لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شئ أو تركه لا غير.
لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شئ أو تركه لا غير.
موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع،
وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ عن المادة المذكورة ما يأتي:
«ينقسم الطلاق إلى منجز وهو ما قصد به إيقاع الطلاق فوراً وإلى مضاف كأنت طالق غدا وإلى يمين نحو على الطلاق لا أفعل كذا وإلى معلق كأن فعلت كذا فأنت طالق.
والمعلق إن كان غرض المتكلم به التخويف أو الحمل على فعل شيء أو ترکه وهو يكره حصول الطلاق ولا وطر له فيه كان في معنى اليمين بالطلاق. وإن كان يقصد به حصول الطلاق عند حصول الشرط لأنه لا يريد المقام مع زوجته عند حصوله لم يكن في معنى اليمين، واليمين في الطلاق وما في معناه الاغ أما باقي الأقسام فيقع فيها الطلاق.
وقد أخذ في إلغاء اليمين في الطلاق برأي متقدمي الحنفية وبعض متأخريهم وهذا موافق لرأي الإمام على وشريح وداود وأصحابه وطائفة من الشافعية والمالكية. وأخذ في إلغاء المعلق الذي في معنى اليمين برأي الإمام على وشريح وعطاء والحكم بن عتيبة وداود وأصحابه وابن حزم وقد وضعت المادة «۲» من مشروع القانون متضمنة أحكام هذه الأقسام».
وبذلك يكون المرسوم بقانون المذكور قد عدل عن مذهب الحنفية الذي كان معمولاً به من قبل والذي يتفق مع رأى الجمهور الذي أوضحناه سلفاً، وقد حدا الشارع إلى ذلك - على ما جاء بالمذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون - أن الدين و الإسلامي مع إباحته الطلاق قد ضيق دائرته وجعل هذه الإباحة مقصورة على الحالات التي لا يمكن فيها للزوجين أو أحدهما إقامة حدود الله ولو أن الناس الزموا حدود الله وابتغوا شريعته لما وقعت شكوى من قواعد الطلاق ولبقيت العائلة الإسلامية متينة العري يرفرف عليها البناء ولكن ضعف الأخلاق وتراخي عرى المروءات أوجد في العائلة الإسلامية وهنا وجعل هناءها يزول بنزقة من طيش ويمين يحلفها الأحمق في ساعة غضبه أو للتخلص من موقفه …. ظالم والمرأة المسلمة مهددة على الدوام بالطلاق لا تدري متى …. وقد لا يدرى الرجل نفسه متى يحصل فإن الحالف بالطلاق والمعلق على شيء من الأشياء التي يفعلها أجنبي لا يدري متى تطلق امرأته فسعادة الزوحين والأولاد والأسرة قد ترتبط بعمل من الأعمال الخارجة عن إرادة رب الأسرة وعن إرادة سيد الأسرة.
وكثيراً من هذا سببه آراء جمهور الفقهاء الذين يوقعون الطلاق المعلق واليمين بالطلاق والطلاق الثلاث بكلمة واحدة ويوقعون المعلق قبل الزواج إذا علق علي الزواج نفسه كما هو رأي الحنفية. وهذه الآراء كانت منبع شقاء العائلة وكانت سبباً في تلمس الحيل وافتنان الفقهاء في إبتداع أنواعها ومن الواجب حماية الشريعة المطهرة وحماية الناس من الخروج عليها وقد تكفلت بسعادة الناس دنيا وأخرى وأنها بأصولها تسع الأمم في جميع الأزمنة والأمكنة متی فهمت على حقيقتها وطبقت على بصيرة وهدى.
ومن السياسة الشرعية أن يفتح للجمهور باب الرحمة من الشريعة نفسها و يرجع إلى آراء العلماء لتعالج الأمراض الإجتماعية كلما استعصى مرض منها حتى يشعر الناس بأن في الشريعة مخرجاً من الضيق وفرجاً من الشدة.
ولهذا فكرت الوزارة في تضييق دائرة الطلاق بما يتفق مع أصول الدين وقواعده ويوافق أقوال الأئمة وأهل الفقه فيه ولو من غير أهل المذاهب الأربعة ووضعت مشروع القانون بما يتفق مع ذلك. وليس هناك مانع شرعي من الأخذ قول لفقهاء من غير المذاهب الأربعة خصوصاً إذا كان الأخذ بأقوالهم يؤدي إلى جلب صالح عام أو رفع ضرر عام بناء على ما هو الحق من آراء علماء أصول الفقه.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن :
- «اطلعنا على هذا السؤال. ونفيد أن الزوجة المذكورة صارت بائنة من زوجها بينونة كبرى فلا تحل له حتى تتزوج بزوج أخر زواجاً صحيحاً ويدخل ….حقيقياً ثم يطلقها أو يموت عنها وتنقضي عدتها منه هذا والصيغة الثانية وإن کانت من قبيل الطلاق المعلق فإنه لم ينص قانون المحاكم الشرعية رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على عدم الوقوع بها لأنه إنما نص على عدم الوقوع بالطلاق المعلق الذي قصد به مجرد الحمل على فعل شيء أو ترکه وهذا ليس منه. وبهذا علم الجواب عن السؤال حيث كان الحال كما ذكر والله أعلم»..
(فتوی صادرة بتاريخ 15 / 11 / 1944)
۲- «الصيغة الواردة بالسؤال من صيغ تعليق الطلاق بلفظ كلما واليمين المعلق يرجع فيه إلى نية الحالف طبقاً للمادة الثانية من القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹. فإن أراد بها الحمل على عدم التزوج بمطلقته مرة أخرى فقط وهو لا يريد طلاقها إذا عادت إلى عصمته مرة أخرى بعد طلاقها من الزوج الأخر كان تعليقاً في معنى اليمين ولا يقع به طلاق إذا عادت إلى عصمته.
وأما إذا كان غرضه الطلاق إذا تزوجها مرة أخرى فإنه بمجرد زواجها تطلق منه، لأن الصيغة التي تلفظ بها مسبوقة بلفظ كلما ودخلت على التزوج، فكلما وجد التزوج وجد ملك الطلاق وتبعه الطلاق. جاء في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار (وفي ألفاظ الشرط كلها تنحل أي تبطل اليمين ببطلان التعليق إذا وجد الشرط مرة إلا في كلما فإنه ينحل بعد الثلاث، لإقتضائها عموم الأفعال كإقتضاء كل عموم الأسماء فلا يقع إن نكحها بعد زوج آخر إلا إذا دخلت كلما على التزوج. نحو كلما تزوجت فأنت كذا، لدخولها على سبب الملك وهو غير متناه. وقال في حاشية رد المحتار تعليقاً على قوله (لدخولها على سبب الملك) - أي التزوج فكلما وجد هذا الشرط وجد ملك الثلاث فيتبعه جزاؤه - بحر. وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله أعلم».
(فتوى صادرة بتاريخ 15 / 9 / 1955).
۳- «إن قول هذا الرجل على الطلاق إن لم تأت بالمصاغ فأنت طالق» يساوي في المعنى والدلالة والحكم قوله «والله إن لم تأت بالمصاغ فأنت طالق» وهو إذا قال ذلك كان معلقاً طلاقها على عدم الإتيان بمصاغها المسروق، والطلاق المعلق لا يقع به شيء من الطلاق إذا قصد به الحمل على فعل شيء و ترکه، فإذا كان قصد الحالف مجرد حمل زوجته على إتيانها بالمصاغ لم يقع به شيء من الطلاق، وإذا كان قصده وقوع الطلاق إذا لم تأت به فوراً وقع به طلاق رجعي واحد .... الخ». - (فتوى صادرة بتاريخ 6 / 2 / 1952)
4- «قول الحالف (على الطلاق بالثلاثة من صيغ اليمين بالطلاق، واليمين بالطلاق لغو لا يقع به شيء طبقاً للقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹.
وعلى ذلك فلا يقع باليمين المذكورة طلاق سواء وقع المحلوف عليه أو لم يقع» (فتوی صادرة بتاريخ أول يوليو سنة 1963 في الطلب رقم 326 لسنة 1963).
1- المقرر فى فقه الحنفية أن إسناد الطلاق فى زمن ماض يقع من الزوج إذا كان أهلا لإيقاعه وقت إنشائه متى كانت المرأة محلاً له فى ذلك الوقت الذى أضيف إليه ويعتبر إنشاءاً للطلاق وليس أخباراً عنه لأن الزوج إذ لا يمكنه إنشاء الطلاق فى الماضى فقد أمكن إعتباره تنجيزاً فى الحال .
(الطعن رقم 29 لسنة 45 جلسة 1977/05/25 س 28 ع 1 ص 1288 ق 222)
2- مفاد نص المادة الثانية من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية أن المشرع - أخذا برأى بعض المتقدمين من الحنفية - أرتأى أن تعليق الطلاق إن أريد به التخويف أو الحمل على ما فعل شىء أو تركه ، وقائله يكره حصول إطلاق ولا وطر له فيه كان فى معنى اليمين ولا يقع به الطلاق.
(الطعن رقم 30 لسنة 44 جلسة 1976/04/28 س 27 ع 1 ص 1024 ق 195)
3- العبارة الدالة بلفظها الصريح على حل رباط الزوجية متى صدرت من زوج هو أهل لإيقاع الطلاق و صادفت محلا ، يقع بها الطلاق فور صدورها ، و يكون طلاقاً مستقلاً قائماً بذاته و لا يغير من ذلك ما إقترن بها من أنها تأييد لطلاق سابق إذ ليس من شأن هذه الإضافة أن تحول دون تحقيق الأثر الفورى المترتب عليها شرعاً .
(الطعن رقم 20 لسنة 36 جلسة 1969/05/07 س 20 ع 2 ص 751 ق 120)
سند وجوب النص
وقد أخذ في إلغاء اليمين في الطلاق برأي متقدمي الحنفية وبعض متأخريهم وهذا موافق لرأي الإمام علي وشريح وداود وأصحابه وطائفة من الشافعية والمالكية. وأخذ في إلغاء المعلق الذي في معنى اليمين برأي الإمام على وشريح وعطاء والحكم بن عتيبة وداود وأصحابه وإبن حزم وقد وضعت المادة من مشروع القانون متضمنة أحكام هذه الأقسام.
يستند النص المطروح لقوله صلى الله عليه وسلم "من حلف على يمين فرأي غيرها خير منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه".
والطلاق إما أن يكون منجزاً أو غير منجز.
الطلاق المنجز
والطلاق المنجز هو ما قصد تحقيق معناه وترتيب أثاره عليه من وقت صدوره عن الزوج سواء كانت صيغة صدوره هي القول كقول الراجل لامرأته أنت طالق أو كانت هي الكتابة حيث يقع الطلاق لفظاً أو بالكتابة المرسومة المستبينة الصادر عن الزوج أو المرسلة على المرأة في كتاب منه إليها).
الطلاق غير المنجز (الطلاق المعلق على شرط أو المضاف إلى زمن)
أما الطلاق غير المنجز فهو ما لا يقصد به إيقاع الطلاق في الحال ومنه ما كان مضافاً إلى زمن أو معلقاً على شرط والطلاق المضاف إلى زمن هو ما اقترن بظرف زمان جعل مبدأ لوقوع الطلاق وترتیب آثاره ويغلب أن يكون زمناً مستقبلاً كقول الرجل لامرأته أنت طالق غدا وأما الطلاق المعلق على شرط فهو ما جعل الزوج فيه حصول الطلاق معلقاً على حصول شيء آخر مثل قول الزوج لزوجته إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، وهو ما تناولته المادة الثانية من القانون .
شروط صحة تعليق الطلاق
ويشترط لصحة تعليق ووقوع الطلاق به شرطان:
أولهما: أن يكون التعليق على أمر معدوم حين التعليق ويمكن أن يوجد بعده فإن كان على أمر موجود فعلاً حين صدور الصيغة كان تنجيز الطلاق حقيقة وتعليقاً على أمر مستحيل تحقيقه كان لغواً لا يقع الطلاق.
وثانيهما: أن تكون المرأة حين صدور الصيغة وحصول الأمر المعلق عليه محلاً لطلاق بأن تكون في عصمة الزوج أو عدة طلاق سابق رجعي.
اشترط المشرع لوقوع الطلاق المعلق أن يكون الزوج قد قصد بالفعل وقوعه إذا تحقق المعلق عليه معاملة للمطلق بقصده، أما إذا لم يكن الزوج لا يقصد من تعليق الطلاق سوى التخويف وحمل الزوجة على فعل شيء فقط وهو في الحقيقة يكره وقوع الطلاق ولا وطر له فيه فلا يقع به طلاق ولو تحقق المعلق عليه وسواء كان المعلق عليه من أفعال الزوج أو الزوجة أو الغير إذ يعتبر الطلاق في هذه الحالة في معنى اليمين بالطلاق فلا يقع به شيء لأن اليمين بالطلاق لا يقع به شيء.
إثبات قصد الزوج
وإثبات قصد الزوج أمر يتعلق به ولا يعرف إلا من جهته فإذا لم تكن هناك قرائن على حقيقة قصده وتدل عليه وشجر الخلاف بين الزوجين تدعي وقوع الطلاق لتحقق الشرط وهو يقول أنه ما قصد سوى التخويف أو الحمل على الفعل أو المنع كان القول له بيمينه فإن حلف کسب الدعوى وإن نكل اعتبر مقرة بالطلاق.
، وأما الطلاق المضاف إلى زمن فالراجح في المذهب الحنفي أنه يقع به الطلاق حال دخول الزمان الذي حدده الزوج .
اليمين بالطلاق
أما اليمين بالطلاق أو القسم به أو الحلف بالطلاق فقد أبانت المذكرة الإيضاحية للنص أنه لاغ ولا يقع به طلاق إستثناء الرأي متقدمي الحنفية ومتأخريهم. (موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال ، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة :187).
صيغة الطلاق
الطلاق المنجز - الطلاق المضاف إلى زمن مستقبل - الطلاق المعلق على شرط
- تأصيل فقهي:
القاعدة الفقهية المقررة أن التصرفات التي من قبيل الإسقاطات لا التمليكات، كالإبراء من الدين، يجوز أن تكون منجزة أو مضافة إلى زمن مستقبل، أو معلقة على شرط. ولما كان الطلاق إسقاطاً لا تمليكاً إذ هو عبارة عن إزالة ملك النكاح ورفع تقييد حرية المرأة بما يدل على ذلك، فإنه يجوز أن يكون منجزاً أو مضافاً إلى زمن مستقبل، أو معلقاً على شرط.
الطلاق المنجز:
الطلاق المنجز هو ما قصد به إيقاع الطلاق فوراً، بأن كانت صيغة الطلاق غير مضافة إلى زمن مستقبل ولا معلقة على شرط، كقول الرجل لامرأته: (أنت طالق، أو مطلقة، أو طلقتك)، أو كتب إليها بما ذكر كتابة مستبينة مرسومة.
وحكم الطلاق المنجز، هو وقوع الطلاق في الحال وترتيب آثاره عليه بمجرد التلفظ بما يدل على الطلاق أو قراءة الكتابة المستبينة المرسومة، متى كان صادراً ممن يملكه، وصادف محلاً لوقوعه بأن كانت المرأة زوجة حقيقية أو حكما لمن صدر منه طلاقها، لأن هذا ما قصده المطلق وتدل عليه صيغة الطلاق التي صدرت منه.
وإذا جاء التلفظ بالطلاق مؤقتاً بوقت معين فإن الصيغة تكون منجزة يقع بها الطلاق فوراً وبدون تحديد أجل معين لأن الطلاق مما لا يحتمل التوقيت.
وفي هذا جاء بفتوى دار الإفتاء المصرية بتاريخ 29 / 6 / 1959.
«من السيد/ علوان محمد الكبيسي - من عزعر بالمملكة العربية السعودية - بطلبه المقيد برقم 875 لسنة 1959 م المتضمن أنه جرى بين هذا السائل وزوجته نزاع شديد مما أدى إلى ثورة أعصابه وفقدان رشده. فقال لزوجته وهو في هذه الحالة (اخرجی محرمة على ستة شهور مثلما حرمت على أختي).
وطلب السائل بيان الحكم الشرعي وهذا اليمين وهل هو واقع أو لا؟.
أجاب: إن هذه الصيغة ليست معلقة ولا مضافة وإنما هي مؤقتة بوقت معين والطلاق مما لا يحتمل التوقيت فتكون هذه الصيغة منجزة يقع بها الطلاق عند نيته فوراً وبدون تحديد أجل معين كما أن هذه الصيغة مما تحتمل الظهار والطلاق فإن نوى الظهار فظهار وإن نوى الطلاق فطلاق إلا أن العامة لا يقصدون الظهار غالباً وهذا يرجح أن يكون قصده منها الطلاق. حيث إنها صدرت منه وهو في حالة غضب شديد وأعصابه ثائرة لدرجة أنه فقد رشده وقت صدورها منه كما جاء بسؤاله فتخضع لحكم طلاق الغضبان والغضبان الذي لا يقع طلاقه هو الذي يخلط بين جده وهزله ويغلب عليه الخلل في أقواله وفعله وإن كان يعلم ما يقول ويقصده على ما حققه العلامة ابن عابدين في ….. رد المحتار على الدر المختار. فإذا كان هذا الحالف قد بلغ به الغضب ولد يقع عليه بهذه الصيغة طلاق وتكون لغوا. وإن لم يبلغ هذا الحد بأن ….. الغضب وقع عليه بها طلقة واحدة رجعية طبقاً للمادة الرابعة من من القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ المعمول به في الجمهورية العربية المتحدة. ويكون له مراجعتها مادامت في العدة بدون إذنها ورضاها وذلك كله ما لم تكن مسبوقة بطلاقين قبلها في الحالتين المذكورتين. ومن هذا يعلم الجواب عن السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم».
الطلاق المضاف إلى زمن مستقبل :
الطلاق المضاف إلى زمن مستقبل، هو ما كانت صيغته مضافة إلى زمن مستقبل بغير أداة من أدوات الشرط أو ما في معناها، وقصد به وقوع الطلاق عند حلول الزمن الذي أضيف إليه الطلاق. كقول الرجل لامرأته: «أنت طالق غدا، أو أنت طالق حين يقدم فلان من سفره». .
أما إذا أضاف الزوج الطلاق إلى زمن ماض، كما لو قال الرجل: «أنت طالق أمس أو أنت طالق منذ شهر» فإنه يعتبر عند الحنفية طلاقا منجزاً، ويقع الطلاق بشرط أن تكون الزوجة محلا للطلاق وقت إنشائه، والزوج أهلا لإيقاعه وقت الإنشاء الذي أسند إليه الطلاق، أما إذا لم تكن زوجة له قبل الزمن الماضي، الذي أسند إليه الطلاق فلا يعتبر، لأنه لا يمكنه إنشاء الطلاق في من الماضي، والإنشاء في الماضي إنشاء في الحال.
ويشترط لوقوعه أن يكون الزوج أهلاً للطلاق وقت صدور ما يدل عليه - منه، أي عند إنشائه، وأن تكون الزوجة محلاً لوقوع الطلاق عليها، عند حلول - ذلك الوقت، إنما لا يشترط أن يكون الزوج أهلاً للطلاق حينئذ. فإذا أضاف الرجل الطلاق إلى وقت معين، ثم جن في هذا الوقت فإن طلاقه يقع، وإذا قال الرجل لزوجته غير المدخول بها: أنت طالق غدا، ثم طلقها منجزاً فجاء الغد، فإن الطلاق لا يقع لأنها غير محل وقت ذلك لوقوع الطلاق عليها لأنها صارت - أجنبية عن زوجها بمجرد وقوع الطلاق المنجز.
الطلاق المعلق على شرط :
الطلاق المعلق على شرط هو الطلاق الذي رتب وقوعه على حصول أمر في المستقبل بأداة من أدوات الشرط وما في معناها، ومثل أدوات الشرط (إن ، إذا، كل، كلما، متی).
ويستوي أن يكون هذا الأمر فعلاً من أفعال الزوج أو الزوجة أو غيرهما أو أمراً من الأمور التي لا دخل فيها لأحد من الناس.
ومثال الطلاق المعلق على فعل من أفعال الزوج: أن يقول الرجل: «إن سافرت إلى القاهرة فامرأتي طالق». .
ومثال الطلاق المعلق على فعل للغير أن يقول الرجل لشخص آخر: «إن اشتريت هذا المنزل فزوجتي طالق».
ومثال الطلاق المعلق على فعل لابد لأحد الناس فيه أن يقول الرجل: «أنت طالق إذا أمطرت السماء».
ومثال الطلاق المعلق من غير أداة من أدوات الشرط قول الرجل: «أنت طالق بدخول الدار أو بحيضك».
والتعليق عند الحنفية يمين، ويترتب على ذلك أنه لا يمكن الرجوع عنه كسائر الأيمان، لأن الأيمان بكل أنواعها لا يجوز الرجوع فيها، فمن حلف يميناً لا يجوز أن يعدل عنه، بل يمضي فيه أو يحنث وإن حنث كانت المؤاخذة التي رتبت على الفعل، أو رتبها الشارع على الحنث.
ويشترط لصحة التعليق ما يأتي:
1- أن يكون الأمر المعلق عليه معدوماً ممكن الحصول، فإن كان معدوماً مستحيل الوجود کان لغوا كما إذا قال الرجل لأمرأته: «إذا شربت ماء هذا البحر که فأنت طالق، أو إذا دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق».
ولا يتحقق معنى التعليق، إذا كان التعليق على مشيئة الله، لأن مشيئة الله تعالى مغيبة عنا، كأن يقول الرجل: «أنت طالق إن شاء الله».
أما إذا كان الأمر المعلق عليه الطلاق متحققاً في الحال، أي عند النطق بالطلاق المعلق، فهو تعليق في اللفظ لا في المعنى، أي تعليق صوری لا حقيقي، فيقع الطلاق منجزاً كما إذا قال لها: «إن ولدت بنتا فأنت طالق»، وكانت قد ولدت بنتا.
۲- أن تكون عبارة التعليق متصلة الأجزاء من غير فصل بين شرطها وجزائها إلا لضرورة كسعال أو تنفس أو عطاس أو إمساك فم أو تقل لسان. فلو قال الرجل لأمرأته: «أنت طالق» ثم قال بعد فترة ولو وجيزة من غير ضرورة (إن دخلت دار فلان» لم يكن تعليقاً صحيحاً، أما إذا كان الفصل لضرورة فلا يمنع الإتصال ويكون تعليقاً صحيحاً.
٣- أن يكون الجزاء مرتبطاً بالشرط برابط كالفاء متى كان متأخراً عن الشرط.
لما إذا كان الجزاء متقدماً معناه على الشرط فلا يحتاج إلى ذلك الرابط كما هو معلوم من قوانين اللغة. فإذا قال الرجل لامرأته: «إن دخلت الدار أنت طالق» من غير ربط كانت عبارة الطلاق تنجيزاً وبطل الشرط إلا إذا قال أردت الربط والتعليق أو كانت القرائن تدل على أنه لا يعرف قانون اللغة وأنه يريد بالعبارة ربط الجزاء بالشرط .
4- أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق وقت النطق بالصيغة، ولا يشترط أن يكون أهلاً له وقت وقوع الأمر الذي علق عليه الطلاق، فإذا علق الطلاق ثم جن ثم وقع الأمر المعلق عليه فإن طلاقه يقع، لأن الصيغة إذا صدرت من أهلها مستوفية شروطها كان لها أثرها، ولو زالت الأهلية بعد ذلك.
5- أن يكون التعليق ووقوع الأمر المعلق عليه في حل واحد، فلو علق الرجل طلاق امرأته ثم طلقها طلاقاً مكملاً للثلاث ثم انتهت عدتها وتزوجها آخر ودخل بها ثم طلقها أو مات عنها، ثم تزوجها الأول بعد إنتهاء عدتها ووقع الأمر المعلق عليه، لا يقع الطلاق.
إنما لا يشترط بقاء الزواج الذي حصل فيه التعليق، فلو علق الرجل طلاق امرأته، ثم طلقها وانتهت عدتها، ثم تزوجها بعد ذلك ووقع الأمر المعلق عليه فإن الطلاق يقع.
6- أن تكون المرأة عند وجود صيغة الطلاق المعلق والأمر المعلق عليه الطلاق محلاً للطلاق، بأن تكون زوجة حقيقة أو حكماً، فإذا كانت المرأة أجنبية عند وقوع الأمر المعلق عليه، لا يقع شيء، فلو قال لها: أنت طالق إن سافرت، ثم طلقها وانتهت عدتها، وسافرت فإنه لا يقع طلاق ثان.
أما إذا كان التعليق على الزواج نفسه، كما لو قال الرجل لمرأة أجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، فيرى الأحناف والمالكية في الجملة أن التعليق صحيح، ولا يشترط أن تكون المرأة وقت الصيغة محلا لإيقاع الطلاق عليها. وذلك لأن التعليق عند الحنفية - كما سنرى - يمين، فيجوز على كل شيء، وإذا كانت المرأة ليست أهلاً للطلاق وقت اليمين فلا عبرة بذلك لأن اليمين تصرف من الحالف. وإشتراط أهليتها للطلاق يتحقق عند وقوعه، وهو الأمر المحلوف عليه.
واشترط المالكية ألا يترتب على الطلاق المعلق على الزواج منع الرجل من الزواج كأن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فإذا كان كذلك كان باطلاً لمناقضته لمقاصد الشريعة.
حكم الطلاق المعلق في الفقه الإسلامي:
الرأي عند فقهاء المذاهب الأربعة أن الطلاق المعلق يقع عند تحقق الأمر الذي عُلق عليه، سواء كان هذا الأمر من أفعال أحد الزوجين أو غيرهما، سواء نسبه الزوج إيقاع الطلاق أو لم يقصد، بأن يكون قد قصد منه مجرد لتخويف أو الحمل على فعل شيء أو تركه، ويقع الطلاق عندهم أيضاً بالحلف بالطلاق، لأن الحلف بالطلاق يعتبر تعليقاً للطلاق.
واستدل الجمهور على ذلك بما يأتي :
1- أن النصوص التي أفادت شرعية الطلاق، وتفويض الأمر فيه إلى الزوج وردت مطلقة، ولم يرد عن الشارع ما يدل على تقييدها بنوع دون نوع، والمطلق إذا ورد، ولم يدل دليل على تقييده بشيء، فإنه يعمل به على إطلاقه، ومن ثم يجوز للزوج أن يوقع الطلاق منجزاً أو مضافاً إلى زمن مستقبل أو معلقاً على شرط.
۲- أن بعض الصحابة والتابعين أفتوا بوقوع الطلاق المعلق، ولو كان على وجه اليمين، ولم يخالف في ذلك أحد أهل الإجتهاد الذين يعتد برأيهم فيكون ذلك إجماعاً منهم على وقوع الطلاق المعلق ولو كان على وجه اليمين.
٣- أن الطلاق إنما شرع للحاجة، والحاجة قد تدعو إلى تعليق الطلاق كما تدعو إلى تنجيزه. كأن تكون الزوجة مشاكسة فيعلق الرجل طلاقها على الإمتثال لطاعته، فيكون ذلك دافعاً لها على الإستجابة فتحسن العشرة بينهما.
أما على وشريح وطاووس وعطاء وأبو ثور وبعض أصحاب مالك والشافعية و بن تيمية وابن القيم فقد روى عنهم أن الطلاق المعلق باطل، وإلى … الشيعة الجعفرية والظاهرية وذلك للجهل بالمستقبل فقد يأتي الأمر المتفق عليه والمرأة حائض فيكون الطلاق غير مشروع أو يأتي وهي ليست محلاً للطلاق، والطلاق المشروع هو الطلاق للعدة، ولا يكون ذلك إلا إذا وقع منجزاً .
حكم الطلاق المعلق والحلف بالطلاق في المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹:
نصت المادة الثانية من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ (المعدل على أن : لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه».
والمقصود بالطلاق غير المنجز الطلاق المعلق على شرط.
ومقتضى هذا النص أن حكم الطلاق المعلق على شرط يختلف بإختلاف عرض المتكلم وقصده، فإذا كان المتكلم يقصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير، أي إذا كان رد المتكلم به التخويف أو الحمل على فعل الشيء أو تركه وهو يكره حصول الطلاق ولا وطر له فيه، فإن الطلاق المعلق يكون في معنى اليمين ولا يقع، أما إذا كان يقصد به وقوع الطلاق عند حصول الشرط لأنه لا يريد المقام مع زوجته عند حصوله لم يكن في معنى اليمين، ويقع الطلاق عند تحقق الشرط معاملة له بقصده لأنه لا يريد المقام مع زوجته.
إثبات قصد المتكلم بالطلاق المعلق :
إذا أقر الزوج بصدور ألفاظ الطلاق المعلق، أو أقامت الزوجة البينة على صدورها منه، ثم إختلف الزوجان في قصد الزوج، فادعت الزوجة أن الزوج و قصد بها إيقاع الطلاق عند تحقق الشرط، بينما ادعى الزوج أنه لم يقصد إيقاع الطلاق وإنما قصد حملها على فعل شيء مثلاً، فإنه يستدل على قصد الزوج بالقرائن التي توضح هذا القصد وتدل عليه، فإذا كان المتكلم بالطلاق المعلق بصدد مساومة على بيع، فذلك يفصح عن أن الزوج لا يقصد به الطلاق، أما إذا كانت المرأة هي التي سألت زوجها الطلاق فقال : أن أبرأتني من مؤخر الصداق والنفقة فأنت طالق فأبرأته، فإن هذا لا يحتمل شيئاً غير قصد الطلاق فيقع.
فإذا لم توجد ثمة قرائن دالة على قصد الزوج، كان القول في هذا القصد قول الزوج بيمينه، فإن حلف اليمين على أنه لم يقصد الطلاق وإنما قصد حملها على فعل شيء فلا يقع، وإن نكل عن اليمين وقع الطلاق لأن النكول عن اليمين إقرار بدعوى الخصم.
وفي هذا قضت محكمة إستئناف المنصورة بتاريخ 25 / 6 / 1964 بأن :
في تطبيق حكم المادة الثانية من القانون رقم 25 سنة ۱۹۲۹ يرجع إلى قصد الزوج وتفسير قصده مرجعه فيه إليه وبيان النية متروك شرعاً للحالف يتحمل وحده نتيجته عند ربه لأن الطلاق حق من حقوق الله وأن للمقر بحق من حقوق الله الصرف أن يرجع ولا يؤاخذ بإقراره لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في إنكاره فيكون كاذباً في إقراره وذلك يورث شبهة - وكل هذا إذا لم تكن قرينة حال شاهدة على قصده من الطلاق لأن قصد اليمين يكون واضحاً من قرائن الأحوال من غير حاجة إلى التفسير». (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 62 ).
الطلاق المنجز
هو الذي يتحقق وقوعه في الحال ، فيقع بمجرد التلفظ بعبارته وذلك كقول الزوج لزوجته ، أنت طالق ، أنت بائن .
الطلاق المعلق :
هو تعليق الطلاق على أمر ، هو ربط حصوله بذلك الأمر بأدوات الشرط أو ما في معناها ، وأدوات الشرط هي إن ، وإذا ، وكلما ، وما شابهها كان يقول لزوجته إن دخلت دار فلان فأنت طالق .
الطلاق المضاف إلى زمن المستقبل:
هو ربط حصوله بذلك الزمن بغير أداة من أدوات الشروط أو ما في معناها ، كأن يقول لزوجته أنت طالق غدا ، أو أنت طالق أول الشهر والإضافة التي يثبت بها وقوع الطلاق عند تحقق المضاف إليه هي الإضافة إلي الزمن المستقبل ، فلا تصح الإضافة إلى مكان ولا إلى حال من أحوال الزوجة، فتكون الإضافة إلي ذلك في معنى التخيير غير المقيد ، كأن يقول الزوج لزوجته أنت طالق في الدار أو في البلد ، أو أنت طالق جالسة أو مريضة .
ولا تصح الإضافة إلي زمن ماض كأن يقول لزوجته أنت طالق أمس ، مريدا به الإنشاء فإن ذلك يعتبر تنجيزاً في الحال .
والطلاق المضاف لا يقع عند مجيء ذلك الوقت .
وكل من الطلاق المضاف والطلاق المعلق يشتركان في عدم الوقوع في الحال .
المذكرة الإيضاحية :
فقد جاء في المذكرة الإيضاحية تعليقاً على هذه المادة من القانون سالف الذكر ينقسم الطلاق إلي منجز ، وهو ما قصد به إيقاع الطلاق فوراً ، وإلى مضاف كأنت طالق غدا ، وإلى يمين نحو قوله علي الطلاق لا أفعل كذا ، وإلي معلق كأن فعلت كذا فأنت طالق.
والمعلق : إن كان غرض التكلم به التخويف أو الحمل على فعل الشيء أو تركه ، وهو يكره حصول الطلاق ولا وطر له فيه ، كان في معنى اليمين بالطلاق ، وإن كان يقصد به حصول الطلاق عند حصول الشرط ، لأنه لا يريد المقام مع زوجته عند حصوله لم يكن في معنى اليمين . واليمين في الطلاق وما في معناه لاغ ، أما باقي الأقسام فيقع فيها الطلاق .
وقد أخذ بإلغاء اليمين بالطلاق برأي الإمام علي ، وشريح ، وداود وأصحابه وطائفة من الشافعية والمالكية .
وأخذ في إلغاء المعلق في معنى اليمين برأي الإمام علي ، وشريح وعطاء ، والحكم بن عتيبة ، وداود وأصحابه وابن حزم .
والذي حمل المشرع المصري على ترك مذهب الحنفية والأخذ بهذا الرأي وهو ما صار إليه أحد كثير من الناس من الحلف بالطلاق لأتفه الأسباب ، وبدون رغبة في إيقاع الطلاق ، وقد يكون الحلف بالطلاق لترويج سلعة أو تأكيد كذبة ، والطلاق لم يشرع لشئ من ذلك ، فرأي أن الأخذ بمذهب الأحناف يؤدي والحالة هذه إلي تمزيق حياة كثير من الأسر ، فليس هناك ما يمنع من الأخذ بمذهب غير الحنفية وفيه مخرج من هذه النتيجة القاسية .
وخلاصة القول أن المادة المذكورة أنها ربطت عدم وقوع الطلاق بقصد الحمل على فعل الشئ أو تركه لا غير .
فإذا كان المقصود من التعليق هو هذا الحمل وحده دون قصد شئ آخر کوقوع الطلاق ، وأنه يكره حصوله كان في معنى اليمين ولا يقع به الطلاق إذا حصل المعلق عليه أما إذا لم يقصد بالطلاق الحمل أو التخويف أصلاً ، بل كان القصد منه الطلاق فإذا حصل المعلق عليه وقع الطلاق كأن يقول الرجل لزوجته إن أبرأتني من مؤخر الصداق فأنت طالق . (الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 283 ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 5
طَلاَقٌ
التَّعْرِيفُ:
- الطَّلاَقُ فِي اللُّغَةِ: الْحَلُّ وَرَفْعُ الْقَيْدِ، وَهُوَ اسْمٌ مَصْدَرُهُ التَّطْلِيقُ، وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ: طَلُقَتِ الْمَرْأَةُ تَطْلُقُ فَهِيَ طَالِقٌ بِدُونِ هَاءٍ، وَرُوِيَ بِالْهَاءِ (طَالِقَةٌ) إِذَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا، وَيُرَادِفُهُ الإِْطْلاَقُ، يُقَالُ: طَلَّقْتُ وَأَطْلَقْتُ بِمَعْنَى سَرَّحْتُ، وَقِيلَ: الطَّلاَقُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا طَلُقَتْ، وَالإِْطْلاَقُ لِغَيْرِهَا إِذَا سُرِّحَ، فَيُقَالُ: طَلَّقْتُ الْمَرْأَةَ، وَأَطْلَقْتُ الأَْسِيرَ، وَقَدِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْفَرْقَ، فَقَالُوا: بِلَفْظِ الطَّلاَقِ يَكُونُ صَرِيحًا، وَبِلَفْظِ الإِْطْلاَقِ يَكُونُ كِنَايَةً.
وَجَمْعُ طَالِقٍ طُلَّقٌ، وَطَالِقَةٌ تُجْمَعُ عَلَى طَوَالِقَ، وَإِذَا أَكْثَرَ الزَّوْجُ الطَّلاَقَ كَانَ مِطْلاَقًا وَمِطْلِيقًا، وَطَلِقَةً. وَالطَّلاَقُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ أَوِ الْمَآلِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ هُنَا: النِّكَاحُ الصَّحِيحُ خَاصَّةً، فَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الطَّلاَقُ، وَلَكِنْ يَكُونُ مُتَارَكَةً أَوْ فَسْخًا.
وَالأَْصْلُ فِي الطَّلاَقِ أَنَّهُ مِلْكُ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَقَدْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ بِإِنَابَتِهِ، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَالتَّفْوِيضِ، أَوْ بِدُونِ إِنَابَةٍ، كَالْقَاضِي فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ، قَالَ الشِّرْبِينِيُّ فِي تَعْرِيفِ الطَّلاَقِ نَقْلاً عَنِ التَّهْذِيبِ: تَصَرُّفٌ مَمْلُوكٌ لِلزَّوْجِ يُحْدِثُهُ بِلاَ سَبَبٍ، فَيَقْطَعُ النِّكَاحَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْفَسْخُ:
- الْفَسْخُ فِي اللُّغَةِ: النَّقْضُ وَالإِْزَالَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَلُّ رَابِطَةِ الْعَقْدِ وَبِهِ تَنْهَدِمُ آثَارُ الْعَقْدِ وَأَحْكَامُهُ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ.
وَبِهَذَا يُقَارِبُ الطَّلاَقَ، إِلاَّ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ الْفَسْخَ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ الْمُنْشِئِ لِهَذِهِ الآْثَارِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلاَ يَنْقُضُ الْعَقْدَ، وَلَكِنْ يُنْهِي آثَارَهُ فَقَطْ.
الْمُتَارَكَةُ:
- الْمُتَارَكَةُ فِي اللُّغَةِ: الرَّحِيلُ وَالْمُفَارَقَةُ مُطْلَقًا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ لِلإِْسْقَاطِ فِي الْمَعَانِي، يُقَالُ: تَرَكَ حَقَّهُ إِذَا أَسْقَطَهُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَرْكُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالتَّرْكُ بَعْدَ الدُّخُولِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْقَوْلِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، كَقَوْلِهِ لَهَا: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، أَوْ تَرَكْتُكِ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الأْصَحِّ .
وَالْمُتَارَكَةُ تُوَافِقُ الطَّلاَقَ مِنْ وَجْهٍ وَتُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهٍ، تُوَافِقُهُ فِي حَقِّ إِنْهَاءِ آثَارِ النِّكَاحِ، وَفِي أَنَّهَا حَقُّ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَتُخَالِفُهُ فِي أَنَّهَا لاَ تُحْسَبُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، وَأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَمَخْصُوصٌ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ.
الْخُلْعُ:
- الْخُلْعُ فِي اللُّغَةِ: النَّزْعُ، وَخَالَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مُخَالَعَةً وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ إِذَا افْتَدَتْ مِنْهُ وَطَلَّقَهَا عَلَى الْفِدْيَةِ، وَالْمَصْدَرُ الْخَلْعُ، وَالْخُلْعُ اسْمٌ.
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مُقَابِلَ عِوَضٍ تَلْتَزِمُ بِهِ الزَّوْجَةُ أَوْ غَيْرُهَا لِلزَّوْجِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَشْهَرِ مَا يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ.
التَّفْرِيقُ:
التَّفْرِيقُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ فَرَّقَ، وَفِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ فَرَقَ، يُقَالُ: فَرَقْتُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، أَيْ فَصَلْتُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ فِي الْمَعَانِي بِالتَّخْفِيفِ، يُقَالُ: فَرَقْتُ بَيْنَ الْكَلاَمَيْنِ، وَبِالتَّشْدِيدِ فِي الأَْعْيَانِ، يُقَالُ: فَرَّقْتُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ وَالْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالتَّشْدِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ. وَالتَّفْرِيقُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِنْهَاءُ الْعَلاَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى طَلَبِ أَحَدِهِمَا لِسَبَبٍ، كَالشِّقَاقِ وَالضَّرَرِ وَعَدَمِ الإِْنْفَاقِ.. أَوْ بِدُونِ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ حِفْظًا لِحَقِّ الشَّرْعِ، كَمَا إِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
وَمَا يَقَعُ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي: طَلاَقٌ بَائِنٌ فِي أَحْوَالٍ، وَفَسْخٌ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى، وَهُوَ طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ.
الإِْيلاَءُ:
- الإِْيلاَءُ فِي اللُّغَةِ الْحَلِفُ، مِنْ آلَى يُؤْلِي إِيلاَءً، يُجْمَعُ عَلَى أَلاَيَا. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَلِفُ الزَّوْجِ عَلَى تَرْكِ قُرْبِ زَوْجَتِهِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً. وَقَدْ حَدَّدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي قوله تعالى :( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَإِذَا انْقَضَتِ الأْشْهُرُ الأْرْبَعَةُ بِغَيْرِ قُرْبٍ مِنْهُ لَهَا طَلُقَتْ مِنْهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَحَقَّتِ الطَّلاَقَ مِنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ تَرْفَعُهُ الزَّوْجَةُ لِلْقَاضِي لِيُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْفِرَاقِ، فَإِنْ قَرِبَهَا انْحَلَّ الإْيلاَءُ، وَإِنْ رَفَضَ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ.
اللِّعَانُ:
- اللَّعْنُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ وَالإِْبْعَادُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْمِسَبَّةُ، يُقَالُ: لَعَنَهُ لَعْنًا، وَلاَعَنَهُ مُلاَعَنَةً، وَلِعَانًا، وَتَلاَعَنُوا، إِذَا لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: عَرَّفَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ: بِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الشَّهَادَاتِ بِالأَْلْفَاظِ الْمَعْرُوفَةِ. وَقَدْ سُمِّيَ بِاللِّعَانِ لِمَا فِي قَوْلِ الزَّوْجِ فِي الأَْيْمَانِ: إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَذَلِكَ وَفْقًا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ) وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
وَالتَّحْرِيمُ بَعْدَ اللِّعَانِ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ يَكُونُ عَلَى التَّأْبِيدِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ كَذَلِكَ.
الظِّهَارُ:
- الظِّهَارُ قَوْلُ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي»، وَكَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ ضَرْبًا مِنَ الطَّلاَقِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ زَوْجَتَهُ أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ، بِخِلاَفِ زَوْجَةِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَقَّتَةٌ، وَيُسَمَّى الظِّهَارُ بِذَلِكَ لِمَا غَلَبَ عَلَى الْمُظَاهِرَيْنِ مِنَ التَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الْمُحَرَّمِ، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي» وَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالتَّشْبِيهِ بِالظَّهْرِ.
وَلاَ تَفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الظِّهَارِ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ بِهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يُكَفِّرَ الْمُظَاهِرُ، فَإِنْ كَفَّرَ حَلَّتْ لَهُ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الأْوَّلِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلطَّلاَقِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلاَقِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا:
- قوله تعالى :( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).
- قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
- قَوْلُ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاَقِ».
- حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا».
- حَدِيثُ «ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي حَيْضِهَا، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِارْتِجَاعِهَا ثُمَّ طَلاَقِهَا بَعْدَ طُهْرِهَا، إِنْ شَاءَ».
- إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ - لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الأْصْلِيِّ لِلطَّلاَقِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الأْصْلَ فِي الطَّلاَقِ الإِبَاحَةُ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْهَا فِي أَحْوَالٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الأْصْلَ فِيهِ الْحَظْرُ، وَيَخْرُجُ عَنِ الْحَظْرِ فِي أَحْوَالٍ. وَعَلَى كُلٍّ فَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الأْحْكَامُ؛ فَيَكُونُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا، كَمَا يَكُون مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا وَذَلِكَ بِحَسَبِ الظُّرُوفِ وَالأَْحْوَالِ الَّتِي تُرَافِقُهُ، بِحَسَبِ مَا يَلِي: -
- فَيَكُونُ وَاجِبًا كَالْمُولِي إِذَا أَبَى الْفَيْئَةَ إِلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ، عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنَّهُمْ يُوقِعُونَ الْفُرْقَةَ بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ حُكْمًا، وَكَطَلاَقِ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَرَأَيَا الطَّلاَقَ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّفْرِيقِ لِذَلِكَ.
- وَيَكُونُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ إِذَا فَرَّطَتِ الزَّوْجَةُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا - مِثْلِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا - وَكَذَلِكَ يُنْدَبُ الطَّلاَقُ لِلزَّوْجِ إِذَا طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ لِلشِّقَاقِ.
- وَيَكُونُ مُبَاحًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِدَفْعِ سُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ وَسُوءِ عِشْرَتِهَا، أَوْ لأِنَّهُ لاَ يُحِبُّهَا.
- وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مِنْ دَاعٍ إِلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: هُوَ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإْضْرَارِ بِالزَّوْجَةِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ إِلَيْهِ.
- وَيَكُونُ حَرَامًا وَهُوَ الطَّلاَقُ فِي الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، وَهُوَ الطَّلاَقُ الْبِدْعِيُّ، وَسَوْفَ يَأْتِي بَيَانُهُ. قَالَ الدَّرْدِيرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّلاَقَ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ تَعْتَرِيهِ الأْحْكَامُ الأْرْبَعَةُ: مِنْ حُرْمَةٍ وَكَرَاهَةٍ، وَوُجُوبٍ وَنَدْبٍ.
حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الطَّلاَقِ:
- لَقَدْ نَبَّهَ الإْسْلاَمُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ إِلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ الشَّرِيكِ وَالشَّرِيكَةِ فِي الزَّوَاجِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَانْكِحُوا الأَْكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ». وَقَالَ: «لاَ تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلاَ تَزَوَّجُوهُنَّ لأَِمْوَالِهِنَّ فَلَعَلَّ أَمْوَالَهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأََمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ، أَفْضَلُ» وَقَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَِرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» «وَقَالَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عِنْدَمَا خَطَبَ امْرَأَةً: انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا».
وَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأْمَمَ»، وَقَالَ لأِوْلِيَاءِ النِّسَاءِ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأْرْضِ وَفَسَادٌ».
إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ - عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ - قَدْ لاَ يَضْمَنُ اسْتِمْرَارَ السَّعَادَةِ وَالاِسْتِقْرَارِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَرُبَّمَا قَصَّرَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي الأْخْذِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا أَخَذَا بِهِ، وَلَكِنْ جَدَّ فِي حَيَاةِ الزَّوْجَيْنِ الْهَانِئَيْنِ مَا يُثِيرُ بَيْنَهُمَا الْقَلاَقِلَ وَالشِّقَاقَ، كَمَرَضِ أَحَدِهِمَا أَوْ عَجْزِهِ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَنَاصِرَ خَارِجَةٍ عَنِ الزَّوْجَيْنِ أَصْلاً، كَالأَْهْلِ وَالْجِيرَانِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ انْصِرَافَ الْقَلْبِ وَتَغَيُّرَهُ، فَيُبْدَأُ بِنُصْحِ الزَّوْجَيْنِ وَإِرْشَادِهِمَا إِلَى الصَّبْرِ وَالاِحْتِمَالِ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ التَّقْصِيرُ مِنَ الزَّوْجَةِ، قَالَ تَعَالَى: ) وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).
إِلاَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الصَّبْرِ قَدْ لاَ يَتَيَسَّرُ لِلزَّوْجَيْنِ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعَانِهِ، فَرُبَّمَا كَانَتْ أَسْبَابُ الشِّقَاقِ فَوْقَ الاِحْتِمَالِ، أَوْ كَانَا فِي حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ لاَ تُسَاعِدُهُمَا عَلَى الصَّبْرِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ: إِمَّا أَنْ يَأْمُرَ الشَّرْعُ بِالإِْبْقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الشِّقَاقِ الَّذِي قَدْ يَتَضَاعَفُ وَيُنْتَجُ عَنْهُ فِتْنَةٌ، أَوْ جَرِيمَةٌ، أَوْ تَقْصِيرٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَلَى الأَْقَلِّ تَفْوِيتُ الْحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ النِّكَاحُ، وَهِيَ الْمَوَدَّةُ وَالأْلْفَةُ وَالنَّسْلُ الصَّالِحُ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنَ بِالطَّلاَقِ وَالْفِرَاقِ، وَهُوَ مَا اتَّجَهَ إِلَيْهِ التَّشْرِيعُ الإْسْلاَمِيُّ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الطَّلاَقَ قَدْ يَتَمَحَّضُ طَرِيقًا لإِِنْهَاءِ الشِّقَاقِ وَالْخِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ لِيَسْتَأْنِفَ الزَّوْجَانِ بَعْدَهُ حَيَاتَهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ أَوْ مُرْتَبِطَيْنِ بِرَوَابِطَ زَوْجِيَّةٍ أُخْرَى، حَيْثُ يَجِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْ يَأْلَفُهُ وَيَحْتَمِلُهُ، قَالَ تَعَالَى: ) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: بِوُجُوبِ الطَّلاَقِ فِي أَحْوَالٍ، وَبِنَدْبِهِ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى - كَمَا تَقَدَّمَ - عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ تَقْدِيمًا لِلضَّرَرِ الأْخَفِّ عَلَى الضَّرَرِ الأْشَدِّ، وَفْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ «يُخْتَارُ أَهْوَنُ الشَّرَّيْنِ». وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْقَائِلَةُ: «الضَّرَرُ الأْشَدُّ يُزَالُ بِالضَّرَرِ الأَْخَفِّ» وَيُسْتَأْنَسُ فِي ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ زَوْجَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإْسْلاَمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً».
مَنْ لَهُ حَقُّ الطَّلاَقِ:
- الطَّلاَقُ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَرْقِ وَهُوَ مِلْكٌ لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ، ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ مُفَارَقَةَ زَوْجَتِهِ إِذَا وَجَدَ مَا يَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ بِعِبَارَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ، كَمَا تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ طَلَبَ إِنْهَاءِ عَلاَقَتِهَا الزَّوْجِيَّةِ إِذَا وُجِدَ مَا يُبَرِّرُ ذَلِكَ، كَإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ، وَغَيْبَةِ الزَّوْجِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابٍ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا تَوْسِعَةً وَتَضْيِيقًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ بِعِبَارَتِهَا، وَإِنَّمَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، إِلاَّ أَنْ يُفَوِّضَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلاَقِ، فَإِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ تَمْلِكُهُ بِقَوْلِهَا أَيْضًا.
فَإِذَا اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْفِرَاقِ، جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَتِمُّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءٍ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي، فَإِنَّ لَهُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الأَْسْبَابِ مَا يَدْعُوهُ لِذَلِكَ، حِمَايَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا فِي رِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - أَوْ إِسْلاَمِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمَجُوسِيَّيْنِ وَامْتِنَاعِ الآْخَرِ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.. إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لاَ يُسَمَّى طَلاَقًا سِوَى الأْوَّلِ الَّذِي يَكُونُ بِإِرَادَةِ الزَّوْجِ الْخَاصَّةِ وَعِبَارَتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ هَذَا حَقُّ الزَّوْجِ خَاصَّةً قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ».
ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْمُطَلِّقَ لاَ يُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ الطَّلاَقِ عِنْدَ إِقْدَامِهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأِسْبَابٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:
- حِفْظُ أَسْرَارِ الأْسْرَةِ.
- حِفْظُ كَرَامَةِ الزَّوْجَةِ وَسُمْعَتِهَا.
- الْعَجْزُ عَنْ إِثْبَاتِ الْكَثِيرِ مِنْ تِلْكَ الأَْسْبَابِ؛ لأِنَّ غَالِبَ أَسْبَابِ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَكُونُ خَفِيَّةً يَصْعُبُ إِثْبَاتُهَا، فَإِذَا كَلَّفْنَاهُ بِذَلِكَ نَكُونُ قَدْ كَلَّفْنَاهُ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَوْ يُحْرِجُهُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، لقوله تعالى: ) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
- ثُمَّ إِنَّ فِي إِقْدَامِ الزَّوْجِ عَلَى الطَّلاَقِ وَتَحَمُّلِهِ الأَْعْبَاءَ الْمَالِيَّةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ، مِنْ مَهْرٍ مُؤَجَّلٍ، وَنَفَقَةٍ وَمُتْعَةٍ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا - وَأُجْرَةِ حَضَانَةٍ لِلأَْوْلاَدِ.. لَقَرِينَةٌ كَافِيَةٌ عَلَى قِيَامِ أَسْبَابٍ مَشْرُوعَةٍ تَدْعُوهُ لِلطَّلاَقِ.
- وَلِكَوْنِ الطَّلاَقِ مُبَاحًا أَصْلاً عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، إِبَاحَةً مُطْلَقَةً عَنْ أَيِّ شَرْطٍ أَوْ قَيْدٍ.
مَحَلُّ الطَّلاَقِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الطَّلاَقِ الزَّوْجَةُ فِي زَوْجِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، حَصَلَ فِيهَا دُخُولٌ أَمْ لاَ، فَلَوْ كَانَ الزَّوَاجُ بَاطِلاً أَوْ فَاسِدًا، فَطَلَّقَهَا، لَمْ تَطْلُقْ، لأِنَّ الطَّلاَقَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ خَاصَّةً.
وَهَلْ يُعَدُّ لَفْظُ الطَّلاَقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُتَارَكَةً؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ، لَكِنْ لاَ يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ، لأِنَّهُ لَيْسَ طَلاَقًا، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: طَلَّقَ الْمَنْكُوحَةَ فَاسِدًا ثَلاَثًا، لَهُ تَزَوُّجُهَا بِلاَ مُحَلِّلٍ.. لِكَوْنِ الطَّلاَقِ لاَ يَتَحَقَّقُ فِي الْفَاسِدِ، وَلِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْقِصٍ لِلْعَدَدِ، بَلْ مُتَارَكَةً.
وَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بَعْدَ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، لاِنْعِدَامِ الزَّوْجِيَّةِ أَصْلاً.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، حَتَّى لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي عِدَّتِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثَانِيَةً، كَانَتَا طَلْقَتَيْنِ، مَا لَمْ يُرِدْ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ أَرَادَ تَأْكِيدَ الأُْولَى لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ، مَا لَمْ تَكُنْ قَرَائِنُ الْحَالِ تَمْنَعُ صِحَّةَ إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ، وَذَلِكَ لأِنَّ الطَّلاَقَ الرَّجْعِيَّ لاَ يُنْهِي الْعَلاَقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، بِدَلاَلَةِ جَوَازِ رُجُوعِهِ إِلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ بِالْعَقْدِ الأْوَّلِ دُونَ عَقْدٍ جَدِيدٍ.
أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا وَالْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا إِذَا طَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْبَيْنُونَةُ صُغْرَى أَمْ كُبْرَى، وَكَذَلِكَ الْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا، وَذَلِكَ لاِنْقِضَاءِ النِّكَاحِ بِالْبَيْنُونَةِ وَالْفَسْخِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَانَةَ بَيْنُونَةً صُغْرَى فِي عِدَّتِهَا زَوْجَةٌ مِنْ وَجْهٍ بِدَلاَلَةِ جَوَازِ عَوْدِهَا إِلَى زَوْجِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ زَوَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهَا مَحَلٌّ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ عِنْدَهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا بَائِنًا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا أُخْرَى فِي عِدَّتِهَا كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، هَذَا مَا لَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الأُْولَى لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ.
وَأَمَّا الْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا فَلَمْ يَرَ الْحَنَفِيَّةُ وُقُوعَ الطَّلاَقِ فِي عِدَّتِهَا إِذَا كَانَ سَبَبُ الْفَسْخِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، كَتَقْبِيلِهَا ابْنَ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْحُرْمَةُ غَيْرَ مُؤَبَّدَةٍ كَانَتْ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ فِي أَحْوَالٍ، وَغَيْرَ مَحَلٍّ لَهُ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ فَقَالَ: وَمَحَلُّهُ الْمَنْكُوحَةُ، أَيْ وَلَوْ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ غَيْرِ ثَلاَثٍ فِي حُرَّةٍ وَثِنْتَيْنِ فِي أَمَةٍ، أَوْ عَنْ فَسْخٍ بِتَفْرِيقٍ لإِِبَاءِ أَحَدِهِمَا عَنِ الإِْسْلاَمِ أَوْ بِارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا.. بِخِلاَفِ عِدَّةِ الْفَسْخِ بِحُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ كَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ، أَوْ غَيْرِ مُؤَبَّدَةٍ، كَالْفَسْخِ بِخِيَارِ عِتْقٍ، وَبُلُوغٍ، وَعَدَمِ كَفَاءَةٍ، وَنُقْصَانِ مَهْرٍ، وَسَبْيِ أَحَدِهِمَا، وَمُهَاجَرَتِهِ، فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ فِيهَا كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْفَتْحِ.
رُكْنُ الطَّلاَقِ:
- رُكْنُ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الصِّيغَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ. أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: فَإِنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ فِي مَعْنَى الرُّكْنِ، وَيُدْخِلُونَ فِيهِ مَا يُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ أَطْرَافَ التَّصَرُّفِ. وَالطَّلاَقُ بِالاِتِّفَاقِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، فَرُكْنُ الطَّلاَقِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: الصِّيغَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لِلطَّلاَقِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، هِيَ: أَهْلٌ، وَقَصْدٌ، وَمَحَلٌّ، وَلَفْظٌ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَرْكَانٌ خَمْسَةٌ: مُطَلِّقٌ، وَصِيغَةٌ، وَمَحَلٌّ، وَوِلاَيَةٌ، وَقَصْدٌ. وَالأَْصْلُ فِي الصِّيغَةِ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الطَّلاَقِ الْكَلاَمُ، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ الْكِتَابَةُ أَوِ الإِْشَارَةُ، وَلاَ يَنْعَقِدُ الطَّلاَقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ نَوَى الطَّلاَقَ دُونَ لَفْظٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ لَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا، وَكَذَلِكَ إِذَا أَمَرَ زَوْجَتَهُ بِحَلْقِ شَعْرِهَا بِقَصْدِ الطَّلاَقِ، لاَ يَكُونُ مُطَلِّقًا أَيْضًا.
شُرُوطُ الطَّلاَقِ:
- يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ لَدَى الْفُقَهَاءِ شُرُوطٌ مُوَزَّعَةٌ عَلَى أَطْرَافِ الطَّلاَقِ الثَّلاَثَةِ، فَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُطَلِّقِ، وَبَعْضُهَا بِالْمُطَلَّقَةِ، وَبَعْضُهَا بِالصِّيغَةِ، وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُطَلِّقِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَلِّقِ لِيَقَعَ طَلاَقُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ صَحِيحًا شُرُوطٌ، هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ - أَنْ يَكُونَ زَوْجًا:
- وَالزَّوْجُ: هُوَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ عَقْدُ زَوَاجٍ صَحِيحٍ.
الشَّرْطُ الثَّانِي - الْبُلُوغُ:
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِ الصَّغِيرِ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، مُرَاهِقًا أَوْ غَيْرَ مُرَاهِقٍ، أُذِنَ لَهُ بِذَلِكَ أَمْ لاَ، أُجِيزَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَلِيِّ أَمْ لاَ، عَلَى سَوَاءٍ، ذَلِكَ لأِنَّ الطَّلاَقَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، فَلاَ يَمْلِكُهُ الصَّغِيرُ وَلاَ يَمْلِكُهُ وَلِيُّهُ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلاَقَ، فَقَالُوا: إِنَّ طَلاَقَهُ وَاقِعٌ عَلَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. أَمَّا مَنْ لاَ يَعْقِلُ فَوَافَقُوا الْجُمْهُورَ فِي أَنَّهُ لاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لاَ يَعْقِلُ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ طَلاَقَ لَهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلاَقَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ بِهِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ: فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ طَلاَقَهُ يَقَعُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْخِرَقِيُّ وَابْنُ حَامِدٍ.. وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَجُوزُ طَلاَقُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ.. وَرَوَى أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا عَقَلَ الطَّلاَقَ جَازَ طَلاَقُهُ مَا بَيْنَ عَشْرٍ إِلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لِدُونِ الْعَشْرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، لأِنَّ الْعَشْرَ حَدُّ الضَّرْبِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إِذَا أَحْصَى الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ جَازَ طَلاَقُهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَلَغَ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ وَعَنِ الْحَسَنِ: إِذَا عَقَلَ وَحَفِظَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا جَاوَزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ - الْعَقْلُ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ طَلاَقِ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ لِفِقْدَانِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ فِي الأْوَّلِ، وَنُقْصَانِهَا فِي الثَّانِي، فَأَلْحَقُوهُمَا بِالصَّغِيرِ غَيْرِ الْبَالِغِ، فَلَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَْدِلَّةِ.
وَهَذَا فِي الْجُنُونِ الدَّائِمِ الْمُطْبِقِ، أَمَّا الْجُنُونُ الْمُتَقَطِّعُ فَإِنَّ حُكْمَ طَلاَقِ الْمُبْتَلَى بِهِ مَنُوطٌ بِحَالِهِ عِنْدَ الطَّلاَقِ، فَإِنْ طَلَّقَ وَهُوَ مَجْنُونٌ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ طَلَّقَ فِي إِفَاقَتِهِ وَقَعَ لِكَمَالِ أَهْلِيَّتِهِ. وَقَدْ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِالْمَجْنُونِ النَّائِمَ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَرْسَمَ وَالْمَدْهُوشَ، وَذَلِكَ لاِنْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ لَدَيْهِمْ وَلِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ...» وَحَدِيثِ: «لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ».
وَأَمَّا السَّكْرَانُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِسُكْرِهِ، كَمَا إِذَا سَكِرَ مُضْطَرًّا، أَوْ مُكْرَهًا أَوْ بِقَصْدِ الْعِلاَجِ الضَّرُورِيِّ إِذَا تَعَيَّنَ بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ بِالاِتِّفَاقِ، لِفِقْدَانِ الْعَقْلِ لَدَيْهِ كَالْمَجْنُونِ دُونَ تَعَدٍّ، هَذَا إِذَا غَابَ عَقْلُهُ أَوِ اخْتَلَّتْ تَصَرُّفَاتُهُ، وَإِلاَّ وَقَعَ طَلاَقُهُ.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ، كَأَنْ شَرِبَ الْخَمْرَةَ طَائِعًا بِدُونِ حَاجَةٍ، وَقَعَ طَلاَقُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ رَغْمَ غِيَابِ عَقْلِهِ بِالسُّكْرِ، وَذَلِكَ عِقَابًا لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ: الأُْولَى: بِوُقُوعِ طَلاَقِهِ كَالْجُمْهُورِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلاَّلُ وَالْقَاضِي. وَالثَّانِيَةُ: بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ - رضي الله تعالى عنه - وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمِ، وَطَاوُسٍ، وَرَبِيعَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدِ اسْتُدِلَّ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوا السَّكْرَانَ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ.
كَمَا اسْتُدِلَّ لِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ بِأَنَّهُ فَاقِدُ الْعَقْلِ كَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ، وَبِأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ الْعَقْلِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كُسِرَ سَاقَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَأَنَّ امْرَأَةً لَوْ ضَرَبَتْ بَطْنَ نَفْسِهَا فَنَفِسَتْ، سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلاَةُ.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُطَلَّقَةِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَلَّقَةِ لِيَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا شُرُوطٌ، هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: قِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا:
- وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةُ زَوْجَةً لِلْمُطَلِّقِ، أَوْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقِهِ الرَّجْعِيِّ، فَإِذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ أَوْ فَسْخٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الاِخْتِلاَفُ فِيهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَحَلِّ الطَّلاَقِ.
هَذَا فِي الطَّلاَقِ الْمُنَجَّزِ، فَإِذَا عَلَّقَ طَلاَقَهَا بِشَرْطٍ، كَأَنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ زَوْجَةً صَحَّ الطَّلاَقُ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عِنْدَ التَّعْلِيقِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الطَّلاَقِ الْمُنَجَّزِ.
فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ حَصَلَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَضَافَ التَّعْلِيقَ إِلَى النِّكَاحِ - كَأَنْ قَالَ لِلأْجْنَبِيَّةِ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - طَلُقَتْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِ النِّكَاحِ، بِأَنْ قَالَ لِلأْجْنَبِيَّةِ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ، لَمْ تَطْلُقْ بِالاِتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ إِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ قَبْلَ الزَّوَاجِ، فَإِنَّهَا لاَ تَطْلُقُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
فَإِذَا عَلَّقَ طَلاَقَ الأْجْنَبِيَّةِ عَلَى غَيْرِ النِّكَاحِ، وَنَوَى فِيهِ النِّكَاحَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتِ الدَّارَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا، طَلُقَتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلنِّيَّةِ، وَلَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِعَدَمِ الإِْضَافَةِ لِلنِّكَاحِ لَفْظًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: تَعْيِينُ الْمُطَلَّقَةِ بِالإِْشَارَةِ أَوْ بِالصِّفَةِ أَوْ بِالنِّيَّةِ.
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الْمُطَلَّقَةِ، وَطُرُقُ التَّعْيِينِ ثَلاَثَةٌ: الإِْشَارَةُ، وَالْوَصْفُ، وَالنِّيَّةُ، فَأَيُّهَا قُدِّمَ جَازَ، فَإِذَا تَعَارَضَ الثَّلاَثَةُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ التَّالِي: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَيَّنَ الْمُطَلَّقَةَ بِالإِْشَارَةِ وَالصِّفَةِ وَالنِّيَّةِ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ، كَأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي اسْمُهَا عَمْرَةُ مُشِيرًا إِلَيْهَا: يَا عَمْرَةُ، أَنْتِ طَالِقٌ، قَاصِدًا طَلاَقَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِالاِتِّفَاقِ، لِتَمَامِ التَّعْيِينِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ لِمُتَعَدِّدَاتٍ دُونَ أَنْ يَصِفَهَا بِوَصْفٍ، وَلَمْ يَنْوِ غَيْرَهَا، وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا بِالاِتِّفَاقِ أَيْضًا، لأِنَّ الإِْشَارَةَ كَافِيَةٌ لِلتَّعْيِينِ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَصَفَهَا بِوَصْفِهَا دُونَ إِشَارَةٍ وَدُونَ قَصْدِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ أَيْضًا، كَمَا إِذَا قَالَ: سَلْمَى طَالِقٌ. فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْهَا وَلَمْ يَصِفْهَا، كَمَا إِذَا قَالَ: إِحْدَى نِسَائِي طَالِقٌ، وَنَوَى وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ دُونَ غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ.
فَإِنْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، وَوَصَفَ غَيْرَهَا، بِأَنْ قَالَ لإِِحْدَى زَوْجَاتِهِ وَاسْمُهَا سَلْمَى: أَنْتِ يَا عَمْرَةُ طَالِقٌ، وَكَانَتِ الأُْخْرَى اسْمُهَا عَمْرَةُ، طَلُقَتِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَضَاءً، وَلَمْ تَطْلُقْ عَمْرَةُ لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: الْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ، وَفِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ وَكَذَلِكَ إِذَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَوَصَفَهَا بِغَيْرِ وَصْفِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ، كَمَا إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ، أَنْتِ يَا غَزَالَةُ طَالِقٌ، لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ.
فَإِذَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ وَصَفَهَا بِوَصْفٍ هُوَ فِيهَا، وَعَنَى بِهَا غَيْرَهَا، كَأَنْ قَالَ: زَوْجَتِي سَلْمَى طَالِقٌ، وَقَصَدَ غَيْرَهَا، دُيِّنَ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ اسْمُهَا سَلْمَى (وَوَقَعَ دِيَانَةً) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ عَلَيْهِ دِيَانَةً وَلاَ قَضَاءً، لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ أَصْلاً، وَعَدَمِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلنِّيَّةِ.
فَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ الدُّنْيَا كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، وَنَوَى زَوْجَتَهُ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ مَحَلَّتِي كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، نَوَاهَا أَمْ لَمْ يَنْوِهَا، فَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ مَدِينَتِي كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، فَإِنْ نَوَى زَوْجَتَهُ فِيهِنَّ طَلُقَتْ، وَإِلاَّ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى عَدَمِ طَلاَقِهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا تَطْلُقُ كَمَا فِي نِسَاءِ الْحَيِّ.
وَلَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقِ امْرَأَتُهُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ: سَلْمَى وَعَمْرَةُ، فَدَعَا سَلْمَى فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ، فَظَنَّهَا سَلْمَى فَطَلَّقَهَا، طَلُقَتْ سَلْمَى دِيَانَةً وَقَضَاءً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْقَصْدِ، أَمَّا عَمْرَةُ فَتَطْلُقُ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً لِعَدَمِ الْقَصْدِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى طَلاَقِ الْمُجِيبَةِ فِي الأْصَحِّ ، أَمَّا الْمُنَادَاةُ فَلَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَمْ تَطْلُقَا. وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ مَعَهَا: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: قَصَدْتُ الأْجْنَبِيَّةَ، ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الأْصَحِّ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ، لاِحْتِمَالِ كَلاَمِهِ ذَلِكَ وَلِكَوْنِ الأْجْنَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ قَابِلَةً - أَيْ لِلطَّلاَقِ - فَتُقَدَّمُ النِّيَّةُ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ، لأِنَّهَا مَحَلُّ الطَّلاَقِ دُونَ الثَّانِيَةِ، فَلاَ يُصْرَفُ قَوْلُهُ إِلَى قَصْدِهِ، لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: إِعْمَالُ الْكَلاَمِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ أَصْلاً، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ قَوْلاً وَاحِدًا لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ، فَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَرَجُلٍ: أَحَدُكُمَا طَالِقٌ، وَقَصَدَ الرَّجُلَ، بَطَلَ قَصْدُهُ، وَطَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، لأِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مَحَلَّ الطَّلاَقِ أَصْلاً.
وَلَوْ قَالَ لإِِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ إِنْ فَعَلَتُ كَذَا، ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ إِحْدَاهُمَا، تَعَيَّنَتِ الثَّانِيَةُ الْحَيَّةُ لِلطَّلاَقِ، طَلُقَتْ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ الأَْرْبَعِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ طَلُقَتْ الَّتِي نَوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، وَمَنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهَا كَانَتْ هِيَ الْمُطَلَّقَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ: طَلُقْنَ جَمِيعًا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهَا مِنْهُنَّ لِلطَّلاَقِ.
فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ وَنَسِيَهَا، أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لاَ يُعَوَّلُ عَلَى الْقُرْعَةِ لِبَيَانِ مَنْ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ عَلَى تَعْيِينِهِ هُوَ.
وَتَطْلِيقُ جُزْءِ الْمُطَلَّقَةِ كَتَطْلِيقِهَا كُلِّهَا إِذَا كَانَ الْجُزْءُ شَائِعًا وَأَضَافَهُ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ ثُلُثُكِ، أَوْ رُبُعُكِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَلْفٍ مِنْكِ.. فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ ثَابِتًا فِيهَا وَجُزْءًا لاَ يَتَجَزَّأُ مِنْهَا كَرَأْسِهَا، وَبَطْنِهَا... فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ كَلُعَابِهَا، وَعَرَقِهَا، وَسَائِرِ فَضَلاَتِهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا عَادَةً كَالرَّأْسِ، وَالْوَجْهِ، وَالرَّقَبَةِ، وَالظَّهْرِ.. طَلُقَتْ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا عَادَةً كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَمْ تَطْلُقْ فَإِنْ تَعَارَفَهُ النَّاسُ طَلُقَتْ بِهِ أَيْضًا.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِصِيغَةِ الطَّلاَقِ:
- صِيغَةُ الطَّلاَقِ هِيَ اللَّفْظُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَعَاضُ عَنِ اللَّفْظِ فِي أَحْوَالٍ بِالْكِتَابَةِ أَوِ الإِْشَارَةِ. وَلِكُلٍّ مِنَ اللَّفْظِ وَالْكِتَابَةِ وَالإِْشَارَةِ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِهَا فِيهِ، وَإِلاَّ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:
أ - شُرُوطُ اللَّفْظِ:
يُشْتَرَطُ فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الطَّلاَقِ شُرُوطٌ هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: الْقَطْعُ أَوِ الظَّنُّ بِحُصُولِ اللَّفْظِ وَفَهْمِ مَعْنَاهُ:
- الْمُرَادُ هُنَا: حُصُولُ اللَّفْظِ وَفَهْمُ مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ نِيَّةُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهِ، وَقَدْ تَكُونُ نِيَّةُ الْوُقُوعِ شَرْطًا فِي أَحْوَالٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَعَلَى هَذَا إِذَا حَلَفَ الْمُطَلِّقُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ شَكَّ أَكَانَ حَلِفُهُ بِطَلاَقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَغْوٌ وَلاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لاَ؟ فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْعَدَدِ، أَطَلَّقَ وَاحِدَةً، أَمْ ثِنْتَيْنِ، أَمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ بَنَى عَلَى الأَْقَلِّ لِحُصُولِ الْيَقِينِ أَوِ الظَّنِّ بِهِ وَالشَّكِّ فِيمَا فَوْقَهُ، وَالشَّكُّ لاَ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِخِلاَفِ الظَّنِّ وَالْيَقِينِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَحَرَّى، فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ حُمِلَ بِأَشَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا فِي قَضَايَا الْفُرُوجِ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ تَعْلِيقًا عَلَى ذَلِكَ: وَيُمْكِنُ حَمْلُ الأْوَّلِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الدِّيَانَةِ.
فَإِذَا نَوَى التَّلَفُّظَ بِالطَّلاَقِ ثُمَّ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، لَمْ يَقَعْ بِالاِتِّفَاقِ، لاِنْعِدَامِ اللَّفْظِ أَصْلاً، وَخَالَفَ الزُّهْرِيُّ، وَقَالَ بِوُقُوعِ طَلاَقِ النَّاوِي لَهُ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ. وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ». وَلَوْ لُقِّنَ أَعْجَمِيٌّ لَفْظَ الطَّلاَقِ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، فَقَالَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ عَرَبِيٌّ إِذَا لُقِّنَ لَفْظًا أَعْجَمِيًّا يُفِيدُ الطَّلاَقَ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: نِيَّةُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِاللَّفْظِ:
- هَذَا خَاصٌّ بِالْكِنَايَاتِ مِنَ الأَْلْفَاظِ، أَمَّا الصَّرِيحُ فَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهِ نِيَّةُ الطَّلاَقِ أَصْلاً، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ حَيْثُ أَوْقَعُوا الطَّلاَقَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ، وَهِيَ الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ، كَقَوْلِ الْمُطَلِّقِ لِزَوْجَتِهِ: سَرَّحْتُكِ، فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ: طَلَّقْتُكِ، وَوَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، خِلاَفًا لِمَا فُهِمَ مِنْ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ، وَذُكِرَ فِي نَيْلِ الْمَآرِبِ أَنَّ لَفْظَ: سَرَاحٍ مِنَ الْكِنَايَاتِ فَيَحْتَاجُ لِلنِّيَّةِ. وَهَلْ تَقُومُ قَرَائِنُ الأَْحْوَالِ وَالْعُرْفِ مَقَامَ النِّيَّةِ فِي الْكِنَايَاتِ؟.
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَالُوا: لاَ عِبْرَةَ. بِالْعُرْفِ وَقَرَائِنِ الْحَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ طَلاَقَهَا طَلُقَتْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِلنِّيَّةِ، وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ ظِهَارًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الطَّلاَقَ لَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَطْلُقُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَطْلُقُ ثَلاَثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَيُنَوَّى (أَيْ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ) فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَهَلْ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِلَفْظٍ لاَ يَحْتَمِلُهُ أَصْلاً كَقَوْلِهِ لَهَا: اسْقِنِي مَاءً؟ إِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلاَقَ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ وَقَعَ الطَّلاَقُ بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ.