لزوجة المحبوس المحكوم عليه نهائياً بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر أن تطلب إلى القاضى بعد مضى سنة من حبسه التطليق عليه بائناً للضرر ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
لزوجة المحبوس المحكوم عليه نهائياً بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر أن تطلب إلى القاضى بعد مضى سنة من حبسه التطليق عليه بائناً للضرر ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ،
المذكرة الإيضاحية
لقد كان العمل جارياً في مصر قبل صدور القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على مذهب أبي حنيفة الذي لا يجيز التطليق للحبس إلا أنه بعد صدور هذا القانون عدل المشرع وأجاز التطليق للحبس.
وجاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون أن الزوج الذي حكم عليه نهائياً بالسجن ثلاث سنين فأكثر يساوي الغائب الذي طالت غيبته سنة فأكثر في تضرر زوجته من بعده عنها ، كما يساوي الأسير في ذلك فيجوز لزوجته طلب التطليق عليه بعد سنة من سجنه إذا تضررت من بعده عنها لزوجه الغائب والأسير لأن المناط في ذلك تضرر الزوجة من بعد الزوج عنها ولا دخل لكون البعد بإختياره أو قهراً عنه بدليل النص علي أنه لزوجة الأسير حق طلب التطليق إذا تضررت من بعد زوجها عنها .
1- النص فى المادة 14 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 على أنه: "....." يدل - على ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية - على أن الزوج الذي حكم عليه نهائيا بالسجن ثلاث سنين فأكثر يتساوى مع الغائب الذي طالت غيبته سنة فأكثر فى تضرر زوجته فيجوز لها طلب التطليق عليه بعد مضى سنة من سجنه إذا تضررت من بعده عنها كزوجة الغائب والأسير لأن المناط فى ذلك تضرر الزوجة، ويشترط لقبول الدعوى مضى سنة من تاريخ البدء فى تنفيذ الزوج للعقوبة المقيدة للحرية سواء كانت هذه العقوبة صادرة فى جناية أو جنحة إذ أن اختلاف الوصف القانوني للجريمة التي اقترفها لا يترتب عليه اختلاف الضرر الناجم عن تقييد حريته وحرمان الزوجة من حقوقها الشرعية وتضررها من بعده عنها، ولم يتطلب النص المذكور أن يكون الحكم الجنائي باتا باستنفاد طرق الطعن غير العادية أو بفوات مواعيدها مكتفيا بصيرورته نهائيا لا يقبل الطعن بالطرق العادية، إذ أن الأصل فى الأحكام الصادرة من المحاكم الجنائية أنها واجبة التنفيذ متى صارت نهائية عملاً بالمادة 460 من قانون الإجراءات الجنائية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، فينفذ الحكم الجنائي متى صار نهائيا بألا يكون قابلا للمعارضة أو الاستئناف ولو كان قابلا للطعن بالنقض أو طعن فيه بالنقض بالفعل.
(الطعن رقم 480 لسنة 64 جلسة 1998/12/28 س 49 ع 2 ص 767 ق 186)
سند وجوب النص
ويستند وجوب النص المطروح شرعاً إلى قوله تعالى "وما جعل عليكم فى الدين من حرج" وقوله صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار".
والتطليق لسجن الزوج هو أحد حالات التطليق للضرر ذلك أن سجن الزوج إنما يترتب عليه إبتعاده عن الزوجة وراء أسوار السجن وهذا الغياب يشكل ولا شك ضرر بالزوجة طالما أنه قد استقر أن الزوجة تتضرر بعدم وقاعها لأكثر من ستة أشهر على ما هو من حديث عمر بن الخطاب فى هذا الشأن فإذا زادت مدة الإبتعاد عن ذلك فالضرر واقع لا محالة ويستوى بعد ذلك أن تكون الفرقة برضى الزوج أو قهراً عنه .
ولكون الفرقة هنا لسبب لا دخل لإرادة الزوج فيه وهو حبسه وبحكم أن ذلك يسبب ضرراً للزوجة لذلك أفرد المشرع لهذا النوع من الضرر نص خاص هو نص المادة 14 .
شروط طلب التطليق للسجن :
وقد اشترط النص لكى يحق للزوجة طلب التطليق للحبس توافر عدة شروط هى :
1-أن يكون الزوج قد حكم عليه بعقوبة مقيدة للحرية الحبس أو السجن أو نحوه وعلى ذلك فالحكم بالغرامة أو تنفيذها بطريق الإكراه البدنى لا يوفر الشرط ، كما أن قرار النيابة أو المحكمة الجنائية بحبس الزوج إحتياطياً لا يتوافر به الشرط حيث لا يعد قرار الحبس الإحتياطي حكماً قضائياً يخضع لقاعدة إكتساب الحجية وإمكانية أيلولته نهائياً أو باتاً وفق ما يسري على الاحكام القضائية ، إلا أنه يستوى أن تكون العقوبة صادرة فى جناية أو جنحة كما يستوى أن يكون الحكم وطنياً أو صادر عن محاكم غير مصرية إذ العبرة بتحقق الضرر المترتب على غياب الزوج بقطع النظر عن مصدره .
2-أن يكون الحكم الصادر بالعقوبة نهائياً وعلى ذلك فلا يشترط فى الحكم أن يكون باتاً أى إستنفذ طريق الطعن بالنقض أو إنقضت مواعيده .
3 - وأن يكون الزوج قد بدأ تنفيذه بالفعل ، فإذا لم يكن الزوج قد بدأ فى تنفيذ العقوبة لهروبه أو لإستشكاله فى التنفيذ أو لغير ذلك من الأسباب إمتنع تطبيق النص .
4- أن تكون العقوبة ثلاث سنوات فأكثر ، والسنوات هنا ميلادية عملاً بالمادة 23 من القانون، ويستوي أن تكون المدة هي عقوبة قضى بها حكم جنائي واحد أو نتاج تجميع عدد من المدد الأقل صدرت بها عدة أحكام جنائية لتوافر العلة ونحن نري أن مدة الحبس الإحتياطي لا تدخل في إحتساب المدة بحكم أنها لا تدخل في مفهوم العقوبة بمفهومها القانوني برغم أنها تستنزل من مدة العقوبة المقضي بها .
5- أن ترفع الزوجة الـدعوى بعد مضى سنة ميلادية كاملة تحتسب من تاريخ بدء تنفيذ العقوبة على الزوج وليس من تاريخ النطق بالحكم، فإذا أقيمت الدعوى قبل مضى السنة قضت المحكمـة بعدم قبولها لرفعها قبل الأوان وفى ذلك تقول محكمة جنوب القاهرة الإبتدائية "وحيث أن الثابت من الشهادة المقدمة أن المدعى عليه قد حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة بجلسة 17/6/1981 وأن تاريخ مبدأ حبسه 17/1/1981 وكانت المدعية قد أقامت دعواها الماثلة بصحيفة أودعت قلم كتاب المحكمة بتاريخ 16/6/1981 كما أنه بالنسبة لخطاب مصلحة السجون المؤرخ 11/3/1982 تبين منه أنه قد حكم على المدعى عليه فى الجناية رقم 1412/80 ج روض الفرج بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات من محكمة جنايات القاهرة فى 19/3/1990 أى أن الحكمين الصادرين على المدعى عليه قد صدر الأول فى 19/2/1980 والثانى فى 12/6/1981 وأن مبدأ حبسه 17/6/1981 والمدعية أقامت الدعوى بصحيفة أودعت قلم كتاب المحكمة بتاريخ 16/6/1981 أى قبل مرور سنة كاملة من تاريخ بدء تنفيذ الحبس مما تعد معه الدعوى غير قائمة على أساس سليم من القانون وتكون المدعية قد أقامتها قبل الأوان مما يتعين معه القضاء بعدم قبولها .
ولا يحول دون قيام الزوجة بطلب التطليق للسجن وجود مال للزوج يمكنها التنفيذ عليه وإقتضاء حقها من النفقة إذ أن التطليق فى هذه الحالة للضرر وليس للإمتناع عن الإنفاق .
وجوب عرض الصلح قبل الحكم بالتطليق :
ونحن نرى أن الفقرة الثانية من المادة 18 من القانون رقم 1 لسنة 2000 بتنظيم إجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية قد أضافت شرطاً خامساً لهذه الدعوى مما نصت عليه من وجوب قيام المحكمة بمحاولة الصلح بين الزوجين وثبوت عجزها عن تحقيقه ، فإذا كان للزوجين ولا تلتزم المحكمة بعرض الصلح مرتين على الأقل تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوماً ولا تزيد عن ستين يوماً ، والمواعيد المنصوص عليها فى المادة هى من قبيل المواعيد التنظيمية لا يترتب البطلان على مخالفتها ، إلا أن التخلف عن القيام بإجراءات الصلح يترتب عليه بطلان الحكم حيث ورد النص بطبيعة الوجوب والإلزام ويجوز للمحكمة إثباتاً لبذلها الجهد للإصلاح بين الزوجين إعمالاً لحكم المادة 18 السالفة الذكر أن تنتدب أخصائياً إجتماعياً أو أكثر لتقديم تقرير عن الحال المعروض عليها أو عن مسألة فيها على أن تحدد أجلاً لتقديم التقرير لا يزيد على أسبوعين وذلك إعمالاً لحكم الفقرة الثانية من المادة الرابعة من القانون المذكور .
وقد ثار الخلاف بالنسبة للإفراج عن الزوج المسجون أثناء نظر الدعوى أى بعد إنقضاء السنة الواجب إنتهائها لجواز رفع الدعوى وقبل إنقضاء السنوات الثلاث المحكوم بها ضد الزوج فذهب البعض إلى أن الضرر يكون فى هذه الحالة قد إرتفع مما يتعين معه الحكم برفض الدعوى خاصة وقد تخلف شرط كون العقوبة ثلاث سنوات ذلك أن تحقق الضرر رهين ببقاء الزوج لثلاث سنوات سجيناً فإذا انقضى هذا الشرط إرتفع الضرر ووجب الحكم برفض الدعوى .
الإفراج عن المسجون أثناء نظر الدعوى :
بينما ذهب البعض الآخر إلى أن حق الزوجة فى الطلاق تأكد بإستيفاء الشروط وأن الضرر قد وقع بها فعلاً يجبه الإفراج وإطلاق سراح الزوج قبل إستيفاء مدة الثلاث سنوات المحكوم بها ضده خاصة وأن المشرع قد إفترض تحقق الضرر من حبس الزوج مدة أقصاها ثلاث سنوات فالمشرع إعتبر الحبس قرينة على الضرر مما يتعين معه الإستمرار فى نظر الدعوى والحكم فيها طبقاً لما تقدمه المدعية من أسانيد للإثبات .
ونحن نميل إلى تأييد الراى الثانى وخاصة أن المقرر أن الفرقة فى الحبس هى بسبب الضرر الواقع بالفعل وليس للضرر المتوقع وأن قياسها على التطليق لضرر الهجر تتأتى معه نفس النتيجة إذ لو عاد الزوج الغائب بعد رفع الدعوى بالتطليق فإن ذلك لايسقط حق الزوجة فى التطليق جبراً لما أصابها من ضرر تحقق بالهجر فضلاً عن أن المشرع لو أخذنا بالرأى الأول لما ظهرت الحاجة لنص المادة 14 برمته .
وغنى عن البيان تقرير حق المدعية فى أن تعدل طلباتها من الطلاق بسبب السجن إلى الطلاق بسبب الضرر أو الغياب وهكذا إعمالاً لقاعدة جواز تغيير سبب الطلب دون محله .
كما ثار التساؤل حول إنطباق النص بالنسبة للمعتقل الذى يقبض عليه ويحبس لمدة غير محددة بغير حكم قضائى ، وهل يقاس على الحبس المحكوم به قضت بعض المحاكم بتطليق زوجة المعتقل الذى زادت مدة إعتقاله على ثلاث سنوات إستناداً إلى توافر العلة التى دعت الشارع إلى طلاق زوجة الغائب أو زوجة المحبوس ، وهى رفع الضرر عن الزوجة التى إبتعد عنها زوجها مدة طويلة تزيد على سنة أياً كان السبب الذى أدى إلى بعده وجعل من هذا البعد قرينة على تحقق الضرر ووقوعه على الزوجة وهى قرينة غير قابلة لإثبات العكس .
إلا أن البعض ينتقد الرأي السابق ، إذ أقيم على دعامتين ، هما غيبة الزوج المنصوص عليها فى المادة 12 من القانون 25 لسنة 1929 وحبسه المنصوص عليه فى المادة 14 من القانون المذكور ، وهما دعامتين غير سليمتين إذ أن الزوج المعتقل لم يغب عن زوجته ، وإنما أُبعد عنها ، ولا حيلة له فى هذا الإبعاد ، لأنه أمر خارج عن إرادته ولا دخل له فيه ، فإن غيابه كان إذن بعذر مقبول ، والإعتقال ليس غياباً فى المادة 12 بدليل ما ورد فى المادة 13 من نفس القانون ، من أنه إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضى أجلاً واعذر إليه ، بأن يطلقها إن لم يحضر للإقامة مع زوجته . كما لم يكن فى مكنته أن ينقلها معه وهو معتقل ، وهذا مع إمكان ورود الرسائل إليه والمادتان متلازمتان يفيدان عدم إعتبار المعتقل غائباً .
مدى إنطباق النص بالنسبة للمعتقل :
ونحن نرى أن المادة 14 من القانون 25 لسنة 1929 جاءت مقيدة بقيود يجب مراعاتها ، ولا يجوز القياس عليها سيما إذا روعى أن مذهب الحنفية ليس به نص على طلاق زوجة الغائب وقد أخذ حكم المادة 14 من مذهب المالكية ، ولكن ليس معنى هذا أن يباح تطبيق مذهب مالك بكل ما فيه وإنما يقتصر على ما جاء به الحكم الموضوعى ، والمعتقل لم يحكم عليه بحكم نهائى بالحبس مدة ثلاث سنين فأكثر ، كما أن أمر الإعتقال لا يحدد فيه مدة ما فيكون من الممكن الإفراج عن الزوج فى أى وقت والمشرع أعطى لزوجة المحكوم عليه نهائياً بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر الحق فى أن تطلب التطليق عليه لأنه يكون فى موضع تقديرها أن زوجها لن يعود إليها قبل مضى ثلاث سنين وأعطاها الحق فى طلب التطليق بعد مضى سنة على غيبته ، حتى يتحقق الإنسجام بين المادتين 12 و14 من القانون ولهذا كله لا يمكن أن تنطوى حالة إعتقال الزوج بأمر السلطات الإدارية تحت حكم المادة 14 من القانون 25 لسنة 1929، والقول بأن الحكمة التى أجيز التطليق من أجلها فى المادتين 12 و14 من القانون 25 لسنة 1929، متحققة فى حالة زوجة المعتقل خاصة وأن من القواعد الأصولية أن لا إجتهاد مع النص سيما إذا كان النص واضحاً لأن المناط هو الضرر وقد تحقق الضرر وهذا القول إجتهاد فى مقابلة نص ومن القواعد الأصولية أن لا إجتهاد مع النص خاصة إذا كان النص صريحاً لا يحتمل التأويل أو التفسير .
والخلاصــة
أن الرأى قد استقر على عدم إنطباق نص المادة 14 بالنسبة للمعتقل لتخلف شروط تطبيقها بالنسبة لحالته إذ لم يصدر ضده حكماً لمدة ثلاث سنوات .
ويجدر التنويه إلى أن على الزوجة أن تقدم تأييداً لدعواها بطلب الطلاق للحبس بالمادة 14 المستندات التالية :
1-الوثيقة الرسمية الدالة على قيام الزوجية .
2-الحكم الجنائى الصادر بحبس الزوج .
3-شهادة بنهائية الحكم المذكور .
4-شهادة من السجن ببدء تنفيذ الزوج للعقوبة وتاريخ ذلك .
والطلاق الذى يوقعه القاضى بسبب الحبس يقع بـه طلقة بائنة بإعتباره طلاق للضرر . نقض أحوال جلسة 13/ 6/ 1979 – ص 650 – س 30
مدى حق زوجة المحكوم بإعدامه في طلب التطليق :
وإذا صدر ضد الزوج حكماً بإعدامه فإن مقتضى ذلك الحكم أن إبتعاد الزوج عن الزوجة يمتد لأكثر من الثلاث سنوات المنصوص عليها فى المادة بإعتبارها المدة التى إفترض المشرع أن إبتعاد الزوج عن الزوجة خلالها وراء أسوار السجون يلحق بها الضرر المنهى عنه شرعاً وذلك إعمالاً لروح النص والحكمة من إصداره إلا أننا نرى وجوب إنتظار الزوجة مدة السنة التالية لصدور الحكم بالإعدام حتى يكون لها إقامة الدعوى بطلب التطليق خاصة وإن إجراءات تنفيذ الحكم قد تستغرق مدة تتجاوز الثلاث سنوات المنصوص عليها بصدر المادة .موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الثاني ، الصفحة : 29.
التطليق لحبس الزوج
آراء المذاهب الفقهية في التطليق للحبس والمصدر التشريعي للمادة :
يذهب الأحناف والشافعية إلى أنه لا يجوز تطليق الزوجة لحبس زوجها مهما طالت مدة الحبس.
والمالكية والحنابلة الذين يرون التفريق لغيبة الزوج لم يصرحوا بالتفريق لحبس الزوج.
ولم يصرح بذلك إلا إبن تيمية من الحنابلة في فتاويه حيث يقول في باب عشرة النساء «القول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما مما يتعذر إنتفاع إمرأته به إذا طلبت فرقته كالقول في امرأة المفقود».
ولكن المذهب المالكي صرح بأن لزوجة الأسير الحق في طلب التفريق لأن مناط التفريق عندهم هو بعد الزوج عن زوجته سواء كان بإختياره أو قهراً عنه كما في الأسير لأن الضرر يلحق الزوجة من هذا البعد، وهذا المعنى متحقق في زوجة المحبوس.
وقد صرحت المذكرة الإيضاحية للقانون بأن مذهب مالك هو المصدر التشريعي لحكم المادة إذ جاء بها ما يأتي:
وقد يقترف الزوج من الجرائم ما يستحق عقوبة السجن الطويل فتقع الزوجة في مثل ما وقعت فيه زوجة الغائب وليس في أحكام مذهب أبي حنيفة ما تعالج به هذه الحالة ومعالجتها واجب إجتماعی محتم. ومذهب الإمام مالك يجيز التطليق على الغائب الذي يترك لزوجته ما تنفق منه على نفسها.......... والزوج الذي حكم عليه نهائياً بالسجن ثلاث سنوات فأكثر يساوي الغائب الذي طالت غيبته سنة فأكثر في تضرر زوجته من بعده عنها كما يساوي الأسير في ذلك فيجوز لزوجته طلب التطليق عليه بعد سنة من سجنه إذا تضررت من بعده عنها كزوجة الغائب والأسير لأن المناط في ذلك تضرر الزوجة من بعد الزوج عنها ولا دخل لكون البعد بإختياره أو قهراً عنه بدليل النص على أن لزوجة الأسير حق طلب التطليق إذا تضررت من بعد زوجها عنها».
شروط التطليق لحبس الزوج: .
يشترط للقضاء بتطليق الزوجة لحبس الزوج توافر الشروط الآتية:
1- الحكم على الزوج بعقوبة سالبة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر:
والعقوبة السالبة للحرية تكون إما السجن المؤبد أو السجن المشدد (عقوبة جناية أو الحبس (عقوبة جنحة).
ويجب ألا تقل العقوبة عن مدة ثلاث سنوات ويستوي أن يصدر الحكم من محكمة عادية أو محكمة عسكرية أو محكمة إستثنائية.
ولم تبين المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون الحكمة في تحديده أدني مدة الحبس بثلاث سنوات، وربما يقال في هذه الحكمة أن مدة ثلاث سنوات مدة طويلة لا تطيق الزوجة مع محافظتها على العفة والشرف - في الأعم الأغلب - إنتظار كل هذه المدة وهي تترقب عودة زوجها بعد إنقضائها.
أما تنفيذ حكم الغرامة بطريق الإكراه البدني طبقاً لنص المادة (507) من قانون الإجراءات الجنائية فلا يتوافر معه هذا الشرط.
۲- أن يكون الحكم الصادر ضد الزوج نهائياً :
والمقصود بالحكم النهائي الحكم البات، والحكم البات هو الذي لا يقبل الطعن فيه بطرق الطعن العادية (المعارضة والإستئناف) وبالنقض، وذلك إما لفوات ميعاد الطعن أو بإستفاده.
إلا أن محكمة النقض ذهبت في حكم حديث لها إلى أنه يكفي أن يكون قد الحكم نهائياً - وليس باتاً - إذ قضت بتاريخ 1998/12/28 في الطعن رقم 480 لسنة 64 ق - أحوال شخصية - بأن: «النص في المادة 14 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على أنه: «......» يدل على ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية - على أن الزوج الذي حكم عليه نهائياً بالسجن ثلاث سنين فأكثر يتساوى مع الغائب الذي طالت غيبته سنة فأكثر في تضرر زوجته فيجوز لها طلب التطليق عليه بعد مضي سنة من سجنه إذا تضررت من بعده عنها كزوجة الغائب والأسير لأن المناط في ذلك تضرر الزوجة، ويشترط لقبول الدعوى مضي سنة من تاريخ البدء في تنفيذ الزوج للعقوبة المقيدة للحرية سواء كانت هذه العقوبة صادرة في جناية أو جنحة إذ أن إختلاف الوصف القانوني للجريمة التي إقترفها لا يترتب عليه إختلاف الضرر الناجم عن تقييد حريته وحرمان الزوجة من حقوقها الشرعية وتضررها من بعده عنها، ولم يتطلب النص المذكور أن يكون الحكم الجنائي باتاً بإستنفاد طرق الطعن غير العادية أو بفوات مواعيدها، مكتفياً بصيرورته نهائياً لا يقبل الطعن بالطرق العادية، إذ أن الأصل في الأحكام الصادرة من المحاكم الجنائية أنها واجبة التنفيذ متى صارت نهائياً عملاً بالمادة 460 من قانون الإجراءات الجنائية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك فينفذ الحكم الجنائي متى صار نهائياً بألا يكون قابلاً للمعارضة أو الإستئناف ولو كان قابلاً للطعن بالنقض أو طعن فيه بالنقض بالفعل».
3- أن تمضي سنة على تنفيذ الحكم :
يجب أن يكون الحكم قد نفذ علي الزوج ، أما إذا كان الحكم لم ينفذ عليه كما لو كان هارباً ، فلا يجوز للزوجة طلب التطليق .
ويجب أن تمضى علي بدء تنفيذ الحكم مدة سنة على الأقل .
إشترط النص مضي سنة على الأقل من تاريخ بدء تنفيذ حكم الحبس حتى تكون الزوجة قد لحقها شيء من الضرر الفعلي الذي بني عليه التطليق.
وإذا رفعت الدعوی قبل إنقضاء مدة سنة على البدء في تنفيذ الحكم، كانت الدعوى غير مقبولة لرفعها قبل الأوان.
وتحسب مدة السنة طبقاً للتقويم الميلادي أي بإعتبار السنة 365 يوماً عملاً بالمادة 23 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 التي تجري على أن المراد بالسنة في المواد من 12 إلى 18 هي السنة التي عدد أيامها 365 يوماً».
ويحكم القاضي بالتطليق ولو كان الزوج قد ترك لها ما لا تستطيع الإنفاق منه لأن التطليق في هذه الحالة للضرر وليس لعدم الإنفاق.
الإفراج عن الزوج المحبوس قبل الحكم في الدعوى:
إذا أفرج عن الزوج أثناء نظر دعوى التطليق قبل إنقضاء مدة ثلاث سنوات المحكوم بها عليه، فإن الدعوى تكون قد فقدت أحد شروطها، لأن مجرد الحكم عليه بمدة ثلاث سنوات على الأقل ليس مقصوداً بذاته ولأنه لا يتحقق به وحده الضرر بالزوجة، وإنما يتحقق الضرر بتنفيذ الزوج العقوبة السالبة للحرية طوال هذه المدة، لأن إنتظار الزوجة طوال هذه الفترة وهي تترقب عودة زوجها بعد إنقضاء تنفيذ العقوبة مع محافظتها على العفة والشرف يفوق طاقتها البشرية في الأعم الأغلب .
وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون أن:
«والزوج الذي حكم عليه نهائياً بالسجن ثلاث سنين فأكثر يساوي الغائب الذي طالت غيبته سنة فأكثر في تضرر الزوجة من بعده عنها». أما إنقضاء مدة سنة على تنفيذ الحكم فهو شرط لقبول الدعوى، ورفع الدعوى ليس قرينة على تحقق الضرر المقصود من النص.
ومن ثم يتعين على المحكمة في هذه الحالة أن تقضي برفض دعوى التطليق.
- إعتقال الزوج ومدى حق الزوجة في طلب التطليق :
ثار التساؤل عن مدى إنطباق نص المادة 14 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على الزوج الذي يعتقل بناء على أمر من سلطات الطوارئ وهل يقاس الإعتقال على الحبس تنفيذا لعقوبة محكوم بها؟.
فقد قضت بعض المحاكم بتطليق زوجة المعتقل الذي زادت مدة إعتقاله على ثلاث سنين إستناداً إلى العلة التي دعت الشارع إلى طلاق زوجة الغائب أو زوجة المحبوس وهي حماية الزوجة من الضرر وذلك بالنسبة للزوجة التي بعد عنها زوجها مدة طويلة تزيد على سنة أياً كان السبب الذي أدى إلى بعده وجعل من هذا البعد قرينة على تحقق الضرر ووقوعه، وهي قرينة غير قابلة لإثبات العكس، وطبقت المحاكم المادتين 12 ، 14 من القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹.
وذهب رأى بأن القضاء السابق خاطئ ومخالف للقانون، إذ أقيم على دعامتين هما غيبة الزوج (مادة 12) وحبسه (مادة 14). وهما دعامتان غیر سليمتين إذ المعتقل لم يغب عن زوجته - وإنما أبعد عنها، ولا حيلة له في هذا الإبعاد، لأنه أمر خارج عن إرادته، ولا دخل له فيه، فغيابه كان بعذر مقبول - مما يمنع تطبيق المادة (۱۲) - والاعتقال ليس غياباً في حكم هذه المادة بدليل ما ورد في المادة ۱۳ من أنه إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضی أجلاً وأعذر إليه بأن يطلقها إن لم يحضر للإقامة مع زوجته، كما لم يكن في مكنته أن ينقلها معه وهو معتقل، وتلازمهما يفيد عدم إعتبار المعتقل غائباً والمادة 14 جاءت مقيدة بقيود يجب مراعاتها والتمسك بها ولا يجوز القياس عليها والتزيد في تطبيقها سيما إذا روعي أن مذهب الحنفية ليس به نص على طلاق زوجة الغائب وقد أخذ حكم المادة 14 من مذهب المالكية، ولكن ليس معنى هذا أن يباح تطبيق مذهب مالك بكل ما فيه، وجميع ما جاء به وإنما يقتصر على مورد النص، وكما جاء به الحكم الموضوعي، والمعتقل لم يحكم عليه (طبقاً للمادة 14) كما أن أمر الإعتقال لم يحدد فيه مدة ما. فيكون من الممكن الإفراج عن الزوج في أي وقت، والمشرع أعطى لزوجة المحكوم عليه نهائياً بعقوبة سالبة للحرية ثلاث سنين فأكثر الحق في طلب التطليق عليه لأنه يكون أمام عينها، وفي موضوع تقديرها أن زوجها لن يعود إليها قبل مضى ثلاث سنين، وأعطى الحق في طلب التفريق بعد مضي سنة على حبسه حتی يتحقق الإنسجام بين المادتين 12 ، 14 من القانون ولهذا كله لا يمكن أن تنطوي حالة إعتقال الزوج بأمر السلطات الإدارية تحت حكم المادة 14، والقول بأن الحكمة التي أجيز التطليق من أجلها في المادتين 12 ، 14 متحققة في حالة زوجة المعتقل - ومن القواعد الأصولية أنه لا إجتهاد مع النص سيما إذا كان النص واضحاً - لأن المناط هو الضرر، وقد تحقق الضرر - هذا القول إجتهاد في مقابلة النص، والنص صريح لا يحتمل التأويل.
وعندنا أن المادة 14 واجبة التطبيق على الزوج المعتقل الذي قضى في معتقله مدة ثلاث سنوات على الأقل، وأن للزوجة رفع دعوى تطليق بعد إنقضاء هذه المدة، لأن العلة التي دعت الشارع إلى تطليق زوجة المحبوس وهي حماية الزوجة من الضرر متوافرة في حالات الإعتقال لأن مناط الضرر في المادة 14 هو قضاء الزوج ثلاث سنوات محبوساً، فالمادة قد اشترطت لسريان حكمها الحكم على الزوج نهائياً بعقوبة سالبة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر، فهی تستهدف من ذلك أن يظل الزوج محبوساً لمدة ثلاث سنوات على الأقل، إذ بحبس الزوج هذه المدة يكون الضرر قد وقع على الزوجة، لما ذكرناه سلفاً من أن إنتظار الزوجة طوال هذه الفترة وهي تترقب عودة زوجها مع محافظتها على العفة والشرف يفوق طاقتها البشرية في الأعم الأغلب.
وقد تحقق هذا الهدف بقضاء الزوج المعتقل هذه المدة في معتقله، فلا يغير من الأمر شيئاً أن يكون سلب حرية الزوج بموجب حكم نهائي أو أمر إعتقال صادر من سلطة الطوارئ طالما قضى الزوج هذه المدة مسلوب الحرية بالفعل، وهو مناط وقوع الضرر بالزوجة.
ولكون أمر الإعتقال لا تحدد فيه مدة الإعتقال، فقد رأينا أن ترفع دعوى التطليق بعد إنقضاء مدة ثلاث سنوات على الأقل من تنفيذ الإعتقال، لا بعد مضى سنة على تنفيذه.
إثبات الدعوى :
يمكن للزوجة إثبات دعواها بالتطليق لحبس الزوج بتقديم المستندات الآتية:
١- الوثيقة الرسمية لعقد زواجها من المدعى عليه.
۲- صورة رسمية من الحكم الصادر بمعاقبة الزوج بعقوبة سالبة للحرية مدتها ثلاث سنين على الأقل.
3- شهادة من جدول المحكمة تفيد صيرورة الحكم المذكور سلفاً باتاً (نهائياً طبقاً لقضاء محكمة النقض - أو تقديم صورة رسمية من الأحكام الدالة على ذلك.
4- شهادة من السجن تفيد أن الزوج بدأ في تنفيذ العقوبة المقضي بها نهائياً وتاريخ ذلك. موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 469
رأي الفقه
الحنفية : لا يجيزون التطليق للحبس، كما لا يجيزونه بسب الغيبة بعذر أو بغیر عذر .
الحنابلة: يرى البعض منهم أن إمرأة الأسير والمحبوس ونحوها من كل شخص يتعذر علي زوجته أن تنتفع به لها أن تطلب التفريق بينهما وبينه .
ولقد منع الأئمة الثلاثة التطليق لحبس الزوج لأنه أمر عارض خارج عن إرادته .
المذكرة الإيضاحية
لقد كان العمل جارياً في مصر قبل صدور القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على مذهب أبي حنيفة الذي لا يجيز التطليق للحبس إلا أنه بعد صدور هذا القانون عدل المشرع وأجاز التطليق للحبس.
وجاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون أن الزوج الذي حكم عليه نهائياً بالسجن ثلاث سنين فأكثر يساوي الغائب الذي طالت غيبته سنة فأكثر في تضرر زوجته من بعده عنها ، كما يساوي الأسير في ذلك فيجوز لزوجته طلب التطليق عليه بعد سنة من سجنه إذا تضررت من بعده عنها لزوجه الغائب والأسير لأن المناط في ذلك تضرر الزوجة من بعد الزوج عنها ولا دخل لكون البعد بإختياره أو قهراً عنه بدليل النص علي أنه لزوجة الأسير حق طلب التطليق إذا تضررت من بعد زوجها عنها .
وقد اشترطت المادة الرابعة عشر شروطاً للحكم الزوجة بالتطليق علي زوجها المحبوس هي :
أولاً : أن يكون الزوج قد صدر عليه حكم بالحبس مدة ثلاث سنين ، لتيأس الزوجة من عودة زوجها عودة قريبة وهنا يتحقق الضرر ، فإذا حكم علي الزوج بأقل لا تقبل الدعوى .
ثانياً: أن يكون الحكم نهائياً فإذا كان الحكم غير نهائي فلا تقبل الدعوى، لأن الحكم قابل للطعن عليه بإحدى الطرق القانونية فلم يصبح بعد نهائياً، دون أن يتطلب أن يكون حكماً باتاً.
ثالثاً : أن يكون الزوج قد أمضي سنة في الحبس فأكثر وإشتراط فوات تلك المدة حتى تستوحش فيها الزوجة وتتضرر فعلاً ، لأن الفرقة للحبس للضرر الواقع فعلاً وليست للضرر المتوقع ، لذلك فلا يجوز رفع دعوى الطلاق قبل مضي سنة .
والتطليق في هذه الدعوى يقع طالما تحققت شروطه دون أعذار أو ضرب أجل لعدم الجدوى من ذلك ، لأن الضرر تحقق فعلاً ولا يملك الزوج دفعه لأنه مقيد الحرية ، والطلاق الواقع في تلك الحالة يعد طلاقاً بائناً .
وللزوجة الحق في طلب الطلاق إذا توافرت تلك الشروط سالفة الذكر حتى ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه ، لأن ترك الزوجة علي هذا الحال زمناً طويلاً مع محافظتها على العفة والشرف أمر لا تحتمله الطبيعة في الأعم الأغلب وأنها قد تخشى على نفسها من الفتنة وهي في ريعان شبابها .
الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 442
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 66
التَّفْرِيقُ لِلْحَبْسِ:
- إِذَا حُبِسَ الزَّوْجُ مُدَّةً عَنْ زَوْجَتِهِ، فَهَلْ لِزَوْجَتِهِ طَلَبُ التَّفْرِيقِ كَالْغَائِبِ؟
الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ عَلَى الْمَحْبُوسِ مُطْلَقًا، مَهْمَا طَالَتْ مُدَّةُ حَبْسِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ سَبَبُ حَبْسِهِ أَوْ مَكَانِهِ مَعْرُوفَيْنِ أَمْ لاَ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَلأِنَّهُ غَائِبٌ مَعْلُومُ الْحَيَاةِ، وَهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِالتَّفْرِيقِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَلأِنَّ غِيَابَهُ لِعُذْرٍ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّفْرِيقِ عَلَى الْمَحْبُوسِ إِذَا طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ وَادَّعَتْ الضَّرَرَ، وَذَلِكَ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ حَبْسِهِ، لأِنَّ الْحَبْسَ غِيَابٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّفْرِيقِ لِلْغَيْبَةِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ، كَمَا يَقُولُونَ بِهَا مَعَ الْعُذْرِ عَلَى سَوَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثاني والثلاثون ، الصفحة / 107
فُرْقَةٌ
التَّعْرِيفُ:
- الْفُرْقَةُ - بِضَمِّ الْفَاءِ - اسْمٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: الْمُبَايَنَةُ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْفَرْقِ بِمَعْنَى الْفَصْلِ، يُقَالُ: فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَرْقًا وَفُرْقَانًا: فَصَلَ بَيْنَهُمَا، وَافْتَرَقَ الْقَوْمُ فُرْقَةً: ضِدُّ اجْتَمَعُوا. وَالْفِرْقَةُ - بِالْكَسْرِ - جَمَاعَةٌ مُنْفَرِدَةٌ مِنَ النَّاسِ
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا انْحِلاَلَ رَابِطَةِ الزَّوَاجِ، وَالْفَصْلَ وَالْمُبَايَنَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِطَلاَقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ.
الأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الطَّلاَقُ:
- الطَّلاَقُ لُغَةً: الْحَلُّ وَرَفْعُ الْقَيْدِ، يُقَالُ: طَلُقَتِ الْمَرْأَةُ وَأُطْلِقَتْ: سُرِّحَتْ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَالْفُرْقَةِ هِيَ أَنَّ الطَّلاَقَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُرْقَةِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الطَّلاَقِ لأِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فَسْخًا.
ب - الْخُلْعُ:
- الْخَلْعُ - بِالْفَتْحِ - مَصْدَرٌ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: النَّزْعُ وَالإِْزَالَةُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْخُلْعُ - بِالضَّمِّ -: فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ بِلَفْظِ طَلاَقٍ، أَوْ خُلْعٍ.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْخُلْعِ وَبَيْنَ الْفُرْقَةِ هِيَ أَنَّ الْخُلْعَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُرْقَةِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الْخُلْعِ.
ج - الْفَسْخُ:
- الْفَسْخُ لُغَةً: النَّقْضُ وَالإِْزَالَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ حَلُّ رَابِطَةِ الْعَقْدِ، وَبِهِ تَنْهَدِمُ آثَارُ الْعَقْدِ وَأَحْكَامُهُ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفُرْقَةِ وَالْفَسْخِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ مِنْ وَجْهٍ، فَيَجْتَمِعَانِ فِي فَسْخِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الْفَسْخِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا كَمَا فِي الْفُرْقَةِ بِالطَّلاَقِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفُرْقَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَالْفَسْخِ فِي عُقُودِ الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس عشر ، الصفحة / 282
حَبْسٌ
التَّعْرِيف:
الْحَبْسُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ وَالإِْمْسَاكُ، مَصْدَرُ حَبَسَ. وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَجَمْعُهُ حُبُوسٌ (بِضَمِّ الْحَاءِ). وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَحْبُوسٌ وَحَبِيسٌ، وَلِلْجَمَاعَةِ: مَحْبُوسُونَ وَحُبُسٌ (بِضَمَّتَيْنِ)، وَلِلْمَرْأَةِ: حَبِيسَةٌ: وَلِلْجَمْعِ: حَبَائِسُ، وَلِمَنْ يَقَعُ مِنْهُ الْحَبْسُ: حَابِسٌ
أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَالْحَبْسُ هُوَ: تَعْوِيقُ الشَّخْصِ وَمَنْعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ وَالْخُرُوجِ إِلَى أَشْغَالِهِ وَمُهِمَّاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالاِجْتِمَاعِيَّةِ وَلَيْسَ مِنْ لَوَازِمِهِ الْجَعْلُ فِي بُنْيَانٍ خَاصٍّ مُعَدٍّ لِذَلِكَ، بَلِ الرَّبْطُ بِالشَّجَرَةِ حَبْسٌ، وَالْجَعْلُ فِي الْبَيْتِ أَوِ الْمَسْجِدِ حَبْسٌ وَقَدْ أَفْرَدَ الْحُكَّامُ
الْمُسْلِمُونَ أَبْنِيَةً خَاصَّةً لِلْحَبْسِ وَعَدُّوا ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ
وَبِمَعْنَى الْحَبْسِ السَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ مَصْدَرُ سَجَنَ. أَمَّا بِكَسْرِ السِّينِ فَهُوَ مَكَانُ الْحَبْسِ، وَالْجَمْعُ سُجُونٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: ( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ قُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَبِكَسْرِهَا عَلَى الْمَكَانِ، وَالأَْشْهَرُ الْكَسْرُ
وَبِمَعْنَى الْحَبْسِ أَيْضًا الاِعْتِقَالُ. يُقَالُ اعْتَقَلْتُ الرَّجُلَ: حَبَسْتُهُ، وَاعْتُقِلَ لِسَانُهُ إِذَا حُبِسَ وَمُنِعَ مِنَ الْكَلاَمِ .
مَشْرُوعِيَّةُ الْحَبْسِ :
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ لِلنُّصُوصِ وَالْوَقَائِعِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْجُنْ أَحَدًا وَاسْتَدَلَّ الْمُثْبِتُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)
وَلِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ فِي نَسْخِ هَذِهِ الآْيَةِ، مِنْهَا: أَنَّ الْحَبْسَ نُسِخَ فِي الزِّنَى فَقَطْ بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ وَبَقِيَ مَشْرُوعًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ) وَبِقَوْلِهِ أَيْضًا: ( تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) فَفِي هَذِهِ الآْيَةِ إِرْشَادٌ إِلَى حَبْسِ مَنْ تَوَجَّبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ .
وَالآْيَةُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ لِعَمَلِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ بِهَا فِي الْكُوفَةِ زَمَنَ إِمَارَتِهِ وَفِي الْحَبْسِ جَاءَ قوله تعالى: ( وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ) وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ الْحَصْرَ هُوَ الْحَبْسُ، وَالآْيَةُ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، وَإِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الأَْسْرِ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ بَلْ إِنَّ الأَْسِيرَ يُسَمَّى مَسْجُونًا.
وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) وَهِيَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَفِيهَا الأَْمْرُ بِتَقْيِيدِ الأَْسِيرِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَحْبُوسٌ وَمَسْجُونٌ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ فِي السُّنَّةِ حَدِيثُ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» وَيُقْصَدُ بِحِلِّ الْعِرْضِ: إِغْلاَظُ الْقَوْلِ وَالشِّكَايَةُ، وَبِالْعُقُوبَةِ: الْحَبْسُ. وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ السَّلَفِ مِنْهُمْ: سُفْيَانُ وَوَكِيعٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ الآْخَرُ، فَيُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ» وَبِنَحْوِهِ قَضَى عَلِيٌّ رضي الله عنه حِينَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ وَحَبْسِ الْمُمْسِكِ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ وَيُعْرَفُ هَذَا بِالْقَتْلِ صَبْرًا أَيِ الْحَبْسِ حَتَّى الْمَوْتِ، وَبِهِ عَمِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ وَصَبْرِ الصَّابِرِ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ رَجُلاً فِي تُهَمَةٍ»، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْحَبْسِ وَلَوْ بِتُهْمَةٍ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ أَحَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ غِفَارٍ اتُّهِمَا بِسَرِقَةِ بَعِيرَيْنِ، وَقَالَ لِلآْخَرِ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ، فَذَهَبَ وَعَادَ بِهِمَا» .
وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ، وَقَدْ حَبَسَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْخُلَفَاءُ وَالْقُضَاةُ مِنْ بَعْدِهِمْ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ وَالأَْمْصَارِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا .
وَتَدْعُو الْحَاجَةُ - عَقْلاً - إِلَى إِقْرَارِ الْحَبْسِ، لِلْكَشْفِ عَنِ الْمُتَّهَمِ، وَلِكَفِّ أَهْلِ الْجَرَائِمِ الْمُنْتَهِكِينَ لِلْمَحَارِمِ، الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَيَعْتَادُونَ ذَلِكَ، أَوْ يُعْرَفُ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَرْتَكِبُوا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ .
تَمْكِينُ الْمَحْبُوسِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ :
لِلْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي تَمْكِينِ الْمَحْبُوسِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ:
الْقَوْلُ الأَْوَّلُ: لاَ يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي الْحَبْسِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَوْضِعٌ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَإِلاَّ مُنِعَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ قَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ فَكَذَا شَهْوَةُ الْفَرْجِ؛ إِذْ لاَ مُوجِبَ لِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي الْوَطْءِ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَصْلُحَ الْمَوْضِعُ سَكَنًا لِمِثْلِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ .
الْقَوْلُ الثَّانِي: يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ؛ لأَِنَّ مِنْ غَايَاتِ الْحَبْسِ إِدْخَالَ الضِّيقِ وَالضَّجَرِ عَلَى قَلْبِهِ لِرَدْعِهِ وَزَجْرِهِ، وَلاَ تَضْيِيقَ مَعَ تَمْكِينِهِ مِنَ اللَّذَّةِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّرَفُّهِ، وَالْوَطْءُ إِنَّمَا هُوَ لِذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَوَائِجِ الأَْصْلِيَّةِ كَالطَّعَامِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ الْمَحْبُوسَ لاَ يُمْنَعُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ فِي مَكَانٍ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِذَا حُبِسَ بِحَقِّهَا؛ لأَِنَّهَا إِذَا شَاءَتْ لَمْ تَحْبِسْهُ، فَلاَ تُفَوِّتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فِي الْوَطْءِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: الأَْصْلُ فِي وَطْءِ الْمَحْبُوسِ زَوْجَتَهُ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلاَ يُمْنَعُ مِنْهُ إِلاَّ إِذَا اقْتَضَتْ ذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ وَرَآهُ الْقَاضِي كَمَا لَوْ رَأَى مَنْعَهُ مِنْ مُحَادَثَةِ الأَْصْدِقَاءِ أَوْ قَفْلِ بَابِ الْحَبْسِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
احْتِسَابُ مُدَّةِ حَبْسِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ فِي الإِْيلاَءِ :
إِذَا آلَى الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَكَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ حُسِبَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ إِيلاَئِهِ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ وَلَيْسَتْ مِنْ جِهَتِهَا. وَإِنْ طَرَأَ الْحَبْسُ بَعْدَ الإِْيلاَءِ لَمْ تَنْقَطِعِ الْمُدَّةُ بَلْ تُحْسَبُ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .
أَمَّا إِذَا كَانَتْ زَوْجَةُ الْمُولِي مَحْبُوسَةً أَوْ طَرَأَ الْحَبْسُ عَلَيْهَا بَعْدَ الإِْيلاَءِ فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ، وَلاَ تُحْسَبُ مُدَّةُ الْحَبْسِ مِنْ مُهْلَةِ الأَْشْهُرِ الأَْرْبَعَةِ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ مِنْ جِهَتِهَا كَالْمَرِيضَةِ، وَتَسْتَأْنِفُ الْمُدَّةَ عِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ. وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ: إِنَّ الْحَبْسَ يُحْتَسَبُ كَالْحَيْضِ .
فَيْئَةُ الْمَحْبُوسِ مِنَ الإِْيلاَءِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَطْء:
الأَْصْلُ أَنْ تَحْصُلَ الْفَيْئَةُ مِنَ الإِْيلاَءِ بِالْوَطْءِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فَإِنْ كَانَ الْمُولِي مَحْبُوسًا وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَطْءُ فَفَيْئَتُهُ بِلِسَانِهِ كَأَنْ يَقُولَ: فِئْتُ إِلَيْهَا أَوْ مَتَى قَدَرْتُ فَعَلْتُهُ. يَعْنِي الْوَطْءَ.
وَإِذَا كَانَتِ الْمَحْبُوسَةُ زَوْجَتَهُ يَكُونُ الْفَيْءُ بِالْوَعْدِ بِلِسَانِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا زَالَ الْمَانِعُ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْمَحْبُوسُ مَظْلُومًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْخَلاَصِ وَإِلاَّ فَفَيْئَتُهُ بِالْوَطْءِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لاَ يَكُونُ الْفَيْءُ إِلاَّ بِالْجِمَاعِ فِي حَالِ الْعُذْرِ وَغَيْرِهِ.