الْفَسْخِ بِحُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ كَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ، أَوْ غَيْرِ مُؤَبَّدَةٍ، كَالْفَسْخِ بِخِيَارِ عِتْقٍ، وَبُلُوغٍ، وَعَدَمِ كَفَاءَةٍ، وَنُقْصَانِ مَهْرٍ، وَسَبْيِ أَحَدِهِمَا، وَمُهَاجَرَتِهِ، فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ فِيهَا كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْفَتْحِ.
رُكْنُ الطَّلاَقِ:
- رُكْنُ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الصِّيغَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ. أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: فَإِنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ فِي مَعْنَى الرُّكْنِ، وَيُدْخِلُونَ فِيهِ مَا يُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ أَطْرَافَ التَّصَرُّفِ. وَالطَّلاَقُ بِالاِتِّفَاقِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، فَرُكْنُ الطَّلاَقِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: الصِّيغَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لِلطَّلاَقِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، هِيَ: أَهْلٌ، وَقَصْدٌ، وَمَحَلٌّ، وَلَفْظٌ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَرْكَانٌ خَمْسَةٌ: مُطَلِّقٌ، وَصِيغَةٌ، وَمَحَلٌّ، وَوِلاَيَةٌ، وَقَصْدٌ. وَالأَْصْلُ فِي الصِّيغَةِ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الطَّلاَقِ الْكَلاَمُ، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ الْكِتَابَةُ أَوِ الإِْشَارَةُ، وَلاَ يَنْعَقِدُ الطَّلاَقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ نَوَى الطَّلاَقَ دُونَ لَفْظٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ لَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا، وَكَذَلِكَ إِذَا أَمَرَ زَوْجَتَهُ بِحَلْقِ شَعْرِهَا بِقَصْدِ الطَّلاَقِ، لاَ يَكُونُ مُطَلِّقًا أَيْضًا.
شُرُوطُ الطَّلاَقِ:
- يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ لَدَى الْفُقَهَاءِ شُرُوطٌ مُوَزَّعَةٌ عَلَى أَطْرَافِ الطَّلاَقِ الثَّلاَثَةِ، فَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُطَلِّقِ، وَبَعْضُهَا بِالْمُطَلَّقَةِ، وَبَعْضُهَا بِالصِّيغَةِ، وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُطَلِّقِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَلِّقِ لِيَقَعَ طَلاَقُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ صَحِيحًا شُرُوطٌ، هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ - أَنْ يَكُونَ زَوْجًا:
- وَالزَّوْجُ: هُوَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ عَقْدُ زَوَاجٍ صَحِيحٍ.
الشَّرْطُ الثَّانِي - الْبُلُوغُ:
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِ الصَّغِيرِ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، مُرَاهِقًا أَوْ غَيْرَ مُرَاهِقٍ، أُذِنَ لَهُ بِذَلِكَ أَمْ لاَ، أُجِيزَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَلِيِّ أَمْ لاَ، عَلَى سَوَاءٍ، ذَلِكَ لأِنَّ الطَّلاَقَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، فَلاَ يَمْلِكُهُ الصَّغِيرُ وَلاَ يَمْلِكُهُ وَلِيُّهُ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلاَقَ، فَقَالُوا: إِنَّ طَلاَقَهُ وَاقِعٌ عَلَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. أَمَّا مَنْ لاَ يَعْقِلُ فَوَافَقُوا الْجُمْهُورَ فِي أَنَّهُ لاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لاَ يَعْقِلُ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ طَلاَقَ لَهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلاَقَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ بِهِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ: فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ طَلاَقَهُ يَقَعُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْخِرَقِيُّ وَابْنُ حَامِدٍ.. وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَجُوزُ طَلاَقُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ.. وَرَوَى أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا عَقَلَ الطَّلاَقَ جَازَ طَلاَقُهُ مَا بَيْنَ عَشْرٍ إِلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لِدُونِ الْعَشْرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، لأِنَّ الْعَشْرَ حَدُّ الضَّرْبِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إِذَا أَحْصَى الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ جَازَ طَلاَقُهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَلَغَ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ وَعَنِ الْحَسَنِ: إِذَا عَقَلَ وَحَفِظَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا جَاوَزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ - الْعَقْلُ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ طَلاَقِ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ لِفِقْدَانِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ فِي الأْوَّلِ، وَنُقْصَانِهَا فِي الثَّانِي، فَأَلْحَقُوهُمَا بِالصَّغِيرِ غَيْرِ الْبَالِغِ، فَلَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَْدِلَّةِ.
وَهَذَا فِي الْجُنُونِ الدَّائِمِ الْمُطْبِقِ، أَمَّا الْجُنُونُ الْمُتَقَطِّعُ فَإِنَّ حُكْمَ طَلاَقِ الْمُبْتَلَى بِهِ مَنُوطٌ بِحَالِهِ عِنْدَ الطَّلاَقِ، فَإِنْ طَلَّقَ وَهُوَ مَجْنُونٌ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ طَلَّقَ فِي إِفَاقَتِهِ وَقَعَ لِكَمَالِ أَهْلِيَّتِهِ. وَقَدْ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِالْمَجْنُونِ النَّائِمَ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَرْسَمَ وَالْمَدْهُوشَ، وَذَلِكَ لاِنْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ لَدَيْهِمْ وَلِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ...» وَحَدِيثِ: «لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ».
وَأَمَّا السَّكْرَانُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِسُكْرِهِ، كَمَا إِذَا سَكِرَ مُضْطَرًّا، أَوْ مُكْرَهًا أَوْ بِقَصْدِ الْعِلاَجِ الضَّرُورِيِّ إِذَا تَعَيَّنَ بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ بِالاِتِّفَاقِ، لِفِقْدَانِ الْعَقْلِ لَدَيْهِ كَالْمَجْنُونِ دُونَ تَعَدٍّ، هَذَا إِذَا غَابَ عَقْلُهُ أَوِ اخْتَلَّتْ تَصَرُّفَاتُهُ، وَإِلاَّ وَقَعَ طَلاَقُهُ.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ، كَأَنْ شَرِبَ الْخَمْرَةَ طَائِعًا بِدُونِ حَاجَةٍ، وَقَعَ طَلاَقُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ رَغْمَ غِيَابِ عَقْلِهِ بِالسُّكْرِ، وَذَلِكَ عِقَابًا لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ: الأُْولَى: بِوُقُوعِ طَلاَقِهِ كَالْجُمْهُورِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلاَّلُ وَالْقَاضِي. وَالثَّانِيَةُ: بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ - رضي الله تعالى عنه - وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمِ، وَطَاوُسٍ، وَرَبِيعَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدِ اسْتُدِلَّ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوا السَّكْرَانَ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ.
كَمَا اسْتُدِلَّ لِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ بِأَنَّهُ فَاقِدُ الْعَقْلِ كَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ، وَبِأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ الْعَقْلِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كُسِرَ سَاقَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَأَنَّ امْرَأَةً لَوْ ضَرَبَتْ بَطْنَ نَفْسِهَا فَنَفِسَتْ، سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلاَةُ.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُطَلَّقَةِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَلَّقَةِ لِيَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا شُرُوطٌ، هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: قِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا:
- وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةُ زَوْجَةً لِلْمُطَلِّقِ، أَوْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقِهِ الرَّجْعِيِّ، فَإِذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ أَوْ فَسْخٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الاِخْتِلاَفُ فِيهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَحَلِّ الطَّلاَقِ.
هَذَا فِي الطَّلاَقِ الْمُنَجَّزِ، فَإِذَا عَلَّقَ طَلاَقَهَا بِشَرْطٍ، كَأَنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ زَوْجَةً صَحَّ الطَّلاَقُ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عِنْدَ التَّعْلِيقِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الطَّلاَقِ الْمُنَجَّزِ.
فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ حَصَلَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَضَافَ التَّعْلِيقَ إِلَى النِّكَاحِ - كَأَنْ قَالَ لِلأْجْنَبِيَّةِ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - طَلُقَتْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِ النِّكَاحِ، بِأَنْ قَالَ لِلأْجْنَبِيَّةِ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ، لَمْ تَطْلُقْ بِالاِتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ إِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ قَبْلَ الزَّوَاجِ، فَإِنَّهَا لاَ تَطْلُقُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
فَإِذَا عَلَّقَ طَلاَقَ الأْجْنَبِيَّةِ عَلَى غَيْرِ النِّكَاحِ، وَنَوَى فِيهِ النِّكَاحَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتِ الدَّارَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا، طَلُقَتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلنِّيَّةِ، وَلَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِعَدَمِ الإِْضَافَةِ لِلنِّكَاحِ لَفْظًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: تَعْيِينُ الْمُطَلَّقَةِ بِالإِْشَارَةِ أَوْ بِالصِّفَةِ أَوْ بِالنِّيَّةِ.
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الْمُطَلَّقَةِ، وَطُرُقُ التَّعْيِينِ ثَلاَثَةٌ: الإِْشَارَةُ، وَالْوَصْفُ، وَالنِّيَّةُ، فَأَيُّهَا قُدِّمَ جَازَ، فَإِذَا تَعَارَضَ الثَّلاَثَةُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ التَّالِي: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَيَّنَ الْمُطَلَّقَةَ بِالإِْشَارَةِ وَالصِّفَةِ وَالنِّيَّةِ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ، كَأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي اسْمُهَا عَمْرَةُ مُشِيرًا إِلَيْهَا: يَا عَمْرَةُ، أَنْتِ طَالِقٌ، قَاصِدًا طَلاَقَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِالاِتِّفَاقِ، لِتَمَامِ التَّعْيِينِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ لِمُتَعَدِّدَاتٍ دُونَ أَنْ يَصِفَهَا بِوَصْفٍ، وَلَمْ يَنْوِ غَيْرَهَا، وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا بِالاِتِّفَاقِ أَيْضًا، لأِنَّ الإِْشَارَةَ كَافِيَةٌ لِلتَّعْيِينِ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَصَفَهَا بِوَصْفِهَا دُونَ إِشَارَةٍ وَدُونَ قَصْدِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ أَيْضًا، كَمَا إِذَا قَالَ: سَلْمَى طَالِقٌ. فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْهَا وَلَمْ يَصِفْهَا، كَمَا إِذَا قَالَ: إِحْدَى نِسَائِي طَالِقٌ، وَنَوَى وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ دُونَ غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ.
فَإِنْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، وَوَصَفَ غَيْرَهَا، بِأَنْ قَالَ لإِِحْدَى زَوْجَاتِهِ وَاسْمُهَا سَلْمَى: أَنْتِ يَا عَمْرَةُ طَالِقٌ، وَكَانَتِ الأُْخْرَى اسْمُهَا عَمْرَةُ، طَلُقَتِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَضَاءً، وَلَمْ تَطْلُقْ عَمْرَةُ لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: الْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ، وَفِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ وَكَذَلِكَ إِذَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَوَصَفَهَا بِغَيْرِ وَصْفِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ، كَمَا إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ، أَنْتِ يَا غَزَالَةُ طَالِقٌ، لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ.
فَإِذَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ وَصَفَهَا بِوَصْفٍ هُوَ فِيهَا، وَعَنَى بِهَا غَيْرَهَا، كَأَنْ قَالَ: زَوْجَتِي سَلْمَى طَالِقٌ، وَقَصَدَ غَيْرَهَا، دُيِّنَ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ اسْمُهَا سَلْمَى (وَوَقَعَ دِيَانَةً) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ عَلَيْهِ دِيَانَةً وَلاَ قَضَاءً، لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ أَصْلاً، وَعَدَمِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلنِّيَّةِ.
فَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ الدُّنْيَا كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، وَنَوَى زَوْجَتَهُ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ مَحَلَّتِي كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، نَوَاهَا أَمْ لَمْ يَنْوِهَا، فَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ مَدِينَتِي كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، فَإِنْ نَوَى زَوْجَتَهُ فِيهِنَّ طَلُقَتْ، وَإِلاَّ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى عَدَمِ طَلاَقِهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا تَطْلُقُ كَمَا فِي نِسَاءِ الْحَيِّ.
وَلَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقِ امْرَأَتُهُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ: سَلْمَى وَعَمْرَةُ، فَدَعَا سَلْمَى فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ، فَظَنَّهَا سَلْمَى فَطَلَّقَهَا، طَلُقَتْ سَلْمَى دِيَانَةً وَقَضَاءً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْقَصْدِ، أَمَّا عَمْرَةُ فَتَطْلُقُ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً لِعَدَمِ الْقَصْدِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى طَلاَقِ الْمُجِيبَةِ فِي الأْصَحِّ ، أَمَّا الْمُنَادَاةُ فَلَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَمْ تَطْلُقَا. وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ مَعَهَا: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: قَصَدْتُ الأْجْنَبِيَّةَ، ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الأْصَحِّ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ، لاِحْتِمَالِ كَلاَمِهِ ذَلِكَ وَلِكَوْنِ الأْجْنَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ قَابِلَةً - أَيْ لِلطَّلاَقِ - فَتُقَدَّمُ النِّيَّةُ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ، لأِنَّهَا مَحَلُّ الطَّلاَقِ دُونَ الثَّانِيَةِ، فَلاَ يُصْرَفُ قَوْلُهُ إِلَى قَصْدِهِ، لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: إِعْمَالُ الْكَلاَمِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ أَصْلاً، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ قَوْلاً وَاحِدًا لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ، فَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَرَجُلٍ: أَحَدُكُمَا طَالِقٌ، وَقَصَدَ الرَّجُلَ، بَطَلَ قَصْدُهُ، وَطَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، لأِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مَحَلَّ الطَّلاَقِ أَصْلاً.
وَلَوْ قَالَ لإِِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ إِنْ فَعَلَتُ كَذَا، ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ إِحْدَاهُمَا، تَعَيَّنَتِ الثَّانِيَةُ الْحَيَّةُ لِلطَّلاَقِ، طَلُقَتْ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ الأَْرْبَعِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ طَلُقَتْ الَّتِي نَوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، وَمَنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهَا كَانَتْ هِيَ الْمُطَلَّقَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ: طَلُقْنَ جَمِيعًا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهَا مِنْهُنَّ لِلطَّلاَقِ.
فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ وَنَسِيَهَا، أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لاَ يُعَوَّلُ عَلَى الْقُرْعَةِ لِبَيَانِ مَنْ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ عَلَى تَعْيِينِهِ هُوَ.
وَتَطْلِيقُ جُزْءِ الْمُطَلَّقَةِ كَتَطْلِيقِهَا كُلِّهَا إِذَا كَانَ الْجُزْءُ شَائِعًا وَأَضَافَهُ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ ثُلُثُكِ، أَوْ رُبُعُكِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَلْفٍ مِنْكِ.. فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ ثَابِتًا فِيهَا وَجُزْءًا لاَ يَتَجَزَّأُ مِنْهَا كَرَأْسِهَا، وَبَطْنِهَا... فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ كَلُعَابِهَا، وَعَرَقِهَا، وَسَائِرِ فَضَلاَتِهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا عَادَةً كَالرَّأْسِ، وَالْوَجْهِ، وَالرَّقَبَةِ، وَالظَّهْرِ.. طَلُقَتْ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا عَادَةً كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَمْ تَطْلُقْ فَإِنْ تَعَارَفَهُ النَّاسُ طَلُقَتْ بِهِ أَيْضًا.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِصِيغَةِ الطَّلاَقِ:
- صِيغَةُ الطَّلاَقِ هِيَ اللَّفْظُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَعَاضُ عَنِ اللَّفْظِ فِي أَحْوَالٍ بِالْكِتَابَةِ أَوِ الإِْشَارَةِ. وَلِكُلٍّ مِنَ اللَّفْظِ وَالْكِتَابَةِ وَالإِْشَارَةِ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِهَا فِيهِ، وَإِلاَّ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:
أ - شُرُوطُ اللَّفْظِ:
يُشْتَرَطُ فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الطَّلاَقِ شُرُوطٌ هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: الْقَطْعُ أَوِ الظَّنُّ بِحُصُولِ اللَّفْظِ وَفَهْمِ مَعْنَاهُ:
- الْمُرَادُ هُنَا: حُصُولُ اللَّفْظِ وَفَهْمُ مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ نِيَّةُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهِ، وَقَدْ تَكُونُ نِيَّةُ الْوُقُوعِ شَرْطًا فِي أَحْوَالٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَعَلَى هَذَا إِذَا حَلَفَ الْمُطَلِّقُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ شَكَّ أَكَانَ حَلِفُهُ بِطَلاَقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَغْوٌ وَلاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لاَ؟ فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْعَدَدِ، أَطَلَّقَ وَاحِدَةً، أَمْ ثِنْتَيْنِ، أَمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ بَنَى عَلَى الأَْقَلِّ لِحُصُولِ الْيَقِينِ أَوِ الظَّنِّ بِهِ وَالشَّكِّ فِيمَا فَوْقَهُ، وَالشَّكُّ لاَ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِخِلاَفِ الظَّنِّ وَالْيَقِينِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَحَرَّى، فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ حُمِلَ بِأَشَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا فِي قَضَايَا الْفُرُوجِ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ تَعْلِيقًا عَلَى ذَلِكَ: وَيُمْكِنُ حَمْلُ الأْوَّلِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الدِّيَانَةِ.
فَإِذَا نَوَى التَّلَفُّظَ بِالطَّلاَقِ ثُمَّ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، لَمْ يَقَعْ بِالاِتِّفَاقِ، لاِنْعِدَامِ اللَّفْظِ أَصْلاً، وَخَالَفَ الزُّهْرِيُّ، وَقَالَ بِوُقُوعِ طَلاَقِ النَّاوِي لَهُ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ. وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ». وَلَوْ لُقِّنَ أَعْجَمِيٌّ لَفْظَ الطَّلاَقِ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، فَقَالَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ عَرَبِيٌّ إِذَا لُقِّنَ لَفْظًا أَعْجَمِيًّا يُفِيدُ الطَّلاَقَ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: نِيَّةُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِاللَّفْظِ:
- هَذَا خَاصٌّ بِالْكِنَايَاتِ مِنَ الأَْلْفَاظِ، أَمَّا الصَّرِيحُ فَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهِ نِيَّةُ الطَّلاَقِ أَصْلاً، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ حَيْثُ أَوْقَعُوا الطَّلاَقَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ، وَهِيَ الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ، كَقَوْلِ الْمُطَلِّقِ لِزَوْجَتِهِ: سَرَّحْتُكِ، فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ: طَلَّقْتُكِ، وَوَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، خِلاَفًا لِمَا فُهِمَ مِنْ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ، وَذُكِرَ فِي نَيْلِ الْمَآرِبِ أَنَّ لَفْظَ: سَرَاحٍ مِنَ الْكِنَايَاتِ فَيَحْتَاجُ لِلنِّيَّةِ. وَهَلْ تَقُومُ قَرَائِنُ الأَْحْوَالِ وَالْعُرْفِ مَقَامَ النِّيَّةِ فِي الْكِنَايَاتِ؟.
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَالُوا: لاَ عِبْرَةَ. بِالْعُرْفِ وَقَرَائِنِ الْحَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ طَلاَقَهَا طَلُقَتْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِلنِّيَّةِ، وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ ظِهَارًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الطَّلاَقَ لَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَطْلُقُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَطْلُقُ ثَلاَثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَيُنَوَّى (أَيْ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ) فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَهَلْ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِلَفْظٍ لاَ يَحْتَمِلُهُ أَصْلاً كَقَوْلِهِ لَهَا: اسْقِنِي مَاءً؟ إِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلاَقَ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ وَقَعَ الطَّلاَقُ بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ - الْقَصْدُ وَالاِخْتِيَارُ:
- الْمُرَادُ بِهِ هُنَا: قَصْدُ اللَّفْظِ الْمُوجِبِ لِلطَّلاَقِ مِنْ غَيْرِ إِجْبَارٍ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ طَلاَقِ الْهَازِلِ، وَهُوَ: مَنْ قَصَدَ اللَّفْظَ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ» وَلأِنَّ الطَّلاَقَ ذُو خَطَرٍ كَبِيرٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَحَلَّهُ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ إِنْسَانٌ، وَالإِْنْسَانُ أَكْرَمُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي أَمْرِهِ الْهَزْلُ، وَلأِنَّ الْهَازِلَ قَاصِدٌ لِلَّفْظِ الَّذِي رَبَطَ الشَّارِعُ بِهِ وُقُوعَ الطَّلاَقِ، فَيَقَعُ الطَّلاَقُ بِوُجُودِهِ مُطْلَقًا.
أَمَّا الْمُخْطِئُ، وَالْمُكْرَهُ، وَالْغَضْبَانُ، وَالسَّفِيهُ، وَالْمَرِيضُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ طَلاَقِهِمْ عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي.
أ - الْمُخْطِئُ:
- الْمُخْطِئُ هُنَا: مَنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّلَفُّظَ بِالطَّلاَقِ أَصْلاً، وَإِنَّمَا قَصَدَ لَفْظًا آخَرَ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الطَّلاَقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: يَا جَمِيلَةُ، فَإِذَا بِهِ يَقُولُ لَهَا خَطَأً: يَا طَالِقُ وَهُوَ غَيْرُ الْهَازِلِ، لأِنَّ الْهَازِلَ قَاصِدٌ لِلَفْظِ الطَّلاَقِ، إِلاَّ أَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْفُرْقَةِ بِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَلاَقِ الْمُخْطِئِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ قَضَاءً وَدِيَانَةً، هَذَا إِذَا ثَبَتَ خَطَؤُهُ بِقَرَائِنِ الأَحْوَالِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ خَطَؤُهُ وَقَعَ الطَّلاَقُ قَضَاءً، وَلَمْ يَقَعْ دِيَانَةً، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»
وَلاَ يُقَاسُ حَالُهُ عَلَى الْهَازِلِ؛ لأِنَّ الْهَازِلَ ثَبَتَ وُقُوعُ طَلاَقِهِ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْمُتَقَدِّمِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلاَ يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ طَلاَقَ الْمُخْطِئِ وَاقِعٌ قَضَاءً، ثَبَتَ خَطَؤُهُ أَمْ لاَ، وَلاَ يَقَعُ دِيَانَةً، وَذَلِكَ لِخُطُورَةِ مَحَلِّ الطَّلاَقِ، وَهُوَ الْمَرْأَةُ، وَلأِنَّ فِي عَدَمِ إِيقَاعِ طَلاَقِهِ فَتْحَ بَابِ الاِدِّعَاءِ بِذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلاَقِ وَهُوَ خَطِيرٌ، وَذَرِيعَةٌ يَجِبُ سَدُّهَا.
ب - الْمُكْرَهُ:
- الإْكْرَاهُ هُنَا مَعْنَاهُ: حَمْلُ الزَّوْجِ عَلَى الطَّلاَقِ بِأَدَاةٍ مُرْهِبَةٍ.
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِ الْمُكْرَهِ إِذَا كَانَ الإِْكْرَاهُ شَدِيدًا، كَالْقَتْلِ، وَالْقَطْعِ، وَالضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ» وَلِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلأِنَّهُ مُنْعَدِمُ الإِْرَادَةِ وَالْقَصْدِ، فَكَانَ كَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ، فَإِذَا كَانَ الإِْكْرَاهُ ضَعِيفًا، أَوْ ثَبَتَ عَدَمُ تَأَثُّرِ الْمُكْرَهِ بِهِ، وَقَعَ طَلاَقُهُ لِوُجُودِ الاِخْتِيَارِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُقُوعِ طَلاَقِ الْمُكْرَهِ مُطْلَقًا؛ لأِنَّهُ مُخْتَارٌ لَهُ بِدَفْعِ غَيْرِهِ عَنْهُ بِهِ، فَوَقَعَ الطَّلاَقُ لِوُجُودِ الاِخْتِيَارِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الإِْكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلاَقِ بِحَقٍّ، كَالْمُولِي إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِْيلاَءِ بِدُونِ فَيْءٍ فَأَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى الطَّلاَقِ فَطَلَّقَ، فَإِنَّهُ يَقَعُ بِالإِْجْمَاعِ.
ج - الْغَضْبَانُ:
- الْغَضَبُ: حَالَةٌ مِنْ الاِضْطِرَابِ الْعَصَبِيِّ، وَعَدَمِ التَّوَازُنِ الْفِكْرِيِّ، تَحِلُّ بِالإِْنْسَانِ إِذَا عَدَا عَلَيْهِ أَحَدٌ بِالْكَلاَمِ أَوْ غَيْرِهِ. وَالْغَضَبُ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِ الإِْنْسَانِ الْقَوْلِيَّةِ، وَمِنْهَا الطَّلاَقُ، إِلاَّ أَنْ يَصِلَ الْغَضَبُ إِلَى دَرَجَةِ الدَّهَشِ، فَإِنْ وَصَلَ إِلَيْهَا لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ، لأِنَّهُ يُصْبِحُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَالْمَدْهُوشُ هُوَ: مَنْ غَلَبَ الْخَلَلُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الْخَارِجَةِ عَنْ عَادَتِهِ بِسَبَبِ غَضَبٍ اعْتَرَاهُ.
وَقَسَّمَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْغَضَبَ أَقْسَامًا ثَلاَثَةً نَقَلَهَا عَنْهُ ابْنُ عَابِدِينَ وَعَلَّقَ عَلَيْهَا فَقَالَ:
طَلاَقُ الْغَضْبَانِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَبَادِئُ الْغَضَبِ بِحَيْثُ لاَ يَتَغَيَّرُ عَقْلُهُ، وَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَيَقْصِدُهُ، وَهَذَا لاَ إِشْكَالَ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَبْلُغَ النِّهَايَةَ، فَلاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَلاَ يُرِيدُهُ، فَهَذَا لاَ رَيْبَ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِ.
الثَّالِثُ: مَنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ بِحَيْثُ لَمْ يَصِرْ كَالْمَجْنُونِ، فَهَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ وَالأَْدِلَّةُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نُفُوذِ أَقْوَالِهِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَدْهُوشِ وَالْغَضْبَانِ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، بَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِغَلَبَةِ الْهَذَيَانِ وَاخْتِلاَطِ الْجِدِّ بِالْهَزْلِ كَمَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي السَّكْرَانِ.. ثُمَّ قَالَ: فَاَلَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الْمَدْهُوشِ وَنَحْوِهِ: إِنَاطَةُ الْحُكْمِ بِغَلَبَةِ الْخَلَلِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الْخَارِجَةِ عَنْ عَادَتِهِ، فَمَا دَامَ فِي حَالِ غَلَبَةِ الْخَلَلِ فِي الأَْقْوَالِ وَالأَْفْعَالِ لاَ تُعْتَبَرُ أَقْوَالُهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُهَا وَيُرِيدُهَا، لأِنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ وَالإِْرَادَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِعَدَمِ حُصُولِهَا عَنْ إِدْرَاكٍ صَحِيحٍ كَمَا لاَ تُعْتَبَرُ مِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ.
د - السَّفِيهُ:
- السَّفَهُ: خِفَّةٌ فِي الْعَقْلِ تَدْعُو إِلَى التَّصَرُّفِ بِالْمَالِ عَلَى غَيْرِ وَفْقِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُقُوعِ طَلاَقِ السَّفِيهِ؛ لأِنَّهُ مُكَلَّفٌ مَالِكٌ لِمَحَلِّ الطَّلاَقِ، وَلأِنَّ السَّفَهَ مُوجِبٌ لِلْحَجْرِ فِي الْمَالِ خَاصَّةً، وَهَذَا تَصَرُّفٌ فِي النَّفْسِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَإِنْ نَشَأَ عَنْ طَلاَقِ السَّفِيهِ آثَارٌ مَالِيَّةٌ كَالْمَهْرِ فَهِيَ تَبَعٌ لاَ أَصْلٌ.
وَخَالَفَ عَطَاءٌ، وَقَالَ بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِ السَّفِيهِ.
هـ - الْمَرِيضُ:
- الْمَرَضُ إِذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ انْصَرَفَ إِلَى مَرَضِ الْمَوْتِ غَالِبًا، إِلاَّ أَنْ يَنُصَّ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ طَلاَقِ الْمَرِيضِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ مَرَضَ مَوْتٍ أَمْ مَرَضًا عَادِيًّا، مَا دَامَ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي الْقُوَى الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنْ أَثَّرَ فِيهَا دَخَلَ فِي بَابِ الْجُنُونِ وَالْعَتَهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ. إِلاَّ أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ مَوْتٍ بِخَاصَّةٍ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا فِي مَرَضِهِ بِغَيْرِ طَلَبٍ مِنْهَا أَوْ رِضًا طَلاَقًا بَائِنًا، ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلاَقِهِ هَذَا، فَإِنَّهُ يُعَدُّ فَارًّا مِنْ إِرْثِهَا حُكْمًا، وَتَرِثُ مِنْهُ رَغْمَ وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَيْهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ تَطْلُبِ الطَّلاَقَ الْبَائِنَ، فَإِذَا طَلَبَتْ هَذَا الطَّلاَقَ فَلاَ تَرِثُ.
وَخَالَفَ الشَّافِعِيَّةُ؛ وَقَالُوا بِعَدَمِ إِرْثِ الْبَائِنَةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ فَتَرِثُ بِالاِتِّفَاقِ.
أَمَّا الْمَرِيضُ بِغَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَرِيضِ فَلاَ يَتَأَتَّى فِي طَلاَقِهِمَا الْفِرَارُ مِنَ الإِْرْثِ.
موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 29
فالإكراه عند الشافعية يحصل بالتخويف كالتهديد بالضرب الشديد أو الحبس أو إتلاف المال، وتختلف الشدة باختلاف طبقات الناس وأحوالهم، فصاحب المنزلة بين أهله الذي يهدد بالتشهير به أو الاستهزاء به أمام الملأ يعتبر ذلك في حقه إكراها، والشتم في حق رجل ذي مروءة إكراه ومن الإكراه أيضا التهديد بقتل الولد أو الفجور به أو الزنا - بامرأته إذ لا شك في أنه إيذاء يلحقه أشد من الضرب أو الشتم. ومثل ذلك التهديد بقتل أبيه أو أحد عصبته وإن علا أو سفل أو إيذاء بجرح وكذلك التهديد بقتل قريبه من ذوى أرحامه أو جرحه أو فجور به ويجب أن يكون الإكراه عاجلا، فلو قال المكره: طلق زوجتك وإلا قتلتك غدا لم يكن إكراها.
وعند المالكية يكون الإكراه بشيء مؤلم من قتل أو ضرب وإن قل أو سجن أو قيد وإن لم يطل وذلك إذا كان المكره من ذوي المروءة أي من ذوي الأقدار.
أما إذا كان من غيرهم فلا يعد إكراها إلا إذا هدد بطول الإقامة في السجن أو القيد. وكذلك يكون الإكراه بالتهديد بأخذ المال أو إتلافه ولو كان يسيرا على المعتمد في المذهب .
ومثل التهديد بقتل النفس التهديد بقتل الولد أو بإيذائه ومثل الولد الوالد على الظاهر بخلاف باقي الأقارب.
والتهديد بالصفع القليل في الملا أو الخلا، لذوي المروءة يعد إكراها ويكون الإكراه بشيء يحصل للمكره حالا أو في المستقبل.
وعند الحنابلة: يكون الإكراه بما يؤلم كالقتل أو قطع اليد أو الضرب الشديد أو ض رب يسير لذوي المروءة، أو أخذ مال كثير أو إخراج من الديار أو تعذيب الولد بخلاف باقی الأقارب.
ويبين مما سلف أن المذاهب الثلاثة أخذت بالإكراه الأدبي غير أن المذهب الشافعي توسع فيه أكثر من غيره.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية في هذا الصدد بأن: ۱- «إن طلاق المكره لا يقع طبقا لحكم المادة الأولى من القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ التي تنص على أنه «لا يقع طلاق السكران والمكره» والإكراه في حقيقته الشرعية لابد أن يكون بأمر يلجئ المكره ويحمله حالا على فعل ما أكره عليه وإتيانه لخوفه من إيقاع ما هد به وعدم احتماله إياه، أو في غير ذلك، مما يوقع به ضررا ماديا أو أدبيا لا يحتمله على خلاف بين الفقهاء في بعض الصور. ولابد أن يكون المكره قادرا على إيقاع وتنفيذ ما هند به وبما أن السائل يقرر بأنه قد هند بآلة حادة وأكره على الطلاق فإذا كان كذلك، كان إكراها بشيء متلف. ومن ثم لا يقع طلاقه وفقا لهذا القانون - إذا كان هذا الطلاق قد ثبت بإشهاد رسمي فإنه يتعين لزوال أثره ثبوت الإكراه بحكم من المحكمة المختصة، ومما ذكر يعلم الجواب إذا كان الحال كما ذكر. والله سبحانه وتعالى أعلم).
(فتوى صادرة بتاريخ 18 / 10 / 1978 في الطلب رقم ۲۸۷ لسنة ۱۹۷۸)
۲- (..... واختلف فقهاء الشريعة في وقوع طلاق المكره أو عدم وقوعه فذهب الفقه الحنفى إلى وقوع الطلاق مع الإكراه، وذهب فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن طلاق المكره غير واقع. لحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وبهذا النظر جاء حكم المادة الأولى من القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ حيث قررت أن طلاق السكران والمكره لا يقع، واختلف أصحاب هذا الرأي في مدى الإكراه وشروطه، ففي الفقه المالكي: أن الإكراه على إيقاع الطلاق بالقول لا يلزم به شيء لا قضاء ولا ديانة بشرط أن لا ينوي حل عقدة الزواج باطنا. ثم أن الإكراه الذي لا يقع به الطلاق هو أن يغلب على ظن المكره أنه إن لم يفعل الطلاق يلحقه أذى مؤلم من قتل أو ضرب كثيرا أو قليلا أو سجن وإن لم يكن طويلا أو يغلب على ظنه أنه إن لم يطلق بقتل ولده أو يلحقه أذى ومثل الولد الوالد. ففي هذه الأحوال إذا طلق لا يقع الطلاق. ومثل التهديد بما سلف، التهديد بإتلاف المال أو أخذه ولو كان يسيرا على المعتمد في المذهب (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج۲ ص 415؛ وما بعدها).
وفي الفقه الشافعي: أن الإكراه يحصل بالتخويف في نظر المكره كالتهديد بالضرب الشديد أو الحبس أو إتلاف المال. وتختلف الشدة باختلاف طبقات الناس. وأحوالهم، فالوجيه الذي يهدد بالتشهير به أو الاستهزاء به أمام الملأ يعتبر ذلك في حقه إكراها. والشتم في حق رجل ذي مروءة إكراه. ومثل ذلك التهديد بقتل الولد أو الفجور به أو الزنا بأمرأته، إذ لا شك في أنه إيذاء يلحقه أشد من الضرب والشتم. ومثل ذلك التهديد بقتل أبيه أو أحد عصبته وإن علا أو سفل أو إيذاء بجرح وكذلك التهديد بقتل قريبه من ذوي أرحامه أو جرحه أو فجور به كل ذلك يعتبر إكراها.
وقال الفقهاء الشافعيون إن طلاق المكره لا يقع بشروط: أن يقع التهديد بالإيذاء من شخص قادر على تنفيذ ما هدد به عاجلا، وأن يعجز المكره عن دفع التهديد. وأن يظن المكره أنه إن امتنع عن الطلاق يقع الإيذاء الذي هدد به، وأن لا يكون الإكراه بحق وأن لا يظهر من المكره نوع اختيار وأن لا ينوى الطلاق (تحفة المحتاج وحواشيها بشرح المنهاج ج۸ ص 36، ۳۷ في كتاب الطلاق).
ويشترط الفقه الحنبلي لعدم وقوع طلاق المكره: أن يكون الإكراه بغير حق، وأن يكون بما يؤلم كالقتل أو قطع اليد أو الضرب الشديد أو ضرب يسير لذي الأقارب، وأن يكون المهدد قادرا على تنفيذ ما هند به، وأن يغلب على ظن المكره أنه إن لم يطلق يقع به الإيذاء المهدد به. وأن يعجز عن دفع ما هدد به (المغني لابن قدامه الحنبلي ج2 ص315 في كتاب الطلاق).
ومن هذا العرض الموجز لأقوال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في الإكراه الذي لا يقع معه الطلاق وشروطه يظهر أن الفقه الشافعي هو الذي اتسعت فيه دائرة الإكراه. حيث يتضح من الأمثلة المضروبة فيما سبق أنهم لا يقصرون الإيذاء الواقع بالإكراه على ذات المكره فقط، بل إذا كان الإكراه بإيذاء بقتل أو فجور أو قطع أو ضرب أحد عصبته أو ذوي رحمه كما مثلوا بالزنا بامرأة المكره وأن تلك الأمثلة بوجه عام تعنی أن فقهاء هذا المذهب قد راعوا ما نسميه الآن بالإكراه الأدبي.
لما كان ذلك: وكان السائل قد قرر في طلبه أنه أوقع الطلاق الأخير بلفظ صریح نزولا على طلب زوجته التي أقدمت على الانتحار بإلقاء نفسها من شرفة المسكن بالدور الثامن، وكان نصف جسدها في الهواء خارج الشرفة دخل هذا الفعل منها في باب الإكراه الأدبي لزوجها السائل. تخريجا على الأمثلة التي ذكرها فقهاء الشافعية، لكن يلزم توافر الشروط التي اشترطها هؤلاء الفقهاء لعدم وقوع الطلاق. وموجزها أن تكون هذه الزوجة وقت التهديد قادرة على فعل ما هددت به وأقدمت عليه فعلا وأن يكون السائل في حالة عجز بنفسه أو باستغاثة عن منعها من الانتحار بهذا الطريق. وأن يغلب على ظنه إصرارها على الانتحار إن لم يوقع الطلاق في الحال. وأن لا يظهر منه نوع اختيار كما إذا أكره على الطلاق بلفظ محدد فنطق بلفظ آخر. وأخيرا أن لا ينوى الطلاق وقت التلفظ به حال الإكراه، بمعنى أن لا يوافق لفظه نية مستقرة في قلبه بالطلاق.
فإذا توافرت هذه الشروط في حال السائل فإنه يكون مكرها إكراها أدبيا، فلا يقع باللفظ الذي صدر منه في حال إقدام زوجته على الانتحار بالكيفية الموضحة بالسؤال ط لاق. وأمر التحقق من توفر هذه الشروط متروك له شخصيا. وعليه الإثم إن لم تكن الشروط متحققة.
أما عن الطلاق الذي قال أنه أوقعه في حال غضب شديد، فإنه إذا كان الغضب قد بلغ به واحدا من الحالتين الموصوفتين فإن طلاقه الذي نطق به حال الغضب.
غير واقع، وإذ أقر به في ورقة رسمية هي إشهاد الطلاق فلا يرفع أثره نظاما وتوثيقا إلا حكم من المحكمة المختصة. أما إذا كانت حالة الغضب ليست في نطاق واحدة من تلك الحالتين بل كانت في نطاق الحالة الثالثة من حالات الغضب فإن الطلاق فيها واقع، وعليه أيضا عبء تقدير درجة غضبه بنفسه، أو بمن شاهده حال الغضب من يوثق بدينهم فليتق الله السائل في تقدير ظروف الإكراه والغضب، وانطباقها فعلا على ما تقدم من بیان, لأن الأمر متعلق بحل وحرمة عشرته لزوجته. والله سبحانه وتعالى أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 10 / 1 / 1980 في الطلب رقم ۳۸۰ لسنة۱۹۷۹)
۳- «اختلف فقهاء الشريعة في وقوع طلاق المكره أو عدم وقوعه فذهب الفقه الحنفي إلى وقوع الطلاق مع الإكراه. وذهب فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن طلاق المكره غير واقع. لحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وبهذا النظر جاء حكم المادة الأولى من القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ المعمول به في مصر حيث قررت أن طلاق السكران والمكره لا يقع. واختلف أصحاب هذا الرأي في مدى الإكراه وشروطه ففي الفقه المالكي: أن الإكراه على إيقاع الطلاق بالقول لا يلزم به شيء لا قضاء ولا ديانة بشرط أن لا ينوي حل عقد الزواج باطنا. ثم إن الإكراه الذي لا يقع به الطلاق هو أن يغلب على ظن المكره أنه إن لم يفعل الطلاق يلحقه أذى مؤلم من قتل أو ضرب كثيرا أو قليلا، أو سجن وإن لم يكن طويلا، أو يغلب على ظنه أنه إن لم يطلق يقتل ولده أو يلحقه أذى ومثل الولد الوالد. ففي هذه الأحوال إذا طلق لا يقع الطلاق. ومثل التهديد بما سلف التهديد بإتلاف المال أو أخذه ولو كان يسيرا على المعتمد من المذهب «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج۲ ص 45 وما بعدها».
وفي الفقه الشافعي: أن الإكراه يحصل بالتخويف في نظر المكره كالتهديد بالضرب الشديد أو الحبس أو إتلاف المال. وتختلف الشدة باختلاف طبقات الناس وأحوالهم. فالوجيه «أى صاحب المنزلة بين أهله» الذي يهدد بالتشهير به أو الاستهزاء به أمام الملأ يعتبر ذلك في حقه إكراها. والشتم في حق رجل ذي مروءة إكراه. ومثل ذلك التهديد بقتل الولد أو الفجور به أو الزنا بامرأته إذ لا شك في أنه إيذاء يلحقه أشد من الضرب أو الشتم. ومثل ذلك التهديد بقتل أبيه أو أحد عصبته وإن علا أو سفل، أو إيذاء بجرح، وكذلك التهديد بقتل قريبه من ذوي أرحامه أو جرحه أو الفجور به كل ذلك يعتبر إكراها وقال الفقهاء الشافعيون: أن طلاق المكره لا يقع بشروط: أن يقع التهديد بالإيذاء من شخص قادر على تنفيذ ما هدد به عاجلا. وأن يعجز المكره عن دفع التهديد وأن يظن المكره أنه إن امتنع عن الطلاق يقع الإيذاء الذي هدد بسه. وأن لا يكون الإكراه بحق. وأن لا يظهر من المكره نوع اختيار. وأن لا ينوى الطلاق «تحفة المحتاج وحواشيها بشرح المنهاج ج۸ ص 36، 37 في كتاب الطلاق».
ويشترط الفقه الحنبلي لعدم وقوع طلاق المكره: أن يكون الإكراه بغير حق، وأن يكون بما يؤلم كالقتل أو قطع اليد أو الضرب الشديد أو ضرب يسير لذي مروءة أو أخذ مال كثير، أو إخراج من الديار، أو تعذيب لولده بخلاف باقي الأقارب. وأن يكون المهدد قادرا على تنفيذ ما هدد به وأن يغلب على ظن المكره أنه إن لم يطلق يقع به الإيذاء المهدد به. وأن يعجز عن دفع ما هدد به «المغني لابن قدامة الحنبلی ج ۷ ص 315 من كتاب الطلاق».
ومن هذا العرض الموجز لأقوال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في الإكراه الذي لا يقع معه الطلاق وشروطه يظهر أن الفقه الشافعي هو الذي اتسعت فيه دائرة الإكراه، حيث يتضح من الأمثلة المضروبة فيما سبق أنهم لا يقصرون الإيذاء الواقع بالإكراه على ذات المكره فقط، بل إذا كان الإكراه بإيذاء بقتل أو فجور أو قطع أو ضرب لأحد عصبته أو ذوي الأرحام، كما مثلوا بالزنا بامرأة المكره، وأن تلك الأمثلة بوجه عام تعنى أن فقهاء هذا المذهب قد راعوا ما نسميه الآن بالإكراه الأدبي. لما كان ذلك: وكان المسائل قد قرر في طلبه أنه توقع الطلقات الثلاث مكرها من زوجته المريضة بمرض عصبي خوفا على نفسه وعلى أولاده وعلى ذات زوجته لأنه إذا لم ينطق بلفظ الطلاق حال نوبتها العصبية كطلبها تعتلت عليه وآذته بما لا قبل له باحتماله كانت هذه الحال من باب الإكراه الأدبي مسائل، تخريجا على الأمثلة التي ذكرها فقهاء الشافعية، ولكن يلزم توافر الشروط التي شرطها هؤلاء الفقهاء لعدم وقوع الطلاق وموجزها، أن تكون هذه الزوجة وقت التهديد قادرة على فعل ما هددت به، وأن يكون السائل في حالة عجز عن منعها من إيذائه، أو إيقاع الأذى بنفسها أو بأولادها وأن يغلب على ظنه إيذاؤها إياه في نفسه أو في أولادهما أو في نفسها بما يضر ولا يحتمل إن لم يوقع الطلاق في الحال. وأن لا يظهر منه نوع اختيار، كما إذا أكره على الطلاق بلفظ محدد فنطق بلفظ آخر. وأخيرا ألا ينوى الطلاق وقت التلفظ به حال الإكراه، بمعنى أن لا يوافق لفظه نية مستقرة في قلبه بالطلاق. فإذا توافرت هذه الشروط في حال السائل فإنه يكون مكرها إكراها أدبيا، فلا يقع بما صدر منه طلاق في حال تحقق إيذاء زوجته له أو لأحد أولاده أو في ذات نفسها. وأمر التحقق من توفر هذه الشروط متروك له شخصيا، وعليه الإثم إن لم تكن الشروط متحققة. فليتق الله فيما فوض إليه، لأن هذا أمر يتعلق بحل أو حرمة هذه الزوجة بالطلاق الثالث والله سبحانه وتعالى أعلم). (فتوی صادرة بتاريخ 14 / 5 / 1980 في الطلب رقم 152 لسنة ۱۹۸۰)
أما الرأي في مذهب الحنفية الذي كان معمولا به قبل العمل بالمرسوم بقانون رقم 25 السنة ۱۹۲۹ هو أن طلاق المكره واقع، لأن المكره عرف الشرين: الهلاك والطلاق واختار أهونهما وهذا آية القصد والاختيار واستندوا في ذلك إلى أن طلاق الهازل يقع القول النبي عليه السلام «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة» وفي رواية (والعتاق) بدل (والرجعة)، وفي رواية أخرى (و اليمين) بدل (والرجعة).
والهازل لم يقصد إيقاع الطلاق وإن قصد اللفظ وهذا خير دليل على أن النبي عليه السلام اعتبر مجرد التلفظ بالطلاق قاصدا اللفظ من غير اعتبار معناه موقعا للطلاق، وبما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:
«أربع مبهمات منقولات ليس فيهن رد: النكاح، والطلاق، والعتاق، والصدقة» وبما روی عن عمر أن امرأة تبغض زوجها، فوجدته نائما، فأخذت شفرة، وجلست على صدره، ثم حركته، وقالت: لتطلقني ثلاث، وإلا ذبحتك، فناشدها الله، فأبت، فطلقها ثلاثا، ثم جاء إلى النبي ، وسأله عن ذلك، فقال الرسول عليه السلام، لا قيلولة في الطلاق».
(راجع شرح فتح القدير ج 3 ص 488).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث عشر ، الصفحة / 110
التَّفْوِيضُ فِي الطَّلاَقِ:
حُكْمُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى: جَوَازِ تَفْوِيضِ الطَّلاَقِ لِلزَّوْجَةِ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لأَِحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأَذِنَ لأِبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا، قَالَ: فَقَالَ وَاَللَّهِ لأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلاَهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَيْسَ عِنْدَهُ،، فَقُلْنَ: وَاَللَّهِ لاَ نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآْيَاتُ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَلاَّ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلاَ عَلَيْهَا الآْيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ،، بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ، وَأَسَالُكَ أَلاَّ تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِاَلَّذِي قُلْتُ. قَالَ: لاَ تَسْأَلْنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا.
حَقِيقَةُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ وَصِفَتُهُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، إِلَى أَنَّ التَّفْوِيضَ تَمْلِيكٌ لِلطَّلاَقِ، وَعَلَى هَذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ صِحَّةِ رُجُوعِ الزَّوْجِ عَنْهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّمْلِيكَ يَتِمُّ بِالْمِلْكِ وَحْدَهُ بِلاَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبُولِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَهُ: الرُّجُوعُ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّمْلِيكَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَبِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ لِوُقُوعِهِ تَطْلِيقَهَا عَلَى الْفَوْرِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّطْلِيقَ عِنْدَهُمْ جَوَابٌ لِلتَّمْلِيكِ، فَكَانَ كَقَبُولِهِ، وَقَبُولُهُ فَوْرٌ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ جَعَلُوا التَّفْوِيضَ جِنْسًا تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ: تَفْوِيضُ تَوْكِيلٍ، وَتَفْوِيضُ تَخْيِيرٍ، وَتَفْوِيضُ تَمْلِيكٍ. وَيُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا مِنْ خِلاَلِ الأَْلْفَاظِ الصَّادِرَةِ عَنِ الزَّوْجِ. فَكُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى جَعْلِ إِنْشَاءِ الطَّلاَقِ بِيَدِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ حَقِّ الزَّوْجِ فِي الْمَنْعِ مِنْ إِيقَاعِهِ فَهُوَ تَفْوِيضُ تَوْكِيلٍ، وَكُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ فَوَّضَ لَهَا الْبَقَاءَ عَلَى الْعِصْمَةِ أَوِ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَهُوَ تَفْوِيضُ تَخْيِيرٍ، وَكُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى جَعْلِ الطَّلاَقِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهَا دُونَ تَخْيِيرٍ فَهُوَ تَفْوِيضُ تَمْلِيكٍ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي تَفْوِيضِ التَّوْكِيلِ دُونَهُمَا؛ لأِنَّهُ فِي التَّوْكِيلِ جَعَلَهَا نَائِبَةً عَنْهُ فِي إِنْشَائِهِ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَقَدْ جَعَلَ لَهَا مَا كَانَ يَمْلِكُ، فَهُمَا أَقْوَى.
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ صِيَغِ التَّفْوِيضِ، فَجَعَلُوا صِيغَتَيْنِ «أَمْرُكِ بِيَدِكِ»، «وَطَلِّقِي نَفْسَكِ» مِنَ التَّوْكِيلِ، فَيَكُونُ لَهَا عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ، وَجَعَلُوا صِيغَةَ «اخْتَارِي» مِنْ خِيَارِ التَّمْلِيكِ، فَهُوَ لَهَا عَلَى الْفَوْرِ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهَا عَلَى التَّرَاخِي.
أَلْفَاظُ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَقْسِيمِ أَلْفَاظِ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلاَقِ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ عِنْدَهُمْ مَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلاَقِ، كَطَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ شِئْتِ، وَالْكِنَايَةُ مَا كَانَ بِغَيْرِهِ كَاخْتَارِي نَفْسَكِ، وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ.
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلُوا لَفْظَ الأَْمْرِ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلَفْظَ الْخِيَارِ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ. وَتَفْتَقِرُ أَلْفَاظُ التَّفْوِيضِ الْكِنَائِيَّةُ إِلَى النِّيَّةِ بِخِلاَفِ الصَّرِيحِ مِنْهَا.
زَمَنُ تَفْوِيضِ الزَّوْجَةِ:
صِيغَةُ التَّفْوِيضِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً، أَوْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ تَكُونَ بِصِيغَةٍ تَعُمُّ جَمِيعَ الأْوْقَاتِ.
(أ) فَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ التَّفْوِيضِ مُطْلَقَةً.
فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ حَقَّ الطَّلاَقِ لِلْمَرْأَةِ مُقَيَّدٌ بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا وَإِنْ طَالَ، مَا لَمْ تُبَدِّلْ مَجْلِسَهَا حَقِيقَةً كَقِيَامِهَا عَنْهُ، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَعْمَلَ مَا يَقْطَعُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الإْعْرَاضِ عَنْهُ، وَكَانَ الإْمَامُ مَالِكٌ يَقُولُ بِأَنَّ التَّخْيِيرَ وَالتَّمْلِيكَ الْمُطْلَقَيْنِ بَاقِيَانِ بِيَدِهَا مَا لَمْ تُوقَفْ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ تُمَكِّنْ زَوْجَهَا مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ مِنْهَا عَالِمَةً طَائِعَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَا أَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَجَّحَهُ الدَّرْدِيرُ وَالدُّسُوقِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْقَبُولُ عَنِ الإْيجَابِ ثُمَّ طُلِّقَتْ لَمْ يَقَعْ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ جَعَلُوا لِكُلِّ صِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ التَّفْوِيضِ حُكْمًا خَاصًّا بِهَا.
فَلَوْ قَالَ لَهَا «أَمْرُكِ بِيَدِكِ» فَلاَ يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ، وَلَهَا حَقُّ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا عَلَى التَّرَاخِي وَذَلِكَ لأِنَّهُ تَوْكِيلٌ يَعُمُّ الزَّمَانَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ قَالَ لَهَا «طَلِّقِي نَفْسَكِ» فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، لأَِنَّهُ فَوَّضَهُ إِلَيْهَا فَأَشْبَهَ «أَمْرُكِ بِيَدِكِ».
وَلَوْ قَالَ لَهَا: «اخْتَارِي نَفْسَكِ» فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْمَجْلِسِ، وَبِعَدَمِ الاِشْتِغَالِ بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ، وَلأِنَّهُ خِيَارُ تَمْلِيكٍ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْقَبُولِ. إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا «اخْتَارِي نَفْسَكِ يَوْمًا أَوْ أُسْبُوعًا أَوْ شَهْرًا» وَنَحْوَهُ فَتَمْلِكُهُ.
(ب) وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ التَّفْوِيضِ تَعُمُّ جَمِيعَ الأَْوْقَاتِ فَيَكُونُ لَهَا حَقُّ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا مَتَى شَاءَتْ وَلاَ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ.
وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ وَقْفِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِتُطَلِّقَ أَوْ تُسْقِطَ التَّمْلِيكَ، أَوْ يَكُونَ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِهِ، كَأَنْ تُمَكِّنَهُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي حَالَةِ التَّفْوِيضِ حَتَّى تُجِيبَ بِمَا يَقْتَضِي رَدًّا أَوْ أَخْذًا، وَإِلاَّ لأََدَّى إِلَى الاِسْتِمْتَاعِ فِي عِصْمَةٍ مَشْكُوكٍ فِي بَقَائِهَا. وَهَذَا فِي تَفْوِيضِ التَّمْلِيكِ وَالتَّخْيِيرِ دُونَ التَّوْكِيلِ لِقُدْرَةِ الزَّوْجِ عَلَى عَزْلِهَا.
(ج) وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ التَّفْوِيضِ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ حَقُّ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا إِلَى
أَنْ يَنْتَهِيَ هَذَا الزَّمَنُ، وَلاَ يَبْطُلُ التَّفْوِيضُ الْمُؤَقَّتُ بِانْتِهَاءِ الْمَجْلِسِ وَلاَ بِالإْعْرَاضِ عَنْهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَسْتَمِرُّ مَا لَمْ تُوقَفْ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ يَكُنْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِهِ.
عَدَدُ الطَّلَقَاتِ الْوَاقِعَةِ بِأَلْفَاظِ التَّفْوِيضِ وَنَوْعُهَا:
فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ التَّفْوِيضِ بِصَرِيحِ الطَّلاَقِ وَكِنَايَتِهِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِ الزَّوْجِ لَهَا الطَّلاَقَ بِصَرِيحِهِ، فَإِنَّ طَلاَقَهَا يَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، كَقَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ مَا شِئْتِ.
وَإِنْ كَانَ التَّفْوِيضُ بِالْكِنَايَةِ كَقَوْلِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ أَوِ اخْتَارِي نَفْسَكِ، فَاخْتَارَتِ الزَّوْجَةُ الْفُرْقَةَ فَإِنَّهَا تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بَيْنُونَةٌ صُغْرَى، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ الْكُبْرَى فَتُوقِعَهَا بِلَفْظِهَا أَوْ بِنِيَّتِهَا. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُفِيدَ لِلْبَيْنُونَةِ إِذَا قُرِنَ بِالصَّرِيحِ صَارَ رَجْعِيًّا.
وَإِنَّمَا كَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا فِي التَّفْوِيضِ بِالْكِنَايَةِ دُونَ الصَّرِيحِ، لأِنَّ هَذِهِ الأْلْفَاظَ جَوَابُ الْكِنَايَةِ وَالْكِنَايَاتُ عَلَى أَصْلِهِمْ مُبِينَاتٌ، وَلأِنَّ قَوْلَهُ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ جَعَلَ أَمْرَ نَفْسِهَا بِيَدِهَا، فَتَصِيرُ عِنْدَ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا مَالِكَةً نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مَالِكَةً نَفْسَهَا بِالْبَائِنِ لاَ بِالرَّجْعِيِّ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا الْقَوْلَ بِنَاءً عَلَى تَقْسِيمِهِمُ التَّفْوِيضَ إِلَى أَنْوَاعٍ ثَلاَثَةٍ. فَفِي تَفْوِيضِ التَّوْكِيلِ - لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُوقِعَ مِنَ الطَّلَقَاتِ مَا وَكَّلَهَا بِهِ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْوِيضِ التَّمْلِيكِ، فَلَهَا أَنْ تُوقِعَ مِنَ الطَّلَقَاتِ مَا جُعِلَ بِيَدِهَا مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا فِيمَا زَادَ عَلَى الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ إِذَا أَطْلَقَ.
وَأَمَّا فِي تَفْوِيضِ التَّخْيِيرِ، فَيَقَعُ طَلاَقُهَا ثَلاَثًا إِنِ اخْتَارَتِ الْفِرَاقَ، فَإِنْ قَالَتِ اخْتَرْتُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ أَنْ يُخَيِّرَهَا فِي طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ خَاصَّةً فَتُوقِعُهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَفْوِيضَ الطَّلاَقِ لِلزَّوْجَةِ يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَحَلًّا لِلرَّجْعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَقُولَ لَهَا: طَلِّقِي وَنَوَى ثَلاَثًا فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ، وَنَوَتْهُنَّ فَيَقَعُ ثَلاَثًا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلاَثًا فِي التَّوْكِيلِ وَالتَّمْلِيكِ، وَأَمَّا فِي الاِخْتِيَارِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ جَعَلَهُ لَهَا بِلَفْظِهِ، أَوْ بِنِيَّتِهِ، وَتَقَعُ رَجْعِيَّةً.